يا أبجرُ بنَ أبجرِ يا أنتا
وهو من نيابة بعض الضمائر عن بعض.
وتأول بعضهم: "يا إياك" على أن "يا" للتنبيه و"إياك" منصوب بمقدر يدل عليه الظاهر بعده.
و"يا أنت" على أن "يا" للتنبيه و"أنت" مبتدأ، و"أنت" الثاني مبتدأ ثانٍ أو توكيد, أو فصل، أو بدل، والخبر الموصول.
والقسم الثاني: يجوز فيه حذف النداء -وهو ما عدا القسم الأول- إلا أن منه ما يقل الحذف معه، ومنه ما يكثر.
وقد نبّه على ما يقل بقوله:
وذاك في اسم الجنس والمشار له ... قل ومن يمنعه فانصر عاذله
الإشارة إلى تعرِّيه من الحرف. ومن حذفه من اسم الجنس قوله: "ثوبي حَجَر" ١.
وجاءت منه ألفاظ في النثر والنظم.
ومذهب البصريين: أن حذف حرف النداء منه, لا يجوز إلا في شذوذ أو ضرورة.
وهو عند الكوفيين قياس مطرد.
стр. 1017
ومن حذفه من اسم الإشارة قوله١:
..................... ... بمثلك هذا لوعة وغرام
وسمع منه أبيات.
ومذهب البصريين: أنه لا يجوز؛ ولذلك لحنوا أبا الطيب في قوله٢:
هذي بَرَزتِ لنا فهجتِ رَسِيسا
стр. 1018
ومذهب الكوفيين جوازه، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١.
تنبيه:
ظاهر كلامه موافقة الكوفيين على الجواز، وقال الشارح: وقول الشيخ: ومن يمنعه فانصر عاذله، يوهم اختيار مذهب الكوفيين.
هذا, إن لم يحمل المنع على عدم قبول ما جاء من ذلك.
قلت: قد صرح بموافقتهم في اسم الجنس في شرح الكافية، فقال: وقولهم هذا أصح. انتهى. والإنصاف القياس على اسم الجنس؛ لكثرته نثرا ونظما.
"وقصر"٢ اسم الإشارة على السماع، إذ لم يرد إلا في الشعر.
وأما نحو: "ثم أنتم هؤلاء" فمتأول٣.
فإن قلت: فهم من كلامه أن ما سوى هذه الخمسة يجوز معه حذف حرف النداء، وليس على إطلاقه.
فقد ذكر في التسهيل٤: أن مما يلزمه الحرف لفظ الجلالة والمتعجب منه، ولم يذكرهما هنا، وقد ذكر الأول في الكافية دون الثاني.
стр. 1019
قلت: لما كان الأكثر في لفظ الجلالة تعويض الميم عن حرف النداء, لم يذكره مع ما يلزمه الحرف.
وأما المتعجب منه، فلما كان كالمشتقّات لفظا وحكما نحو: "يا للماء" استغنى بذكره عنه.
فإن قلت: إذا كان حرف النداء غير لازم مع لفظ الجلالة؛ لكونه قد يحذف إذا عوض عنه. فما وجه ذكره في التسهيل والكافية مع ما يلزم الحرف؟
قلت: وجهه أنه مما يلزمه الحرف إذا لم يعوض.
فإن قلت: أطلق في اسم الجنس، والمراد إنما هو اسم الجنس المبني للنداء، فإنه محل الخلاف.
فأما اسم الجنس المفرد غير المعين, فقد نص في الكافية وشرحها على أن الحرف يلزمه.
قلت: أجاز بعضهم حذف الحرف منه أيضا نحو: "رجلا خذ بيدي".
فلعله ذهب هنا إلى ذلك، فيكون إطلاقه مرادا.
فإن قلت: وأطلق أيضا في "اسم"١ الإشارة، وهو مقيد بألا يصحب كاف الخطاب, فإن صحبها ففي ندائه مع ثبوت الحرف خلاف، وممن منع السيرافي.
فإن لم يصحبه الحرف, فلا خلاف في جواز ندائه, ذكره في الارتشاف.
قلت: كأنه اعتمد على تقييده بالواقع؛ لقلته.
تنبيه:
قال في الكافية, بعد ذكر لفظ الجلالة والمضمر والمستغاث واسم الإشارة واسم الجنس:
وغير ذي الخمسة ناده بيا ... أو غيرها أو أوله تعريا
وذكر في شرحها أن ذلك بإجماع.
стр. 1020
فقد يقال: يرد عليه المندوب والمتعجب منه.
والجواب: أنه ذكر المندوب قبل ذلك, فقال: وألزم المندوب وا أو لفظ يا, وتقدم الجواب عن المتعجب منه.
والحاصل: أن حرف النداء يجوز حذفه من العلم نحو: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ ١.
والمضاف نحو: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ ، والموصول نحو: "من لا يزال محسنا أحسن إليَّ"، وأي نحو: "أيها المؤمنون", والمطول نحو: "خيرا من زيد أقبل".
ويختلف في جواز حذفه من اسم الجنس المبني للنداء، واسم الإشارة، والنكرة غير المقصودة.
ويمتنع مع الأشياء المتقدم ذكرها.
قوله:
وابن المعرَّف المنادى المفردا ... على الذي في رفعه قد عُهدا
المعرف: يشمل ما له تعريف قبل النداء نحو: "يا زيد", وما "حصل"٢ له تعريف في النداء نحو: "يا رجل".
أما نحو: "يا زيد" فقيل: باقٍ على علميته، وهو مذهب ابن السراج، وقيل: سلب تعريف العلمية وتعرف بالإقبال، وهو مذهب المبرد والفارسي.
وإلى الأول ذهب المصنف، واحتج بنداء ما لا يمكن سلب تعريفه كاسم الله تعالى واسم الإشارة.
وأما نحو: "يا رجل"، فقيل: تعرف بالإقبال والقصد٣, وإليه ذهب المصنف وقيل: بأل محذوفة.
стр. 1021
والمراد بالمفرد هنا: ما ليس مضافا ولا شبيها به كما في باب "لا", فيشمل المثنى والجمع والمركب تركيب مزج.
وقوله:
على الذي في رفعه قد عُهدا
يعني: أنه يبنى على ما كان يرفع به قبل النداء من ضمة ظاهرة نحو: "يا زيد" و"يا رجال" و"يا مسلمات"، أو مقدرة نحو: "يا زيدون".
فإن قلت: ما علة بناء المنادى المفرد؟
قلت: شبهه بالمضمر من نحو: "يا أنت" في التعريف والإفراد, وتضمين معنى الخطاب.
وقيل: إجراؤه مجرى الأصوات, ونسب إلى سيبويه.
تنبيهات:
الأول: قال في التسهيل: ويجوز نصب ما وُصف من معرّف بقصد وإقبال١، وحكاه في شرحه عن الفراء، وأيده بما روي من قوله ﵊ في سجوده: "يا عظيما يُرجَى لكل عظيم".
وجعل منه٢:
أَدَارًا بجُزْوَى هجتِ للعين عَبْرة....
стр. 1022
فظاهر مذهب البصريين أن النصب في هذا البيت ونحوه؛ لقصد التنكير.
الثاني: ذهب الكسائي والزيادي إلى أن ضمة "يا زيد" ونحوه ضمة إعراب, ونقله ابن الأنباري عن الكوفيين.
الثالث: ذهب بعض الكوفيين, إلى أن نداء المثنى والمجموع على حده بالياء, تشبيها بالمضاف.
قال في البسيط: وهو فاسد؛ لأنه ليس مركبا.
الرابع: إذا ناديت "اثني عشر" و"اثنتي عشرة" قلت: يا اثنا عشر ويا اثنتا عشرة, بالألف.
وقال الكوفيون: يا اثني عشر، ويا اثنتي عشرة -بالياء- إجراء لهما مجرى المضاف.
وأشار بقوله:
وانوِ انضمام ما بنوا قبل الندا
إلى أن ما كان مبنيا قبل النداء، يقدر بناؤه على الضم نحو: ""يا سيبويه" و"يا رقاش" و"يا خمسة عشر" و"يا برق نحره""١.
стр. 1023
"ويظهر أثر التقدير في التابع فيجوز"١: "يا سيبويه الظريف" -بالنصب- اتباعا للمحل -وبالرفع- اتباعا للبناء المقدر٢.
وإلى هذا أشار بقوله:
.... وليُجْزَ مجرى ذي بناء جُدِّدا
ثم قال:
والمفرد المنكور والمضافا ... وشِبْهه انصب عادما خلافا
مثال المفرد المنكور -يعني: الذي لم يقصد به معين- قول الأعمى: "يا رجلا خذ بيدي", وقوله٣:
стр. 1024
أيا راكبا إما عرضت فبلغَنْ ... ........................
والمضاف نحو: "يا غلام زيد", والمشبه بالمضاف -ويسمى المطول والممطول- وهو طول بعمل أو عطف نحو: "يا عظيما فضله" و"يا راحما عبده" و"يا لطيفا بالعباد", ونحو: "يا ثلاثةً وثلاثين" اسم رجل.
فلو ناديت جماعة هذه عدتهم قلت: يا ثلاثة والثلاثون فيمن قال: والحارثُ, والثلاثين فيمن قال: والحارثَ.
وفصل الأخفش فقال: إن أريد بذلك جماعة مبلغها هذا العدد, فلا يجوز إلا نصب الاسمين؛ لأنهما إذ ذاك وقعا على مسمى واحد.
وإن "كان"١ الثلاثة على حدة والثلاثون على حدة، حكم لهما بحكم المعطوف "والمعطوف"٢ عليه.
قيل: وينبغي أن يفصل فيما إذا كان كل منهما على حدة بين أن يكون كل منهما مقصودا بالنداء، فالحكم كذلك، وبين أن يقصد ثلاثة مبهمة فينصبا معا.
تنبيه:
لا يطول المنادى بمعموله، إلا إذا كان ملفوظا به، فلا يعتدّ بالضمير المستكن.
"فرعان" على ذلك:
لو قلت: "يا ذاهبُ" لبنيت على الضم؛ لعدم الاعتداد بالضمير.
ولو قلت: "يا ذاهبُ وزيد" فإن عطف على ذاهب فالبناء، أو على الضمير نصبت لعمله في "زيد" بواسطة الحرف.
ومن ثم وجب: "يا مشتركا وزيدا" بالنصب, عطفا على الضمير؛ لعدم استغنائه بواحد.
стр. 1025
فإن قلت: كيف قال: "عادما خلافا" مع أن في بعض ذلك خلافا؟
ذهب المازني: أنه لا يتصور وجود للنكرة غير المقبل عليها، وأن ما جاء منونا نحو:
أدارا بجزوى هجت للعين عبرة
ضرورة.
وذهب ثعلب: إلى جواز ضم المضاف الصالح للألف واللام نحو: "يا حسن الوجه".
قلت: أما الأول: فخلاف في وجود قسم، لا في حكمه.
وأما الثاني: فجوابه أن مراده: "عادما خلافا" في صحة النصب، ولم يختلف في صحته، وإن أجاز بعضهم معه الضم في بعض المواضع.
وقوله:
ونحو زيد ضُمَّ وافتحن من ... نحو أزيدُ بنَ سعيد لا تهن
يجوز في المنادى المضموم أن يفتح بخمسة شروط:
الأول: أن يكون عَلَما.
الثاني: أن ينعت بابن.
الثالث: أن يضاف الابن إلى علم.
الرابع: ألا يفصل بين ابن وموصوفه.
الخامس: أن يكون المنادى مما يُضم لفظا.
فلو كان غير علم نحو: "يا غلام ابن زيد" أو منعوتا بغير ابن نحو: "يا زيد الكريم", أو أُضيف الابن إلى غير علم نحو: "يا زيد ابن أختنا", أو كان المنادى لا تظهر الحركة فيه نحو: "يا عيسى بن مريم" تعين الضم.
وقد جمع هذه الشروط قوله: "أزيد بن سعيد".
فيجوز في "زيد" ضمه على الأصل، وفتحه إتباعا لفتحة "ابن" ولا يعتد بفصل الساكن.
стр. 1026
وقد نص على اشتراط عَلَمية المنادى والمضاف إليه واتصاله بقوله:
والضم إن لم يَلِ الابنُ علمًا ... أو يل الابنَ علمٌ قد حُتما
فإن قلت: من أين يفهم اشتراط الاتصال؟
قلت: من قوله: "يَلِ".
فإن قلت: قد أخل بالشرط الخامس.
قلت: هو شرط مختلف فيه، فإن الفراء أجاز في نحو: "يا عيسى بن مريم" تقدير الفتحة والضمة، إلا أن المصنف شرطه في التسهيل١ وأوجب تقدير الضمة, إذ لا فائدة في تقدير الفتحة.
فإن قلت: كان ينبغي أن ينص على أن شرط الفتح في ذلك جعل الابن صفة؛ لأنه لو جعل بدلا أو عطف بيان أو منادى أو مفعولا بفعل مقدر تعيّن الضم، ولا يغني تمثيله عن ذلك؛ لأن المثال يحتمل هذه الأوجه.
قلت: هي احتمالات مرجوحة، وكونه نعتا هو الظاهر، ولو نص على ذلك لكان أولى.
فإن قلت: لم يبيّن أي الوجهين أرجح.
قلت: ذهب المبرد إلى أن الضم أجود، وقال ابن كيسان: الفتح أكثر في كلام العرب.
قيل: والفتح اختيار البصريين.
تنبيهات:
الأول: لا إشكال في أن فتحة "ابن" فتحة إعراب إذا ضم موصوفه، وأما إذا فُتح فمذهب الجمهور أنها أيضا فتحة إعراب، وقال عبد القاهر: هي حركة بناء؛ لأنك ركَّبته مع "زيد".
стр. 1027
الثاني: حكم "ابنة" حكم "ابن" فيما ذكر، فيجوز الضم والفتح في نحو: "يا هند بنةَ زيدٍ" خلافا لبعضهم.
وأما النعت ببنت, فلا أثر له في النداء١.
الثالث: يلحق بالعَلَم نحو: "يا فلانُ بنَ فلان" و"يا ضُلُّ بنَ ضل"٢ و"يا سيد بن سيد" ذكره في التسهيل٣, وهو مذهب الكوفيين.
ومذهب البصريين في ذلك ونحوه مما ليس بعلم, التزام الضم.
الرابع: أجاز الكوفيون فتح المنعوت بغير "ابن", إذا كان المنعوت مفردا نحو:
يا زيد الكريم" وأنشدوا٤
стр. 1028
............. ... يا عمرَ الجوادا
بالفتح.
وخرج على وجهين: أحدهما: أن أصله "يا عمرا" -بالألف- عند من يجيز إلحاقها من غير الندبة والاستغاثة والتعجب.
والآخر: أصله "عمرًا" -بالتنوين- ضرورة، ثم حذفه؛ لالتقاء الساكنين.
الخامس: حكى الأخفش عن بعض العرب: "يا زيدُ بنُ عمرو" بضم النون, إتباعا لضمة الدال.
وقوله:
واضمم أو انصب ما اضطرارا نُوِّنا ... مما له استحقاق ضم بُيِّنا
الذي يستحق البناء على الضم هو المعرفة، فإذا اضطر شاعر إلى تنوينه جاز له فيه وجهان:
أحدهما: الضم, تشبيها بمرفوع، اضطر إلى تنوينه وهو مستحق لمنع الصرف.
والثاني: النصب، تشبيها بالمضاف لطوله بالتنوين.
وكلاهما مسموع من العرب.
والضم اختيار الخليل وسيبويه، والنصب اختيار أبي عمرو وعيسى ويونس والجرمي والمبرد.
قال المصنف: وعندي أن بقاء الضم راجح في العلم، والنصب راجح في النكرة المعينة؛ لأن شبهها بالمضمر أضعف.
وقوله:
وباضطرار خُص جمع يا وأل ... إلا مع الله ومحكِيِّ الجُمَل
стр. 1029
يعني: أن الجمع بين حرف النداء وحرف التعريف مخصوص بالضرورة كقوله١:
فيا الغلامان اللذان فرا ... ...................
إلا في موضعين:
أحدهما: "مع"٢ الله، فيجوز "يا الله" بوصل الهمزة وقطعها؛ للزوم أل لهذا الاسم حتى صارت بمنزلة الحروف الأصلية.
والآخر: ما سمي به من الجمل المصدّرة بأل نحو: "يا المنطلق زيد" -في رجل مسمى بذلك- نص عليه سيبويه.
تنبيه:
قاس المبرد ما سمي به من موصول مصدر بأل على الجملة نحو: "يا الذي قام", قال في شرح التسهيل: وهو قياس صحيح. انتهى. ونص سيبويه على منعه. فإن قلت: أهمل هنا موضعا ثالثا ذكره في التسهيل٣ وهو اسم الجنس المشبه به نحو:
стр. 1030
"يا الأسدَ شدةً"١.
قلت: إنما لم يذكره هنا لأن مذهب الجمهور منعه، والجواز مذهب ابن سعدان في شرح التسهيل, وهو قياس صحيح؛ لأن تقديره: يا مثلَ الأسد, فحسن لتقدير دخول "يا" على غير الألف واللام.
وأجاز الكوفيون والبغداديون دخول حرف النداء على ما فيه "أل" مطلقا، ولا حجة لهم في نحو: "يا الغلامان" لأنه ضرورة.
وقوله:
والأكثر اللَّهُمَّ بالتعويض
يعني: أن الأكثر في نداء هذا الاسم الشريف تعويض الميم المشددة في آخره عن حرف النداء، فيقال: "اللهم" وهذا من خصائصه.
ثم قال:
وشذ يا اللهم في قريض
وجه شذوذه أن فيه جمعا بين العِوَض والمعوَّض، ومنه قوله٢:
стр. 1031
إني إذا ما حَدَثٌ ألمّا ... أقول يا اللهم, يا اللهما
تنبيهات:
الأول: مذهب الكوفيين أن الميم في "اللهم" بقية جملة محذوفة وهي: "أمّنا بخير", وليست عوضا عن حرف النداء؛ فلذلك أجازوا الجمع بينهما في الاختيار.
الثاني: شذ أيضا حذف "أل" منه كقوله١:
لاهُمَّ إن كنت قَبِلت حجتج ... ..............
وهو في الشعر كثير.
الثالث: قال في الارتشاف: لا يستعمل "اللهم" إلا في النداء، وشذ استعماله في غير النداء.
стр. 1032
قلت: أنشد الفراء لبعض العرب١:
كحلفة من أبي رِيَاح ... يسمعها لاهم الكبار
وفيه شذوذان:
أحدهما: استعماله في غير النداء؛ لأنه فاعل يسمعها.
والثاني: تخفيف ميمه.
الرابع: إذا قلت: "اللهم" ففي جواز وصفه خلاف؛ منعه سيبويه والخليل، قال بعضهم: لأنه لما اتصلت به الميم صار بمنزلة صوت كقولك: "يا هناه", وأجازه المبرد والزجاج.
الخامس: قال في النهاية: استعمل "اللهم" على ثلاثة أنحاء:
стр. 1033
أحدها: أن "يراد به"١ النداء المحض، كقولهم: "اللهم أمنا".
والثاني: أن يذكره المجيب تمكينا للجواب في نفس السامع، يقول لك القائل: "أزيد قائم؟ " فتقول: اللهم نعم، أو اللهم لا.
الثالث: أن تستعمل دليلا على الندرة وقلة وقوع المذكور, كقوله:
"أنا أزورك اللهم إذا لم تدعُني".
ألا ترى أن وقوع "الزيارة"٢ مقرونا بعدم الدعاء قليل؟ انتهى.
стр. 1034
فصل "في تابع المنادى ":
تابع ذي الضم المضاف دون أل ... ألزِمْه نصبا كأزيد ذا الحيل
اعلم أن المنادى إن كان معربا فتابعه منصوب لا غير، نحو: يا أخانا الفاضلَ "ما لم يكن"١ بدلا أو عطف نسق، فحكمهما بعد المعرب كحكمهما بعد المبني على الضم وسيأتي.
وإن كان مبنيا على الضم نحو: "يا زيدُ" و"يا رجل" و"يا سيبويه" فتابعه إن كان بدلا أو عطف نسق, فسيأتي الكلام عليهما.
وأما غيرهما, فإن كان مضافا غير مقرون بأل لزم نصبه مطلقا، مثال النعت: "يا زيدُ ذا الحِيَل" والتوكيد: "يا زيد نفسَهُ" وعطف البيان: "يا زيدُ عائدَ الكلبِ".
وإن كان مضافا مقرونا بأل, أو مفردا ففيه وجهان: الرفع إتباعا للفظ المنادى, والنصب إتباعا لمحله.
وإلى ذلك الإشارة بقوله:
وما سواه ارفع أو انصب
فشمل قوله: ما سواه المضاف المقرون بأل نحو: "يا زيدُ الحسنَ الوجهِ", والمفرد نحو: "يا زيد الظريف", و"يا تميم أجمعين", و"يا سعيد كرز", فيجوز في جميع ذلك الرفع والنصب على ما تقدم.
فإن قلت: أما النصب إتباعا للمحل فظاهر؛ لأن المنادى مفعول بفعل مقدر.
وأما الرفع إتباعا للفظ فمشكل؛ لأن ضمة المنادى بناء، وحركة البناء لا تتبع.
قلت: لما كان البناء في باب النداء مشابها للإعراب في اطراد حركته جاز إتباعه.
فإن قلت: فهلا جاز الرفع أيضا في المضاف العاري من أل؟
стр. 1035
قلت: لأنه يستلزم تفضيل فرع عن أصل، إذ لو كان منادى لوجب نصبه.
فإن قلت: فلِمَ ألحق المضاف المقرون بأل المفرد في جواز الوجهين؟
قلت: لأن إضافته غير محضة، فلم يعتدّ بها.
فإن قلت: فهل الرفع والنصب في المفرد سيان؟
قلت: لم ينص المصنف على تسوية ولا ترجيح، ولكن النصب أقيس.
وفي الفرخ: أكثر قول العرب الرفع في: "يا زيد العاقل".
تنبيهات:
الأول: شمل قوله: "تابع" الخمسة، ومراده النعت والتوكيد وعطف البيان, علم ذلك مما بعد.
الثاني: شمل قوله: "ذي الضم" العلم والنكرة المقصودة والمبني قبل النداء؛ لأنه يقدر ضمة، و"قد"١ تقدم تمثيل الثلاثة.
الثالث: أجاز الكسائي والفراء والطوال وابن الأنباري الرفع في نحو: "يا زيدُ صاحبُنا"، والصحيح المنع؛ لأن إضافته محضة٢.
وأجاز الفراء رفع التوكيد والمنسوق المضافين, قياسا على النعت.
وقد سمع الرفع في "يا تميمُ كلكم" وحمل على القطع، أي: كلكم مدعوّ. ثم قال:
واجعلا.... كمستقل نسقا وبدلا
يعني: أن حكم النسق والبدل في الإتباع حكمهما في الاستقلال، ولا فرق في ذلك بين الواقع بعد مضموم، والواقع بعد منصوب، فما كان منهما مفردا غير معين أو مضافا أو مطولا نصب نحو: "يا زيد رجلا صالحا" و"يا زيد وغلاما" و"يا زيد أخانا" و"يا زيد وأخانا" و"يا زيد خيرا من عمرو" و"يا زيد وخيرا من عمرو".
стр. 1036
وما كان منهما مفردا علما أو معينا, بُني على الضم نحو: "يا زيد وعمرو" و"يا زيد ورجل".
وذهب الأخفش وخطاب إلى أنه لا يجوز عطف النكرة المقبل عليها على العلم.
فلا يجوز: يا زيد ورجل.
وإنما جعل البدل والنسق كالمستقل؛ لأن البدل في قوة تكرار العامل, والعاطف كالنائب عن العامل.
تنبيهان:
الأول: أجاز المازني والكوفيون النصب في نحو: "يا زيدُ وعمرًا".
قال في شرح التسهيل: وما رواه غير بعيد من الصحة, إذا لم تنوِ إعادة حرف النداء.
فإن المتكلم قد يقصد إيقاع نداء واحد على الاسمين.
قال: ويجوز عندي أن يعتبر في البدل حالان؛ حال يجعل فيها كالمستقل وهو الكثير نحو: "يا غلام زيد"، وحال يعطى فيها الرفع والنصب لشبهه فيها بالتوكيد والنعت وعطف البيان وعطف النسق المقرون بأل في عدم الصحة؛ لتقدير حرف نداء قبله نحو:
"يا تميم الرجال والنساء".
الثاني: ما ذكر من أن المنسوق كالمستقل إنما هو في غير المقرون بأل, وأما المقرون بأل فقد ذكر حكمه في قوله:
وإن يكن مصحوب أل ما نُسِقا ... ففيه وجهان ورفع يُنتقَى
إذا كان المنسوق مقرونا بأل, جاز فيه وجهان: الرفع والنصب نحو: "يا زيد والحارث".
وإنما لم يجعل كالمستقل؛ لامتناع مباشرته لحرف النداء.
стр. 1037
واختلف في المختار من الوجهين؛ فقال الخليل وسيبويه والمازني: الرفع، ووجهه مشاكلة الحركة، وحكاية سيبويه أنه أكثر، وإليه ذهب الناظم.
وقال أبو عمرو وعيسى بن عمرو الجرمي: النصب، ووجهه أن ما فيه أل لم يَلِ حرف النداء, فلم يجعل كلفظ ما وليه، وإجماع القراء -ما عدا الأعرج- على النصب في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ ١.
وقال المبرد: إن كان معرفة فالنصب وإلا فالرفع، ووجهه أن المعرفة بأل تشبه المضاف.
تنبيه:
هذا الخلاف في الاختيار, والوجهان مجمع على جوازهما إلا فيما عطف على نكرة مقصودة نحو: "يا رجلُ والغلام", فلا يجوز فيه على مذهب الأخفش ومن تبعه إلا الرفع.
وقوله:
وأيها مصحوب أل بعد صفهْ ... يلزم بالرفع لدى ذي المعرفهْ
إذا نُوديت "أي" فهي نكرة مقصودة مبنية على الضم وتلزمها "ها" التنبيه مفتوحة الهاء، وضمها إذا لم يكن بعدها اسم إشارة -لغة بني مالك من بني أسد- وقد قُرئ بها.
فإن قلت: لِمَ لزمها "ها"٢ التنبيه؟
قلت: لتكون "ها" عوضا مما فات "أيا" من الإضافة، ويلزم وصفها بأحد ثلاثة أشياء:
الأول: مصحوب "أل" نحو: "يا أيها الرجل".
стр. 1038
والثاني: اسم الإشارة نحو١:
أيُّهذانِ كُلا زادكما ... ودعاني واغِلًا فيمن وغل
والثالث: الموصول المصدَّر بأل نحو: "يا أيها الذي فعل".
وإلى هذين أشار بقوله:
وأي هذا أيها الذي وَرَد
ثم أشار إلى أن نعت "أي" بغير هذه الثلاثة ممنوع, بقوله:
ووصف أيّ بسوى هذا يُرَد
فلا يقال: "يا أيها صاحب عمرو".
وقد فهم من النظم فوائد:
الأولى: أن "ها" تلزم "أيا"٢؛ لنطقه بهما معا.
والثاني: أن تابع "أي" صفة لها، وقيل: عطف بيان، قال ابن السيد: وهو الظاهر.
стр. 1039
وقيل: إن كان مشتقا فهو نعت نحو: "أيها الفاضل"، وإن كان جامدا فهو عطف بيان.
والثالثة: أن وصف "أي" بأحد هذه الأشياء الثلاثة لازم؛ لقوله "تلزم".
فإن قلت: ولِمَ لزم نعتها "بأحد الثلاثة"١؟
قلت: لأن "أيا" مبهم، فلا بد من تخصيصه، ولأنه وصلة إلى نداء ما فيه أل، فكان المقصود بالنداء وصفه.
والرابعة: أن صفة "أي" ترفع، ولا يجوز فيها النصب بخلاف صفة غيرها, فهي مستثناة مما تقدم. هذا مذهب الجمهور، وذهب المازني إلى نصب صفة "أي" قياسا على صفة "غيرها"٢ من المناديات المضمومة.
قال الزجاج: لم يجز أحد من النحويين هذا المذهب قبله ولا تابعه أحد بعده، وعلة ذلك: أن المقصود بالنداء هو نعتها، وأي وصلة إلى ندائه، وقالوا: والنصب مخالف لكلام العرب.
قلت: ذكر ابن الباذش أن النصب فيه مسموع من كلام العرب.
وإلى التعريض بمذهب المازني أشار بقوله: لدى ذي المعرفه.
تنبيه:
نسب الجواز في شرح الكافية إلى المازني والزجاج وتبعه الشارح، ونسبته إلى الزجاج مستبعدة، وقد نقل عنه في شرح التسهيل كلامه المتقدم.
والخامسة: أن اسم الإشارة إذا نعت به "أي" فليس من شرطه أن يكون منعوتا بذي أل, وفاقا لابن عصفور وشاهده البيت السابق.
وذكر غيرهما أن ذلك شرط في صحة النعت به.
قيل: وما ذهب إليه ابن عصفور وابن مالك بنياه على بيت نادر شاذ، لا تُبنَى على مثله القواعد، وهو قول الشاعر:
أيهذان كلا زادكما
стр. 1040
والسادسة: أن اسم الإشارة المنعوت به "أي" شرطه ألا يصحبه حرف الخطاب؛ لقوله: "وأيهذا" خلافا لابن كيسان، فإنه أجاز: "يا أيها ذاكَ الرجلُ"، وبالمنع قال السيرافي.
فإن قلت: أطلق في قوله: "مصحوب أل" وشرط في التسهيل أن تكون جنسية.
فإذا قلت: "يا أيها الرجل" فأل جنسية وصارت بعد "أي" للحضور, كما صارت كذلك بعد اسم الإشارة.
قلت: اشتراط ذلك صحيح، وليس في كلامه ما يرشد إليه.
وقد أجاز الفراء والجرمي إتباع "أي" بمصحوب أل التي للمح الصفة نحو: "يا أيها الحارث", والمنع مذهب الجمهور.
ويتعين أن يجعل عطف بيان عند من أجازه.
تنبيهات:
الأول: تؤنث "أي" لتأنيث موصوفها نحو: "يا أيتها المرأة".
وقال في البديع: الاختيار إثبات التاء, ولا تثنى ولا تجمع.
الثاني: ذهب الأخفش في أحد قوليه إلى أن المرفوع بعد "أي" خبر لمبتدأ محذوف, وأي موصولة بالجملة.
ورُدَّ بأنه لو كان كذلك, لجاز ظهور المبتدأ بل كان أولى، ولجاز وصلها بالفعلية والظرف.
الثالث: ذهب الكوفيون وابن كيسان إلى أن "ها" دخلت للتنبيه مع اسم الإشارة.
وإذا قال: "يا أيها الرجل" يريد: يا أيهذا الرجل، حذف "ذا" اكتفاء بها١.
стр. 1041
الرابع: يجوز أن تُوصَف صفة "أي" ولا تكون إلا مرفوعة، مفردة كانت أو مضافة، كقول الراجز١:
يا أيها الجاهلُ ذُو التنزي ... ................
وقوله:
وذو إشارة كأي في الصفه ... إن كان تركها يفيت المعرفه
لاسم الإشارة في النداء حالتان:
إحداهما: أن يُجعل وصلة لنداء ما فيه أل, فيساوي إذ ذاك "أيا" في لزوم نعته ووجوب رفعه، وأنه لا ينعت إلا بمصحوب أل الجنسية، أو بموصول مصدر بأل فتقول: "يا هذا الرجل" و"يا هذا الذي فعل".
وهو في هذه الحالة غير مكتفٍ به, لو قدر الوقف عليه لفات المراد؛ لأنه وصلة لنداء غيره ... والأخرى: أن يقدر مكتفى بندائه، لا وصلة لغيره، فيكون إذ ذاك كغير "أي", فلا يلزم نعته.
ويجوز رفعه ونصبه، وينعت بمصحوب أل وبالمضاف فتقول: "يا هذا الطويل", بالرفع والنصب.
стр. 1042
وذلك مفهوم من قوله:
إن كان تركها يُفِيت المعرفه
فإن قلت: مقتضى قوله: "كأي في الصفة" أن ينعت بما تنعت به "أي" و"أي" تنعت باسم الإشارة، واسم الإشارة لا ينعت بمثله.
قلت: ترك التنبيه به على ذلك؛ لوضوحه.
تنبيه:
مذهب السيرافي أن اسم الإشارة إذا لحقته كاف الخطاب لم يجز نداؤه، ومذهب سيبويه وابن كيسان الجواز، وحكى فيه ابن كيسان عن بعض النحويين سماعا من العرب.
وقوله:
في نحو سعدُ سعدَ الأوس ينتصب ... ثان وضم وافتح أولا تُصِب
إذا تكرر لفظ المنادى مضافا نحو١:
стр. 1043
يا تيمَ تيمَ عدي لا أبا لكم ... ............
فلا بد من نصب الثاني، وأما الأول ففيه وجهان: ضمه وفتحه.
فإن ضم فإنه منادى "مفرد"١ معرفة، ونصب الثاني حينئذ لأنه منادى مضاف أو توكيد أو عطف بيان أو بدل أو إضمار أعني. ذكر ذلك المصنف، ونُوزع في التوكيد. وأجاز السيرافي أن ينصب على النعت, وتأول فيه الاشتقاق.
وإن فتح الأول, ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه منادى مضاف إلى ما بعد الثاني، والثاني مُقْحَم بين المضاف والمضاف إليه.
فإن قلت: فما وجه نصب الثاني إذا جُعل مقحما؟
قلت: قال بعضهم: إن نصبه على التوكيد.
الثاني: أن الأول منادى مضاف إلى محذوف دل عليه الآخر، والثاني مضاف إلى الآخر ونصبه من خمسة أوجه كما سبق.
الثالث: أن الاسمين رُكِّبا تركيب خمسةَ عشرَ، وجعلا اسما واحدا، وفتحتهما فتحة بناء، ومجموعهما منادى "مضاف"٢ كما قالوا: "ما فعلتْ خمسة عشر له" وهو مذهب الأعلم.
فإن قلت: أي الوجهين أرجح: أضم الأول أم فتحه؟
قلت: بل ضمه لوضوح وجهه, وقد صرح في الكافية بأنه الأمثل.
стр. 1044
فإن قلت: فهل يشترط في ذلك أن يكون الاسم المكرر عَلَمًا كما مثل؟
قلت: مذهب البصريين أنه لا يشترط، بل اسم الجنس نحو: "يا رجلُ رجلَ قوم", والوصف نحو: "يا صاحبُ صاحبَ زيد" كالعلم في جواز ضم الأول وفتحه بلا تنوين.
وخالف الكوفيون في اسم الجنس؛ فمنعوا نصبه, وفي الوصف فذهبوا إلى أنه لا ينتصب إلا منونا، فتقول: "يا صاحبًا صاحب زيد" ولم يختلفوا في جواز الضم في جميع ذلك.
стр. 1045
المنادى المضاف إلى ياء المتكلم:
واجعل منادى صح إن يُضَفْ لِيَا ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
حكم "المنادى"١ المضاف إلى الياء إذا كان معتل الآخر في النداء, كحكمه في غير النداء وقد تقدم، فاحترز عنه بقوله: "صح".
وأما الصحيح الآخر: فيجوز فيه في النداء ستة أوجه، وقد أشار في النظم إلى خمسة, والسادس: أن يضم اكتفاء بنية الإضافة نحو: "يا عبد".
وأفصحها حذف الياء وإبقاء الكسرة، ثم إثبات الياء ساكنة ومتحركة، ثم قلبها ألفا، ثم حذف الألف وإبقاء الفتحة.
وأقلها الضم، وقد قرئ: "قَالَ رَبُّ السِّجْنُ"٢ و"قال ربُّ احكم" بالضم, وحكى يونس "يا أمُّ لا تفعلي" قال الشلوبين: وهذا إذا لم يلتبس.
يعني بالمنادى المقبل عليه.
فإن قلت: فتعريف المضموم على هذه اللغة بالإضافة أو بالإقبال والقصد.
قلت: كلاهما محتمل.
وقد صرح في النهاية بالثاني فقال: جعلوه معرفا بالقصد فبنوه على الضم، وهذه الضمة كما هي في "يا رجل", إذا قصدت رجلا بعينه. انتهى.
والأول أظهر لثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم جعلوه لغة في المضاف، ولو كان تعريفه بالقصد والإقبال لم يكن لغة فيه.
الثاني: لو لم يجعل من قبيل المضاف، لكان مثل "افتدِ مخنوقُ"٣, و"أصبِحْ ليلُ"٤ وحذف حرف النداء قليل.
стр. 1046
والثالث: أنه لو كان غير منوي الإضافة، لكان في الأصل صفة لأي، وأسماء الله تعالى لا توصف بها "أي", فتعين كون الأصل "يا ربي" ثم حُذف المضاف إليه تخفيفا، وبني على الضم؛ لشبهه حينئذ بالنكرة المقصودة، وهذا اختيار المصنف.
تنبيهات:
الأول: نقل عن الأكثرين منع الألف؛ اكتفاء بالفتحة نحو: "يا عبد", وأجازه الأخفش والفارسي والمازني.
الثاني: أطلق هنا جواز هذه الأوجه كما أطلقه أكثرهم، وقيده في التسهيل بإضافة التخصيص احترازا من اسم الفاعل بمعنى الحال أو الاستقبال نحو: "يا مُكرِمِي", فإن إضافته إضافة تخفيف، والياء في نية الانفصال لم تمازج ما اتصلت به, فيشبه بيا قاضٍ فتشاركها في الحذف، فلا تحذف ولا تقلب، ولا حظ لها في غير الفتح والسكون. قاله في شرحه، وهو موافق لقول ثعلب في المجالس: "يا غلام أقبل" تسقط من الياء, و"يا ضاربي أقبل" لا تسقط الياء منه.
وذلك فرق بين الاسم والفعل.
وذكر في النهاية: أنه لا يجوز حذف الياء في اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال.
الثالث: إنما كثر تخفيف المضاف للياء في النداء؛ لكثرة إضافة المنادى للياء، والكثرة تستتبع التخفيف.
وأما في غير النداء، فالأصح إثباتها ساكنة ومتحركة، وقد سمع حذفها استغناء بالكسرة نحو: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ ١ وقلبها ألفا كقوله٢:
стр. 1047
................. ... إلى أُمّا ويُروِيني النَّقِيع
وأجاز المازني: "قام غلاما", وقال ابن عصفور: هذا في الضرورة.
وحذف الألف استغناء بالفتحة كقوله١:
стр. 1048
.................... ... بلهف ولا بِلَيْتَ ولا لَوَ اني
وأما الضم في غير النداء نحو: "جاء غلام" وأنت تريد الإضافة, فأجازه أبو عمر وغيره على قلة.
واستدلوا بقوله١:
................ ... وإنما أهلكت مال
يريد: مالي.
وردّه أبو زيد الأنصاري، وتأول ما استدل به أبو عمرو.
الرابع: قال في شرح الكافية: إذا كان آخر المضاف إلى ياء المتكلم ياء مشددة كبُنَيّ٢.
стр. 1049
قيل: يا بني أو يا بني لا غير، فالكسر على التزام حذف ياء المتكلم فرارا من توالي الياءات, مع أن الثالثة كان يختار حذفها قبل وجود الياءين، وليس بعد اختيار الشيء إلا لزومه.
والفتح على وجهين:
أحدهما: أن تكون ياء المتكلم أُبدلت ألفا ثم التزم حذفها؛ لأنها بدل مستثقل.
والثاني: أن تكون ثانية ياءي بُنَيَّ حذفت, ثم أدغمت أولاهما في ياء المتكلم ففتحت؛ لأن أصلها الفتح.
قوله:
وفتح او كسر وحذف الياء استمر ... في يابن أُمَّ يابن عَمَّ لا مفر
إذا نُودي المضاف إلى المضاف إلى الياء كان حكم الياء معه كحكمها في غير النداء نحو: "يابن أخي" إلا "ابن أم" و"ابن عم"، فإنهما لما كثُر استعمالهما في النداء خُصا بالتخفيف, فيقال: "يابن أم" بفتح الميم وكسرها.
أما الفتح, ففيه قولان:
أحدهما: أن الأصل "أُمَّا" و"عمَّا" -بقلب الياء ألفا- فحذفت الألف وبقيت الفتحة دليلا عليها.
والثاني: أنهما جعلا اسما واحدا مركبا, وبني على الفتح.
والأول قول الكسائي والفراء وأبي عبيدة وحكي عن الأخفش، والثاني قيل: هو مذهب سيبويه والبصريين.
وأما الكسر: فظاهر قول الزجاج وغيره أنه مما اجتزئ فيه بالكسر عن الياء المحذوفة, من غير تركيب.
قال في الارتشاف: وأصحابنا يعتقدون أن "ابن أم" و"ابنة أم" و"ابن عم" و"ابنة عم" حكَمَتْ لها العرب بحكم اسم واحد، وحذفوا الياء كحذفهم إياها من "أحدَ عشرَ" إذا أضافوه إليها.
стр. 1050
فإن قلت: ما معنى قوله: "استمر"؟
قلت: يشير إلى أن هذين الوجهين استمرا في كلامهم, واطردا بحيث لا يكادون يُثبتون الياء والألف إلا في الضرورة، وقد قرئ بهما في السبع.
فإن قلت: فأيهما أجود؟
قلت: نصّ بعضهم على أن الكسر أجود, وهو ظاهر.
فإن قلت: لم يذكر "ابنة أم" و"ابنة عم", وحكمهما حكم "ابن أم" و"ابن عم".
قلت: كأنه استغنى بذكر المذكر عن ذكر فرعه.
فإن قلت: قد يوهم اقتصاره على الكسر والفتح أن غيرهما ممتنع، وقد قال في التسهيل: وربما ثبتت أو قُلبت ألفا١ يعني: الياء.
قلت: الذي يفهم من قوله: "استمرا" أن غيرهما لم يستمر في الكلام, ولم يطرد كاطرادهما.
وهذان الوجهان ضعيفان؛ ولذلك قال: وربما، وفي الكافية: ونَدُرَ، وفي شرحها: ولا يكادون يُثبتون الياء والألف إلا في الضرورة.
وقال غيره: هما لغتان قليلتان.
ومن إثبات الياء قوله٢:
стр. 1051
يابنَ أمي ويا شُقَيِّق نفسي ... .......................
ومن إثبات الألف قوله١:
يا ابنةَ عَمَّا لا تلومي واهجعي ... ..........................
стр. 1052
وأما قوله١:
كن لي لا عليّ يابنَ عمَّا ... نَعِشْ عزيزين ونكف الهما
فيحتمل أن تكون الألف فيه للإطلاق.
فإن قلت: فأي هذين الوجهين أجود؟
قلت: قال بعضهم: قلب الياء ألفا أجود من إثباتها.
تنبيه:
إذا ثبت الياء ففيها وجهان: الإسكان والفتح.
فالحاصل: خمسة "أوجه"٢ ونص بعضهم على أن الخمسة لغات.
وقوله:
وفي الندا أبت أُمَّت عَرَض ... واكسر أو افتح ومن اليا التا عِوَض
إذا "نودي"٣ الأب والأم مضافين إلى الياء, جاز فيهما الوجوه الستة المقدمة في نحو: "يا عبد".
وينفردان بتعويض تاء التأنيث من الياء مكسورة ومفتوحة، وبالفتح قرأ ابن عامر, وبالكسر قرأ غيره من السبعة.
стр. 1053
ووجه الكسر أن الكسرة كانت مستحقة قبل الياء, فلما عوض عنها التاء -ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا- جعلت الكسرة عليها؛ لتكون المعوض عنه في مجامعة الكسرة بالجملة.
وعن الفراء أن الكسر حصل؛ لأن الياء في النية.
ورده أبو إسحاق وقال: كيف تكون الياء في النية، وليس يقال: يا أبتي؟
ووجه الفتح، أن التاء حركت بحركة الياء؛ لكونها عوضا عنها، وقيل: لأن الأصل: "يا أبتا" فحذفت الألف.
ويرده ما رد قول الفراء.
فإن قلت: فأي الوجهين أكثر؟
قلت: نص المصنف وغيره على أن الكسر أكثر، وذكر الشارح أن الفتح أقيس، قال: إلا أن الكسر أكثر.
وقد فُهم من كلام الناظم فوائد:
الأولى: أن تعويض التاء من ياء المتكلم في أب وأم, لا يكون إلا في النداء، لقوله: "وفي الندا".
الثانية: أن ذلك مختصّ بالأب والأم.
الثالثة: أن التعويض فيهما ليس بلازم، فيجوز فيهما ما جاز في غيرهما من الأوجه السابقة، فُهم ذلك من قوله: "عرض".
الرابعة: أنه لا يجوز الجمع بين الياء والتاء؛ لأنها عوض عنها، ولا بين التاء والألف؛ لأن الألف بدل من الياء.
وأما قوله١:
стр. 1054
يا أَبَتِي لا زلتَ فينا فإنما ... لنا أملٌ في العيش ما دُمْتَ عائشا
وأجاز كثير من الكوفيين الجمع بينهما في الكلام، ونظيره قراءة أبي جعفر: ﴿يَا حَسْرَتَى﴾ ١.
فجمع بين العوض والمعوض.
وأما قوله٢:
..................... ... يا أبتا عَلَّك أو عَسَاكَا
فجعله ابن جني من ذلك، وهو أهون من الجمع بين التاء والياء؛ لذهاب صورة المعوض عنه.
стр. 1055
وقال في شرح الكافية: الألف فيه هي الألف التي يُوصَل بها آخر المنادى إذا كان بعيدا أو مستغاثا به أو مندوبا، وليست بدلا من ياء المتكلم، وجوّز الشارح الأمرين١.
تنبيهات:
الأول: اختلف في ضم التاء في "يا أبت" و"يا أمت"، فأجازه الفراء وأبو جعفر النحاس، ومنعه الزجاج.
وحكى سيبويه عن الخليل أنه سمع من العرب من يقول: "يا أمتُ" بالضم.
الثاني: مذهب البصريين أن الوقف على هذه التاء بالهاء، ومذهب الفراء بالتاء.
وفي التسهيل: وجعلها هاء في الخط والوقف جائز٢.
وقرئ بالوجهين في السبع، ورسمت في المصحف بالتاء.
الثالث: قال في شرح التسهيل: وقالوا في "أبا" المقصور: "يا أبات".
قال الشاعر٣: