أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤، ٥] .
وبعد أن غرس النبي ﷺ تلك العقيدة في نفوس أصحابه، ورباهم عليها، وعرّفهم بربهم ، وأن شأنهم هو شأن العبد مع الإله الخالق الرازق المشرِّع، وأنه لا إله إلا هو، وعرفهم تكاليف هذه العقيدة وأعباءها، وصبروا على الطريق الطويل الشاق، وخلصت نفوسهم لله ... عندئذ جاءت العناية بكل جوانب البناء الضخم لهذه الشريعة الخالدة، من عبادة وأخلاق وتشريع ...
فالعقيدة هي الأساس، الذي يقوم عليه البناء، وما لم يقم العمل على هذه العقيدة فإنه سيكون هباء منثورا، لا ينفع صاحبه:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] .
وقضت إرادة الله أن يقوم هذا الدين على قاعدة "الألوهية الواحدة" ".. كل تنظيماته، وكل تشريعاته، تنبثق من هذا الأصل الكبير ... وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة، الوارفة، المديدة الظلال، المتشابكة الأغصان، الضاربة في الهواء.. لا بد لها من أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة، وفي مساحات واسعة تناسب ضخامتها وامتدادها في الهواء.. فكذلك هذا الدين".
"إن نظام هذا الدين يتناول الحياة كلها، ويتولى شئون البشرية، كبيرها وصغيرها، وينظم حياة الإنسان، لا في الحياة الدنيا وحدها، ولكن كذلك في الدار الآخرة، ولا في عالم الشهادة وحده، ولكن كذلك في عالم الغيب، ولا في المعاملات المادية الظاهرة وحدها، ولكن كذلك في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا، فلا بد إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة
стр. 37
والعمق والانتشار أيضا.
ومتى استقرت عقيدة "لا إله إلا الله" في أعماقها الغائرة البعيدة, استقر معها في الوقت نفسه النظام الذي تتمثل فيه: "لا إله إلا الله"، وتعين أنه النظام الوحيد، الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام"١.
ومن الأمثلة الكثيرة الرائعة، التي تدل على هذه الحقيقة، ما حدث عند نزول النهي عن الخمر، في مجلس شرب، ولم تكن الخمر قد حُرمت قبل ذلك، أي: في صدر الإسلام.
فعن ابن بريدة عن أبيه قال: بينما نحن قعود على شراب لنا، ونحن نشرب الخمر حِلًّا، إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه وقد نزل تحريم الخمر:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] .
فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وبعض القوم شَرْبَتُه في يده، شرب منها بعضا وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا يا ربنا! انتهينا يا ربنا! ٢.
стр. 38
"ولم يزل الرسول ﷺ يربِّيهم تربية دقيقة عميقة، ولم يزل القرآن الكريم يسمو بنفوسهم ويذكي جمرة قلوبهم، ولم تزل مجالس الرسول ﷺ تزيدهم رسوخا في الدين, وعزوفا عن الشهوات، وتفانيا في سبيل المرضاة، وحنينا إلى الجنة، وحرصا على العلم، وفقها في الدين، ومحاسبة للنفس، يطيعون الرسول في المنشط والمكره، وينفرون في سبيل الله خفافا وثقالا ... ونزلت الآيات بكثير مما لم يألفوه ولم يتعودوه، وبكل ما يشق على النفس إتيانه، فنشطوا وخفوا لامتثال أمرها.
وانحلت العقدة الكبرى -عقدة الشرك والكفر- فانحلت العقد كلها، وجاهدهم الرسول ﷺ جهاده الأول، فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي. وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى، فكان النصر حليفه في كل معركة.
رأينا كيف نزل تحريم الخمر، والكئوس المتدفقة على راحاتهم، فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمِّظة والأكباد المتَّقدة، كسرت دنان الخمر فسالت في سكك المدينة"١.
إن القلوب يجب أن تخلص أولا لدين الله تعالى، وتعلن عبوديتها له وحده، بقبول شرعه وحده، ورفض كل شرع آخر غيره, فإن نظام الله خير في ذاته؛ لأنه من شرع الله، ولن يكون شرع العبد يوما كشرع الله:
﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] .
وما يزعم مسلم أبدا أن شرع العبد وحكم العبد كشرع الله وحكم الله، وإلا فهو الكفر:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
стр. 39
إن الاستسلام لله هو مقتضى الإيمان بالله وتوحيده؛ ولذلك تلقت تلك النفوس المؤمنة التي رباها رسول الله ﷺ أحكام الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور صدورها إليها، ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له، وهكذا أبطلت الخمر.. وأبطل الربا.. وأبطل الميسر.. وأبطلت العادات الجاهلية كلها.. أبطلت بآيات من القرآن الكريم أو كلمات من الرسول، ﷺ .
بينما النظم الوضعية تجهد في هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطاتها، ودعايتها وإعلامها، فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات، بينما المجتمع يعجّ بالمنهيات والمنكرات١.
ولعل في فشل دولة من أكبر الدول الغربية الجاهلية في منع الخمر، بعد أن سخّرت كل أجهزتها ووسائلها المتنوعة لتبشيعها وبيان أضرارها ... لعل في ذلك دليلا قاطعا وشاهدا صادقا على هذا.
هذا قانون البشر، وحكم البشر، وذاك حكم الله، وشريعة الله العليم الخبير:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] .
стр. 40
علم العقيدة
مدخل
...
علم العقيدة:
لم يكن الجيل الأول من الصحابة -رضوان الله عليهم- بحاجة إلى تدوين العلوم في العقيدة والشريعة وغيرهما، فقد كانوا يتلقون من النبي ﷺ مباشرة كل ما يتعلق بأمر الدين والدنيا، والقرآن الكريم يتنزل على النبي ﷺ حسب الحاجات والوقائع، كما نجد ذلك واضحا صريحا في الآيات والسور التي أنزلت بعد الغزوات أو الحوادث التي كان لها أثرها في بناء المجتمع، أو في أعقاب سؤال أو استفتاء عن قضية معينة لمعرفة حكم الله فيها، ينزل القرآن فيصقل النفوس ويزكيها، ويربي الأمة، ويعالج ما يطرأ من مشكلات، ويجيب على ما ينشأ من تساؤلات، ويحمل المؤمن على الالتزام بالأوامر الإلهية دون تردد أو تلكؤ؛ ليحققوا بذلك مقتضى إيمانهم، فيتم التفاعل الكامل مع النصوص الشرعية, قرآنا ناطقا، وسنة حادثة.
وكان الجيل الأول على عقيدة نقية صافية، ببركة صحبة النبي ﷺ وقرب العهد بزمانه، ولِمَا فُطروا عليه من سليقة تمكنهم من الفهم بعد التلقي، فالقرآن الكريم يتنزل بلغتهم التي يفهمونها وتجري على ألسنتهم كما يجري الدم في عروقهم، مما جعلهم جميعهم على عقيدة واحدة لا يختلفون فيها، رغم ما قد يقع من خلاف في أحكام فرعية تشريعية.
стр. 41
ويصف المقريزي ﵀ حالهم في ذلك فيقول:
"إن الله تعالى لما بعث من العرب نبيه محمدا ﷺ رسولا إلى الناس جميعا، وصف لهم ربهم بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز, وبما أوحى إليه ربه تعالى، فلم يسأله ﷺ أحد من العرب بأسرهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما لله سبحانه فيه أمر ونهي، وكما سألوه ﷺ عن أحوال القيامة والجنة والنار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنُقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه ﷺ في أحكام الحلال والحرام ... ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث.
ومن أمعن النظر في كتب الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية، علم أنه لم يرد قط، من طريق صحيح ولا سقيم، عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد ﷺ ولا فرّق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية، من العلم والقدرة، والحياة والإرادة، والسمع والبصر والكلام, والجلال والإكرام، والجود والإنعام، والعز والعظمة. وهكذا أطلقوا ما أطلقه الله تعالى على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا لله تعالى الصفات بلا تشبيه بخلقه، ونزّهوه عن صفات النقص من غير تعطيل وإنكار. ولم يتعرض أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا -بأجمعهم- إجراء الصفات كما وردت.
ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية الله تعالى, وعلى إثبات نبوة محمد ﷺ سوى كتاب الله، فما عرف أحد منهم شيئا من الطرق الكلامية
стр. 42
ولا المناهج الفلسفية"١.
ففي الدليل على معرفة الخالق ، يستدلون بمثل قول الله تعالى:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١] .
وقوله تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦-٨] .
وأمثال ذلك من الآيات الكريمة الدالة على الخالق دلالات ظاهرة قريبة من الأفهام، تنفع النفوس وتغرس في القلوب الاعتقادات الجازمة.
أما الدليل على وحدانية الله تعالى ووجوب عبادته وحده، فيستدلون بقوله تعالى:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
وبقوله تعالى:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا
стр. 43
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] .
وبقوله تعالى:
﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] .
أما صدق الرسول ﷺ فيستدل عليه بقوله تعالى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وأما اليوم الآخر والإيمان بالبعث، فيستدل عليه بقوله تعالى:
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٧٨-٨٢] .
وبقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥-٧] .
وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة ...
لهذا كله لم يكن الصحابة والتابعون -رضوان الله عليهم- بحاجة إلى تدوين علم العقيدة أو أصول الدين، وإلى ترتيب مباحثه كتبا وأبوابا وفصولا، كما نجد اليوم مثلا.
стр. 44
أولًا: نشأة علم العقيدة
العوامل الداخلية
...
أولا: نشأة علم العقيدة:
ثم جدّت بعد ذلك أمور اقتضت تدوين مسائل العقيدة في علم مستقل. ونشير فيما يلي إلى أهم هذه الأسباب والعوامل، فيما نستخلصه من الوقائع، لعل باحثا يقوم بتتبع ذلك وتقديم دراسة متكاملة عن مراحل التدوين وأساليبه في مجال العقيدة الإسلامية.
العوامل الداخلية:
١- التحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى، بعد أن بلّغ رسالة ربه ﵎، وترك في هذه الأمة ما إن تمسكت به لن تضل بعده أبدا: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وكان كتاب الله تعالى محفوظا في صدور الصحابة، ومكتوبا في الصحف -على ما كان متيسرا من وسائل الكتابة- ليكون ذلك وسيلة لتحقيق وعد الله تعالى بحفظ الذكر، ثم جمع في مصحف واحد في عهد أبي بكر ﵁، ثم كان الجمع الثاني ونسخ المصاحف وتوزيعها في الأمصار في عهد عثمان ﵁، وقد توفر لهذا الكتاب ما لم يتوفر لكتاب آخر؛ سماوي أو غير سماوي١.
أما الحديث وسنة النبي ﷺ فلم تُدَوَّن رسميا تدوينا شاملا في عهد رسول الله ﷺ ، كما دُوِّن القرآن الكريم، وإنما كانت محفوظة في الصدور، نقلها
стр. 45
صحابة رسول الله ﷺ إلى من بعدهم من التابعين مشافهة وتلقينا، وإن كان عصر النبي ﷺ لم يخل من كتابة بعض الحديث، لا على سبيل التدوين الرسمي. ولقد انقضى عهد الصحابة ولم تدون فيه السنة إلا قليلا، وتكاد تجمع الروايات على أن أول من فكر بالجمع والتدوين للسنة من التابعين: عمر بن عبد العزيز، ﵁، إذ أرسل إلى أبي بكر بن حزم -عامله وقاضيه على المدينة-: "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم١ وذهاب العلماء". فكتب شيئا من السنة.. وقام محمد بن شهاب الزهري -وكان عَلَما خفَّاقا من أعلام السنة في عصره- بتدوين كل ما سمعه من أحاديث الصحابة غير مبوّب على أبواب العلم، وربما كان مختلطا بأقوال الصحابة والتابعين، وهذا ما تقتضيه طبيعة البداءة في كل أمر جديد٢.
ثم شاع التدوين في الجيل الذي يلي جيل الزهري، في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، مع ضم الأبواب بعضها إلى بعض في كتاب واحد -على ما فعله الإمام مالك في "الموطأ" ثم من بعده البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، وأصحاب السنن في "جوامعهم وسننهم"- فبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب، مثل: باب الإيمان، باب العلم، باب الطهارة، باب الطلاق ... باب التوحيد ... باب السنة، وهكذا.
стр. 46
فكان هذا التبويب للأحاديث كان النواة الأولى في استقلال كل باب، فيما بعد، بالبحث والنظر والعناية بالبيان وبيان الأحكام، فعن أبواب الإيمان، والوحي، والسنة، والتوحيد.. نشأ علم العقيدة واستقل عن العلوم الأخرى المستنبطة من الكتاب والسنة, فكان هذا هو العامل الأول.
٢- وأما الثاني: فقد كان المسلمون عند وفاة رسول الله ﷺ على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه، غير من أظهر وفاقا وأضمر نفاقا ... وكانوا على كلمة واحدة في أبواب العدل والتوحيد, والوعد والوعيد، وفي سائر أصول الدين، وإنما كانوا يختلفون في فروع في مسائل كثيرة، بل يمتد هذا الخلاف إلى عهد النبي ﷺ وكان اختلافهم هذا لا يورث تضليلا ولا تفسيقا١؛ لأنه في أمور لا تمس العقيدة، وإنما هي مسائل فرعية، ثم هي مما لم يرد بها نص صريح عن الله تعالى أو عن رسوله ﷺ أو جاءت في بعضها نصوص مختلفة، بعضها يعارض بعضا في ظاهر الأمر.
فلم يكن بد لأحدهم من أن يجتهد برأيه، فيستنبط من نصوص الشريعة العامة حكم بعض المسائل أو يقيس شيئا على شيء، ولم يكن بد لأحدهم -إذا جاءته نصوص مختلفة- من أن يوازن بين هذه النصوص فيرجح بعضها أو يخصص كل نص بحالة تغاير حالة النص الآخر، أو غير ذلك من وجوه الترجيح٢.
стр. 47
ثم اختلف الناس في أشياء اتخذها قوم من بعدهم تكأة؛ إما للطعن في بعض الصحابة، وإما جعلوها أساسا لنِحْلَتهم، أو استدلوا بها في مسألة من مسائلهم التي اتخذوها شعارا لهم، ثم تعمق الخلاف وأدى إلى نشوء جماعات متفرقة.
يقول الإمام أبو الحسن الأشعري، ﵀: "اختلف الناس بعد نبيهم ﷺ في أشياء كثيرة، ضلّل بعضهم بعضا، وبرئ بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينين، وأحزابا متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم. وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم ﷺ اختلافهم في الإمامة ... وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم١.
وبعد هذا الاختلاف قامت كل فرقة تجادل عن رأيها وتؤيده بالأدلة، وتدفع رأي الآخرين وترد عليه، فوضعت في ذلك كتب ومؤلفات، فكان ذلك من عوامل نشأة الكتابة والتدوين في هذا الجانب.
٣- ونضيف هنا عاملا ثالثا هو: ما نجم وظهر من البدع والانحرافات عن العقيدة الصافية التي كان عليها الصحابة -رضوان الله عليهم- بعد سنوات من خلافة علي رضي الله عنه٢.
стр. 48
ونجتزئ هنا بما كتبه العلامة المقريزي في "الخطط" وهو يدرس عقائد أهل الإسلام منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعري، ويرصد البدع التي ظهرت في المجتمع, ويرسم خطا لتطورها التاريخي، فيقول:
"مضى عصر الصحابة ﵃ على هذا, إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر، وأن الأمر أُنُف، أي: إن الله تعالى لم يقدّر على خلقه شيئا مما هم عليه.
وكان أول من قال بالقدر في الإسلام: معبد بن خالد الجهني. وكان يجالس الحسن البصري، فتكلم في القدر بالبصرة، وسلك بعض أهل البصرة مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، وأخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له: يونس سنسويه، ويعرف بالأسوري، فلما عظمت الفتنة به عذبه الحجاج، وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان سنة ثمانين، ولما بلغ عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵄، مقالة معبد في القدر تبرأ من القدرية، واقتدى بمعبد في بدعته هذه جماعة من الناس.
وأخذ السلف ﵏ في ذم القدرية، وحذَّروا منهم، كما هو معروف في كتب الحديث، وكان عطاء بن يسار قاضيا يرى القدر، وكان يأتي هو ومعبد الجهني إلى الحسن البصري فيقولان له: إن هؤلاء يسفكون الدماء، ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله؟ فقال: كذب أعداء الله، فطُعن على الحسن بهذا ومثله.
стр. 49
وحدث أيضا في زمن الصحابة ﵃ مذهب الخوارج, وصرحوا بالتكفير بالذنب، والخروج على الإمام وقتاله, فناظرهم عبد الله بن عباس ﵄ فلم يرجعوا إلى الحق١، وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقتل منهم جماعة، كما هو معروف في كتب الأخبار، ودخل في دعوة الخوارج كثير، ورُمي جماعة من أئمة الإسلام بأنهم يذهبون إلى مذهبهم، وعُد منهم غير واحد من رواة الحديث، كما هو معروف عند أهله.
وحدث أيضا في زمن الصحابة ﵃ مذهب التشيع لعلي بن أبي طالب، ﵁، والغلو فيه، فلما بلغه ذلك أنكره وحرّق بالنار جماعة ممن غلا فيه٢، وأنشد:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أجّجت ناري ودعوت قَنْبَرا
وقام في زمنه ﵁ عبد الله بن وهب بن سبأ المعروف بابن السوداء السبئي، وأحدث القول بوصية رسول الله ﷺ لعلي بالإمامة من بعده، فهو وصي رسول الله ﷺ وخليفته على أمته من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة علي بعد موته إلى الدنيا، وبرجعة رسول الله ﷺ أيضا، وزعم أن عليا لم يُقتَل،
стр. 50
وأنه حي، وأن فيه الجزء الإلهي، وأنه هو الذي يجيء في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، وأنه لا بد أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلا كما ملئت جورا.
ومن ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة، وصاروا يقولون بالوقف، يعنون أن الإمامة موقوفة على أناس معينين، كقول الإمامية بأنها في الأئمة الاثني عشر، وقول الإسماعيلية بأنها في ولد إسماعيل بن جعفر الصادق.
وعنه أيضا أخذوا القول بأن الجزء الإلهي يَحُلّ في الأئمة بعد علي بن أبي طالب، وأنهم بذلك استحقوا الإمامة بطريق الوجوب كما استحق آدم ﵇ سجود الملائكة. وعلى هذا الرأي كان اعتقاد الخلفاء الفاطميين ببلاد مصر١.
وابن سبأ هذا هو الذي أثار الفتنة على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ حتى قُتل، وكان له عدة أتباع في عامة الأمصار "أي: أصحاب كثيرون في معظم الأقطار" فكثرت لذلك الشيعة وصاروا ضدا للخوارج، وما زال أمرهم يقوى وعددهم يكثر.
ثم حدث بعد عصر الصحابة ﵃ مذهب جهم بن صفوان "توفي ١٢٨هـ"، بالمشرق، فعظمت الفتنة به، فإنه نفى أن يكون لله تعالى صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكا أثرت في الملة الإسلامية آثارا قبيحة، تولد عنها بلاء كبير، وكان قبيل المائة من سِنِي الهجرة، فكثر أتباعه على أقواله التي تئول إلى التعطيل، فأنكر أهل الإسلام بدعته، وتعاونوا على إنكارها وتضليل أهلها، وحذروا
стр. 51
من الجهمية وعادَوْهم في الله، وذموا من جلس إليهم، وكتبوا في الرد عليهم ما هو معروف عند أهله.
وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال منذ زمن الحسن البصري المتوفى سنة ١١٠هـ ﵀ "على يد واصل بن عطاء المتوفى سنة ١٣١هـ"، وصنفوا فيه مسائل في العدل والتوحيد وإثبات أفعال العباد، وأن الله تعالى لا يخلق الشر، وجهروا بأن الله لا يُرَى في الآخرة، وأنكروا عذاب القبر على البدن، وأعلنوا أن القرآن مخلوق مُحْدَث ... إلى غير ذلك من مسائلهم، فتبعهم خلائق في بدعهم، وأكثروا من التصنيف في نصرة مذهبهم بالطرق الجدلية، فنهى أئمة الإسلام عن مذهبهم، وذموا علم الكلام، وهجروا من ينتحله، ولم يزل أمر المعتزلة يقوى، وأتباعهم تكثر، ومذهبهم ينتشر في الأرض.
ثم حدث مذهب التجسيم المضاد لمذهب الاعتزال، فظهر محمد بن كرّام بن عراق بن حزانة، أبو عبد الله السجستاني، زعيم الطائفة الكرّامية، بعد المائتين من سني الهجرة، وأثبت الصفات حتى انتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه، وحج وقدم الشام، ومات بزغر في صفر سنة ست وخمسين ومائتين، فدفن بالقدس، وكان هناك من أصحابه زيادة على عشرين ألفا، على التعبد والتقشف، سوى من كان منهم ببلاد المشرق، وهم لا يحصون لكثرتهم ...
وكانت بين الكرامية بالمشرق, وبين المعتزلة مناظرات وفتن كثيرة، متعددة أزماتها.
هذا، وأمر الشيعة يفشو بين الناس، حتى حدث مذهب القرامطة المنسوبين إلى حمدان الأشعث -المعروف بقرمط- وكان ابتداء أمره في سنة أربع وستين ومائتين، وكان ظهوره بسواد الكوفة، فاشتهر مذهبه بالعراق. وقام أتباعه ببلاد
стр. 52
الشام والعراق والبحرين بالدعوة إلى مذهبه الذي يقوم على القول بالباطن، وهو تأويل شرائع الإسلام وصرفها عن ظواهرها إلى أمور زعموها من عند أنفسهم، وتأويل آيات القرآن الكريم ودعواهم فيها تأويلا بعيدا، وانتحلوا بدعا ابتدعوها بأهوائهم فضلّوا وأضلوا عالما كثيرا ممن دخل في مذهبهم. وكان بينهم وبين خلفاء بني العباس حروب وفتن، فأوقعوا بعساكر بغداد، وأخافوا الخلفاء وفرضوا الأموال التي تُحمل إليهم كل سنة من تلك البلاد التي غزوها.
هذا، وقد كان المأمون، عبد الله بن هارون الرشيد، سابع خلفاء بني العباس، لما شغف بالعلوم القديمة بعث إلى بلاد الروم من عرّب له كتب الفلاسفة وأتاه بها في أعوام بضع عشرة سنة ومائتين من سني الهجرة. فانتشرت مذاهب الفلسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها، فانجر على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلسفة ضلال أهل البدع وزادتهم كفرا إلى كفرهم.
ولما قامت دولة بني بُوَيْه في بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وأظهروا مذهب التشيع قويت بهم الشيعة ... وكثرت ببغداد الفتن بين الشيعة والسنة.
وفشا مذهب الاعتزال في العراق وخراسان وما وراء النهر ... وقوي أمر الخلفاء العبيديين بإفريقيا وبلاد المغرب وجهروا بمذهب الإسماعيلية، وبثّوا دعاتهم في البلاد وملكوها سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمائة وبعثوا بعساكرهم إلى الشام، فانتشرت مذاهب الرافضة في عامة بلاد المغرب ومصر والشام، وديار بكر, والكوفة, والبصرة، وبغداد، وجميع العراق، وبلاد خراسان وما وراء النهر خلا بلاد الحجاز واليمن والبحرين. وكانت بينهم وبين أهل السنة من الفتن والحروب والمقاتل ما لا يمكن حصره لكثرته. واشتهرت مذاهب الفِرَق، من القدرية, والجهمية، والمعتزلة،
стр. 53
والكرامية، والخوارج، والروافض, والقرامطة, والباطنية، حتى ملأت الأرض. وما منهم إلا نظر في الفلسفة وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم يبق مصر من الأمصار، ولا قطر من الأقطار إلا وفيه طوائف كثيرة ممن ذكرنا.."١.
ولما ظهرت هذه البدع، وقف علماء السلف وأهل السنة يردون عليها ويحذرون منها، ويوضحون أصول العقيدة، ويدعون للتمسك بها. فكان ذلك واحدا من أهم العوامل التي ساعدت على تدوين علم العقيدة واستقلاله، في كتب ومؤلفات خاصة.
٤- هناك عامل رابع، كان له أثره في نشأة التدوين في العقيدة الإسلامية, وهو اختلاف طبيعة المنهج الذي سلكه المسلمون بعد عصر الصحابة في التفكير والفهم لمسائل الألوهية والعقيدة، نشأ عنه الانشغال ببعض المشكلات التي لم تظهر مبكرة، أو لم يكن هناك ما يدعو للانشغال بها أو التعمق في بحثها والتفكير فيها، ونشأ عن هذا ظهور مشكلات وقضايا شغلت الفكر الإسلامي، وكان لها أثرها في نشوء الفرق وبالتالي الكتابة حولها.
كان موضوع التفكير في عهد الرسول والصحابة هو موضوع الألوهية وما يتفرع عنها، إذ وصف الله تعالى نفسه في القرآن الكريم، وعرّفنا بدلائل قدرته كي نعبده ونسلم له، إذ وصف نفسه باعتبار ذاته بأنه الأول والآخر، والظاهر والباطن ... وغير ذلك من الصفات التي تعرّفنا بالله؛ غنيا بنفسه، أبديا، واسع القدرة والعلم، محيطا بكل شيء.
ووصف نفسه بأنه الخالق المبدئ المعيد، والبارئ والمصور، والمحيي والمميت..
стр. 54
إلى غير ذلك من الصفات التي تبين أنه الخالق المطلق، المدير الحاكم الملِك، الذي لا قوة ولا سلطان غير سلطانه في الوجود.
وباعتبار علاقته بالإنسان، وصف نفسه بأنه: الرحمن الرحيم، غافر الذنب وقابل التوب، والعفوّ الحليم ...
كما وصف نفسه بأنه المهيمن والهادي والوكيل، والرازق والمعطي والمغني، يبسط الرزق لمن يشاء ... وغير ذلك من الأوصاف التي تدل على أن صلة العبد بالله تعالى هي صلة احتياج، فالعبد محتاج إلى عفوه وتدبيره، والله هو الرقيب والحسيب عليه ...
والله إذن هو الفاعل لكل شيء في الوجود، وإرادته هي سبب ما في الوجود كله ... يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
والإنسان المؤمن، لا يستطيع إزاء ذلك غير أن يرجو الله ويدعوه الهداية، وأن يسأله أن لا يجعله من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وكانوا في الآخرة من الخاسرين.
هذا الاعتقاد في "الله" ﷻ على هذا النحو، كان واضحا عند الرسول ﷺ وعند جماعته من المهاجرين والأنصار. وكانوا يبشرون به ويدفعون عنه، وإذا تليت عليهم آيات الذكر الحكيم قالوا: آمنا به, كلٌّ من عند ربنا. لم يلجئوا إلى تفتيش عن المتشابه فيه، ولم تكن بهم حاجة إلى تأويله.
كان ذلك عنوان الجماعة الإسلامية, ومظهر إيمانها على عهد رسول الله ﷺ وكان هو حال المؤمنين حقا.
ولكن لأمرٍ ما بعد وفاة الرسول ﷺ ابتدأت الجماعة الإسلامية تحاول فهم
стр. 55
وهل يوصف الله تعالى بصفات سلبية, أم لا يوصف بها؟ ... إلخ.
وظهرت كذلك مسألة "القدر" التي نهى النبي ﷺ عن الخوض فيها١، فقد وردت في القرآن الكريم آيات تشعر للوهلة الأولى بأن الإنسان مجبور مقهور ولا إرادة له، كقوله تعالى:
﴿إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] .
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .
وجاءت آيات أخرى تشعر بالاختيار، كقوله تعالى:
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] .
وقد تجد في آيات أخرى ما يشعر بالأمرين معا:
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩، ٣٠] .
стр. 56
فشغل المسلمون أنفسهم بذلك: هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟ وإذا كان كذلك فهل هو مسئول عن عمله؟ وما حدود هذه المسئولية؟ وغير ذلك من الأسئلة التي طرحت في أعقاب التعمق في هذه المسألة مع البعد عن منهج السلف في العمل والعبودية والخضوع لله، فإذا انضم إلى ذلك محاولة كل فريق أن يسند رأيه بآية أو حديث، يضعهما في غير موضعهما، أو يؤولهما ليؤيد رأيه بذلك، أو يأخذ بعض النصوص ليعارض بها نصوصا أخرى؛ إذا انضم هذا إلى ذاك علمنا مقدار الخسارة والجهد الذي أضاعه المسلمون في بحث هذه المشكلات والتعمق فيها والرد على أصحابها، وإن كان ذلك لا بد منه لرد الشبهات وإقامة الحجة١.
والمسألة الثالثة التي شغلت التفكير الإسلامي كذلك, هي مسألة "مرتكب الكبيرة"، وفي أول الأمر كانت ممثلة في أحداث جزئية، ثم بالتدريج أخذت تظهر في صورة عامة وتفرعت عن هذه المسألة مسائل أخرى؛ كمسألة الإمامة, وحقيقة الكفر، وحقيقة الإيمان، وزيادة الإيمان ونقصانه.
وعن البحث في هذه المسائل نشأت في الجماعة الإسلامية فرق وأحزاب: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والمعتزلة..٢ وذهبت كل فرقة تدافع عن رأيها ومعتقدها, فكان هذا من العوامل التي دفعت بأهل السنة إلى الرّدّ على هذه الفرق فنشأت الكتابة في العقيدة؛ لبيان الحق ورد الشبهات.
стр. 57
العوامل الخارجية:
كانت تلكم هي أهم العوامل والمؤثرات الداخلية في نشأة علم العقيدة واستقلاله عن العلوم الأخرى. وهنا نشير إلى العوامل الخارجية التي ساهمت في نشوء وتطور التدوين في الجانب العقائدي, وهي احتكاك المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات والمذاهب الفلسفية، عن طريق اللقاء المباشر والجدل مع أصحابها, أو عن طريق الترجمة التي بدأت في عهد الدولة الأموية، ثم اتسعت في عهد الدولة العباسية.
وكان للخليفة المأمون أثر كبير في هذا، حيث فعل ما لم يفعله السابقون، وهو أنه ترجم الكتب الخاصة بالإلهيات والأخلاق وأمثال ذلك مما سموه بـ "ما وراء الطبيعة".
وليس من غرضنا هنا أن نعرض بالتفصيل لحركة النقل والترجمة وأثرها والمنهج الذي سارت عليه والطريق الذي اتخذته. وحسبنا إشارة سريعة إلى الاحتكاك المباشر بين المسلمين وغيرهم عندما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وتهيأت الأسباب لهذا الاحتكاك المباشر بين المسلمين واليهود من جهة، وبين المسلمين والنصارى من جهة ثانية, وكذلك بين المسلمين والمجوس، ثم بينهم وبين الفلسفة اليونانية وغيرها.
فاليهود الذين عاصرهم النبي ﷺ في المدينة بعد الهجرة، وهم الذين كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج ببعثة نبي جديد، هم الذين كفروا بالنبي ﷺ وناصبوه العداء من اللحظة الأولى، وتنوّعت وسائلهم في الصد عن الدعوة، والمماطلة والجدال، وإلقاء الشبهات، والحرب الفكرية والنفسية.
وكان القرآن الكريم يتولى مناقشتهم والرد عليهم وبيان مؤامراتهم، كما أوضح
стр. 58
تحريفهم لكتبهم، ورسم صورة صادقة لطبيعتهم ونفسيتهم.
وبعد أن خرج اليهود من الجزيرة العربية, قاموا بدور كبير في عدائهم لهذا الدين -ومنهم من دخل فيه ظاهرا وهم على حقد وضغينة- وقد بدأ اتصالهم بالمسلمين لإثارة الفتنة، فكان لعبد الله بن سبأ دوره في الفتنة في عهد عثمان ﵁ ثم تتابعت مظاهر الفتنة في نشر فكرة الإمام المعصوم والوصي والرجعة التي تلقفتها عنهم الفرق الباطنية، وأثاروا الجدل بين المسلمين حول الذات الإلهية والصفات، ومعروف عنهم التشبيه والتجسيم كما هو في كتبهم، وقد انتقلت هذه الأفكار إلى التراث الإسلامي مما عرف بـ "الإسرائيليات" في كتب التفسير والحديث.
وأثاروا أيضا بين المسلمين الجدل حول الجبر والاختيار وغير ذلك من أمور عقائدية, وعندئذ قام المسلمون بالرد على مفتريات اليهود وشبهاتهم وناقشوا عقائدهم، واصطنعوا لذلك منهجا يقوم على النظر والدليل، فكان بعد ذلك هذا التراث الإسلامي من كتب العقيدة والرد على اليهود.
وأما النصارى؛ فقد بدأ الجدال بينهم وبين المسلمين في الحبشة أولا، عند الهجرة الأولى للمسلمين, في حقيقة المسيح، وفي الكلمة وغيرها, وفي مسائل تدور حول العقيدة الإسلامية في المسيح. ثم وَفَدَ نصارى نجران إلى المدينة, وجادلوا النبي ﷺ في شأن عيسى ﵇ وقد دعاهم النبي ﷺ إلى المباهلة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] .
ثم وصل الإسلام إلى الشام والعراق ومصر، فبدأت النصرانية تنازعه نزاعا،
стр. 59
فكريا شديدا١. وثار الجدل حول طبيعة المسيح، وحول مسائل الألوهية، وفكرة الجوهر والعَرَض، والأقانيم الثلاثة، والوحدانية، وفكرة الخطيئة والصلب. وبلغ الجدل ذروته من الشدة بعد "يوحنا الدمشقي" "طبيب الأمويين الذي وضع للنصارى أصول الجدل مع المسلمين" على يد "يوحنا النقيوسي" المصري الذي رحل إلى الحبشة وبدأ يرسل رسائله إلى أقباط مصر، يحاول فيها مناقشة العقائد الإسلامية، والحيلولة دون اعتناقهم الإسلام ثم تتابع النقاش في عهد العباسيين٢.
وساعد هذا الجدل على توجيه أنظار المسلمين إلى معالجة مسائل جديدة, ومشكلات عقائدية ظهرت على سطح المجتمع الفكري. وقد يكون علم الكلام أيضا -كما سمي في فترة من الزمن- نتيجة التأثر بالكلام النصراني أو اللاهوت.
وكان لترجمة كتب الفلسفة اليونانية والرومانية وإقبال بعض المسلمين عليها، أثر في بعض المسلمين الذين فتنوا بها, فحاولوا التفلسف في ضوئها وتأثروا بها منهجا وموضوعا حين راحوا يفسرون تعاليم الإسلام في ضوء هذه الفلسفة، وحاولوا التوفيق بينها وبين الإسلام، وفسّروا القرآن على ضوء الفكر اليوناني, على
стр. 60
حد تعبير العلامة المفكر محمد إقبال ﵀. ومع أن هذه الفلسفة وسَّعت آفاق النظر العقلي عند مفكري الإسلام, فإنها غشَّت على أبصارهم في فهم القرآن١.
وقام فريق من العلماء المسلمين يزيِّفون آراء الفلاسفة وتهافتهم، ويقيمون صرح التفكير الإسلامي على أسس مغايرة لما حاوله الفلاسفة، وكان نتيجة ذلك كثير من الكتب في الجانب العقائدي.
وليست هذه الفلسفة هي كل ما اتصل به المسلمون وردوا عليه، فهناك أيضا المذاهب الغنوصية الشرقية٢.
يقول الدكتور علي سامي النشار: "وقد قابل الإسلام هذه المذاهب في جميع البلاد التي دخلها بلا استثناء. فقابلها في العراق، وفي إيران، وقابلها في مصر في شكل الأفلاطونية المحدثة.
وقد بدأ غنوص تلك المذاهب يهدم الإسلام منذ قوّض الإسلام عقائد تلك المذاهب وطقوسها القديمة، وكانت من أخطر المذاهب الهدامة التي جالدت الإسلام ... حاربته بالسيف والقلم، وهاجمته بقوة وعنف. على أن هذه الدعوة ما زالت آثارها حتى الآن تتمثل في غلاة الشيعة وفي الإسماعيلية وفي البهائية"٣.
стр. 61
واتصل المسلمون بهذه المذاهب وناقشوا أصحابها وردوا عليها، ومن خلال المناقشة والرد كانت تتضح كذلك الجوانب العقدية التي يدعو الإسلام إليها، فنشأت الكتابة في العقيدة الإسلامية.
نتائج وملاحظات:
ومن هذا العرض الموجز للعوامل المؤثرة في نشأة علم العقيدة وتدوينه يمكن أن نقول: إن هذه النشأة كانت "استجابة لضرورة طبيعية ملحة، تمثلت في مشكلات سياسية واجتماعية نجمت في حياة المسلمين، وباتت تهدد باستفحالها المطرد البناء الديني، الذي قام عليه المجتمع الإسلامي. كما تمثلت في تحديات دينية وفلسفية مع الأديان والفلسفات القديمة، باتت تروج بين المسلمين وتهدد بنية العقيدة الإسلامية. فهذه المشكلات والتحديات، دفعت الفكر الإسلامي في سبيل الدفاع عن مرجعيته العقدية إلى أن يتجه إلى معالجة تنظيرية، فكانت نشأة علم العقيدة بمنزلة الاستجابة لتحديات ناجمة من صميم واقع المسلمين"١.
وهذا مما يدعو إلى التأكيد على وجوب الالتفات إلى التحديات الفكرية والعقدية والمشكلات المعاصرة ومناقشتها وبيان ما فيها من خطورة على العقيدة الإسلامية، بدلا من الإغراق في دراسة أمور ومشكلات تاريخية لا وجود لها في حياتنا المعاصرة على الأعم الأغلب.
ونجد أمثلة على هذه الكتابات المعاصرة فيما قدمه الأستاذ سيد قطب ﵀ عن "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" والأستاذ محمد قطب -حفظه الله- في كتبه وبخاصة "مذاهب فكرية معاصرة"، وفي سلسلة الشيخ محمد سرور زين العابدين -حفظه الله- عن "قضايا العصر على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة" ...
стр. 62
ولئن كانت مواجهة تلك العوامل أمرا ضروريا، فإن بعضها قد سبب انحرافا في المنهج الذي سلكه بعض العلماء، متمثلا في "علم الكلام"، الذي وقف منه علماء السلف موقفا متشددا, على ما سنلمح إليه فيما يأتي، إن شاء الله تعالى.
وفي هذا يقول الأستاذ سيد قطب ﵀:
"ولقد وقع -في طور من أطوار التاريخ الإسلامي- أن احتكت الحياة الإسلامية الأصيلة المنبثقة من التصور الإسلامي الصحيح، بألوان الحياة الأخرى التي وجدها الإسلام في البلاد المفتوحة، وفيما وراءها كذلك، ثم بالثقافات السائدة في تلك البلاد.
واشتغل الناس في الرقعة الإسلامية, وقد خلت حياتهم من هموم الجهاد، واستسلموا لموجات الرخاء ... وجدّت في الوقت ذاته في حياتهم من جراء الأحداث السياسية وغيرها مشكلات للتفكير والرأي والمذهبية, كان بعضها في وقت مبكر منذ الخلاف المشهور بين علي ومعاوية.
اشتغل الناس بالفلسفة الإغريقية والمباحث اللاهوتية التي تجمعت حول المسيحية، والتي ترجمت إلى اللغة العربية ... ونشأ عن هذا الاشتغال الذي لا يخلو من طابع الترف العقلي في عهد العباسيين، وفي الأندلس أيضا، انحرافات واتجاهات غريبة على التصور الإسلامي الأصيل، التصور الذي جاء ابتداء لإنقاذ البشرية من مثل هذه الانحرافات, ومن مثل هذه الاتجاهات وردها إلى التصور الإسلامي الإيجابي الواقعي، الذي يدفع بالطاقة كلها إلى مجال الحياة للبناء، والتعمير، والارتفاع والتطهير, ويصون الطاقة أن تنفق في الثرثرة، كما يصون الإدراك البشري أن يُزَجّ به في التيه بلا دليل.
ووجد جماعة من علماء المسلمين أن لا بد من مواجهة آثار هذا الاحتكاك،
стр. 63
بردود وإيضاحات وجدل حول ذات الله -سبحانه- وصفاته, وحول القضاء والقدر, وحول عمل الإنسان وجزائه, وحول المعصية والتوبة ... إلى آخر المباحث التي ثار حولها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي، ووجدت الفرق المختلفة: خوارج وشيعة ومرجئة, قدرية وجبرية, سنية ومعتزلة ... إلى آخر هذه الأسماء.
كذلك وجد بين المفكرين المسلمين من فُتِن بالفلسفة الإغريقية -وبخاصة شروح فلسفة أرسطو, أو المعلم الأول كما كانوا يسمونه- والمباحث اللاهوتية "الميتافيزيقية" وظنوا أن "الفكر الإسلامي" لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله؛ أو مظاهر أبهته وعظمته؛ إلا إذا ارتدى هذا الزي -زي التفلسف والفلسفة- وكانت له فيه مؤلفات!
وكما يفتن منا اليوم ناس بأزياء التفكير الغربية، فكذلك كانت فتنتهم بتلك الأزياء وقتها، فحاولوا إنشاء "فلسفة إسلامية" كالفلسفة الإغريقية, وحاولوا إنشاء "علم الكلام" على نسق المباحث اللاهوتية مبنية على منطق أرسطو! "١.
стр. 64
ثانيًا: التطور التاريخي لتدوين العقيدة
مدخل
...
التطور التاريخي لتدوين العقيدة:
إجمال وبيان:
إن من أكثر الألفاظ دورانا على الألسنة, وتداولا بين الناس: لفظ "العقيدة" وما يقاربها ويتفق معها في الاشتقاق، كالاعتقاد، والعقائد، والعقدي ... وعلى كثرة استعمال هذه الكلمة التي غدت مصطلحا شائعا، فإننا لا نجد لها استعمالا في القرآن الكريم ولا في الحديث النبوي الشريف، وإن كانت المادة موجودة في القرآن الكريم, كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] , وقوله: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] .
ولذلك يرى بعض الباحثين أنها مُستحدَثة في العصر العباسي للمعنى الذي استعملت فيه، وأن اللفظ المستعمل في القرآن الكريم والحديث الشريف: "الإيمان". وقد استعمل لفظ "العقيدة" أجيالٌ من أئمة المسلمين بمعنى: الأفكار الأساسية التي يجب على المؤمن بدين أن يصدقها ويقبلها, أي: يعتقدها. واستعمال السلف من العلماء والأئمة دليل على جواز استعمال هذه الكلمة لهذا الجانب من جوانب الدين١.
ولعل هذا يدعونا إلى استقراء المصطلحات الفنية بعد تدوين العلوم الإسلامية، التي بُحثت هذه الأفكار العقدية من خلالها، لنبين أصل استعمال كل
стр. 65
منها في اللغة، واستعماله في لسان الشرع بعامة، وفي الجيل الأول بخاصة. ثم كيف أصبح ذا مدلول خاص بعد ذلك. وقد يترتب على استعمال هذه المصطلحات آثار نلمع إلى شيء منها عَرَضا دون الدخول في التفصيلات١.
والاستقراء -وإن لم يكن تاما, بل على حسب الوسع والطاقة وما أتيح لي من اطلاع- يرشدنا إلى هذه المصطلحات الآتية التي رتبتها بحسب ظهورها واستعمالها تاريخيا، حيث أذكر أول من استعمل اللفظ أو كتب فيه، ثم أُتبعه بمن تابعه على ذلك ولو في عصور متأخرة, دون استقصاء أو استيعاب.
ففي القرن الثاني الهجري كان تدوين العقيدة الإسلامية تحت عنوان "الفقه الأكبر".
وفي القرن الثالث ظهر مصطلحا "الإيمان" و"السنة".
وفي نهاية هذا القرن وبداية القرن الرابع كان التدوين تحت مصطلح "التوحيد" ثم "الشريعة", يليهما مصطلحا "العقيدة" و"أصول الدين".
واستقرت هذه المصطلحات أو الإطلاقات عند أهل السنة، فكان التدوين والتأليف في العقيدة الإسلامية تحت واحد من هذه العناوين.
فإذا وصلنا إلى عصرنا الحاضر وجدنا بعض التجديد في الكتابة وأسلوبها, ويمكن أن نرصد هنا مصطلحا جديدا هو "التصور الإسلامي".
وفيما يلي من صفحات عرض سريع لهذه المصطلحات, وأهم الكتب حسب الترتيب التاريخي، ومن الله نستمد العون والتوفيق:
стр. 66
١- الفقه الأكبر:
تعريف الفقه في اللغة:
قال العلامة اللغوي ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٤/ ٢٤٢":
فَقِه: الفاء والقاف والهاء أصل واحد صحيح، يدل على إدراك الشيء والعلم به، تقول: فَقِهْتُ الحديث أفقهه.
وكل علم بشيء فهو فقه ... ثم اختص بذلك علم الشريعة، فقيل لكل عالم بالحلال والحرام: فقيه. وأفقهتُك الشيء، إذا بينتُه لك.
وقال ابن منظور في "لسان العرب" "١٣/ ٥٢٢":
"الفقه: العلم بالشيء والفهم له. وغلب على علم الدين؛ لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم كله ... ".
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات في غريب القرآن" ص٣٨٤:
الفقه: هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد١, فهو أخص من العلم، قال تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] ، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] إلى غير ذلك من الآيات.
والفقه: العلم بأحكام الشريعة، يقال: فَقُه الرجل فقاهة، إذا صار فقيها، وفَقِه، أي: فهم, فقها، وفَقِهه, أي: فهمه، وتفقّه؛ إذا طلبه فتخصص به، قال تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
стр. 67
نتائج وملاحظات:
من هذه النصوص وغيرها نستنبط أمرين:
الأمر الأول: أن الفقه في اللغة هو الفهم والعلم بالشيء، أو هو فهم غرض المتكلم خاصة، ومنهم من يجعله خاصا بفهم وعلم الأمور الخفية الدقيقة التي تحتاج إلى النظر والاستدلال١.
والأمر الثاني: أن العرف قد خص الفقه بعلم الدين أو العلم بأحكام الشريعة كلها. وهذا المعنى الشرعي العام هو الذي كان معروفا عند السلف في العصر الأول قبل أن يخصصه المتأخرون بمعرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية, كما هو المشهور عند الفقهاء والأصوليين٢.
وقد أوضح الإمام الغزالي هذا في حديثه عما بُدِّل من ألفاظ العلوم إلى معانٍ غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول، فقال في حديثه عن "الفقه":
"فقد كان الفقه يطلق في العصر الأول على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا -بالنسبة للآخرة- وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة, واستيلاء الخوف على القلب. ويدلك على هذا المعنى قول الله : ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] .
وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه، دون تفريعات الطلاق
стр. 68
والعتاق واللعان والسَّلَم والإجارة ... فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف. بل إن التجرد لهذه التفريعات والاشتغال بها على الدوام -دون ملحظ آخر- يقسِّي القلب وينزع الخشية منه، كما نشاهد من المتجردين له.
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] وأراد به معاني الإيمان دون الفتاوى. ولعمري, إن الفقه والفهم في اللغة اسمان بمعنى واحد، وإنما يتكلم في عادة الاستعمال به قديما وحديثا. قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١٣] .
فأحال قلة خوفهم من الله واستعظامهم سطوة الخلق على قلة الفقه. وليس ذلك نتيجة عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى، وإنما هو نتيجة عدم ما ذكرناه من العلوم، "أي: معرفة الآخرة ودقائق آفات النفوس ... ".
ولست أقول: إن اسم الفقه لم يكن متناولا للفتاوى في الأحكام الظاهرة، ولكن كان متناولا له بطريق العموم والشمول، أو بطريق الاستتباع, فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر.
ثم تصرف المتأخرون في اسم "الفقه" بالتخصيص، لا بالنقل والتحويل، إذ خصَّصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى والوقوف على دقائق عللها، واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها.
وكان هذا التخصيص بعد أن انقرض السلف الصالحون، وذهب أهل القرون الفاضلة الأولون، وانقلبت العلوم كلها صناعات بعد أن كانت مقاصد وغايات"١.
وعلى هذا المنهج في عموم معنى كلمة "الفقه" جاء التعريف المنقول عن أبي
стр. 69
حنيفة ﵀ بأنه: "معرفة النفس ما لها, وما عليها" أي: ما تنتفع به النفس وما تتضرر به في الآخرة، أو ما يجوز لها وما يجب عليها وما يحرم. وهذا يتناول الأحكام الاعتقادية كوجوب الإيمان ونحوه، والأحكام الوجدانية الأخلاقية مما حث عليه الإسلام؛ كالصدق والأمانة والوفاء ونحوها، ويشمل أيضا الأحكام العملية؛ كالصلاة والصوم والبيع ونحوها١.
ويُفَصَّل في هذا الاستخدام لكلمة "الفقه" بهذا المعنى، فإن كان للاعتقاديات سمي "الفقه الأكبر"؛ لأنه "أكبر" بالنسبة للأحكام العملية الفرعية التي تسمى "الفقه الأصغر"، ولأن شرف العلم وعظمته بحسب المعلوم، ولا معلوم أكبر من ذات الله تعالى وصفاته, الذي يبحث فيه هذا العلم؛ لذلك سمي "الفقه الأكبر"٢.
١- وأول من استخدم مصطلح "الفقه الأكبر" هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت "١٥٠هـ"؛ فقد روي عنه كتاب بهذا الاسم، وهو مشهور عند أصحابه، رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي٣. وهو متن صغير، يقع مطبوعا في بضع ورقات، "حدد فيه عقائد أهل السنة تحديدا منهجيا"٤. ويرد فيه على المعتزلة والقدرية والجهمية والشيعة.
стр. 70
ويشتمل على خمسة أبواب؛ الباب الأول في القدر، والبابان الثاني والثالث في المشيئة، والرابع في الرد على من يكفر بالذنب، والباب الخامس في الإيمان١.
قال أبو مطيع البلخي: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر؟ فقال: "لا تكفر أحدا بذنبه، ولا تنفِ أحدا من الإيمان، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ , ورضي عنهم، ولا توالِ أحدا دون أحد, وأن ترد أمر عثمان وعلي ﵄ إلى الله .
قال أبو حنيفة ﵀: الفقه الأكبر في الدين أفضل من الفقه في العلم, ولأن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع العلم الكثير.
قال أبو مطيع: قلت: فأخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: أن يتعلم الرجل الإيمان والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة.."٢.
ثم ذكر بقية المسائل والأبواب على هذه الطريقة بكلام حسن نفيس, مع استدلال بالقرآن الكريم والحديث الشريف ومقاصد الشريعة الإسلامية.
وقد نال كتاب "الفقه الأكبر" العناية من العلماء المتقدمين والمتأخرين؛ فشرحه أبو الليث السمرقندي "٣٧٣"، والبزدوي "٤٨٢"، وهناك روايات وشروح أخرى،٣ منها شرح منسوب للإمام أبي منصور الماتريدي، ونسبة هذا الشرح إلى الماتريدي موضع نظر؛ لأنه يحتج على الأشعرية ويحتج لهم، وذلك يشير -بلا ريب- إلى أنه متأخر عن أبي الحسن الأشعري، مع أنهما في الحقيقة متعاصران، إذ
стр. 71
الماتريدي توفي سنة "٣٣٢هـ", والأشعري توفي سنة "٣٣٣" أو سنة "٣٣٤"١.
وينقل العلماء آراء أبي حنيفة واعتقاده من هذا الكتاب, كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية٢. وللفقه الأكبر روايات أخرى غير رواية أبي مطيع هذه، منها رواية حماد بن أبي حنيفة، وهي التي شرحها الملا علي القاري الهروي المكي "١٠١٤هـ" في كتابه "منح الروض الأزهر شرح الفقه الأكبر"٣, وهو مطبوع متداول. وكان قد شرحه آخرون قبله كالبزدوي "٤٨٢هـ", وأكمل الدين البابرتي "٧٨٦هـ"، وأبي المنتهي المغنيساوي "القرن العاشر", وغيرهم كثير٤.
وهذه الرواية تختلف عن رواية أبي مطيع، فهي أوسع مادة وأكثر مسائل، تبدأ بالكلام على "أصل التوحيد وما يصحّ الاعتقاد عليه؛ يجب أن يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والقدر خيره وشره من الله تعالى، والحساب والميزان, والجنة والنار".
ثم يتحدث عن الأسماء والصفات, ويقول: "فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته".
стр. 72
ويرد هنا على القدرية والمعتزلة الذين يؤولون هذه الصفات بالقدرة أو النعمة؛ "لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدرة والاعتزال. ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف" ... إلخ.
ثم يعرض لمسائل: الفطرة والميثاق المأخوذ على بني آدم, وأفعال العباد، والطاعات والمعاصي، وعصمة الأنبياء، ومكانة الصحابة, ويذكر شعائر أهل السنة المخالفة للمبتدعة..
ويعقب ذلك بالكلام على الثواب والعقاب وآيات الأنبياء وكرامات الأولياء, ورؤية المؤمنين ربهم في الجنة, ويبين معنى الإيمان ووجهة نظره في زيادته من جهة اليقين والتصديق وعدم زيادته من جهة المؤمن به, ثم هل الإيمان والإسلام مترادفان أم متغايران؟ وما يتصل به من مباحث ومسائل.
ثم الكلام على الشفاعة، ووزن الأعمال يوم القيامة.. وسائر السمعيات.. ويختم بالكلام على أبناء النبي ﷺ وبناته وبعض علامات الساعة. ولعل بعض هذه المسائل التي لم تكن ظاهرة بين العلماء في عهدهم -كالكرامة وما يتعلق بها- جعلت بعض الباحثين يشككون في نسبة الكتاب إليه، وقد ينضم إلى ذلك أن بعض المسائل وردت في هذه الرواية, ولم ترد في الرواية السابقة عن أبي مطيع البلخي التي تقدمت.
ولكن شهرة الكتاب بين أصحابه قد تغني عن الإسناد، رغم أنه منقول بالإسناد، ولا عجب في اختلاف الروايات، فإننا نجد هذا في كتب كثيرة صحيحة النسبة لأصحابها١, كما أن ما جاء فيه من آراء يتفق مع ما هو مشهور عن أبي
стр. 73
حنيفة ﵀، وما هو في الكتب التي صحت نسبتها إليه١، وإن كان هذا لا ينفي أن تكون بعض المسائل ألحقت في الكتاب على يد بعض الشراح، أو هي في أصلها من كلام الشارحين لم تتميز عن كلام الإمام، والله أعلم.
٢- وينسب كذلك للإمام الشافعي، محمد بن إدريس، ﵀، "٢٠٤هـ" كتاب باسم "الفقه الأكبر" يقول عنه حاجي خليفة في "كشف الظنون" "٢/ ١٢٨٧": "وهو جيد جدا، مشتمل على فصول، قرأه بعض أهل حلب على الشيخ زين الدين الشماع، لكن في نسبته إلى الشافعي شك، والظن الغالب أنه من تأليف بعض أكابر العلماء".
ويرجح بروكلمان "٢/ ٢٩٨" أنه يرجع إلى أوساط إسرائيلية، متأسيا في ذلك بالمستشرق اليهودي جولدزيهر الذي يرجع كل أثر إسلامي إلى أصول إسرائيلية!
وقد طبع الكتاب في القاهرة سنة "١٩٠٠م" وتقع مخطوطته في ثلاث وعشرين صفحة٢، أوله بعد الحمد: "هذا كتاب ذكرنا فيه ظواهر المسائل في أصول الدين التي لا بد للمكلف من معرفتها والوقوف عليها، وسميناه "الفقه الأكبر"، وأعرضنا عن بسط الأدلة؛ قصدا للتقريب على المبتدئ. وبالله التوفيق".
ثم عرض لمسائل العقيدة مسألة مسألة؛ فبدأ بما يجب على المكلف معرفته، وما يدخل في التكليف، ومعرفة الله تعالى, ووجوب النظر والاستدلال، ثم تحدث عن الصفات، وما يجوز على الله تعالى، وبحث في القرآن الكريم وأنه كلام الله قديم
стр. 74
أزلي، ثم رؤية الله تعالى وكذلك يبحث في المشيئة ومسألة أفعال العباد وكسبهم والاستطاعة.
ثم يعرض لقدرة الله تعالى على البعث، وتنزهه عن الظلم في مسائل عديدة تتصل بذلك, ويعرض للخلاف في مسألة الآجال والرزق.
وبعد ذلك يتحدث عن المعجزة التي يؤيد الله بها المرسلين، وأنها لا تظهر على أيدي الكاذبين، وأنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، ويبحث في دلائل نبوة نبينا محمد ﷺ وإعجاز القرآن الكريم.
ويقف وقفة أطول في بحث الإيمان وحقيقته، وأنه أصل وفرع، مبينا أن زيادته ونقصانه إنما يكونان في فرع الإيمان لا في أصله؛ لأن النقصان في أصله كفر, فلا يمكن فيه الزيادة١.
ثم يلي ذلك حديثه عن فُسّاق المؤمنين إذا ما ماتوا قبل التوبة وأنهم تحت المشيئة, وأن الذنوب كلها معاصٍ تستحق العقاب, وتختلف مقاديرها باختلاف الذنوب.
ويتحدث عن الشفاعة والجنة والنار وأنهما مخلوقتان وأن نعيم الجنة لا يزول، ويدخل في هذا: الحديث عن نعيم القبر وعذابه، والميزان والصراط، والحوض.
ويختم الكتاب بالحث على التمسك بالإجماع والجماعة ويحذر من الفرقة والخلاف، ويبين مسألة الإمامة وأن الإمام الحق بعد الرسول ﷺ هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين.
ويشير إلى شروط الإمامة ومكانة الصحابة ﵃ أجمعين. وذلك كله بعبارة ناصعة قوية واضحة، تجد فيها، في مواضع كثيرة، روح الإمام الشافعي وأسلوبه، وفي بعضها تقف لتشك في أن هذا من كلام الإمام؛ لأنه يستعمل ألفاظا أو مصطلحات إنما نشأت متأخرة بعد عصر الشافعي رحمه الله١.
ولا تكاد تخلو مسألة من استدلال بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف أو من دليل عقلي، وغالبا ما تكون إشارات موجزة تنبئ عما يريد.
وفي أثناء الكتاب ردود ومناقشات لآراء الفرق المخالفة لأهل السنة فيما ذكره من مسائل, فيرد على الخوارج والمعتزلة والكرامية.
وبعد؛ فلعلي أطلت قليلا، وخرجت عما كنت أريده من الإشارة إلى أن أول مصطلح استعمله العلماء في باب الاعتقاد هو "الفقه الأكبر", فلننظر الآن في عنوان أو مصطلح آخر.
стр. 75
٢- الإيمان:
تعريف الإيمان في اللغة:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة: "١/ ١٣٣-١٣٥":
"أمن؛ بالهمزة والميم والنون, أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة، التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب؛ والآخر التصديق, والمعنيان متدانيان..".
وبعد شرح الأصل الأول قال: وأما التصديق فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: مصدق لنا، وقال بعض أهل العلم: إن "المؤمن"