لا تتقبل الحقائق العلمية التي تأتيها من الأمم والشعوب الأخرى، غابرة كانت أم حاضرة، لما بلغوا ما بلغوه من مجد عظيم، في أقصر حقبة عرفها تاريخ الحضارات الإنسانية.
لكن الأسس الإسلامية علمت المسلمين أن يفتحوا عقولهم للناس جميعًا، بالأخذ والعطاء، وذلك لأن الحقيقة جوهرة عالمية، فهي ملك مشاع للناس جميعًا، لا تقبل استئثارًا ولا تتحمل قسمة ولا نزاعًا، فمن عرفها ابتكارًا أو اقتباسًا واعترف بها واهتدى بهديها فهو أحق بها، تنسب إليه وينسب إليها، ويدخل في زمرة أنصار الحقيقة، كما أن الحقيقة تتبرأ ممن لا يعترف بها، ولا يهتدي بهديها، وإن كان ممن ساهم باستنباطها، أو ابتكارها، أو انفرد بذلك.
وكم حرمت أمم نفسها من التقدم والارتقاء بدافع الأنانية الذاتية، والعصبية القومية المقيتة، وبسبب عزوفها عن اقتباس معارف الآخرين وعلومهم الصحيحة.
ولقد هيأ للمسلمين الأولين هذا الانفتاح الفكري لتلقف المعارف الحقة واقتباسها، واكتساب الكمالات الإنسانية سبقًا حضاريًّا فذا، لم يضارعه تقدم حضاري لأية أمة من الأمم السالفة.
ويدهش المؤرخ الفرنسي العلامة "غوستاف لوبون" فيقول١:
"إن حماسة المسلمين في دراسة المدنية اليونانية واللاتينية مدهشة حقيقة.
والإنسان يقضي العجب من الهمة التي أقدموا بها على البحث، وإذا كانت هناك أمم قد تساوت هي والعرب في ذلك فإنه لا تجد أمة فاقت العرب على ما يحتمل".
ويقول لوبون أيضًا:
"كانت معارف اليونان واللاتين القديمة أساسًا لثقافة متعلمي العرب في الدور الأول، وكان هؤلاء كالطلاب الذين يتلقون في المدرسة ما ورثه الإنسان من علوم الأولين، وكان اليونان أساتذة العرب الأولين إذن، ولكن العرب
стр. 107
المفطورين على قوة الإبداع والنشاط لم يكتفوا بحال الطلب الذي اكتفت به أوروبا في القرون الوسطى، فلم يلبثوا أن تحرروا من ذلك الدور الأول.
ولم يلبث العرب بعد أن كانوا تلاميذ معتمدين على كتب اليونان أن أدركوا أن التجربة والترصد خير من أفضل الكتب.
ويُعزى إلى "بيكن" على العموم أنه أول من أقام التجربة والترصد اللذين هما ركن المنهاج العلمية الحديثة مقام الأستاذ، ولكنه يجب أن يعترف اليوم بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم.
ويقول أيضًا:
وقد منح اعتماد العرب على التجربة مؤلفاتهم دقة وإبداعًا لا ينتظر مثلهما من رجل تعود درس الحوادث في الكتب.
ونشأ عن منهاج العرب التجريبي وصولهم إلى اكتشافات مهمة.
ولما آل العلم إلى العرب حولوه إلى غير ما كان عليه، فتلقاه ورثتهم مخلوقًا خلقًا آخر.
وأنشأ العرب بسرعة حضارة جديدة كثيرة الاختلاف عن الحضارات التي ظهرت قبلها.
ويتكلم لوبون عن المسلمين في الأندلس فيقول: لم يكد العرب يتمون فتح إسبانية حتى بدءوا يقومون برسالة الحضارة فيها، فاستطاعوا في أقل من قرن أن يحييوا ميت الأرضين، ويعمروا خرب المدن, ويقيموا فخم المباني، ويوطدوا وثيق الصلات التجارية بالأمم الأخرى، ثم شرعوا يتفرغون لدراسة العلوم والآداب، ويترجمون كتب اليونان واللاتين، وينشئون الجامعات التي ظلت وحدها ملجأ للثقافة في أوروبة زمنًا طويلًا". ا. هـ.
ونقل الأستاذ "محمد فريد وجدي" في كتابه "الإسلام دين عام خالد" ما يلي:
стр. 108
يقول "دريبر" الأستاذ بجامعة "نيويورك" في كتابه "النزاع بين العلم والدين":
"تحقق علماء المسلمين من أن الأسلوب العقلي النظري لا يؤدي إلى التقدم، وأن الأمل في وجدان الحقيقة يجب أن يكون معقودًا بمشاهدة الحوادث ذاتها، ومن هنا كان شعارهم في أبحاثهم الأسلوب التجريبي، والدستور العملي الحسي.
إن نتائج هذه الحركة العملية تظهر جلية في التقدم الباهر الذي نالته الصنائع في عصرهم، وإننا لندهش حين نرى في مؤلفاتهم من الآراء العلمية ما كنا نظنه من نتائج العلم في هذا العصر.
وقد استخدموا علم الكيمياء في الطب، ووصلوا في علم الميكانيكا إلى أنهم عرفوا وحددوا قوانين سقوط الأجسام، وكانوا عارفين كل المعرفة بعلم الحركة، ووصلوا في نظريات الضوء والإبصار إلى أن غيروا الرأي اليوناني القائل بأن الإبصار يحصل بوصول شعاع من البصر إلى الجسم المرئي، وقالوا: بالعكس. وكانوا يعرفون نظريات انعكاس الأشعة وانكسارها، وقد اكتشف الحسن بن الهيثم الشكل المنحنى الذي يأخذه الشعاع في سيره في الجو، وأثبت بذلك أننا نرى القمر والشمس قبل أن يظهرا حقيقة في الأفق، وكذلك نراهما في المغرب بعد أن يغيبا بقليل".
ونقل الفيلسوف الشاعر الباكستاني "محمد إقبال" في كتابه "تجديد التفكير الديني في الإسلام" ما يلي:
يقول "بريفولت" مؤلف كتاب "بناء الإنسانية":
"لقد كان العلم أهم ما جاءت به الحضارة العربية على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج. إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في إسبانيا لم تنهض في عنفوانها إلا بعد مضي وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام, ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوروبا الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى
стр. 109
الحياة الأوروبية، فإنه على الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الأزدهار الأوروبي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون وأهم ما تكون في نشأة تلك الطاقة التي تكون ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة، وفي المصدر القوي لازدهاره، أي: في العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي".
ويستطرد فيقول:
"إن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة، بل يدين هذا العلم للثقافة العربية بأكثر من هذا، إنه يدين لها بوجوده نفسه، فالعالم القديم -كما رأينا- لم يكن للعلم فيه وجود. وعلم النجوم عند اليونان ورياضياتهم كانت علومًا أجنبية استجلبوها من خارج بلادهم, وأخذوها عن سواهم، ولم تتأقلم في يوم من الأيام فتمتزج امتزاجًا كليًّا بالثقافة اليونانية.
وقد نظم اليونان المذاهب، وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات، ولكن أساليب البحث في دأب وأناة، وجميع المعلومات الإيجابية وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم، والملاحظة الدقيقة المستمرة، والبحث التجريبي كل ذلك كان غريبًا تمامًا عن المزاج اليوناني، أما ما ندعوه العلم فقد ظهر في أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة، من طرق التجربة والملاحظة والمقاييس، ولتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان، وهذا الروح وتلك المناهج العلمية أدخلها العرب إلى العالم الأوربي".
ويقول أيضًا:
إن "روجر بيكون" درس اللغة العربية، والعلم العربي في مدرسة "إكسفورد" على خلفاء معلميه العرب في الأندلس، وليس لـ"روجر بيكون" ولا لسميه "فرنسيس بيكون" الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار المنهج التجريبي، فلم يكن "روجر بيكون" إلا رسولًا من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوروبا المسيحية، وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه للغة العربية وعلوم العرب هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة.
стр. 110
والمناقشات التي دارت حول واضعي المنهج التجريبي هو طرف من التخريف الهائل لأصول الحضارة الأوروبية، وقد كان منهج العرب التجريبي في عصر "بيكون" قد انتشر انتشارًا واسعًا، وانكب الناس في لهف على تحصيله في ربوع أوروبا".
من أين استقى "روجر بيكون" ما حصله من العلوم؟ من الجامعات الإسلامية في الأندلس. والقسم الخامس من كتابه الذي خصصه للبحث في البصريات هو في حقيقة الأمر نسخة من كتاب "المناظر" "لابن الهيثم".
ولا بد أن نلاحظ أنه حينما يطلق المؤرخون والباحثون الغربيون ومن درج على طريقتهم كلمة "عرب" فإنهما يريدون بها المسلمين، سواء كانوا عربًا أم غير عرب.
وجدير بنا أن نعرف أن سر هذا التقدم الحضاري السريع الذي أحرزه المسلمون في القرون الأولى إنما يرجع إلى إدراكهم السليم الشامل لأسس الحضارة الإسلامية.
стр. 111
ب- انفتاح الحدود النفسية:
يتمثل انفتاح الحدود النفسية في أسس الحضارة الإسلامية بأن رسالة هذه الحضارة ليست حكرًا على قوم، ولا خاصة بأمة، ولا منحصرة في زمن، لذلك فهي تقاوم كل ضيق نفسي ينبع من منابع الأنانية، التي تتحكم بنفوس كثير من الناس، فتقف بهم عند حدود قبائلهم أو شعوبهم أو أقوامهم أو أممهم، وتوجه أسسهم ومبادئهم وأعمالهم لما يخدم مواقعهم الضيقة، ويعالج مشكلاتها.
ولانفتاح الحدود النفسية في رسالة الحضارة الإسلامية ظواهر كثيرة، منها الظواهر التالية:
الظاهرة الأولى: عالمية رسالة محمد ﷺ .
الظاهرة الثانية: إرادة الخير والسعادة للناس جميعًا.
стр. 112
الظاهرة الثالثة: التسوية بين الناس في أصل الإنسانية.
الظاهرة الرابعة: الأخوة الإيمانية.
الظاهرة الخامسة: مراعاة الفطرة الإنسانية بوجه عام في أسس الشريعة الإسلامية.
الظاهرة السادسة: مراعاة العدل بين الناس.
ويقتضينا البحث أن نعالج هذه الظواهر بشيء من البيان والتفصيل المدعم بالأدلة والنصوص الإسلامية، وفيما يلي شرح هذه الظواهر.
شرح الظاهرة الأولى: عالمية رسالة محمد ﷺ
تجلت عالمية رسالة الحضارة الإسلامية من منطلقاتها الأولى التي حددت الهدف من رسالة محمد صلوات الله عليه، وحددت مهمات هذه الرسالة.
فهدف رسالة محمد ﷺ أن يكون رحمة للعالمين كل العالمين، فمن تعليمات هذه الرسالة أن يبلغ الناس جميعًا، ويعلمهم على سواء، بما أمره الله بتبليغه وإعلامه، دون تمييز ولا تخصيص، قال الله تعالى مخاطبًا رسوله في سورة "الأنبياء: ٢١ مصحف/ ٧٣ نزول" وهي من السور المكية:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ .
وقال الله تعالى في سورة "سبأ: ٣٤ مصحف/ ٥٨ نزول" وهي من السور المكية أيضًا:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
ففي هذا البيان القرآني تحديد تام للهدف من رسالة محمد صلوات الله عليه، وبيان واضح لمسئولية التبليغ والإعلام الملقاة على عاتقه.
стр. 113
أليس في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ تحديد للهدف من رسالة محمد؟ إنها رسالة غايتها أن تكون رحمة للناس جميعًا، وليست رسالة خاصة بقوم، أو بعنصر، أو بفئة، أو بطبقة من العالمين.
وقد جاءت الآية في سورة "سبأ":
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس﴾ مؤكدة هذه الحقيقة من حقائق هذه الرسالة الإسلامية.
ولما كانت هذه الرسالة ذات هدف عالمي شامل كان الرسول صلوات الله عليه مأمورًا بأن يخاطب بها الناس على وجه العموم، دون تفريق بين قوم وقوم، ولا بين فئة وأخرى، فكل من بلغته دعوته فهو داخل في عموم خطابه، ولا يستثنى من ذلك شاهد ولا غائب، سواء عاصر رسالته، أم جاء بعدها، وسواء نطق بلغته أم لم ينطق بها، ولكن ترجمت له. وإعلانًا عن ذلك قال الله له في سورة "الأنبياء":
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ .
وذلك عقب قوله له:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ أي فقل للعالمين، إنما يوحى إلي إنما إلهكم أيها العالمون إله واحد، وأنتم جميعًا مدعوون إلى الإسلام، فهل أنتم مسلمون؟ فإن تولوا مدبرين فقل لهم: آذنتكم -أي أعلمتكم- على سواء، دون تفريق بين عربكم وعجمكم وأبيضكم وأسودكم وسائر ألوانكم وأجناسكم، ودون تفريق بين ذكوركم وإناثكم، ولا بين سادتكم وعبيدكم، ولا بين أغنيائكم وفقرائكم، فكلكم تجاه هذه الرسالة الربانية على صعيد سواء.
وإعلانًا عن ذلك أيضًا قال الله له في سورة "الأعراف: ٧ مصحف/ ٣٩ نزول".
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ .
стр. 114
ثم يأتي قوله تعالى في أول سورة "الفرقان: ٢٥ مصحف/ ٤٢ نزول" وهي من السور المكية:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ معلنًا ومؤكدًا حقيقة عالمية رسالة الإسلام في مهمة كتابها، ومهمة رسولها، وهما أمران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر.
وإعلانًا عن رسالة القرآن العالمية قال الله تعالى في سورة "القلم: ٦٨ مصحف/ ٢ نزول" وهي من أوائل السور المكية:
﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِين﴾ .
وقال في سورة "التكوير: ٨١ مصحف/ ٧ نزول" وهي من أوائل السور المكية:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ .
ومن أجل ذلك كانت رسالة الحضارة الإسلامية رسالة يشترك في تحقيقها العملي، وبنائها التطبيقي كل من استجاب لها من كل عرق ولون ولغة.
فجدير بكل مسلم أن يفخر بتاج المجد الذي صنعه بناتها الصادقون من المسلمين، في كل بلد من بلاد الإسلام، في سالف العصور الإسلامية، التي استجابت للإسلام، وأحسنت تطبيق تعالميه، ومما لا ريب فيه أن المسلمين من العرب قد كانوا قادة الفتح الحضاري الظافر، الذي أحرزته الأمة الإسلامية جميعًا، ونعمت بخيراته، إلى أن سرى فيها داء الضعف والوهن والتخاذل، واتباع الشهوات، والانصراف عن متابعة أعمال الفتح الحضاري، في كل مجال من المجالات المادية والمعنوية.
شرح الظاهرة الثانية: إرادة الخير والسعادة للناس جميعًا
حينما يحمل المسملون رسالة الإسلام الحضارية للناس جميعًا فإنما يحدوهم إلى ذلك ما عرست مبادئ الإسلام في قلوبهم من حب الخير للناس جميعًا، والرغبة الملحة بأن يخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ويدفعوهم
стр. 115
إلى معارج المجد الإنساني، ويأخذوا بأيديهم إلى القمم الحضارية الراقية، والرغبة الملحة أيضًا بأن يذوق الناس معهم ما ذاقوا من إيمان منح قلوبهم الطمأنينة والسعادة والرضا، وبأن يشاركوهم في اقتباس العلوم الدينية، والمعارف الأخلاقية، وطرق تنظيم الحياة، ليطبقوها فيسعدوا بها، وبأن تسيروا معهم متعاونين متآزرين متآخين، لتحقيق أكبر مقدار ممكن من التقدم الحضاري الذي حضهم الإسلام عليه في مختلف المجالات الإنسانية، الفكرية والنفسية والسلوكية والمادية.
فالأخوة الإنسانية التي أعلنها القرآن الكريم بقول الله تعالى في سورة "الحجرات: ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
والتي أعلنها الرسول صلوات الله عليه بقوله:
"كلكم لآدم وآدم من تراب".
تستدعي أن يحب الإنسان لأخيه الإنسان ما يحب لنفسه، ويتجلى ذلك واضحًا في قلوب المؤمنين التي تمكن منها قول الرسول صلوات الله عليه: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
وقوله صلوات الله عليه:
"لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير مما طلعت عليه الشمس أو غربت".
والمسلم الفاهم لإسلامه قد أحب لنفسه الإيمان، والالتزام بتعاليم الإسلام، رغبة بتحصيل رضوان الله، وخير الدنيا وسعادة الآخرة، التي ينالها المؤمنون في دار النعيم التي أعدها الله للمتقين، فهو إذن يحب مثل ذلك للناس جميعًا، وبذلك يشعر أنه صار صادق الإيمان صحيح الإسلام.
وإرادة المسلم الفاهم لإسلامه الخير والسعادة للناس جميعًا تجعله شديد الحرص على حمل رسالته الخيرة هذه إلى إخوانه في الإنسانية، وتجعله أيضًا
стр. 116
عظيم الجد والاجتهاد في سبيل تحقيق أمنيته الكريمة هذه، ولو بذل في ذلك ماله وراحته وكل طاقة في فكره ولسانه، وسائر جسده، ولو بذل في ذلك آخر الأمر حياته.
والمسلم الفاهم لإسلامه ينظر إلى أعداء الرسالة الإسلامية التي يحملها إلى الناس بحب وصدق وإخلاص، كما ينظر الطبيب العاقل الرحيم، والحازم الحكيم، إلى مريض ذي مرض خطر معد، وهذا المريض شرس مشاكس، لا يقبل النصيحة الطبية، ويرفض تناول العلاجات اللازمات، ويصر على أنه سليم الجسم، ويزعم مع ذلك أن علم الطب كله خرافة من الخرافات التي يجب أن تهمل، ولا يكترث لها العقلاء.
ونظرة المسلم الفاهم لإسلامه إلى أعداء الرسالة الإسلامية بمثل هذه النظرة الحكيمة مع حرصه على خير الإنسانية جميعًا تجعله يتصرف بمنتهى الحكمة، لإنقاذ الجانحين من شرور أنفسهم، ولإنقاد الآخرين في شرورهم.
والحكمة تدعوه أن يسلك أجدى وسائل الإصلاح والإنقاذ، ويتدرج فيها من الدعوة الهادئة إلى الموعظة الحسنة، ثم إلى المجادلة بالتي هي أحسن، ثم إلى التهديد والإنذار، ثم إلى المجاهدة بأخف وسائلها، ثم إلى المدافعة بالوسائل العنيفة، وأخيرًا يجد نفسه ملجأ إلى أن يداهم الشر في عقر داره، لقتل جرثومته في معقلها، وإبادتها في بؤرة تكاثرها وتناميها، ليصون الإنسانية التي أحب لها الخير والسعادة ومن ويلات شياطين الإنس الذين أصروا على نشر الفساد في الأرض، وأن يكونوا جنودًا من جنود إبليس.
شرح الظاهرة الثالثة: التسوية بين الناس في أصل الإنسانية
لقد أعلنت أسس الحضارة الإسلامية:
- أنه لا فرق بين عرق وعرق، ولا بين لون ولون، ولا بين ناطق بلغة وناطق بأخرى، لمجرد اختلاف الأعراف أو الألوان أو اللغات.
стр. 117
- وأن الناس كلهم متساوون في أصل الإنسانية، وإن اختلف أفرادهم في الخصائص والهبات الفكرية والنفسية والجسدية.
- وأن اختلاف هذه الخصائص والهبات الربانية إنما هو أساس فقط لاختلاف المسئوليات في الحياة، وشرط طبيعي لتوزيع الأعمال فيها.
أما التفاضيل بين الأفراد فإنما يكون بالمكتسبات الإرادية للإنسان بعد ذلك، كل ضمن حدود هباته، وأجل هذه المكتسبات العلم النافع، والعمل الخير في الحياة، ومجانبة الشر ولو دعا إليه الهوى.
لكن التكريم عند الله مرهون بالتقوى، ومقداره يتناسب باطراد مع مقدار التقوى عند الإنسان، والتقوى أساسها الفكر السديد، وحقيقتها الإرادة الرشيدة ومظهرها العمل الخير، ومجانبة الشر وفعل السيئات، ويزيد التكريم عند الله بالارتقاء فوق التقوى على درجات البر والإحسان.
وبهذا الإعلان عملت الحضارة الإسلامية على نقل المجموعات البشرية من الدوائر الضيقة العنصرية، والقومية، والإقليمية، والطبقية، إلى أجواء فسيحة مملوءة بالتآخي، والتواد، والتراحم، والتسامح في الحق، والتعاون على البر والتقوى، والأخذ على يد الظالم مهما دنت درجة قرابته، أو عظمت مودته وصداقته، والتعاون على نصرة المظلوم مهما بعدت درجة قرابته أو اشتدت كراهيته وعداوته.
ونستطيع أن نلخص الفلسفة الإسلامية في هذا المجال بالعناصر التالية:
أولًا: إن اختلاف الخصائص والهبات الفردية التي يفضل الله بها بعض الناس على بعض إنا هو أساس لتحديد المسؤوليات، وشرط طبيعي لتوزيع الأعمال في الحياة، قال الله تعالى في سورة "الزخرف: ٤٣ مصحف/ ٦٣ نزول":
﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ .
ومن هذا القبيل قول الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
стр. 118
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .
ومنه أيضًا قوله تعالى في سورة "الإسراء: ١٧ مصحف/ ٥٠ نزول":
﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا، انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ .
ثانيًا: إن التفاضل بين الأفراد في الحياة إنما يكون بمقدار المكتسبات الإرادية الفاضلة، التي يجتهدون في تحصيلها، وأعلاها منزلة المكتسبات العملية النافعة، والمكتسبات العملية الخيرة. قال الله تعالى في سورة "الزمر: ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول":
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .
وهذا النص في مجال التفاضل بالمكتسبات العلمية النافعة.
وقال تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول" مبينًا فضل المجاهدين على القاعدين:
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ .
وهذا النص في مجال التفاضل بالمكتسبات العملية الخيرة.
ثالثًا: أما التكريم عند الله فهو مرهون بتقوى القلوب، ومقدار هذا التكريم يتناسب باطراد مع مقدار التقوى الحقيقية عند الإنسان، وما في القلوب منها لا يعلمه على حقيقته إلا الله جل وعلا، ويأتي فوق مرتبة التقوى مرتبة البر على تفاضل درجاتها فمرتبة الإحسان على تفاضل درجاتها.
وإعلانًا عن حقيقة أن التقوى هي أساس التكريم عند الله قال الله تعالى في سورة "الحجرات: ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول":
стр. 119
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
وإعلانًا عن كون القلوب هي مركز التقوى الحقيقية قال الله تعالى في سورة "الحج: ٢٢ مصحف/ ١٠٣ نزول":
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ .
وإنما كانت التقوى محلها القلب لأن قيمة الأعمال عند الله إنما تكون بالنيات من ورائها، والنيات محلها القلوب.
وكم من عمل ظاهره التقوى والغرض منه في قلب صاحبه مطلب آخر مناف لها، فهو لا قيمة له في نظر الله، وقد جاء في الحديث الصحيح:
"التقوى ههنا، التقوى ههنا".
ويشير صلوات الله عليه إلى صدره وعاء قلبه، ثم قال: "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم".
رواه مسلم.
شرح الظاهرة الرابعة: الأخوة الإيمانية
لقد كان من مستلزمات إلغاء الفوارق العرقية والعنصرية والإقليمية والطبقية التي نادت به أسس الحضارة الإسلامية إعلان الأخوة الإيمانية بين جميع المؤمنين، قال الله تعالى في سورة "الحجرات: ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول":
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ .
وبهذا غدا المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها من كل عرق ولون ولغة أسرة إسلامية واحدة، تربط ما بين أعضائها رابطة العقيدة والواحدة، والتشريع الواحد، والسلوك المتماثل، والمصالح المشتركة.
стр. 120
ويرجع سر وحدة المسلمين القوية إلى عدة عناصر راسخة الأسس في النفس الإنسانية، منها العناصر التالية:
العنصر الأول: وحدة العقيدة
إنه لما كانت العقيدة الإسلامية عقيدة حق، لا تشوبها شائبة الباطل، كانت قولهم حياة الإنسان العقلية والقلبية، ووحدتها بين جميع المسلمين المستمسكين بها جعلها بمثابة السلك الواحد الذي ينتظم عقول المسلمين بالحق، وقلوبهم بالعواطف الثابتة، في عقد جماعي واحد.
العنصر الثاني: وحدة التشريع
ولما كان التشريع الإسلامي الواحد هو النظام الضابط لحياة المسلمين في عباداتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم المادية والأدبية، وسياستهم الداخلية والخارجية كان هذا التشريع قوام حياة أفرادهم، وحياة جماعتهم من الناحيتين الخلقية والسلوكية.
ووحدة أصول هذه التشريع بين جميع المسلمين المستمسكين بالإسلام الحق جعلها بمثابة سلك آخر ينتظم أعمال المسلمين وأخلاقهم وعاداتهم في عقد جماعي واحد، مؤكد بذلك وحدتهم الفكرية والاعتقادية التي جمعت عقولهم وعواطفهم في سلك واحد.
العنصر الثالث: مشاعر الأخوة الإيمانية
ولما كانت مبادئ التعاون والإيثار والتعاضد والتآزر والتآخي والتحابب بين المسلمين، من عناصر التشريع الإسلامي، التي تلزم بها الجماعة الإسلامية، وكان الكفر بالإسلام في مقابل ذلك يجمع الكافرين على مصالح مشتركة ضد المسلمين، كان كل ذلك بمثابة حزام متين يرص صفوف المسلمين في كتلة واحدة، كأنها جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وهذه الكتبة الواحدة من المسلمين تقوم بوظيفتين:
الوظيفة الأولى: تماثل وظيفة الجسد الواحد، حينما تتعاون أعضاؤه وتتآزر فيما بينها, ويكمل بعضها بعضًا، ويمد بعضها بعضًا بالقوة والغذاء.
стр. 121
الوظيفة الثانية: تماثل قيام هذا الجسد كله بالدفاع الصادق إذا تعرض طرف من أطراف أو جانب من جوانبه لهجمات عدو طامع بلحمه أو دمه أو ثوبه أو ماله أو كرامته.
وهذا كله يمثل المصالح المشتركة بين المسلمين مهما تباعدت بهم الديار، وتناءت بهم الأعراق والألوان واللغات والأقطار.
وفي الحديث الصحيح:
"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
وفي الحديث الصحيح أيضًا:
"المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا".
وفي الحديث الصحيح أيضًا:
"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه". رواه مسلم عن أبي هريرة.
وتمكينًا لهذه الجسدية الواحدة قال الرسول صلوات الله عليه كما ثبت في روايات هذا الحديث:
"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا كما أمركم الله".
وهذه الجسدية الواحدة هي الصورة المثلى لمعنى الأخوة الإيمانية التي أبانها ورسخها الإسلام في رسالته الحضارية للناس جميعًا.
وجدير بنا أن نقول عند المقارنة بين الأخوة الإيمانية والأخوة في النسب
стр. 122
التي تعارف عليها الناس: إذا كان الاشتراك في النسب كافيًا لإيجاد رابطة الأخوة بين الأفراد وإن اختلفوا في العقائد والعواطف والمصالح، فإن الاشتراك في العقيدة الراسخة، والعاطفة المثلى، ونظام العيش الواحد، والمصالح المشتركة، أحق وأجدر بهذه الأخوة؛ لأن النسب تلاق في حدود الجسد فقط، أما هذه الأمور فإنها اتحاد في أكرم مقومات الإنسان.
شرح الظاهرة الخامسة: مراعاة الفطرة الإنسانية
ولقد كان من مظاهر العالمية والشمول في رسالة الإسلام الحضارية، ومن ظواهر انفتاح الحدود النفسية مراعاة الفطرة الإنسانية وأحوالها وأعراضها بشكل عام، في كل ما احتواه الإسلام من أحكام تشريعية دون تخصيص ولا تمييز عنصري أو قومي أو طبقي.
فالباحث في أحكام الإسلام التشريعية يلاحظ بوضوح ثلاثة أمور:
الأمر الأول:
إنها راعت الفطرة الإنسانية بشكل عام، ولهذا لم تحاب فئة من فئات الناس، ولا طبقة من طبقاتهم، ولا عنصرًا من عناصرهم على حساب الفئات والطبقات والعناصر الأخرى، فيما قررته من أحكام، فأحكام الإسلام أحكام تشمل العرب والعجم، والأغنياء والفقراء، والأشراف والضعفاء، والسادة والعبيد، والنساء والرجال بنسبة سواء، إلا ما كان منها مقتضيًا بحسب العقل والحكمة والمصلحة الإنسانية بشكل عام شيئًا من الفروق في الأحكام، كتكليف الأغنياء الزكاة دون الفقراء، ومنح الرجال مسئولية القوامة دون النساء، ونحو ذلك.
الأمر الثاني:
أنها راعت في نظرة شاملة اختلاف الخصائص التكوينية، والفروق الفردية في تحديد مسئوليات الأفراد، فمن ارتقت خصائصه من الناس بشكل عام،
стр. 123
عظمت مسئوليته بمقدار ارتقائها، ومن انخفضت خصائصه منهم قلت مسئوليته بمقدار انخفاضها، ومن ارتبطت به مسئولية خاصة أو عامة كمسئولية الولاية كان من حقه على رعيته السمع والطاعة، مهما كان عرقه، أو لونه، أو طبقته الاجتماعية، وفي هذا قال الرسول صلوات الله عليه:
"اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة".
وقال الله تعالى على وجه العموم في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .
الأمر الثالث:
أنها راعت في شمول رائع اختلاف الأحوال والأعراض الإنسانية، التي تستدعي اختلافًا في الأحكام الشرعية، وذلك بشكل عام أيضًا.
ومن أجل ذلك ترتفع مسئولية التكليف عن كل إنسان رجلًا كان أو امرأة حينما لا يملك شروط التكليف، أو حينما تسلب منه هذه الشروط، وفي هذا جاء قول الرسول صلوات الله عليه في الحديث الصحيح:
"وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ومن أجل ذلك أيضًا أعفيت المرأة من مسئوليتي الصوم والصلاة في خالتي حيضها ونفاسها، وأعفيت من مسئولية الصوم في حالة حملها، إذا خافت على نفسها أو ولدها، رعاية لحالتها الجسمية والنفسية التي تعرض لها عندئذ.
ومن مراعاة الإسلام الأحوال الخاصة التي تستدعي رفع حرج التكاليف الشرعية مراعاة أحوال الأعمى والأعرج والمريض فيما رفع عنهم من حرج التكليف للخروج إلى قتال العدو جهادًا في سبيل الله، قال الله تعالى في سورة "الفتح: ٤٨ مصحف/ ١١١ نزول":
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ .
стр. 124
وجاء هذا النص عقب الحديث عن المخلفين الذين تخلفوا عن الخروج مع المسلمين إلى قتال عدوهم.
ومن مراعاة الإسلام الأحوال الخاصة التي تستدعي التخفيف من حزم الأحكام الشرعية مراعاته أحوال القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحًا، وذلك في السماح لهن بوضع ثيابهن التي يتحجبن بها عن الرجال الأجانب، غير متبرجات بزينة، قال الله تعالى في سورة "النور: ٢٤ مصحف/ ١٠٢ نزول":
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
ومنها مراعاته أحوال المرضى والمسافرين والشيوخ الهرمين في إباحة الفطر لهم في شهر رمضان، ومراعاته أحوال المسافرين أيضًا في قصر الصلاة الرباعية وجعلها صلاة ثنائية، ومراعاته أحوال المرضى والمسافرين كذلك في إباحة التيمم بدل الوضوء، قال الله تعالى في سورة "البقرة: ٢ مصحف/ ٨٧ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
ففي هذا النص القرآني يتبين لنا كيف راعى الله أحوال المرضى والمسافرين والهرمين فأذن لهم بالفطر في شهر رمضان، ولكنه كلف المرضى والمسافرين القضاء، وجعل على الذين لا يقدرون على الصوم لأمر ملازم لهم تقديم فدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم.
وقال تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ .
وفي هذا النص يتبين كيف راعى الله أحوال المسافرين أيضًا، فجعل لهم
стр. 125
قصر الصلاة الرباعية رخصة محببة، وبين ذلك الرسول صلوات الله عليه بقوله:
"إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه".
وقال تعالى في سورة "المائدة: ٥ مصحف/ ١١٢ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
ألسنا نلاحظ أن الله جل وعلا قد راعى في باب الطهارة أحوال المرضى والمسافرين فأذن لهم بالتيمم بدل الوضوء أو الاغتسال بالماء.
وهكذا تظهر عالمية رسالة الإسلام الحضارية، كما يظهر شمولها في مراعاة الفطرة الإنسانية، ومراعاة اختلاف الأحوال والأعراض الإنسانية بشكل عام، دون أن يقف في طريق عالميتها وشمولها حدود نفسية أنانية من قبل أية دائرة من الدوائر العرقية أو العنصرية أو الطبقية أو غيرها من الدوائر الضيقة التي يصطنعها ضيق الحدود النفسية لدى بعض المجتمعات الإنسانية.
شرح الظاهرة السادسة: العدل بين الناس
وتتجلى هذه الظاهرة فيما ألزمت به أسس الحضارة الإسلامية قادة المسلمين وحكامهم وقضاتهم من مراعاة العدل في المعاملة بين المسلمين، دون تمييز بين عناصرهم وفئاتهم وطبقاتهم وقومياتهم، ودون تمييز بين من يحبون ومن يكرهون من الناس، وفيما ألزمت به جميع المسلمين من التقييد بحقوق التسوية ضمن إطار العدل بين عناصر المسلمين وفئاتهم وطبقاتهم وقومياتهم أيضًا.
стр. 126
فالمسلمون كل المسلمين سواء أمام الحق، وبين يدي القضاء، وفي تقدير الكفايات، وإيجاد فرص العمل المتكافئة للجميع، وهي اقتباس العلم والمعرفة، لا تمييز بين عنصر منهم وعنصر، ولا بين فئة وفئة، ولا بين طبقة وطبقة، ولا بين قوم وقوم، ولا بين نساء ونساء.
وحينما تدعو طبيعة الحياة للتفاضل فإنما يكون التفاضل معتمدًا على التمايز بين الأفراد بخصائصهم الفردية الفطرية والمكتسبة، ففي مجال العلم يقدم العلماء، وفي مجال الشجاعة يقدم الشجعان، وفي مجال القوة يقدم الأقوياء، وفي مجالات الذكاء يقدم الأذكياء، وفي مجالات الأعمال يقدم الأكفياء لها، وفي مجالات التربية يقدم الأقدر عليها، وفي مجال الولاية يقدم الأجدار لها، وهكذا في سائر المجالات.
وشواهد مراعاة العدل بين الناس في نصوص الشريعة الإسلامية كثيرة جدًّا، فلنأت منها بالكليات الكبرى.
١- العدل في مجال حق الحياة:
لقد قرر الإسلام أن نفس المسلم مكافئة لنفس المسلم في حق الحياة، مهما كانت الفوارق الشخصية، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني, والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
وبناء على هذا كان من العدل أن يقتل القائل عمدًا وعدوانًا بحكم الاقتصاص -مهما كان رفيع المكانة الاجتماعية وعظيم الخصائص الفردية- بأخيه القتيل المسلم مهما كان وضيع المكانة الاجتماعية منحط الخصائص الفردية لأن أصل الحياة لأي إنسان مساوٍ لأصل الحياة لأي إنسان آخر، والحياة من هبات الخالق، فلا حق لأحد أن يعتدي عليها أو يطردها من الوجود إلا بإذن أو أمر من خالق الحياة وواهبها.
فمن اعتدى عليها عرض نفسه للقصاص العادل بحكم الإسلام.
وهنا نلاحظ أن القرآن يتجاوز في هذا المجال عن كل الفروق الشخصية
стр. 127
والاجتماعية، ولا يثبت إلا وصف الإيمان المشترك بين جميع المسلمين، فيقول تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ .
فهل في الحضارات الإنسانية الراقية سمو مثل هذا السمو الذي يقرره الإسلام، وعدل مثل هذا العدل، الذي يهدف إلى صيانة حياة الناس هبة الله لهم، من أن تكون عرضة لظلم ذوي المكانات الاجتماعية، وأصحاب النفوذ والجاه والقوة والعنجهيات العنصرية، وصيانتها من أن تكون عرضة لنزوة غضب تضرب في نفس طائش غضوب، أو عرضة لكيد حاقد أو حاسد، أو طامع أو متكبر.
وهكذا تقرر أسس الحضارة الإسلامية أن الناس في حق الحياة سواء، فلا تهدر دماؤهم إلا بأمر من واهب الحياة، وخالق الأرض والسماوات، أو إذن منه.
هذه هي الحضارة الإسلامية، بينما نجد في حضارات أخرى تفخر برقيها المادي المدهش تمييزات عنصرية منتنة، تهدر فيها حياة أبرياء، لا جريمة لهم إلا ألوانهم السوداء، أو أنهم من أعراق وقوميات أخرى، أو من أحزاب ومذاهب مخالفة.
٢- العدل في مجال الحكم والقضاء والشهادة:
ولقد قرر الإسلام وجوب التزام جانب العدل في الحكم والقضاء، وفي أداء الشهادات، دون تمييز أو محاباة.
стр. 128
قال الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ .
ففي هذا النص يأمر الله أولي الأمر من حكام المسلمين وقضاتهم بأقوى صيغة جازمة بأن يحكموا بين الناس بالعدل دون تمييز بين عناصرهم وأصنافهم وطبقاتهم وبعدائهم وذوي قراباتهم.
ثم أكد ذلك بقوله تعالى في سورة "المائدة: ٥ مصحف/ ١١٢ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
وفي هذا النص يأمر الله تعالى الذين آمنوا بأن يكونوا قوامين لله، أي: لا لأنفسهم وأهوائهم وشهواتهم، فهم منفذون أحكام الله ضمن حدود شريعته.
وأي إخلال في ذلك أو تلاعب إنما هو خيانة للأمانة التي حملوها، ولا يتم كونهم قوامين لله ما لم يتقيدوا بأحكام شريعة الله ولو على أنفسهم وأهليهم وذوي قرابتهم، وذلك يتطلب من الشهداء أن يكونوا شهداء بالقسط، والقسط هو العدل المعتمد على الحق.
ثم يناههم الله عن أن يحملهم البغض بينهم وبين قوم آخرين على مجانبة سبيل العدل معهم في الحكم والقضاء أو في الشهادات، وهذا ما تضمنه قوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾ . أي: ولا يحملنكم بغضكم الهائج ضد قوم على ألا تعدلوا معهم.
وتدعيمًا لهذا المبدأ الذي تشتمل عليه أسس الحضارة الإسلامية يقول الله تعالى في سورة "الأنعام: ٦ مصحف/ ٥٥ نزول":
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ .
وفي هذا النص يأمر الله تعالى بالعدل في القول دون تأثر بعواطف القرابة، التي تنزع في نفس الإنسان، كيما يجانب سبيل العدل.
стр. 129
٣- العدل في المعاملات الأدبية:
وفي مجال تبادل المسلمين مظاهر الإخاء الإيماني، والبعد عن كل مظهر من مظاهر تعالي بعضهم على بعض يأمر الله تعالى أن يكرم المسلم أخاه المسلم فيرد تحيته بأحسن منها، أو بمثلها مهما كانت الفوارق بينهما، وينهى عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، مهما وجدت دواعي ذلك.
قال تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ .
وقال تعالى في سورة "الحجرات: ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
فقد جعل الله في هذه الآية السخرية واللمز والتنابز بالألقاب من الفسوق، الذي يطلق على مرتكب هذه المنكرات في شريعة الله، وبئس هذا الاسم بعد الإيمان الذي تجمل الإنسان المسلم باسمه، فأطلق عليه أنه مؤمن؛ إذ كان في زمرة المؤمنين.
وفي قوله تعالى في هذه الآية:
﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ تعبير رائع يشير إلى أن المسلمين كلهم بمثابة أنفس واحدة، فمن لمز أخاه فقد لمز نفسه.
وبهذا نلاحظ مبلغ الرقي العظيم الذي تتصف به أسس الحضارة الإسلامية في بنائها الفكري المجيد.
стр. 130
نتائج تطبيقة لانفتاح الحدود النفسية:
ولما كانت رسالة الحضارة الإسلامية عامة شاملة، منفتحة الحدود النفسية، وليست حكرًا على قوم أو طبقة أو صنف من الناس، وغير منحصرة داخل الدوائر الأنانية الضيقة العنصرية أو القومية أو الطبقية أو غيرها، كان رواد هذه الحضارة، وحملة رسالتها، وطلائع مدها العالمي خيرة من الناس انفتحت حدودهم النفسية انفتاحًا تامًّا للإنسانية جمعاء، وذلك بإرادة الخير والمجد وسعادة الدنيا والآخرة لكل من خلق الله من إنسان، ثم جروا وراء ذلك ذيول الرحمة والإحسان والرفق على جميع ما خلق الله من حيوان.
ولقد يدهش الباحثون ومؤرخو الحضارات الإنسانية لذلك التحول العجيب السريع، الذي تم في المجتمع العربي خلال القرن السابع للميلاد؛ إذ تحول الإنسان العربي بسرعة فائقة من إنسان قبلي عنصري أناني ضيق الحدود النفسية إلى إنسان عربي العرق والبيان، عالمي الفكري والجنان، إنساني النزعة، يحب الخير كل الخير، للناس كل الناس، ينادي وهو قائد الفتح، ورائد الحضارة العالمية:
"لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى أو عمل صالح".
ويقف الرسول صلوات الله عليه يوم فتح مكة فيقول:
"يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب".
ثم تلا قول الله ﵎ في سورة "الحجرات: ٤٩ مصحف/ ١٠٦ نزول":
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
ولكن سرعان ما ينتهي دهش الباحثين ومؤرخي الحضارات الإنسانية ويزول عجبهم حينما يطلعون على أسس الحضارة الإسلامية، التي ألحت عليها مصادر الدين الجديد، الذي ختم الله به رسالات السماء للأرض، واصطفى لتبليغه النبي
стр. 131
العربي محمدًا صلوات الله عليه، واختار لحمل رسالته إلى الناس جميعًا الأمة العربية، بوصفها طليعة حملة هذه الرسالة الربانية.
فلما تمكن الإيمان بالإسلام في القلوب والنفوس العربية، التي عبث مبادئ الإسلام وأسسه من منابعه الصافية العليا التي لم تكدرها المجاري البعيدة، تخلت هذه القلوب والنفوس عن أنانياتها وعصبياتها وعنصرياتها وطبقياتها الضيقة المقيتة، واتجهت نحو العالم منفتحة للناس جميعًا، حرصًا على إنقاذ المتردين في المهالك، ورد الجانحين إلى سبيل الرشاد، ودفع المجتمع الإنساني كله إلى الترقي في سلم الحضارة المثلى الجامعة لكل عناصر الخير والكمال الإنسانيين.
وكما يتجلى الاتجاه الإنساني غير المحدود بحدود أية دائرة من الدوائر ذات الخصائص الأنانية لدى دراسة أسس الإسلام، ومبادئه، وأحكامه، ونظمه وسائر تعاليمه المختلفة، يتجلى تطبيق هذا الاتجاه بشكل عملي لدى دراسة المجتمع الإسلامي الأول، الذي كان خاضعًا للتوجيه الدقيق، والقيادة المثلى، من قبل الرسول صلوات الله عليه، فلقد كان في سيرته وقيادته وأخلاقه وكل تصرفاته صورة عملية حية للرسالة الإسلامية، التي اصطفاها الله للناس جميعًا.
ثم تبرز للباحثين الأمثلة الرائعة في العصور الذهبية للتاريخ الإسلام بعد عصر الرسول صلوات الله عليه، وهي القرون المطبقة للإسلام، وهذه الأمثلة الرائعة تدل على أن المسلمين قد كانوا في رسالتهم الحضارية للناس جميعًا متمثلين أسس هذه الرسالة تمثلًا سويًّا.
ومن أجل ذلك فتحت لهم الأرض والنفوس والقلوب أبوابها، في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا ما جعلهم يقودون موكب الحضارة العالمية، الرائدة الصاعدة إلى قمم المجد، وما زالوا كذلك حتى أدركهم الوهم والبعد عن المنهج الإسلامي العظيم.
وكان لإلغاء الفوارق العرقية والعنصرية والإقليمية والطبقية الذي نادت به
стр. 132
أسس الحضارة الإسلامية أثره العميق في البناء الفكري للمجتمع الإسلامي، الذي وعى الإسلام حقًّا وتأدب بآدابه.
ولم يقف ذلك عند حدود تعاليم مكتوبة أو محفوظة، وشعارت يتاجر بها حملتها، وإنما كان مثالًا حيًّا متحركًا يقدمه المسلمون أفرادًا وجماعات، في مختلف أعمالهم، وشتى أنواع سلوكهم الفردي والجماعي، نظرًا إلى ما أحدثه الإيمان بالإسلام في قلوبهم من قوى فعاله، تتحكم بأنواع سلوكهم، وتجعلهم متقيدين بتعاليم الإسلام وأحكامه تقيدًا تامًّا، ولو خالفت أهواءهم الخاصة، وناقضت المفاهيم التي كانت سائدة فيهم.
أمثلة تطبيقية:
١- تغاضب أبو ذر وهو عربي من غفار، مع بلال الحبشي مولى أبي بكر ﵃، وكان أبو ذر وبلال صحابيين، وتطور النزاع بينهما إلى أن أخذت أبا ذر الحدة، فقال لبلال: يابن السوداء، فشكاه بلال إلى النبي ﷺ ، فقال رسول الله لأبي ذر:
"طف الكيل، اتعيره بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية"!
قال أبو ذر: على ساعتي هذه من كبر السن؟ ظانًا قصد الرسول بالجاهلية هو ما يغتري الشباب من طيش يخرجهم عن حد الاعتدال، فقال له الرسول صلوات الله عليه:
"نعم هم إخوانكم"، أي: والأخوة تستلزم التحقيق بمعنى إلغاء فوارق العرق واللون واللغة والطبقة الاجتماعية، فندم أبو ذر ﵁ وتاب، حتى إنه أمر بلالًا أن يطأه على وجهه، مبالغة منه في إعلان التوبة والندن، واسترضاء لبلال مما عيره به من سواد أمه.
٢- سرقت امرأة من بني مخزوم على عهد رسول الله ﷺ ، وبنو مخزوم قبيلة من قبائل قريش، وهم من أشراف مكة ووجوهها، فجيء بها إلى رسول ﷺ ؛ ليقضي في شأنها، فثبت عنده أنها سارقة، وحكم الله يقضي بإقامة حد السرقة عليها، فأهم ذلك الأمر القرشيين من المسلمين، نظرًا إلى الطبقة
стр. 133
الاجتماعية التي يتمتعون بها بين العرب. وحرصًا على أن لا ينسب إلى واحد منهم أمر شائن يقام عليه فيه الحد الشرعي، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ويشفع لها عنده؟ فقالوا: ومن يجترئ على ذلك إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وابن حبه، فكلموه في أن يشفع لها عنده، فكلم أسامة رسول الله مستشفعًا بها، فغضب ﵊ غضبًا شديدًا، وقال لأسامة:
"أتشفع في حد من حدود الله"؟.
وعلم رسول الله أن الأمر لم يكن من أسامة، وإنما هو من القرشيين، فجمع المسلمين وخطب فيهم، فقال:
"إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
وهكذا أصل الرسول صلوات الله عليه في نفوس المسلمين إلغاء الفوارق الطبقية بين المسلمين، وأعلن أنه لو حصل من ابنته فلذة كبده، ما يوجب عليها حد الله لم يعفها من تنفيذ ذلك، ولم يستجب فيها لعاطفة قلبه نحوها، وهي ابنته، فضلًا عن أن يستجيب لعاطفة قبلية، أو عنجهية طبقية.
٣- جاء قيس بن مطاطية "وكان منافقًا" إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي، فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل "يعني محمد ﷺ " فما نال هؤلاء "يعني سلمان وبلالًا وصهيبًا" فقام إليه معاذ بن جبل فأخذ بتلابيبه ثم أتى إلى النبي ﷺ فأخبره بمقالته، فقام رسول الله ﷺ مغضبا يجر رداءه حتى أتى المسجد، ثم نودي في الناس: "الصلاة جامعة" فاجتمع المسلمون فخطب فيهم الرسول فقال:
"يا أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وإن الدين واحد، ليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي". رواه ابن عساكر بسنده إلى الزهري.
стр. 134
ج- انفتاح الحدود المادية:
ويتمثل انفتاح الحدود المادية في أسس الحضارة الإسلامية بأمرين:
الأمر الأول: أن ميادين نشاطها غير محدودة ضمن رقعات إقليمية من الأرض.
الأمر الثاني: أن ميادين نشاطها غير محدودة في طائفة خاصة من مجالات الحياة.
أما الأمر الأول، وهو أن ميادين نشاطها غير محدودة ضمن رقعات إقليمية من الأرض، فيظهر جليًّا في اعتقاد المسلم أن الأرض لله، يورثها من يشاء من عباده الصالحين، فكل أرض من أرض الله الواسعة صالحة لأن يقيم عليها المسلمون حضارتهم، ولأن يكونوا وارثيها الصالحين، وكل أرض من أرض الله الواسعة يتيسر فيها إقامة الحضارة الإسلامية على وجهها الصحيح، فهي الوطن المفضل عنه المسلمين، وكل أرض لا يستطيع المسلمون إقامة حضارتهم الإسلامية فيها بعد بذل ما لديهم من جهد إنساني، ثم يتيسر لهم خير منها لإقامة هذه الحضارة فإن أسس الإسلام الحضارية تدعوهم أن يهاجروا منها إلى ما هو خير.
قال الله تعالى في سورة "النساء: ٤ مصحف/ ٩٢ نزول":
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا، وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
فهذا النص يوجب الهجرة على الذين تضطرهم إقامتهم في بلادهم إلى مخالفة أوامر الله، والوقوع في معاصيه، الأمر الذي يكونون به ظالمين لأنفسهم ويستثنى هذا النص المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة تمكنهم من
стр. 135
الهجرة كالعجزة من الرجال والنساء، وكالولدان الذين لا يقدرون على الهجرة والسفر.
والإلزام بالهجرة يعني أن الوطن الحقيقي للمسلم هو الأرض التي يستطيع أن يقيم فيها شرائع الإسلام وواجباته، وأن يبني فيها من الحضارة الإسلامية ما تمكنه من طاقاته.
وأما الأمر الثاني: وهو أن ميادين نشاطها غير محدودة في طائقة خاصة من مجالات الحياة، فيظهر جليًّا بتناولها كل ما في الكون من ميادين نشاط مادي.
فحينما كانت أوروبا تعاني من أزمة قيام حجب كثيفة من تقاليد دينية منحرفة عن أصول شريعة الله الحق، وكانت هذه الحجب تحجز عن الوصول إلى الحقائق الكونية المتطلعين إلى البحث العلمي بغية اكتشاف ما في الكون من حقائق وقوانين وطبائع كيميائية وفيزيائية وجغرافية وفلكية، وقوى كمينة في الأرض، وآفاق السماء، كانت العواصم الإسلامية تعج بالعلماء الباحثين في مختلف ميادين الكون المادية، دون أن يجد هؤلاء العلماء الباحثون من أسس الحضارة الإسلامية ما يصدهم عن متابعة بحوثهم، بل يجدون أنهم مسئولون في نصوص الشريعة الإسلامية عن متابعة البحث والاستنباط، والاختيار والتجربة، واكتشاف ما في الكون من أسرار وعلوم وحقائق ونظم ربانية، واستخدام ما أودع الله فيه من طاقات ضمن حدود خير الإنسان.
ومن اللطائف أنهم إذا اهتدوا مثلًا بالبحث والتأمل والتجربة والاختيار والمتابعة إلى علوم طبية واسعة وأدركوا فيها بديع صنع الله، وإتقانه لكل شيء خلقه، قالوا: هذه ثمرة من ثمرات حكمة الله فيما خلق من أمراض في الحياة يتعرض إليها الإنسان فتدفعه إلى البحث عن سبب العلة وصفاتها وأفضل علاج لها.
وبهذا الفهم اللطيف وأمثاله استطاع بناة الحضارة الإسلامية أن يرتقوا في درجات الكمال العلمي والعملي، وأن يحسنوا تصور حكمة الله الشاملة، وأن تطمئن قلوبهم بالإيمان، ويزيد انشراح صدورهم للإسلام.
стр. 136
وعلى هذا المنهج كانوا يسيرون في مختلف أنواع النشاط المادي، بحثا وتأملًا واختبارًا وتجربة، وكانوا في هذا أساتذة منشئي الحضارة الأوروبية المادية، التي يقطف العالم اليوم ثمارها المدهشة، وذلك قبل حقبة الركود التي أصيب بها المسلمون، والتي وليتها حقب التقهقر والتراجع الحضاري، بسبب هجر أسس الحضارة الإسلامية، وعبور مفاهيم فاسدة إلى المجتمعات الإسلامية، وإلقاء السمع لوساوس أعداء الإسلام.
نتائج تطبيقية لانفتاح الحدود المادية:
إن المؤرخين والباحثين في مظاهر الحضارة التي بناها المسلمون إبان عصور ازدهار الإسلام، لتتدفق إليهم كثرة كاثرة من الأمثلة التاريخية، التي تقدم شهادتها المادية الدالة على أن من عناصر الحضارة الإسلامية الكبرى انفتاح الحدود المادية أمام بناتها، ومن أجل ذلك كانت ميادين نشاطهم غير محدودة من طائفة خاصة من المجالات، بل كانت شاملة لكل ما في الكون من ميادين نشاط مادي علمي وتطبيقي.
قال "درابر" في كتاب "تاريخ الارتقاء العقلي في أوروبا"١:
"من موجب الأسف أن الأدب الأوروبي حاول أن ينسينا واجباتنا العلمية نحو المسلمين، وقد حان الوقت الذي ينبغي لنا فيه أن نعرفهم، إن قلة الإنصاف المبنية على الأحقاد الدينية وعلى المنهجية القومية لا تدوم أبد الدهر".
وجاء في "التاريخ العام" لـ"لافيس ورامبو"٢.
"إذا وجب أن يذكر لكل واحد قسطه من العمل فلا يسع المنصف أن ينكر أن قسط العرب "المسلمين" منه كان أعظم من قسط غيرهم، فلم يكونوا واسطة نقلت إلى الشعوب الجاهلية في إفريقية وآسيا وأوروبا اللاتينية معارف الشرق الأدنى والأقصى وصنائعه واختراعاته، بل أحسنوا استخدام المواد المبعثرة، التي
стр. 137
كانوا يلتقطونها من كل مكان، ومن مجموع هذا المواد المختلفة التي صبت فتمازجت تمازجًا متجانسًا، أبدعوا مدينة حية مطبوعة بطابع قرائحهم وعقولهم، وهي ذات وحدة خاصة وصفات فائقة". ا. هـ.
أمثلة عن الميادين المختلفة لنشاط المسلمين:
ولدى تتبع ميادين نشاط المسلمين المختلفة، لا بد أن نعرض أمثلة منها: نقدم فيها بيانًا موجزًا عامًّا يعتمد على نقول وشهادات، لنعود إلى التفصيلات المناسبة في الباب الخاص بالآثار التطبيقية للحضارة الإسلامية من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
التاريخ والجغرافية:
لقد كان للمسلمين نشاط جم في علمي التاريخ والجغرافي، ولقد أعجب كثير من العلماء الأوروبيين الذين تفقهوا الحضارة الإسلامية من كتبها، وأكبروا أعمال المؤرخين والجغرافيين المسلمين، أمثال: المقدسي، وابن حوقل، وياقوب الحموي، والمسعودي، والطبري، وابن الأثير، والبلاذي، والبيروني، وأبي الفداء، وابن جبير، وابن سعيد، وابن سعد، وابن خلكان، وابن عساكر، والإدريسي إلى آخرين كثيرين كتبوا في هذين العلمين، وكتبهم تفخر بها المكتبة الإسلامية، ولقد استفاد منها الغربيون فوائد جلى، ونوهوا بها في شتى المناسبات.
قال: "غوتيه":
"إن الشريف الإدريسي الجغرافي كان أستاذ الجغرافية الذي علم أوروبا هذا العلم، لا بطليموس، ودام معلمًا لها مدة ثلاثة قرون، ولم يكن لأوروبا مصور للعالم إلا ما رسمه الإدريسي، وهو خلاصة علوم العرب "أي المسلمين" في هذا الفن، ولم يقع الإدريس في الأغلاط التي وقع فيها بطليموس في هذا الباب".
стр. 138
وقال أيضًا متسائلًا ومجيبًا:
"من دار حول أفريقية؟ فاسكودي جاما. ومن كشف أمريكا؟ خريستوف كولومبوس". ثم قال: "ومن السهل أن ندرك أن هذين الكشفين اللذين فاقا جميع ما تقدمهما، قد نما على أيدي بخارة من العرب، وكان تحقيقهما متعذرًا بدون ارتقاء علم الجغرافية عند العرب "أي المسلمين" وتم هذان الكشفان العظيمان بعقول العرب وموادهم وأشخاصهم" إلى آخر ما قال هذا العالم المنصف.
الفلك:
وكان للمسلمين نشاط جم في علم الفلك.
قال "دلامير" في تاريخ هذا العلم١:
"إننا إذا أحصينا راصدين أو ثلاثة من الروم رحنا نعد كثيرين من العرب "المسلمين" في هذا الفن، مما دل على بعد غورهم في علم الأفلاك".
ونقل نظير ذلك غوستاف لوبون عن "دولنير" ولكن بدل الروم الأغارقة٢. وقال "بيكوردين"٣:
"نشأت مكانة علم الفلك عند العرب "أي المسلمين" من توسع الرياضيين منهم في الحساب؛ لأنهم اخترعوا أساس حساب المثلثات، وحقق العرب طول محيط الأرض بما كان لهم من الأدوات، وأخذوا ارتفاع القطب ودورة كرة الأرض المحيطة بالبر والبحر، وحققوا طول البحر المتوسط الذي قدره بطليموس بـ"١٢" درجة فارجعوه إلى أربع وخمسين أولًا، ثم إلى "٤٢" درجة أي: إلى الصحيح من مقداره تقريبًا".
стр. 139
ويتابع "محمد كرد علي" قوله في هذا المجال فيقول مع بعض تصرف مني في العبارة:
"وجمع المأمون بعض حكماء عصره على صنعة الصورة التي نسبت إليه، ودعيت الصورة المأمومنية، صوروا فيها العالم بأفلاكه ونجومه وبره وبحره، وعامره، وغامره، ومساكن الأمم والمدن، إلى غير ذلك.
وهي أحسن مما تقدمها من جغرافية بطليموس، وجغرافية مارينوس.
ووضع له علماء رسم الأرض -وكانوا سبعين رجلًا من فلاسفة العراق- كتابًا في الجغرافية، أعان عمال الدولة على معرفة البلاد والأمم التي أظلتها الراية العباسية، هذا إلى عنايته بالفلك، وفلكيه الفزاري أول من استعمل الإسطرلاب من العرب.
وأقام المسلمون المراصد الفلكية في بغداد والرقة ودمشق والقاهرة وسمرقند، وقرطبة وفاس.
ونظروا في المجسطي لبطليموس في الفلك، وعملوا جداول فلكية مدققة.
وكشف المسلمون منابع النيل قبل أن يتصدى الإفرنج لها، وقام في أذهانهم أن في الأرض أقطارًا لم تعرف، حتى قال أحد عارفيهم قبل "كولومبس" بقرن ونصف:
"لا أمنع أن يكون ما انكشف عنه الماء من الأرض من جهتنا منكشفًا من الجهة الأخرى، وإذا لم أمنع أن يكون منكشفًا من تلك الجهة فلا أمنع أن يكون به من الحيوان والنبات والمعادن مثل ما عندنا أو من أنواع أخرى".
وقال "درابر" في حديثه عن المسلمين:
"إن اعتمادهم على المراقبة والامتحان دعاهم إلى استعمال الربع١ والاستطرلاب في علم الهيئة، ولم يقرروا في علم الهيئة لوائح فقط، بل رسموا
стр. 140
خرائط للنجوم المنظورة في فلكهم، مطلقين على ذوات القدر الأعظم أسماء عربية، لا تزال تتردد على كراتنا الفلكية، وقد عرفوا حجم الأرض بقياس درجة سطحها، وعينوا الكسوف، والخسوف، ووضعوا للشمس والقمر جداول صحيحة، وقرروا طول السنة، وأدركوا الاعتدالين، ولاحظوا أمورًا بعثت نورًا باهرًا على نظام العالم، واختص علماء الفلك منهم باختراع الآلات الفلكية لقياس الوقت بالساعات المتنوعة، وكانوا السابقين إلى استعمال الساعة الرفاصة لذلك".
الاختراعات الصناعية والاكتشافات:
وكان للمسلمين نشاط جم في مختلف البحوث والإنتاجات المادية التي تعتمد على الاختراع والابتكار والصناعة.
قال "غوتيه" في كلام له عن المسلمين:
"ولهم في باب الاختراعات شيء لا بأس به بالنسبة إلى عصورهم، وقد وجد في كتاب عربي قديم لم ينقل إلى اللغات الأوروبية أن العرب عرفوا طريقة عمل الجليد الصناعي، ولم تعرف أوروبة سر هذه الصناعة إلا في النصف الأول من القرن السادس عشر".
وقال "غوتيه" أيضًا عن المسلمين:
"وإنهم علمونا صنع الكتاب، وصنع البارود، وعمل إبرة السفينة، فعلينا أن نفكر ماذا كانت نهضتنا لو لم يكن من ورائها هذه المخلفات التي وصلتنا من المدينة العربية".
ويجمع "محمد كرد علي" في كتابه "الإسلام والحضارة العربية" طائفة حسنة تدخل في هذا المجال، منها ما يلي:
"وقد أدخل المسلمون على أوروبا الورق المعمول من القطن والورق الرخيص الثمن، وكان الناس من قبل يكتبون على ورق "البردي" وهو غال جدًّا،
стр. 141
وكانت معامل شاطبة في إسبانيا تصدر بضاعة الورق إلى أوروبا الغربية، بينما كانت أوروبا الشرقية تبتاع ورقها من بلاد الشرق الأدنى مباشرة، على ما يشهد لذلك اسم الورق الدمشقي "شارتا داماسينا".
وقد صنع الورق من الحرير في سمرقند وبخارى سنة "٦٥٠م" ثم استبدل يوسف بن عمرو سنة "٧٠٦م" القطن بالحرير، ومنه الورق الدمشقي الذي ذكره مؤرخو اليونان.
وقد عرف المسلمون آلة الظل، والمرايا المحرقة بالدوائر، والمرايا المحرقة بالمقطوع، وقطعوا شوطًا كبيرًا في الميكانيكيات.
ولما بعث الرشيد العباسي إلى شارلمان الساعة الدقاقة الكبيرة تعجب منها أهل ديوان شارلمان، ولم يستطيعوا أن يعرفوا كيفية تركيب آلاتها، على ما حقق ذلك "سيديلو" في كتابه "تاريخ العرب".
ونهض المسلمون في فارس والأندلس وصقلية وأفريقية لاستثمار المعادن، يستخرجونها من مناجمها، ويحسنون تطريقها والانتفاع بها، واستخراج المسلمون في الأندلس من مناجمهم الزئبق والتوتيا والحديد والرصاص والفضة والذهب.
واستثمر المسلمون أيضًا المناجم التي صارت ملكًا لهم في بلادهم في الشرق والغرب، فاستخرجوا الحديد في خراسان، والرصاص في كرمان، واستخرجوا القار والنقط والكبريت وطينة الأواني الصينية، ورخام طوريس، والملح الأندراني.
وقد سبق المسلمون في الأندلس إلى معرفة الطباعة قبل مخترعها المشهور الألماني "جوتنبرغ" وذلك بأربعمائة سنة، فقد كان عبد الرحمن بن بدر من وزراء الناصر، ومن أهل المائة الرابعة تكتب السجلات في داره، ثم يبعثها للطبع فتطبع، ثم تقدم إليه، فيبعثها إلى العمال في الجهات.
وحاول بعض المسلمين اختراع طريقة الكتابة الخاصة بالعميان، فقد ذكرت كتب التاريخ أن علي بن أحمد بن يوسف بن الخضر المشهور بزين الدين الآمدي المتوفى سنة "٧١٢هـ" وكان قد كف بصره في أول عمره، كان كلما
стр. 142
اشترى كتابًا لخزانة كتبه لف ورقة على شكل حرف من الحروف، ولصقها في الكتاب، وكانت هذه الحروف هي التي يستعين بها على معرفة الكتاب.
وحاول "عباس بن فرناس" حكيم الأندلس الطيران، وهو أول من استنبط صناعة الزجاج من الحجارة، وأول من صنع الآلة المعروفة بالمثقال ليعرف بها الأوقات، وكان ذلك على غير مثال سبق، ومثل في بيته السماء بنجومها وعيومها وبروقها ورعودها تمثيلًا يخيل للناظر أنه حقيقة.
ويقول "ريسون" في بحوث له عن حضارة المسلمين:
"وتوصل العرب إلى إثبات تناسب جيوب الأضلاع لجيوب الزوايا المقابلة لها في أي مثلث كروي، ووضعوا هذه القاعدة أساسًا للطريقة التي سموها الشكل الفني فيحل المثلثات الكروية.
وعرفوا حامض الكبريت، استخرجوه من الزاج بوساطة التقطير، وعرفوا ماء الفضة، والقلي، وطرق إذابة الذهب، وعرفوا ملح النشادر، وحجر الكي، والسليماني، وكانوا يطبقون ما كشفوه على الطب والصناعة والحرب.
وكانوا يعرفون صنع الصواريخ، أخذوا سرها، من الروم، وعملوا البارود للمدافع، وربما كان ذلك قبل الصينيين١، ولكن كان قبل الأوروبيين على التحقيق، فكانت جيوشهم تستعملها منذ القرن الثالث عشر الميلادي.
وقالوا بكروية الأرض منذ ابتداء نهضتهم، وعنوا بصنع القاشاني، وغيروا طريقة صنعه وأشكاله.
واشتهرت في القرون الوسطى الأواني الزجاجية، والمصابيح العربية الملونة، التي انتقلت من الشام إلى معامل البندقية، ونسجت هذه على منوالها، وكذلك تعلم أهل البندقية صنع المرايا، وكانت تصنع في صور، ومن البندقية انتقلت إلى أوروبا.
стр. 143
ونقل من الشام والعراق إلى الأندلس صنع السيوف الدمشقية، وصنع الأقمشة، ومنها "الدمقس" -وهو ما يسمى الدامسكو- نسبة إلى دمشق. ومنها "الموسلين" نسبة إلى الموصل، وهي الشفوف، كالذي يسمى الآن بالشاش، ثم عرفت هذه الأصناف بعد ذلك في بلاد الغرب".
ويقول "درابر" في بحوث له عن حضارة المسلمين:
"ومن عادتهم أن يراقبوا ويتمحنوا، وقد اعتبروا الهندسة والعلوم الرياضية وسائط للقياس.
ومما تجدر ملاحظته أنهم لم يستندوا فيما كتبوه في الميكانيكيات والسائلات والبصريات على مجرد النظر، بل اعتمدوا على المراقبة والامتحان، بما كان لديهم من الآلات، وذلك ما هيأ لهم سبيل ابتداع الكيمياء، وقادهم لاختراع أدوات التصفية والتبخير ورفع الأثقال، ودعاهم إلى استخدام الموازنة في الكيمياء، مما خصوا به دون سواهم، وهيأ لهم صنع جداول للجاذبية النوعية، وفتح لهم باب تحسين عظيم في قضايا الهندسة وحساب المثلثات، واختراع الجبر، واستعمال الأرقام في الحساب.
وكان هذا كله من نتائج استعمالهم طريقة الاستدلال والامتحان.
وهم الذين أنشئوا في العلوم العملية علم الكيمياء، وكشفوا بعض أجزائها المهمة كالحامض الكبريتيك، وحامض الفضة "النتريك" والغول "الكحول".
وهم الذين استخدموا ذلك العلم في المعالجات الطبية، فكانوا أول من نشر تركيب الأدوية، والمستحضرات المعدنية.
وهم قرروا في الميكانيكات سقوط الأجسام، وكان لهم رأي جلي من جهة طبيعة الجاذبية، ورأي سديد في القوات الميكانيكية.
واصطنعوا في نقل الموانع وموازنتها الجداول الأولى للجاذبية النوعية، وكتبوا مقالات في علوم الأجسان وغرقها في الماء
стр. 144
واصلحوا في علم البصريات خطأ اليونان بكون الشعاع يصدر من العين ويمس المرئي فيظهره، فقالوا: إن الشعاع يمر من المرئي إلى العين.
وفهموا أساس انعكاس النور أو انكساره، وكشفوا عن طريق الشعاع المنحني في الهواء أننا نرى الشمس قبل الشروق وبعد الغروب، وبرهنوا على ذلك بانكسار الضوء.
والذي يدهش كثيرًا أن نتصور أشياء تفاخر بأنها من مواليد وقتنا، ثم لا نلبث أن نراهم سبقونا إليها، فتعليمنا الحاضر في النشوء والارتقاء كان يدرس في مدارسهم، وحقًّا إنهم وصلوا به إلى الأشياء الآلية، وغير الآلية، فكان المبدأ الرئيسي في الكيمياء عندهم، والمظهر الطبيعي للأجسام المعدنية" إلى غير ذلك من أقوال له.
أما "غوستاف لوبون" فله تحقيقات واسعات يشرح فيها فضل المسلمين على المدينة الغربية الحديثة، فمما جاء منها لدى حديثه عن مناهج المسلمين العلمية:
"إن خزائن الكتب والمختبرات والآلات هي مواد للتعليم والبحث اللازم، ولكنها ليست إلا أدوات، وقيمتها منوطة بالطريقة التي تستعمل فيها، فقد يتلقف المرء علم غيره وهو عاجز عن أن يفكر فيه بنفسه أو يبتدع أي شيء، وقد يكون تلميذًا دون أن يوفق إلى أن يصبح أستاذًا أما العرب "أي المسلمون" فبعد أن كانوا تلاميذ عاديين أساتذتهم تآليف اليونان أدركوا للحال أن التجربة، والترصد خير من أفضل الكتب "يعني بذلك ما تدخل في مجالات العلوم المادية والصناعات" هذه الحقيقة اليوم معروفة لا يعد العمل بها بدعًا، ولكنها لم تكن كذلك في سالف الدهر، فقد ظل علماء القرون الوسطى يشغلون ألف سنة قبل أن يدركوها.
ينسب إلى بيكون على العموم أنه أول ما أقام التجربة والترصد اللذين هما ركن المناهج العلمية الحديثة مقام الأستاذ، ولكنه يجب أن يعترف اليوم بأن ذلك كله من عمل العرب وحدهم، وقد أبدى هذا الرأي جميع العلماء الذين درسوا مؤلفات العرب.
стр. 145
وقال "سيديو":
"إن أهم ما اتصفت به مدرسة بغداد في البداءة هو روحها العلمية الصحيحة التي كانت سائدة لأعمالها، وكان استخراج المجهول من المعلوم والتدقيق في الحوادث تدقيقًا، مؤديًا إلى استنباط العلل من المعلولات، وعدم التسليم بما لا تثبته التجربة، مبادئ قال بها أساتذة من العرب، وهذه هي الأصول التي لقنها العلماء، ولقد كان العرب في القرن التاسع متمكنين من هذه الطريقة الخصبة التي صارت عند المحدثين أداة استعملوها للوصول بها إلى أروع الاكتشافات".
وقال "دولنبر" في كتاب "تاريخ علم الفلك":
تعد راصدين أو ثلاثة بين الأغارقة، وتعد عددًا كبيرًا من الرصاد بين العرب، وأما في الكيمياء فلا نجد مجربًا واحدًا يونانيًّا مع أن المجربين من العرب فيها يعدون بالمئات.
الطب:
وكان للمسلمين نشاط جم في علم الطب النظري والتجريبي.
يقول "سنيبوس" في كلام له عن حضارة المسلمين.
"واستخرجوا من كتب الطب اليوناني الطب التجريبي وهو طب العقاقير والحبوب".
ويقول "ريسون" في كلام له عن المسلمين:
"وكشف كيماويوهم وأطباؤهم عن خواص الغول والنشادر وحامض الأزوت، والكبريت والمياه المعدنية، وأدخلوا في كثير من أدويتهم مواد من نبات بلادهم كالكافور والرواند والسنامكي".
ويقول "غوتيه" في حديثه عن المسلمين: