مقدمة
...
وتزاحمت فيه الكتب على رفوف المكتبات، شيقة العنوان، جميلة التغليف.
وعندما استعرضت هذا الكتاب تذكرت يوم كنا نتلقى العلم والمعرفة من أمهات كتب العقيدة، بدءا بكتاب "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" وشرح أرجوزات المؤلفين في العقيدة، واستنباط آيات الأحكام في العقيدة من كتب الشوكاني وغيره، ومن الصحاح وشروحها المتعددة.
إن العقيدة هي ركيزة الإسلام الأولى، وأول أركان الإسلام -وهي الشهادة- عقيدة متفرع منها توحيد الربوبية والألوهية، ثم يتبعه توحيد الأسماء والصفات. من أجل ذلك كانت العقيدة هي الركيزة الأولى التي تعتمد عليها أركان الإسلام الخمسة، فلا أركان بلا عقيدة ولا إسلام بلا ركيزة.
والفطرة التي فطر الله الناس عليها عقيدة صافية، لا يشوبها شرك في الاعتقاد، ولا عمل يعتريه الضلال والفساد. ولذلك كان استمرار عقيدة الفطرة أمرا مطلوبا من كل موحِّد سلمت عقيدته من الدخائل المبطلة. وتلك هي الفطرة التي حدّدها قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . والعلم هنا هو الاعتقاد والمعرفة والإدراك لتلك الحقيقة العظيمة المرتبطة بحياة البشر ودينهم وأعمالهم.
وهذا الكتاب الذي يبحث في العقيدة، كتاب جمع بين دفتيه جانبين يمثلان البحث في أصول العقيدة، وتحديد النظام المنبثق عن هذه الأصول كما يشير المؤلف.
وعندما استعرضت هذا الكتاب وجدته كتابا نافعا لطالب العلم، يعرض للقضايا في سهولة ويسر، ويسعى لتقريب المفاهيم للدارسين وطلاب العلم، ويؤيد
стр. 2
ذلك العرض بالدليل الناصع والمرجع النافع والأسلوب البارع، ويعتمد على حسن الدلالة ووضوح الإحالة، وذلك مطلب المتعلمين والدارسين.
لقد ألف العلماء الأجلاء في العقيدة مؤلفات شتى، تباينت في طريقة تناولها لهذا الجانب الهام في حياة المسلمين، وكلها نافع ومفيد، والحمد لله. ولكنها تتباين في طراز القارئين؛ فبعضها لا يدركه إلا العالم المتخصص، وبعضها الآخر يحتاج إلى إضافة وتحليل وشرح وتعليل!
ولقد جاء هذا الكتاب -فيما أراه- صالحا لطالب العلم الذي يبتغي معرفة الأصول ونظامها، ويحتاج إلى الشرح والتبسيط وتقريب المعرفة. وهذا نمط من التأليف لا يتهيأ لكل كاتب, ولا يتيسر لكل طالب.
وإذا كانت مصادر العقيدة معروفة مألوفة, فإن المؤلف قد استطاع أن يقرب إلى الأفهام مدلولات تسهل إثبات الحقيقة الراجعة إلى المصدر بدليل واضح, لا يحتاج إلى أدلة شارحة. وذلك ما يريده المتعلم في هذا المجال.
وإذا كان المؤلف في هذا الكتاب قد استنبط من بعض الأدلة مقاييس لم تكن قائمة في عصر السابقين، أوجدها العصر الذي نعيشه، فقد لا يوافقه البعض على جوانب مما ذكر، ولكن أمر الاجتهاد في العلم والمعرفة مفتوح، فتح بابه الإسلام لأهل العلم، وجعل مرده لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ثم لأهل العلم والمعرفة، وذلك ما قام به المؤلف؛ فإن إرجاع الرأي في العقيدة لأهل العلم -وقد أشار المؤلف إلى جمْع منهم- هو من دلائل الإجماع. ولا إخال إلا أنهم سيقيِّمون هذا الكتاب خير تقييم, والله المستعان.
وبعد:
فهذا الكتاب -كما ظهر- فيه من الجهد والتتبع والاستقصاء والاجتهاد ما يدل
стр. 3
على عزم مؤلفه أن يصل به إلى التمام, وفوق كل ذي علم عليم. ومما يشرح النفس ويريح الخاطر هو اجتهاده في تتبع الأدلة وحصر الشواهد والرجوع إلى أمهات الكتب في كل موضوع يطرقه, وفي كل معنى يأتيه، والتثبّت مطلوب لكل عالم يريد لعلمه قبولا ومكانة.
أسأل الله تعالى أن يرزقنا الصواب، وأن يجنبنا الخطأ والارتياب، وأن يجعل أعمالنا عبادة الصادقين معه، المخلصين لدينه، سالمة من المؤاخذة. ونسأله أن لا يوكلنا إلى علمنا وإلى عملنا, فإنه نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 4
مقدمات:
تقاريظ وكلمات:
تفضّل عدد من أهل العلم والفكر بكلمات أو مقالات عن الكتاب في طبعته الأولى نثبت بعضها، شاكرين لهم جميعهم اهتمامهم وحسن ظنهم.
كلمة معالي الشيخ ناصر بن حمد الراشد، وزير الدولة رئيس ديوان المظالم، عضو هيئة كبار العلماء بالرياض:
الأخ الأستاذ عثمان بن جمعة ضميرية سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
وبعد: فتلقيت شاكرا ومقدرا إهداءكم القيِّم مؤلفكم "مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية" الذي جمع بين دفتيه جانبين يمثلان البحث في أصول العقيدة وتحديد النظام المنبثق عن هذه الأصول. علاوة على أنه يعرض للقضايا في سهولة ويسر، ويقرّب المفاهيم للدارسين وطلاب العلم.
وكنت قد قرأت الكتاب من قبل، وفي قراءتي الأخيرة ازداد إعجابي به؛ لما فيه من تحقيق وتخريج وحسن استنباط. زادكم الله علما وفهما وأجزل مثوبتكم.
وفي الختام نسأل الله -جل وعلا- التوفيق والسداد للجميع, وأن ينفع بهذا المؤلف.
رئيس ديون المظالم
المخلص
ناصر بن حمد الراشد
стр. 5
من كلمة سعادة الدكتور إبراهيم عوض:
كتب الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض، الأستاذ بكلية الآداب بجامعة عين شمس بالقاهرة، مقالا مطولا بجريدة "الجزيرة" العدد "٨١٢٠"، عرض فيه الكتاب عرضا شاملا، وأبدى بعض وجهات النظر، وناقش بعض القضايا المتصلة بمباحثه، نقتطف منه بعض الفقرات، حيث قال سعادته:
قدم الأستاذ عثمان جمعة ضميرية للمكتبة الإسلامية عددا غير قليل من الدراسات، تأليفا وإخراجا ... وقد ظهر كتابه هذا "مدخل لدراسة العقيدة" في طبعته الأولى سنة ١٤١٤هـ، وهو يضم مباحث شائقة، ويجوس بين المكتبة الإسلامية العقدية، ويشرح للقارئ جوانب كثيرة من مباحث العقيدة، وليس بالضرورة أن تحمل هذا العنوان ...
وقد اعتمد المؤلف في كتابه عدة مناهج: فهو في الفصل التمهيدي قد اتبع المنهج التاريخي، وفي معظم الأحيان نراه يأخذ بالمنهج الوصفي، إذ يقدم للقارئ تحليلا للموضوع الذي يتناوله, عارضا سماته التي تميزه وتجعل له ذاتيته الخاصة. ومع ذلك فهو لم يغفل الجانب التقويمي، وبخاصة حين يقارن بين مذهب أهل السنة والجماعة، وهو المذهب الذي يرتضيه ويدافع عنه، وبين غيره من المذاهب.
وفي قائمة المصادر والمراجع المذكورة في آخر الكتاب يطالع القارئ أسماء مئات من الكتب التي تزيد على الثلاثمائة والثلاثين، وهي دليل على الجهد الذي نراه مفيدا للقارئ العام والمتخصص على السواء.
د. إبراهيم عوض
آداب عين شمس - القاهرة
стр. 6
كلمة فضيلة الشيخ الدكتور فؤاد مخيمر:
كتب فضيلة الشيخ الدكتور فؤاد بن علي مخيمر، الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف وعضو هيئة كبار علماء الجمعية الشرعية بمصر، كلمة ضافية، نجتزئ بمقتطفات منها. قال حفظه الله:
إن الاشتغال بعلم العقيدة من فروض الكفاية وخصوصية الخاصة من أهل العلم، ولا يشتغل به إلا من صَفَتْ سريرته وخلصت عقيدته من الشوائب والانحرافات والتأويلات، ورسخ إيمانه بالله وحده، وصدقت فراسته، واستقام خُلُقه وعمله، وأنعم الله تعالى عليه ببصر ثاقب، وفكر ناقد، وعقل نابغ، ليطرح القضايا بعد نظر وتأمل، ويدبر الحوار ويناقش، ثم يستلهم الحق والهداية للبشر، ثم يوجه القول إقامة للحجة مع وضع البرهان السامع أمام من له عقل وقلب.
وهذا الكتاب للأخ الفاضل عثمان بن جمعة ضميرية، كتاب عظيم في مبناه، غزير في معناه، سهل في أسلوبه وتراكيبه، محكم في عرض قضاياه, يلمس من يقرأ فيه صدق العبارة مع التوجيه المحكم والإلهام المستنير ... ولسنا في حاجة إلى عرض ما في الكتاب من قضايا وتوجيهات؛ لأن المؤلف -طيّب الله نفسه- قد أُلهم الرشد في اختيار العنوان الذي وسمه بـ "المدخل"؛ ذلك لأن محيط العلم واسع وعمقه بعيد المدى وبابه محكم، فخطا الأخ الشيخ عثمان خطوات ووقف أمام المدخل ففتح له الباب, فأجاد الغوص في علم العقيدة، فالتقط دررا نفيسة جعلها مشاعل هداية على طريق معرفة الله ليوحده الناس توحيدا خالصا، ويخلصوا العبودية له وحده.
وبعد ... فهذا جهد مشكور، وعلم موفور، وتجارة لن تبور، قدمها الأخ الفاضل الشيخ عثمان جمعة مبتغيا بها وجه الله تعالى -أحسبه كذلك- نسأل الله أن يثيبه عليه وأن يثيبنا معه. والله من وراء القصد.
стр. 7
كلمة الدكتور حمد عبد الله العيسى:
ونشرت مجلة الدعوة السعودية في عددها رقم "١٤٤٠" عرضا للكتاب بقلم الدكتور حمد عبد الله العيسى، نقتطف أجزاء منه شاكرين له جهده وتشجيعه. قال سعادته:
اهتمت الدراسات المعاصرة بالعقيدة الإسلامية اهتماما بالغا يليق بمكانتها ودورها في الحياة, وتعددت الكتب والمؤلفات في جوانب كثيرة منها. إلا أن المكتبة الإسلامية ما زالت بحاجة إلى لون آخر من التأليف في العقيدة، وهو ما يمكن أن نجعله مدخلا لدراسة العقيدة وتمهيدا عاما بين يديها، على غرار ما نجده من "المداخل" في علم الشريعة "الفقه" واللغة والتاريخ. وميزة هذا اللون من التأليف أنه يعطينا نظرة كلية عامة قبل الدخول في الجزئيات، ويمهِّد تاريخيا للبحث والكتابة. وقد جاء هذا الكتاب الذي بين أيدينا من تأليف الأخ الفاضل الشيخ/ عثمان جمعة ضميرية؛ ليسد الفراغ الذي كانت تشكو منه المكتبة الإسلامية الحديثة.
والكتاب مجموعة من المحاضرات الجامعية في مادة "العقيدة الإسلامية", ألقيت على طلبة جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ويضم الكتاب تمهيدا عاما عن الإسلام: عقيدة وشريعة، ثم ست فقرات تتناول العوامل الداخلية والخارجية التي أثرت في استقلال علم العقيدة وتدوينه، ثم التطور التاريخي لتدوين علم العقيدة منذ القرن الهجري الثاني وحتى نهاية القرن الرابع، حيث استقر تدوين العلوم الإسلامية عامة. وجاءت الفقرة الثالثة لتبحث في بعض العموميات فعرّفت ببعض المصطلحات الأساسية ومصادر العقيدة ودور العقل في ذلك وبيان الصلة بينهما. وجاءت الفقرة الرابعة لدراسة أعظم جوانب العقيدة الإسلامية وهو التوحيد وأنواعه، وهذا يستلزم دراسة الانحراف عن التوحيد. وجاءت الفقرة السادسة لدراسة موجزة عن الولاء والبراء ومكانتهما في العقيدة. وأخيرا جاءت الخاتمة لتوجز أهم السمات والخصائص العامة التي تتميز بها العقيدة الإسلامية.
стр. 8
وإذا عدنا إلى هذا الكتاب بالدراسة لنتبين منهجه وطريقته، وجدنا الكتاب يجمع فصولا مترابطة متسلسلة، وأفكارا واضحة مرتبطة بمصادرها الأصلية من الكتاب والسنة وأقوال علماء السلف من أهل السنة والجماعة، فكان منهجا علميا استدلاليا، يعطينا الثقة فيما يعرض من مبادئ أو أحكام عقدية، مع الالتزام بالأحاديث الصحيحة أو الحسنة وعَزْوها إلى مصادرها الأصلية من كتب السنة النبوية.
وقد جمع هذا الكتاب ميزات متعددة وأبحاثا جديدة في أبواب مستقلة أو منثورة في ثنايا الكتاب ومسائله، وحرّر بعض المسائل تحريرا علميا، وحسبنا أن نقتطف كلمات من مقدمة الأستاذ الدكتور عبد الله العبادي -عميد كلية التربية بجامعة أم القرى- ترسم لنا صورة عن الكتاب, حيث قال: "وهذا الكتاب الذي بين أيدينا ضرب من المثل الذي شق به مؤلفه الطريق في زمن اتجه أهله إلى الماديات المغرية حتى في الكتابة والتأليف، وتزاحمت فيه الكتب على رفوف المكتبات، شيقة العنوان، جميلة التغليف".
وقال:
"استعرضت هذا الكتاب فوجدته كتابا لطالب العلم المبتدئ، يعرض للقضايا بيسر وسهولة، ويسعى لتقريب المفاهيم للدارسين وطلاب العلم. ويؤيد ذلك العرض بالدليل الناصع والمرجع النافع والأسلوب البارع، ويعتمد على حسن الدلالة ووضوح الإحالة. وقد جاء -فيما أراه- صالحا لطالب العلم المبتدئ بمعرفة الأصول ونظامها، الذي يحتاج إلى الشرح والتبسيط وتقريب المعرفة. وهذا نمط من التأليف لا يتهيأ لكل كاتب، ولا يتيسر لكل طالب".
وفي ختام هذه الكلمة أرجو أن أكون قد وفِّقْتُ في التعريف والنقد لهذا الكتاب النافع المفيد، وأدعو المؤلف لمزيد من الكتب الجيدة التي نحتاجها في هذا العصر، شاكرا لمجلة "الدعوة" وداعيا للقائمين عليها. والله من وراء القصد.
стр. 9
كلمة سعادة الدكتور حماد الثمالي, عميد شئون المكتبات بجامعة أم القرى:
سعادة الأستاذ عثمان جمعة ضميرية..
تلقينا ببالغ الشكر والتقدير هديتكم القيمة "مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية". وإننا إذ نهنئكم على هذا الجهد العلمي المخلص الذي هو خدمة للعلم والدين، نتمنى لكم دوام التوفيق, آملين أن يزداد التعاون بيننا في كافة مجالات المعرفة، سائلين الله تعالى أن يوفقكم لخدمة العلم والمعرفة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلمة سعادة الدكتور محمد سعيد الغامدي:
في كلمة تعقيبية على ما نشر في جريدة الجزيرة، كتب الدكتور محمد سعيد الغامدي يقول: وكنت قد قرأت الكتاب فوجدته يجمع ميزات عديدة في المنهج وطريق العرض والأسلوب، وفي الاستدلال وحسن التنظيم والترتيب لمباحثه وأفكاره التي يأخذ بعضها برقاب بعض، مع التوثيق الدقيق وبأسلوب لا يستعصي على القارئ العادي، ولا ينبو عن ذوق المتخصص. مع ما فيه من جهد في التتبع والاستقراء؛ مما يجعله مرشحا ليكون مرجعا ذا فائدة في دراسة العقيدة الإسلامية, وخاصة بمباحثه الأولى عن تاريخ تدوين علم العقيدة ومناهجها.
стр. 10
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
١- فهذا كتاب ابتدأ إنشاؤه في كلية المعلمين بالطائف، واكتمل سويا في كلية التربية بجامعة أم القرى "فرع الطائف" وهو يجمع بين دفتيه مجموعة من المحاضرات تتناول جوانب من علم العقيدة الإسلامية، أردت لها أن تكون مدخلا عاما لدراسة العقيدة الإسلامية، وتمهيدا بين يديها.
وقد جاء هذا الكتاب في تمهيد عام يتبعه ست فقرات وخاتمة. تناولت في الفقرة الأولى منه "الإسلام عقيدة وشريعة" كما تلقاه الصحابة رضوان الله عليهم، وفي الفقرة الثانية العوامل الداخلية والمؤثرات الخارجية التي أدت إلى نشوء علم العقيدة واستقلاله عن سائر العلوم الشرعية، ثم تتبعت التطور التاريخي لتدوين العقيدة منذ القرن الثاني الهجري وحتى نهاية القرن الرابع, حيث استقر تدوين العلوم الإسلامية بعامة وعلم العقيدة بخاصة. ثم ألمعتُ إلماعة سريعة إلى بعض الكتابات العَقَدِية المعاصرة.
وفي الفقرة الثالثة بعض العموميات الأساسية في البحث, فعرّفنا ببعض المصطلحات التي تتردد في هذا المدخل، وتعرّفنا على مصادر العقيدة مع الإشارة إلى دور العقل ومكانته والعلاقة بينه وبين الوحي؛ لنخلص بعد ذلك إلى وجوب التزام العقيدة والتحذير من البدع.
وجاءت الفقرة الرابعة لدراسة أعظم جوانب العقيدة الإسلامية, وهو التوحيد وأنواعه بعامة مع بعض التفصيلات عن توحيد العبادة "الإلهية"، ويستلزم ذلك أن
стр. 11
ندرس الانحراف عن التوحيد؛ كالشرك والكفر والنفاق في الفقرة الخامسة. وفي الفقرة السادسة دراسة موجزة لعقيدة الولاء والبراء ومكانتها في الإسلام.
أما الخاتمة, ففيها إشارة إلى أهم الخصائص التي تميز العقيدة الإسلامية عن غيرها من العقائد والمذاهب.
وكان من الممكن أن يتسع هذا المدخل لفقرات أخرى تناسب موضوعه، كمنهج السلف في عرض العقيدة ابتداء أو ردا على الفرق الأخرى. كما يمكن أن تتسع بعض فقراته لشيء من البسط، ولعلنا نستدرك ذلك على ضوء ملاحظات الإخوة القراء، في طبعة قادمة إن شاء الله ويسّر ذلك.
٢- وفي كل ما كتبت حاولت أن أربط كل فكرة بمصدرها؛ ليكون ذلك عونا للقارئ على التوسع فيها والتثبت من مصدرها، وتحقيقا للأمانة في النقل -مما نفتقده في كثير من الكتابات المعاصرة -ولهذا تراني أحيل في بعض الجوانب إلى كثير من المصادر والمراجع، وقد أكتفي أحيانا بالإحالة إليها رغبة في الإيجاز.
وأما الإشارة في كثير من المواضع إلى فقرات سابقة أو لاحقة, فإن ذلك يومئ إلى الترابط والتكامل في البحث ويجنبنا التكرار.
وأما ما قد يراه بعض الإخوة من القراء إسرافا في النصوص اللغوية بين يدي التعريفات الاصطلاحية، فإن ذلك كان عن عمد وقصد؛ لأنها تلقي الضوء على التعريف الاصطلاحي، وهو في أصله تعريف لغوي، ومن لم يكن بحاجة إليها من القراء فيمكنه أن يتجاوزها إلى ما وراءها بيسر وسهوله.
واجتهدت ألا أذكر في هذا البحث من الأحاديث النبوية إلا ما كان صالحا للاحتجاج به، وعزوته إلى مصدره من دواوين السنة النبوية، مكتفيا بالصحيحين أو
стр. 12
أحدهما إن كان من أحاديثهما، وفي أحاديث غيرهما أنقل حكم أحد الأئمة المحدِّثين عليها.
٣- وقد كان في النية أن ندفع بهذا الكتاب للطبع منذ سنوات، فقضت إرادة الله تعالى غير ذلك، مما هيأ الاطلاع على كتابين اثنين في هذا الموضوع.
أولهما للدكتور يحيى هاشم فرغل بعنوان "مداخل إلى العقيدة الإسلامية" وهو ينحو منحى فلسفيا يستهدف الدخول في العقيدة الإسلامية، فهو في غير ما يهدف إليه هذا المدخل.
وأما الثاني فهو "المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية على مذهب أهل السنة والجماعة" للدكتور إبراهيم محمد البريكان، وهو بجملته في موضوع هذا المدخل نفسه وفق المنهج المقترح لكليات المعلمين، وإن كان لكل وجهة هو موليها.
هذا، وقد رأى بعض الإخوة أن يكون عنوان هذا الكتاب "المدخل لدراسة علم العقيدة الإسلامية"؛ لأنه يشتمل على البحث في نشأة العلم ومراحل تدوينه ... إلخ، ولكني رأيت العنوان الحالي يدخل فيه علم العقيدة كما تدخل فيه العقيدة نفسها موضوعا للبحث.
٤- وقبل أن أغادر هذه المقدمة ينبغي أن أعود بالفضل لأهله فأقدم الشكر -بعد شكر الله لكل من نظر في هذا الكتاب, أو في جزء منه فأفادني برأي أو توجيه أو تصحيح. وأخص بالشكر فضيلة الشيخ الدكتور/ بكر بن عبد الله أبي زيد، وكيل وزارة العدل وعضو هيئة كبار العلماء بالرياض، وفضيلة الأستاذ الدكتور/ ناصر بن عبد الكريم العقل، أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين بالرياض،
стр. 13
وفضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن المراكبي، أستاذ العقيدة المشارك بجامعة الأزهر، وسعادة الأستاذ الأديب الدكتور إبراهيم عوض، الأستاذ بآداب عين شمس بالقاهرة، الذي قرأ الكتاب قراءة نقدية دقيقة وتفضّل بعرض الكتاب والتعريف به.
وأما سعادة الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن عبد الكريم العبادي، عميد كلية التربية بجامعة أم القرى "فرع الطائف" فقد طوَّق عنقي بمنة كبرى عندما تفضل بقراءة الكتاب كاملا وتولى تقديمه للقراء الكرام، فله ولهم جميعا خالص الشكر والدعوات.
وبعد:
فإن كنت قد بلغت في هذا الكتاب ما أردت فذلك توفيق من الله تعالى، وهو حسبي، وإن كانت الأخرى فإنني أُشهد الله تعالى أنني راجع عن كل ما فيه من خطأ. والله ولي التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.
الطائف - غرة شهر ذي الحجة ١٤١٣هـ
عثمان بن جمعة ضميرية
стр. 14
تمهيد عام:
خلافة وهداية:
قضت حكمة الله وإرادته أن يخلق آدم، وأن يجعله وذريته خلفاء في الأرض؛ ليقوموا بعمارتها وفق منهج الله تعالى وشريعته، فيحققوا بذلك غاية وجودهم, توحيدا لله تعالى وعبادة له وطاعة:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] .
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] .
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] .
ولما أهبط الله آدم إلى الأرض لم يتركه لنفسه أو لعقله؛ فهو يحتاج إلى عناية ورعاية، ويحتاج إلى منهج وهداية، يسير هو وذريته عليه، فيكون سببا للنجاة وحاجزا عن الضلالة والشقاء، وقد أكرمه الله تعالى بهذه الهدية الربانية والهداية الإلهية:
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨، ٣٩] .
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٧] .
стр. 15
طريقان للهداية:
الفطرة والوحي ومنذ أن أوجد الله تعالى البشر فَطَرهم على التوحيد والإيمان بالله تعالى، خالقهم ومعبودهم، وأخذ عليهم العهد والميثاق مذ كانوا ذرية في ظهور آبائهم:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣] .
ولذلك يأمرهم الله تعالى أن يقيموا وجوههم لله، وأن يخلصوا دينهم له، فإنه مقتضى الفطرة التي فطرهم عليها، وتحقيق للعهد والميثاق، وأداء لشهادة الحق التي أشهدهم عليها:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ "الآية"١.
стр. 16
وعن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته:
"ألا إن ربي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا؛ كل مال نحلتُه عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ... " ١.
وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار، وهو الحنيفية التي وقعت الخِلْقة عليها، وإن عبد غيره، قال تعالى:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
فكل مولود يولد في مبدأ الخلقة على الفطرة، أي: على الجِبِلَّة السليمة والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها؛ لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره، لآفة من آفات النشوء والتقليد، فلو سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره٢.
وهكذا كانت البشرية الأولى أو ذرية آدم ﵇، قبل أن يقع الانحراف، كانت على التوحيد والإسلام، فقد كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح -وكان بينهما عشرة قرون- كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا في زمن نوح، فبعث الله إليهم نوحا، فكان أول نبي بعث، ثم بعث بعده النبيين٣.
стр. 17
وعن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله, أنبيا كان آدم؟ قال: "نعم" , قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون" ١.
قال تعالى:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس موقوفا قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" ٢.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: "كان الناس أمة واحدة فاختلفوا"٣ وكذلك كان يقرؤها أبي بن كعب رضي الله عنه٤. وهذا متناسق مع قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِيَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩] .
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ
стр. 18
اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وأنزل الله تعالى كتبه هداية ورحمة وبيانا وإزالة للخلاف؛ ليفيء الناس جميعا إلى الحق والعدل:
﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٣، ٦٤] .
يقول الأستاذ سيد قطب، ﵀:
"وهذه هي قصة الاختلاف بين الناس في التصورات والعقائد، والموازين والقيم ... كان الناس أمة على نهج واحد وتصور واحد، وقد تكون هذه إشارة إلى حالة المجموعة البشرية الأولى الصغيرة من أسرة آدم وحواء وذراريهم قبل اختلاف التصورات والاعتقادات. فالقرآن يقرر أن الناس من أصل واحد، وهم أبناء الأسرة الأولى: أسرة آدم وحواء. وقد شاء الله أن يجعل البشر جميعا نتاج أسرة واحدة صغيرة؛ ليقرر مبدأ الأسرة في حياتهم، وليجعلها هي اللبنة الأولى. وقد غَبَر عليهم عهد كانوا فيه في مستوى واحد واتجاه واحد وتصور واحد في نطاق الأسرة الأولى، حتى نمت وتعددت وكثر أفرادها، وتفرقوا في المكان، وتطورت معايشهم، وبرزت فيهم الاستعدادات المكنونة المختلفة التي فطرهم عليها لحكمة يعلمها، ويعلم ما وراءها من خير للحياة في التنوع والاستعدادات والطاقات والاتجاهات.
عندئذ اختلفت التصورات, وتباينت وجهات النظر، وتعددت المناهج، وتنوعت المعتقدات ... وعندئذ بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين"١.
стр. 19
حاجة البشرية إلى الرسالة:
ولا تستقيم حياة البشرية ولا تنتظم إلا ببعثة الرسل، عليهم الصلاة والسلام، فالرسالة ضرورية للعباد، لا بد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، فهي روح العالم ونوره وحياته؛ فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟! ١
ولذلك سمى الله تعالى وحيه إلى نبيه ﷺ روحا، وسماه نورا، والإنسان لا يستغني عن الروح؛ فهي سبب الحياة، ولا عن النور؛ فهو سبب الهداية، فقال :
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣] .
وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] .
فبعث الله تعالى الرسل تترى، كلما ضلت أمة بعث إليها رسولا، فكثر الرسل والأنبياء، فما من أمة إلا وقد بعث الله فيها نذيرا، يقطع العذر ويقيم الحجة:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] .
стр. 20
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] .
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] .
وعن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله, كم عدد الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة عشر ألفا"، قلت: يا رسول الله, كم الرسل من ذلك؟ قال: "ثلاثمائة وخمسة عشر، جما غفيرا" ١.
وهؤلاء الرسل هم الذين يحملون الشرائع للناس، ويبينونها لهم، ويبلغونهم البلاغ المبين، فيعرفون الناس بربهم معرفة صحيحة صادقة، ويضبطون حركتهم الفكرية والعملية بضوابط الوحي الإلهي، إذ لا تستطيع العقول البشرية أن تستقل بإدراك حقائق الأشياء على ما هي عليه ولا تستقل بمعرفة ما تنبغي معرفته من مصالحهم العاجلة والآجلة، ولا تستطيع معرفة أمور الغيب المحجوبة عنها، ولا الأمور الدينية على وجه التفصيل "وسيأتي شرح هذا في الكلام على دور العقل".
والرسل هم القدوة الصالحة التي تتأسى بها البشرية، ولهم الأثر الباقي الخالد في الحياة، وهم سبب كل خير.
стр. 21
الرسالة الخاتمة:
وقضت حكمة الله تعالى وإرادته أن تختم رسالات السماء برسالة نبينا محمد ﷺ ، فلا رسالة بعد رسالته ولا نبي بعده:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
وفي الصحيح قال ﷺ : "فُضِّلْتُ على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون" ١.
وقال: "مَثَلي ومَثَل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لَبِنَة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين" ٢.
وهذا يقتضي أن تكون دعوته ﵊ للناس جميعا, لا تخاطب أقواما بأعيانهم ولا جنسا بذاته، وإنما يتوجه فيها الخطاب للناس جميعا بصفتهم الإنسانية العامة، فقال على لسان نبيه ﷺ فيما أمره بالبلاغ:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
стр. 22
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] .
ولذلك جعل الله القرآن الكريم نذيرا للعالمين جميعا، فقال:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .
وأكمل الله تعالى هذه الرسالة وأتم بها النعمة ورضيها لنا دينا، وجعلها ظاهرة على الأديان كلها فقال سبحانه:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ﴾ [المائدة: ٣] .
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] .
ولهذا لا يقبل الله تعالى من الناس دينا سوى الإسلام، فإنه كلمة الله الأخيرة للناس، والدين الحق الذي نسخ به سائر الأديان، وجعله مهيمنا عليها١.
فقال سبحانه:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]
стр. 23
ولذلك تكفل الله تعالى بحفظ هذا الدين عندما تكفل بحفظ أصوله المنزلة وحيا على نبيه صلى الله عليه وسلم١، فقال:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
ولذا فهو:
﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] .
стр. 24
العقيدة والشريعة:
الصحابة يتلقون الدين منهجا كاملا:
نهض رسول الله ﷺ بأعباء الدعوة، وصدع بها منذ أن أمره الله تعالى بذلك، حيث قال:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] .
واستمر نزول الوحي عليه ﷺ في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاما، لم يعرف لها التاريخ مثيلا في التجرد والإخلاص، والصبر والجهاد والمجاهدة, والتربية الإيمانية العميقة، فنشأت القاعدة الصلبة التي رباها النبي ﷺ على عينه، يقود خطاها الوحي الإلهي في كل لحظة من اللحظات، ويأخذ بيدها لتكون على الجادة من الطريق الطويل، ثم انتقل بها إلى حيث تجد التطبيق العملي لمبادئ الإسلام كاملة في المدينة, بعد أن أراد الله لهم الخير, فساقهم ليبايعوا النبي ﷺ بيعة العقبة، التي كانت حجر الأساس في بناء الدولة الإسلامية، التي عمل لها النبي ﷺ بوحي من ربه ﵎.
حتى إذا ما أكمل ﷺ البناء, وأتم البلاغ والتحق بالرفيق الأعلى كان لهذه القاعدة ولهذه الأمة شأن أي شأن في تاريخ البشرية كله.
كل هذا، والصحابة -رضوان الله عليهم- يتلقون من النبي ﷺ أحكام هذا الدين وتعاليمه وآدابه، فيما يتعلق بالإيمان ومعرفة الله سبحانه وما ينبغي له من الطاعة، وفي كيفية العبادة وأداء الشعائر، وفي شتى أنواع المعاملات في مناحي الحياة الفردية والاجتماعية، وفي الأخلاق والآداب والسلوك، ثم في علاقة الأمة بغيرها من الأمم والديانات الأخرى ... دون أن يكون هناك تفكير في تقسيم هذه
стр. 25
الأحكام أو تصنيفها وتبويبها ليكون هذا عقيدة وذاك عبادة، والثالث اقتصادا أو سياسة ... إلى غير ذلك من هذه التقسيمات الحادثة التي اقتضتها ضرورة البحث والتأليف، ودون أن يكون هناك تفريق بينها في الالتزام والعمل بمقتضاها، فهي كلها أحكام منزلة من الله، ينبغي عليهم أن يتلقوها بالتسليم، وأن يسارعوا إلى الامتثال لها ليحققوا بذلك مقتضى إيمانهم بالله واستسلامهم لشرعه ودينه، وليدخلوا في الدين كافة.
ولذلك نجد الإسلام والإيمان والإحسان في سياق واحد، يعبِّر عن الدين كله، كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال:
بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فأقبل حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ :
$"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" فقال: صدقت. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدّقه!
قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله, وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت.
قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
قال: فأخبرني عن الساعة. قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل".
стр. 26
قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة، العالة، رعاء الشاء يتطاولون في البنيان".
قال: ثم انطلق فلبث مليا. ثم قال لي: "يا عمر, أتدري من السائل؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه جبريل, أتاكم يعلمكم دينكم" ١.
فقد جعل النبي ﷺ في هذا الحديث الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال, وجعل الإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين؛ ولذلك قال: "فإنه جبريل, أتاكم يعلمكم دينكم" ٢.
وقد كان النبي ﷺ يدعو الناس لهذا الدين بجملته؛ لأنه "لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه"٣.
فقد جاء وفد ثقيف إلى النبي ﷺ ومكثوا أياما يغدون على النبي ﷺ ، وهو يدعوهم إلى الإسلام ... فقال له عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا؟
فقال: "إن أنتم أقررتم بالإسلام أقاضيكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم".
стр. 27
فقال عبد ياليل: أفرأيت الزنا؟ فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟
قال: "هو عليكم حرام؛ فإن الله تعالى يقول:
﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] ".
قال: أفرأيت الربا؟
قال: "هو عليكم حرام".
قالوا: فإن أموالنا كلها ربا؟
قال: "لكم رءوس أموالكم؛ إن الله تعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] ".
قالوا: أفرأيت الخمر؟ فإنها عصير أعنابنا، ولا بد لنا منها؟
قال: "إن الله قد حرمها" وقرأ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١ [المائدة: ٩٠] .
وبعد إسلامهم سألوا النبي ﷺ أن يَدَع لهم الطاغية -وهي اللات- لا يهدمها، ثلاث سنين. فأبى رسول الله ﷺ أن يدعها لهم شيئا مسمى. وإنما كانوا يريدون بذلك -فيما يظهرون- أن يَسْلموا -بتركها- من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. وما زالوا يسألونه أن يتركها لهم سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرا واحدا، بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، فسألوه أن يعفيهم من هدمها بأيديهم، فأعطاهم ذلك.
وقد كانوا سألوه -مع ترك الطاغية- أن يعفيهم من الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : "إنه لا خير في دين لا صلاة فيه" ١.
стр. 28
علم العقيدة وعلم الشريعة:
إن الدين الإسلامي, بما أنه منهج إلهي للبشر ينبغي أن يصرِّف حياة الناس وينظمها، يشمل جانبين اثنين تتفرع عنهما سائر الجوانب الأخرى وتعود إليهما:
الجانب الأول:
الأصول العقدية، أو الأساس النظري للدين، الذي يشكل القاعدة الأساس في بنائه، ومنه ينطلق المؤمن، ويضبط كل حركته بضوابطه، ويوجه كل سلوكه وأعماله، ويفسر للإنسان طبيعة وجوده ونشأته وغايته، ويعرفه بدوره في الحياة، ويحدد مصيره الذي ينتهي إليه في الآخرة، ويرسم له معالم صلته بالله تعالى، وصلته بالحياة والأحياء والكون من حوله.
وهذا الجانب هو العقيدة التي تقوم على أصول نسميها: أصول الإيمان وأركانه، كما جاءت في حديث جبريل -آنفا- عن الإسلام والإيمان ... مما يجب أن يعتقده المؤمن ويصدق به. ولأهميتها ومكانتها في الدين فقد أولاها الإسلام عنايته الكبرى -على ما سنلمح إليه إن شاء الله تعالى- وتسمى الأحكام المتعلقة
стр. 29
بهذه النواحي: أحكاما أصلية واعتقادية.
والعلم المتعلق بهذا الجانب يسمى "علم العقيدة" أو "علم الإيمان" أو "أصول الدين" أو "علم التوحيد والصفات"؛ لأن ذلك أشهر مباحثه وأشرف مقاصده.
والأصل في هذا النوع من العلم هو التمسك بالكتاب والسنة، ومجانبة الهوى والبدعة، ولزوم طريق السنة والجماعة، الذي كان عليه الصحابة والتابعون، ومضى عليه الصالحون من السلف ﵏.
والجانب الثاني:
هو النظام الذي ينبثق عن هذه الأصول العقدية ويقوم عليها، ويجعل لها صورة واقعية متمثلة في حياة البشر الواقعية؛ ولذا فهو يحدد للمكلفين حدودا في أقوالهم وأفعالهم -كما يقول الإمام الشاطبي ﵀ فيبين كيفية عمل المكلف وفعله والإتيان به على الوجه الذي أمر به الشرع، في الشعائر التعبدية, والنظام الاجتماعي, ونظام الأسرة، والنظام الاقتصادي، والنظام السياسي، وفي قواعد الأخلاق والسلوك والتربية والمعاملات الأدبية والمالية، وكل ما من شأنه تنظيم حياة الناس وارتباطاتهم وعلاقاتهم ... وتسمى الأحكام المتعلقة بهذه الجوانب كلها: أحكاما فرعية أو عملية.
والعلم المتعلق بهذا الجانب يسمى "علم الفروع" أو "فروع الدين" أو "علم الفقه" أو "علم الشرائع والأحكام"؛ لأنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع، ولا يسبق الفهم عند الإطلاق إلا إليها١.
стр. 30
الصلة بين العقيدة والشريعة:
وإذا كانت العقيدة هي أصل البناء وأساسه، فإن الشريعة تنبثق عن هذا الأصل وتقوم عليه، بحيث يكون كل حكم من أحكام السلوك الإنساني في أي جانب من جوانب الحياة, متفرعا عن أصل من أصول العقيدة والإيمان، ومرتبطا به، فلا قيمة ولا استقرار لشريعة أو نظام لا يستند على أساس متين، كما أنه لا جدوى من أساس ما لم نرفع فوقه بناء قويا محكما.
وهكذا تتعانق العقيدة والشريعة لتكونا -معا- هذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به، وإن كان أحد الجانبين أعظم أهمية من الجانب الآخر، فإن العقيدة هي الجانب الأعظم الذي أولاه الإسلام عنايته الكبرى أولا في مكة المكرمة، وهي مرحلة الإعداد والتكوين والتربية للأمة التي أراد الله تعالى إخراجها للناس لتكون "خير أمة", ولتكون "الأمة الوسط" التي تشهد على سائر الأمم. ثم استمر الحديث عن هذه العقيدة عندما بدأت الأحكام التفصيلية تتنزل على هذه الأمة في "المدينة"، بعد أن أصبح لها وجود فعلي وكيان مستقل، بل كانت العقيدة هي الروح الذي يسري في هذه الأحكام, فيهبها الحياة النابضة المتحركة١.
"ولهذا, فإن هذه الأحكام عرضت من خلال العقيدة، وفي سياق ما يتصل بها من شعب الإيمان ومستلزمات الطاعة والعبادة، حتى في أشد المسائل التصاقا بالبعد المادي عند الإنسان أو نزعته الحسية، كاللباس والطعام والشراب والتناسل ... مما يظهر أثره في حياة الإنسان وسلوكه، ويدخل في ثقافته في نهاية المطاف.
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى
стр. 31
ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] .
وقال تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] .
وقال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] .
وقال تعالى:
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣] .
وليس وراء هذه النزعة أو الشهوة في حياة الإنسان ما هو ألصق منها بالمتاع الحسي.. ومع ذلك فإن الأمر يُربط في القرآن الكريم بتقوى الله، والتذكير بالجنة ويوم الحساب.
وغني عن البيان -بعد هذا- أن نذكر أن أحكام الشريعة التي وردت في القرآن الكريم جاءت على هذا النحو مرتبطة بالإيمان بالله واليوم الآخر ... ومؤسسة على التقوى وعلى العلم بصفات الله ، وأنه عليم حكيم، وسميع بصير، وحكيم خبير ... إلخ.
كما قامت على التذكير الدائب بعقد الإيمان الذي يعقده الإنسان مع ربه ، منذ أن يدخل الإسلام ويرضى بحكم الله تعالى, سواء كان هذا التذكير بطريق مباشر، كقوله تعالى في أوائل سورة المائدة, بعد بيان حكم الله تعالى في العقود والصيد والطعام والزواج، وبعد الأمر بالوضوء والطهارة:
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧] .
أو كان هذا التذكير بطريق غير مباشر، مثل جميع آيات التكليف التي جاءت مصدَّرة بهذا النداء الرباني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، أو ربطت بالإيمان بوجه من الوجوه"١.
стр. 32
ضرورة ومحاذير:
ولعله من نافلة القول، أن يأتي التأكيد -مرة أخرى- على أن هذه التقسيمات السالفة للدين إلى عقيدة وشريعة ... إنما هي تقسيمات فنية اصطلاحية من أجل الدراسة والمعرفة، اقتضتها ضرورة التأليف والتصنيف بعد نشأة العلوم واستقلالها بالتدوين.
وهذه الضرورة تنبه لها المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ سيد قطب ﵀ وبيّن آثارها بعد ذلك، عند حديثه عن خاصية "الشمول" في التصور الإسلامي وأثرها في التوحيد بين الاعتقاد والتنظيم في الحياة، فقال:
"إن تقسيم النشاط الإنساني إلى "عبادات" و"معاملات" مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة "الفقه". ومع أنه كان المقصود به -في أول الأمر- مجرد التقسيم "الفني"، الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه -مع الأسف- أنشأ فيما بعد آثارا سيئة في التصور، تبعته -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها، إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة "العبادة" إنما هي خاصة بالنوع
стр. 33
الأول من النشاط الذي يتناوله "فقه العبادات" بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط الذي يتناوله "فقه المعاملات"! وهو انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه. فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي ... "١.
وإذا كان تقسيم الإسلام إلى عقيدة وعبادة وشريعة وأخلاق مسألة فنية كذلك جاءت متأخرة عند التأليف في هذه العلوم، اقتضتها ضرورة البحث الفني والاختصاص، فإنها تركت آثارا في حس بعض الناس جعلتهم يظنون أنه يكفيهم أن يكونوا على عقيدة نظرية تستقر في قلوبهم دون أن يكون لذلك أثر في حياتهم، أو دون العمل بمقتضيات هذه العقيدة، ويحسبون أنهم متمسكون بهذا الدين حتى ولو كانوا يستمدون تشريعاتهم في جوانب الحياة الأخرى من مصادر بشرية أو مذاهب وأفكار أخرى لم يأذن بها الله، والله يقول:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .
وما كانت هذه الآثار نابعة عن التقسيم بحد ذاته، وإنما جاءت بعد أن بهت الدين في نفوس الناس والتبست عليهم الأمور واختلفت المفاهيم٢.
стр. 34
أهمية العقيدة وأثرها:
أما لماذا كان هذا الاهتمام بجانب العقيدة؟ ولماذا كانت هي الأصل الذي ينبثق عنه النظام؟ ولماذا ربطت بها سائر الأحكام؟ ... فهذا ما يجب أن نقف عنده وقفة نستجلي فيها الإجابة.
بعث الله تعالى محمدا ﷺ بعد فترة من الرسل، وبعد أن انحرفت البشرية عن دين الله تعالى ومنهجه، فضربت في بيداء التيه والضلال، وتجرّعت مرارة الضياع، وعبدت الشجر والحجر، والنجوم والدواب، واستعبدتْها الأهواء والشهوات، كما استعبدها الطغاة من الملأ، في كل مرة تمردت فيها على عبوديتها لله .
فكانت بعثة محمد ﷺ حياة ونورا، لا غنى للبشرية عنهما:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] .
ووقف رسول الله ﷺ يصدع بكلمة الحق ويهتف بها في الناس قائلا: "أيها الناس, قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا".
وظل القرآن الكريم في مكة المكرمة يتنزل على رسول الله ﷺ ثلاثة عشر عاما كاملة، يحدثه فيها عن قضية واحدة لا تتغير ... لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية في هذا الدين ... قضية العقيدة والتوحيد، ممثلة في قاعدتها الرئيسية وأسّها الأول: الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة.
وهذه القضية الكبرى، هي قضية كل إنسان؛ لأنها تفسر له سر وجوده في هذا الكون, وغايته التي يسعى من أجلها، وتفسر له نشأته، وتحدد له مصيره ونهايته،
стр. 35
وتجيبه على الأسئلة التي يتوقف على الإجابة عليها تحديد كل ما من شأنه أن يرسم له المنهاج المستقيم لحياته في الدنيا والآخرة:
من أنت أيها الإنسان؟
ومن الذي أوجدك؟
ولماذا أوجدك في هذه الحياة؟
وما المصير والنهاية التي تنتهي إليها بعد هذه الحياة؟
ما هي علاقتك بهذا الكون الذي تعيش فيه؟ وما علاقتك بخالق هذا الكون، ؟
وهذه هي الأسئلة التي تشغل بال الإنسان منذ أن أوجده الله تعالى في هذا الكون.
ولا يذهبَنَّ الظن بأحد من الناس ليقول: إنها كلمة سهلة، لا تحتاج إلى كل هذا الجهد والعناء، وإلى كل هذا الزمن المديد، الذي أنفقه الرسول ﷺ ، من أجل تثبيتها في نفوس الناس وفي حياتهم!
لقد وجدنا كفار قريش، وكل الكفار من غير قريش، يُناصبون النبي ﷺ العداء؛ من أجل هذه الكلمة، ومن أجل هذه العقيدة، التي تزلزل كيانهم، وتجعل الأرض تميد تحت أقدامهم، ويشعرون أن السلطان الذي يستعبدون الناس باسمه سوف يُنزع من أيديهم ليُرَد إلى صاحبه الحقيقي، وهو الله .
فقد كانت عقيدة التوحيد هذه من أشد الأفكار غرابة على عقول الجاهليين وحسهم وشعورهم:
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ
стр. 36
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤، ٥] .
وبعد أن غرس النبي ﷺ تلك العقيدة في نفوس أصحابه، ورباهم عليها، وعرّفهم بربهم ، وأن شأنهم هو شأن العبد مع الإله الخالق الرازق المشرِّع، وأنه لا إله إلا هو، وعرفهم تكاليف هذه العقيدة وأعباءها، وصبروا على الطريق الطويل الشاق، وخلصت نفوسهم لله ... عندئذ جاءت العناية بكل جوانب البناء الضخم لهذه الشريعة الخالدة، من عبادة وأخلاق وتشريع ...
فالعقيدة هي الأساس، الذي يقوم عليه البناء، وما لم يقم العمل على هذه العقيدة فإنه سيكون هباء منثورا، لا ينفع صاحبه:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] .
وقضت إرادة الله أن يقوم هذا الدين على قاعدة "الألوهية الواحدة" ".. كل تنظيماته، وكل تشريعاته، تنبثق من هذا الأصل الكبير ... وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة، الوارفة، المديدة الظلال، المتشابكة الأغصان، الضاربة في الهواء.. لا بد لها من أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة، وفي مساحات واسعة تناسب ضخامتها وامتدادها في الهواء.. فكذلك هذا الدين".
"إن نظام هذا الدين يتناول الحياة كلها، ويتولى شئون البشرية، كبيرها وصغيرها، وينظم حياة الإنسان، لا في الحياة الدنيا وحدها، ولكن كذلك في الدار الآخرة، ولا في عالم الشهادة وحده، ولكن كذلك في عالم الغيب، ولا في المعاملات المادية الظاهرة وحدها، ولكن كذلك في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا، فلا بد إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة
стр. 37
والعمق والانتشار أيضا.
ومتى استقرت عقيدة "لا إله إلا الله" في أعماقها الغائرة البعيدة, استقر معها في الوقت نفسه النظام الذي تتمثل فيه: "لا إله إلا الله"، وتعين أنه النظام الوحيد، الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام"١.
ومن الأمثلة الكثيرة الرائعة، التي تدل على هذه الحقيقة، ما حدث عند نزول النهي عن الخمر، في مجلس شرب، ولم تكن الخمر قد حُرمت قبل ذلك، أي: في صدر الإسلام.
فعن ابن بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قعود على شراب لنا، ونحن نشرب الخمر حِلًّا، إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه وقد نزل تحريم الخمر:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] .
فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وبعض القوم شَرْبَتُه في يده، شرب منها بعضا وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا يا ربنا! انتهينا يا ربنا! ٢.
стр. 38
"ولم يزل الرسول ﷺ يربِّيهم تربية دقيقة عميقة، ولم يزل القرآن الكريم يسمو بنفوسهم ويذكي جمرة قلوبهم، ولم تزل مجالس الرسول ﷺ تزيدهم رسوخا في الدين, وعزوفا عن الشهوات، وتفانيا في سبيل المرضاة، وحنينا إلى الجنة، وحرصا على العلم، وفقها في الدين، ومحاسبة للنفس، يطيعون الرسول في المنشط والمكره، وينفرون في سبيل الله خفافا وثقالا ... ونزلت الآيات بكثير مما لم يألفوه ولم يتعودوه، وبكل ما يشق على النفس إتيانه، فنشطوا وخفوا لامتثال أمرها.
وانحلت العقدة الكبرى -عقدة الشرك والكفر- فانحلت العقد كلها، وجاهدهم الرسول ﷺ جهاده الأول، فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي. وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى، فكان النصر حليفه في كل معركة.
رأينا كيف نزل تحريم الخمر، والكئوس المتدفقة على راحاتهم، فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمِّظة والأكباد المتَّقدة، كسرت دنان الخمر فسالت في سكك المدينة"١.
إن القلوب يجب أن تخلص أولا لدين الله تعالى، وتعلن عبوديتها له وحده، بقبول شرعه وحده، ورفض كل شرع آخر غيره, فإن نظام الله خير في ذاته؛ لأنه من شرع الله، ولن يكون شرع العبد يوما كشرع الله:
﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] .
وما يزعم مسلم أبدا أن شرع العبد وحكم العبد كشرع الله وحكم الله، وإلا فهو الكفر:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
стр. 39
إن الاستسلام لله هو مقتضى الإيمان بالله وتوحيده؛ ولذلك تلقت تلك النفوس المؤمنة التي رباها رسول الله ﷺ أحكام الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور صدورها إليها، ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له، وهكذا أبطلت الخمر.. وأبطل الربا.. وأبطل الميسر.. وأبطلت العادات الجاهلية كلها.. أبطلت بآيات من القرآن الكريم أو كلمات من الرسول، ﷺ .
بينما النظم الوضعية تجهد في هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطاتها، ودعايتها وإعلامها، فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات، بينما المجتمع يعجّ بالمنهيات والمنكرات١.
ولعل في فشل دولة من أكبر الدول الغربية الجاهلية في منع الخمر، بعد أن سخّرت كل أجهزتها ووسائلها المتنوعة لتبشيعها وبيان أضرارها ... لعل في ذلك دليلا قاطعا وشاهدا صادقا على هذا.
هذا قانون البشر، وحكم البشر، وذاك حكم الله، وشريعة الله العليم الخبير:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] .
стр. 40
علم العقيدة
مدخل
...
علم العقيدة:
لم يكن الجيل الأول من الصحابة -رضوان الله عليهم- بحاجة إلى تدوين العلوم في العقيدة والشريعة وغيرهما، فقد كانوا يتلقون من النبي ﷺ مباشرة كل ما يتعلق بأمر الدين والدنيا، والقرآن الكريم يتنزل على النبي ﷺ حسب الحاجات والوقائع، كما نجد ذلك واضحا صريحا في الآيات والسور التي أنزلت بعد الغزوات أو الحوادث التي كان لها أثرها في بناء المجتمع، أو في أعقاب سؤال أو استفتاء عن قضية معينة لمعرفة حكم الله فيها، ينزل القرآن فيصقل النفوس ويزكيها، ويربي الأمة، ويعالج ما يطرأ من مشكلات، ويجيب على ما ينشأ من تساؤلات، ويحمل المؤمن على الالتزام بالأوامر الإلهية دون تردد أو تلكؤ؛ ليحققوا بذلك مقتضى إيمانهم، فيتم التفاعل الكامل مع النصوص الشرعية, قرآنا ناطقا، وسنة حادثة.
وكان الجيل الأول على عقيدة نقية صافية، ببركة صحبة النبي ﷺ وقرب العهد بزمانه، ولِمَا فُطروا عليه من سليقة تمكنهم من الفهم بعد التلقي، فالقرآن الكريم يتنزل بلغتهم التي يفهمونها وتجري على ألسنتهم كما يجري الدم في عروقهم، مما جعلهم جميعهم على عقيدة واحدة لا يختلفون فيها، رغم ما قد يقع من خلاف في أحكام فرعية تشريعية.