← История

История · id 9990

موجز عن الفتوحات الإسلامية

طه عبد المقصود عبد الحميد أبو عبية

Полный текст (102 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فلما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة أخذ يجهز الجيوش للسير إلى "القسطنطينية" وخرجت الحملة بالفعل بقيادة مسلمة بن عبد الملك في أسطول كبير يقدر عدده ثمانية عشر ألف سفينة -وقيل: ألف وثمانمائة سفينة- ومعه مائة وعشرون ألف مقاتل، وتوجه نحو المدينة العتيقة "سنة ٩٨هـ/ ٧١٦م" ليبدأ الحصار الثالث. ولقد انتهى هذا الحصار -الذي استمر عامين- بالفشل في اقتحام "القسطنطينية" كما حدث في الحصار السابق له. ويرجع فشل هذا الحصار الثالث إلى العديد من الأسباب، بعضها كان عاملا هاما في فشل حصار السبع سنوات السابق، وبعضها ظهر جديدا في الحصار الأخير. فمن الأسباب المتكرره: قسوة الظروف الطبيعية "المناخ"، ومهارة المقاتلين البيزنطيين في استخدام "النار الإغريقية"، وعزم أهل المدينة واستماتهم في الدفاع عنها، يساعدهم في ذلك منعة أسوارها وموقعها١. أما أهم الأسباب المستجدة والتي أدت إلى فشل الحصار فهو محالفة المسلمين لأحد الروم البيزنطيين، وهو القائد العسكري "ليو الأيسوري" "الأرمني"، وكان طامعا في عرش بيزنطة، ففاوض "مسلمة بن عبد الملك" قائد الحملة على أن يعاونه فيما يريد، ويتركه يدخل "القسطنطينية"، حتى إذا نجح "ليو" في عزل الإمبراطور "ثيودوسيوس" الثالث، ونصب نفسه إمبراطورا، مهد للمسلمين دخول المدينة. وقد عاونه مسلمة وأجابه إلى طلبه، فلما تمكن "ليو" من الحكم نقض عهده المدينة، وانقلب عليهم، وانضم إلى إخوانه البيزنطيين، واجتهد في تحصين البلد، ونجح في صد الحملة الإسلامية عن أسوارها المنيعة٢. وهذا يؤكد أن معاهدة المسلمين لأطراف غير إسلامية بغرض التناصر ضد طرف غير إسلامي إنما هو سلاح ذو حدين، وأن عواقب استخدامه بغير حرص وخيمة وحاسمة. وبالرغم من أن المسلمين قد لاقوا في هذا الحصار صعوبات كثيرة، وقدموا تضحيات هائلة، وقتل منهم عدد كبير، وحطمت الريح العاتية عددا من السفن، وسببت خللا في الأسطول، وانتهز البيزنطيون هذه الفرصة وسلطوا نيرانهم اليونانية

стр. 37

على السفن الإسلامية وأحرقوا عددا كبيرا منها -بالرغم من ذلك كله فإن المسلمين استمروا في إحكام الحصار إلى أن توفى سليمان بن عبد الملك "في ١٠ من صفر سلنة ٩٩هـ"، وحل الشتاء ببرده وثلجه، فهلك عدد كبير من العسكر من شدة البرد، ونفقت معظم الخيول والدواب، وعدم الأقوات، وحل الضيق بمعسكر المسلمين حتى أكل الجند الدواب والجلود وأصول الشجر والورق، وكل شيء غير التراب، وظل الأمر كذلك إلى أن كتب الخليفة الجديد عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى مسلمة -وهو بأرض الروم- يأمره بالعودة بمن معه من المسلمين، ووجه إليه خيلا وطعاما كثيرا، وحث الناس على معونتهم١. لقد كانت هذه الحملة الثالثة على "القسطنطينية" أعظم وأضخم الحملات التي استطاعت قوى الإسلام أن تجردها لهزيمة القوى البيزنطية، وكانت أعظم مجهود استطاع أن يبذله المسلمون لحمل لواء الإسلام إلى أمم الغرب غير الإسلامي، ثم إن الظروف لم تكن -ولن تكن أبدا مواتية- لتحقيق هذه الهدف إلا بعد سبعة قرون عندما سينجح الأتراك "المسلمون" العثمانيون في فتح "القسطنطينية" "٨٥٧هـ/ ١٤٥٣م". ولقد حاول إخفاق المسلمين -زمن بني أمية- في فتح "القسطنطينية" من انتشار الإسلام في أوروبا، ولو قدر للمسلمين النجاح في ذلك الوقت لتغير مصير أوروبا بعد هذا الوقت وإلى الآن، ولنشأت فيها أمم غير الأمم، ودين غير دين المسيحية، أي لو قدر ونجحت تلك الحملة الثالثة في الاستيلاء على "القسطنطينية" لكانت الدولة الأموية قد نقلت النظام الدولي من نظام ثنائي الأقطاب إلى نظام عالمي أحادي الأقطاب، يتسيده المسلمون، وتدخل فيه أوروبا ضمن ديار الإسلامن ويتغير مسار التاريخ٢. وختاما نقول: لم تكن تلك الغزوة إلا جولة من جولات عديدة تعاورها الظفر والفشل، ولم تتوقف حركة الجهاد بعدها، وظل الفتح مستمرا على جميع الجبهات في الشرق والغرب، وظل الجهاد مع البيزنطيين قائما وإن لم يحدث غزو لـ "القسطنطينية" مرة أخرى في الفترة المتبقية من عصر بني أمية.

стр. 38

ثالثا: فتوح المغرب والأندلس وبلاد غالة "جنوب فرنسا " طبيعة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب: وقبل المضي قدما في الحديث عن المراحل التي مر بها الفتح الإسلامي لبلاد المغرب نود أن نسجل ملاحظة على قدر كبير من الأهمية تتعلق بطبيعة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، وهي أن الجبهة المغربية كانت من أعنف جبهات القتال وأصعبها في مسلسل حركة الفتوحات العربية الإسلامية. فقد استغرقت عمليات الفتح في بلاد المغرب حوالي سبين سنة متوالية "٢١-٩٠هـ/ ٦٤٢-٧٠٨م". لقي فيها المسلمون من الجهد والخسائر ما لم يلقوا مثله في فتح إقليم آخر. وهذه الفترة الزمنية تعد فترة طويلة إذا ما قورنت بالمدة القصيرة التي تم فيها فتح بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد فارس، والتي لم تزد عن عشر سنوات فقط على الرغم من اتساع هذه البلاد وكثرة مدنها وسكانها، ووقوع معارك قاسية وكبيرة واجهها المسلمون هنا، مثل "نهاوند" و"القادسية" و"اليرموك" وغيرها١. فما هي الأسباب؟ يمكن تلخيص الأسباب في النقاط التالية: ١- طبيعة بلاد المغرب الجبلية، ووعورة مسالكها، وشدة مراس أهلها "من البربر" في القتال، وصمودهم في المقاومة في بداية الأمر قبل معرفتهم بأهداف الفتح الإسلامي. وقد كان لغلبة الطبيعة الجبلية الوعرة، وبعد المسافات بين المراكز العمرانية المختلفة، وصعوبة الاتصال فيما بينهما أثر عميق في حياة السكان، حيث طبعتهم بطابع الخشونة والشجاعة، وأكسبتهم حدة المقاومة، والصبر على القتال والمواجهة، فتميزوا عن العرب، وأوقعوا الهزيمة بهم في أكثر من معركة، بل وصرعوا بعض قادتهم، مثل عقبة بن نافع، وأبي المهاجر دينار "سنة ٦٤هـ". وقد كان سكان المغرب من الكثرة والتنوع بحيث لم يكن من الميسور إخضاعهم في مدة يسيرة؛ لأنهم -وكما يقول "حسان بن النعمان" أحد قادة الفتح "وكان واليا

стр. 39

على المغرب من سنة ٧٨هـ": "أمم ليس لها غاية، ولا يقف أحد منها على نهاية، كلما بادت أمة خلفتها أمم، وهم من الحفل والكثرة كسائمة النعم"١. ولم يتمكن المسلمون من السيطرة على المغرب تماما إلا بعد أن ابتعدوا عن سياسة المواجهة العسكرية العنيفة، وعملوا على اكتساب البربر عن طريق نشر الإسلام بينهم، وإدخالهم في الجيوش العربية كجنود محاربين، وإشراكهم في تسيير الإدارة الجديدة، وإدماجهم مع إخوانهم العرب المسلمين في ديوان الجند دون تمييز. ٢- ما طرأ على المسلمين من مشكلات وفتن شغلتهم عن مواصلة الفتح، أو حالت بينهم وبين أن يتعهدوه بما ينبغي من العناية والاهتمام. وأهم هذه المشكلات الفتنة الكبرى التي صدعت الجبهة الداخلية، وانتهت بمقتل الخليفة الشهيد عثمان بن عفان ﵁ "سنة ٣٥هـ". ثم هناك الخلاف بين علي بن أبي طالب، وبين طلحة بن عبيد الله، والزبير وعائشة ﵃ جميعا- والذي انتهى بموقعة الجمل "٣٥هـ". ثم هناك الصدام الذي نشأ بين علي بن أبي طالب وبين معاوية ﵄، وطبع بصماته على كل شبر من الدولة الإسلامية. ثم ما صادف معاوية بعد ذلك من عقبات كان لا بد من مواجهتها قبل تأمين الخلافة، وما قابله خلفاؤه -من بعده حتى عهد عبد الملك بن مروان "٦٥-٨٦هـ" من مشاكل المطالبين بالخلافة، مثل الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، والخوارج. كل ذلك له أثره الواضح في انصراف الحكومة المركزية عن متابعة وتنظيم الفتح الإسلامي للمغرب، مما كان سببا في إطالة مدة الفتح على هذه الصورة٢. ٣- عدم وجود قواعد ثابتة للفتح في "إفريقية -المغرب". ولقد كان الفتح الإسلامي للمنطقة -وحتى تأسيس مدينة القيروان "سنة ٥٠-٥٥هـ"- مجرد محاولات استكشافية، أو حملات يمكن أن ندرجها تحت ما نعبر عنه بـ "جس النبض" دون أن تهدف إلى الاستقرار في المنطقة. وربما لم يكن المسلمون قد كونوا فكرة واضحة عن أبعاد هذه البلاد وسكانها. وكانوا يعودودن -بعد كل عملية حربية- إلى "الفسطاط" القاعدة الحربية في مصر -دون ترك قوات كافية للحفاظ

стр. 40

على ما أمكن الاستيلاء عليه من أراض أو مدن، مما كان يعطي الفرصة للروم والبربر -وبمجرد أن تنتهي المعارك، ويعود المسلمون من حيث أتوا- أن يستعدوا ما سبق لهم أن فقدوه، ولم تتحول سياسات الفتوحات الإسلامية في المغرب إلا بعد التفكير في اتخاذ قاعدة ثابتة للمسلمين في المنطقة وبناء مدينة "القيروان"١. وليس من شك في أن بناء المدن الإسلامية في الأمصار المفتوحة -مثل "البصرة" و"الكوفة" في العراق، و"الفسطاط" في مصر، ... إلخ- قد لعب دوره الحاسم، ليس في تثبيت أقدام المسلمين في هذه المناطق، وإنما -أيضا- في نشر الإسلام والعروبة، وإخراج أهل هذه المناطق من بقايا جاهليتها إلى عصر جديد في رحاب الأمة الإسلامية. ٤- ولقد كان لاختلاف وجهات النظر بين قادة الفتح الإسلامي للمغرب -نتيجة اتساع البلاد وكثرة مشاكلها، أثر في إطالة مدة الفتح. وحيث أنه لم تكن هناك فكرة واضحة ومعرفة سابقة بأبعاد الميدان المغربي وسكانه "على عكس الحال في المناطق القريبة من الجزيرة العربية، مثل العراق والشام" فإنه لم يكن هناك خطة ثابتة ومحددة تسير عليها الفتوحات في هذا الميدان، ولعب الاجتهاد دوره الرئيسي في توجيه العمليات الحربية. فقد رأى بعض القادة أن القتال وحده هو الحل الأمثل. ورأى بعضهم ضرورة إقامة معسكرات وقواعد ثابتة للمسلمين. ولجأ آخرون إلى سياسة إقامة علاقات مع البربر. ومن ثم كان تباين وجهات النظر أحد عوامل تغيير لسياسة الحربية في المنطقة، وما يترتب على ذلك من تغيير في الوسائل وخطوات لتنفيذ٢. ٥- رغبة بعض ولاة مصر في أن تكون لهم اليد الطولى والسيطرة على هذه لبلاد، والتصرف في مالها وغنائمها. وكان لذلك أثره في تعطيل الفتح، ومنع لفاتحين من إنفاذ برامجهم الجهادية، وإدراك الغايات التي سعوا إليها بعد أن بذلوا لجهد العظيم لإدراكها. ولا أدل على ذلك من موقف مسلمة بن مخلد الأنصاري الوالي على مصر في زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان" من عقبة بن نافع أحد كبار

стр. 41

ساقطة بالأصل

стр. 42

الجانب الآخر في المعركة التالية، وذلك حتى "عام ٨٦هـ/ ٧٠٧م" تقريبا، وهو نهاية ولاية القائد المجاهد حسان بن النعمان، والذي نجح في إخضاع "إفريقية" "المغرب الأدنى". ثم جاء من بعده موسى بن نصير، وقام بمهمة استكمال الفتح، وإخضاع الشمال الإفريقية كله للمسلمين.

стр. 43

مراحل الفتح الإسلامي للمغرب المرحلة الأولى: مرحلة الاستكشاف والاستطلاع "٢٢-٥٠هـ/ ٦٤٣-٦٧٠م " أولًا: عمرو بن العاص وأولى المحاولات "فتح برقة- ودان- فزان- طرابلس " ... مراحل الفتح الإسلامي للمغرب: لهذه الأسباب -وغيرها- مجتمعة كان فتح المسلمين للمغرب فتحا مميزا عن باقي الأقاليم المفتوحة، وكانت الجبهة المغربية من أعنف جبهات القتال وأطولها في حركات الفتوحات العربية الإسلامية. ونتيجة لطول مدة الفتح الإسلامي لمنطقة المغرب فإن المؤرخين يميلون إلى تقسيم هذه الفتوحات إلى عدة مراحل، من أجل تسهيل دراستها واستيعابها؛ فهناك من يقسمها إلى مراحل عدة، قد تصل إلى ثماني مراحل، أو سبع، بحسب القادة الذين تولوا الجهاد هناك. ومنهم من يقسم الفتح إلى ثلاث مراحل رئيسية أو مرحلتين رئيسيتين؛ أولاهما: قبل تأسيس القيروان "سنة ٥٠هـ". والأخرى تالية لها. وليس هناك تعارض بين هذه التقسيمات؛ لأن الذين يفضلون تقسيم الفتح إلى مرحلتين رئيسيتين أو ثلاثة كانوا يقسمون كل مرحلة إلى تقسيمات داخلية. وسنتبع التقسيم الثلاثي في عرضنا التالي -المختصر- لفتوح المغرب. المرحلة الأولى: مرحلة الاستكشاف والاستطلاع "٢٢-٥٠هـ/ ٦٤٣-٦٧٠م" وقد امتدت هذه المرحلة من سنة "٢٢هـ/ ٦٤٢م" إلى منتصف القرن الأول الهجري. وقادة هذه المرحلة هم: عمرو بن العاص "ت٤٤هـ/ ٦٦٤م"، وعبد الله ابن سعيد بن أبي سرح "ت ٣٧هـ/ ٦٥٧م". ومعاوية بن حديج الكندي "ت٥٢هـ/ ٦٢٧م"، وعقبة بن نافع الفهري "الحملة الأولى" ﵃ أجمعين. أولا: عمرو بن العاص وأولى المحاولات "فتح برقة -وادن- فزان -طرابلس" ما كاد عمرو بن العاص ﵁ ينهي فتح الإسكندرية ويستقر فيها حتى بدأ

стр. 44

يفكر في تأمين حدود مصر الغربية، فواصل السير إلى أن وصل "برقة"، وذلك في أواخر "سنة ٢١هـ/ ٦٤٢م"، فصالح أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها جزية١ في كل عام "دينار على كل حالم"٢. وقد كانت "برقة" تابعة لمصر من أيام الاحتلال الروماني والبيزنطي، ولذا أقدم عمرو بن العاص على فتحها؛ لأنه يعتبرها مصرية. وبهذا يمكن إخراج فتح "برقة" من فتوح "إفريقية"، واعتبار فتحها إتماا لفتح مصر، ووقوفا عند حدها الغربي٣. ولم يكن هدف عمرو بن العاص قاصرا على تأمين حدود مصر الغربية والقضاء على قوة البيزنطيين في ذلك الجانب فحسب، وإنما كانت تحثه دوافع الجهاد الإسلامي من أجل مواصلة نشر الإسلام. فبعد أن انتهى من فتح "برقة" بدأ في الاستعداد لفتح "طرابلس"، ولكن كان لا بد أن يؤمن خط العودة، خشية أن يؤتى من قبل السكان المقيمين في الواحات الداخلية، ومن هناك أدرك ضرورة تقسيم جيشه إلى فرقتين: إحداهما بقيادة تتجه إلى "طرابلس"، والثانية بقيادة عقبة بن نافع الفهري -وكان يومئذ قائدا صغيرا في جيش عمرو- لتتجه إلى المناطق الداخلية٤. أما عقبة فلم يجد مقاوم تذكر حتى وصل إلى "زويلة"٥، وفتحها بالصلح على ثلاث عشرة ألف دينار٦، وأقام في هذه النواحي الصحراوية المنعزلة نحو عشرين سنة يدعو إلى الإسلام٧، ويضرب لأهلها المثل الجميل للمسلمين الصادق المتفاني في دينه، واستطاع أن يكسب إلى جانبه قلوب الكثير من أهلها، ومعظمهم من قبائل "نفوسة" و"لواتة" و"نفزاوة"، وهم من البربر "البتر"٨.

стр. 45

وأما عمرو بن العاص فقد واصل المسير بحذاء الساحل، قاصدا "طرابلس" -وكانت هي الأخرى تابعة لمصر من الناحية الإدارية- فوصل إليها "سنة ٢٢هـ/ ٦٤٣م"، "وحاصرها شهرا لا يقدر منهم على شيء"، كما يقول ابن عبد الحكم١ وقد كان لطرابلس أسوارها التي تحيط بها إلا من جهة البحر، وكان حصار عمرو لها من ناحية البر فقط، ولم يؤثر هذا في المدينة أثرا ذا بال لخلو جهة البحر من الحصار ولم يتمكن المسلمون من فتحها إلا بعد أن نجحت إحدى سرايا الاستطلاع من التسلل إلى داخلها من الجهة المطلة على البحر، وتم تحقيق مفاجأة عسكرية جيدة ضد البيزنطيين الذين لم يجدوا فرصة لتنظيم المقاومة، بل هرب من استطاع منهم إلى سفنهم، تاركين وراءهم مغانم كثيرة٢. وبمجرد استيلاء عمرو بن العاص على طرابلس سير قوة كبيرة من فرسانه، وأمرهم بالإسراع نحو مدينة "سبرت" "Sabrata"، وهي آخر مدن الإقليم الساحلية الهامة في اتجاه الحدود التونسية. ويصف ابن عبد الحكم فتح هذه المدينة بقوله: "وكان من بـ "سبرت" متحصنين ... فلما بلغهم محاصرة عمرو مدينة طرابلس، وأنه لم يصنع فيهم شيئا، ولا طاقة له بهم أمنوا، فلما ظفر عمرو بن العاص بمدينة طرابلس جرد خيلا كثيفة من ليلته، وأمرهم بسرعة السير، فصبحت خيله مدينة "سبرت"، وقد غفلوا وقد فتحوا أبوابهم لتسرح ماشيتهم، فدخلوها "أي المسلمون"، فلم ينج منهم أحد "أي من أهلها"، واحتوى عمرو على ما فيها"٣. وفي أثناء حصار عمرو بن العاص لمدينة طرابلس أرسل قائده "بسر بن أرطأة" إلى ميدنة "ودان" في قلب إقليم "فزان"، وتقع جنوب طرابلس على بعد "٨٠٠ كم" في الصحراء، فافتتحها "سنة ٢٣هـ/ ٦٤٣م"٤ "راجع الخريطة.

стр. 46

التفكير في فتح "إفريقية" في آخر خلافة عمر بن الخطاب: بهذا يكون عمرو بن العاص قد نجح في تأمين الحدود الغربية لمصر الإسلامية، وفتح البلاد الليبية الحالية دون عقبات كبيرة. وبعد أن تم له ذلك أخذ يستعد لفتح "إفريقية" "البلاد التونسية"، ولكنه قبل أن يفعل رأى استئذان الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، وكتب إليه يقول: "إن الله فتح علينا إطرابلس، وليس بينها وبين إفريقية إلا تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها، ويفتحها الله على يديه فعل". فرد الخليفة -رافضا فكرة الغزو- فقال: "لا، إنها ليست بإفريقية، ولكنها المفرقة، غادرة، مغدور بها، لا يغزوها أحد ما بقيت"١. والسؤال: لماذا لم يسمح عمر بن الخطاب ﵁ لقائده عمرو بن العاص ﵁ بمواصلة الجهاد في هذه المنطقة، وهو الذي دفع بالمسلمين إلى الجهاد في ميادين شتى، وتم على يديه انهيار أكبر امبراطوريتين هما فارس والروم؟ لقد فسر الباحثون هذا الرفض بعدة تفسيرات، يمكن دمجها في سببين اثنين: الأول: ما تعبر عنه مقالة عمر المذكورة؛ من أنه كان على علم بمجريات الأمور في "إفريقية"، وأنها ليست مأمونة الجوانب، ولا ميسورة الفتح، ولا قريبة الطاعة، وكان محيطا بثورات أهلها ونكثهم بالعهود، ومن هنا خشي على جيوش المسلمين من أن تنساب وتتبعثر في هذه المناطق الشاسعة، وهي لم تزل بعد في حاجة إلى توطيد نفوذها وسلطانها في البلاد التي تم فتحها٢. وهذا الموقف متسق مع إحساس الخليفة بالمسئولية، ومتفق ومجريات الأحداث؛ فما زالت مصر حديثة عهد بالفتح، وخط الإمدادات سيطول، وربما تعرض في فترة أو أخرى لخطر القطع أو التأخر٣.

стр. 47

الثاني: كانت أحوال مصر الداخلية تتطلب عودة عمرو بن العاص سريعا، إذ أتاه كتاب ذكر فيه: "أن الروم يريدون نكث العهد، ونقض ما كان بينهم وبينه ... فانصرف عمرو راجعا مبادرا لما أتاه"١. واكتفى بإرسال البعوث الخفيفة السريعة للتذكير بين حين وحين بقوة المسلمين٢. أثبتت الأحداث -إذن- أن الوقت لم يحن بعد لمواصلة الجهاد نحو إفريقية. وإلى هنا ينتهي دور عمرو بن العاص ﵁ في فتوح المغرب، وهو دور ليس بالكبير، فليس فيه مواقع عظيمة، إنما هو تقدم سهل في مناطق قليلة المقاومة. وقد حرص دائما على أن يكون بمقربة من الساحل لا موغلا في الداخل كما سيفعل كثيرون ممن سيأتون بعده من قادة الفتح، وقد اهتم كذلك بأن يؤمن له أمر الساحل؛ فلم يكد يتم فتح "برقة" حتى بعث عقبة بن نافع إلى "فزان"، ولم يكد يتم له فتح "طرابلس" حتى أرسل بسر بن أرطأة إلى "ودان". وهذه السياسة الحكيمة -أي تأمين المناطق الداخلية في خطوط الفتح- سيهملها أكبر القواعد الذين أتوا بعده، وهو عقبة بن نافع، فكان إهمالها سببا في ضياع جهوده كلها هباء؛ بل في استشهاده هو، وانتقاض إفريقية كلها انتقاضا تاما٣.

стр. 48

ثانيا: فتح إفريقية وبعد عودة عمرو بن العاص ﵁ بقليل كان استشهاد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ في أواخر "سنة ٢٣هـ/ ٦٤٣م"، وتوقفت أعمال الفتح، إلا من عدة سرايا صغيرة كما ذكرنا. ولم يلبث الخليفة الجديدة عثمان بن عفان ﵁ أن عزل عمرو بن العاص عن إمارة مصر، وأسندها إلى أخيه في الرضاع "عبد الله بن سعد ابن أبي سرح" "سنة ٢٥هـ/ ٦٤٥-٦٤٦م"١.

стр. 49

١- عبد الله سعد بن أبي سرح وفتح إفريقية للمرة الأولى "٢٧-٢٩هـ": وقد واصل عبد الله بن سعد بن أبي سرح ﵁ -والي مصر الجديد- السياسة العسكرية التي انتهجها عمرو بن العاص بعد فتح طرابلس، فأخذ يرسل جماعات الخيالة في شكل سرايا، للإغارة على أطراف إفريقية. وكان من أغراض هذه السرايا الاستكشاف، ورصد المتغيرات على حدود مصر الغربية، ومراقبة القوى البيزنطية المعادية١. ونظرا للنجاح الذي حققه هذه الحملات الاستكشافية فكر ابن أبي سرح في القيام بحملة حقيقية لفتح "إفريقية". وبدأ باستشارة الخليفة عثمان، "وكتب إليه يخبره بقربهم "أي قرب الروم" من حز المسلمين ويستأذن في غزوها"٢. وكان عثمان ﵁ هو الآخر يخشى على المسلمين من التوغل في تلك المناطق البعيدة المترامية، إذ يشير البلاذري في "فتوح البلدان" إلى أنه كان "متوقفا في غزوها"٣ ثم إنه وافق على الغزو بعد أن استشار كبار الصحابة وأصحاب الرأي٤، وأخذ يدعو الناس إلى الجهاد، ويحثهم على التطوع، فتقاطروا من مختلف القبائل للاشتراك في هذه الغزوة، وأعان هو الجيش بألف بعير من ماله، يحمل عليها ضعفاء الناس -أي فقراؤهم- وفتح خزائن السلاح، وأمر للناس بأعطياتهم وأمدهم بالخيل، فلما اكتمل الجيش في الجرف "على مقربة من المدينة"، قام فيها خطيبا، ورغبهم في الجهاد، ثم قال لهم: "لقد عهدت إلى عبد الله بن سعد "بن أبي سرح" أن يحسن صحبتكم ويرفق بكم، وقد استعملت عليكم الحارب بن الحكم٥ إلى أن تقدموا على ابن أبي سرح، فيكون الأمر له"٦. وكان ذلك في المحرم من "سنة ٢٧هـ/ ٦٤٧-٦٤٨م".

стр. 50

وقد اندمج في هذه الحملة نفر غيل قليل من مشاهير الصحابة وأولادهم، وسمى هذا الجيش "جيش العبادلة" لاشتراك عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن زيد ابن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، وأخيه عبد الرحمن، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم١. وكانوا جميعا شبابا في السن الباكرة ﵃ أجمعين. ولما وصلت تلك القوات إلى عبد الله بن سعيد بن أبي سرح في مصر تولى القيادة عليها، وجمع إليها ما كان لديه من الجند، فصار له جيش عدته -باتفاق المؤرخين- عشرين ألفان فاستخلف على مصر الصحابي عقبة بن عامر الجهني، ومضى هو إلى إفريقية٢. معركة سبيطلة وانتصار المسلمين "٢٧-٢٨هـ/ ٦٤٧-٦٤٨م": كان حاكم المغرب "جريجوريوس" الأرمني "ويسميه العرب جرجير" قد انفصل عن الإمبراطورية البيزنطية، واستقل بحكم بلاد المغرب كلها "سنة ٦٤٦م" وكان سلطانه ما بين طرابلس إلى طنجة" كما يقول ابن عبد الحكم٣. ولما كان مقامه بقرطاجنة -وهي المدينة البحرية الهامة- يعرضه لخطر الأسطول البيزنطي الذي كانت له السيطرة حتى ذلك الوقت على البحر فإنه فضل أن يكون بأمن في الدخل، واختار المقام في "سبيطلة"، وهي مدينة كبير وحصينة، ولها أهمية خاصة في ذلك الوقت، باعتبارها واحدة من سلسلة المدن التي تكون خط الدفاع الثاني الذي أقامته بيزنطة للدفاع عن البلاد ضد ما يتوقعه الروم من هجمات البربر. وتقع على الطريق الذي يؤدي من السهل الساحلي "سهل تونس" إلى جبال الأوراس، وقريبة من المنطقة التي ستبنى فيها مدينة "القيروان" بينهما سبعون ميلا، وبينها وبين قرطاجنة مائة وخمسون ميلا٤ "راجع موقعها على الخريطة".

стр. 51

ويدل اختيارها قاعدة للملك -أيضا- على أن "جرجير" استشعر بخطر المسلمين بعد أخذهم "طرابلس" و"سبرت". ثم إنه كان يعول على نصر البربر وعونهم، فأحب أن يتحرر فيهم، ويستعين بهم، ففضل اللجوء إلى الداخل، والتحصن في "سيبطلة"١. وصل عبد الله بن سعد بن أبي سرح بجيشه -إلى برقةن فلقيه عندها عقبة بن نافع الفهري، فيمن كان معه من المسلمين، فانضم إليه. ثم تحرك إلى طرابلس -وكانت قد خرجت عن طاعة المسلمين بعد فتحها الأول -فوجد أهلها قد امتنعوا خلف أسوارها. فلبث على حصارها أياما، فخاف أن يطول الحصار وهو يريد الإسراع إلى "جرجير" في سبيطلة، فأمر الناس بالرحل كسبا للوقت، وكذلك فعل حين وصل إلى "قابس"، وجد أهلها متحصنين، فانصرف عنها، إذ أشار عليه الصحابة أن لا يشتغل بها عن هدفه الأساسي، وهو فتح إفريقية" والقضاء على التجمع البيزنطي في "سببيطلة"، فواصل المسير إلى أن حط رحاله في إقليم "قمونية" في سهل تونس -غير بعيد من سبيطلة- ريثما يستريح الجند، وليأخذوا في الاستعداد للمعركة الفاصلة. وفي هذه الأثناء أخذ ابن أبي سريح يرسل السرايا، تستكشف البلاد في كل الجهات، وتأتي بالمؤن والعلف٢. وقد كان باستطاعة "جريجوريوس" أن يقف للمسلمين عند "قابس" ويسد عليهم الطريق الضيق الذي يؤدي من "طرابلس" إلى "إفريقية" بين "قابس" و"شط الجريد"، وهو أشبه بعنق الزجاجة -كما يقول العسكريون- لكنه فضل الانتظار في سهل متسع يسمى "عقوبة"، على أميال من "سبيطلة". وأغلب الظن أن هذا الموضع لم يكن مجرد سهل، وإنما كان أحد الحصون الكثيرة التي كانت تحيط بسبيطلة٣. وعنده دار المعركة بين المسلمين والبيزنطيين.

стр. 52

وقبل أن يبدأ القتال دارت المفاوضات بين الطرفين، وعرض المسلمون شروطهم وهي: الإسلام، أو دفع الجزية والخضوع للمسلمين، أو القتال، فامتنع "جريجوريوس" من قبول أي من هذه الشروط، وفشلت المفاوضات، وفشل معها الحل السلمي، ولم يعد أمام الفريقين إلا القتال١. أما تفاصيل معركة "سبيطلة" فالحديث عنها يطول. ويمكن تلخيص مجريات الأحداث في أن هذه المعركة بدأت في حصن "عقوبة" بمناوشات متفرقة بين الجانبين، واستمرت الحرب سجالا دون طائل، وكان القتال يدور يوميا نهارا من الصباح إلى وقت الظهر، ثم ترجع كل طائفة إلى معسكرها، فلا يستأنفون القتال إلا في اليوم التالي. وحينما أوشك المسلمون أن ييئسوا من الانتصار، ودخلهم الخوف -لحصانة الموقع، وكثرة جند الروم التي قيل إنها بلغت مائة وعشرين "١٢٠" ألف رجل "قد رفعوا الصليب، وعليهم من السلاح ما الله أعلم به، وفيهم من الخيل ما لا يحصى" "كما يقول الرواة"- أقل مددة من المدينة بقيادة عبد الله بن الزبير، كان له أثر كبير في تحقيق النصر للمسلمين. ذلك أن ابن الزبير اكتشف أن طريقة القتال تلك لن تحقق نجاحا، فعرض على القائد عبد الله بن سعد بن أبي سرح خطة جديدة؛ قال: "إن أمرنا يطول مع هؤلاء، وهم في أمداد متصلة، وبلاد هي لهم، ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم، وقد رأيت أن تترك غدا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين، ونقاتل نحن الروم في باقي العسكر، إلى أن يضجروا ويملوا، فإذا رجعوا إلى خيامهم، ورجع المسلمون، ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال وهم مستريحون، ونقصدهم على غرة، ولعل الله ينصرنا عليهم". نجحت هذه الخطة، وثارت الكمائن بالروم، فانهزموا، وقتل منهم أعداد كبيرة، وقتل ملكهم "جريجوريوس" -قتله عبد الله بن الزبير- وأسرت ابنته. ثم ضرب ابن أبي سرح الحصار على مدينة سبيطلة" نفسها بعد أن منع المنهزمين من الاعتصام بها، فسقطت بسهولة، وأسفر الأمر عن فوز المسلمين بمغانم كثيرة، وثروة طائلة،

стр. 53

قسمت على المقاتلين -بعد إخراج الخمس- فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، وسهم الراجل ألف دينار١. وبعد معركة "سبيطلة" أقام عبد الله بن سعد بن أبي سرح معسكره في الأرض التي بنيت فيها مدينة "القيروان" فيما بعد. ومن هناك أخذ يوجه السرايا تضرب في أرجاء ولاية "إفريقية" وتجتاح البلاد بهمة كبيرة "حتى ذلت الروم، ورعبوا رعبا شديدا" كما يقول الرواة٢. ويقول ابن عبد الحكم: "فلما رأى ذلك رؤساء أهل إفريقية طلبوا إلى عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم مالا على أن يخرج من بلادهم، فقبل ذلك، ورجع إلى مصر، ولم يول عليهم أحد"٣ ويحدد ابن عذارى في روايته قدر هذا المال، وهو ثلاثمائة قنطار من الذهب٤ ويقدره البعض بألفي ألف وخمسمائة ألف دينار "٢.٥٠٠.٠٠٠"٥ وكان من بين شروط الصلح أيضا "أن ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم، وما أصابوه بعد الصلح ردوه عليهم"٦. رجع ابن أبي سرح إلى مصر في أوائل "سنة ٢٩هـ/ ٦٤٩م" بعد خمسة عشر شهرا قضاها في هذه الغزوة. دون أن يتخذ أي إجراء يكفل الاحتفاظ بنتائج هذا النصر الكبير، وبدلا من أن يسير نحو "قرطاجنة" القاعدة الكبرى للروم ويستولى عليها، ويقرر بذلك نهاية ولاية "إفريقية" البيزنطية -كما فعل عمرو بن العاص عندما أتم فتح مصر باستيلائه على الإسكندرية- نجده يكتفي بالغنائم الوفيرة، ويقبل بشروط الصلح ويعجل بالعودة، "فكان على من أتى بعده -كما يقول د. حسين مؤنس- أن يبدأ من جديد؛ لأن انسحابه عفى على معظم النتائج التي كان المسلمون قد وصلوا إليها في البلاد"٧.

стр. 54

وإذا كان لهذا الانتصار العظيم الذي حققه المسلمون عند سبيطلة في أوائل "سنة ٢٨هـ/ ٦٤٨م" من نتيجة فهي أنه "كسر سلطان البيزنطيين كسرة لن يعود بعدها إلى ما كان عليه في البلاد قبل الفتح الإسلامي. وسيحاول البيزنطيون العودة إلى البلاد والاتحاد مع البربر ومغالبة العرب، ولكن كل محاولاتهم لن تزيد عن أن تكون محاولات قليلة الخطر، عديمة النتائج١. ٢- حملة معاوية بن حديج السكوني "٤٥/ ٦٦٦م": عزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن قيادة جيش الفتح في إفريقيةن لكنه بقي واليا على مصر، واستمر نشاطه الحربي -وخاصة ضد الروم- إلى نهاية ولايته عليها "سنة ٣٦هـ/ ٦٥٦م"٢. وبمقتل الخليفة عثمان ﵁ في أواخر "سنة ٣٥هـ/ ٦٥٦م" اختلفت كلمة المسلمين، وانفتحت أبواب الفتنة على مصراعيها. وكان لا بد أن تؤثر هذه الأحداث التي استمرت خمس سنوات "٣٥-٤٠هـ" على حركة الفتوح في "إفريقية" وغيرها فبسببها تعطلت حركة الجهاد، وكان باستطاعة الروم أن يستعيدوا "إفريقية" خلال تلك الفترة التي انشغل فيها المسلمون بخلافاتهم، ولكنهم لم يستطيعوا ذلك بصورة فعالة. وما أن استقر الأمر لمعاوية بن أبي سفيان ﵁ "عام ٤١هـ/ ٦٦١م" -الذي سمي بعام الجماعة- حتى عادت الفتوح قوية من جديد في المشرق، وفي المغرب على السواء وقرر فصل ولاية "إفريقية" عن ولاية "مصر". وجعلها ولاية تابعة للخلافة مباشرة، وعين "معاوية بن حديج السكوني" واليا عليها، وأمره بالمسير إليها ومواصلة الجهاد، وزوده بجيش مكون من عشرة آلاف مقاتل، من بينهم عدد كبير من أصحاب النبي ﷺ وأبنائهم، أمثال عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الملك بن مروان وغيرهم٣. خرج معاوية بن خديج من الإسكندرية، وسار برا بإزاء الساحل حتى وصل إلى "قمونية"، وهو المكان الذي عسكر فيه من قبل ابن أبي سرح قائد المسلمين في معركة

стр. 55

سبيطلة "٢٨هـ". ولم يكد الجيش يحط برحاله في هذا الإقليم حتى تسامع المسلمون بوصول جيش بيزنطي "أسطول بحري" إلى إفريقية، قوامه ثلاثون ألف مقاتل، أرسله الإمبراطور البيزنطي، بقيادة أحد البطارقة يدعى "نقفور" ونزل في منطقة "الساحل" الواقعة بين "سوسة" و"سفاقس" "راجع الخريطة". فتقدم ابن حديج نحوهم، وعسكر في مكان بالقرب من جبل "القرن"، ومنه أرسل جيشا كثيفا بقيادة عبد الله بن الزبير للتصدي لجيش الوم، فتقدم للقائهم، وناوشهم مناوشة خفيفة تقهقروا بعدها إلى "سوسة"، ثم أقلعوا في البحر إلى "صقلية" منهزمين، واستولى المسلمون على المدينة. ثم أرسل ابن حديج سرية أخرى في ألف فارس بقياس عبد الملك بن مروان -وكان في التاسعة عشرة من عمره- إلى "جلولاء"١ فحاصرها وفتحها عنوة. ثم قاد هو بنفسه حملة إلى "بنزرت" -على الساحل الشمالي بالقرب من "قرطاجنة" فافتتحها. "ومن الغريب -كما يقول د. حسين مؤنس- أنه لم يقصد قرطاجنة عاصمة إفريقية البيزنطية، وكانت معروفة للعرب إذ ذاك فلا يقال إنه جهلها. وربما كان السبب في ذلك أنه تهيب حصارها، لما كان معروفا عنها من المنعة والقوة. ولا نزاع في أنه أخطأ بذلك خطأ كبيرا، فلو أنه وجه جهوده نحو قرطاجنة لخطا بفتح إفريقة خطوة كبرى، لا شك في أهميتها، لكنه انصرف إلى منياء لا أهمية له -وهو "بنزرت"، ولم يكن لسقوطه أي أثر في فتح هذه البلاد"٢. ولذا لا نستطيع اعتبار أعمال معاوية بن حديج فتوحا؛ لأن الضربات السريعة لا تعتبر فتوحا، ولا تنشأ عنها فتوح. وحملته هذه ما هي إلا إحدى المقدمات التي سبقت الفتح الحقيق الذي ستبدأ أولى حلقاته على يد طالت خبرته بـ إفريقية وأهلها، فعرف السبيل الصحيح لتثبيت أقدام المسلمين في بلاد المغرب، ألا وهو عقبة بن نافع الفهري.

стр. 56

وإذا كان لحملة ابن حديج -ومن قبلها حملة ابن أبي سرح- من أهمية فإنها تتلخص في أن بلاد "إفريقية" أصبحت أرضا مألوفة للمسلمين، ولم تعد مخوفة "غادرة مغدور بها" كما كان الحال قبل اقتحامها.

стр. 57

المرحلة الثانية: الاستقرار والفتح المؤقت "٥٠-٧١هـ/ ٦٧٠-٦٨٩م " أولا: عقبة بن نافع في ولايته الأولى وتأسيس مدينة القيروان "٥٠-٥٥هـ/ ٦٧٠-٦٧٤م " لم تتح الفرصة لمعاوية بن حديج أن يعود إلى "إفريقية" لاستكمال الفتح، إذ عزله الخليفة معاوية بن أبي سفيان عن قيادة الجند "عام ٤٨هـ/ ٦٦٨م" وعين بدلا منه القائد المجاهد عقبة بن نافع الفهري "عام ٥٠هـ/ ٦٦٨م". ويتفق المؤرخون على أن بداية ولاية عقبة بن نافع الفهري تمثل مرحلة جديدة من مراحل الجهاد الإسلامي في منطقة المغرب، وكان اختياره موفقا إلى حد بعيد، ونابعا من قناعة تامة بأنه هو القائد الجديد رجل المستقبل في مرحلة انتهت بها حرب الاستكشاف والسرايا العادية لتبدأ مرحلة ذوي الكفاءات العسكرية من الفرسان الموهوبين؛ مرحلة الفتح الثابت المستقر. ولقد توفر في عقبة من الكفاءات الحربية والخلال الدينية ما يجعله جديرا بحمل هذا العبء الثقيل، حيث مكنه طول عهده بإفريقية، وكثرة اشتغاله بحروبها من تنمية مواهبة الحربية، وتكوين فكرة واضحة عن هذه البلاد التي جال في ربوعها، والتعرف على الكير من أخلاق وعادات أهلها، والتفطن إلى أمثل السبل لفتحها وإخضاعها، وكان رجلا قوي الإيمان، ورعا تقيا، تميل نفسه إلى الجهاد في سبيل الله ونشر الإسلام والدعوة إليه، لا إلى مجرد الفتوح والانتصارات وما وراء ذلك من مكاسب١. وقد تأكد لعقبة بن نافع أن فتح "إفريقية" وبقية المغرب لا يثبت إلا بأمرين. أولهما: إنشاء مركز للمسلمين تعسكر فيه جيوشهم، ويأمنون فيه على أموالهم

стр. 58

ونسائهم وذراريهم، ومنه يخرجون للغزو، بدلا من العودة في كل مرة إلى "فسطاط" مصر. وثانيهما: غزو البربر أنفسهم، والتوغل في قلب بلادهم، وإدراكهم في منازلهم في الهضاب والجبال والصحراء، بدلا من الاكتفاء بغزو مدائن الساحل ثم العود إلى "الفسطاط"؛ لأن المسلمين لا يكادون ينصرفون عن هذه البلاد حتى تعود الأمور إلى ما كانت عليه، لاتصال هذه المناطق عن طريق البحر بالبيزنطيين، تتلقى منهم الإمدادات، وكانوا -كما وصفهم عقبة نفسه- "إذا دخل عليهم أميرا أطاعوا، وأظهر بعضهم الإسلام، فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا، وارتد من أسلم"١. تلك كانت الخطة التي وضعها عقبة نافع، وأراد أن ينفذها على مرحلتين، لكنه إذا كان قد نجح في أن ينفذ المرحلة الأولى ببناء مدينة القيروان فإنه كان ما كاد يشرع في تنفيذ المرحلة الثانية حتى رأت الخلافة أن تعهد بقيادة الجيوش الإسلامية في "إفريقية" إلى قائد آخر هو "أبو المهاجر دينار". وسيأتي الحديث عن ذلك بعد قليل. وجه معاوية بن أبي سفيان إلى عقبة -وهو في مستقرة ببرقة وزويلة- عشرة آلاف فارس٢ -من بينهم خمسة وعشرون من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم٣- فضم عقبة إليهم من أسلم من البربر٤. وقد كان لطول الفترة التي قضاها هذا القائد في مناطق برقة وصحراء زويلة وطرابلس، وتتابع حملاته على هذه النواحي "من ٢٢هـ- إلى ٤٩هـ" أثر كبير في دخول بعض أهلها في الإسلام. وكان في ضمة لهم إلى الجيش دليل على أن هؤلاء أحسوا بحلاوة الإسلام، وعرفوا ضرورة الجهاد. وفي مسيرة إلى إفريقية اتخذ عقبة طريقه في داخل البلاد، مباعدا عن الساحل وقد اتخذ هذه الخطة في كل أعماله، سواء في هذه الغزوة أو فيما بعدها. وربما كان

стр. 59

دافعه إلى ذلك هو أن الطريق الداخلي المقفر لا تكون فيه إلا مقاومة ضئيلة من القبائل البربرية وسكان الواحات. أما الإقليم الساحلي فهو مليء بالحصون والمسالح١. وبعد أن أتم عقبة إخضاع أقاليم الواحات في صحروات جنوب "طرابلس" مثل -"ودان" و"فزان" و"غدامس"- توجه إلى بلاد الجريد "جنوب البلاد التونسية"، وأخضع كل واحاتها، وافتتح "قفصة" و"قسطيلة". ثم أفضى إلى "قمونية" قلب إفريقية البيزنطية، "وهو الموضع الذي عسكر معاوية بن حديج فيه من قبل"، فوقع اختياره عليه، ليقيم فيه المدينة التي عقد العزم على بنائها٢. تأسيس القيروان ٣: وفي "قمونية" -وفي هذا القطر الفسيح الذي يطل على البحر- بدأ عقبة بن نافع في اختيار موقع المدينة الجديدة. ولقد أحسن الاختيار بشهادة جميع المؤرخين؛ إذ راعى أن تكون المدينة في موضع متوسط بين الساحل والجبل، بحيث تكون بعيدة عن كل من ساحل البحر والجبل "جبل أوراس" بمسيرة يوم، وهو مدة كافية للابتعاد عن خطر المفاجأة من غزو بيزنطي بحري، أو من هجوم بربري يأتي من الجبل. كما أنه حرص على أن تكون في موقع يتمتع بوفرة المياه والمرعى والأرض الصالحة للزراعة١. وقد علق المستشرق الفرنس "كودل" "Caudel" على ذلك بقوله: "وكان اختيار المكان موفقا، بل بلغ من التوفيق في اختياره أن ولاه المغرب ومن خلفهم من الحكام المستقلين أقاموا بها زمنا طويلا، ولم ينتقلوا عنها إلا حينما اضطرتهم ظروف سياسية جديدة إلى ذلك، كما كان موقعها الحربي ملحوظ الأهمية، إذ كان الحاكم الذي

стр. 60

يتخذ هذا الموضوع مركزا لأعماله يستطيع أن يرى العدو من بعيد، ويتحرز من الغارات المفاجئة الكثيرة الحدوث عند البربر، وإذا أراد أن يطاردهم إلى هضابهم وجد الطريق مفتوحة أمامه ... "١. وقد عمرت "القيروان" بمختلف الأبنية، وقامت فيها الأسواقن وأمها الناس من جميع الجهات، وعظم قدرها جدا، وقدر لها أن تصبح من أكثر المراكز الإسلامية بركة على الإسلام وأهله، وتحولت بسرعة إلى قاعدة سياسية ودينية وفكرية للإسلام في إفريقية. ولعل دعوة عقبة بن نافع قد استجيبت حينما دعا لهذه المدينة بعد اكتمالها بأن تكون عزا للإسلام وموئلا للعلم والعلماء فقال: "اللهم املأها فقها، وأعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزا لدينك، وذلا على من كفر بك، وأعز بها الإسلام، وامنعها من جبابرة الأرض"٢. أنفق عقبة في تخطيط المدينة وبنائها أربع سنوات كاملة دون أن ينصرف إلى عمل آخر من أعمال الفتوح، باستثناء بعض السريا التي كان يرسلها إلى المناطق المجاورة٣. وقد أبدى بعض المؤرخين دهشتهم من أن المسلمين أنفقوا هذا الوقت الطويل مطمئنين من هجوم الروم عليهم، مع أن "قرطاجنة" -عاصمة الروم- لم تكن تبعد عن "القيروان" أكثر من مسيرة ثلاثة أيام. وقد عللوا ذلك بأن الروم كانوا -إذ ذاك في شغل عن "إفريقية" وغيرها من ولاياتهم بمدافعة هجمات المسلمين- في الشرق -على القسطنطينية وبعض جزر البحر المتوسط القريبة منها، خلال السنوات من "٤٩هـ" إلى "٥٤"٤، فانقطعت الأمداد عن الروم بإفريقية طوال هذه المدة وعدة سنوات بعدها٥.

стр. 61

ونسجل هنا ملاحظتين على قدر كبير من الأهمية فيما يتعلق بتأسيس "القيروان": أولاهما: لقد أنشأ عقبة للمسلمين قاعدة يحكم فيها البلاد التي يفتحها وتصدر منها الغزوات. ومعنى هذا أنه -بعمله هذا- قد جعل "إفريقية" ولاية إسلامية جديدة، لأنه ما دام قد أنشأ بها مسجدا ودارا للإمارة فقد أصبحت المنطقة كلها جزءا من الدولة الإسلامية، ولا يجوز بعد ذلك للمسلمين أن يتخلوا عنها، وبالفعل كان من الممكن -قبل ذلك- أن ينسحبوا من "إفريقية" إلى "برقة" أو إلى مصر كما كانوا يفعلون. أما الآن فلا بد لهم أن يثبتوا في هذه الناحية، وإن فقدوها -لسبب ما- فيجب عليهم أن يستعدوها مرة أخرى، لأنها جزء من الديار الإسلامية١. وثانيتهما: وكما أفادت هذه المدينة حركة الفتوح كبرى من الناحية العسكرية فقد أفادت أيضا في العمل على نشر الإسلام والعروبة في المغرب. وهذا هو الغرض الأساسي من الفتوح، وذلك حينما سنحت الفرصة للاتصال السلمي بين البربر والعرب والمقيمين بالمدينة في الفترات التي تتوقف فيها الحروب؛ الأمر الذي ساعد على تقبل بعض البربر للدين الجديد باقتناع دون أي شبهة اضطرار. وقد زاد هذا الأمر أهمية أن الكثيرين من هؤلاء البربر الذين أسلموا أخذوا ينتظمون في جيوش المسلمين، ويسيرون معهم لإتمام فتح البلاد٢.

стр. 62

ثانيًا: عزل عقبة وولاية أبي المهاجر ديار "٥٥-٦٢هـ/ ٦٧٤-٦٨١م " ... ثانيا: عزل عقبة وولاية أبي المهاجر دينار "٥٥-٦٢هـ/ ٦٧٤-٦٨١م" وبينما كان عقبة يتخذ الأهبة للخروج للغزو الواسع النطاق -بعد أن أتم تأسيس "نقطة الارتكاز"- إذا معاوية بن أبي سفيان "الخليفة" يفاجئه بالعزل "سنة ٥٥هـ/ ٦٧٤م". وكان من المتوقع بعد أن قام عقبة بهذا العمل المجيد أن تكافئه الدولة بأن تتركه في ولايته ليتم ما بدأه، إلا أنه -بدلا من ذلك- يتلقى أمرا بعزله عن "إفريقية"١

стр. 63

وكان الخليفة قد ولى على مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري "سنة ٤٧هـ/ ٦٦٧م" وهو من أنصار البيت الأموي الذي أعانوا معاوية على الوصول إلى الخلافة، فكافأه بولاية مصر، وظل واليا عليها إلى سنة "٦٢هـ/ ٦٨١م". وعندما رأى مسلمة أن "إفريقية" أصبحت ولاية وميدانا جديدا واسعا للفتوحات طمحت نفسه إلى أن يحوزها، فسعى عند الخليفة في عزل عقبة، وجمعت له الولاية على مصر وإفريقية معا، ثم ولى على "إفريقية" رجلا من أهل مصر مولى له -نائبا عنه- هو "أبو المهاجر دينار"١. وكان مسلمة قد أوصى الوالي الجديد أن يعزل عقبة أحسن العزل"٢، فلما قدم أبو المهاجر "إفريقية" أساء عزل هذا القائد الكبير، وحبسه. ولم يكتف بذلك، وإنما كره نزول "القيروان"، ونزل في قرية صغيرة على بعد ميلين منها، تعرف بـ "تكرور" أو "تكروان" رغبة في التقليل من أهمية العاصمة الجديدة، وإيجاد بديل عنها، وبل وحث الناس على تعمير الموضع الجديد٣. وقد خرج عقبة فتوجه إلى دمشق، وشكا للخليفة، فطيب نفسه، ولكنه لم يرده إلى ولايته. يقول ابن عذارى: "ولما قدم عقبة على معاوية قال له: فتحت البلاد، ودانت لي، وبنيت المنازل، واتخذت مسجدا للجماعة، وسكنت الناس "أي بنيت لهم مساكن"، ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلي؟ فاعتذر له معاوية ... وتراخى الأمر حتى توفي -أي الخليفة- "سنة ٦٠هـ" وأفضى الأمر "أي الخلافة" إلى يزيد ابنه"٤. والحق أن أبا المهاجر كان من خيرة الولاة، وعلى قدر كبير من الحكمة، ولم يكن أقل كفاءة من عقبة بن نافع، فهما ينتميان إلى مدرسة واحدة، هي مدرسة الإسلام، وتعلم فيها الاثنان معنى الجهاد، والتضحية في سبيل الله . ورغم كل ما ذكره المؤرخون من خلاف بين القائدين، أو ما حدث بينهما من إساءة

стр. 64

نجدهما يشتركان في هدف واحد هو العمل -ما أمكنهما- على نشر كلمة الله في المغرب، وإن اختلف كل منهما في القيام بهذا الواجب. فقد كان عقبة عسكريا صرفان تميل طبيعته إلى حسم الأمور، مستخدما سيفه وجنده. بينما كان أبو المهاجر رجلا سياسيا محنكا، استخدم السيف حين كان له ضرورة، ومال إلى اللين ليتمن من قلوب بعض البربر ويضمهم إلى الإسلام، ويخرجهم من ساحة الأعداء، إلى ساحة المحايدين١. وكان أبو المهاجر دينار أول قائد مسلم يقدر على أن يخرج من سهل تونس ويتوغل في هذاب "المغرب الأوسط" ويهاجم القبائل البربرية في مواطنها الحصينة، ووصلت غزواته إلى "تلمسان"، وهي أكبر قواعد القسم الشرقي من المغرب الأوسط. وفي هذه النواحي كانت منازل قبيلة "أوربة"، وهي قبائل البربر "البرانس" في ذلك الحين، ويدين أفرادها بدين النصرانية. ويتزعمها رجل بربري قوي يسمى "كسيلة بن لمرم"٢، وكان متحالفا مع الروم البيزنطيين ضد العرب. وقد استطاع أبو المهاجر أن يغزو مواقع "أوربة" في جبال "الأوراس"، وأن يكتسب رئيسها كسيلة" إلى الإسلام، فأسلمن وتبعه نفر كبير من قومه٣. وبعد أن قضى أبو المهاجر في هذا الغزو نحو من سنتين "٥٩-٦١هـ" على إلى معسكره، وأقام به عاما واحدا حتى عزل. وكان الظروف السياسية في عاصمة الدولة الإسلامة "دمشق" قد تغيرت، فمات الخليفة معاوية "سنة ٦٠هـ/ ٦٧٩م"، وتولى من بعده ابنه يزيد. وكان يزيد مقتنعا بعقبة بن نافع وحسن بلائه في فتح إفريقية، فأعاده مرة أخرى إليها -بعد أن استجاب لشكواه- وعزل أبا المهاجر "سنة ٦٢هـ/ ٦٨١م"٤.

стр. 65

ثالثا: ولاية عقبة بن نافع الثانية ومحاولة فتح المغرب الأقصى "٦٢-٦٤هـ/ ٦٨١-٦٨٤م " عاد عقبة إلى "القيروان"، وكان أول ما فعله هو القبض على أبي المهاجر دينار، وتوثيقه في الحديد، وأخذ ما لديه من أموال "مائة ألف دينار" للإنفاق منها على إعداد الحملة الجديدة، ثم إنه أمر بتخريب معسكره "تكروان"، وجدد ما كان قد خرب من عمارة "القيروان"، ورد الناس إليها، فعمرت وعظم شأنها١، ثم بدأ منها حملة كبرى تختلف عن كل الحملات السابقة. إذ أنه ساح في كل صحروات المغربين -الأوسط والأقصى- حتى وصل إلى سواحل "السوس الأقصى" على البحر المحيط. وقبل الخروج من القيروان قرر عقبة أن يترك فيها حامية عسكرية قدرت بستة آلاف رجل، للدفاع عن المدينة، وحماية ما بها من الذراري والأموال، واختار "زهير بن قيس البلوي" قائدا عليها٢، ثم بدأ حملته الكبرى بهمة عالية، وعزيمة لا تفتر، حبا في الجهاد، وتوقا إلى الاستشهاد، وأملا في الانتهاء من فتوحات المغرب التي طال أمدها. اتجه عقبة نحو مدينة "باغاية" عند أقدم جبل الأوراس، ولقي جمعا كبير من الروم، فهزمهم، ثم زحف إلى "بلاد الزاب" الفسيحة "في المغرب الأوسط" فاكتسحها بعد عدة معارك انتهت كلها بهزيمة الروم، فلما وصل إلى "تاهرت" وجد نفسه أمام تحالف كبير من الروم والبربر لم يعهد المسلمون له مثيلا من قبل، فالتقى بهم في معركة حامية، فأباد فرسانهم وفرق جمعهم، وقطع آثارهم٣، واستمر في طريقه غير عابئ بالمقاومة مهما اشتدت، حتى وصل إلى ولاية "طنجة" في المغرب الأقصى. وكان يحكمها أمير من الروم يسمى "يليان٤، فأرسل إلى عقبة مهاديا

стр. 66

ومستعطفا له، وسأله المسالمة والنزول على حكمه، فقبل منه عقبة واجتمع به وأقره على بلاده. ويبدو أن عقبة كان يتطلع إلى فتح الأندلس، فاستفهم من "يليان" عن حالها، فأمده بالمعلومات عن حكامها "القوط"١، ولفت نظره إلى عدم التفكير في فتحها، "وعظم عليه أمرها" وقال له: "قد تركت الروم وراء ظهرك، وما أمامك إلا البربر، لم يدخلوا في دين النصرانية ولا غيرها، ومعظهم المصامدة"٢. وعلى إثر هذه المشورة انحذر عقبة إلى جنوب المغرب الأقصى، حيث مواطن "صنهاجة" الملثمين وهو يومئذ وثنيون لم يدينوا بالنصرانية، فبدأ "بالسوس الأدنى"، ووصل إلى "وليلى" على مقربة من الموضع الذي ستقام فيه مدينة "فاس"، واستمر في مغامرته الكبرى حتى وطئت جيوشه أرس السوس الأقصى، وانتهى إلى جنوب المدينة الحالية المعروفة باسم "أغادير"، وتقع على مصب وادي السوس الذي يصب في المحيط. وهناك وقع المشهد التاريخي الشهير الذي حدثتنا عنه كتب التاريخ، وهو مشهد عقبة يدخل بفرسه في مياه المحيط الأطلسي حتى وصل الماء إلى تلابيبه، ويشهد الله على أنه وصل براية الإسلام إلى آخر المعمورة، ويقول: "يا رب لولا أن البحر منعني لمضيت في البلاد إلى مسلك ذي القرنين، مدافعا عن دينك، مقاتلا من كفر بك"٣. بهذا يكون عقبة بن نافع قد أتم فتح بلاد المغرب، ونجح في التغلب على كل الجموع التي تصدت له، وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الفتح بصورة كاملة تقريبا. استشهاد عقبة في طريقة العودة إلى القيروان: وفي غمرة هذا النصر المبين يهرب "كسيلة بن لمرم" القائد البربري الذي أسلم على يد "أبي المهاجر دينار"، وأسلمت معه قبيلته "اوربة" وكان عقبة قد اصطحبه -وأبا المهاجر- في غزوته تلك، وأشرك معه جموعا من البربر المسلمين، وتذكر

стр. 67

الروايات أن عقبة عامل "كسيلة" بما لا يليق به كقائد، وبما يتناسب معه كحديث عهد بالإسلام١. بدأ عقبة رحلة العودة إلى القيروان، فاتخذ طريقه نحو "طنجة" لكي يعود إلى "المغرب الأوسط" وعندما وصل إلى "بلاد الزاب" في "بلاد الجزائر" -وعند بلدة "طبنة" "وعلى مسيرة ثمانية أيام من القيروان"- بعث بمعظم جنده إلى القيروان على عجل ولم يبق معه إلا جزءا صغيرا من الجيش يقدر بخمسة آلاف؛ لينهي به لما قد أجله في أول الحملة من ترك عدد من الحاميات الرومية معتصمة بقلاعها. ولعل السبب الذي جعل عقبة يرسل معظم الجيش إلى القيران يعود إلى أن أخبارا مقلقة قد وصلته "على ما يرى بعض الدراسين" أو أنه اطمأن إلى ما أنجزه في المغرب الأقصى كما يرى آخرون٢. ويعلل ابن عذارى إرساله هذا العسكر إلى القيروان برغبة الجند في الإسراء "للإياب إلى أحيائهم، والبدار إلى عيالهم"٣. ويضيف تعليلا آخر فيقول: "ثقة منه بما دوخ من البلاد، وأنه لا يقوم له أحد"٤. وقد آثر عقبة أن يعرج -بمن بقي معه من الجنود- على مدينة "تهوذة" في أحواز نهر الزاب، للاستيلاء عليها، وإقامة حامية من فرسانه دائمة فيها٥. وهنا يظهر على مسرح الأحداث الزعيم البربري "كسيلة". وكان قد استطاع الفرار من جيش عقبة، وأخذ يتحين الفرصة المناسبة للقضاء عليه. وكان عيون الروم وجواسيسهم في هذه المنطقة قد بعثوا إليه، "فأعلموه بقلة من معه -أي عقبة- فجمع له جمعا كبير من الروم والبربر "قدر بخمسين ألف مقاتل" وزحف إليه ليلا حتى نزل بالقرب منه"٦. ولم تكن إساءة عقبة إلى "كسيلة" -رغم ما نراه من بعض المبالغة فيما أوردته

стр. 68

المصادر بشأنها -هي السبب الوحيد في التفاف هذا الحشد الهائل من البربر والروم، ولكن السبب الأهم هو أن عقبة استطاع أن يفل جمعهم، ويشتت شملهم، وينتصر عليهم في كل المواقع التي خاضها ضدهم، وهذا هو الذي أزعجهم، وأوجد نوعا من التوافق أو التعاطف بينهم، فما زالوا يتربصون به حتى واتتهم الفرصة عندما انفرد بعيدا عن جيشه فتمكنوا من القضاء عليه. ويروي ابن عذارى قصة هذه الكارثة التي وقعت "سنة ٦٣هـ- أو ٦٤هـ/ ٦٨١-٦٨٢م" فيقول: "لما وصل عقبة إلى مدينة "طبنة" أمر أصحابه، فتقدموا ثقة منه بما دوخ من البلاد، وأنه لا يقوم له أحد، لينفذ قدر الله ومراده، ويتعجل لعبده من كرامته ميعاده. وفصرف أصحابه إلى منازلهم عند قربهم منها، وسار هو إلى مندينة "تهوذة" لينظر فيمن يصلح لها من الفرسان. فلما انتهى إليها في بقية من معه وكانوا قليلا نظر الروم إليهم، فطمعوا فيهم، فأغلقوا باب حصنهم، وجعلوا يشتمونه ويرمونه بالحجارة والنبل، وهو يدعوهم إلى الله . فلما توسط البلاد بعث الروم إلى كيسلة بن لمزم الأوربي ... ". ويكمل ابن عذارى سير الأحداث -في موضع آخر قائلا: "فانتهز كسيلة فرصة فنكث، وقام في أهل بيته وقبائله من البربر. فقال أبو المهاجر لعبة: عاجله قبل أن يستعجل أمره. فوقف إليه عقبة، فتنحى "كسيلة" أمامه، فقالت له البربر: لم تنتحي عنه، وهو في خمسة آلاف، ونحن في خمسين ألفا في الزيادة، والرجل ليس عنده من يمده، وقد سار عنه أصحابه؟! فركبه البربر في الجيوش العظيمة "أي قودوه عليهم" وغشيه بهم كسيلة بقرب من تهوذا. فنزل عقبة ﵁ وركع ركعتين وقال لأبي المهاجر: الحق بالمسلمين فقم بأمرهم، فأنا أغتنم الشهادة. فقال له: وأنا والله أغتنمها معك. فكسر كل واحد منهما جفن سيفه، وكسر المسلمون كذلك أغماد سيوفهم، وأمرهم أن يترجلوا عن خيولهم، فقاتلوا قتالا شديدا حتى بلغ منهم الجهد، وكثر فيهم الجراح، وتكاثر عليهم العدو، فقتل عقبة وأبو المهاجر، ومن كان معهما من المسلمين، ولم يفلت منهم أحد إلا بعض وجوههم أسروا ... "١.

стр. 69

وهكذا كان عدم الحذر -حتى بعد الانتصار- هو السبب الذي مكن الروم والبربر من التجمع واغتنام الفرصة الحاسمة، وقد دوى خبر مقتل عقبة في إفريقية والمغرب دويا هائلا، وكان له أثر عميق في نفوس المسلمين. وكان "كسيلة" قد زحف بجيوش لا حصر لها إلى القيروان، "فانقلبت إفريقية نارا وعظم على المسلمين، فخرجوا هاربين"١. ولم يبق في القيروان إلا الشيوخ والنساء والأطفال وكل مثقل بالأولاد، فأرسلوا إلى "كسيلة" يسألونه الأمان فأجابهم إلى ذلك، ودخل المدينة في المحرم "سنة ٦٤هـ-٦٨٢م" وجلس في قصر الإمارة أميرا على البربر ومن بقي في القيروان من العرب٢. ويتفق المؤرخون على أن زهير بن قيس خليفة عقبة على القيروان أراد -بعد كارثة "تهوذة"- أن يقاتل كسيلة بمن بقي من الجيش، ويداف عن المدينة، وخطب في الناس قائلا: "يا معشر المسلمين، إن أصحابكم قد دخلوا الجنة، وقد من الله عليهم بالشهادة، فاسلكوا سبيلهم، ويفتح الله لكم دون ذلك". فاعترض عليه حنش الصنعاني "وهو من التابعين، وممن اشترك في فتح الأندلس"، وطالبه بالانسحاب مع بقية الجيس إلى المشرق حتى لا يتعرض المسلمون لسيوف البربر، وقال: "لا والله ما نقبل قولك، ولا لك علينا ولاية، ولا عمل أفضل من النجاة بهذه العصابة "الجماعة" من المسلمين إلى مشرقهم". ثم قال: "يا معشر المسلمين، من أراد منكم القفول إلى مشرقه فليتبعني" فاتبعه الناس، ولم يبق مع زهير إلا أهل بيته وذويه، فاضطر إلى اللحاق بهم، ونزل بقصره في "برقة"، وأقام بهها مرابطا إلى أن ولي عبد الملك بن مروان الخلافة "سنة ٦٥هـ-٦٨٣م". وبهذا خرجت "إفريقية" من أيدي المسلمين، وتراجعوا إلى برقة التي كان عمرو بن العاص قد فتحها منذ أربعين سنة، وكان على من أتى بعد "عقبة" أن يبدأ العمل من جديد.

стр. 70

وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت للحملة الجهادية التي قادها عقبة بن نافع لفتح البلاد المغربية، فإنها تعتبر من كبريات الحملات العسكرية في تاريخ هذا الإقليم، شملت المغارب الثلاثة، وأدخلت المسلمين إلى مناطق لم يدخلوها من قبل، وحققت عدة انتصارات عسكرية مهمة، وعرفت البربر في مناطق نائية بالإسلام، وتكفي هذه النتائج التي حققتها هذه الحملة ردا على من قلل من أهميتها، وأضعف من قيمتها. وبقي أن نقول: إن هذ المجاهد الكبير -عقبة بن نافع- يعتبر بحق من أعظم قادة الفتح الإسلامي، وواحد من أكبر بناء الدولة الإسلامية. ولا يقارن في هذا المجال إلا بالقائد الكبير "قتيبة بن مسلم الباهلي" الذي تولى مهمة الفتوح في الجناح الشرقي لدولة الإسلام، وإليه يرجع الفضل في التغلب على مقاومة الترك الوثنيين وفتح بلادهم للإسلام، والوصول به إلى "كاشغر" في إقليم "سنكيانج" في غرب الصين الحالية. وكان "عقبة" و"قتيبة" متعاصرين، واحد منهما وصل بحدود دولة الإسلام إلى أقصاها غربا، والثاني وصل بها إلى أقصاها شرقا.

стр. 71

رابعًا: زهير بن قيس البلوي واسترداد القيرون "٦٩-٧١هـ/ ٦٨٨م-٦٨٩م " ... رابعا: زهير بن قيس البلوي واسترداد القيروان "٦٩-٧١هـ/ ٦٨٨م-٦٨٩م" لم تستطيع الخلافة الأموية أن تهتم بأمور "إفريقية" إثر مقتل عقبة بن نافع واحتلال "كسيلة" البربري للقيروان إلا بعد وقت طويل؛ لأن ظروف الخلافة لم تسمح بذلك. لقد توفي يزيد بن معاوية "٦٤هـ/ ٦٨٢م"، وخلفه ابنه معاوية "الثاني" ولم يكمل عاما واحدا حتى تنازل عن الخلافة دون أن يعين من يخلفه، وانتهى الأمر -في العام نفسه- إلى مروان بن الحكم. وكان عبد الله بن الزبير قد ثار على الأمويين بعد موت يزيد، واستولى على الحجاز والعراق ودخلت مصر في طاعته، واتسع سلطانه، وأعلن نفسه خليفة. وقد انشغل مروان بن الحكم بمحاربة الزبيريين واستعادة البلاد إلى الأسرة الأموية، ثم مات سريعا "عام ٦٥هـ/ ٦٨٣م"

стр. 72

تاركا الخلافة لابنه عبد الملك الذي ورث واقعا سياسيا مرهقا عمل بمهارة فائقة وجهد دؤوب على تعديله. وبعد أن هدأت الأحوال شيئا فشيئا ابتداء من "٦٨هـ/ ٦٨٧م" وثبتت الخلافة الأموية لعبد الملك اتسع أمامه الوقت ليقوم بعمل عسكري لاستعادة القيروان والمغرب. وكان زهير بن قيس -الذي انسحب بالمسلمين من "القيروان" بعد مقتل عقبة- لا يزال منتظرا في "برقة" إلى أن تأتيه الإمدادات لكي ينهض إلى "إفريقية" من جديد. ونظرا لأنه "صاحب عقبة، وهو مثله دينا وعقل، وأعلم الناس بسيرته وتدبيره، وأولاهم بطلب دمه" -كما تقول الرواية١- فقد وقع الاختيار عليه ليقود الحملة العسكرية الجديدة، وأمده الخليفة عبد الملك بالخيل والرجال والعتاد والمال. سار زهير بن قيس بجيشه إلى "القيران" سنة "٦٩هـ/ ٦٨٨م"، وكان كسيلة قد تركها هو ومن معها من البربر والروم، واحتمى بالجبل على مقربة منها، فلما وصل زهير لم يدخل المدينة وإنما أقام بظاهرها ثلاثة أيام، إلى أن استراح الجيش استعدادا للمعركة الكبرى، وفي اليوم الرابع التقى الجمعان بالقرب من القيروان -على مسيرة يوم منها- في معركة لم تعرف "إفريقية" لها مثيلا من قبل؛ إذ فشى القتل في الفريقين "حتى يئس الناس من الحياة" كما يقول الرواة، وما كاد اليوم يشرف على الانتهاء حتى حقق المسلمون نصرا كبيرا، فانهزم البربر والروم، وقتل "كسيلة" وكثير من كبار أصحابه، وطارد المسلمون فلول المنهزمين إلى مسافات بعيدة٢. عودة زهير إلى "برقة" ومقتله في معركة مع الروم "٦٩هـ/ ٦٨٨م": رجع زهير إلى "القيروان" ليرتب أمورها ويصلح من أحوال المسلمين بها. وبعد أن تم له من ذلك ما أراد واطمأن إلى أنه لم يعد هناك خطورة "لخلو البلاد من عدو أو ذي شوكة" أعلن أنه عائد إلى المشرق ومن أراد من أصحابه. ويبدو أنه لم يكن مستريحا للمقام في تلك البلاد، ويفسر الرواة ذلك بأن زهيرا "كان من رؤساء العابدين وأشراف المجاهدين وكبراء الزاهدين، وأنه رأى بإفريقية ملكا عظيما فأبى أن يقيم وقال: إنما قدمت للجهاد، فأخاف أن أميل إلى النيا فأهلك"٣.

стр. 73

وكان الروم بالقسطنطينية فد بلغهم مسير زهير ومعه الجيش كله من "برقة" إلى "القيروان" لقتال كسيلة، فاغتنموا الفرصة وخرجوا من جزيرة "صقلية" في مراكب كثيرة وقوة عظيمة فأغاروا على "برقة"، وأصابوا فيها سبيا كثيرا وقتلوا ونهبوا، وأقاموا بها مدة أربعين يوما١. وقد وافق ذلك رجوع زهير إلى المشرق فأخبر بخبرهم، فأمر العساكر بالإسراع والجد في قتالهم، وعجل هو بالمسير ومعه سبعون من أصحابه أكثرهم من التابعين وأشراف العرب المجاهدين، وعندما علم الروم بقدومه أخذوا في الاستعداد للرحيل عن "برقة"، وفي الوقت الذي وصل "زهير" فيه إلى ساحل مدينة "درنة" -التي اتخذها الروم مركز لهم- كان الروم يدخلون سباياهم من نساء المسلمين وذراريهم إلى المراكب. قال ابن الأثير: "فلما رآه المسلمون استغاثوا به فلم يمكنه الرجوع، وباشر القتال، واشتد الأمر، وعظم الخطب، وتكاثر الروم عليهم، فقلتوا زهيرا وأصحابه، ولم ينج منهم أحد، وعاد الروم بما غنموا من القسطنطينية"٢. وهكذا أصيب المسلمون بكارثة ثانية في "إفريقية"، ووصلت أنباء مقتل زهير وأصحابه إلى "دمشق"، فكان لها رنة حزن عميقة، وتوقف الفتح مرة أخرى عدة سنوات، وكان لا بد من مواجهة حاسمة بعد أن طال الأمر كثيرا.

стр. 74

المرحلة الثالثة: إتمام الفتح وتثبيت سلطان المسلمين في المغرب "٧٣-٩٥هـ/ ٦٩٢-٧١٤م " أولا: حسان بن النعمان والقضاء على مقاومة الروم والبربر "٧٣-٨٥هـ/ ٦٩٣-٧٠٥" كان لا بد للخليفة عبد الملك بن مروان من القيام بعمل كبير يمحو به عن المسلمين ما خلفته تلك السنوات الطوال من الجهاد في الجناح الغربي للدولة الإسلامية، ولكنه لم يكن في وضع يسمح له بالعمل الإيجابي في المغرب؛ فقد كان مشغولا بمحاربة منافسة عبد الله بن الزبير "أحد أبطال سبيطلة". وبعد أن انتهت هذه الأزمة السياسية بمقتل ابن الزبير "سنة ٧٣هـ/ ٦٩٣م" واجتمع المسلمون على خلافة عبد الملك انصب تفكيره واهتمامه على الإعداد لملحمة جديدة؛ فعهد بولاية المغرب إلى أحد مشاهير قادة الشام، وهو حسان بن النعمان الغساني -الملقب بالشيخ الأمين- "سنة ٧٣هـ/ ٦٩٢م"، وأمده بجيش بلغت عدته أربعين ألف مقاتل، وأمره بالمقام في مصر، وفوضه في أموال خراجها للإنفاق منه على الفتح١. أما أحوال "إفريقية" عقب استشهاد زهير بن قيس في الفترة من "٦٩هـ/ ٦٨٨م" إلى "٧٣هـ/ ٦٩٢م" -بإيجاز- فقد عادت بعض السيطرة البيزنطية على أجزاء من الساحل الإفريقي، وخاصة في "قرطاجنة". كما أن قبيلة "أوربة" -البرنسية التي كان كسيلة الأوربي يتزعمها- بدأت في التقهقر عن مركز الصدارة في جبال "الأوراس"، تاركة المجال لقبيلة أخرى شديدة المراس تدعى "جراوة" -من قبائل البربر "البتر"- وتقودها امرأة لقبها العرب بالكاهنة، واسمها "داهيا بنت ماتية"، وكانت على جانب كبير من المهارة والقدرة، وتمكنت من تجميع قبائل جبال "الأوراس" تحت إمرتها، حتى أصبح "جميع من بإفريقية من الروم منها خائفون وجميع البربر لها مطيعون" حسب تعبير المؤرخين٢. الجولة الأولى لحسان بن النعمان: النصر ثم الهزيمة: ١- خرج حسان بن النعمان من مصر أوائل سنة ٧٤هـ/ ٦٩٣م" على رأس جيشه، ووصل به إلى "طرابلس"، فانضم إليه من كان هناك من المسلمين، ثم سار إلى "إفريقية" ودخل "القيروان" حيث أعد نفسه للغزو٣. وقد اتبع حسان خطة عسكرية جديدة أساسها مقابلة أعدائه من الروم والبربر، كل على حده، حتى يسهل القضاء عليهم. وبدأ بالروم، فاتجه بكل قواته إلى "قرطاجنة"، وهي عاصمة "إفريقية" القديمةن ومصدر المقاومة الثابت، ولم يكن أحد من القادة السابقين قد تمكن من فتحها، فضرب عليها الحصار، وكان بها عدد كبير

стр. 75

من الروم، خرجوا عن بكرة أبيهم للتقال مع ملكهم فنصره الله عليهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، وفر الباقون في المراكب إلى جزائر البحر وخاصة نحو "صقلية"١. ٢- وبعد هزيمة القرطاجنيين تصدى حسان بن النعمان لتحالف "بيزنطي/ بربري" جديد. فقد حاول الروم أن ينتقموا من المسلمين لاستيلائهم على "قرطاجنة"، فاجتمعوا في موضع يسمى "صطفورة"، وأمدهم البربر بعسكر عظيم، فزحف إليهم حسان، وقاتلهم حتى هزمهم، وتمخضت المعركة عن عدد كبير من قتلى التحالف البيزنطي البربري، وعلى إثرها هر بمن بقي من الروم إلى مدينة "باجه" خائفين، وتراجع البربر إلى مدينة "بونة". ثم انصرف حسان إلى مدينة "القيروان" فأقام بها حتى برئت جراح أصحابه٢. ٣- بقي أن يتصدى حسان للتجمع البربري الضخم والشرس في منطقة جبال الأوراس في الداخل، بقيادة "الكاهنة" التي تمكنت -كما ذكرنا- من تجميع قوي البربر وئاستها لهم بعد مقتل "كسيلة الأوربي". وكان حسان قد أدرك أن هذا التجمع له خطورة قصوى، ولا بد من التصدي له، وأنه إن تمكن من التغلب عليه فقد دان له المغرب كله، وسقطت فيه آخر قاعدة ضخمة للمقاومة، وقد ذكر ابن عذارى هذا المعنى في قوله: "لما دخل حسان القيروان أراح بها أياما، ثم سأل أهلها عمن بقي من أعظم ملوك إفريقية، ليسير إليه فيبيده أو يسلم، فدلوه على امرأة بجبل أوراس يقال لها الكاهنة، وجميع من بإفريقية من الروم منها خائفون، وجميع البربر لها مطيعون، فإن قتلها كان لك المغرب كله، لم يبق لك مضاد ولا معاند"٣. ولذلك توجه إليها حسان بجيوشه والتقى معها عند وادي "مسكيانه". ورغم ما تقوله النصوص التاريخية من أن الجيش الإسلامي كان في أعلى الوادي "أي في مركز استراتيجي جيد"، وأن جموع البربر كانت في أسفله فإن القتال المرير انتهى بهزيمة حسان هزيمة منكرة أدت إلى ضياع كل "إفريقية" وراتداد المسلمين إلى حدود مدينة
следующие страницы →