﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ .
السفهاء: هم ناقصو العقل الذين لا يحسنون التصرف في أموالهم.
أي لا تسلموا السفهاء أموالهم. ولكن ليكن من عقلائكم أولياء عليهم يرزقونهم ويكسونهم في هذه الأموال، ويقومون على حفظها من الضياع والتبذير.
وهذا الخطاب لجماعة المسلمين عامة، ويمثلهم في ذلك القضاء الإسلامي القويم.
ونلاحظ في هذا النص أن الله تعالى أطلق على الأموال التي هي أموال السفهاء بالملك الشخصي، أطلق عليها أنها أموال جماعة المسلمين عامة، فقال: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ وذلك نظرًا إلى أن تبديد الفرد أموال نفسه الخاصة يؤثر على مصلحة المسلمين عامة؛ لأنه أمر يضعف الكيان المالي العام، وهو ما يسمى في مصطلحات العصر الحديثة "الثروة العامة" أو "الثروة القومية".
وفي هذا النص أيضًا بيان للحكمة من النهي، وهي أن الأموال وإن كانت ملكًا للأفراد هي في الوقت نفسه قيام للجماعة؛ نظرًا إلى الأثر الذي تحمله للجماعة، ونظرًا إلى أن ضرورات المصلحة العامة قد تقضي بالاستفادة منها بالعدل، عن طريق البذل الطوعي، أو عن طريق الضرائب العادلة التي يأمر بها الحاكم المسلم.
ومما شرعه الإسلام لما له من أثر في تحقيق كمال التعايش الجماعي تحريم أكل أموال الناس بالباطل، كالسرقة والسلب والنهب والغش والربا والرشوة، وتحريم الظلم والعدوان بكل أنواعهما وصورهما، كقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والجور في الحكم، والسب والشتم والتعيير والتنقيص والتنابز بالألقاب والقذف ونحو ذلك.
ومنها أيضًا الأمر بصلة الرحم والإحسان إلى الجار، والحض على التهادي
стр. 72
والتزاور والقرض الحسن، والتآخي والتحاسب في الله ونحو ذلك مما له أثر في ترابط الجماعة، وتعايشها على أكمل صورة مسعدة لأفرادها.
وهكذا دفع الإسلام المسلمين إلى بلوغ كمال التعايش الجماعي واختلال قمة الحضارة المثلى.
تلخيص عام:
بهذا البيان الذي حاولنا فيه إلقاء الأضواء المناسبة على مبدأ "فعل الخير والعمل على نشره، وترك الشر والعمل على قمعه" أحد الأسس الراسخة للحضارة الإسلامية يتضح لدينا الملخص التالي:
أولًا: إن الخير والشر اللذين يترتب على فعلهما مدح وثواب أو ذم وعقاب محدودان بحدود العمل الإنساني، المصحوب بإرادة الفاعل وعلمه.
ثانيًا: إن أبرز الخصائص لكل من فعل الخير وفعل الشر ما في أنفس فاعليهما من إرادة تصميم على فعل الخير حبًّا بالخير وطاعة لله، أو فعل الشر تلبية لهوى من أهواء النفس، أو نزوة من نزواتها مع العلم بأنه شر.
ثالثًا: يدخل في مفهوم الخير ما يلي
أ- كل عمل يحقق رضوان الله وثوابه.
ب- كل عمل يكون وسيلة للترقي في مراتب أحد الكمالات التاليات:
الكمال الفكري - الكمال الخلقي - الكمال السلوكي - الكمال الإبداعي - كمال التعايش الجماعي.
ج- كل عمل يكون وسيلة لتحقيق ما يلي:
- اللذات التي لا ضرر فيها ولا عدوان على حدود الله.
- المنافع التي لا مضار فيها مساوية لها أو راجحة عليها.
- المصالح التي لا مفاسد فيها مساوية لها أو راجحة عليها.
стр. 73
رابعًا: يدخل في مفهوم الشر ما يلي
أ- كل عمل يؤدي إلى سخط الله وعقابه.
ب- كل عمل يكون وسيلة للهبوط في دركات النقص المقابل للكمالات السابقات.
ج- كل عمل يكون وسيلة للسيئات التاليات:
- الآلام التي لا طاعة لله فيها ولا منافع أو مصالح تُرجى عن طريقها وهي راجحة عليها، ولا سبيل لتحقيقها إلا بتحمل هذه الآلام.
- المضار التي لا تتضمن منافع راجحة عليها، ولا سبيل لتحقيق هذه المنافع الراجحة إلا بارتكابها.
- المفاسد التي لا تتضمن مصالح راجحة عليها، ولا سبيل لتحقيق هذه المصالح الراجحة إلا بارتكابها.
خامسًا: لدى تساوي المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار، واللذات والآلام، يرجع إحالة العمل المفضي إلى ذلك على جانب الشر، فيمنع الإنسان من ممارسته، صيانة له من العبث، والتزامًا بقاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح المساوية لها".
سادسًا: متى أمكن تحقيق المقصود من المنافع أو المصالح أو اللذات بطريق خال من المضار والمفاسد والآلام امتنع سلوك طريق آخر فيه شيء من ذلك، ولو كان دون ما يتحقق به من خير مقصود، وذلك لأن الحاجة أو الضرورة لم تلجئ إلى تحمل هذه المؤذيات، ولو كانت خفيفة، ما دام بالإمكان تحقيق المطلوب دون تحمل شيء منها، وذلك باختيار طريق آخر.
سابعًا: إن نظرة الإسلام إلى مفهوم الخير والشر تشمل في وقت واحد، ضمن ميزان دقيق حساس اللذات والآلام، والمنافع والمضار، والمصالح والمفاسد، الفردية والاجتماعية، العاجلة والآجلة، الدنيوية والأخروية، كما تشمل مع كل ذلك علاقة الإنسان بربه، وتزن أعمال الإنسان بهذا الميزان الحساس، المتعدد الكفات، وتجري عليها حسابًا عادلًا ضمن معادلات رياضية
стр. 74
عالية، فتعطي قيمة العمل الإنساني، من الخير والشر، بما تعطيه له من حكم شرعي.
خاتمة:
ليس غريبًا أن تكون نظرة الإسلام عامة شاملة لكل ما في الوجود الإنساني وغيره، وعامة شاملة لكل الاحتمالات الممكنة في مجال العمل الإرادي للإنسان، مع تقدير قيمة كل منها بميزان محكم، الأمر الذي نتج عنه تحديد شامل ودقيق لمعنى كل من الخير والشر، تحديدًا كليًّا، وتحديدًا تفصيليًّا يتناول كل جزئية من جزئيات العمل الإرادي للإنسان.
ليس غريبًا أن تكون نظرة الإسلام بهذا الشكل الرائع من الشمول، فالإسلام تنزيل من لدن خالق عليم حكيم، قال الله تعالى في سورة "الملك: ٦٧ مصحف/ ٧٧ نزول":
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ .
والعالم بمن خلق، وبما خلق فيه، وبما خلق له، وبما أحاطه من أشياء أعلم بما يصلحه وما يفسده، وبما ينفعه وما يضره، وبما يمتعه وما يؤلمه، وبما هو خير له من كل ذلك، وبما هو له شر؛ لأن علمه سبحانه محيط بكل شيء، ولن ترقى المدارك الإنسانية إلى هذا المقدار من الشمول، في الزمان والمكان والأشخاص، فحري بالإنسان أن يقف موقف الاستسلام لحدود الخير والشر التي حدها الله له، ولا يمنعه ذلك من أن يتابع بحثه وتأملاته في دقائق الأمور الفلسفية التي قامت عليها الأحكام الإسلامية، وفي أسرار الحكم الربانية التي تضمنتها هذه الأحكام، فالتسليم ميزة القلب المؤمن، والبحث العلمي ميزة العقل المفكر.
وهكذا تتربع الفلسفة الإسلامية على ذروة المجد العظيم، ومع ذلك يقف أعداؤها في المنحدرات، فيقذفونها بالحصى والصخور التي لا تلبث أن تريد على رءوسهم، ثم يظلون هم وقذائفهم في المنحدرات، ويظل الإسلام في قمة المجد.
стр. 75
المقولة الرابعة: الفلسفة الإسلامية بالنسبة إلى الوسائل الكونية
تقوم الفلسفة الإسلامية بالنسبة إلى الوسائل الكونية على أساس أن جميع ما خلق الله في الوجود من وسائل سلط أيدي عباده عليها لا توصف لذاتها بأنها خير أو بأنها شر، وإنما هي وسائل يمكن أن تستعمل في الخير، ويمكن أن تستعمل في الشر، وقد وضعها الله تحت أيدي الناس ليبتليهم فيها، هل يستعملونها في الخير أم يستعملونها في الشر؟
فالاستعمال الإنساني هو الذي وجهها لجهة الخير أو لجهة الشر.
وتمشيًا مع الفلسفة الإسلامية لا نستطيع أن نطلق على أي شيء مما خلقه الله أو ألهم الإنسان ابتكاره وصنعه أنه شر لذاته أو أنه خير لذاته، وإنما هو وسيلة يمكن أن تستعمل في الخير، ويمكن أن تستعمل في الشر، وإرادة الإنسان المقرونة بعمله هي التي تحدد ذلك، وفي هذا التسليط الرباني لها على الأشياء يتم ابتلاؤها وامتحانها، وفق حكمة الله في الابتلاء، الذي من أجله خلق الموت والحياة.
فأدوات السلم كلها وأدوات الحرب التي توصل الإنسان إلى معرفتها، والتي سيهتدي إليها في المستقبل، لا تغدو أنها وسائل قابلة لأن تستعمل في الخير، ولأن تستعمل في الشر.
لذلك فإن المسلم لا يتوجس خيفة من أية وسيلة حديثة مبتكرة؛ لأن لديه الأسس الإسلامية العامة التي تهديه إلى طريقة استعمالها في الخير، وتحذره من استعمالها في الشر.
والمسلم البصير بإسلامه ينظر إلى السم القاتل على أنه مادة خلقها الله في كونه ليستعملها الإنسان فيما ينفع ولا يضر، فإذا أحسن استعمالها جلبت له خيرًا، فكم من أمراض فتاكة لا يشفي منها إلا السم، وفي مقابل ذلك ينظر إلى أطيب الأغذية على أنها مادة خلقها الله في كونه كذلك، ليستعملها الإنسان فيما ينفع ولا يضر، فإذا أساء استعمالها جلبت له شرًّا، فكم من أمراض فتاكة جلبتها
стр. 76
أغذية طيبة نافعة، وكان ذلك بسبب سوء استعمالها، وفي الحديث الشريف: "رب أكله منعت أكلات".
ويقاس على ذلك الطائرات والصواريخ والقنابل الذرية والهيدروجينية والمواد الكيماوية، والعقاقير الطبية، والأجهزة المصورة، والأجهزة الناقلة للصوت والصورة، وغيرها مما يفوق الحصر، حتى الخمر التي حرم الله شربها لما فيها من مضار صحية وفكرية ونفسية واجتماعية ودينية باستطاعة الإنسان أن يحسن استعمالها في غير الشرب، لقتل الجراثيم الضارة، وتعقيم الجروح، وتخليل المواد الكيميائية، ونحو ذلك.
والأدلة على هذه الفلسفة الإسلامية كثيرة في القرآن والسنة.
فمن الأدلة القرآنية قول الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ .
وقول الله في سورة "الجاثية: ٥٤ مصحف/ ٦٥ نزول":
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وكونه جل وعلا خلق لنا ما في الأرض جميعًا وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض يدل على أن كل شيء في الكون يملك الإنسان التصرف فيه موضوع تحت يده ليحسن الانتفاع منه، ولكنه جل وعلا ضم إلى هذا النص نصوصًا أخرى توضح للناس طرق الخير وطرق الشر، وتبين أنه ما من شيء في الوجود إلا يمكن استعماله في طريق الخير واستعماله في طريق الشر، وأن كل شيء في الوجود له عدة وجوه يمكن استعماله في أي منها، وبعض هذه الوجوه وجوه خير وبعضها وجوه شر، ومعنى ابتلاء الإنسان في هذه الحياة هو اختباره أمام هذه الوجوه المختلفة، التي يمكن أن يستعمل فيها ما سلط يده عليه، والإنسان الشرير يمكن أن يقتل أخاه بمصحف ثقيل عنده، مع أن فيه كلام الله وآياته، أو أن يخنقه بثوب الكعبة، أو أن يدسه حيًّا تحت مقام إبراهيم، أما
стр. 77
الإنسان الخير فيستطيع أن ينقذ حياة غصَّان بجرعة خمر، ويستطيع أن ينشر العدل والأمن والسلام بأخطر الأسلحة الفتاكة، وأن يبني الحضارة الإسلامية بأن يحسن استخدام كل وسيلة خلقها الله ووضعها تحت سلطة الإنسان.
إذن فلا بد لفهم المراد من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ من قرنه بالنصوص الأخرى التي توضح للناس طرق الخير وطرق الشر، والنصوص المبينة لفكرة ابتلاء الإنسان في هذه الحياة.
ومن الأدلة النبوية ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قام رسول الله ﷺ فخطب الناس فقال:
"لا والله ما أخشى عليكم أيها الناس إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا".
فقال رجل: يا رسول الله أياتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله ﷺ ساعة ثم قال: "كيف قلت"؟ قال: قلت يا رسول الله أيأتي الخير بالشر؟ فقال له رسول الله ﷺ : "إن الخير لا يأتي إلا بخير، إن الخير لا يأتي إلا بخير، إن الخير لا يأتي إلا بخير، أو خير هو؟ إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطًا ١ أو يلم ٢ إلا آكلة الخضر حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس ثلطت ٣ أو بالت ثم اجترت ٤ فعادت فأكلت، فمن يأخذ مالًا بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالًا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع" ٥.
فقد أنكر الرسول صلوات الله عليه في هذا الحديث أن يكون ما يخرجه الله للناس من زهرة الحياة الدنيا خيرًا، وأثبت للرجل السائل أن هذه
стр. 78
الأشياء التي تسمونها خيرًا ما هي إلا وسائل يمكن أن تستعمل في الخير، ويمكن أن تستعمل في الشر، وضرب على ذلك مثلًا ماديًّا محسوسًا في الأنعام، فمنها ما يأكل من الربيع الذي يسميه الناس خيرًا فتكثر منه، وتسيء التصرف، فيقتلها. أو يجعلها قريبة من الهلاك، ومنها أنعام تقنع بما يكفيها فتنتفع منه وتربو عليه.
ومن الأدلة النبوية أيضًا ما تضمنه الحديث التالي:
مر النبي صلوات الله عليه بشاة ميتة لميمونة، فقال: "هلا انتفعتم بإهابها".
فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال: "إنما حرم أكلها" وقال أيضًا: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". الإهاب: الجلد.
فدل بذلك على أن تحريم وجه من وجوه الاستعمال لشيء من الأشياء، لما فيه من ضرر، لا يغني تحريم ذات الشيء، أو اعتبار ذلك الشيء شرًّا بذاته، ولا يغني أيضًا تحريم سائر وجوه الاستعمالات الأخرى، التي لا ضرر فيها، فلكل وجوه من وجوه الاستعمال حكمه المناسب له بحسب القواعد العامة التي تستند إليها الأحكام الشرعية.
وهكذا ترقى الفلسفة الإسلامية إلى قمة سامقة، لا تدانيها قمة أخرى، ما لم تكن متفقة معها من كل الوجوه.
стр. 79
المقولة الخامسة: فلسفة الإسلام في الوسائل والغايات
هل الغاية تبرر الوسيلة؟
سؤال يطرحه شبان العصر الحديث على أسس الإسلام وقواعده، ليتعرفوا على فلسفة الإسلام المتعلقة بموضوع هذا السؤال.
وما كان من شأن هذا السؤال أن يكون ذا موضوع كبير لولا أن صاحب فلسفة منحرفة في السياسة يدعى "مكيافلي"١ نادى في كتابيه: "الأمير" و"المطارحات" بمبدأ في السياسة يتضمن أن السياسة غير ذات أخلاق بالمعنى المفهوم عند الأخلاقيين، فكل غاية سياسية تبرر للسياسي أن يتخذ أية وسيلة تضمن له تحقيقها، ولو كانت هذه الوسيلة غير أخلاقية في عرف الأخلاقيين.
وقد أخذ معظم أرباب السياسية في الشرق والغرب بهذا الاتجاه الميكيافلي في أقصى صوره المنحرفة.
وهذا الاتجاه المنحرف الشاذ عن الكمال الإنساني -إذا أخذ على إطلاقه- هو طريق كل المنحرفين الظالمين في الأرض، قبل كيافلي وبعد، في السياسة وفي غيرها.
واليهود من أبرز أمم الأرض التي تمارس هذا الانحراف الآثم الظالم عبر تاريخهم الطويل.
ويتساءل كل من عنده عقل، بل كل من عنده مقدار يسير منه، عن التفسير المنطقي لهذه المقولة الشاذة في الحياة التي لا يستطيع إنسان في الدنيا أن يقبلها إطلاقًا، مهما بلغت به الجريمة، ومهما بلغ به الشذوذ الفكري والنفسي.
ومن المعروف في الحياة أن لكل إنسان ولكل مجموعة بشرية مطالب نفسية وحاجات جسدية، وأنه لا بد لتحقيق أي مطلب من مطالب النفس، وأية حاجة من حاجات الجسد، من اتخاذ وسيلة إلى ذلك.
فهل يصح في عقل أي إنسان عاقل اتخاذ أية وسيلة في الدنيا، مهما كان شأنها عظيمًا لأية حاجة مهما كان شأنها حقيرًا خسيسًا؟
وحينما يروج السفهاء أو المجرمون مقولة مكيافلي هذه: "إن الغاية تبرر الوسيلة" ويدعون هذا الكلام يسير على إطلاقه، دون قيود المنطق السليم، والحق الثابت، والفضيلة المثلى، فإنهم لا بد أن يتصرفوا في حياتهم تصرف
стр. 80
المجانين، أو أن يكون شياطين مجرمين يخادعون الناس بهذه المقولة، ليفعلوا كل جريمة معهم، دون أن يسموهم مجرمين؛ إذ ستروا أنفسهم المجرمة، بطلاء من مقوله مكيافلي، التي أطلقوا عليها كذبًا وزورًا اسم "نظرية".
وفي محاكمة هذا الكلام الفاسد -إذا أخذ على إطلاقه- لا بد أن نضع على سبيل التطبيق الفلسفي مجموعة من مطالب النفس وحاجات الجسد، ونفرض أنها غايات، ثم نضع في مقابل ذلك مجموعة مما يمكن أن يكون وسيلة لهذه الغايات، ونفرض أنها وسائل.
إنه من المتحتم عند ذلك أن تبدو لنا أمثلة تطبيقية مضحكة جدًّا أخف منها بدرجات كثيرات ما يجري داخل مستشفيات الأمراض العقلية.
إنه يلزم من هذه المقولة المكيافلية إذا أخذت على إطلاقها دون قيود -أن لا يرى المكيافليون مانعًا من أن يُحرق إنسان مثلًا مجموعة من أوراق النقد ذات الأرقام العالية ليغلي عليها ماء يصلح فيه كأسًا من الشاي، أو فنجانًا من القهوة، ذلك لأن غايته التي هي شرب الشاي أو القهوة تبرر له وسيلة إحراق الأوراق النقدية الكبيرة، وخسارة الألوف مقابل كأس لا تساوي عددًا من الفلوس. وأن لا يروا مانعًا من أن تُرمى مخطوطات أغنى مكتبة عالمية بالمخطوطات العلمية القديمة، في نهر كبير، ليتخذ منها جسر مؤقت تعبر عليه جيوش الغزاة، وليس من المهم بعد ذلك أن تخسر الإنسانية ذخائر المنجزات الحضارية التي خلفتها القرون الأولى، فالغاية تبرر الوسيلة، وأن لا يروا مانعًا أيضًا من تجويع الألوف من البشر، وسرقة خيراتهم ليتمتع مجرم واحد بمظاهر الترف والرفاهية، فالغاية تبرر الوسيلة، وأن لا يروا مانعًا من أن يقطع إنسان يد آخر ليجعل من عظم ساعدها عصًا لمكنسة، وأن يسلخ جلد إنسان حي ليصنع منه طبلا يتسلى بدقه والنقر عليه في جلسات السمر، وأن يحرق مدينة كاملة ليتمتع بمشاهدة لهيب نار عظمى عن بعد، كما فعل نيرون حاكم روما. وأن يقذف إلى حلبة صراع دام وحشًا ضاربًا وإنسانًا بريئًا، ليتمتع بمشاهدة ظفر الغالب منهما ومصرع المغلوب، وقد مارست روما في أوج حضارتها من ذلك الشيء الكثير. كل ذلك ينبغي أن يكون مقبولًا عندهم لأن الغاية تبرر الوسيلة.
стр. 81
وما هذه الأعمال الجنونية أو الإجرامية إلا وسائل لغايات، فإذا كانت الغايات مطلقًا تبرر أية وسيلة دون قيد أو شرط فما أجدر الإنسان الذي يتبنى هذه المقولة الفاسدة أن يهوي إلى أحس مرتبة يمكن أن تتصور في الوجود، وأحر به عند ذلك أن يخلع هذا الثوب الإنساني الكريم، وأن يلبس ثوب أخس الأحياء شراسة أو دناءة.
وإذا كانت المكيافلية العامة تقول: "إن الغاية تبرر الوسيلة" في شئون السياسة، دون أن تضع لقاعدتها هذا أي قيد من قيود المنطق السديد، والحق الثابت، والفضيلة المثلى.
وإذا كانت الميكافلية اليهودية تأخذ بهذه القاعدة نفسها في مختلف الشئون السياسية والمالية والعلمية وغيرها من الشئون التي تحقق لليهودي غاية من غاياته مهما كانت حقيرة، ولو كانت الوسيلة إلى تحقيقها إهدار حق أي إنسان، وأي شعب لا ينسب إلى اليهودية، ولو كانت الوسيلة إلى تحقيقها إهدار الفضيلة الخلقية، وارتكاب الجريمة القذرة، ونشر الكفر بالله، وبث الإلحاد به.
فإن الإسلام يتربع على قمة المجد في مراعاة الحق والعدل والفضيلة والتزام ما أمر الله به، ويكلف المسلمين أن يراعوا ذلك مع الناس جميعًا، دون تفريق بين الأفراد وبين الأمم والشعوب، سواء منهم من دان بالإسلام، ومن لم يدن به.
وموقف الإسلام بين الوسائل والغايات تحدده أروع نظرية تلتزم بالحق والعدل والفضيلة، وبسائر ما أمر الله به من خير، وتفسح صدرها إلى اتخاذ بعض الوسائل التي يوجب المنطق السليم اتخاذها، ارتكابًا لأخف الضرريين، ووسيلة لدفع أشدهما، وذلك حينما يتعذر اتخاذ وسيلة أخرى لا ضرر فيها مطلقًا.
وقاعدة الإسلام في ذلك تحددها البنود التالية:
البند الأول:
من المتحتم أولًا أن تكون غايات الإنسان في حياته مقيدة بالأنواع التي
стр. 82
أذن الله بها في شريعته لا تتعداها، فما كل غاية تبدو للإنسان يصح له أن يجعلها إحدى غاياته، ما لم تكن غاية مأذونًا بها شرعًا.
البند الثاني:
من المتحتم ثانيًا أن يكون سعي الإنسان إلى غاياته المأذون بها شرعًا مقيدًا باتخاذ الوسائل التي لا إهدار فيها لحق أو عدل أو فضيلة أو واجب، وليس فيها ارتكاب محرم في المحرمات الشرعية.
البند الثالث:
إذا تعارض في حياة الإنسان -ضمن أصول الحق والعدل والفضيلة والواجب- واجبان ولم يمكن بحال من الأحوال تحقيقهما معًا، أو ممنوعان ولم يمكن بحال من الأحوال تركهما معًا، أو ضرران ولم يمكن بحال من الأحوال دفعهما معًا، فقاعدة الإسلام عند وجود هذا التعارض الذي لم يمكن تفاديه بوسيلة من الوسائل الأخرى المشمولة بحدود البند الثاني إهدار أدنى الواجبين لتحقيق أكدهما، وارتكاب أخف المحرمين لدفع الوقوع بأشدهما، وتحمل أهون الضررين وسيلة لدرء أعظمهما.
وميزان الإسلام لتحديد قيم الواجبات والمحرمات وأنواع الضرر ميزان دقيق جدًّا، يعتمد على مبدأين أساسيين:
في أولهما تصنيف عام للمنافع واللذات والمصالح الفردية والاجتماعية والإنسانية، الدينية والدنيوية، المادية، والمعنوية، مع العلم بأن ما يمس منها الجوانب الدينية الكبرى كالإيمان بالله يحتل مركز الصدارة لأنه يمثل الحق الأول لله على عباده.
وفي ثانيهما تصنيف عام للمضار والآلام والمفاسد الفردية والاجتماعية والإنسانية المادية والمعنوية، والدينية والدنيوية، مع العلم بأن ما يمس منها الجوانب الدينية الكبرى كالشرك بالله يحتل مركز الصدارة؛ لأنه يمثل العدوان الصارخ على حق الله الأول على عباده.
стр. 83
أمثلة لأحوال البند الثالث:
أ- فمن أمثلة "إهدار أدنى الواجبين لتحقيق أكدهما" من كان في صلاة مفروضة، فداهم العدو بلاده غازيًا، ولو تأخر حتى أنهى صلاته أعطاه فرصة سانحة للظفر بالمسلمين، فمن واجبه والحالة هذه أن ينصرف من الصلاة لجهاد العدو؛ لأن واجب الجهاد والحالة هذه أكد من واجب إتمام الصلاة، مراعاة للنتائج التي تتحقق بكل منهما.
ومن أمثلة ذلك أيضًا ما لو تعارض في حياة أمة واجب التنمية الاقتصادية، وواجب صيانة الدين والخلق والفضيلة والعلم، فمن واجبها -والحالة هذه- أن تحرص على صيانة هذه الأمور، ولو أفضى ذلك إلى إهدار واجب التنمية الاقتصادية كله أو بعضه، على أن الله سوف ييسر لها وسائل التنمية الاقتصادية مكافأة لها على ما التزمته من واجب أجل في شريعة الله.
ب- ومن أمثلة "ارتكاب أخف المحرمين لدفع الوقوع بأشدهما" ما لو هدد إنسان بالقتل المحقق إذا لم يرتكب مثلًا جريمة السرقة أو الزنا الموجب لحد الجلد فمن واجبه والحالة هذه أن يختار أخف المحرمين ليدفع به الوقوع بأشدهما، أما الاستسلام إلى القتل فهو محرم عظيم، ولكنه لم يستطع دفعه إلا بأن يرتكب محرمًا أدنى منه، فلزمه تطبيقًا لقاعدة الإسلام ارتكاب الأدنى مخافة الوقوع بالأشد.
ومن أمثلته أيضًا ما لو تعرضت حياة إنسان للقتل على يد ظالم، ولم يمكن دفع ذلك عنه إلا بارتكاب وسيلة الكذب، كان من الواجب -والحالة هذه- دفع أشد الأمرين بأخفهما، وظاهر أن الكذب على الظالم أخف عند الله من تعريض مسلم لجبروته.
ومن الأمثلة أيضًا ما لو تعارض في حياة الأمة الإسلامية واجب إعلاء كلمة الله في الأرض، وواجب صيانة أنفسها وصيانة غيرها من مضار القتال، ولم تجد الوسائل الأخرى لتحقيق الواجب الإلهي الذي هو حق على عباده جميعًا، فمن واجبها -والحالة هذه- أن تعرض أنفسها وغيرها إلى مضار القتال،
стр. 84
الذي يُرجى تحقيق الغاية الدينية العظمى به، وذلك التزامًا بقاعدة الإسلام التي نحن في صدد الحديث عنها، ونظرًا إلى أن سيادة الكفر بالله في الأرض ستؤدي بالإنسانية إلى ما هو شر من المضار التي قد تحدث بالجهاد المقدس.
ج- ومن أمثلة "تحمل أهون الضررين وسيلة لدرء أعظمهما" ما لو أصيب عضو من أعضاء الإنسان بمرض لا يستطاع إيقاف سريانه إلى سائر الجسد إلا ببتره، وإلا سرى فقتل صاحبه، فمن الواجب -والحالة هذه- بتر العضو العليل لأن في تحمل هذا الضرر دفعًا لضرر أشد منه، ومن البدهي أن فقد العضو الواحد أهون من فقد الأعضاء كلها.
ولما توقفت سلامة الأمة في أخلاقها ودينها وأمنها على قطع أيدي السارقين، وجلد الزناة أو رجمهم، وإنزال أشد العقوبات بقطاع الطرق كان ذلك أمرًا متحتمًا في الشريعة، تقضي به ضرورة ارتكاب أخف الضررين وسيلة لدرء أعظمهما.
وهكذا نجد الإسلام على قمة المجد في مراعاة الحق والعدل والفضيلة والواجب بين الوسائل والغايات.
بينما نجد المكيافلية العامة هاوية إلى حضيض الخسة في ميادين السياسة، والمكيافلية اليهودية هاوية إلى حضيض كل خسة.
ومن النصوص اليهودية في هذا المجال ما يلي:
جاء في البروتوكول الأول مما يسمى "بروتوكولات حكماء صهيون":
"إن السياسة لا تتفق مع الأخلاق في شيء، والحاكم المقيد بالأخلاق ليس بسياسي بارع، وهو لذلك غير راسخ القدم على عرشه.
لا بد لطالب الحكم من الالتجاء إلى المكر والرياء، فإن الشمائل الإنسانية العظيمة من الإخلاص والأمانة تصير رذائل في السياسة.
إن الغاية تبرر الوسيلة: وعلينا ونحن نضع خططنا ألا نلتفت إلى ما هو خير وأخلاقي بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروري ومفيد.
من غير اليهود أناس قد أضلتهم الخمر، وانقلب شبانهم مجانين بالكلاسيكيات والمجون المبكر الذي أغراهم به وكلاؤنا، ومعلمونا وخدمنا وقهرماناتنا في البيوتات الغنية، وكتبتنا، ومن إليهم، ونساؤنا في أماكن لهوهم".
وهكذا يضع اليهود المبادئ الإجرامية ليسير عليها جميع اليهود في العالم، وليعملوا بكل جهدهم على تطبيقها، وكذلك يفعلون.
стр. 85
المقولة السادسة: فلسفة الإسلام فيما يجري به القضاء والقدر من نعم ومصائب
لدى التأمل فيما يجري به القضاء من نعم ومصائب في الحياة الدنيا نلاحظ أنها أمور أقتضتها حكمة الخالق العظيم في عالم الابتلاء. وعالم الابتلاء هو الطريق الحتمي لعالم الجزاء.
فألوان النعم التي يسميها الناس خيرًا، وألوان المصائب التي يسميها الناس شرًّا مما لا دخل لإرادة الإنسان فيه، لا تغدو أنها مظاهر تكمن فيها حكمة الخالق العظيم، فليس شيء من المصائب الربانية لدى التحقيق بشر لذاته، وإن كان يسمى في مفهوم الناس شرًّا نظرًا إلى صورته الظاهرة فقط، كما يُسمي قصير النظر من المرضى عمل الطبيب الجراح الناصح شرًّا، متى شعر بالألم من عمله، وكما يسمي الطفل وسائل التربية الحازمة التي يربيه بها أبوه العقال العالم الناصح شرًّا، إذا آلمه في شيء، أو حجر على هوى من أهوائه الجانحة عن سبيل الرشاد، وكما يسمي الطالب قصير النظر وفرة ما يقدم له من مغارف متعلقة بمادة مقررة عليه شرًّا، ويسمي صور الامتحان المختلفة التي يمتحنه بها مدرسه الناصح الأمين ليكتشف بها مدى معرفته شرًّا كذلك، وكما يسمي شدة ملاحظة المراقبين له شرًّا، مع العلم بأن هذه الأمور كلها هي في الحقيقة خير وليس شيء منها بشر. ونظيرها المصائب التي يمتحن الله بها عباده، ومكاره كثيرة من مكاره
стр. 86
الحياة التي لا يتم تحقيق الخير العظيم المقصود إلا عن طريقها، هي داخلة في عموم الخير وإن كان الشعور بالألم منها يصورها في النفس على أنها شر.
ولكل من النعم والمصائب الربانية أبواب تتجلى فيها حكمة الخالق العظيم، فمنها ما يكون للابتلاء، ومنها ما يكون للتربية، ومنها ما يكون للجزاء، وقد يحمل القضاء الواحد أكثر من غاية من هذه الغايات الثلاث، فهي إذن ثلاثة أنواع، وفيما يلي بيان لكل منها:
النوع الأول: "وهو ما كان من النعم والمصائب للابتلاء".
في كثير من النعم والمصائب الربانية تتجلى حكمة الابتلاء، قال الله تعالى في سورة "الملك: ٦٧ مصحف/ ٧٧ نزول":
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ .
فهذه الآية تدل على أن الحكمة من خلق الله الموت والحياة امتحان الناس فيما وهبهم من إرادة وعقل وقدرة، وفيما وضع تحت سلطتهم من أشياء مسخرة لهم في كونه.
ومن الملاحظ أن الله جلت حكمته قد جعل أساليب الامتحان ومظاهره متنوعة، فقد يمتحن طائفة من الناس بنوع منها في حين أنه يمتحن طائفة أخرى بنوع آخر منها، وطائفة ثالثة بنوع ثالث وهكذا.
ويدل على هذه الحقيقة عدة نصوص من القرآن الكريم:
أ- فمنها قوله تعالى في سورة "الأنبياء: ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول":
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ .
أي: ونمتحنكم بالمصائب والنعم امتحانًا، أما المصائب فتغري بالضجر، وأما النعم فتغري بالبطر، وبذلك يظهر معنى الفتنة التي تصاحب الامتحان الإلهي بالمصائب تارة وبالنعم أخرى.
ب- ومنها قوله تعالى في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول":
стр. 87
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
فالحكمة من اختلاف درجات الناس في الحياة الدنيا إنما هو استكمال ظروف الامتحان المقصود.
ج- ومنها قول الله تعالى في سورة "طه: ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول":
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ .
فالحكمة من تمييز أصناف الناس بمتع من زهرة الحياة الدنيا إنما هي الفتنة فيها، والفتنة هنا هي الامتحان المقترن بما يغري بالبطر والاستكبار والطغيان.
ولدى التبصر الدقيق نلاحظ أن كل نوع من أنواع الامتحان المختلفة أو المتباينة يؤدي الغاية ذاتها التي يهدف إليها الامتحان المشمول بالعدل الإلهي، والملاحظ فيه استعدادات الفرد التي وهبه الله إياها، مادية كانت أم معنوية، وذلك كله ضمن معادلات رياضية دقيقة، لا تستطيع القدرات الإنسانية -مهما بلغت- متابعة حسابها، وذلك لأن المحاسبة الربانية لا تهمل أي جانب من جوانب الإنسان التي تتأثر بإرادته، سواء كانت فكرية، أم نفسية، أم سلوكية.
ونستطيع أن نقرب ذلك إلى الفهم بملاحظة الأمثلة التالية:
أ- فيمكن أن نقول: إن امتحان درجة الصبر بالفقر أو المرض أو فقد الحبيب بنسبة توافق الاستعداد الفطري الموهوب لإنسان موضوع تحت الامتحان الرباني يساوي امتحان درجة الشكر بالغني أو الصحة أوالسرور بلقاء الأحبة، بنسبة توافق الاستعداد الفطري الموهوب لإنسان آخر موضوع تحت الامتحان الرباني.
وإذا كان من واجب الإنسان أن يعترف بأن الله أكرمه إذا فتح عليه أبواب الرزق والنعمة، فإن عليه أيضًا أن يراقب مع ذلك أن الله تعالى قد أكرمه بها في الدنيا لابتلائه، واختبار شكره، وحسن علمه.
стр. 88
وأما إذا قدر الله عليه رزقه، وضيق عليه مسالك العيش، فليس له أن يقول: "إن ربي أهانن" بل عليه أن يلاحظ دائمًا أن الله ابتلاه بذلك بعد أن وهبه ما وهبه من جلائل المنح التي ميز الإنسان بها، ثم يسعى جهده حتى يبرهن على استحقاقه لهذا الكمال الإنساني، وذلك بالصبر والرضا عن الله تعالى، في قضائه وقدره، وبالاستقامة على الطريقة التي شرعها الله لعباده.
وإلى هذه المعاني نجد الإشارة في قول الله تعالى في سورة "الفجر: ٨٩ مصحف/ ١٠ نزول":
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ .
ب- ويمكن أن نقول: إن امتحان درجة الطاعة بالجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، في ميدان الدفاع عن شريعة الرحمن، بنسبة توافق الاستعداد الفطري الموهوب لإنسان موضوع تحت الامتحان الرباني، يساوي امتحان درجة الطاعة بالتزام أحكام الله وضبط النفس عن الطغيان في ميدان الحكم والسلطان، فالجندي في المعركة ممتحن على قدر استعداده بمثل امتحان ذي السلطان على كرسي حكمه، الأول منهما تمتحن إرادته لمقاومة جبن النفس في ساعة الشدة والفزع، والآخر تمتحن إرادته لمقاومة طغيان النفس في ساعة الرخاء والطمع.
يضاف إلى ذلك ما في التفاوت بين الناس من ابتلاء بعضهم ببعض، فتبتلى إرادة الغني في الإحسان والتواضع أمام فقر الفقير، وتبتلى إرادة الفقير في الرضا والقناعة ومجانبة الحسد أمام غنى الغني، وهكذا يبتلى الصحيح بالسقيم والسقيم بالصحيح، والقوي بالضعيف، والضعيف بالقوي، ويبتلى الراعي برعيته، والرعية براعيها، ومن ذلك ابتلاؤه سبحانه المؤمنين بمجاهدة الكافرين، ويشهد لهذا قول الله تعالى في سورة "محمد: ٤٧ مصحف/ ٩٥ نزول":
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ .
وقوله تعالى أيضًا في سورة "محمد: ٤٧ مصحف ٩٥ نزول":
стр. 89
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ .
وفي الوجود أمثلة كثيرة متنوعة معقدة لأنواع الامتحان الرباني للإنسان، وذلك لأن النفس الإنسانية أعقد ما في الوجود، ولكن عدل الله العليم بكل شيء يتناول كل صغيرة وكبيرة، ويشمل الكليات والجزئيات بالقانون الرباني المبين بقول الله في سورة "الزلزلة: ٩٩ مصحف/ ٩٣ نزول":
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ .
وذلك لأن الإنسان قد يفتتن بما يراه ضرًّا وشرًّا، فيتخاذل أو يثبت، وقد يفتتن بما يراه نفعًا وخيرًا فيتخاذل أو يثبت، وفي كل منهما يتم الابتلاء والاختبار، والابتلاء بأي منهما يؤدي إلى الغاية نفسها المبتغاة من امتحان الإنسان.
إلا أن الفتنة بالضراء تغري بالضجر والتذمر، والتطاول على مقام الربوبية، والعناد في رفض الطاعة، لمرارتها على النفس، أما الفتنة بالسراء فتغري بالبطر والجحود، والبغي والطغيان، والتمادي في مخالفة الله، والبعد عن طاعته؛ اغترارًا بحلاوة مذاقها.
وربما كان الابتلاء بالضراء بالنسبة إلى بعض الناس أصلح من الابتلاء بالسراء؛ لأن استعداداتهم للصبر على المصيبة أكثر من استعداداتهم للصبر على ضبط النفس عن التمادي في البغي والإثم، إذا هم انغمسوا في زينة الدنيا، واغتروا بحلاوة إقبالها.
ونجد الإشارة إلى ذلك في قول الله تعالى في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول":
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
وقوله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ .
وقوله تعالى في سورة "الكهف: ١٨ مصحف/ ٦٩ نزول":
стр. 90
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ .
أليس في هذه الآيات بيان واضح لفكرة الابتلاء الرباني للإنسان بالحسنات وبالسيئات، وبالضراء وبالسراء، وذلك لامتحان درجة صبر الإنسان ودرجة شكره لكل ما يأتيه من قبل الله مهما مر أو حلا؟
ومن أمثلة مصائب الابتلاء التي يتعرض لها أهل الطاعة ليبتلى الله بها صبراهم، فيرفع درجاتهم عنده، ويزيد من حسناتهم، ما تضمنه قول الله تعالى في سورة "التوبة: ٩٠ مصحف/ ١١٣ نزول":
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
وهكذا تبدو الفلسفة الإسلامية في مجال نعم الدنيا ومصائبها فلسفة مشرفة سامية، شأنها في كل ما عالجته من أمور الكون والإنسان والحياة والوجود كله.
النوع الثاني: "ما كان من النعم والمصائب الربانية للتربية والتأديب".
وفي كثير من النعم والمصائب الربانية نلاحظ آثار الحكمة الإلهية في التربية والتأديب ظاهرة جلية.
فمن الآثار التربوية للنعم الزائدة لدى بعض الناس تربية اليقين بالله في قلوبهم، وتربية خلق الجود والإحسان وحب الخير للناس، وتربية النفس على الطمأنينة والاستقرار والقناعة، في حين أن كثرة النعم لدى آخرين قد تكون وسيلة إفساد لهم، وذلك بحسب استعداداتهم وخصائصهم النفسية.
ومن الآثار التربوية للمصائب تربية النفس على الصبر، وتحمل الشدائد، ومقارعة الخطوب، وإيقاظ القلب من غفلاته التي قد يستغرق فيها مع توالي النعم ومن آثارها إعطاء دروس وعظات في سنن الحياة، وتذكير المؤمن بأن هذه الحياة الدنيا دار ابتلاء، وليست دار استقرار، حتى يتسابق الناس فيها إلى تناول
стр. 91
المتع واللذات، ورد المنحرف عن صراط الله إلى طاعته؛ لأن للمصائب والآلام تأثيرات خاصة في النفس الإنسانية، تشعرها بما هي عليه من ضعف وعجز يلجئانها إلى ذي القوة المطلقة، الذي لديه وحده فيض النعم، وبيده وحده دفع البلاء، ورفع المصائب والخطوب.
وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببًا ما مثله سبب
وكثيرًا ما يكون طريق العناية الإلهية بعبده أن يقذفه في غمرات الشدائب ليعرفها، ويذوق بعض آلامها، ثم يخرجه منها سالمًا أو بأذى يسير، ولكن وراء ذلك خيرًا كثيرًا له.
ونستطيع أن نقول: إن اليتم الذي ذاق محمد صلوات الله عليه وسلامه طفولته قد كان له مرحلة تربوية من أجل المراحل في حياته، وعناية ربانية به، ليعده الله لمهام الرسالة التي اختار جل وعلا أن يصطفيه بها.
والتربية الربانية التي اكتسبها أصحاب محمد صلوات الله عليه في نعمة النصر الذي أحرزوه في بدر والأحزاب لون عظيم أفادهم توكلًا على الله وثقة به، وتثبيتًا للإيمان في قلوبهم، وعقيدة راسخة بأن النصر بيد الله يعطيه من يشاء، وأن الله لا محالة ناصر دينه، ومؤيد نبيه والمؤمنين معه.
أما التربية التي اكتسبوها في المصيبة التي مستهم آلامها في أحد، وحنين فذات لون آخر، إذا علمتهم أن للنصر شروطًا وأسبابًا مادية ومعنوية، لا يمكن إحرازها إلا بها، فليست قضية المسلمين مع أعدائهم، قضية معجزات، وخوارق عادات، ولكنها سنن كونية، لا تبديل لها، وإنما يكتب الله النصر والتأييد لأوليائه على أعدائه، إذا فعلوا ما أوجب عليهم، وتقيدوا بالسنن التي أرشدهم إليها.
ويمكن أن نجعل من مصائب التربية المصائب التي يتعرض لها من وهم دون التكليف، فهي من جهة مصائب ابتلاء أو تربية أو جزاء لأوليائهم، وهي من جهة أخرى مصائب تربية لمن هم دون التكليف، وذلك لأن كثيرًا من صفات الكمال في الإنسان لا توجد ولا تنمو إلا في ظروف المصائب.
стр. 92
على أن عدل الله لا بد أن يتحقق فيمن يصيبهم بالمصائب، وهم دون التكليف، فلا بد أن يعوض الله عليهم من فضله ثوابًا على ما أصيبوا به، سواء في الدنيا أم في الآخرة.
ويشير إلى هذا النوع وهو ما كان من النعم والمصائب للتربية والتأديب نصوص كثيرة في القرآن والسنة، ومنها قول الله تعالى في سورة "التوبة: ٩ مصحف/ ١١٣ نزول".
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ .
ففي الذي أصاب المسلمين يومئذ تربية عظيمة لهم، حتى لا يكرروا الاغترار بأنفسهم، وإن كثر عددهم وعظمت عدتهم، فالاغترار بالنفس من عوامل الهزيمة بما فيه من التهاون والتواكل.
النوع الثالث: "ما كان من النعم والمصائب الربانية للجزاء بالثواب أو بالعقاب".
ولدى التدبر في حكم الله الجليلة نلاحظ في كثير من النعم والمصائب الربانية أنها من الجزاء الإلهي المعجل في الدنيا.
وللجزاء المعجل في الدنيا أثر ظاهر في حفز همم أهل الطاعة للاستزادة من الخير، وفي تذكير أهل المعصية حتى يتوبوا، وينتهوا عن فعل الشر، وفي كل منهما عناية ربانية جليلة.
فالمعجل من الجزاء بالثواب في الدنيا أنواع كثيرة لا تحصى من الرغائب المادية والمعنوية التي يحبوها الله للمحسنين، منها النصر والتأييد والعز والسؤود، ومنها الشعور بالسعادة وطمأنينة القلب، ومنها اللذة بفيض المعرفة والحكم الربانية التي يلقيها الله في قلوبهم، ومنها البركة في الوقت والمال.
стр. 93
والزوج والولد، ومنها التوفيق الذي يدلل الصعاب، ويرافق الأعمال إلى غير ذلك مما لا يحصي.
والمعجل من الجزاء بالعقاب في الدنيا أنواع كثيرة أيضًا مادية ومعنوية، مشتملة على صنوف المذلة والخزي، والعيش الضنك، يجزي الله بها المسيئين، ومنها الفضل والخذلان، ومنها الشعور بالشقاء والقلق، ومنها الألم وضيق الصدر وتبلبل الفكر، واضطراب النفس، ومنها محق البركة والخير من الوقت والمال والزوج والولد، ومنها المصائب والبلايا الكثيرة في النفس والمال والأهل، ومنها مجانبة التوفيق في الأمور، ومنها الإذلال والإهانة، ومنها العذاب الماحق الذي ينزله الله على أهل الكفر والعناد، ومنها تنفيذ العقوبات المقررة في الشريعة الإسلامية على بعض الكبائر، إلى غير ذلك مما لا يحصى.
فمن سنن الله الدائمة تحقيق معجل الجزاء بقسميه الثواب والعقاب، وشواهد ذلك كثير في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، والأحداث التاريخية اليقينية، والوقائع المستمرة، وفيما يلي طائفة من النصوص القرآنية الدالة على ذلك.
أ- قال الله تعالى معلنًا عن معجل الثواب للمحسنين في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول":
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ .
فقد قرر الله في هذه الآية أن للذين أحسنوا ثوابًا معجلًا ينالونه في هذه الحياة الدنيا، إلا أن ما ادخره الله لهم إلى الدار الآخرة خير وأفضل.
ب- وقال الله تعالى مبينًا كلا من معجل الثواب والعقاب في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول":
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
стр. 94
وفي هذه الآية أيضًا بيان من الله تعالى أن من سنته في الحياة الدنيا أن يجازي بالثواب الدنيوي المؤمنين المتقين، وذلك بأن يفتح عليهم البركات من السماء والأرض وأن يجازي بالعقاب المكذبين، وذلك بأن يأخذهم بالعذاب بما كانوا يكسبون.
ج- وقال الله تعالى في شأن سيدنا نوح ﵇ في سورة "القمر: ٥٤ مصحف/ ٣٧ نزول":
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ .
ففي هذه الآية بيان من الله العظيم أن تأييد الله لرسوله نوح ﵇ بحمله في السفينة بعد أن كفر به قومه وكذبوه، وإنقاذه مع من آمن به محفوظًا بعناية الله ورعايته، قد كان من الجزاء الدنيوي له، على ما كان من أذى قومه له بالكفر والتكذيب وصبره الطويل.
د- وقال الله تعالى: مبينًا معجل العقاب للمسيئين في سورة "الزمر: ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول":
﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
هـ- وقال الله تعالى في سورة "طه: ٢٠ مصحف/ ٤٥ نزول":
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ .
فالمعيشة الضنك في الدنيا تكون جزاء لمن أعرض عن ذكر الله وعظات كتابه بعد معرفته لها، وتبصره بحقيقتها الناصعة.
و وقال الله تعالى في سورة "الرعد: ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول":
﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ .
وهكذا يتبين لنا من ألوان النعم والمصائب الدنيوية ما يقضي به الله
стр. 95
تعالى لعباده، جزاء معجلًا لهم على أعمالهم الحسنة أو السيئة، فتكون النعم منها جزاء بالثواب، وتكون المصائب منها جزاء بالعقاب.
ومرة ثانية نقول: وهكذا تبدو الفلسفة الإسلامية في مجال النعم والمصائب التي يصيب الله بها عباده فلسفة مشرفة سامية، شأنها في هذا كشأنها في كل ما عالجته من أمور الكون، والإنسان، والحياة، والوجود كله.
стр. 96
الفصل الثالث: العالمية والشمول في رسالة الحضارة الإسلامية
المقولة الأولى: مقدمات عامة
أولًا: واقع حال معظم الحضارات البشرية
تقف معظم الحضارات البشرية ضمن حدود ضيقة فكرية ونفسية ومادية.
أ- فنلاحظ أن أسسها الفكرية غير شاملة لكل ما في الحياة من مجالات التقدم والارتقاء.
فإذا اهتمت بالجانب الوحداني النفسي أهملت المجالات الأخرى العلمية والجسدية، وميادين العمل والإنتاج والابتكار والتحسين.
وإذا اهتمت بالمجال المادي أهملت المجالات الأخرى الخلقية والسلوكية، ومجالات السمو النفسي الوجداني.
وهكذا حالها بين اهتمام في جهة، وتقصير في أخرى.
ب- ونلاحظ أيضًا أن أسسها النفسية غير شاملة، فهي في معظم أحوالها سجينة الدوائر الأنانية، العنصرية، أو القومية، أو الطبقية، أو غيرها، فلا هي منطلقة وراء حدود دوائرها الأنانية إلى الشمول الإنساني بوجه عام، ولا هي مفتحة أبوابها لاستقبال الواردات الكريمات، المشبعات بإرادة الخير للإنسانية جمعاء.
ج- ونلاحظ أيضًا أن ميادين نشاطها محدودة لا تتجاوز رقعات من الأرض متميزة الحدود، وإن تسنى لها أن تمد نشاطها إلى غيرها، ومحدودة في طائقة من المجالات دون غيرها.
وهكذا نلاحظ أن الأسس الفكرية، والنفسية، والمادية، لمعظم هذه الحضارت البشرية قاصرة، تدور ضمن حدود فكرية ونفسية ومادية غير شاملة.
стр. 97
ثانيًا: الحضارة الإسلامية مفتوحة الحدود
أما الحضارة الإسلامية فإنها مفتوحة الحدود، ممتدة الأرجاء، شاملة كل ما في الحياة من مجالات تقدم وارتقاء، في أسسها الكفرية والنفسية، والمادية.
أ- فهي حضارة لا تجدها حدود ضيقة من الفكر، فتحجبها من أي كمال من الكمالات.
ب- ولا تحدها حدود ضيقة من النفس فتحصرها ضمن الدوائر الأنانية العنصرية أو القومية أو الطبقية، أو غيرها.
ولكنها منفتحة الحدود النفسية انفتاحًا مقرونًا بالتحريض على الانطلاق إلى الأبعاد الإنسانية كلها، تحمل إليها المحبة والرحمة، وإرادة الخير والسعادة للناس أجمعين، ثم إلى أبعاد أخرى أوسع من المجتمع الإنساني حتى تشمل كل ذي حياة بالرحمة والإحسان، وشواهد ذلك في النصوص الإسلامية كثيرة منها النصوص التالية:
- جاء في الحديث الصحيح:
"دخلت النار امرأة بهرة حبستها؛ لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".
- وعن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال:
"ما من مسلم غرس غرسًا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة". رواه البخاري.
- وجاء في الحديث الصحيح أيضًا:
"أن الله تعالى شكر لرجل رأى في الفلاة كلبًا يلهث من شدة العطش، فنزل الرجل إلى بئر فيها فملأ خفه ماء، ثم خرج فسقى الكلب".
وهكذا تمتد أبعاد الحضارة الإسلامية حتى تشمل بالرحمة والإحسان كل ذي حياة.
стр. 98
ج- وأخيرًا فإن الحضارة الإسلامية لا تحدها حدود مكانية، ولا حدود زمانية، فكل مكان من الأرض هدف لإقامة الحضارة الإسلامية عليه، وكل زمان من الدهر هدف لإقامة الحضارة الإسلامية فيه.
وبهذين العنصرين "العالمية والشمول" تحتل أسس الحضارة الإسلامية قمة رفيعة من المجد الخالد، لم ترق إلى مثلها آية أسس حضارية أخرى.
وذلك لأن ضيق الحدود الفكرية والنفسية والمادية الذي تعاني منه معظم الحضارات البشرية يجعلها مهما ارتقت عاجزة قاصرة، واقفة في السفوح، أو على الروابي والتلال، أما القمة الرفيعة فلا تصل إليها إلا طاقة مزدوجة القوة، أحد عنصريها العالمية، والعنصر الآخر الشمول.
وهذان العنصران مجتمعان في أسس الحضارة الإسلامية فحق لها أن تفخر بمجدها العظيم، وحق للمسلمين أن يفخروا بها، وأن يحتلوا بسببها قمة المجد الخالد، بين بناة الحضارات البشرية إذ هم عملوا بهديها، وطبقوا إرشاداتها تطبيقًا سويًّا، وفهموها الفهم الصحيح، ووعوها الوعي السديد، وبذلوا في سبيل ذلك ما يملكون من قدرات فكرية ونفسية وجسدية، فردية واجتماعية، وأحسنوا الانتفاع من الطاقات الكونية التي سخرها الله للإنسان.
ثالثًا: وعي المسلمين الأولين
وقد وعت القرون الأولى للمسلمين أسس الحضارة الإسلامية وعيًا مناسبًا، وفهمتها فهمًا سديدًا في معظم أركانها وشروطها وعواملها، فأثمر ذلك للمسلمين وللإنسانية جمعاء نسبة من التقدم الحضاري الباهر، في أقصر زمن عرفه تاريخ الإنسان الحضاري، للانتقال من مرحلة تخلف حضاري بين إلى تقدم حضاري فذ، في كل مجال من مجالات الحياة، تيسرت لهم فيه أسباب تقدم وارتقاء، حتى كان التقدم الذي أحرزوه معجزة تاريخية مدهشة، كما يعلن ذلك متتبعوا الحضارات الإنسانية بالبحث والتأمل، ودراسة المقدمات والنتائج التاريخية، من غربيين وشرقيين.
وامتدت هذه الحضارة الفاذة تتنامي وتزدهر، وتتصاعد في سلم الكمال
стр. 99
الإنساني بسرعة عجيبة حتى أدركها الركود حقبة من الدهر؛ إذ خلف في المسلمين خلوف أضاعوا ما يجب عليهم من متابعة الفتح في الميادين الحضارية، وأهملوا ما فرض الله عليهم من متابعة مد هذه الحضارة الإسلامية مدًّا أفقيًّا، حتى يصيب خيرها الناس جميعًا، ويضيء نورها كل مظلمة من الأرض، واتبعوا لشهوات، وقطعوا ما بينهم وبين أسهم الحضارية من أسباب، وانشغلوا بالقشور عن اللباب، وأخلدوا إلى الأرض، وعصوا الله فيما وصلوا إليه من نعمة باذخة.
وطالت مدة الركود، وانصرفت الهمة إلى المحافظة على المظاهر التي وصلوا إليها، ترميم المتداعيات من أبنيتهم الحضارية، وسد الثغور، ثم بعد ذلك الركود الطويل أخذ ذلك المد العظيم ينحسر من جوانبه، كيف لا ينحسر؟ وقد سد الخلوف على أنفسهم المنابع الثرة الصافية التي كانت سبب تقدمهم الباهر في ميادين الفتح كلها، المادية والمعنوية فلما فعلوا ذلك عدت عليهم عاديات الخطوب، وطمع بهم المتخلفون، واتجهت ضدهم أمواج الهمج من الشرق والغرب، تحطم وتدمر أبنيتهم الحضارية، العلمية والخلقية والاجتماعية والمادية.
ولولا أن أسس هذه الحضارة الفكرية والنفسية كانت منذ نشأتها أسسًا راسخة عميقة في النفس الإنسانية عمق الروح فيها، ما بقي لهذه الحضارة آثار تشهد لها بسابق مجدها العظيم، وذلك لكثرة ما تعرضت له من عوامل هدم خارجية وداخلية.
رابعًا: عوامل الهدم الداخلية التي مُني بها المسلمون
وإذا كان المسلمون يتحدثون دائمًا عن عوامل الهدم الخارجية التي سببت لهم ما وصلوا إليه من تخلف وضعف في القرون الأخيرة، فإن عوامل الهدم الخارجية ما كان لها أن تظفر لو استمر المسلمون آخذين بأسس حضارتهم الإسلامية كما أخذ بها المسلمون الأولون، ولكانوا فوتوا على أعدائهم كل فرصة يمكن أن ينتهزوها لضرب المسلمين.
стр. 100
وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لذلك كان من واجبنا أن نتبصر بعوامل الهدم الداخلية التي منينا بها، فنصلح ما في أنفسنا، وعند ذلك نجد أنفسنا قادرين على إخباط مكايد أعدائنا، مهما كانت قوية، ومهما كانت ماكرة مقنعة.
ولدى البحث الواعي عن عوامل الهدم الداخلية المثيرة للحزن والألم في معظم المجتمعات التي تنتسب إلى الإسلام تبدو لنا عدة عوامل كبرى، منها العوامل التالية:
العامل الأول:
فقدان الإدراك السليم الكامل الشامل لأسس الحضارة الإسلامية، وفقدان هذا الإدراك الشامل يسبب تشتت العاملين في بنائها في جهات متباينة، أو يسبب تصادمهم وتصارعهم.
ومثل هذه الحضارة بين أيدي العاملين في سبيلها، مع فقدن هذا الإدارك الشامل يسبب تشتت العاملين، كمثل ثوب مفصل تفصيلًا محكمًا، أمسك كل فريق من الناس بطرف من أطرافه في الجهات الأربعة المتضادة، وأخذ كل فريق منهم يجذبه إليه بكل ما لديه من قوة وعنف.
إنه لا يلبث حتى يمسي قطعًا ممزقة، فالكم الأيمن في أيدي فريق متجه إلى الغرب، والكم الأيسر في أيدي فريق آخر متجه إلى الشرق، والجيب في أيدي جماعة متجهة إلى الجنوب، والذيل في أيدي آخرين متجهين إلى الشمال، وسائر الثوب مطروح من الأرض لا يجد من يحمله، أو يهتم به ويصونه، واستغنى كل فريق بما لديه من قطع الثوب الممزق، معتزًّا به، ظانًّا أنه قد ظفر بما يكفيه من الثوب.
وكذلك الحضارة الإسلامية بين أيدي أهلها اليوم.
العامل الثاني:
توجيه كل طاقات العمل الممكنة دفعة واحدة للقيام بأهون الجزئيات
стр. 101
وأيسرها، فإذا تحققت هذه الجزئيات بأقل هذه الطاقات سهل تفجير سائرها تفجيرًا هوائيًّا غير مثمر.
ومما يؤسف له أن كثيرًا من هذه الجزئيات يدخل في الإشكال والصور والرسوم، لا في الجواهر والحقائق والحجوم.
فبينما تنقض أسس الحضارة الإسلامية حجرًا حجرًا، وتعمل على اجتثاثها اجتثاثًا كليًّا جيوش كثيرة مستخفية ومستعلنة، نجد كتائب كثيرة من حماتها منشغلة في جدليات كلامية، ومصارعات عملية حول أفضل الألوان التي ينبغي أن يدهن بها الجدار الخارجي لبناء هذه الحضارة، مع أن جيوش الهدم الخارجية لا يستطاع دفعها إلا باجتماع طاقات أبناء هذه الحضارة، على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم، مع التجاوز عن الخلافات الجزئية التي لا تمس جوهر الإسلام في أسس عقائده ومبادئه وأخلاقه.
العامل الثالث:
سقوط كثير من المتطلعين إلى مجد حضاري رفيع في شباك التضليلات التي يصدرها أعداء الإسلام، وانسياقهم وراءها بحماسة قوية.
وقد فوت هذا السقوط على الحضارة الإسلامية طاقات عظيمات كان من الممكن أن تتوجه إلى بنائها بناء راسخًا رصينًا، وإلى إعادة مجدها الباذخ، ولم يقف الأمر عند ذلك بل أخذت هذه الطاقات تعمل في صفوف أعداء الحضارة الإسلامية، وتهدم في أركانها، وتقتلع من أسسها,.
العامل الرابع:
الحرب الدائمة السافرة والمقنعة، التي تعوق كل تقدم حضاري للمسلمين، وتكتم أنفاس كل داع يدعو إلى الحق المشرق على هدى وبصيرة، مع الالتزام بالإخلاص والصدق.
ويقوم بهذه الحرب جنود مقنعون من جنود أعداء الإسلام، منبثون في كل مكان، داخل البلاد الإسلامية، فمنهم منافقون، ومنهم أجراء أغبياء للأعداء.
العامل الخامس:
تشتت شمل المسلمين وتفرق كلمتهم، وتبديد طاقاتهم في البأس بينهم.
فإذا أوقفت عوامل الهدم، وتوجه البناة الواعون المخلصون لإعادة بناء الحضارة الإسلامية تمكنوا من إقامة صروحها العظيمة، وإعادة مجدها التالد، السائر باستمرار شطر الكمال المطلق.
стр. 102
المقولة الثانية: الحضارة الإسلامية منفتحة الحدود
انفتاح الحدود الفكرية
...
المقولة الثانية: الحضارة الإسلامية منفتحة الحدود
لدى المقارنة بين الحضارة الإسلامية وبين معظم الحضارات البشرية وجدنا أن أسس الحضارة الإسلامية تتميز عما سواها بأنها منفتحة الحدود الفكرية، والنفسية والمادية.
ولنتبين هذه الحقيقة لا بد أن نتناول كل انفتاح من هذه الانفتاحات الثلاثة؛ الفكرية، والنفسية، والمادية، بالشرح المناسب، ليتأكد الناظر في أسس هذه الحضارة المجيدة من صحة هذه الحقيقة التي نثبتها بقوة.
أ- انفتاح الحدود الفكرية:
إن القوة المزدوجة الدافعة إلى قمة مجد حضاري فذ، والمؤلفة من عنصري العالمية والشمول، لا نجدها إلا في أسس الحضارة الإسلامية.
وتتجلى هذه الحقيقة في المجال الفكري بما يلي:
أولًا: بتقلبها للحق من أي مصدر ظهر حتى ولو جاء من قبل عدوها.
ثانيًا: بشغفها بامتصاص العلوم والمعارف من أي المنابع تدفقت.
ثالثًا: بحثِّها على اكتساب الكمالات الفكرية، في كل مجال من مجالات الحياة، وفي كل ميدان من ميادينها.
والنصوص الإسلامية التي تدل على هذه الحقيقة الشاملة لكل هذه العناصر كثيرة في القرآن والسنة.
стр. 103
وقد سبق عرض كثر منها في موضوعات متنوعة، ونضيف إليها هنا طائفة أخرى.
فمنها ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
"ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم.
وعن ابن مسعوزد قال: قال رسول الله ﷺ :
"لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها". متفق عليه.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان، وقد جمع السيوطي طرق هذا الحديث حتى أوصلها إلى خمسين طريقًا، وحكم من أجل ذلك على الحديث بالصحة، وإن كان في كل منها ضعف، وحكى العراقي صحته عن بعض الأئمة.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"الكلمة الحكمة ضالة الحكيم فحيث وجدها فهو أحق بها" رواه الترمذي وابن ماجه١.
стр. 104
وقد جعل الرسول صلوات الله عليه فداء الأسرى من المشركين أن يعلموا فريقًا من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، فلم ير صلوات الله عليه حرجًا في أن يتعلم أبناء المسلمين هذا النوع من العلم على أيدي المشركين، وذلك حرصًا منه على دفع المجتمع الإسلامي في المدينة إلى الترقي في معارج الحضارة.
وسيرًا في حدود هذا المنهج الإسلامي العام وجدنا العصور الذهبية للمسلمين تفتح صدرها لامتصاص المعارف الإنسانية المادية التي خلفتها في الأمم والشعوب حضارات سالفات منقرضات.
وقد امتص المسلمون بسرعة فائقة ما خلفه اليونان الإغريق من علوم فلسفية وعقلية، وما خلفه الفرس من حكم وآداب وخبرات سياسية، وما كان لدى مختلف الأمم التي التفت مع المسلمين لقاء مودة أو لقاء خصام.
ثم أخذوا بتحرير هذه العلوم، وتنقيتها من الشوائب, وتطويرها وتنميتها، وصقلها، وإصلاح فاسدها، مسترشدين بالمنهج العلمي العام الذي رسمه للمسلمين مصدرا التشريع الإسلامي العظيمان القرآن والسنة، كل ذلك فيما لم يكن من خصائص الشريعة الإسلامية بيانه، وتحديد أصوله وفروعه، كأصول الاعتقاد وأحكام العبادات، وأحكام المعاملات، ونظم الحياة الفردية والاجتماعية التي رسم الإسلام للناس طريقها، وأوضح لهم صراطها المستقيم.
يقول المؤرخ الدمشقي المرحوم "محمد كرد علي"١:
"وعمر بن عبد العزيز هو الذي أمر بنقل كتاب أهرن بن أعين في الطب إلى اللغة العربية، وهو الذي أمر عاصم بن عمر الأنصاري وكان عالمًا ثقة كثير الحديث أن يجلس في مسجد دمشق فيحدث الناس بالمغازي، ومناقب الصحابة، وقال له: إن بني مروان كانوا يكرهون هذا وينهون عنه، فاجلس فحدث الناس بذلك. وسبق حكيم آل مروان وعالم قريش خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان المتوفى سنة "٨٥هـ" إلى ترجمة كتب الفلاسفة والنجوم
стр. 105
والكيمياء والطب والحروب والآلات والصناعات من اللسان اليوناني والقبطي والشرياني، وكانت الترجمة أحيانًا من لغة يونان إلى العبرانية، ومن العبرانية إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية.
وخالد بن يزيد هذا أول من جمعت له الكتب، وجعلها في خزانة في الإسلام، والأرجح أنها كانت في دمشق.
وقال أيضًا: "والعلوم تسربت إلى العرب من بقايا علوم القبط واليونان والسريان بعد أن توطد أمر الخلافة، وأخذت الجيوش تتقدم في أفريقية إلى الأندلس، وفي الشرق إلى ما وراء السند وسمرقند، وكانت في إنطاكية والرها ونصيبين وحران أول الفتح مدارس عامرة، تشبع أساتذتها بالثقافة اليونانية، وفلسفة أرسطو والعلوم والطب المعروفة عند القدماء.
قال دييل: "وراجع خلفاء الأمويين هؤلاء الأساتيذ لينقلوا إلى السريانية وإلى العربية أهم كتب العلم والأدب عند اليونان وبيزنطية، وجاء العباسيون بعد الأمويين فكان همهم أن يجمعوا المخطوطات اليونانية، وأن ينقلوا إلى العربية أهم كتب العلم والطلب والفلسفة اليونانية.
وقال: فبواسطة تراجمة شاميين عرف العرب العلم والفلسفة اليونانية، وبفضلهم نشأت في الإسلام من إسبانيا إلى الهند حركة عقلية عظيمة أتت بأينع الثمرات، وبفضل المدارس العربية في قرطبة عرف العرب النصراني نفسه فلسفة أرسطو. ا. هـ".
ونحو نقول: إنه لجدير بالإعجار والإكبار تلك الثمرات الباهرات العلمية والعملية التي أنتجها للمسلمين في العصور الذهبية الراقية انفتاح الحدود الفكرية لديهم لتقبل الحق من أي مصدر ظهر، وللشغف بامتصاص العلوم والمعارف من أي المنابع تدفقت، وللسعي الحثيث لاكتساب الكمالات الإنسانية، في كل مجال من مجالات الحياة، وفي كل ميدان من ميادين العمل، وهو الأمر الذي أملته عليهم أسس الإسلام الحضارية.
ولو أن حدودهم الفكرية كانت مغلقة، وعقولهم كانت منطوية على نفسها
стр. 106
لا تتقبل الحقائق العلمية التي تأتيها من الأمم والشعوب الأخرى، غابرة كانت أم حاضرة، لما بلغوا ما بلغوه من مجد عظيم، في أقصر حقبة عرفها تاريخ الحضارات الإنسانية.
لكن الأسس الإسلامية علمت المسلمين أن يفتحوا عقولهم للناس جميعًا، بالأخذ والعطاء، وذلك لأن الحقيقة جوهرة عالمية، فهي ملك مشاع للناس جميعًا، لا تقبل استئثارًا ولا تتحمل قسمة ولا نزاعًا، فمن عرفها ابتكارًا أو اقتباسًا واعترف بها واهتدى بهديها فهو أحق بها، تنسب إليه وينسب إليها، ويدخل في زمرة أنصار الحقيقة، كما أن الحقيقة تتبرأ ممن لا يعترف بها، ولا يهتدي بهديها، وإن كان ممن ساهم باستنباطها، أو ابتكارها، أو انفرد بذلك.
وكم حرمت أمم نفسها من التقدم والارتقاء بدافع الأنانية الذاتية، والعصبية القومية المقيتة، وبسبب عزوفها عن اقتباس معارف الآخرين وعلومهم الصحيحة.
ولقد هيأ للمسلمين الأولين هذا الانفتاح الفكري لتلقف المعارف الحقة واقتباسها، واكتساب الكمالات الإنسانية سبقًا حضاريًّا فذا، لم يضارعه تقدم حضاري لأية أمة من الأمم السالفة.
ويدهش المؤرخ الفرنسي العلامة "غوستاف لوبون" فيقول١:
"إن حماسة المسلمين في دراسة المدنية اليونانية واللاتينية مدهشة حقيقة.
والإنسان يقضي العجب من الهمة التي أقدموا بها على البحث، وإذا كانت هناك أمم قد تساوت هي والعرب في ذلك فإنه لا تجد أمة فاقت العرب على ما يحتمل".
ويقول لوبون أيضًا:
"كانت معارف اليونان واللاتين القديمة أساسًا لثقافة متعلمي العرب في الدور الأول، وكان هؤلاء كالطلاب الذين يتلقون في المدرسة ما ورثه الإنسان من علوم الأولين، وكان اليونان أساتذة العرب الأولين إذن، ولكن العرب
стр. 107
المفطورين على قوة الإبداع والنشاط لم يكتفوا بحال الطلب الذي اكتفت به أوروبا في القرون الوسطى، فلم يلبثوا أن تحرروا من ذلك الدور الأول.
ولم يلبث العرب بعد أن كانوا تلاميذ معتمدين على كتب اليونان أن أدركوا أن التجربة والترصد خير من أفضل الكتب.
ويُعزى إلى "بيكن" على العموم أنه أول من أقام التجربة والترصد اللذين هما ركن المنهاج العلمية الحديثة مقام الأستاذ، ولكنه يجب أن يعترف اليوم بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم.
ويقول أيضًا:
وقد منح اعتماد العرب على التجربة مؤلفاتهم دقة وإبداعًا لا ينتظر مثلهما من رجل تعود درس الحوادث في الكتب.
ونشأ عن منهاج العرب التجريبي وصولهم إلى اكتشافات مهمة.
ولما آل العلم إلى العرب حولوه إلى غير ما كان عليه، فتلقاه ورثتهم مخلوقًا خلقًا آخر.
وأنشأ العرب بسرعة حضارة جديدة كثيرة الاختلاف عن الحضارات التي ظهرت قبلها.
ويتكلم لوبون عن المسلمين في الأندلس فيقول: لم يكد العرب يتمون فتح إسبانية حتى بدءوا يقومون برسالة الحضارة فيها، فاستطاعوا في أقل من قرن أن يحييوا ميت الأرضين، ويعمروا خرب المدن, ويقيموا فخم المباني، ويوطدوا وثيق الصلات التجارية بالأمم الأخرى، ثم شرعوا يتفرغون لدراسة العلوم والآداب، ويترجمون كتب اليونان واللاتين، وينشئون الجامعات التي ظلت وحدها ملجأ للثقافة في أوروبة زمنًا طويلًا". ا. هـ.
ونقل الأستاذ "محمد فريد وجدي" في كتابه "الإسلام دين عام خالد" ما يلي:
стр. 108
يقول "دريبر" الأستاذ بجامعة "نيويورك" في كتابه "النزاع بين العلم والدين":
"تحقق علماء المسلمين من أن الأسلوب العقلي النظري لا يؤدي إلى التقدم، وأن الأمل في وجدان الحقيقة يجب أن يكون معقودًا بمشاهدة الحوادث ذاتها، ومن هنا كان شعارهم في أبحاثهم الأسلوب التجريبي، والدستور العملي الحسي.
إن نتائج هذه الحركة العملية تظهر جلية في التقدم الباهر الذي نالته الصنائع في عصرهم، وإننا لندهش حين نرى في مؤلفاتهم من الآراء العلمية ما كنا نظنه من نتائج العلم في هذا العصر.
وقد استخدموا علم الكيمياء في الطب، ووصلوا في علم الميكانيكا إلى أنهم عرفوا وحددوا قوانين سقوط الأجسام، وكانوا عارفين كل المعرفة بعلم الحركة، ووصلوا في نظريات الضوء والإبصار إلى أن غيروا الرأي اليوناني القائل بأن الإبصار يحصل بوصول شعاع من البصر إلى الجسم المرئي، وقالوا: بالعكس. وكانوا يعرفون نظريات انعكاس الأشعة وانكسارها، وقد اكتشف الحسن بن الهيثم الشكل المنحنى الذي يأخذه الشعاع في سيره في الجو، وأثبت بذلك أننا نرى القمر والشمس قبل أن يظهرا حقيقة في الأفق، وكذلك نراهما في المغرب بعد أن يغيبا بقليل".
ونقل الفيلسوف الشاعر الباكستاني "محمد إقبال" في كتابه "تجديد التفكير الديني في الإسلام" ما يلي:
يقول "بريفولت" مؤلف كتاب "بناء الإنسانية":
"لقد كان العلم أهم ما جاءت به الحضارة العربية على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج. إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في إسبانيا لم تنهض في عنفوانها إلا بعد مضي وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام, ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوروبا الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى
стр. 109
الحياة الأوروبية، فإنه على الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الأزدهار الأوروبي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون وأهم ما تكون في نشأة تلك الطاقة التي تكون ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة، وفي المصدر القوي لازدهاره، أي: في العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي".
ويستطرد فيقول:
"إن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة، بل يدين هذا العلم للثقافة العربية بأكثر من هذا، إنه يدين لها بوجوده نفسه، فالعالم القديم -كما رأينا- لم يكن للعلم فيه وجود. وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علومًا أجنبية استجلبوها من خارج بلادهم, وأخذوها عن سواهم، ولم تتأقلم في يوم من الأيام فتمتزج امتزاجًا كليًّا بالثقافة اليونانية.
وقد نظم اليونان المذاهب، وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات، ولكن أساليب البحث في دأب وأناة، وجميع المعلومات الإيجابية وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم، والملاحظة الدقيقة المستمرة، والبحث التجريبي كل ذلك كان غريبًا تمامًا عن المزاج اليوناني، أما ما ندعوه العلم فقد ظهر في أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة، من طرق التجربة والملاحظة والمقاييس، ولتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان، وهذا الروح وتلك المناهج العلمية أدخلها العرب إلى العالم الأوربي".
ويقول أيضًا:
إن "روجر بيكون" درس اللغة العربية، والعلم العربي في مدرسة "إكسفورد" على خلفاء معلميه العرب في الأندلس، وليس لـ"روجر بيكون" ولا لسميه "فرنسيس بيكون" الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي، فلم يكن "روجر بيكون" إلا رسولًا من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوروبا المسيحية، وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العربية وعلوم العرب هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة.
стр. 110
والمناقشات التي دارت حول واضعي المنهج التجريبي هو طرف من التخريف الهائل لأصول الحضارة الأوروبية، وقد كان منهج العرب التجريبي في عصر "بيكون" قد انتشر انتشارًا واسعًا، وانكب الناس في لهف على تحصيله في ربوع أوروبا".
من أين استقى "روجر بيكون" ما حصله من العلوم؟ من الجامعات الإسلامية في الأندلس. والقسم الخامس من كتابه الذي خصصه للبحث في البصريات هو في حقيقة الأمر نسخة من كتاب "المناظر" "لابن الهيثم".
ولا بد أن نلاحظ أنه حينما يطلق المؤرخون والباحثون الغربيون ومن درج على طريقتهم كلمة "عرب" فإنهما يريدون بها المسلمين، سواء كانوا عربًا أم غير عرب.
وجدير بنا أن نعرف أن سر هذا التقدم الحضاري السريع الذي أحرزه المسلمون في القرون الأولى إنما يرجع إلى إدراكهم السليم الشامل لأسس الحضارة الإسلامية.