← История

История · id 9990

موجز عن الفتوحات الإسلامية

طه عبد المقصود عبد الحميد أبو عبية

Полный текст (102 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم: الجهاد في سبيل الله جزء أساسي من رسالة الإسلام، وسمة بارزة للأمة الإسلامية، ومن غاياته الدفاع عن ديار الإسلام، وإزالة العوائق التي تقف في سبيل وصول الدعوة الإسلامية إلى شعوب الأرض، وغزو ديار الحرب لتحويلها إلى جزء من ديار الإسلام، أو إلى دار عهد يدفع أهلها الجزية للمسلمين١. ويجب التنبيه هنا إلى أن أصل الجهاد في سبيل الله ليس لحمل الناس على اعتناق الإسلام كرها، فـ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٦] ، وإنما لإزالة الحواجز والعقبات المانعة من سماع دين الفطرة التي فطر الله الناس علهيا، ولدفع الظلم عن المستضعفين في الأرض من الرجال والنساء والولدان. وكانت الدعوة إلى الإسلام وطرحه بأسلوب الحوار والمفاوضة الهادئة تسير جنبا إلى جنب مع الانتصارات العسكرية الباهرة التي حققتها الجيوش الإسلامية الفاتحة. وطريقة الحوار هذه كانت وسيلة من وسائل المسلمين المبتكرة في إقناع الشعوب بالتي هي أحسن كما تدعونا إلى ذلك أبواب الحوار والدعوة السلمية، ويكون أسلوب السيف هذا مؤقتا لإزالة العقبات التي تقف حائلا أمام تعريف الشعوب بعقيدة الإسلام. وبهذه الأهداف السامية والغايات العالية انطلقت حركة الفتوحات الإسلامية منذ زمن النبي ﷺ ، وتابعت مسيرتها في عصر الخلفاء الراشدن، "وظلت عجلتها تدور وتلف البلاد من حول ديار الإسلام، لا تترك بلدا لفقره وجذبه، إلى آخر لغناه وخصبه، وإنما كانت تبدأ بها أولا باول، تحاول في دأب وصبر واجتهاد أن تنقله من الشرك والوثنية إلى الإسلام وعقيدة التوحيد الخالصة"٢ ولم يوقف حركة الفتوحات الإسلامية في زمن الراشدين إلا أحداث الفتنة التي شهدتها المراحل الأخيرة من خلافة عثمان بن عفان ﵁، وما تلاها من حروب داخلية بني الخليفة الراشد علي

стр. 2

ابن أبي طالب ﵁، وبين معاوية بن أبي سفيان ﵁ الوالي على الشام حينئذ. ولقد أدت هذه الفتنة إلى انشغال المسلمين بأنفسهم عن مواصلة الفتح وتثبيت أقدامهم في البلاد التي فتحوها، وعن نشر الدعوة الإسلامية، "مما يعكس الأثر السلبي للخلافات الداخلية على وضع الدولة الإسلامية الناشئة. وهذه السلبية سوف تصبح نمطا يتكرر مرات عديدة في التاريخ الإسلامي، حيث أضحت الخلافات الداخلية عاملا مهددا لوجود ومكانة الدولة، خاصة في فترات الضعف"١. وبعد خمس سنوات من الفتنة "٣٥-٤٠هـ" -تعثرت خلالها حركة الفتوحات الإسلامية وظلت تتردد في الضعف- اجتمع المسلمون على معاوية بن أبي سفيان ﵁ سنة "٤١هـ" -وهو العام المعروف بعام الجماعة- وطوت الأمة الإسلامية هذه الصفحة الحزينة من النزاع والخلاف، واستعادت قوتها من جديد، وانطلقت الحركة من عقالها، منتشرة -كالعادة- في جميع الجهات، ومكتسحة العالم القديم شرقه وغربه. ولقد نجح معاوية ﵁ في جمع شمل الأمة قبل أن تتفتت تماما، وبعد أن كاد الأمل يضيع في إمكانية الحفاظ على الوعاء الذي يوحد الأمة، ويحفظ الشريعة، فأقام دولة قوية استطاع أن يبدأ بها مرحلة نشطة في العلاقات الدولية والتي كان قطباها حينئذ هما: الدولة الأموية، والدولة البيزنطية٢. وفي ظل الدولة الأموية استأنف المسلمون اكتساحهم لقارات العالم القديم "آسيا -إفريقيا- أوروبا" فأحيوا حركة الفتوحات الكبرى، متوغلين في أقطار الدولة البيزنطية حتى مياه "البوسفور" واستولوا على معظم الجزر الواقعة شرقي البحر المتوسط وغربيه وجنوبيه وواصلوا ضغطهم على مدينة "القسطنطينية" عاصمة الدولة البيزنطية، وحاصروها أكثر من مرة. كما أنهم فتحوا شرق العالم حتى اقتربوا من حدود الصين، واستكملوا فتح الشمال الإفريقي كله، من حدود مصر الغربية إلى

стр. 3

المحيط الأطلسي، ثم عبروا المضيق الذي عرف بـ "جبل طارق" إلى القاهرة الأوروبية ففتحوا إسبانيا، ووصلوا إلى نهر "اللورين" جنوبي فرنسا. ويعتبر النشاط الحرب خلال العصر الأموي من الصفحات المشرقة في تاريخ الأمويين، وعملا من أعمال البطولة والمجد تحسب لدولتهم، وتعطي لها أهمية بالغة، ومكانة مرموقة في التاريخ الإسلامي، بل نكاد نقول: إن الأعمال الحربية التي خاضها القادة العظام في عصر الخلافة الأموية -سواء أكانوا من البيت الأموي "كمحمد بن مروان، وابنه مروان، ومسلمة بن عبد الملك" أم من غير الأمويين "كعقبة بن نافع، وموسى بن نصير، ومولاه طارق بن زياد، وقتيبة بن مسلم" ومحمد بن القاسم، وغيرهم"- تعد علامة بارزة في الفن العسكري العالمي، فلقد حقق هؤلاء القادة المجاهدون ما يشبه الخوارق بمقياس عصرهم، إذ تمكنوا -من خلال زمن وجيز- من الانتشار في أرجاء العالم المعروف آنذاك١. وقد توزعت فتوحات الدولة الأموية على ثلاث جبهات كبرى في وقت واحد، مما يدلل على أن السياسة الحربية الفتحية كانت هي نشاط الأمويين الأساسي: وأول هذه الجبات: "بيزنطة" باعتبارها مركز القوة الرئيسية التي كانت ولا تزال في موقف التهديد المباشر لبلاد الإسلام في المجالين البري والبحري على السواء. وثانيهما: في اتجاه الشمال الإفريقي "بلاد المغرب"، وهو ميدان بيزنطي أيضا في صبغته الرسمية، وإن تجرد من القدرة على التهديد المباشر للنفوذ الإسلامي، وتميز بوجود عامل جديد مؤثر، هو العامل المحلي المتمثل في "البربر" سكان البلاد الأصليين.. وانطلاقا من هذا الميدان امتدت جهود الفاتحين إلى "شبه جزيرة إيبيريا" "إسبانيا" وجنوب فرنسا. أما الميدان الثالث: فكان في اتجاه الشرق: الشمالي والجنوبي، حيث مواطن الأتراك والهنود وبقايا الفرس. وفي الصفحات الآتية حديث موجز عن هذه الميادين الحربية، دون التعرض

стр. 4

للتفصيلات التي تحفل بها المراجع المختلفة، مكتفين بما يساعد على توضيح اتجاهات الفتوح، ويربط بينها وبين الأحادث التي جرت في مركز الدولة الإسلامية أو قريبا منها، مع الاستعانة بالخرائط التوضيحية التي تعرف بمواقع الأحداث. ونبدأ أولا بالحديث عن الفتوحات في الجبهة الشرقية، ثم في الجانب البيزنطي ثم الشمال الإفريقي، وشبه الجزيرة الإيبيرية "إسبانيا" وجنوب فرنسا.

стр. 5

أولًا: الفتوحات في الشرق مدخل ... أولا: الفتوحات في الشرق تشمل الجبهة الشرقية للدولة الإسلامية المناطق الواقعة شرق العراق. وقد اتسمت الأمم التي كانت تقطن تلك المناطق بالتعدد جنسا وحضارة، وإن اتفقت جميعها في الوثنية. وكان المسلمون حتى خلافة عثمان ﵁ قد أتموا فتح البلاد التي تقع بين العراق ونهر "جيحون" "وهو نهر آموداريا الذي يقع -الآن- على الحدود بين تركمانستان وأزبكستان" أي كل أقاليم دولة إيران الساسانية، وتضم منطقة الجبال و""الري"، و"جرجان" و"طبرستان" و"وقوهستان" و"خراسان" و"فارس" و"كرمان" و"مكران" و"سجستان". فلما استشهد عثمان ﵁ ووقعت الفتنة تعثرت الفتوح، وخرج أهل هذه البلاد عن الطاعة، حتى إذا التأمت جماعة المسلمين أخذت الدولة الأموية تبذل جهودا بالغة لإعادة البلاد المفتوحة إلى الطاعة، وكانت مهمة معاوية بن أبي سفيان ﵁ العاجلة في الشرق فور توليه الخلافة هي تدعيم القوة الإسلامية، وإعادة توطيد أقدام المسلمين هناك، وقد نجحت الدولة الإسلامية في عهده في فتح معظم "خراسان" على يد أميرها عبيد الله بن زياد، وكان معاوية قد ولاه على البصرة والكوفة "٥٣-٥٩هـ"، وعمل هذا الأمير على مد حركة الفتح إلى بلاد ما وراء النهر، وغزا "بيكند" و"بخارى" من بلاد الصغد، واضطرهما إلى دفع الجزية، ثم قف راجعا إلى البصرة. ويبدو أنه أقم على عبور نهر "جيحون" إلى ما ورائه من البلاد بعد أن أسلمت خراسان قيادها للمسلمين وعز فيها الإسلام. وقد كانت هذه الفتوحات في المنطقة الشرقية تسير في خطين: أحدهما: شمالي إلى بلاد ما وراء النهر. والآخر: جنوبي إلى بلاد السند.

стр. 6

١- بلاد ما وراء النهر: أطلق المسلمون اسم "بلاد ما وراء النهر" على البلاد التي يفصلها نهر "جيحون" عن "خراسان" وهي التي تقع وراءه من جهة الشرق والشمال. وتعرف الآن باسم "آسيا الوسطى" الإسلامية، وتضم خمس جمهوريات إسلامية كانت خاضعة للاتحاد السوفيتي، ثم من الله عليهم فاستقلوا بعد انهياره. وهذا الجمهوريات هي الآن "أوزبكستان" و"طاجيسكتان" و"قازاخستان" و"تركمانستان" و"قرغيزيا". وتقع بلاد "ما وراء النهر" بين نهر "جيحون" "أموداريا" جنوبا، ونهر "سيحون" "سرداريا -يقع الآن في كازاخستان" شمالا. ويطلق عليها -أحيانا- بلاد "الهياطلة" وكان أهلها وثنيين من أصول تركية، حلوا بها منذ القرن السادس الميلادي١. وتتميز بوفرة المياه، لوجود نهري "جيحون" و"سيحون" وروافقدهما الكثيرة، مما ساعد على خصوبة المنطقة وكثرة الزراعة والعمارة فيها، واجتذاب السكان إليها. ويمكن تقسيمها -عند الفتح الإسلامي- إلى عدة أقاليم أو ممالك مستقلة، هي٢: ١- إقليم "طخارستان"، ويقع على صفتي نهر "جيحون". وعاصمة "بلخ". ٢- إقليم "الصغد" ومن أشهر مدنه: "بخارى" وسمرقند". ٣- إقليم "خوارزم". ويشمل على دلتا نهر "جيحون". وعاصمته: مدينة "الجرجانية".

стр. 7

٤- إقليم "الختل" في أعالي نهر "جيحون". وعاصمته مدينة "هلبك". ومن مدنه: "أشجرد" و"الصغانيان". وكانت هذه الممالك الأربعة تسمى بالممالك "الجيحونية". ٥- إقليم "فرغانة"، على نهر "سيحون". وتعرف اليوم باسم "خوقند". ٦- "إقليم الشاش" على نهر سيحون أيضا، وتعرف اليوم باسم "طشقند" "عاصمة كازاخستان الآن". ومن مدة هذين الإقليمين الأخيرين: "خجندة" و"إيلاق" و"إسبيجاب". ومن الجدير بالذكر أن الترك الذين واجههم المسلمون في هذه البلاد -بلاد ما وراء النهر الواقعة بين بلاد إيراه وبلاد المغول- كانوا أجناسا، وكان أول جنس قابلوه هو جنس "الهياطلة" "Heptalirtes"، وكانوا قسمين كبيرين: ١- قبائل الشمال، وهي التي تسمى في الغالب باسم "الهياطلة"، ويلقب ملكهم بـ "الزونبيل"، وهذا اللقب يقرأ أحيانا "الرتبيل" خطأ. ٢- قبائل الجنوب، وهي التي تسمى بالزابليين، وقد استقروا في إقليم، "زابلستان" "راجع الخريطة"، وأعطوه اسمهم. ولم يكن "الهياطلة" هم الجنس التركي الوحيد الذي دخل المسلمون في صراع معه في هذه المرحلة من مراحل بنائهم للدولة الإسلامية، بل كان هناك الترك "البختيون"، ويسمون في غير العربية باسم "البكتريين" نسبة إلى إقليم "باكتريا" الذي سكنوه. وعندما دخل المسلمون في صراع مع الترك قاتلوا "البختيين" في نفس الوقت الذي قاتلوا فيه الهياطلة، وكلا الفريقين ينتمي إلى الأتراك "الغزية"١. وقد طرق المسلمون هذه البلاد عدة مرات منذ خلافة عثمان بن عفان ﵁ "٢٣-٣٥هـ"، وغزاها -في خلافة بني أمية- عدد من القادة المسلمين إلى سنة "٨٦هـ" منهم: عبيد الله بن زياد، وسعيد بن عثمان بن عفان، والمهلب بن أبي صفرة، وولديه: يزيد والمفضل، ولم تسفر حملات هؤلاء القادة عن فتح

стр. 8

وقد انعكست الخلافات والانقسامات التي أعقبت موت معاوية بن أبي سفيان من "سنة ٦٠هـ" إلى سنة "٧٢هـ" على الفتوح في هذه المنقطة، وأصبح المسلمون في موقف دفاعي، حيث اغتنم الترك انشغال المسلمين بهذا الخلاف، فكانوا يغيرون على ديار الإسلام، ويحرضون أهل الصلح من البلاد على الثورة، وبلغوا في بعض هجومهم إلى قرب "نيسابور" في خراسان، وفقد المسلمون كثيرا من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها١. "فما أن تمكن عبد الملك بن مروان "٦٥-٨٦هـ" من القضاء على مناوئيه حتى بدأ يولي الفتح الاهتمام الواجب، وكان ولادته على إقليم العراق هم مفتاح النجاح على الجبهة الشرقية، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي الذي ولي على العرق والمشرق "سنة ٧٥هـ" ذا فضل كبير بسبب شدته وصرامته في تحقيق قدر كبير من الاستقرار في العراق -ولو ظاهريا- مكن من خروج الحملات العسكرية نحو الأقاليم الشرقية"٢. وقد اضطلع بعبء هذه الفتوح ثلاثة من قادة الحجاج المشهورين، وهم: المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وقتيبة بن مسلم الباهلي، ومحمد ابن القاسم الثقفي. أما المهلب بن أبي صفرة فقد ولاه الحجاج على خراسان سنة "٧٨هـ"، وقام بفتوح واسعة فيما وراء النهر، وغزى مغازي كثيرة، ففتح مدينة "كش" في مملكة "الصغد"، ووجه منها حملة بقيادة ابنه "يزيد" إلى ملك "الختل" واضطره إلى دفع الجزية. كما فتح يزيد قلعة "نيزك" بإقليم "بادغيس" بين "مرو" و"هرات"، وغزا "خوارزم"، واستطاع المهلب وأبناؤه في مدة عامين تقريبا -أن يعيد هيبة المسلمين في المنطقة، وإن كان لم يوفق في إقامة قواعد ثابتة هناك٣.

стр. 9

فتوحات قتيبة بن مسلم في بلاد ما وراء النهر: أما المرحلة الحاسمة في الفتح والاستقرار فقد بدأت مع تسلم "قتيبة بن مسلم الباهلي" قيادة جيوش الفتح وولاية إقليم خراسان وبلاد الشرق "سنة ٨٥هـ" وظل واليا عليها إلى سنة "٩٩هـ"، وقد كانت الظروف مواتية له تماما، فالدولة الأموية كانت عندئذ في أحسن حالاتها استقرارا وهدوءا وثراء عريضا، فاجتمع لقتيبة مهارة القائد وعزم الوالي "الحجاج بن يوسف الثقفي" وتشجيعه، وقوة الدولة وهيبتها، فكانت فتوحاته العظيمة في بلاد "ما وراء النهر". ولم يكن "قتيبة" قائدا عسكريا فحسب، بل كان إلى جانب ذلك رجل دولة، وصانع سياسة، وواضع نظم وإدارة، فعمل بعد تسلمه أمور الولاية على القضاء على الخلافات العصبية التي كانت تعصف بالقبائل العربية في "خراسان"، من جراء التنافس على الولايات، وجمع زعماءهم على كلمة واحدة تحت الجهاد، كما أنه عمل على كسب ثقة أهل "خراسان" الأصليين، فأحسن إليهم، وقربهم، وعهد إليهم بالوظائف، فاطمأن الجميع إليه، ووثقوا به وبقيادته١. سار قتيبة على نفس الخطة التي سار عليها آل المهلب، وهي خطة الضربات السريعة المتلاحقة على الأعداء، فلا يترك لهم وقت للتجميع، غير أنه امتاز على المهالبة بأنه كان يضع لكل حملة خطة ثابتة، ويحدد لها وجهة معينة، ويجتهد في الوصول إلى ما يقصده، غير عابئ بالمصاعب، معتمدا على الله ، ثم على بسالته النادرة، وروح القيادة التي امتاز بها، وإيمانه العميق بالإسلام. ولقد مرت خطوات "قتيبة" في فتح تلك البلاد -على مدى عشر سنوات "٨٦-٩٦هـ"- عبر مراحل أربع، حقق في كل منها فتح ناحية واسعة فتحا نهائيا، وثبت أقدام المسلمين والإسلام فيها. وهذه المراحل هي٢:

стр. 10

المرحلة الأولى "٨٦-٨٧هـ": وفيها أخضع "قتيبة بن مسلم" إقليم "طخارستان" الواقع على ضفتي نهر "جيحون". ويبدو أن أوضاعه لم تكن قد استقرت للمسلمين تماما منذ أن فتحه "الأحنف ابن قيس" في خلافة عثمان بن عفان. وكانت تلك بداية ناجحة من "قتيبة"؛ فبدون توكيد أقدامه في "طخارستان" لم يكن ممكنا أن يمضي لفتح "ما وراء النهر". وقد أصبح يتمتع بهيبة كبيرة في تلك البلاد، فما إن يسمع الملوك بمسيره إليهم حتى يسرعوا إلى لقائه وطلب الصلح. المرحلة الثانية "٨٧-٩٠هـ": وفيها فتح "قتيبة" إقليم "بخارى" كله بعد حروب طاحنة وانتظام حملاته عليها. المرحلة الثالثة "٩١-٩٣هـ": وفيها أكمل فتح حوض جيحون" كله وأتم فتح "سجستان" "٩٢هـ"، وإقليم "خوارزم" "٩٣هـ". وتوج عمله بالاستيلاء على "سمرقند" أعظم مدن ما وراء النهر كلها. ومن جميل ما يروى في فتح سمرقند أن المسلمين حينما دخلوها أخرجوا ما فيها من الأصنام وأحرقوها، وكان أهل سمرقند يعتقدون أن من استخف بها هلك، فلما أحرقها المسلمون ولم يصابوا بأذى أسلم من أهلها خلق كثير. المرحلة الرابعة "٩٤-٩٦هـ": وفيها عبر قتيبة "نهر سيحون"، وفتح الممالك السيحونية الثلاث: "الشاش" و"أشروسنة" و"فرغانة" ثم دخل أرض الصين، وأوغل في مقاطة "سنكيانج"، ووصل إلى إقليم "كاشغر" وجعلها قاعدة إسلامية، وتهيأ لفتح الصين لولا أن وفاة "الحجاج بن يوسف الثقفي" "٩٥هـ"، والخليفة "الوليد بن عبد الملك" "٩٦هـ" جعلته يتوقف عند هذا الحد، لكنه أجبر ملك الصين على دفع الجزية١. ونذكر هنا ثلاث ملاحظات جديرة بالتسجيل وهي: ١- لقد كان أهل هذه البلاد جاهلين بحقيقة الإسلام، وتصوروا أن المسلمين إنما

стр. 11

جاءوا للاستيلاء على خيرات بلادهم، الأمر الذي جعلهم يقاومون بشراسة، لكنهم لما عرفوا أن المسلمين ليسوا غزاة، وإنما هداة يحملون إليهم الإسلام أقبلوا على اعتناقه والإيمان بمبادئه. يقول المستشرق المجري "أرمينوس فامبري": "إن بخارى التي قاموت العرب في البداية مقاومة عنيفة قد فتحت لهم أبوابا لتستقبلهم ومعهم تعاليم نبيهم محمد ﷺ ، تلك التعاليم التي قوبلت أول الأمر بمعارضة شديدة، ثم أقبل القوم عليها بعد ذلك في غيرة شديدة حتى لنري الإسلام -الذي أخذ شأنه يضعف اليوم في جهات آسيا الأخرى- وقد غدا في بخارى اليوم "١٨٧٣م" على الصورة التي كان عليها أيام الخلفاء الراشدين١. ٢- كان السكان في هذه المناطق يرضون بالصلح أو يعتنقون الإسلام ظاهريا في بداية الأمر كما أسلفنا، وما إن ينصرف الجند المسلمون حتى ينقضوا العهد أو يرتدوا عن الإسلام. وهذا يظهر بوضوح مدى منطقية مفهوم "عقبة بن نافع" -فاتح "إفريقية" ومؤسس مدينة "القيروان" فيها -بضرورة أن يكون الفتح معنويان، وليس عسكريا، فالفتح المعنوي يحتاج إلى وجود مسلمين مقيمين في المنطقة بعد فتحها يفتحون القلوب بالإيمان والعلم. أما الفتح العسكري فيتم بواسطة الجند الذين يرتحلون بعد نجاح المهمة العسكرية فلا يحققون شيئا في الواقع إلا فتح الأرض التي تنقض عليهم فور انسحابهم٢. ٣- لا شك أن قيادة "قتيبة بن مسلم" الفذة وخططه العسكرية المحكمة، ودعم القيادة العليا له -ممثلة بالحجاج في العراق، والخليفة عبد الملك، ثم ابنه الوليد في الشام- إضافة إلى ما كان من طاقات إيمانية عند الجند: جعل النصر حليف المسلمين في هذا الميدان، وقد ساعد ذلك -مع المعاملة الطيبة لأهل البلاد- على تحويل المنطقة إلى دار إسلام٣. وبوفاة "قتيبة بن مسلم" توقفت فتوحات المسلمين على هذه الجبهة عند الحد

стр. 12

الذي تركها هو عليه، ذلك أنه لما تولى "يزيد بن المهلب بن أبي صفرة" على خراسان -ولاه عليها الخليفة سليمان ابن عبد الملك سنة "٩٧هـ"- وجه همه إلى فتح "جرجان" و"طبرستان"ن ولم يكن المسلمون قد وطأوا أيهما من قبل، وذلك حتى يحقق فتحا يغبط سليمان كما كانت نجاحات "قتيبة" تغبط الوليد. ولقد استطاع "يزيد" أن يفتح "جرجان" بالفعل صلحا، ثم توجه إلى "طبرستان"، ولكنه هناك، فنقض أهل "جرجان" عهدهم، فعاد وحاربهم وفتحها هذه المرة عنوة١. ولقد ظل الجهاد والاستعداد للغزو قائما في هذا الجانب من العالم إلى نهاية حكم بني أمية، ومما يلاحظ في هذا الميدان أن الترك الذين ظلوا ينزلون خارج دائرة سلطان المسلمين من بلاد ما وراء النهر كانوا -بعد فتوحات قتيبة بن مسلم- لا ينفكون يهجمون على المناطق التي دخلت في سلطان المسلمين، ويحرضون أهلها على الثورة والعصيان، فكان المسلمون يقومون بإخضاعهم وإعادة البلاد إلى الطاعة٢. ولا شك أن هذا الميدان كان من أشد الميادين قتالا، ولم يكن دار حرب أشد من بلاد الترك، ولكنها تحولت بعد الجهود المتوالية إلى دار إسلام، وأصبحت في فترة تالية كعبة العلم والعلماء، ونشأت فيها مراكز علمية وحضارية مثل: بخارى، وبلخ، وسمرقند، ونيسابور، وهراة، ومرو، والري، وجرجان، وسرخس، وطبرستان، وغيرها. وخرجت هذه المدن عددا هائلا من العلماء استضاءت بهم الأمة، وملأت أسماؤهم سمع الدنيا وبصرها. واليوم تتوزع هذه البلاد بين إيران وأفغانستان. أما الجزء الأكبر منها فيقع في الجمهوريات الإسلامية الخمسة في آسيا الوسطى فازاخستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وطاجكستان، وقيرغيزيا٣.

стр. 13

٢- فتح بلاد السند "حملات محمد بن القاسم ": انقسمت شبه القارة الهندية في القديم إلى قسمين جغرافيين كبيرين، هما: "بلاد السند والبنجاب" و"بلاد الهند". وبلاد السند هي البلاد المحيطة بنهر السند "Indus"، الذي كان يسمى من قبل بـ "نهر مهران"، وينبع من عيون في أعالي السند وجبالها من أرض قشمير "كشمير"، ويصب في بحر السند "المحيط الهندي". وتمتد هذه البلاد غربا من إيران، إلى جبال "الهمالايا" في الشمال الشرقي، تاركة شبه القارة الهندي في جنوبها. وتكون -الآن- جزءا كبيرا من دولة باكستان الحالية. ومن مدن السند: مدينة "الديبل" "مكان كراتشي الحالية"، "قندابيل"، و"قيقان"، و"لاهور"، و"قصدار"، و"الميد"، و"الملتان" المجاورة للهند، وتقع على أعلى رافد من روافد نهر مهران. وكان العرب يطلقون على "السند" من الأسماء: "ثغر الهند"، لأنه كان في ذلك الوقت المعبر إلى بلاد الهند١. وقد سبق الفتح المنظم لبلاد "السند" سلسلة من الحملات والغزوات قام بها المسلمون، لمعرفة طبيعة البلاد وجمع المعلومات عنها، كما حدث لبلاد ما وراء النهر. وكانت البداية مبكرة في عهدة الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، وتتابعت الغزوات بعده في خلافة كل من عثمان وعلي معاوية ﵁، وحقق المسلمون فيها انتصارات عديدة، وغنموا مغانم كثيرة، إلى أن جاء عهد الوليد ابن عبد الملك "٨٦-٩٦هـ"، فجاء عهد الفتح المنظم لهذه البلاد. وبعد أن استقام الأمر للحجاج بن يوسف الثقفي في جنوبي بلاد فارس، وتوطدت أقدام المسلمين هناك، وقضى على تمرد الملك "رتبيل" ملك سجستان، وأخضع بلاده بدأ يعد العدة لفتح إقليم "السند" نهائيا، فأرسل عدة ولاة قتلوا في

стр. 14

الغزو واحدا بعد آخر، إلى أن استقر رأيه على تعيين قائد كبير أسند إليه هذه المهمة وهو ابن أخيه وصهره "محمد بن القاسم الثقفي"، الذي عرف بفاتح السند، وكان واليا على فارس في سن السابعة والعشرين من عمره، وجهزه بما يكفل له النكاح من عدة وعتاد، وأمده بستة آلاف جندي من أهل الشام، إضافة إلى ما كان معه من الجنود، فاجتمع تحت قيادته نحو عشرين ألفا في تقدير بعض المؤرخين، وأنفق الحجاج على الجيش ستين ألف ألف "٦٠.٠٠٠.٠٠٠" درهم. ويمكن تلخيص مراحل الفتح التي قام بها محمد بن القاسم في الخطوات الآتية: ١- سار محمد بن القاسم بجنده من "شيراز" إلى "مكران"، وأقام بها أياما واتخذ منها قاعدة للفتح ونقطة انطلاق، ثم فتح "قنزابور"، ثم "أرمائيل". ٢- تقدم لفتح "الديبل"، وتقع -الآن- قريبة من كراتشي في باكستان، وجعل عتادة أزواده في سفن أرسلها بالبحر من "أرمائيل"، وحاصر "الديبل"، ونصب عليها المنجنيق، وفتحها بعد قتال عنيف دام ثلاثة أيام، وهدم "البد" الكبير بها، وكل "بد" آخر "والبد: كل تمثال أو معبد لبوذا" ثم حولها إلى مدينة إسلامية، وأزال منها كل آثار البوذيةن وبنى بها المساجد وأسكنها أربعة آلاف مسلم. ٣- كان لفتح المسلمين مدينة "الديبل" أثر كبير على أهل "السند" فسارعوا يطلبون الصلح، فصالحهم محمد بن القاسم ورفق بهم، ثم سار إلى مدينة "البيرون" "حيدار أباد السند حاليا" فصالح أهلها، وجعل لا يمر -بعد- بمدينة إلا فتحها صلحا أو عنوة، حتى بلغ نهر "مهران"، فعبر النهر، وفاجأ "داهر" ملك السند، والتقى معه في معركة حامية "٩٣هـ" قتل فيها الملك، وانقض جمعه. وبمقتله استسلمت بقية بلاد السند، وأصبحت جزءا من بلاد الإسلام. ٤- مضى محمد بن القاسم يستكمل فتحه، فاستولى على مدن وحصون كثيرة إلى أن اجتاز نهر "بياس" واقتحم مدينة "الملتان" في إقليم البنجاب "راجع الخريطة" في جيش عداده خمسون ألفا من الجنود والفرسان "عشرهم فقط من الجيش الأصلي

стр. 15

الفاتح، ومعظمهم ممن انضم إلى المسلمين بعد نجاحهم في المعارك السابقة"، فاستولى على المدينة بعد قتال عنيف، وقضى على كل التماثيل والمعابد البوذية هناك، وغنم مغانم كثيرة من الذهب والفضة، ولهذا سميت "الملتان" بيت "أو ثغر" الذهب. وقد اتبع ابن القاسم في هذه المدينة ما اتبعه في المدن الأخرى التي فتحها، من حيث التنظيمات المالية والإدارية والعسكرية، فعين الحكام على كورها المختلفة، وترك بها حامية من الجنود، وأخذ العهود والمواثيق على أعيان المدينة بأن يعملوا على استقرار الأمن. ٥- وفي أثناء وجود محمد بن القاسم في "الملتان" جاءه خبر وفاة الحجاج، فاغتم لذلك، لكنه واصل فتوحاته حتى أتم فتح بلاد السند، وجاءته قبائل "الزط" و"الميد" -المعروفين بقطع الطرق البرية والبحرية- مرحبين به، وتعهدوا له بالطاعة والعمل على سلامة الطرق في البر والبحر. ٦- انتهت أعمال ابن القاسم الحربية بإخضاع إقليم "الكيرج" على الحدود السندية الهندية وهزيمة ملكه "دوهر" ومقتله؛ ودخول أهله في طاعة المسلمين١. وكان محمد بن القاسم يتطلع إلى فتح إمارة "كنوج" "قنوج" "Kanyj" أعظم إمارات الهند والتي كانت تمتد من السند إلى البنغال، فاستأذن "الحجاج" فأذن له، وبينما هو على أتم الاستعداد لذلك كخطوة أولى نحو الوصول إلى "كشمير" وإتمام فتح كل السند والهند إذ وصله موت الحجاج "٩٥هـ"، ومن بعده بستة أشهر الخليفة الوليد عبد الملك "٩٦هـ"، وتولى أخوه سليمان الخلافةن وكان سليمان ينقم على "الحجاج" وصنائعه، لأنه أقر "الوليد بن عبد المملك" على خلع بيعة "سليمان" وعقدها لابنه عبد العزيز بدلا منه، ومن ثم فما أن تولى حتى عزل

стр. 16

محمد بن القاسم عن ولاية السند، وأمر به مقيدا إلى دمشق حيث عذب حتى موت، دون أن يشفع له جهاده في سبيل نشر الإسلام في مناطق استعصت على المسلمين طويلا، بل كان الاعتبار الأهم هو للأهواء الشخصية١. ويعلق الدكتور عبد الله جمال الدين على مقتل ابن القاسم بقوله: "وإن المرء ليعجب كيف تنتهي حياة ذلك الشاب بهذه الصورة المريرة، وهو الذي فتح كلا بلاد لسند، ونشر الإسلام في كافة أرجائها في فترة قياسية لم تتجاوز السنوات الثلاث؟ كيف يواجه محمد بن القاسم هذا المصير المؤلم ويجزى ذلك الجزاء المهين؟ لقد تضاءلت أمام أعماله الحربية والسياسية عظمة الإسكندر "المقدوني" وشهرته، إذ بينما عجز الإسكندر قبل ألف عام عن الاستيلاء على قسم ضئيل من الهند كان سكانه أقل من ربع السكان زمن ابن القاسم استطاع هذا الفتى أن يخضعها ويلحقها بالدولة الإسلامية من غير كبير عناء. وقد قال مؤرخ إنجليزي: لو أراد ابن القاسم أن يستمر بفتوحاته حتى الصين لما عاقه عائق، ولم يتجاوز أحد من الغزاة فتوحاته إلى أيام الغرنويين. لقد كان واحدا من عظماء الرجال في كل العصور"٢. ومهما يكن من أمر فقد توقفت الفتوحات في جبهة السند بمجرد مغادرة محمد بن القاسم البلاد، وانكمش المسلمون في المناطق التي تم فتحها من قبل، وتركت الأوضاع السياسية السيئة في عاصمة الخلافة "دمشق" تأثيرها على الاستقرار والأمن في شبه القارة الهندية، فقامت الثورات والفتن في بعض المناطق الخاضعة للمسلمين، وحاول بعض أمراء السند وملوكها الذين قد فروا إلى كشمير وغيرها العودة إلى البلاد، ونجع بعضهم في استعادة سلطانه ونفوذه، مستفيدا من الاضطرابات الداخلية في العالم الإسلامي٣. ولما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة "٩٩-١٠١هـ" كتب إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام والطاعة، فدخلت بد السند كلها في طاعة المسلمين، وأسلم

стр. 17

أهلها وملوكها وتسموا بأسماء العرب، وبهذا أصبحت بلاد السند بلاد إسلام. ثم عادت واضطرب في أواخر بني أمية، إلى أن انتظمت في خلافة أبي جعفر المنصور -العباسي "١٣٦-١٥٧هـ" وفي أيامه افتتحت "كشمير" ودخلت في دولة الإسلام١. ولا بد من الإشارة إلى أن الفتح العربي الإسلامي للسند لم يكن فتحا عسكريا فحسب، وإنما -كما حدث في الجبهات الأخرى- تنقلت العشائر العربية إلى هناك، وحمل العرب إلى البلاد نفس أسلوبهم في الحياة، كما انتشرت الثقافة الإسلامية والعربية في المدن التي ستؤسس فيما بعد، مما ساعد على نشر الإسلام والعربية، بل هاجرت إلى الهند نفس الصور الفكرية التي طبعت العالم الإسلامي في القرن الأول الهجري، كما انتقلت إليها فرق ودعايات الخروج والشيعة٢.

стр. 18

ثانيا: الفتوحات في الجانب البيزنطي سيطرة المسلمين على الحوض الشرقي للبحر المتوسط في عصر الراشدين: كان الروم البيزنطيون أشد أعطاء المسلمين، وأقواهم شكيمة. وقد أدرك معاوية بن أبي سفيان ﵁ هذه الحقيقة حيث قضى أربعين عاما في قتالهم، منذ أن كان واليا على الشام في عهد عمر بن الخطاب ﵁، وإلى وفاته "سنة ٦٠هـ" ولذلك نراه يوصي من بعده بقوله: "شذوا خناق الروم، فإنكم تضبطون بذلك غيرهم من الأمم"١. وفي إقليم الشام تاخمت حدود الدولة الإسلامية حدود الأمبراطورية البيزنطية، كما جاورت ممتلكات تلك الأمبراطورية سواحل الشامل في حوض البحر المتوسط الشرقي، ومن ثم هدد الخطر البيزني إقليم الشام برا وبحرا. ويعتبر الانتصار الحاسم الذي أحرزه المسلمون على الجيوش البيزنطية في موقعة "اليرموك" "١٣هـ/ ٦٤٣م" أو "١٥هـ/ ٦٣٦م" نقطة تحول هامة في حركة الفتوح الإسلامية، أدت إلى انهيار قوي الروم، وانفصال الشام عن جسم الامبراطورية البيزنطية. ويذكر المؤرخون أن "هرقل" عندما بلغه نبأ الكارثة التي حلت بجيوشه في معركة "اليوموك" رحل إلى "القسطنطينية"، فلما تجاوز الدرب الذي يصل أرض الشام بأرض "بيزنطة" نظر إلى الأراضي السورية وقال -يودعها بنظرة- "عليك يا سورية السلام، ونعم البلد هذا للعدو"٢. وعلى إثر هذه المعركة أخذت مدن الشام الكبرى في الشمال والجنوب تتساقط سريعا، الواحدة بعد الأخرى في أيدي المسلمين. ولم يكد هؤلاء ينتهون من فتح

стр. 19

"دمشق" حتى وجهوا جهودهم لفتح المدن الساحلية الشامية والجزر الواقعة في الحوض الشرقي للبحر المتوسط: ١- فقد استولى عمرو بن العاص ﵁ في بداية فتوح الشام- على موانئ "غزة" و"عسقلان" و"عكا" "سنة ١٥هـ/ ٦٣٦م". ٢- ثم استولى يزيد بن أبي سفيان "الوالي على الشام -قبل أخيه معاوية- في خلافة عمر بن الخطاب" على "صيدا" و"صور" و"بيروت" و"جبيل" "سنة ١٧هـ/ ٦٣٨م". ٣- واستولى عبادة بن الصامت -بأمر من يزيد بن أبي سفيان- على موانئ السواحل الشامية الشمالية، مثل "اللاذقية" و"جبالة"، و"أنطرسوس". ٤- وعندما تولى معاوية بن أبي سفيان إمارة الشام بدأ النشاط البحري الكبير في شرق البحر المتوسط، وأظهر في فتح المنطقة الساحلية عبقرية فذة، وبذل فيها جهودا ذات "بلاء حسن وأثر جميل" على نحو ما شهد له بذلك قادة المسلمين، فاستولى على "قيسارية" "سنة ١٩هـ/ ٦٤٠م". وهي من أهم المدن الساحلية بالشام، ثم على مدينة "طرابلس" التي كانت ميناء "دمشق" ومفتاح حياتها الاقتصاديةن وتتفوق على سائر مدن الشام في حصونها وبهائها١. ٥- وقد اهتم معاوية بغزو جزر البحر المتوسط المواجهة لساحل الشام ليتخذها مراكز أمامية يوجه منها الغزوات البحرية إلى بلاد البيزنطيين نفسها، فاستولى على "أرواد" و"رودس". ثم قاد أول حملة بحرية إسلامية على جزيرة "قبرص"٢، فتوجه إليها من "عكا" "سنة ٢٨هـ/ ٦٤٥م"، وما كادت السفن الإسلامية ترسو إلى ساحلها حتى أذعن أهلها بالطاعة للمسلمين، وصالحهم معاوية على جزية سنوية، واشترط عليهم أن يلتزموا الحياد في الصراع العربي البيزنطي، وأن يبلغوا المسلمين بسير عدوهم من البيزنطيين. فلما كانت "سنة ٣٢هـ/ ٦٥٢م" أعان أهل

стр. 20

قبرص البيزنطيين على الغزاة في البحر بسفن قدموها لهم، فغزاهم معاوية "سنة ٣٣هـ/ ٦٥٣م" في خمسمائة سفينة، وافتتح الجزيرة -في هذه المرة- عنوة، ثم أقرهم على صلحهم الأول، وارسل إليهم اثني عشر ألفا من المسلمين ليقيموا في الجزيرة، ونقل إليها جماعة أخرى من مسلمي بعلبك، فبنوا المساجد والبيوت١. ٦- وقد خاص المسلمون في أواخر العصر الراشدي موقعة بحرية هامة ضد البيزنطيين حسمت السيادة البحرية في حوض البحر المتوسط، وقلبت التفوق البيزنطي لصالح المسلمين، ونعني بها موقعة "ذات الصواري" "سنة ٣٤هـ/ ٦٥٤م". وتذكر المصادر العربية أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح "أمير مصر" خرج بأسطوله البحري من "رشيد" قاصدا أسطول الروم، وفي الوقت نفسه خرج "بسر بن أبي أرطأة" -وهو أحد قادة معاوية- بأسطوله من "صور"، وتلاقى الاثنان في البحر بالقرب من ساحل "ليكيا" "عند فونيكة" -في جنوب أنطاكية- حيث دارات المعركة هناك. وكان الأسطول البيزنطي مكونا من خمسمائة مركب، أو سبعمائة وقيل "ألف"، في حين كان المسلمون في نحو مائتي مركب، وقد وصف أحد المسلمين المشاركين في المعركة شعوره حين تقابلت الأساطيل الإسلامية مع السفن البيزنطية قائلا: "فالتقينا في البحر، فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط". ويبدو أن المسلمين أدركوا أن خوض قتال بحري ضد هذه الأعداد الضخمة من السفن المدربة مخاطرة غير مأمونة، فاختروا أن يجعلوها حربا برية في البحر، فربطوا سفنهم المتقاربة في سفن الأعداء، وجعلوا من ظهورها ميدانا بريا للقتال، واشتدت المعركة، وقتل من الجانبين أعداد هائلة، واختلطت دماء القتلى بمياه البحر، فصبغته بلونها الأحمر القاني، وطرحت الأمواج جثث الرجال ركاما، وانتهى القتال بانتصار حاسم للمسلمين، وأسفر عن بداية لطور بحري جديد سيطر المسلمون فيه على حوض البحر المتوسط الشرقي على حساب البحرية البيزنطية، وأكسبهم خبرة طيبة في المجال البحري

стр. 21

العسكري، مما فتح لهم آفاقا جديدة لميادين الامتياز والتفوق في مجابهة دولة الروم المتربصين بهم١. ويعلق الدكتور إبراهيم العدوي على معركة "ذات الصواري" بقوله: "وتعتبر هذه الوقعة البحرية من المعارك الحاسمة القلائل التي غيرت مجرى تاريخ البحر المتوسط ... إذ قضت على اتصافه بأنه بحرم "الروم"، وجعلته حريا أن يدعى "بحر المسلمين"، فقد انطلقت فيه السفن الإسلامية في حرية تذهب حيثما تريد، رافعة علم الإسلام. وتجلت أولى النتائج الهامة التي ترتبت على هذه المعركة الفاصلة عندما تخلى الإمبراطور البيزنطي "قنسطانز" ومن جاء بعده من الأباطرة عن فكرة طرد المسلمين من البلاد التي استولوا عليها في شرق البحر الأبيض المتوسط، واستعادة ما كان لهم من سالف النفوذ والسلطان هناك، إذ أدرك أولئك الأباطرة أن هذه الفكرة ضرب من الأحلام التي فات أوانها، وأن قدم المسلمين رسخت نهائيا على شاطئ البحر المتوسط الشرقي، فجنحوا إلى الاعتراف بالأمر الواقع، وادخار جهودهم وقوتهم إلى وقت قد يحتاجون فيه للدفاع عن دولتهم وحمايتها من التردي نهائيا في أيد المسلمين"٢. وخلاصة ما تقدم أن المسلمين استطاعوا -قبل نهاية العصر الراشدي- أن ينتزعوا السيادة البحرية على الحوض الشرقي للبحر المتوسط، وأن تكحون لهم السيطرة الكاملة على سواحل ذلك البحر، من طرابلس الشام، إلى "قرطاجنة" في منطقة "إفريقية"، واستولوا على جزر أرواد" و"قبرص" و"رودس"، تمهيدا لغزو القسطنطينية".

стр. 22

سياسة معاوية بن أبي سفيان البحرية في مواجهة الروم ... سياسة معاوية بن أبي سيان البحرية في مواجهة الروم: تولى معاوية بن أبي سفيان ﵁ أمر الدولة الأموية صبيحة تأسيسها، وكان واليا على الشام لأكثر من عشرين سنة متصلة في زمن خلافة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ على التوالي. وقد وقع عليه -في أكثر الوقت- العبء الأكبر في مجابهة الخطر البيزنطي على إقليم الشام برا وبحرا. وكان لخبرته القتالية الطويلة مع الروم أثر واضح في تشكيل رؤية -أو "استراتيجية"- للتعامل معهم، وفي توجيه قناعته بطبيعة السياسة الملائمة لهذا التعامل. وكانت المواجهة القتالية المستمرة مع الروم البيظنطيين هي الأسلوب الذي ارتآه أنسب للتعامل معهم، وكان توليه خلافة المسلمين هي الفرصة المناسبة التي ساعدته على تحوي لتلك القناعة الشخصية إلى "سياسة دولة"، وتوافرت -إلى ذلك- مجموعة من العوامل الداخلية الإيجابية أدت إلى إنجاح هذه السياسة، أهمها وجود جيش قوي، ولاؤه الأول والأخير للخليفة، وموارد اقتصادية هائلة تدرها الأمصارن وقرب عهد بالإسلام وفر أعداد هائلة من المتطوعين المؤمنين بهذه السياسة بوصفها رسالة إيمانية١. وبعد أن أمن معاوية الجبهة الداخلية للدولة الإسلامية باتباع مجموعة من الخطوات -أهمها حل المشاكل التي خلفتها أعوام متتالية من الفتن والحروب بعد مقتل الخليفة الشهيد عثمان ﵁، وإزالة التناحر القبلي بين عرب الشام وعرب الجنوب وفق ميزان عدل لا يميل إلى أحد الطرفين على حساب الآخر. وبعد أن نقل عاصمة الخلاصة إلى دمشق الشام موطن شيعته ومناصريه، ولتكون قريبة من ميدان الصراع مع البيزنطيين، إضافة إلى اهتمامه الكبير بتأسيس جيش قوي ليكون عدته في تنفيذ مشاريعه الحربية، وجعل قوامه الأساسي من جند الشام الموالين له، واختار مجموعة من خيرة القادة العسكريين لقيادته -نقول: بعد أن نجع في تحقيق ذلك كله عمد إلى رسم الخطوط العريضة لسياسات التعامل الخارجي للدولة الأموية، والتي استمرت منهاجا لها حتى زالت سنة "١٣٢هـ". ولعل المعلم الرئيس لسياسة التعامل الخارجي للدولة الأموية يتلخص في عبارة واحدة، هي "الهجوم خير وسيلة للدفاع، والعمل المستمر على توسيع الدولة وضم مناطق جديدة إليها". وهذه السياسة يمكن أن نطلق عليها اسم "سياسة تداعي الفتوحات"، فمثلا: نجد أن الدولة الأموية قد آمنت بأن تأمين فتوحات الشام

стр. 23

إنما يستدعي السيطرة على المناطق المجاورة له من الشمال والشمال الشرقي "أرمينية"، والجنوب الغربي "مصر"، والمناطق الغربية "جزر البحر المتوسط الشرقية"، ثم إن تأمين فتوحات مصر استدعى فتح إفريقية "تونس"، وهذا بدوره تطلب فتح المغرب الأوسط "الجزائر"، ثم المغرب الأقصى، ثم عبور المضيق إلى شبه الجزيرة الإيبيرية "إسبانيا". وبهذا أصبح المسلمون في مواجهة القوى غير الإسلامية "الأوروبية" في الغرب بالقدر نفسه الذي واجهوا به الدولة البيزنطية في الشرق. فعلى هدي الظروف الجغرافية -إذن- كانت تسير الفتوحات الأموية برا من أجل رفع راية الإسلام١. ولم يختلف الأمر في البحر عنه في البر؛ فبعد غزو جزيرة "قبرص" في البحر المتوسط الشرقي أيقن الأمويون ضرورة عدم التوقف عن هذا الحد، فمواصلة الاستيلاء على الجزر التابعة للروم في شرق هذا البحر كان حتمية وفقا لسياسة الأمويين الخارجية؛ فشرق البحر المتوسط تنتشر فيه الجزر التي تقسمه إلى بحار داخلية صغيرة، يتصل بعضها ببعض عن طريق مضايق وفتحات صغيرة، وتتحكم في مداخلها أطراف تلك الجزر، فكانت هذه المضايق أشبه أعناق الزجاجات تكفل للمسيطر عليها السيادة على ما يليها من بحار داخلية وما يطل على هذه البحار من أراض وبلاد، ومن ثم سار الأمويون في استيلائهم على هذه الجزر وفق خطة منطقية محددة بدقة، تهدف إلى تأمين سلامة الفتوحات الإسلامية في البر عن طريق الاستيلاء على الجزر القريبة المجاورة مباشرة لتلك الأراضي المفتوحة، ثم متابعة الاستيلاء على غيرها من الجزر التي تتحكم في أكبر عدد من المضايق البحرية، وذلك لسد كل المنافذ والطرق أمام الأساطيل البيزنطية إذا ما رغبت في مهاجمة الأراضي المفتوحة من جهة البحر٢.

стр. 24

بناء الأسطول والتمهيد البري والبحري لفتح القسطنطينية: أدرك معاوية -مؤسس الدولة الأموية- أثناء فترة ولايته الطويلة على الشام، والتي احتك فيها عن قرب بالوم البيزنطيين -أن قوتهم البحرية هي العامل ذو الأثر القوي في بقائهم كدولة، ثم إنه أدرك- أثناء اشتراكه في فتح مدن الشام الساحلية -مدى خطر المحاولات الهجومية البحرية التي تقوم بها الأساطيل البيزنطية لاسترداد تلك المدن المفتوحة، والتي كانت تنطلق من قواعد الروم البحرية. ومن هنا رأى معاوية أنه من الضروري أن يمتلك المسلمون قوة بحرية تمكنهم من الدفاع عن الشواطئ التي امتلكوها، بل وعدم الاكتفاء بالسياسة الدفاعية المتمثلة في وضع حاميات على الشواطئ لصد الهجمات البحرية البيزنطية واستبدالها بسياسة هجومية تعتمد على أسطول إسلامي قوي يقف من الأسطول البيزنطي موقف الند، وتكون مهمته -ليس انتظار هجمات البيزنطين لصدها- وإنما المبادرة بالاستيلاء على جزر البحر المتوسط التابعة للبيزنطيين. وقد رفع معاوية ﵁ أثناء ولايته على الشام- الأمر إلى الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، شارحا له أهمية هذا التوجه؛ لأنه عاني في فتح مدن الشام الساحلية عناء شديدا بسبب وجود الأسطول البيزنطي. غير أن عمر ﵁ رفض الفكرة، خوفا على المسلمين من أهوال البحار، إذ لم يكن لهم خبرة بالحروب البحرية، بل هم أهل صحراء. ورأى أيضا أن الوقت لا يزال مبكرا للدخول في ذلك الميدان الخطر. واكتفى عمر ﵁ بأن يقوم معاوية بتحصين الشواطئ بالحصون، وأن يملأها بالمقاتلين والمرابطين. وفي خلافة عثمان ﵁ "٢٤-٣٥هـ" رفع إليه معاوية طلبه القديم بإنشاء أسطول بحري، فرفض عثمان في أول أمر، لكنه عاد فوافق بعدما اقتنع بأهمية المشروع، لكنه اشترط أن يكون الجهاد البحري تطوعا، ولا يكره عليه أحد. وعلى الفور بدأ معاوية في تحقيق سياسته ومشروعه، فشرع في بناء الأسطول، مستغلا كل الإمكانات الموجودة في مصر والشام لصناعة السفن١، ولم تمض أربع سنوات حتى

стр. 25

ظهر إلى الوجود أسطول إسلامي كبير نجح معوية به في فتح جزيرة "قبرص" "٢٨هـ" و"٣٣هـ". وجزيرة "أرواد" -الواقعة بالقرب من ساحل الشام بين "جبلة" و"طرابلس"- "سنة ٢٨-٢٩هـ"، وجزيرة "رودس" "سنة ٣٣هـ"، وهي أهم جزر "بحر إيجة". وتوج حملاته البحرية بغلق بحر إيجه وسد منافذ الرئيسية في وجه السفن البيزنطية، ومنعها من الوصول إلى بلاد المسلمين، وذلك بالاستيلاء على جزيرة "إقريطش" "كريت". كما أنه هزم الأسطول البيزنطي في موقعة ذات الصواري "سنة ٣٤هـ" التي سبق الحديث عنها قبل قليل. وهكذا وجه معاوية أنظار المسلمين شطر البحر المتوسط، وأوقفهم على أهمية جزره، فاستولى على ما استطاعت أساطيله أن تفتحه منها، وطرق باب غيرها ممهدا الطريق لمن يأتي بعده من الخلفاء الأمويين، وكفل للمسلمين قوة بحرية نافست البيزنطيين سيادتهم القديمة على البحر المتوسط، ثم أخذ يعبئها لأهم عمل في تاريخها، وهو ضرب عاصمة البيزنطيين أنفسهم، والاستيلاء عليها١.

стр. 26

منطقة الثغور الشامية وأهميتها في توسيع الفتوحات بآسيا الصغرى "الأناضول ": ولقد ارتبط بنشاط معاوية البحري وتحصين المدن الساحلية بالشام: القيام بمجهودات أخرى لحماية أطراف الشام الشمالية من إغارات البيزنطيين، وكانت الفتوحات الإسلامية الأولى للشام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ قد وصلت إلى "أنطاكية" و"حلب" و"قنسرين". وما أن انهزم البيزنطيون وعادوا إلى "آسيا الصغرى ""الأناضول" حتى دخلت المنطقة الشمالية من الشام في حظيرة المسلمين. وقد وضع لها نظام جديد يتفق مع متاخمتها لحدود آسيا الصغرى البيزنطية، إذ وقف المسلمون عند السفوح الجنوبية الشرقية لجبال "طوروس"، على حين تحصين البيزنطيون خلف هذه السلسلة الجبلية في آسيا الصغرى "راجع الخريطة". وأدى هذا الموقف إلى تخوف كل من المسلمين والبيزنطيين من بعضهما البعض، ودفعهما إلى تحويل المنطقة التي تفصل بين ممتلكاتهما إلى خراب موحش لا يشجع أحدا على ارتياده، ونقل كل

стр. 27

منهما سكان حدودهما إلى داخل البلاد، وترك حصونهما مقفرة، ومنازلهما خالية من العمران. ولقد لقي المسلمون متاعب جمة وصعاب كبيرة في حملاتهم الألى التي قاموا بها عبر هذه الجهات الجبلية التي تفصل شمال الشام عن آسيا الصغرى، إذ كان عليهم اجتياز بعض الدروب والممرات الجبلية وجبال "طوروس" لمهاجمة البيزنطيين. ولم يلبث المسلمون أن عملوا على تلاقي هذه الأخطار بترك حاميات عسكرية عند الثغرات الجبلية التي ينفذون منها، ثم تطور الأمر إلى اهتمامهم بتحصين المدن التي تتحكم في هذه الممرات، بإعادة بناء الحصون المخربة التي درمها البيزنطيون أثناء تقهقرهم، وبناء حصون جديدة، ومن هنا انتشرت سلسلة من الحصون في المنطقة الإسلامية الملاصقة للدروب والممرات التي ينفذ منها البيزنطيون من جبال طوروس لمهاجمة شمال الشام، وعرفت هذه المنطقة باسم "الثغور"، على حين أطلق اسم "العواصم" على سلسلة الحصون الخلفية لمنطقة الثغور. ولم تلبث هذه المناطق أن اتسعت، واهتم معاوية وقادته بتعميرها وتحصينها، وتشجيع المسلمين على الإقامة فيها، وإرساء نظم عسكرية وإدارية فعالة مكنتها من القيام بوظيفتها على أكمل وجه١، ألا وهي: الهجوم على الدولة البيزنطية ذاتها، وفي عقر دارها. وقد عرفت الغزوات التي كانت تخرج من منطقة الثغور والقلاع لمهاجمة أراضي البيزنطيين باسم "الصوافي والشواتي"، حيث كانت الغزوات الإسلامية تقوم صيفا وشتاء، وتتوغل في بلاد الروم، ثم تعود إلى قواعدها مرة أخرى بعد الانتهاء من مهمتها. واستهدفت إنهاك قوة الوم وشغلهم في ديارهم بسلسلة لا تنقطع من الحملات، صيفا وشتاء، برا وبحرا، وكانت تهدف -في الوقت نفسه- إلى إيجاد ميدان يتدرب فيه الجند الإسلامي على أساليب القتال والقيادة، وتخريج جيل جديد من المحاربين والقادة العسكرين، وإعدادهم للقيام بمشاريع الفتوحات الكبرى فيما بعد٢، ولا تكاد سنة من سني خلافة معاوية "٤١-٦٠هـ" تخلو من صائفة أو شاتية

стр. 28

إلى بلاد الروم كما أنها لم تنقطع طوال العصر الأموي باستثناء فترات الفتن الداخلية١. وقد أسفرت هذه الغزوات البرية عن تأكيد الهيمنة الإسلامية على نواحي كبيرة من آسيا الصغرى، كما أسفرت عن فتح بعض البلاد والحصون البيزنطية في البر، مثل "زبطرة" و"ملطية" و"أنطاكية" وإقليم "أرمينية". وهكذا بدت غزوات البر والبحر في خلافة معاوية ﵁ تمهد للاستيلاء على "القسطنطينية" قلعة الروم المنيعة، التي إذا ما سقطت هي سقطوا هم.

стр. 29

حصار القسطنطينية في عصر بني أمية مدخل ... حصار القسطنطينية في عصر بني أمية: كانت "القسطنطينية" الرأس المدبر والمحرك الذي أدار شئون الدفاع البحري عن الدولة البيزنطية وجزرها في حوض البحر المتوسط الشرقي، ولا سيما السواحل الواقعة حول بحر "إيجة" الغني بجزره الممتدة إلى مياه "القسطنطينية" المحلية. وقد أدرك المسلمون أنه لا استقرار لفتوحاتهم إلا بإدخال هذه العاصمة في قائمة الفتوحات، كما تم لهم من قبل الاستيلاء على "المدائن" عاصمة الفرس٢. وبعد تمهيد طويل بواسطة حملات برية على آسيا الصغرى وصل بعضها إلى "القسطنطينية" -ومحاولات أخرى بحرية خرجت من القواعد الإسلامية البحرية على سواحل الشام ومصر- أحس المسلمون أنهم وصلوا إلى درجة جيدة من الخبرة بالطريق إلى "القسطنطينية" برا وبحرا، وأنهم يستطيعون غزوها والاستيلاء عليها والقضاء على دولة الروم. ولقد قدر للمسلمين القضاء على الدولة البيزنطية في عصر بني أمية لتغير وجه التاريخ تماما، ولكن فشل محاولاتهم الأولى في العصر الأموي أتاح لهذه الدولة حياة امتدت قرابة تسعة قرون. وعندما دخل الأتراك العثمانيون "القسطنطينية" "سنة ٨٥٧هـ" كانت دولة الروم قد أتمت رسالتها التاريخية التي كان لها أبعد الأثر على مسيرة الإسلام في شرق أوروبا، بل في تاريخ أوروبا كلها. وسنوجز فيما يلي الكلام على أكبر محاولات المسلمين لفتح "القسطنطينية" وهي:

стр. 30

المحاولة الأولى: حملة سفيان بن عوف "سنة ٤٩هـ/ ٦٦٩م ": أرسلها معاوية بن أبي سفيان برا، فاخترقت آسيا الصغرى وافتتحت حصونا كثيرة في الأناضول حتى وصلت إلى سواحل "بحر مرمرة"، ثم بعث معاوية ابنه "يزيد" مددا لسفيان بن عوف وجعله أميرا شرفيا على الحملة، ومعه نفر من أبناء الصحابة، مثل عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري ﵃. وقد اشتبك المسلمون مع الروم في القتال، واستشهد الكثير من الصحابة، منهم أبو أيوب الأنصاري الذي دفن بالقرب من مدينة "بروسة". وقد حال الشتاء القارس وصعوبة الإمدادات البشرية والتموينية -لبعد المسافة وضعف وسائل النقل في ذلك الوقت- ثم نقص الأطعمة والأغذيةن وتفشي الأمراض بين الجند، ومناعة "القسطنطينية" -حال ذلك كله دون فتح المدينة. ولقد حاول المسلمون عبثا اختراق أسوارها بعد حصارها، إلا أنهم فشلوا في ذلكن فعادوا دون خسائر كبيرة "عام ٥٠هـ"١. وقد تنبأ النبي ﷺ بهذه الغزوة، ووعد أهلها المغفرة، فقال ﷺ فيما رواه البخاري عن أم حرام بنت ملحان: "أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا، وأول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم". وكان الدرس الهام الذي خرج به معاوية من هذه الحملة هو ضرورة تدعيم القوات البرية التي تغزو "القسطنطينية" بقوات بحرية ضخمة، حيث تحيط المياه بالمدينة من ثلاث جهات، وعكف على تجهيز هذا الأسطول مدة اربع سنوات استطاع خلالها تدريبه عمليا باسترداد جزيرة "رودس" "عام ٥٢هـ/ ٦٧٢م" -وكان الروم قد استردوها أثناء فترة خلافة عثمان ﵃ ثم جزيرة "كزيكوس" "وهي جزيرة أرواد" "عام ٥٤هـ/ ٦٧٤م"، والتي سيجعل منها المسلمون مقرا لإدارة الحصار الثاني للقسطنطينية، والذي بدأ "عام ٥٤هـ"٢.

стр. 31

المحاولة الثانية: حصار السبع سنوات "٥٤-٦٠هـ/ ٦٧٤-٦٧٩م ": وفي الطريق إلى هذا الحصار استولى المسلمون على "أزمير"، واحتلوا ساحل "ليكيا"، وخرج الأسطول الإسلامي من جزيرة "أرواد" بقيادة "جنادة بن أبي أمية الأزدي"، وأحكم المسلمون حصار "القسطنطينية" برا وبحرا، من "إبريل" إلى "سبتمبر"، ثم ارتدوا عنها مع قدوم الشتاء إلى جزيرة "أرواد" "كزيكوس"، ثم عادوا إلى الحصار في الصيف التالي، ليرتدوا في الشتاء مرة أخرى، واستمر الأمر على هذا الحال، يحاصرون صيفا، ويرتدون شتاء، حتى "عام ٦٠هـ/ ٦٧٩م" عندما قرر معاوية بصفة نهائية الانسحاب، وعقد معاهدة صلح مع إمبراطور الروم: قسطنطين الرابع، مدتها ثلاثون عام. وقد فقد المسلمون في هذا الحصار العديد من القادة، وثلاثين ألف مقاتل، ومعظم سفن الأسطول، وكان من أسباب الفشل: الإنهاك الذي تعرض له الجيش الأموي طول سنوات الحصار، كما أنهم فوجئوا بسلاح لم يكن لهم به عهد ولا طاقة لهم بمكافحته ودفع خطره، وهذا السلاح، عرف باسم "النار الإغريقية"، استخدمته البيزنطيون كوسيلة دفاعية تسببت في حرق عدد كبير من قطع الأسطول الإسلامي، وقد بث الذعر في نفوس المحاصرين للمدينة. وكانت هذه النار تتركب من النفط والكبريت والغاز، وتزداد اشتعالا عند ملامستها للماء، ولا يخمد نارها إلا باستخدام الرمل والخل. وقد كان لهذه النار أثر حاسم في صد المسلمين عن "القسطنطينية"، فاضطروا إلى رفع الحصار وعقد معاهدة الصلح مع البيزنطيون١.

стр. 32

صفحة ساقطة بالأصل

стр. 33

صفحة ساقطة بالأصل

стр. 34

الروم؛ لأنها لم تتوقف أبدا، حتى في سنوات الإعداد لحصار "القسطنطينية"، بل وأثناء حصارها أيضا١. وإذا كانت أحداث الفتن الداخلية "من ٦٠-٧٢هـ" أدت إلى انكسار الدولة الأموية في صراعها مع الروم البيزنطيين فإنه ما إن استقرت الأوضاع في الداخل -ولو جزئيا- حتى بدأ الأمويون يعاودون الهجوم بعنف، ويحققون الفتوحات والانتصارات، ويستعيدون بعض ما ضاع من الدولة الإسلاميةن مثل "المصيصة" التي استردها عبد الملك بن مروان "سنة ٨٤هـ" بعد أربعة عشر عاما من وقوعها في يد البيزنطيين. وفي عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك "٨٦-٩٦هـ" -وبفضل الإنجازات الهامة التي حققها والده في إرساء دعائم الجبهة الداخلية توحيد الدولة الأموية- ستبدأ حركة فتوحات واسعة في الشرق والغرب، وسوف يجبر البيزنطيون على الارتداد لموقف الدفاع مرى أخرى. وقد استهل "الوليد" عهد بفتح حصين "طوانة" "٨٨هـ" -وهي مفتاح الطريق بين الشام ومضيق البوسفور، بعد أن كبد البيزنطيين خمسين ألف مقاتل٢. ثم فتح "عمورية" و"هرقلية" "عام ٨٩هـ"٣. وبدأ يعد العدة للإيقاع بالقسطنطينية.

стр. 35

الحصار الثالث للقسطنطينية بقيادة مسلمة بن عبد الملك "٩٧-٩٨ه ـ": تابع الوليد بن عبد الملك سياسة تقوية الأسطول الإسلامي، وعمل على تنسيق التعاون بين القوات البرية والبحرية، وخلق مناخا طيبا للعمليات الحربية، حتى إذا جاءت "سنة ٩٤هـ" بدأ في الاستعداد لغزو العاصمة البيزنطية، وجهز حملة بحرية برية بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك. وما إن ترامت أخبار هذه الاستعدادات إلى السلطات البيزنطية حتى بدأ تهتم بتدعيم وسائل الدفاع عن أسطوار "القسطنطينية"، كما عنيت بقتوية الدفاع البحري تمهيدا لحصار قد يطول أمده كما حدث في الحصار الثاني. ولكن وفاة الوليد بن عبد الملك أدت إلى إرجاء إنفاذ الحملة إلى مقصدها،

стр. 36

فلما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة أخذ يجهز الجيوش للسير إلى "القسطنطينية" وخرجت الحملة بالفعل بقيادة مسلمة بن عبد الملك في أسطول كبير يقدر عدده ثمانية عشر ألف سفينة -وقيل: ألف وثمانمائة سفينة- ومعه مائة وعشرون ألف مقاتل، وتوجه نحو المدينة العتيقة "سنة ٩٨هـ/ ٧١٦م" ليبدأ الحصار الثالث. ولقد انتهى هذا الحصار -الذي استمر عامين- بالفشل في اقتحام "القسطنطينية" كما حدث في الحصار السابق له. ويرجع فشل هذا الحصار الثالث إلى العديد من الأسباب، بعضها كان عاملا هاما في فشل حصار السبع سنوات السابق، وبعضها ظهر جديدا في الحصار الأخير. فمن الأسباب المتكرره: قسوة الظروف الطبيعية "المناخ"، ومهارة المقاتلين البيزنطيين في استخدام "النار الإغريقية"، وعزم أهل المدينة واستماتهم في الدفاع عنها، يساعدهم في ذلك منعة أسوارها وموقعها١. أما أهم الأسباب المستجدة والتي أدت إلى فشل الحصار فهو محالفة المسلمين لأحد الروم البيزنطيين، وهو القائد العسكري "ليو الأيسوري" "الأرمني"، وكان طامعا في عرش بيزنطة، ففاوض "مسلمة بن عبد الملك" قائد الحملة على أن يعاونه فيما يريد، ويتركه يدخل "القسطنطينية"، حتى إذا نجح "ليو" في عزل الإمبراطور "ثيودوسيوس" الثالث، ونصب نفسه إمبراطورا، مهد للمسلمين دخول المدينة. وقد عاونه مسلمة وأجابه إلى طلبه، فلما تمكن "ليو" من الحكم نقض عهده المدينة، وانقلب عليهم، وانضم إلى إخوانه البيزنطيين، واجتهد في تحصين البلد، ونجح في صد الحملة الإسلامية عن أسوارها المنيعة٢. وهذا يؤكد أن معاهدة المسلمين لأطراف غير إسلامية بغرض التناصر ضد طرف غير إسلامي إنما هو سلاح ذو حدين، وأن عواقب استخدامه بغير حرص وخيمة وحاسمة. وبالرغم من أن المسلمين قد لاقوا في هذا الحصار صعوبات كثيرة، وقدموا تضحيات هائلة، وقتل منهم عدد كبير، وحطمت الريح العاتية عددا من السفن، وسببت خللا في الأسطول، وانتهز البيزنطيون هذه الفرصة وسلطوا نيرانهم اليونانية

стр. 37

على السفن الإسلامية وأحرقوا عددا كبيرا منها -بالرغم من ذلك كله فإن المسلمين استمروا في إحكام الحصار إلى أن توفى سليمان بن عبد الملك "في ١٠ من صفر سلنة ٩٩هـ"، وحل الشتاء ببرده وثلجه، فهلك عدد كبير من العسكر من شدة البرد، ونفقت معظم الخيول والدواب، وعدم الأقوات، وحل الضيق بمعسكر المسلمين حتى أكل الجند الدواب والجلود وأصول الشجر والورق، وكل شيء غير التراب، وظل الأمر كذلك إلى أن كتب الخليفة الجديد عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى مسلمة -وهو بأرض الروم- يأمره بالعودة بمن معه من المسلمين، ووجه إليه خيلا وطعاما كثيرا، وحث الناس على معونتهم١. لقد كانت هذه الحملة الثالثة على "القسطنطينية" أعظم وأضخم الحملات التي استطاعت قوى الإسلام أن تجردها لهزيمة القوى البيزنطية، وكانت أعظم مجهود استطاع أن يبذله المسلمون لحمل لواء الإسلام إلى أمم الغرب غير الإسلامي، ثم إن الظروف لم تكن -ولن تكن أبدا مواتية- لتحقيق هذه الهدف إلا بعد سبعة قرون عندما سينجح الأتراك "المسلمون" العثمانيون في فتح "القسطنطينية" "٨٥٧هـ/ ١٤٥٣م". ولقد حاول إخفاق المسلمين -زمن بني أمية- في فتح "القسطنطينية" من انتشار الإسلام في أوروبا، ولو قدر للمسلمين النجاح في ذلك الوقت لتغير مصير أوروبا بعد هذا الوقت وإلى الآن، ولنشأت فيها أمم غير الأمم، ودين غير دين المسيحية، أي لو قدر ونجحت تلك الحملة الثالثة في الاستيلاء على "القسطنطينية" لكانت الدولة الأموية قد نقلت النظام الدولي من نظام ثنائي الأقطاب إلى نظام عالمي أحادي الأقطاب، يتسيده المسلمون، وتدخل فيه أوروبا ضمن ديار الإسلامن ويتغير مسار التاريخ٢. وختاما نقول: لم تكن تلك الغزوة إلا جولة من جولات عديدة تعاورها الظفر والفشل، ولم تتوقف حركة الجهاد بعدها، وظل الفتح مستمرا على جميع الجبهات في الشرق والغرب، وظل الجهاد مع البيزنطيين قائما وإن لم يحدث غزو لـ "القسطنطينية" مرة أخرى في الفترة المتبقية من عصر بني أمية.

стр. 38

ثالثا: فتوح المغرب والأندلس وبلاد غالة "جنوب فرنسا " طبيعة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب: وقبل المضي قدما في الحديث عن المراحل التي مر بها الفتح الإسلامي لبلاد المغرب نود أن نسجل ملاحظة على قدر كبير من الأهمية تتعلق بطبيعة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، وهي أن الجبهة المغربية كانت من أعنف جبهات القتال وأصعبها في مسلسل حركة الفتوحات العربية الإسلامية. فقد استغرقت عمليات الفتح في بلاد المغرب حوالي سبين سنة متوالية "٢١-٩٠هـ/ ٦٤٢-٧٠٨م". لقي فيها المسلمون من الجهد والخسائر ما لم يلقوا مثله في فتح إقليم آخر. وهذه الفترة الزمنية تعد فترة طويلة إذا ما قورنت بالمدة القصيرة التي تم فيها فتح بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد فارس، والتي لم تزد عن عشر سنوات فقط على الرغم من اتساع هذه البلاد وكثرة مدنها وسكانها، ووقوع معارك قاسية وكبيرة واجهها المسلمون هنا، مثل "نهاوند" و"القادسية" و"اليرموك" وغيرها١. فما هي الأسباب؟ يمكن تلخيص الأسباب في النقاط التالية: ١- طبيعة بلاد المغرب الجبلية، ووعورة مسالكها، وشدة مراس أهلها "من البربر" في القتال، وصمودهم في المقاومة في بداية الأمر قبل معرفتهم بأهداف الفتح الإسلامي. وقد كان لغلبة الطبيعة الجبلية الوعرة، وبعد المسافات بين المراكز العمرانية المختلفة، وصعوبة الاتصال فيما بينهما أثر عميق في حياة السكان، حيث طبعتهم بطابع الخشونة والشجاعة، وأكسبتهم حدة المقاومة، والصبر على القتال والمواجهة، فتميزوا عن العرب، وأوقعوا الهزيمة بهم في أكثر من معركة، بل وصرعوا بعض قادتهم، مثل عقبة بن نافع، وأبي المهاجر دينار "سنة ٦٤هـ". وقد كان سكان المغرب من الكثرة والتنوع بحيث لم يكن من الميسور إخضاعهم في مدة يسيرة؛ لأنهم -وكما يقول "حسان بن النعمان" أحد قادة الفتح "وكان واليا

стр. 39

على المغرب من سنة ٧٨هـ": "أمم ليس لها غاية، ولا يقف أحد منها على نهاية، كلما بادت أمة خلفتها أمم، وهم من الحفل والكثرة كسائمة النعم"١. ولم يتمكن المسلمون من السيطرة على المغرب تماما إلا بعد أن ابتعدوا عن سياسة المواجهة العسكرية العنيفة، وعملوا على اكتساب البربر عن طريق نشر الإسلام بينهم، وإدخالهم في الجيوش العربية كجنود محاربين، وإشراكهم في تسيير الإدارة الجديدة، وإدماجهم مع إخوانهم العرب المسلمين في ديوان الجند دون تمييز. ٢- ما طرأ على المسلمين من مشكلات وفتن شغلتهم عن مواصلة الفتح، أو حالت بينهم وبين أن يتعهدوه بما ينبغي من العناية والاهتمام. وأهم هذه المشكلات الفتنة الكبرى التي صدعت الجبهة الداخلية، وانتهت بمقتل الخليفة الشهيد عثمان بن عفان ﵁ "سنة ٣٥هـ". ثم هناك الخلاف بين علي بن أبي طالب، وبين طلحة بن عبيد الله، والزبير وعائشة ﵃ جميعا- والذي انتهى بموقعة الجمل "٣٥هـ". ثم هناك الصدام الذي نشأ بين علي بن أبي طالب وبين معاوية ﵄، وطبع بصماته على كل شبر من الدولة الإسلامية. ثم ما صادف معاوية بعد ذلك من عقبات كان لا بد من مواجهتها قبل تأمين الخلافة، وما قابله خلفاؤه -من بعده حتى عهد عبد الملك بن مروان "٦٥-٨٦هـ" من مشاكل المطالبين بالخلافة، مثل الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، والخوارج. كل ذلك له أثره الواضح في انصراف الحكومة المركزية عن متابعة وتنظيم الفتح الإسلامي للمغرب، مما كان سببا في إطالة مدة الفتح على هذه الصورة٢. ٣- عدم وجود قواعد ثابتة للفتح في "إفريقية -المغرب". ولقد كان الفتح الإسلامي للمنطقة -وحتى تأسيس مدينة القيروان "سنة ٥٠-٥٥هـ"- مجرد محاولات استكشافية، أو حملات يمكن أن ندرجها تحت ما نعبر عنه بـ "جس النبض" دون أن تهدف إلى الاستقرار في المنطقة. وربما لم يكن المسلمون قد كونوا فكرة واضحة عن أبعاد هذه البلاد وسكانها. وكانوا يعودودن -بعد كل عملية حربية- إلى "الفسطاط" القاعدة الحربية في مصر -دون ترك قوات كافية للحفاظ

стр. 40

على ما أمكن الاستيلاء عليه من أراض أو مدن، مما كان يعطي الفرصة للروم والبربر -وبمجرد أن تنتهي المعارك، ويعود المسلمون من حيث أتوا- أن يستعدوا ما سبق لهم أن فقدوه، ولم تتحول سياسات الفتوحات الإسلامية في المغرب إلا بعد التفكير في اتخاذ قاعدة ثابتة للمسلمين في المنطقة وبناء مدينة "القيروان"١. وليس من شك في أن بناء المدن الإسلامية في الأمصار المفتوحة -مثل "البصرة" و"الكوفة" في العراق، و"الفسطاط" في مصر، ... إلخ- قد لعب دوره الحاسم، ليس في تثبيت أقدام المسلمين في هذه المناطق، وإنما -أيضا- في نشر الإسلام والعروبة، وإخراج أهل هذه المناطق من بقايا جاهليتها إلى عصر جديد في رحاب الأمة الإسلامية. ٤- ولقد كان لاختلاف وجهات النظر بين قادة الفتح الإسلامي للمغرب -نتيجة اتساع البلاد وكثرة مشاكلها، أثر في إطالة مدة الفتح. وحيث أنه لم تكن هناك فكرة واضحة ومعرفة سابقة بأبعاد الميدان المغربي وسكانه "على عكس الحال في المناطق القريبة من الجزيرة العربية، مثل العراق والشام" فإنه لم يكن هناك خطة ثابتة ومحددة تسير عليها الفتوحات في هذا الميدان، ولعب الاجتهاد دوره الرئيسي في توجيه العمليات الحربية. فقد رأى بعض القادة أن القتال وحده هو الحل الأمثل. ورأى بعضهم ضرورة إقامة معسكرات وقواعد ثابتة للمسلمين. ولجأ آخرون إلى سياسة إقامة علاقات مع البربر. ومن ثم كان تباين وجهات النظر أحد عوامل تغيير لسياسة الحربية في المنطقة، وما يترتب على ذلك من تغيير في الوسائل وخطوات لتنفيذ٢. ٥- رغبة بعض ولاة مصر في أن تكون لهم اليد الطولى والسيطرة على هذه لبلاد، والتصرف في مالها وغنائمها. وكان لذلك أثره في تعطيل الفتح، ومنع لفاتحين من إنفاذ برامجهم الجهادية، وإدراك الغايات التي سعوا إليها بعد أن بذلوا لجهد العظيم لإدراكها. ولا أدل على ذلك من موقف مسلمة بن مخلد الأنصاري الوالي على مصر في زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان" من عقبة بن نافع أحد كبار
следующие страницы →