رابعًا: زهير بن قيس البلوي واسترداد القيرون "٦٩-٧١هـ/ ٦٨٨م-٦٨٩م "
...
رابعا: زهير بن قيس البلوي واسترداد القيروان "٦٩-٧١هـ/ ٦٨٨م-٦٨٩م"
لم تستطيع الخلافة الأموية أن تهتم بأمور "إفريقية" إثر مقتل عقبة بن نافع واحتلال "كسيلة" البربري للقيروان إلا بعد وقت طويل؛ لأن ظروف الخلافة لم تسمح بذلك. لقد توفي يزيد بن معاوية "٦٤هـ/ ٦٨٢م"، وخلفه ابنه معاوية "الثاني" ولم يكمل عاما واحدا حتى تنازل عن الخلافة دون أن يعين من يخلفه، وانتهى الأمر -في العام نفسه- إلى مروان بن الحكم. وكان عبد الله بن الزبير قد ثار على الأمويين بعد موت يزيد، واستولى على الحجاز والعراق ودخلت مصر في طاعته، واتسع سلطانه، وأعلن نفسه خليفة. وقد انشغل مروان بن الحكم بمحاربة الزبيريين واستعادة البلاد إلى الأسرة الأموية، ثم مات سريعا "عام ٦٥هـ/ ٦٨٣م"
стр. 72
تاركا الخلافة لابنه عبد الملك الذي ورث واقعا سياسيا مرهقا عمل بمهارة فائقة وجهد دؤوب على تعديله. وبعد أن هدأت الأحوال شيئا فشيئا ابتداء من "٦٨هـ/ ٦٨٧م" وثبتت الخلافة الأموية لعبد الملك اتسع أمامه الوقت ليقوم بعمل عسكري لاستعادة القيروان والمغرب.
وكان زهير بن قيس -الذي انسحب بالمسلمين من "القيروان" بعد مقتل عقبة- لا يزال منتظرا في "برقة" إلى أن تأتيه الإمدادات لكي ينهض إلى "إفريقية" من جديد. ونظرا لأنه "صاحب عقبة، وهو مثله دينا وعقل، وأعلم الناس بسيرته وتدبيره، وأولاهم بطلب دمه" -كما تقول الرواية١- فقد وقع الاختيار عليه ليقود الحملة العسكرية الجديدة، وأمده الخليفة عبد الملك بالخيل والرجال والعتاد والمال.
سار زهير بن قيس بجيشه إلى "القيران" سنة "٦٩هـ/ ٦٨٨م"، وكان كسيلة قد تركها هو ومن معها من البربر والروم، واحتمى بالجبل على مقربة منها، فلما وصل زهير لم يدخل المدينة وإنما أقام بظاهرها ثلاثة أيام، إلى أن استراح الجيش استعدادا للمعركة الكبرى، وفي اليوم الرابع التقى الجمعان بالقرب من القيروان -على مسيرة يوم منها- في معركة لم تعرف "إفريقية" لها مثيلا من قبل؛ إذ فشى القتل في الفريقين "حتى يئس الناس من الحياة" كما يقول الرواة، وما كاد اليوم يشرف على الانتهاء حتى حقق المسلمون نصرا كبيرا، فانهزم البربر والروم، وقتل "كسيلة" وكثير من كبار أصحابه، وطارد المسلمون فلول المنهزمين إلى مسافات بعيدة٢.
عودة زهير إلى "برقة" ومقتله في معركة مع الروم "٦٩هـ/ ٦٨٨م":
رجع زهير إلى "القيروان" ليرتب أمورها ويصلح من أحوال المسلمين بها. وبعد أن تم له من ذلك ما أراد واطمأن إلى أنه لم يعد هناك خطورة "لخلو البلاد من عدو أو ذي شوكة" أعلن أنه عائد إلى المشرق ومن أراد من أصحابه. ويبدو أنه لم يكن مستريحا للمقام في تلك البلاد، ويفسر الرواة ذلك بأن زهيرا "كان من رؤساء العابدين وأشراف المجاهدين وكبراء الزاهدين، وأنه رأى بإفريقية ملكا عظيما فأبى أن يقيم وقال: إنما قدمت للجهاد، فأخاف أن أميل إلى النيا فأهلك"٣.
стр. 73
وكان الروم بالقسطنطينية فد بلغهم مسير زهير ومعه الجيش كله من "برقة" إلى "القيروان" لقتال كسيلة، فاغتنموا الفرصة وخرجوا من جزيرة "صقلية" في مراكب كثيرة وقوة عظيمة فأغاروا على "برقة"، وأصابوا فيها سبيا كثيرا وقتلوا ونهبوا، وأقاموا بها مدة أربعين يوما١. وقد وافق ذلك رجوع زهير إلى المشرق فأخبر بخبرهم، فأمر العساكر بالإسراع والجد في قتالهم، وعجل هو بالمسير ومعه سبعون من أصحابه أكثرهم من التابعين وأشراف العرب المجاهدين، وعندما علم الروم بقدومه أخذوا في الاستعداد للرحيل عن "برقة"، وفي الوقت الذي وصل "زهير" فيه إلى ساحل مدينة "درنة" -التي اتخذها الروم مركز لهم- كان الروم يدخلون سباياهم من نساء المسلمين وذراريهم إلى المراكب. قال ابن الأثير: "فلما رآه المسلمون استغاثوا به فلم يمكنه الرجوع، وباشر القتال، واشتد الأمر، وعظم الخطب، وتكاثر الروم عليهم، فقلتوا زهيرا وأصحابه، ولم ينج منهم أحد، وعاد الروم بما غنموا من القسطنطينية"٢.
وهكذا أصيب المسلمون بكارثة ثانية في "إفريقية"، ووصلت أنباء مقتل زهير وأصحابه إلى "دمشق"، فكان لها رنة حزن عميقة، وتوقف الفتح مرة أخرى عدة سنوات، وكان لا بد من مواجهة حاسمة بعد أن طال الأمر كثيرا.
стр. 74
المرحلة الثالثة: إتمام الفتح وتثبيت سلطان المسلمين في المغرب "٧٣-٩٥هـ/ ٦٩٢-٧١٤م "
أولا: حسان بن النعمان والقضاء على مقاومة الروم والبربر "٧٣-٨٥هـ/ ٦٩٣-٧٠٥"
كان لا بد للخليفة عبد الملك بن مروان من القيام بعمل كبير يمحو به عن المسلمين ما خلفته تلك السنوات الطوال من الجهاد في الجناح الغربي للدولة الإسلامية، ولكنه لم يكن في وضع يسمح له بالعمل الإيجابي في المغرب؛ فقد كان مشغولا بمحاربة منافسة عبد الله بن الزبير "أحد أبطال سبيطلة". وبعد أن انتهت هذه الأزمة السياسية بمقتل ابن الزبير "سنة ٧٣هـ/ ٦٩٣م" واجتمع المسلمون على خلافة عبد الملك انصب تفكيره واهتمامه على الإعداد لملحمة جديدة؛ فعهد بولاية المغرب إلى أحد مشاهير قادة الشام، وهو حسان بن النعمان الغساني -الملقب بالشيخ الأمين- "سنة ٧٣هـ/ ٦٩٢م"، وأمده بجيش بلغت عدته أربعين ألف مقاتل، وأمره بالمقام في مصر، وفوضه في أموال خراجها للإنفاق منه على الفتح١.
أما أحوال "إفريقية" عقب استشهاد زهير بن قيس في الفترة من "٦٩هـ/ ٦٨٨م" إلى "٧٣هـ/ ٦٩٢م" -بإيجاز- فقد عادت بعض السيطرة البيزنطية على أجزاء من الساحل الإفريقي، وخاصة في "قرطاجنة". كما أن قبيلة "أوربة" -البرنسية التي كان كسيلة الأوربي يتزعمها- بدأت في التقهقر عن مركز الصدارة في جبال "الأوراس"، تاركة المجال لقبيلة أخرى شديدة المراس تدعى "جراوة" -من قبائل البربر "البتر"- وتقودها امرأة لقبها العرب بالكاهنة، واسمها "داهيا بنت ماتية"، وكانت على جانب كبير من المهارة والقدرة، وتمكنت من تجميع قبائل جبال "الأوراس" تحت إمرتها، حتى أصبح "جميع من بإفريقية من الروم منها خائفون وجميع البربر لها مطيعون" حسب تعبير المؤرخين٢.
الجولة الأولى لحسان بن النعمان: النصر ثم الهزيمة:
١- خرج حسان بن النعمان من مصر أوائل سنة ٧٤هـ/ ٦٩٣م" على رأس جيشه، ووصل به إلى "طرابلس"، فانضم إليه من كان هناك من المسلمين، ثم سار إلى "إفريقية" ودخل "القيروان" حيث أعد نفسه للغزو٣.
وقد اتبع حسان خطة عسكرية جديدة أساسها مقابلة أعدائه من الروم والبربر، كل على حده، حتى يسهل القضاء عليهم. وبدأ بالروم، فاتجه بكل قواته إلى "قرطاجنة"، وهي عاصمة "إفريقية" القديمةن ومصدر المقاومة الثابت، ولم يكن أحد من القادة السابقين قد تمكن من فتحها، فضرب عليها الحصار، وكان بها عدد كبير
стр. 75
من الروم، خرجوا عن بكرة أبيهم للتقال مع ملكهم فنصره الله عليهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، وفر الباقون في المراكب إلى جزائر البحر وخاصة نحو "صقلية"١.
٢- وبعد هزيمة القرطاجنيين تصدى حسان بن النعمان لتحالف "بيزنطي/ بربري" جديد. فقد حاول الروم أن ينتقموا من المسلمين لاستيلائهم على "قرطاجنة"، فاجتمعوا في موضع يسمى "صطفورة"، وأمدهم البربر بعسكر عظيم، فزحف إليهم حسان، وقاتلهم حتى هزمهم، وتمخضت المعركة عن عدد كبير من قتلى التحالف البيزنطي البربري، وعلى إثرها هر بمن بقي من الروم إلى مدينة "باجه" خائفين، وتراجع البربر إلى مدينة "بونة". ثم انصرف حسان إلى مدينة "القيروان" فأقام بها حتى برئت جراح أصحابه٢.
٣- بقي أن يتصدى حسان للتجمع البربري الضخم والشرس في منطقة جبال الأوراس في الداخل، بقيادة "الكاهنة" التي تمكنت -كما ذكرنا- من تجميع قوي البربر وئاستها لهم بعد مقتل "كسيلة الأوربي". وكان حسان قد أدرك أن هذا التجمع له خطورة قصوى، ولا بد من التصدي له، وأنه إن تمكن من التغلب عليه فقد دان له المغرب كله، وسقطت فيه آخر قاعدة ضخمة للمقاومة، وقد ذكر ابن عذارى هذا المعنى في قوله: "لما دخل حسان القيروان أراح بها أياما، ثم سأل أهلها عمن بقي من أعظم ملوك إفريقية، ليسير إليه فيبيده أو يسلم، فدلوه على امرأة بجبل أوراس يقال لها الكاهنة، وجميع من بإفريقية من الروم منها خائفون، وجميع البربر لها مطيعون، فإن قتلها كان لك المغرب كله، لم يبق لك مضاد ولا معاند"٣.
ولذلك توجه إليها حسان بجيوشه والتقى معها عند وادي "مسكيانه". ورغم ما تقوله النصوص التاريخية من أن الجيش الإسلامي كان في أعلى الوادي "أي في مركز استراتيجي جيد"، وأن جموع البربر كانت في أسفله فإن القتال المرير انتهى بهزيمة حسان هزيمة منكرة أدت إلى ضياع كل "إفريقية" وراتداد المسلمين إلى حدود مدينة
стр. 76
"قابس"١ "راجع موقع قابس على الخريطة". ويصف المؤرخون هذا اللقاء بأن الفريقين "اقتتلوا قتالا شديدا، فعظم البلاء، وظن المسلمون أنه الفناء، وانهزم حسان بعد بلاء عظيم، فاتبعته "الكاهنة" بمن معها حتى خرج من حد قابس، فأسلم إفريقية، ومضى على وجهه، وأسرت من أصحابه ثمانية رجال، وقيل: ثمانين رجلا". وقد سمى الوادي الذي وقعت فيه المعركة بـ "وادي العذارى" لكثرة من قتل فيه من زهرة شباب المسلمين٢.
وعلى إثر هذه الهزيمة استرد الروم عاصمتهم "قرطاجنة"، وكان استردادهم لها متسما بالقسوة والعنف، فقد أعدوا أسطولا كبيرا بقيادة البطريق يوحنا، وهاجموا المدينة "سنة ٧٨هـ/ ٦٩٧م"، وتمكنوا من الفتك بالحامية العربية الموجودة فيها، حتى ليقال: إن قائد الحملة كان يباشر قتل المسلمين بيده٣.
وقد كتب حسان إلى الخليفة بخبر هذه الهزيمة وما ترتب عليها، وكان مما قال: "إن أمم المغرب ليس لها غاية، ولا يقف أحد منها على نهاية، كلما بادت أمة خلفتها أمم، وهي من الحفل والكثرة كسائمة النعم". فعاد الجواب يأمره أن يقيم حيث وافاه، فورد عليه فيه "برقة"، فأقام بها، وبنى هناك قصورا عرفت بصورة حسان٤. وهكذا اضطر المسلمون إلى التخلي عن فتوحهم في المغرب للمرة الثالثة خلال عشر سنوات فقط "من ٦٥- إلى ٧٤هـ"، وتطلب الأمر إلى خمس سنوات طوال لاسترجاع البلاد التي سادتها تلك المرأة الكاهنة.
الجولة الثانية: النصر والتمكين النهائي
تأخر وصول المدد من الخليفة لمدة تصل إلى خمس سنوات، وقيل: ثلاث سنوات، وهي مدة طويلة جعلت الكاهنة صاحبة الشأن في تصريف شئون "إفريقية". وكان مما فعلته -وأجمع عليه المؤرخون القدامى- أنها اتبعت ما يسمى "حرب الأرض المحروقة"، وهي سياسة حربية تقوم على التخريب، وترك الأرض خرابا
стр. 77
أمام الخصم حتى لا ينتفع بخيراتها ويزهد في الإقامة بها. وقد درست الكاهنة موقف العرب والمسلمين، وعرفت أنهم عائدون بعد حين كما فعلوا من قبل، فعمدت إلى تخريب المدن والقرى، وهدم الحصون، وحرق أشجار الزيتون والكروم. ويروي المؤرخون قولها للبربر: "إن العرب إنما يطلبون من إفريقية المدائن والذهب والفضة ونحن إنما نريد منها المزارع والمراعي، فلا نرى لك إلا خراب بلاد إفريقية كلها، حتى ييئس منها العرب، فلا يكون لهم رجوع إليها آخر الدهر"١.
ولقد أخطأت "الكاهنة" هدفها وظنت أن المسلمين إنما يقدمون للسلب والنهب والاستيلاء على المدن والذهب والفضة كما كان يفعل الغزاة سابقا، ولم تعرف أنهم حملة رسالة، ومبلغي دعوة، ودعاة إلى دين الله تعالى. وقد عجل هذا الفعل منها بالقضاء عليها، وجعل أهل البلاد من الروم خاصة وأتباعهم من الأفارقة يفرون إلى جزائر البحر، بل ويستغيثون بحسان بن النعمان فيما نزل بهم من خراب٢.
أما بالنسبة لحسان فقد قضى مدة السنوات الخمس يستعد لخوض المعركة الفاصلة ويأخذ لها الأهبة كاملة، واستطاع -من خلال التخابر والاستطلاع- أن يعرف مواطن القوة والضعف في صفوف العدو. وعندما أتم حالة الاستعداد، ووصلته الأمداد من جنوب العرب وفرسانهم وممن انضم إليهم من مسلمي البربر سار إلى الكاهنة، والتقى بها مع جيشها، وتمكن من هزيمتها وقتلها، "واقتحم جبال الأوراس عنوة، واستلحم فيه زهاء مائة ألف"٣.
وكان من ثمرات هذا النصر المبين أن سارع كثير من البربر يطلبون الأمان ويعلنون الإسلام والطاعة، لكن -لما يعرفه حسان من كثرة ارتداد البربر- "لم يقبل أمانهم إلا أن يعطوه من جميع قبائلهم اثني عشر ألفا يكونوا مع العرب مجاهدين، فأجابوه، وأسلموا على يديه"٤.
стр. 78
هكذا قضى العرب المسلمون على آخر حركة للمقاومة قام بها أهالي البلاد، إذ كانت الكاهنة هي الحصن الأخير الذي احتمى وراءه البربر والروم، فلما سقطت انتهت كل مقاومة، ولم يبق أمام العرب بعد ذلك إلا "غبار قبائل".
أما عن "قرطاجنة" التي استعادها الروم "سنة ٧٨هـ" بعد حملة حسان بن النعمان الأولى فقد سار إليها حسان، وطرد منها الحامية الرومية التي استقرت فيها بقيادة البطريق يوحنا، واستولى على المدينة عنوة وقام بتخريبها حتى "صارت كأمس الغابر" كما يقول ابن عذارى١. ولم يعد لها بعد ذلك أثر يذكر، غير أن الفرنسيين عندما احتلوا إقليم تونس -في العصر الحديث- أحيوها من جديد في صورة ضاحية لمدينة تونس الحالية، وعرفت باسمها الفرنسي، وهو "قرطاج" وقد أصبحت الآن جزءا من مدينة تونس.
وإذا كان عمرو بن العاص عندما دخل "الإسكندرية" فاتحا -في المرة الثانية- أقسم ليهدمن سورها، فإن حسان بن النعمان قرر أن يتخلص من "قرطاجنة" كلها، وهي الباب الذي يأتي منه الروم، وذلك بسبب تطرفها وصعوبة الدفاع عنها٢.
أعمال حسان بن النعمان الإصلاحية في المغرب وبداية التحول الفعلي لأهل البلاد إلى الإسلام:
بهذا يكون حسان بن النعمان قد أتم فتح "إفريقية" و"المغرب الأوسط"، ورأى أن عليه -قبل أن يسترسل في إكمال الأعمال العسكرية- أن ينظم هذه البلاد الواسعة التي دانت بعد ما يقرب من ستين "٦٠" عاما منذ بدأ عمرو بن العاص فتحها "سنة ٢١هـ/ ٦٤٢م"؛ فقام ببعض الأعمال الإنشائية والإدارية المهمة، كان لها الأثر البعيد في بلاد المغرب، وتثبيت الإسلام فيها إلى آخر الدهر إن شاء الله، فمن ذلك:
١- أنه اهتم بعمران مدينة "القيروان" على نحو تتسع معه لجموع العرب والمسلمين التي سكنتها حتى أصبحت المدينة جديرة بمركزها كعاصمة للبلاد بدلا من
стр. 79
"قرطاجنة"، كما أنه جدد مسجدها وأحسن بناءه، وأقام في المدينة يوجه منها شئون البلاد ويدير أحوالها. وقد عمرها المسلمون حتى انتشر فيها العمران، واتسعت رقعتها١.
٢- ولم يكن حسان مطمئنا من ناحية الروم، وكان يرى أن سقوط "قرطاجنة" وتخريبها لا يمنع من عودتهم إلى مكان آخر من الساحل، فعول على إنشاء ميناء إسلامي جديد على مقربة من "قرطاجنة" ليشرف على البحر، ويحول بين الروم وبين الاقتراب. ومن هنا شرع في بناء مدينة "تونس"٢ "سنة ٨٤هـ/ ٧٠٣م"، وتزويدها بدار صناعة لبناء الأساطيل.
وعلى الرغم من أن "تونس" لم تزد -عند إنشائها في عهد حسان بن النعمان- عن محرس صغير به بعض المساجد والمباني السكنية ودار صناعة السفن -فإنها ستصبح بعد ذلك بثلاثين سنة في ولاية عبيد الله بن الحبحاب "١١٦-١٢٣هـ" ثغر إفريقية الكبير، ويتكون فيها أسطول عظيم يغزو المسلمون به جزيرة "صقلية" وجنوب إيطاليا، بل وجنوبي فرنسا، ويمهدون به السبيل للسيطرة على غرب البحر الأبيض المتوسط٣.
٣- وكان حسان بن النعمان أول من أدخل البربر بشكل منظم في الجيش العربي الإفريقي وحرص على أن يشرك معه نفرا من أهل القبائل في حروبه، وجعل اشتراكهم معه في الحرب شرطا لتأمينهم، أي إنه فرض الخدمة العسكرية على أهلها البلاد، جنبا إلى جنب مع العرب. وكانت تلك خطوة موفقة استطاع بها حسان أن يضمن ولاء البربر، وأن يحبب إليهم الإسلام. وإذا كان الغرض من الفتح الإسلامي هو نشر الإسلام والتعريب -وتلك هي رسالة المسلمين- فإن انضمام البربر إلى الجيش العربي، يعني دخولهم في الإسلام.
стр. 80
ولم يكتف حسان بأن يشرك هؤلاء البربر في حروبه ويجعل لهم نصيبا من الغنائم وإنما رتب لهم أعطيات تصرف لهم من بيت المال، وساوى بينهم وبين العرب في هذا العطاء وفي المعاملة، فأحبه البربر، وأخلصوا للدولة، حتى صاروا -يفيما بعد- نواة لفتح شبة الجزيرة الإيبيرية "إسبانيا"١.
٤- اهتم حسان بتعليم البربر القرآن وأصول الإسلام، وعهد بهذه المهمة إلى ثلاثة عشر فقيها من أفاضل التابعين٢. وبطبيعة الحال كان تعليم القرآن لهؤلاء البربر وغيرهم يعني تعليمهم اللغة العربية، ونشر الأخلاق الإسلامية، واكتسابهم إلى العروبة بصفة نهائية، وبذلك سار التعريب جنبا إلى جنب مع الإسلام منذ البداية.
٥- قسم الأراضي خططا للبربر، أي اختص كل قبيلة بخطة تتصرف بها، وتؤدي مالها، وتكون مسئولة عنها.
٦- دون الدواوين، أي نظم شئون الحكومة، وعين الموظفين على نواحي الإدارة؛ من خراج، وزكاة، وجند، وما إلى ذلك، واختارهم من ذوي الحزم والحصافة، ومن ذوي الدين والإخلا والنزاهة٣.
٧- اعتبر أرض المغرب مفتوحة صلحا لا عنوة، فأقر البربر على ما بيدهم من الأرض، ومعنى ذلك أن يؤدوا عنها "الخراج". أما الأراضي التي كانت ملكا للبيزنطيين ومن قاوم الفتح من الأفارقة فقد اعتبرها حسان مفتوحة عنوة، ولذا اعتبرها من أملاك المسلمين، واعتبر من وجدهم عليها موالي لهم، فكان لهذه الناحية أثر طيب في نفوس البربر٤.
стр. 81
٨- عين القضاة في النواحي المختلفة للفصل في الخصومات، والحكم بين الناس بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
وبهذه التنظيمات الإدارية والمالية التي وضعها حسان بن النعمان دخل تاريخ "إفريقية" الإسلامية في دور جديد، وتحولت إلى قاعدة إسلامية ينطلق منها المسلمون إلى ما يليها غربا. ولهذا يعتبر هذا الفاتح العظيم من أكابر بناة الدولة الإسلامية، والفاتح الحقيقي لبلاد المغرب. وقد استحق -عن جدارة- أن يسمى "الشيخ الأمين"١.
стр. 82
ثانيا: ولاية موسى بن نصير، واستقرار الفتح "٨٥-٩٥هـ/ ٧٠٥-٧١٤م"
وبعد سنة واحدة من إنشاء ميناء تونس جاء قرار عزل حسان بن النعمان عن ولاية المغرب في أواخر "سنة ٨٥هـ/ ٧٠٥م"، أو في أوائل "سنة ٨٦هـ" وعين موسى بن نصير مكانه أميرا على البلاد٢.
والحق أن حسان بن النعمان -وإن كان قد مهد "إفريقية" و"المغرب الأوسط" -فإن المغرب الأقصى لم يكن قد تمهد أمام المسلمين، وهذا ما وقع على كاهل موسى ابن نصير، ولا شك أنه أفاد من تجارب الفاتحين السابقين، وكانت حملاته أشبه بنزهات عسكرية -كما يقال- "لأن الإقليم كان قد عرف من قبل جهاد المسلمين وبأسهم، وحرصهم على تمام الفتح، كما أن عددا من البربر لا يستهان به دخل الإسلام وعرفه، وأن عددا منهم شارك في الجهاد مع حسان بن النعمان كما عرفنا، بالإضافة إلى ما عرف من مهارة موسى بن نصير وحنكته وحبه للجهاد"٣.
وقد بدأ موسى أعماله الحربية بالقضاء على بقايا جيوب المقاومة في "إفريقية"،
стр. 83
فسير كتيبة من خمسمائة فارس إلى قلعة "زغوان" -على مسيرة يوم من القيروان- فتم فتحها، ودخل القيوان من سبيها عشرة آلاف. هذا، في الوقت الذي أرسل فيه "موسى" أبناءه على رأس مجموعات من الجند لإخضاع المناطق المحيطة بالقيروان، وقد نجحوا في تحقيق ما خرجوا من أجله، وكان الهدف من الحملات تأمين الخطوط الخلفية إذا ما خرج "موسى" للجهاد في المغربين: الأوسط والأقصى١.
توجه موسى -بعد ذلك- إلى المغرب الأوسط لتوطيد أقدام الفتح فيه، إكمالا لما قام به حسان بن النعمان، وقد "رأى أن البربر قد طمعوا في البلاد" -كما يقول ابن خلدون٢- حيث بدأت بعض العناصر البربرية من المهيمنين على هذا الإقليم في التحرك، وهم من قبائل "زناتة" و"هوارة" و"كتامة"، يقودهم رجل يدعوى "طامون. وكان على موسى -لكي يتهيأ له السيطرة التامة على المغرب الأوسط- أن يقضي على قوة هذا الرجل مثلما سبق لحسان أن قضى على الكاهنة من قبل. وبالفعل تمكن موسى به القضاء عليه، وأرسله إلى مصر حيث قتل هنالك٣.
وقد ظهرت آثار هذا النصر سريعا، فبدأت القبائل -وعلى رأسها "كتامة"- في طلب الأمان، وإرسال الرهائن، دليلا على الدخول في الطاعة وصدق النوايا٤.
وبذلك تمكن موسى من السيطرة على المغرب الأوسط، وبقي عليه أن ينطلق إلى "المغرب الأقصى"، لقتال القبائل التي ما زالت خارج سيطرة المسلمين. ويبدو أن أخبار موسى وانتصاراته قد وصلت إلى سكان هذا الإقليم فعرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فهربوا أمامه، وسهل عليه فتح الإقليم بسرعة واضحة، فمال إلى المدن الكبرى ومواطن التجمعات البربرية، فافتتح "درعة" وصحراء "تافيلالت" في "السوس الأقصى" -أو سجلماسة- وسيطر على قبائل "صنهاجة" و"المصامدة"، وأخضعها كلها للإسلام، فدخول فيه طوعا، وولى عليهم واليا٥.
стр. 84
وبعد أن تم لموسى إخضاع هذه المناطق في جنوب المغرب الأقصى تطلع نحو إقليم طنجة -في الساحل الشمالي الغربي- التي كانت للأمير الرومي "يوليان" منذ أيام عقبة بن نافع١ "راجع الخريطة"، فنجح في انتزاع "المدينة" وما حولها لأول مرة، وكان "بها من البربر بطون من البتر والبرانس ممن لم يدخل في الطاعة"٢. وقد ترك موسى على ساحل "طنجة" حامية عسكرية للرباط تتكون من ألف وسبعمائة "١٧٠٠" رجل من العرب، واثني عشر "١٢" ألف من البربر، وولى عليهم قائده ومولاه البربري "طارق بن زياد"٣.
وبذلك تم فتح "المغرب الأقصى" كله، عدا مدينة "سبتة" الساحلية القريبة من "طنجة"، استعت على المسلمين لمناعتها، وبقية في يد "يليان" إلى حين.
وقد رأى موسى بن نصير ضرورة تأمين هذا الفتح المجيد عن طريق غزو جزيرة صقلية التي كان من الممكن أن يتخذها اليزنطيون قاعدة لضرب المغرب. ولقد مهد لذلك بالاهتمام بعمران مدينة تونس، وتوسيع دار الصناعة بها، ثم جهز حملة بقيادة "عياش بن أخيل"، فسار بالأسطول إلى جزيرة صقلية، ونزل على مدينة فيها تسمى "سرقوسة"، "فغنمها وجميع ما بها، وقفل سالما غانما"٤.
وعلى الرغم من أن هذه الغزوة كانت سريعة، وعاد منها المسلمون بمغانم وفيرة، فإنها تعد بداية لنشاط المسلمين الواسع في الحوض الغربي للبحر المتوسط، الذي سيتحول شيئا فشيئا إلى بحيرة إسلامية، وخاصة بعد فتح إسبانيا "الأندلس" -"٩٢هـ/ ٧١١م"- ثم فتح صقلية في أوائل القرن الهجري الثالث، وبالتحديد "سنة ٢١٢هـ/ ٨٢٧م".
ولم يكتف موسى بالنواحي العسكرية، وإنما بدأ بمهمة أخرى لا تقل أهمية عن جهاده الحربي، وهي تثبيت الإسلام، وتعليم اللغة العربية؛ فقد عهد إلى الدعاة
стр. 85
بتعليم البربر القرآن الكريم، وتفقيهم في الدين١. كما أنه حرص على حسن معاملتهم، وأشركهم في حكم البلاد كما فعل حسان بن النعمان، ويتضح ذلك من تولية طارق بن زياد على "طنجة" عاصمة المغرب الأقصى. وسيقود طارق -فيما بعد "٩٢هـ/ ٧١١م"- جيشا كبيرا، جله من البربر، لفتح شبه الجزيرة الإيبيرية "إسبانيا"، وحمل رسالة الإسلام لأول مرة عبر البحر إلى القارة الأوربية من ناحية الغرب، بعد أن فشل المسلمون كثيرا في دخول هذه القارة -عبر القسطنطينية- من الشرق.
من نتائج الفتح الإسلامي للمغرب ٢:
ولا شك في أن الفتح الإسلامي لبلاد المغرب قد أحدث تغييرا دينيا وسياسيا واجتماعيا، وهو ما عجز عنه الغزو الروماني أو البيزنطي لهذه البلاد؛ وكان ذلك لاختلاف الهدف بين الفريقين، فعلى حين كان المسلمون يتطلعون إلى نشر الدين الإسلامي واستمالة البربر نحوه، وزيادة مساحة الدولة الإسلامية، كان البيزنطيون يهدفون إلى استعباد الشعوب واستغلال ثروات البلاد.
ومن ثم فقد كان من أبرز نتائج الفتح الإسلامي:
١- انتشار الإسلام بين قبائل البربر، وإرشادهم إلى العقيدة الصحيحة السهلة، ولذا تحمت قبائل البربر للدين الإسلامي، وانضموا تحت لوائه لنشره والدفاع عنه، وتمتع البربر بجميع الحقوق التي كان يتمتع بها سائر المسلمين آنذاك.
٢- تصور المجتمع البربري، وتغيرت عاداته وتقاليده بعد الفتح الإسلامي واحتكاك البربر بالفاتحين.
٣- بدأت اللغة العربية في الانتشار بين البربر، وساعد على انتشارها كونها لغة الدين الجديد، مما رغب البربر في تعلمها حتى يتفقهوا في الدين، ويتعلموا قواعد الإسلام، فضلا عما كان لتعريف الدواوين على مستوى الدولة الإسلامية في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، من أثر في انتشار اللغة العربية في جميع أرجاء
стр. 86
الدولة الإسلامية حتى صارت لغة الإدارة الحكومية، فضلا عن كونها لغة الدين والفكر والثقافة الإسلامية.
٤- ساهم البربر مساهمة كبيرة في الجيش الإسلامي، وبخاصة عندها فتح العرب ميدانا جديدا كانوا يتحرقون شوقا إلى مثله، وهو ميدان الأندلس لنشر الإسلام، لكان "طارق بن زياد" قائد حملة الفتح من البربر، وكان معظم قادة الجيش منهم.
٥- إنشاء عاصمة إسلامية بالمغرب لتكون حاضرة من حواضر نشر الإسلام ألا وهي القيروان.
٦- إنشاء عدد من المساجد كان لها دور عظيم في نشر الثقافة الإسلامية، فهي منارات العلم، ومراكز الإشعاع الحضاري.
٧- وأخيرا فإن من أبرز النتائج السياسية للفتح: إبراز القوة الإسلامية وتصديها للروم -العدو الدائم للمسلمين- وكسر شوكتهم، وبسط النفوذ الإسلامي، وانحسار سلطان الدولة البيزنطية.
ومن خلال هذه المعطيات يمكن القول: إن الفتح العربي الإسلامي لبلاد المغرب لم يكن فتحا عسكريا، وإنما كان -في المقام الأول- فتحا حضاريا، أثر في الحياة العامة المغربية تأثيرا كبيرا، وحقق لها وحدتها في الدين واللغة.
стр. 87
فتح إسبانيا وبلاد الغال "جنوب فرنسا ":
أ- فتح إسبانيا:
يعتبر فتح إسبانيا "الأندلس"، تابعا لفتوح المسلمين في الغرب، وقد كان فتحا رائعا من الناحية العسكرية أضاف إلى دولة الإسلام قطرا ضخما من أقطار أوروبا، وامتد الإسلام به على ثلاث قارات. وبهذا الفتح نجح المسلمون في دخول القارة الأوروبية من الغرب، في حين فشلوا في دخولها بمحاولة فتح "القسطنطينية" من الشرق، ثم أتيحت لهم الفرصة بعد ذلك للتوغل في غرب أوروبا حتى وصلوا إلى قرب نهر "السين" في جنوب بلاد غالة "فرنسا". ومن ذلك الحين أصبح الإسلام عاملا رئيسيا من العوامل الموجهة لتاريخ الغرب الأوروبي١.
وكان "القوط" -وهم قبائل جرمانية- آخر الشعوب التي حكمت "إسبانيا"، في الفترة ما بين أوائل القرن الخامس الميلادي إلى أن فتحها المسلمون "سنة ٧١١م"، أي قرابة قرنين من الزمان. وقد اتخذوا من مدينة "طليطلة" -في شمال البلاد- عاصمة لهم. وفي السنوات الثلاثين الأخيرة من حكم القوط في "إسبانيا" أساءوا الحكم بين الرعية، إلى الحد الذي جعل المستشرق الفرنسي "ليفي بروفنسال" يطلق على هذه السنوات وصف "السنوات العجاف" بالنسبة لما يعرف من تاريخ إسبانيا القوطية، حيث كانت هذه الفترة مشحونة بالفوضى والاضطرابات، وأصاب المدن اضمحلال عام نتيجة لاضطراب أمور الدولة، وعدم الإحساس بالأمن، وسوء الأحوال المعيشية وسياسة الاستغلال. ويرجع السبب في ذلك إلى كثرة المنازعات والصراع بين الطبقات والحاكمين، وفيما بين الحكام القوط أنفسهم، إضافة إلى تفكك المجتمع الإسباني وقيامه على الطبقات المتحاجزة. وبعبارة مجملة: كانت إسبانيا قبل الفتح الإسلامي تشكو الفشل السياسي، والتأخر الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي، والظلم الطبقي.
وقبل الفتح بسنة واحدة -أو تزيد- قام أحد رجال الجيش -ويدعي "رودريك"
стр. 88
"Rodrgo" -ويعربه العرب إلى "لذريق"- بالاستيلاء على السلطة، وعزل الملك "غيطشة" "Witiza" وأصبح الحاكم الفعلي للبلاد، واتبع سياسة ظالمة، فتغيرت قلوب الناس عليه، واشتعلت ضده نيران الثورات في "طليطلة" وغيرها، يقودها أتباع الملك السابق وأفراد أسرته، حيث كانوا يتحينون الفرصة لاستعادة ملكهم، وقد وجودها في الفتح الإسلامي، فلجأوا إلى المسلمين للاستعانة بهم١.
مقدمات الفتح:
بعد أن اغتصب "لذريق" عرق إسبانيا أمعن في مطاردة أفراد بيت الملك "غيطشة" وتتبع أنصاره بالأذى، ففروا من إسبانيا والتمسوا سبل النجاة، إما إلى أقصى الشمال، أو إلى مدينة "سبتة" وهي ولاية إفريقية تابعة للقوط، وكانت حصنا منيعا من الحصون الإفريقية التي لم يخضها المسلمون بعد، كما كانت ثغرا له قيمته على مضيق جبل طارق. ويبدوا أن حاكم "سبتة" آنذاك -ويدعى "يليان" "JULIAN" كان من أنصار الملك "غيطشة" وأنه كان يدين له بالولاء. ويقال: إنه كان يمت بصلة القرابة والنسب إلى أسرة الملك، فلما انتزع "لذريق" عرش إسبانيا من أصحابه عمد "يليان" -بمعاونة أنصار الملك المخلوع وأقربائه- إلى استرجاع ملكهم، مستعينا في ذلك بالمسلمين الذين دانت لهم بلاد الشمال الإفريقي، وكان ذلك مقدمة الفتح.
وتتفق المصادر العربية على أن "يليان" توجه بنفسه إلى طارق بن زياد قائد القوات الإسلامية المعسكرة عند مدينة "طنجة" بالمغرب الأقصى -والقريبة من مدينة "سبتة"- يعرض عليه أن يساعده في دخول الأندلس. ولم يتردد طارق في الاتصال فورا بموسى بن نصير -وكان مقيما في القيروان- فأبلغه ما كان من أمر "يليان" ورحب بما عرضه عليه٢.
стр. 89
كان موسى بن نصير متلهفا على افتتاح الأندلس، لكنه لم يشأ أن يقحم المسلمين في مغامرة لا يعلم نتائجها إلا الله، ولم يكن قد وثق بعد بيليان، ثم إنه لا يستطيع أن يقبل على هذا العمل العسكري الكبير دون أن يستأذن الخليفة أو يستشيره فيما هو مقبل عليه. وهذا ما حدث بالفعل؛ فكتب إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك "يخبره بالذي دعاه إليه يليان من أمر الأندلس، ويستأذنه في اقتحامها. فكتب إليه الوليد "أن خضها بالسرايا حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال". فراجعه "موسى": "إنه ليس ببحر زخار، إنما هو خليج منه يبين للناظر ما خلفه". فكتب إليه: "وإن كان، فلا بد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه"١.
لقد ترددت الخلافة -بادئ الأمر- بالقيام بمثل هذا العمل الكبير، خوفا على المسلمين من المخاطرة في مفاوز، أو إيقاعهم في مهالك. لكن موسى أقنح الخليفة بالأمر، ثم تم الاتفاق على أن يسبق الفتح اختبار المكان بالسرايا، أو الحملات الاستطلاعية.
عمل موسى بن نصير بهذه النصيحة، وأرسل في رمضان "سنة ٩١هـ/ ٧١١م" سرية استكشافية مكونة من خمسمائة جندي -فيهم مائة فارس- بقيادة "طريف بن مالك" الملقب بأبي زرعة، وهو مسلم بربري، ويقال إنه من أصل عربي ينتسب إلى قبيلة "معافر" أو "نخع" اليمنية٢. وقد عبر هذا الجيش الزقاق "مضيق جبل طارق" من سبتة، بسفن "يليان" أو بسفن غيره، ونزل في جزية تعرف باسم "بالوما "PALOMAS" التي عرفت فيما بعد باسم "جزيرة طريف". وعادت هذه الحملة بالغنائم الوفيرة، وبالأخبار المشجعة على الاستمرار في عملية الفتح٣.
وقبل الحديث عن الخطوة التالية في فتح الأندلس نشير ها إلى ملاحظتين:
الأولى: كانت فكرة فتح شبه الجزيرة الإيبيرية فكرة إسلامية خالصة. بل
стр. 90
ويروى أنها فكرة قديمة تمتد إلى أيام الخليفة الراشد عثمان بن عفان١. وكان القائد عقبة بن نافع الفهري "٦٣هـ" يفكر في اجتياز المضيق إلى إسبانيا لو استطاع٢. ويذكر الذهبي أن موسى بن نصير جهز ولده عبد الله، فافتتح جزيرتي "ميورقة" و"منورقة" وهما من الجزر القريبة من شواطئ إسبانيا الشرقية، وكان ذلك سنة ٨٩هـ٣، أي قبل الفتح بعامين تقريبا، أما الاتصال بيليان -حاكم سبتة- أو بغيره من الإسبان فإنه جاء مواتيا -على ما يبدو- في الوقت الذي كان موسى بن نصير يفكر في تنفيذ فكرة الفتحز ومن هنا يمكن القول: إن اتصالات الجانب الإسباني بموسى ومساعداتهم ربما كانت عاملا مساعدا سهل سير الفتح أو عجل به. لكن المبادأة ومرد العمليات وإنجازها كانت من الجانب الإسلامي الذي اندفع مع الفتح بقوة فائقة مرتكز على عقيدته٤.
والثانية: لقد اعتقد "يليان" -وأتباعه- أن الاتصال بالمسلمين في التخلص من "لذريق" الحاكم المستبد لا يزيد على الاستعانة بهم في إنزال ضربة قاصمة بالقوط، ثم يعودون إلى حدودهم ببلاد المغرب محلمين بالغنائم، وغاب عنهم أن المسلمين حملة رسالة سامية، وأنهم مكلفون بتبليغها لكل الناس، وأن ما يشغلهم قبل كل شيء هو نشر مبادئ دينهم السمحة وتعريف الشعوب بها.
مراحل الفتح:
ويطول المقام لو أردنا أن نتتبع -في هذا المختصر- مراحل الفتح الإسلامي بكل تفاصيلها، لكن حسبنا أن نجمع هذه التفاصيل في النقاط التالية:
أولا: عبور طارق بن زياد بقواته إلى الأندلس:
اطمأن موسى بن نصير إلى النتائج التي حققتها الحملة الاستطلاعية بقيادة طريف ابن مالك، وزادت رغبته في الفتح، واشتد عزمه وتلهفه على السير في هذه المغامرة، فأعد حملة عسكرية قوامها سبعة آلاف جندي، وجلهم من المسلمين البربر، وأمر
стр. 91
عليهم قائدا من قواده المشهورين بحسن القيادة والكفاءة وقوة الإخلاص، هو مولاه طارق بن زياد" وهو -في أصح الآراء- بربري من قبيلة "نفزة"١.
ومن الغريب أن يكون الجيش الذي أعده للحملة مكونا كله من البربر باستثناء عدد قليل من العرب "لا يزيد على الثلاثمائة". وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الفتوح الإسلامية يتولى فيها جيش كامل من المغلوبين فتح قطر من الأقطار الكبرى كالأندلس. ويدل هذا على أن بربر المغرب قد حسن إسلامهم، وأصبحوا على هذا النحو يؤلفون القوة الكبرى التي اعتمد عليها موسى بن نصير في فتح الأندلس عسكريا. ويبدوا أن البربر كانوا أكثر معرفة من العرب ببلاد الأندلس، فالمغرب والأندلس يؤلفان وحدة جغرافية وتاريخية في آن واحد٢.
عبر طارق بن زياد بجيشه من "سبتة" "أو من "طنجة"" إلى الطرف الآخر من المضيق في الخامس من شهر رجب -أو في شعبان- "عام ٩٢هـ/ ٧١١م"، في السفن الأربعة التي كانت ملكا ليلان ووضعها في خدمة المسلمين٣. وذكر المؤرخ ابن عذارى أن "يليان كان "يحمل أصحاب طارق في مراكب التجار التي تختلف إلى الأندلس، ولا يشعر أهل الأندلس بذلك، ويظنون أن المراكب تختلف بالتجار، فحمل الناس فوجا بعد فوج إلى الأندلس٤. ولا شك أن موسى استعان في العبور ببعض قطع من أسطوله الإسلامي الذي أنتجته دار الصناعة بتونس٥، والقول بأن القيام بعملية فتح إقليم كبير مثل الأندلس يمكن أن يفي بحاجته استعارة سفن قول بعيد، فمن الراجح تماما أنه كانت للمسلمين سفنهم، استعملها جيشهم في هذا الفتح٦.
стр. 92
تجمع الجيش الإسلامي -بعد العبور- عند جبل "كالبي" "CALPE" الذي عرف فيما بعد باسم "جبل طارق"، وأقام طارق بتلك المنطقة عدة أيام بني خلالها سورا أحاط بجيوشه سماه "سور العرب"١، وأقام قاعدة حربية بجوار الجبل على الساحل لحماية الجيش من الخلف في حالة الانسحاب، في موضع يقابل "الجزيرة الخضراء" وعليه أقيمت هذه المدينة فيما بعد. "وهذا الميناء يسهل اتصاله بميناء "سبتة" المغربي، على حين يصعب اتصاله بإسبانيا لوجود مرتفعات بينهما"٢. ولم يمض وقت طويل حتى اشتبك الجيش الإسلامي مع قوات القوط في عدة معارك بالقرب من "الجزيرة الخضراء" انتصر فيها المسلمون يقول الرازي -وهو من كبار المؤرخين الأندلسيين- "لما بلغ لذريق خبر طارق ومن معه ومكانهم الذي هم فيه بعث إليهم الجيوش، جيشا بعد جيش. وكان قد قود على أحدهم ابن أخت له يسمى "ينج" وكان أكبر رجاله، فكانوا عند كل لقاء يهزمون ويقتلون، وقتل "ينج" وهزم عسكره"، فقوى المسلمون، وركب الرجالة الخيل، وانتشروا بناحيتهم التي جازوا بها"٣.
ثانيا: معركة وادي برباط "أو: وادي لكه": الفاصلة
وبينما كان لذريق مشغولا بإخماد بعض الثورات في "بنبلونة" -في الشمال- جاءه الخبر بمجيء الجيوش الإسلامية وانتصارهم على قواته في عدد من المعارك، فهاله ما حدث، وأصيب بهلع ورعب شديدين، وكر راجعا إلى "طليطلة"، وبدأ يعبأ جيشه للقاء المسلمين. ويذكر المؤرخون أنه جمع مائة ألف مقاتل. وقيل سبعين ألفا٤. وقد وصلت أنباء تلك الحشود إلى طارق بن زياد، فكتب إلى موسى بن نصير يستمده، فأمده بخمسة آلاف جندي، على رأسهم "طريف بن مالك" وأغلبهم من الفرسان، وبهم كملت عدة الجيش الإسلامي اثني عشر ألفا٥.
стр. 93
وقد واصل طارق بن زياد السير بجيوشه ومشى في محاذاة الساحل، وأقام معسكره في منطقة سهلية واسعة في كورة "شذونة" جنوب غرب إسبانيا بالقرب من نهر "برباط" ووادي "لكه" الذي يصب في المحيط مدينة "قادس" الساحلية١. وفي هذه المنطقة تم اللقاء بين الجيش الإسلامي والجيش القوطي، ودار معركة هائلة استمرت ثمانية أيام "من الأحد ٢٨ رمضان -إلى الأحد الخامس من شوال/ ١٩-٢٦ يوليو ٧١١م"، وانتهت بهزيمة القوط هزيمة ساحقة، بعد أن اقتتل الطرفان "اقتتالا شديدا حتى ظنوا أنه الفناء"، وتبع المسلمون فلول القوط بالقتل والأسر، ولم يرفعوا عنهم السيف ثلاثة أيام٢. وقد اختلفت الروايات في شأن مصير "لذريق"، فقيل: إنه قتل غريقا في "وادي لكه". ويذكر البعض أنه فر من الميدان والتقى بالمسلمين في معركة أخرى شمال إسبانيا في ولاية شلمنقة وقتل فيها، وهذا الرأي الأخير ضعيف، لا تدعمه الأدلة٣.
وتعد معركة "وادي لكه" معركة فاصلة، توقف عليها مصير إسبانيا في يد المسلمين، بحيث يمكن القول "إن جميع المعارك التي حدثت بعد ذلك في بقية أنحاء شبه الجزيرة كانت بمثابة مناوشات بسيطة -وإن كان بعضها مهما وقويا- إذا قورنت بهذه المعركة الفاصلة، ولم يستغرق استيلاء المسلمين على إسبانيا بعد ذلك -رغم وعورة مسالكها وقسوة مناخها- أكثر من ثلاث سنوات، وهذا يدل على أن المقاومة كانت قد ضعفت تقريبا"٤.
ثالثا: الاتجاه نحو الشمال وفتح طليطلة عاصمة القوط
وبعد هذا النصر العظيم الذي حققه طارق بن زياد وجنده كان لابد أن يجنى
стр. 94
ثماره قبل أن تتجمع فلول القوط مرة أخرى، فزحف إلى الشمال نحو مدينة "طليطلة" قبل أن يتدارك القوط الأمر ويحكموا الدفاع عنها، وفي طريقه إليها فتح عدة مدن، مثل "مورور" و"إستجة" و"قرطبة" و"إلبيرة" و"غرناطة"، ثم توجه إلى "طليطلة" ودخلها سنة "٩٣هـ" دون مقاومة فوجدها خالية "ليس فيها إلا اليهود في قوم قلة"١ وقد فر حاكمها مع أصحابه من كبار القوط والقساوسة -في اتجاه شمال شرقي- حاملين معهم ذخائر الكنيسة، فترك طارق فرقة من جنوده في "طليطلة" ومضى يطارد الفارين في الطريق الذي يسميه العرب "وادي الحجارة" وعند بلدة صغيرة تسمى "الكالا دي هنارس" -"ويسميها العرب "قلعة عبد السلام" وتسمى أيضا بمدينة "المائدة"٢" أدرك المسلمون فيها الهاربين من طليطلة، وغنموا ما كانوا معهم من ذخائر بالغة القيمة٣. ولم يتجاوز طراق بن زياد المنطقة التي وصل إليها، فلربما "خشى أن يقطع عليه العدو الطريق في هذه البلاد الجبلية الذي بذلوه، وثقلوا بالغنائم التي جمعوها"٤ فعاد إلى "طليطلة" في أوائل ٩٣هـ "أواخر ٧١١".
رابعا: عبور موسى بن نصير إلى الأندلس واستكمال الفتح
كتب طارق بن زياد إلى موسى بن نصير يحيطه بأنباء الفتح وما أحرزه من نجاح، ويطلب منه المدد. وعلى الفور قرر موسى التوجه إلى الأندلس، وأصدر أوامره إلى طارق بوقف الفتح حتى يلحق به. وكان طبيعيا أن يهرع موسى للحاق بقائده، فأخذ معه قوة قدرها "١٨٠٠٠" ثمانية عشر ألف مقاتل، معظمهم من العرب هذه المرة، وفيهم الكثير من زعماء العرب الشامية القيسية، والعرب اليمينة
стр. 95
الكلبية، وعبر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء بالأندلس، فأقام بها أياما للراحة والتأهب لخوض المعركة القادمة، ثم أجمع على المسير نحو "طليطلة" في طريق غير الطريق الذي سار فيه طارق؛ ليفتح هو الآخر فتوحا جديدة، فمر بمدينة "إشبيلية" وفتحها بعد حصار شديد، وكانت من أعظم مدائن الأندلس، وأعجبها بنيانا وآثارا. ثم مضى موسى بعد ذلك إلى مدينة "ماردة" التي تقع على نهر آنُهْ "راجع الخريطة" -وكانت من المدن الحصينة، ذات الأسوار المنيعة والأبراج العالية- فحاصرها طويلا، إلى أن استسلمت له، ودخلها صلحا "في مطلع شوال ٩٤هـ". وبعد شهر من الإقامة فيها تحرك موسى بن نصير صوب "طليطلة"، فلما وصل إلى "طلبيرة" -على نهر التاجُهْ "راجع الخريطة"- خرج طارق بن زياد للقائه هناك، وسلمه قيادة الفتح، وعادا معا بالجيش إلى "طليطلة"، فأقاما بها طوال فصل الشتاء، ثم نهضا لاستكمال فتح شمال الأندلس.
اتجه طارق بن زياد بقواته إلى الشمال الشرقي، واحتل مدينة "سرقسطة" الواقعة على نهر "إبرو"، وصعد إلى قرب جبال "البرتات" "التي تفصل إسبانيا عن جنوب فرنسا"، ثم عاد واتجه غربا محاذيا نهر "إبرو". وعند مدينة "أشترقة" "راجع موقعها على الخريطة" التقى بموسى بن نصير وجيشه، وسار الاثنان لفتح شمال غرب الأندلس. فأما موسى فقد دخل "أبيط" "Oviedo" بعد أن عبر جبال "كنتبرية"، ووصل إلى ساحل خليج "بسكاي" عند بلدة "خيخون" "راجع الخريطة". وأما طارق فقد بلغ مداخل إقليم "جليقية" في أقصى الشمال الغربي.
وهنا أحس موسى أنه أتم فتح الأندلس، فعاد إلى "طليطلة" ليواصل عمله كأول والٍ من ولاة الأندلس، ولكن الخليفة الوليد بن عبد الملك كان قد استدعاه مع طارق بن زياد إلى دمشق، فترك ابنه "عبد العزيز بن موسى" واليا على الأندلس في "المحرم ٩٥هـ/ سبتمبر ٧١٣م"١ ليقوم بما تقتضيه أحوال البلاد من التنظيم والإصلاح، وبه يبدأ عصر الولاة بالأندلس.
стр. 96
وهكذا نرى هذين الفاتحين العظيمين قد خلّفا الأندلس وراءهما بعد أن قاما بما يمكن اعتباره معجزة من معجزات الفتوحات الإسلامية في مدة قاربت أربع سنوات من الجهاد المتصل والحركة الدائمة. لقد استطاع هذان الرجلان -مع جيش من المسلمين من بين عرب وبربر لا يزيد على ثلاثين ألف مقاتل- أن يفتحا قطرا أوروبيا واسعا يعتبر من أصعب الأقطار الأوروبية من الناحية الجغرافية. وقد قام المسلمون بهذا الفتح العظيم بشجاعة تعتبر مضرب المثل، وساروا على خطة عسكرية وسياسية واضحة, تدل على خبرة جيدة بمسائل الحروب وفتوح البلدان، وقاد موسى وطارق ورجالهما بحزم ونظام وبصيرة تذكرنا بقيادة خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح وقتيبة بن مسلم ومحمد بن القاسم في فتوحات المشرق.
ومع أن المسلمين وصلوا بفتوحاتهم إلى الركن الشمالي الغربي -وهو الإقليم المسمى "أشتوريش" في منطقة "جليقية" وشارفوا سواحل المحيط عند خليج "بسكاي"- فإنهم في الواقع لم يفرضوا سلطانهم تماما على هذه النواحي كلها؛ لوعورة مسالكها، وبرودة مناخها. وقد حدث أن بعض فلول الجيش القوطي المنهزم بزعامة قائد منهم يدعى "بلاي" "Pelayo" "ت ٧٣٧م" استطاعت أن تعتصم بالجبال الشمالية في هذه المنطقة، وهي التي يسميها الإسبان بقمم أوروبا -في سلسلة جبال "قنتبرية"- وهي عبارة عن ثلاثة جبال شامخة، وبها مغارة تعرف بكهف "كوفا دونجا"، ويسميها العرب "صخرة بلاي"؛ لأنه اختبأ فيها هو وأصحابه، وكان عددهم لا يزيد عن الثلاثين -فيما بدا للفاتحين- فلما حاصرهم المسلمون وأعياهم أمرهم تركوهم وانصرفوا؛ استقلالا لعددهم، واستخفافا بشأنهم١.
وفي هذه البؤرة الصغيرة "كوفا دونجا" -أو صخرة بلاي- نبتت نواة دولة إسبانيا النصرانية، ونبتت معها حركة المقاومة الإسبانية التي أخذت تنمو وتتسع حتى استولت على مدينة "ليون" ثم سيطرت على جميع المنطقة الشمالية الغربية التي صارت تعرف بمملكة "ليون"، ولقد أحاطت هذه المملكة نفسها بسلسلة من القلاع والحصون لحماية نفسها من هجمات المسلمين، وعرفت هذه الحصون في المصادر العربية باسم منطقة
стр. 97
وهكذا نرى هذين الفاتحين العظيمين قد خلّفا الأندلس وراءهما بعد أن قاما بما يمكن اعتباره معجزة من معجزات الفتوحات الإسلامية في مدة قاربت أربع سنوات من الجهاد المتصل والحركة الدائمة. لقد استطاع هذان الرجلان -مع جيش من المسلمين من بين عرب وبربر لا يزيد على ثلاثين ألف مقاتل- أن يفتحا قطرا أوروبيا واسعا يعتبر من أصعب الأقطار الأوروبية من الناحية الجغرافية. وقد قام المسلمون بهذا الفتح العظيم بشجاعة تعتبر مضرب المثل، وساروا على خطة عسكرية وسياسية واضحة, تدل على خبرة جيدة بمسائل الحروب وفتوح البلدان، وقاد موسى وطارق ورجالهما بحزم ونظام وبصيرة تذكرنا بقيادة خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح وقتيبة بن مسلم ومحمد بن القاسم في فتوحات المشرق.
ومع أن المسلمين وصلوا بفتوحاتهم إلى الركن الشمالي الغربي -وهو الإقليم المسمى "أشتوريش" في منطقة "جليقية" وشارفوا سواحل المحيط عند خليج "بسكاي"- فإنهم في الواقع لم يفرضوا سلطانهم تماما على هذه النواحي كلها؛ لوعورة مسالكها، وبرودة مناخها. وقد حدث أن بعض فلول الجيش القوطي المنهزم بزعامة قائد منهم يدعى "بلاي" "Pelayo" "ت ٧٣٧م" استطاعت أن تعتصم بالجبال الشمالية في هذه المنطقة، وهي التي يسميها الإسبان بقمم أوروبا -في سلسلة جبال "قنتبرية"- وهي عبارة عن ثلاثة جبال شامخة، وبها مغارة تعرف بكهف "كوفا دونجا"، ويسميها العرب "صخرة بلاي"؛ لأنه اختبأ فيها هو وأصحابه، وكان عددهم لا يزيد عن الثلاثين -فيما بدا للفاتحين- فلما حاصرهم المسلمون وأعياهم أمرهم تركوهم وانصرفوا؛ استقلالا لعددهم، واستخفافا بشأنهم١.
وفي هذه البؤرة الصغيرة "كوفا دونجا" -أو صخرة بلاي- نبتت نواة دولة إسبانيا النصرانية، ونبتت معها حركة المقاومة الإسبانية التي أخذت تنمو وتتسع حتى استولت على مدينة "ليون" ثم سيطرت على جميع المنطقة الشمالية الغربية التي صارت تعرف بمملكة "ليون"، ولقد أحاطت هذه المملكة نفسها بسلسلة من القلاع والحصون لحماية نفسها من هجمات المسلمين، وعرفت هذه الحصون في المصادر العربية باسم منطقة
стр. 98
أ- ولاية "سبتمانية"، وتشتمل على سبع مدن، وعاصمتها "أربونة".
ب- ولاية "أكيتانية" -تقع إلى الشمال الغربي من "سبتمانية"- وعاصمتها "برديل" الواقعة على مصب نهر الجارون.
ج- إقليم "بروفانس" -يقع إلى الشمال الشرقي من "سبتمانية"- وعاصمته مدينة "أبنيون"، وتقع على وادي رودنة "نهر الرون".
د- إقليم "برغندية" غربي "نهر لارون"، وعاصمته مدينة "لوذون".
هـ- المنطقة الواقعة شمال "نهر اللوار" حتى ألمانيا الحاضرة، وكانت خاضعة للدولة "الميروفنجية".
١- حملة السمح بن مالك الخولاني "١٠٠-١٠٢هـ":
وأول من غزا "بلاد غالة" من الولاة: السمح بن مالك الخولاني "١٠٠-١٠٢هـ"، فقد بدأ بالاستيلاء على "أربونة"، ثم مضى في تقدمه حتى فتح "طولوشة" "تولوز"، واستولى على ولاية سبتمانية كلها، وأقام بها حكومة مسلمة في هذا الوقت المبكر. وقد اتخذ من "أربونة" قاعدة للجهاد وراء جبال البرت، وتوغل في إقليم "أكيتانية"، غير أنه استُشهد في موقعة بالقرب من "طولوشة" انهزم فيها المسلمون، وقتل منهم عدد كبير، وذلك في يوم عرفة "سنة ١٠٢هـ"، فتولى القيادة عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وأقروه واليا للأندلس حتى يأتي الوالي الجديد، وكانت هذه هي ولايته الأولى ولم يدم فيها أكثر من شهر١.
٢- حملة عنبسة بن سحيم الكلبي "١٠٧-١١٠هـ":
تولى عنبسة بن سحيم الكلبي "سنة ١٠٣هـ"، وكان كالسمح بن مالك صالحا قويا، فقضى أربع سنوات من ولايته في تنظيم أمور الدولة وإصلاح الجيش وإعداده لمواصلة غزو بلاد الفرنجة، وقد عبر "عنبسة" بجيوشه جبال البرتات، وتابع حركة الفتوح لإقليم "سبتمانية" بمدنه السبع، وافتتح إقليم "بروفانس"، واتجه شرقا حتى بلغ
стр. 99
نهر "الرون" ثم صعد مع النهر شمالا حتى بلغ مدينة "ليون"، وتوغل بعدها حتى كان على بعد سبعين كيلومترا من جنوبي باريس الحالية، وهي أبعد نقطة وصل إليها المسلمون شمالا، وتبعد نحو ثمانمائة كيلومتر شمال جبال البرتات. وفي طريق عودته تصدت له جموع كبيرة من الفرنجة، فاستشهد في إحدى المعارك "سنة ١٠٧هـ"، فقام بقيادة الجيش والعودة إلى "أربونة" "عذرة بن عبد الله الفهري" الذي حكم حتى ربيع الأول سنة ١١٠هـ١.
وبالرغم من أن وصول الجيوش الإسلامية إلى هذا الحد، وأن ذلك يعد دليلا قاطعا على ما امتازوا به من جرأة وقوة وإيمان, فإننا لا نستطيع القول -كما يرى الدكتور حسين مؤنس- بأن "عنبسة" فتح جنوبي غالة أو حوض الرون "بالمعنى الحقيقي"؛ لأنه في الواقع لم يفعل شيئا لتثبيت أقدام المسلمين فيما وصلوا إليه من البلاد، ولكنه على أي حال الفاتح المسلم الوحيد الذي وصل إلى هذا المدى في فتوحه. وكان لا بد من حملات ضخمة أكثر نظاما ليتم فتح هذه النواحي, كما أتمت حملات زهير بن قيس، وحسان بن النعمان, وموسى بن نصير عمل عقبة بن نافع في المغرب٢.
وقد أثارت حملة عنبسة مخاوف أوروبا كلها، حيث إنه اقتحمها اقتحاما، وأوغل بجيشه في داخل بلادها دون أن يستطيع أحد مقاومته، الأمر الذي جعل القائم بمملكة الفرنجة إذ ذاك -وهو "شارك مارتل" أو "كارل"، وتسميه مصادرنا العربية "قارله"- يشعر بأنه لا بد من القيام بعمل حاسم إذا عاد المسلمون مرة أخرى. وبالفعل بدأ يستعد لهذا اللقاء، فأخذ يجمع القوات والسلاح والأزواد، وصالح أمراء "برغندية"، واتفق مع رجال "سبتمانية"، ومع دوق "حاكم" "أكيتانية" ليقوموا معا بعمل حاسم ضد المسلمين٣.
٣- معركة بلاط الشهداء "١١٤هـ/ ٧٣٢م", واستشهاد عبد الرحمن الغافقي:
وبعد أن توالى على الأندلس سبعة من الولاة بين سنتي "١٠٧-١١٢هـ/ ٧٢٥-٧٣٠م" تفاقمت خلالها المشكلات وازدادت الاضطرابات وانتشر الخلل
стр. 100
والخلاف بين الزعماء ورجال القبائل١, عُيِّن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي واليا "في صفر ١١٢هـ"، وهذه هي ولايته الثانية، وكان من أعظم قواد المسلمين في الأندلس عدلا وصلاحا وقدرة وكفاءة، وقد قضى ما يقرب من عام نظم خلاله شئون البلاد، ثم أعلن الجهاد ضد الفرنجة، وكون جيشا هائلا يتراوح عدده ما بين سبعين ألفا ومائة ألف، جلهم من البربر.
وفي أوائل سنة ١١٤هـ/ ٧٣٢م سار الغافقي بجيوشه نحو الشمال، وعبر جبال "ألبرت" من طريق "بنبلونة" متجها إلى دوقية "أكيتانية" أعظم ولايات غالة في ذلك الوقت فاكتسحها، ودخل عاصمتها "برديل" عنوة، ثم واصل زحفه حتى أشرف بجيشه على نهر "اللوار" واستولى على مدينتي "بواتييه" و"تور"، وما كاد يخرج الجيش الإسلامي من "بواتييه" في طريقه نحو باريس حتى فوجئ عبد الرحمن الغافقي بوصول جيش هائل من الفرنج والمرتزقة يقوده "شارل مارتن" "قارله".
وعلى بعد عشرين كيلومترا شمال "بواتييه" في الطريق إلى "تور" جنوبي مجرى اللوار في موضع قريب من طريق روماني قديم هو المسمى "بالبلاط", حدثت المعركة الكبرى بين الجيشين في أواخر شعبان ١١٤هـ/ أكتوبر ٧٣٢م.
وقد تكون هذه المعركة وقعت بالقرب من موضع يطلق عليه اليوم اسم "مواسيه لاباتاي" Moussais la bataille. وتصمت المصادر العربية عن ذكر تفاصيل هذه الموقعة الفاصلة، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنها كانت كارثة على جيش المسلمين، بحيث نفر قدامى المؤرخين من مجرد ذكرها، فاندرجت أخبارها في زوايا النسيان.
وقد استمرت المعركة ثمانية أيام، مما يدل على أنها كانت معركة حامية. والحق أن كلا من الجانبين بذل أقصى وسعه في القتال، وصبر المسلمون صبرا طويلا حتى تجمعت عليهم قوات نصرانية من كل ناحية، ولم يقتصر الأمر على الفرنجة، بل انضم إليهم كثيرون من أجناس أخرى "ألمان، وسُواف، وسكسون". وآخر مراحل المعركة كان هجوما عنيفا على مؤخرة الجيش الإسلامي، فانتهبت الغنائم، وتزعزع
стр. 101
نظام الجيش، وبينما يحاول الغافقي إعادة النظام إلى جيشه أصابه سهم فقتله، فعم الاضطراب بين المسلمين وكثر القتل فيهم، واشتد الفرنج عليهم، لكنهم صبروا حتى جن الليل وتحاجز الفريقان دون فصل، ثم انسحب المسلمون نحو مراكزهم في "سبتمانيا" تاركين غنائمهم، وأصبح الفرنجة فلم يجدوا لهم أثرا سوى الجرحى ومن لم يتمكنوا من مرافقة الجيش المنسحب، فأجهزوا عليهم، وانتهبوا ذخائر عظيمة، ولم يفكروا في تتبع المسلمين١.
ومهما قيل من أسباب لتعليل خسارة المسلمين في معركة "بلاط الشهداء" -من مثل ما قيل عن وجود خلاف في الجيش الإسلامي "العرب والبربر"، وابتعاد الجيش عن بلاد الإسلام بحيث أصبح على بعد "٤٠٠ كم" شمال جبال ألبرت التي تبعد عن قرطبة مسافة "٩٠٠ كم" مما جعل موالاته بالمؤن والإمداد أمرا عسيرا، بينما كانت خطوط إمداد الفرنجة سهلة ومتصلة، إضافة إلى أن المناخ لم يكن مناسبا لخوض الجنود والخيول العربية تلك المعركة القاسية، وأن المسلمين ساروا مثقلين بغنائم المعارك السابقة، مما دفع العدو إلى ضرب مؤخرة الجيش الإسلامي فارتبكت صفوفه، هذا إلى أن إمارات "غالة" كانت قد تكتلت جميعا لمواجهة جيوش الإسلام وصدها عن الجنوب٢- أقول: مهما قيل من مثل هذه التعليلات وغيرها، وبعيدا عن مدى صحة بعضها وواقعيتها, فإن معركة بلاط الشهداء كانت أعظم لقاء بين الإسلام والنصرانية، وبين الشرق والغرب، ففي سهول "تور"، و"بواتييه" فقد المسلمون سيطرتهم على أوروبا، وارتد تيار الفتح الإسلامي أمام الأمم الشمالية كما ارتد قبل ذلك بأعوام أمام أسوار القسطنطينية، وأخفقت بذلك آخر محاولة بذلتها الخلافة لافتتاح أمم الغرب وإخضاع النصرانية لصولة الإسلام، ولم تتح للإسلام
стр. 102
المتحد فرصة أخرى؛ لينفذ إلى قلب أوروبا في مثل كثرته وعزمه واعتزازه يوم مسيره إلى بلاط الشهداء. وبينما شغلت إسبانيا بمنازعاتها الداخلية, إذ قامت فيما وراء ألبرتات إمبراطورية فرنجية عظيمة موحدة تهدد الإسلام في الغرب، وتنازعه السيادة والنفوذ١.
وعلى الرغم من هزيمة المسلمين في بلاط الشهداء "بواتييه", فقد بقيت حامية عسكرية عربية في مدينة "أربونة" جنوب غربي فرنسا نحو عشرين سنة محتفظة بذلك البلد وبجانب كبير من "سبتمانية"، ولم ينسحب المسلمون من "غالة" تماما إلا بعد قيام الدولة الأموية في الأندلس "سنة ١٣٨هـ/ ٧٥٦م" وقرار عبد الرحمن الداخل "صقر قريش" بسحب قوات المسلمين من "غالة", والاكتفاء بسلطان المسلمين على الأندلس.