← Акыда

Акыда · id 9991

مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية

عثمان ضميرية

Полный текст (383 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

من جهة الإطلاق الشرعي، فوجب اندراج كل كافر تحت اسم المشرك١. وقد تقدم في الاستعمال اللغوي -كذلك- أن كل كافر هو في الحقيقة مشرك، واليهود والنصارى يندرجون تحت اسم "المشركين"؛ لأنهم أشركوا فقالوا: عيسى ابن الله. ولذلك روي عن ابن عمر ﵄ أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية، وقال: أي شرك أعظم ممن يقول: عيسى هو الله أو ولد الله؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا٢. وباستقراء استعمالات الكلمات الثلاث: "الكفر والشرك والنفاق" في القرآن الكريم اسما أو وصفا، نجد أن كل لفظ منها قد يرد مفردا مستقلا في السياق، وقد يرد مقترنا بالآخر. وهنا نجد أن هذه الألفاظ إذا اجتمعت في سياق واحد دل كل منها على معنى غير ما يدل عليه الآخر، وإذا انفردت دخل في كل لفظ معنى اللفظ الآخر. فلفظ الكفر: إذا ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] . ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] . ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] .

стр. 317

فهذه النصوص كلها وأمثالها يدخل فيها المنافقون الذين هم في الباطن كفار، ليس معهم من الإيمان شيء، كما يدخل فيها الكفار المظهرون للكفر، بل المنافقون في الدرك الأسفل من النار، كما أخبر الله تعالى في كتابه الكريم١. ويدخل فيه أيضا المشركون، الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى، كالوثنيين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] . فقد نهى عن التمسك بعصمة الكافرة، ولم يكونوا متزوجين حينئذ إلا بمشركة وثنية. ولفظ المشرك، يذكر مفردا كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] . والأكثر من العلماء يذهبون إلى أن الشرك يتناول الكفار من أهل الكتاب أيضا، فكل من جحد رسالته ﷺ فهو مشرك. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . فقد دلت الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله تعالى -في الجملة- فلو كان كفر اليهود والنصارى ليس بشرك، لوجب أن يغفر الله تعالى لهم -في الجملة- وذلك باطل٢. وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .

стр. 318

وأكثر الفقهاء يحملونه على الكفار جميعا١. ثم قد يقرن لفظ الكفر بالنفاق في مواضع كثيرة في القرآن الكريم, كما في أول سورة البقرة، حيث ذكر الله تعالى آيتين في صفات الكافرين وبضع عشرة آية في صفات المنافقين "الآيات: ٦-٢٠". وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] . ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] ، [التحريم: ٩] . ويقرن الكفر والشرك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] . ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] . ويقرن لفظ المشركين أيضا بأهل الكتاب فقط، كما في الآيتين السابقتين ونحوهما من الآيات الكريمة. وقد يقرن بالملل الخمس٢، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ

стр. 319

هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] . وعندئذ ينصرف لفظ المشرك إلى من ليس له كتاب من المجوس والوثنيين من العرب، ولفظ أهل الكتاب إلى اليهود والنصارى، وهكذا يجتمع الكل في وصف الكفر ثم يخصّهم التقسيم بأسماء معينة لكل منهم١. والخلاصة فيما سبق: أن هذه الألفاظ إذا جاءت مفردة, يدخل في كل لفظ منها معنى اللفظ الآخر، وإذا جاءت في سياق واحد يختص كلٌّ منها بمعناه. ولذلك وضع بعض العلماء تقسيما للكفر, يشمل الأصناف التالية: إن الكافر إن أظهر الإيمان فهو المنافق. وإن أظهر كفره بعد الإيمان فهو المرتد. وإن قال بالشريك في الألوهية فهو المشرك. وإن تدين ببعض الأديان والكتب المنسوخة فهو الكتابي. وإن ذهب إلى قِدَم الدهر وإسناد الحوادث إليه فهو الدهري. وإن كان لا يثبت وجود الباري سبحانه فهو المعطِّل أو الملحد. وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي ﷺ ينطق بعقائد هي كفر بالاتفاق فهو زنديق٢.

стр. 320

عقيدة الولاء والبراء مدخل ... عقيدة الولاء والبراء: تمهيد: يعقد الإسلام آصرة الأُخوَّة الإيمانية بين أفراده الذين يؤمنون به ويلتقون عليه، فيجعل منهم أمة واحدة، تلتقي على العقيدة والإيمان، دون التفات إلى الجنس الذي ينحدرون منه، أو البلد الذي ينتسبون إليه، أو الزمن الذي يعيشون فيه، أو المصالح المادية التي قد يلتقي عليها بعض الناس، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] . وقرر النبي ﷺ هذا الأصل الكبير في أول ميثاق لدولة الإسلام في المدينة بعد الهجرة، وجعله واقعا عمليا بين "المؤمنين والمسلمين ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.. أنهم أمة واحدة دون الناس، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم، وأن ذمة المؤمنين واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس"١. وما ذاك إلا لأنهم جميعا إخوة متحابون ينضوون تحت راية التوحيد "لا إله إلا الله" التي تظلّهم جميعا فتجعلهم أمة واحدة، تتمسك بأوثق عرا الإيمان، وهو الحب في الله والبغض في الله. ومن مقتضيات هذا التوحيد والإخاء: عقد الولاء بين المؤمنين والبراء من الكفار والمشركين١. إذ لا يتم الولاء للمؤمنين إلا بالبراءة من المشركين، فهما متلازمان.

стр. 321

الولاء والبراء في النصوص الشرعية: لقد قرر الله تعالى مبدأ الولاية بين المؤمنين، وجعل بعضهم أولياء بعض، يتناصرون ويتعاضدون ويتحابون، فقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] . وذلك لأن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة، وتجمّع المسلمين شيء طبيعي في مواجهة التجمع الذي يقوم على أساس معارضة الإسلام, ومحاربة المسلمين. والخروج على هذا التجمع الإسلامي يعتبر ثغرة في الإيمان ونقصا ينبغي تداركه، هذا إذا كان الخروج بمعنى عدم الاستجابة للتعاون مع المؤمنين، أما إذا وصل الخروج على التجمع الإسلامي إلى موالاة الأعداء، فذلك خروج على قانون الإسلام، أو ارتداد عن الإسلام. ولذلك تنزلت النصوص القرآنية الكريمة، وتواردت أحاديث النبي ﷺ تحذر المسلمين أشد التحذير من موالاة أعداء الله الكافرين، وتوجب الموالاة للمؤمنين والبراءة من الكافرين، وقد أبدأ القرآن الكريم في ذلك وأعاد في مواضع كثيرة ومناسبات شتى، فأنت لا تجد موضوعا نال من الاهتمام -بعد

стр. 322

العناية بالتوحيد- كما تجد في هذه القاعدة الكبيرة, والأصل العظيم: "الولاء والبراء". وسنجتزئ هنا ببعض هذه النصوص، وهي بوضوحها ونصاعتها تبين هذه الحقيقة الكبرى وتجعلها أوضح من الشمس في رابعة النهار؛ ولذلك ينبغي الوقوف عندها والنظر في مدلولاتها ومراميها١: فمن الآيات القرآنية: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥١-٥٣] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ

стр. 323

بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ١، ٢] . وما كانت صلة النسب والقرابة -مهما كانت قريبة- سببا للمودة بين المؤمنين والكفار، ولا سبيلا للولاء لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] . ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] . ولذلك تبرأ إبراهيم ﵇ من أبيه وقومه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] . ومن ثَمَّ جعل الله تعالى فيه أسوة حسنة، ينبغي أن نتأسى بها؛ ولاء للمؤمنين وبراءة من الكافرين وبغضا لما يعبدون من دون الله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] .

стр. 324

ولهذا المعنى نفسه قطع الله تعالى الصلة بين نوح ﵇ وبين ابنه الكافر: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٥، ٤٦] . وكذلك قطع الصلة بين نوح وزوجته, وبين لوط وزوجته ... إلخ. ومن الأحاديث النبوية: وأما الأحاديث النبوية التي تقرر هذا المبدأ وما يقتضيه ويستلزمه, فمنها: "أوثق عرا الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله " ١. "من أحب في الله, وأبغض في الله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان" ٢. "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله, وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ٣. "الشرك أخفى من دبيب الذَّرِّ على الصَّفَا في الليلة الظلماء. وأدناه أن تحب على شيء من الجور، وتبغض على شيء من العدل. وهل الدين إلا الحب في الله البغض في الله؟ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ "١. وغيرها من الأحاديث والآثار في هذا المعنى كثير، حسبنا منها تلك الجملة ففيها القناعة والكفاية٢، لنعرض بعدها مفهوم الولاء والبراء أخذا من هذه النصوص الشرعية, واستنادا إلى معانيها عند علماء اللغة.

стр. 325

مفهوم الولاء والبراء: الولاء في اللغة: الواو واللام والياء, أصل صحيح يدل على قُرْب؛ وذلك أن الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما. ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان, ومن حيث النسبة, ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة، ومن حيث الولاية. والموالاة: أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى, فيواليه أو يحابيه. والوَلِيّ والمَوْلَى: يُستعملان في المعاني السابقة، وكل منهما يقال في معنى الفاعل "أي: المُوالي" وفي معنى المفعول "أي: الموالَى". وكذلك يطلق كل منهما على معانٍ، وهو في كل منها حقيقة؛ فهو يطلق على المعتِق والمعتَق، والمتصرف في الأمور، والصاحب والحليف، والناصر والمحبوب، والمطيع والتابع، والمالك والسيد.. فيضاف كل واحد إلى ما يقتضيه السياق الوارد فيه. والوليّ: ضد العدوّ، وكل من يليك أو يقابلك فهو وليّ, وكل من وَلِيَ أمرَ آخر فهو وليّه. والولاية: النصرة، وقد نفاها الله بين المؤمنين والكافرين في غير آية، وجعل بين الكافرين والشياطين موالاة في الدنيا، ونفى بينهم الموالاة في الآخرة. والولاء: الملك, والقرب, والقرابة, والنصرة, والمحبة. ووالى فلانا: أحبه، وتولّاه: اتخذه وليا. فإذا عُدِّي بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع، منه: ولّيت وجهي كذا: أقبلت به عليه. وإذا عُدِّي بـ "عن" لفظا أو تقديرا، اقتضى معنى الإعراض وترك قربه١.

стр. 326

مفهوم الولاء في الشرع: ومن تلك المعاني اللغوية للولاء وما يتصل بها، ومن مراجعة النصوص القرآنية والحديثية وأقوال علماء السلف؛ يمكن أن نخرج بمفهوم عامّ للولاء يقوم على النصرة والتحالف والحب والطاعة وإلقاء مقاليد الأمور لمن يكون له الولاء. فإذا كان ذلك للمؤمنين: مودة لهم ونصرة لهم على أعدائهم ... فهي الموالاة الشرعية التي أوجبها الله تعالى, وجعلها رابطة بين المؤمنين, حيث قال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥، ٥٦] . وإن كانت هذه الموالاة للكافرين والمشركين والطواغيت, فهي الخروج على الإسلام والمحادّة لله ولرسوله، ينهى الله تعالى عنها، ويحذِّر فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] . يقول الأستاذ سيد قطب ﵀: " ... والولاية التي ينهى الله الذين آمنوا أن تكون بينهم وبين اليهود والنصارى ... تعني التناصر والتحالف معهم، ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم، فبعيد جدا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين. إنما هو ولاء التحالف والتناصر الذي كان يلتبس على المسلمين أمره، فيحسبون أنه جائز لهم، بحكم ما كان واقعا من تشابك المصالح والأواصر، ومن قيام هذه الولاء بينهم وبين جماعات من اليهود قبل الإسلام، وفي أوائل العهد بقيام الإسلام في المدينة، حتى نهاهم الله عنه، وأمر بإبطاله، بعدما تبين عدم إمكان قيام الولاء والتحالف والتناصر بين المسلمين واليهود في المدينة ... وهذا المعنى معروف محدد في التعبيرات القرآنية، وقد جاء في صدد الكلام عن العلاقة بين المسلمين في المدينة والمسلمين الذين لم يهاجروا إلى دار الإسلام، فقال الله سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ ... وطبي عي أن المقصود هنا ليس الولاية في الدين؛ فالمسلم ولي المسلم في الدين على كل حال، إنما المقصود هو ولاية التناصر والتعاون، فهي التي لا تقوم بين المسلمين في دار الإسلام والمسلمين الذين لم يهاجروا إليهم.. وهذا اللون من الولاية هو الذي تمنع هذه الآيات أن يقوم بين الذين آمنوا وبين اليهود والنصارى بحال، بعدما كان قائما

стр. 327

بينهم أول العهد في المدينة"١. ويرشدك إلى هذا المعنى: أن صدر سورة الممتحنة، الذي نزل في حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وفيه نهى الله تعالى عن موالاة أعدائه, إنما كان نهيا عن مناصرة الكفار بإلقاء شيء من أسرار النبي ﷺ وإفشائه، بحكم ما كان بين حاطب وبين القوم، فأراد أن يتخذ عندهم يدا. فقد كان حاطب بن أبي بلتعة ﵁ رجلا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفا لعثمان ﵁ فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكة، لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي ﷺ بالتجهيز لغزوهم، وقال: "اللهم عَمِّ عليهم خبرنا" فعمد حاطب، فكتب كتابا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله ﷺ من غزوهم؛ ليتخذ بذلك عندهم يدا، فأطلع الله تعالى على ذلك رسول الله، استجابة لدعائه. فبعث في أثر المرأة من أخذ الكتاب منها منها, وقال رسول الله ﷺ : "يا حاطب, ما هذا "؟ قال: لا تعجل عليَّ! إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت -إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "إنه صَدَقكم" , فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال رسول الله ﷺ : "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر, فقال: اعملوا ما شئتم, فقد غفرت لكم"، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١.

стр. 328

البراء في اللغة: الباء والراء والهمزة: أصلان إليهما ترجع فروع الباب؛ أحدهما: الخَلْق، يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم بَرْءا. والبارئ: الله جل ثناؤه. والأصل الآخر: التباعد عن الشيء ومزايلته. من ذلك: البُرْء، وهو السلامة من السُّقْم، يقال: بَرِئت وبَرَأت, قال تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ، وفي غير موضع من القرآن الكريم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ والمصدر: البراء٢. وقال الراغب الأصفهاني: "أصل البَرْء والبَرَاء والتبرِّي: التفصِّي مما يكره مجاورته، ولذلك قيل: بَرَأْت من المرض٣, وبرأت من فلان، وتبرّأت وأبرأته من كذا، وبَرَأته، ورجل بريء، وقوم برآء وبريئون...."٤. وقال ابن الأعرابي: البريء: المتفصي من القبائح، المتنحي عن الباطل والكذب، البعيد من التهم، النقي القلب من الشرك. وقال أيضا: يقال: برئ إذا تخلص، وبرئ: إذا تنزه وتباعد, وبرئ: إذا أعذر وأنذر. ومنه قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: إعذار وإنذار.

стр. 329

البراء في اللغة: الباء والراء والهمزة: أصلان إليهما ترجع فروع الباب؛ أحدهما: الخَلْق، يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم بَرْءا. والبارئ: الله جل ثناؤه. والأصل الآخر: التباعد عن الشيء ومزايلته. من ذلك: البُرْء، وهو السلامة من السُّقْم، يقال: بَرِئت وبَرَأت, قال تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ، وفي غير موضع من القرآن الكريم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ والمصدر: البراء٢. وقال الراغب الأصفهاني: "أصل البَرْء والبَرَاء والتبرِّي: التفصِّي مما يكره مجاورته، ولذلك قيل: بَرَأْت من المرض٣, وبرأت من فلان، وتبرّأت وأبرأته من كذا، وبَرَأته، ورجل بريء، وقوم برآء وبريئون...."٤. وقال ابن الأعرابي: البريء: المتفصي من القبائح، المتنحي عن الباطل والكذب، البعيد من التهم، النقي القلب من الشرك. وقال أيضا: يقال: برئ إذا تخلص، وبرئ: إذا تنزه وتباعد, وبرئ: إذا أعذر وأنذر. ومنه قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: إعذار وإنذار. وفي حديث أبي هريرة لما دعاه عمر إلى العمل فأبى، فقال عمر: إن يوسف قد سأل العمل, فقال: "إن يوسف مني بريء, وأنا منه براء" أي: بريء عن مساواته في الحكم وأن أُقاس به، ولم يرد براءة الولاية والمحبة؛ لأنه مأمور بالإيمان به, والبراء والبريء سواءٌ٥.

стр. 330

مفهوم البراء في الشرع: وهذه المعاني اللغوية كلها ملحوظة في المعنى الشرعي للبراء، الذي هو البعد عن الكفار ومودتهم، والتخلص من قبائحهم وباطلهم، والإنذار لهم، ومقاطعتهم وبغضهم قلبيا, وبغض ما هم عليه من الكفر والقبائح. فمن يتبرأ من الكفار والمشركين إنما يتبرأ من القبيح والباطل والمكروه ويبتعد عنه، وبذلك يبرأ من تهمة الكفر التي تحصل بإلقاء المودة لهم، وفي ذلك إنذار لهم وإعذار، فما كانت البراءة والعداوة إلا بعد هذا الإنذار والإعذار. مقتضيات البراءة من الكفار: وهذا البراء من الكفار, وما هم عليه يقتضي أن نتنبه إلى جملة أمور حتى تتم مجانبة دين الكفار والبراءة منهم١: ١- ترك اتباع أهوائهم ومتابعتهم في أي أمر من أمورهم، فإن هذه المتابعة لهم إنما تكون بترك الشريعة أو بعضها، وإنه لكفر بالشريعة أن نتركها متابعة لهوى المشركين والكفار، بأي حجة وتحت أي عنوان، وهم لا يرضون من المؤمن إلا أن

стр. 331

يتبع ملتهم ودينهم وذلك ردة ينبغي الحذر منها؛ ولهذا جاءت الآيات القرآنية تحذر أشد التحذير من هذا الاتباع: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] . ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] . ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧] . ٢- النهي عن التلقي عن الكفار في الرأي والمشورة، وطاعتهم فيما قد يشيرون به أو يأمرون، فإن الله تعالى نهى عن طاعة الكافرين, فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠٠، ١٠١] . فإن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم، تحمل ابتداء معاني الهزيمة الداخلية، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أُنشئت الأمة المسلمة، كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعدا في طريق النماء. وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس، وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب.

стр. 332

هذا من جانب المسلمين؛ فأما من الجانب الآخر، فأهل الكتاب لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها. فهذه العقيدة هي سبيل النجاة وخط الدفاع ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة. والأعداء يعرفون هذا جيدا، يعرفونه قديما وحديثا، ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وسعهم من مكر وحيلة, ومن قوة كذلك وعُدَّة. وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسّون لها ماكرين، وحين يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهم، يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام أو ممن ينتسبون -زورا- للإسلام جنودا مجندة لتنخر في جسم هذه العقيدة من الداخل، ولتصد الناس عنها, ولتزيِّن لهم مناهج غير منهجها, وأوضاعا غير أوضاعها، وقيادة غير قيادتها. فحين يجد أهل الكتاب من بعض المسلمين طواعية واستماعا واتباعا، فهم -ولا شك- سيستخدمون هذا كله في سبيل الغاية التي تؤرّقهم، وسيقودونهم ويقودون الجماعة كلها من ورائهم إلى الكفر والضلال١. ومن ثم جاءت التحذيرات الحاسمة كهذه التحذيرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩] . ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١] .

стр. 333

٣- ترك الركون إلى الكفرة والظالمين، فقد نهى الله تعالى تعالى عن ذلك فقال: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ . [هود: ١١٣] فإن الركون إلى الكفرة والظالمين والطواغيت، والاطمئنان إليهم والاستناد إليهم يعني إقرارهم على المنكر الأكبر الذي يزاولونه فيقهرون العباد ويعبدونهم لغير الله.. ويعني مشاركتهم في هذا المنكر الكبير. ولذلك استحق هذا الجزاء وهذا التخويف. ولذلك كان من فضل الله تعالى على نبيه ﷺ وعلى المؤمنين من بعد -أن ثبته على الحق والدعوة، لئلا يركن إلى الظالمين ومحاولاتهم في الإغراء والمساومة والمداهنة: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ . [الإسراء: ٧٤، ٧٥] ٤- ترك مودة أعداء الله ومحبتهم، ومفاصلتهم مفاصلة كاملة، حتى ولو كانوا من أقرب الناس نسبا وقرابة؛ فلا يجتمع في قلب مؤمن: إيمان بالله ومودة لأعدائه: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ . [المجادلة: ٢٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ . [الممتحنة: ١]

стр. 334

٥- ترك التشبه بالكفار في أفعالهم الظاهرة -فيما هو من خصائصهم- لأنها تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن, كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة حتى إن الرجلين إذا كانا في بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في بلدهما لم يكونا متعارفين؛ وذلك لأن الاشتراك في نوع وصف اختصاص به عن بلد الغربة.. فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فإن المشابهة في الأمور الدينية تفضي إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد١. ولذلك جاء التحذير الشديد من التشبّه بالكفار؛ لئلا يكون ذلك سببا للمودة القلبية لهم، ولئلا يسقط الحاجز النفسي بين المؤمن وبين الكفار، ولئلا تتميّع شخصية الأمة المسلمة المتميزة، فتصبح تابعة لغيرها مقلدة لها، والتقليد جسر للضعف والانحلال، وسبب للسقوط والهلاك، ومسخ لمكانة المقلد، فإنه لا يقلد إلا قرد أو ببغاء٢.. وهذا التحذير من التشبه بالكفار ومتابعة سبيلهم وطريقهم تشير إليه أحاديث نبوية كثيرة، كقوله ﵊: "لتتبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم, شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟ ١. "من تشبَّه بقوم فهو منهم" ٢. "ليس منا من تشبَّه بغيرنا" ٣.

стр. 335

الفرق بين التسامح والبر وبين المودة للكفار: ٥- ترك التشبه بالكفار في أفعالهم الظاهرة -فيما هو من خصائصهم- لأنها تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن, كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة حتى إن الرجلين إذا كانا في بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في بلدهما لم يكونا متعارفين؛ وذلك لأن الاشتراك في نوع وصف اختصاص به عن بلد الغربة.. فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فإن المشابهة في الأمور الدينية تفضي إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد١. ولذلك جاء التحذير الشديد من التشبّه بالكفار؛ لئلا يكون ذلك سببا للمودة القلبية لهم، ولئلا يسقط الحاجز النفسي بين المؤمن وبين الكفار، ولئلا تتميّع شخصية الأمة المسلمة المتميزة، فتصبح تابعة لغيرها مقلدة لها، والتقليد جسر للضعف والانحلال، وسبب للسقوط والهلاك، ومسخ لمكانة المقلد، فإنه لا يقلد إلا قرد أو ببغاء٢.. وهذا التحذير من التشبه بالكفار ومتابعة سبيلهم وطريقهم تشير إليه أحاديث نبوية كثيرة، كقوله ﵊: "لتتبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم, شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟ ١. "من تشبَّه بقوم فهو منهم" ٢. "ليس منا من تشبَّه بغيرنا" ٣.

стр. 336

الفرق بين التسامح والبر, وبين المودة للكفار: وإن الإسلام، إن أعطى أهل الذمة في الدولة الإسلامية حقوقهم كاملة، ولم يُكرههم على اعتناق الإسلام، وأمر ببرهم من الناحية المادية والمعاملة والتسامح معهم, ووصلهم بقسط من أموالنا على وجه البر والصلة، حتى ولو كانوا مخالفين لنا في الدين من جميع أصناف الملل والأديان، كما قال الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] . إلا أن هناك فرقا بين هذا التسامح والبر والإحسان, وبين إلقاء المودة إليهم

стр. 337

واتخاذهم أولياء من دون المؤمنين، ولا يجوز أن يلتبس أحدهما بالآخر١. وسر الفرق في ذلك: "أن عقد الذمة يوجب حقوقا علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك؛ فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله وذمة دين الإسلام. وحكى ابن حزم في "مراتب الإجماع" أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه, وجب علينا أن نخرج لقتالهم ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ .. وإذا كان عقد الذمة بهذه المثابة تعيّن علينا أن نبرهم بكل أمر لا يدل ظاهره على مودات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع وصار من قبيل ما نهي عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ . ويتضح ذلك بالمَثَل: فتمكينهم من الولايات والتصرف في الأمور الموجبة لظهور العلم والغلبة منهم وسلطان المطالبة والرئاسة والسيادة وعلو المنزلة.. وذلك كله منهي عنه؛ لما فيه من تعظيم شعائر الكفر وتحقير شعائر الله ودينه وأهله. وأما ما أمر به الإسلام من برهم من غير مودة باطنية: فالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة بهم، لا على سبيل الخوف والذلة، والدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم ... فجميع ما نفعله معهم من ذلك ينبغي أن يكون من هذا القبيل، لا على وجه العزة والتعظيم لهم. وينبغي أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا, وأنهم من أشد العصاة لربنا . وبالجملة: فإن برهم والإحسان إليهم مأمور به، وودهم وتوليهم منهيّ عنه، فهما قاعدتان: إحداهما محرمة، والأخرى مأمور بها"١.

стр. 338

موقف الكفار من الإسلام والمسلمين: وهذا التسامح والبر من جانب الإسلام، يقابله من جانب اليهود والنصارى كل ما يمكن أن يتفتق عنه العقل البشري من المكائد والمؤامرات، وكل ما يمكن من الجحود والحرب التي لا تهدأ بكل أنواعها وألوانها٢؛ ولذلك يجمل بنا هنا أن نعرض بإيجاز شديد لموقف أهل الكتاب "اليهود والنصارى" من الإسلام والمسلمين ليتميز الموقفان، ولتظهر ولاية الكفار بعضهم لبعض, مهما اختلفت مللهم, وتباينت نِحَلهم، وتعددت راياتهم.. فهم يناصبون الإسلام العداء، ولن يهدأ لهم

стр. 339

بال حتى يردّوا المسلمين عن دينهم إن استطاعوا. ونستلهم ذلك من تقريرات الله في كتابه الكريم أولا، ثم من الواقع التاريخي ثانيا. قال الله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] . ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] . ويتفق موقف أهل الكتاب هذا مع موقف المشركين تجاه الإسلام والمسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] . ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨] . والواقع التاريخي شاهد صادق على أن تلك هي أهدافهم النهائية، ولنأخذ أمثلة سريعة موجزة تشير إلى ذلك: فاليهود -عليهم لعائن الله تترى إلى يوم القيامة- استقبلوا الإسلام ورسوله ﷺ شر ما يستقبل أهل دين سماوي رسولا يعرفون صدقه ودينا يعرفون أنه الحق، استقبلوه بالفتن والدسائس والأكاذيب والشبهات ... وقد حكى الله تعالى عنهم ذلك في كثير من آيات القرآن الكريم. وفي تاريخنا الحديث: يكفي أن نعلم أنهم هم وراء كل كارثة حلت

стр. 340

بالمسلمين في كل مكان على وجه الأرض، وأنهم وراء كل محاولة لسحق الحركات الإسلامية في كل مكان، بأشخاصهم وذواتهم، أو عن طريق عملائهم وصنائعهم.. وهم أصحاب الدَّوْر الخبيث في تكوين الفرق الضالة المنحرفة عن الإسلام والدعوة لها.... وهم هم أصحاب العدوان الأثيم على ديار المسلمين المقدسة التي بارك الله تعالى حولها ... ولو رحنا نستقصي الأمثلة والشواهد على ذلك لاستغرق هذا مجلدات، وخرج بنا عما أردناه في هذا المدخل١. ترى: هل يتنبَّه الغافلون والمخدوعون؟ وهل يسكت الأدعياء المأجورون؟ وهل يرعوِي المضللون فيكفّون عن التزوير والتزييف في التاريخ, وعن الخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين وللأمانة وللرسالة؟ ذلكم هو شأن اليهود، أما إخوانهم في الضلال والغي، وأولياؤهم في الكفر "النصارى", فإن موقفهم لا يقل إصرارا على العدوان والحرب من موقف اليهود؛ فما إن ظهر الإسلام حتى تناسى الرومان النصارى عداواتهم مع الفرس وعادوا إلى أضاليلهم ليواجهوا المسلمين مواجهة عنيفة شديدة. فالنصارى أصحاب العداوات والحروب للإسلام منذ عهد النبي ﷺ منذ غزوة مؤتة، ومن ثم كانت الحملات والهجمات الصليبية على ديار المسلمين.. وكانت الخيانة والتجسس على بلاد المسلمين والتعاون مع التتار الوثنيين، ومكاتبة قوات الاحتلال الصليبي والتعاون معها، ويكفي أن نذكر ما حدث في بلاد المسلمين على أيدي هؤلاء النصارى ... في زنجبار, وفي الحبشة، وفي الفلبين، وفي قبرص، وفي لبنان، وفي أوغندا، وفي البوسنة والهرسك أخيرا ... يكفي أن نذكر ذلك؛ لنعلم مدى العداوة للإسلام والمسلمين, ومدى الكيد والتآمر والحقد. واليوم -كذلك- يتعاون أهل الكتاب مع الملحدين في المعسكر الشيوعي ليواجهوا الإسلام والمسملين، وليضربوا كل حركة إسلامية صادقة. فهم يتناسون كل خلاف يمكن أن يقوم بينهم إذا ما واجهوا الإسلام والمسلمين، فهم دائما "بعضهم أولياء بعض"، وهم متعاونون ضدنا، متآمرون علينا، فلا يزال هذا هو موقفهم في الماضي وفي الحاضر، ففي الماضي: تعاونهم مع التتار الوثنيين، وفي الحاضر تعاونهم مع الملحدين. فقد نشرت مجلة "الشئون الخارجية" سنة ١٩٨٥ "FOREING AFFAIRS" مقالا خطيرا كتبه ريتشارد نيكسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق, جاء فيه: "russia and america should join hands to fight the rising tide of islamic fundamentalism". "وترجمة هذه العبارة: روسيا وأمريكا يجب أن تعقدا تعاونا حاسما لضرب الصحوة الإسلامية"١. والأمثلة بعد ذلك كثيرة كثيرة, تعزّ على الحصر٢.

стр. 341

من مظاهر الولاء للكفار: ولئن كانت كل صور المودة والولاء للكفار بتلك المثابة من التحريم، ولئن كانت ولايتهم تعني التناصر معهم والتحالف بكل صوره وأشكاله، فإن ذلك يتخذ في عصرنا الحاضر صورا شتى، نجد لها أمثلة في أولئك القوم الذين هم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويزعمون أنهم على ديننا ... ولكنهم صنيعة من صنائع الكفار، صنعهم المستعمر الكافر على عينه، ورباهم تربية غربية خالصة -في التفكير والسلوك- فكانوا أنموذجا لطليعة التغريب وأمثلة للغزو الفكري، وأداة للتقريب بين المستعمر الغربي والمسلمين؛ لتمييع موقف المفاصلة وكسر الحاجز النفسي بين المسلمين والكفار، وإضعاف عقيدة الولاء والبراء في نفوس المسلمين حتى تسهل السيطرة عليهم، وحتى يتم القضاء على منابع العزة ومصادر القوة في نفوسهم١. ونجد هذا الذي أشرنا إليه في مجالات كثيرة، نجده في مجالات التربية والتعليم عند أولئك النفر الذين يريدون لهذه الأمة أن تخضع لمناهج الغرب الحديثة في التربية والثقافة٢. وتجده في وسائل الإعلام المتنوعة -مسموعة ومرئية ومقروءة- التي تسبح بحمد الحضارة الغربية وتمجدها، وتمجد أهلها ودعاتها٣. وتجده في النشاط المحموم لترجمة أفكار الغرب ونقلها إلينا بغثها وسمينها، وفي نشر أفكار المستشرقين والاعتماد على كتبهم ومناهجهم، بل والتلقي عنهم واعتناق أفكارهم وترويج

стр. 342

شبهاتهم١. كما تجده في نشر المذاهب العلمانية اللادينية والأفكار الجاهلية، وفي تقليد الكفار والسير على منهجهم في توافه الأمور وساقطها، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه!

стр. 343

خصائص العقيدة الإسلامية التوفيقية ... خصائص العقيدة الإسلامية: وبعد أن ألمعنا إلى بعض الجوانب من هذه العقيدة، التي هدانا الله تعالى إليها وأكرمنا بها -بما نظنه متناسبا مع هذا المدخل- أصبح بإمكاننا أن نستخلص منها أهم ما تختص به من الصفات أو القابليات التي تميزها عن غيرها من العقائد والمذاهب، وترسم معالمها وتحدّد كيانها المستقل، مع الإشارة السريعة إلى شيء من الآثار التي تترتب على هذه الخصائص١. ونجتزئ هنا بأهم هذه الخصائص، إذ يمكن أن نرد إليها سائر الخصائص الأخرى: ١- التوقيفية: فهي عقيدة يوقف بها عند الحدود التي حددها وبينها وبلغها النبي ﷺ فلا مجال فيها لزيادة أو نقصان أو تعديل أو تبديل؛ ذلك أن العقيدة الإسلامية ربانية المصدر، موحًى بها من عند الله تعالى، فلا تستمد أصولها من غير الوحي "الكتاب والسنة" على ما أشرنا إليه في فقرة سابقة عن "مصادر العقيدة". وهذه الخاصية للعقيدة الإسلامية تميزها عن غيرها من المعتقدات الوثنية التي تُنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية من تلقاء نفسها. كما أنها تميزها عن العقائد السماوية في صورتها الأخيرة التي آلت إليها على يد الأتباع بما أضافوه إليها، وبما حذفوه منها، وبما غيروا فيها وبدلوا، حسب ما أملته عليهم

стр. 344

أهواؤهم وشهواتهم ورغباتهم الذاتية ومصالحهم البشرية، فتحولت تلك الديانات والعقائد إلى ديانات وثنية١. وينص المصدر الإلهي الذي جاءنا بهذا التصور "العقيدة" -وهو القرآن الكريم- على أنه كله من عند الله, هبة للإنسان من لدنه، ورحمة له من عنده، وأن الفكر البشري -ممثلا ابتداء في فكر الرسول ﷺ أو فكر الرسل كلهم، باعتبار أنهم جميعا أُرسلوا بهذا التصور في أصله- لم يشارك في إنشائه، وإنما تلقاه تلقيا؛ ليهتدي به ويهدي, وأن الهداية عطية من الله كذلك، يشرح لها الصدور, وأن وظيفة الرسول -أي رسول- في شأن هذا التصور، هي مجرد النقل الدقيق، والتبليغ الأمين؛ وعدم خلط الوحي الذي يوحى إليه من عند الله بأي تفكير بشري, أو كما يسميه الله بالهوى! أما هداية القلوب به، وشرح الصدور له، فأمر خارج عن اختصاص الرسول؛ ومرده إلى الله وحده في النهاية٢: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣] . ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١-٤] . ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] . وهذه الخاصية لها أثرها الفريد في عصمة الأمة عن الخطأ والزلل والانحراف، وعن الاضطراب في فهم العقيدة؛ وذلك لأنها ترجع إلى مصدر موثوق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وهو الوحي الذي تكفل الله تعالى بحفظه٣. كما أنها ضمانة لتوحيد كلمة الأمة على منهج واحد وتصور واحد، عندما تلتقي على هذا الوحي الإلهي بما فيه من موازين لا تضطرب, ولا تتأرجح, ولا تتأثر بالهوى والدوافع الذاتية.

стр. 345

٢ - الغيبية: تقوم العقيدة الإسلامية على الإيمان بأصول لا تخضع للحس المباشر أو غير المباشر، وإنما تقع في مجال عالم الغيب، وهو العالم الذي غاب عن حواسنا ولا تقتضيه بداهة العقول. فالإيمان بالله هو إيمان بالغيب؛ لأن ذات الله تعالى غيب بالقياس إلى البشر, والإيمان بالآخرة وما يتصل به، هو كذلك إيمان بالغيب، والإيمان بالملائكة إيمان بالغيب والإيمان بالقدر ... كل هذا غيب يؤمن به المؤمن الذي يريد الهداية: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب﴾ [البقرة: ٢، ٣] . والإيمان بالغيب نزعة فطرية فطر الله تعالى الإنسان عليها، لا ينكرها إلا جاحد قاصر العقل والعلم. ولذلك فإن التنكر لعلم الغيب من قِبَل الماديين، يبدو في مفهوم العلم الحديث نفسه جهلا وضلالا وبعدا عن العلم والحق؛ لأن العلم المادي لا يستطيع أن يحكم على عالم الغيب؛ لأنه خارج عن مجاله، فلا يجوز علميا إنكار شيء لأجل أنه مغيَّب عنا أو غير مُحَس، أو لأنه غير قابل للتفسير، وكم من الأمور التي يتلقاها الناس بعامة والعلماء بخاصة، يتلقونها بالتسليم وهم لم يروها ولم يحسوها١. ولذلك فإن كل ما تدعو إليه العقيدة الإسلامية وتقوم عليه من هذه الأمور الغيبية غير متناقضة مع العقل، وليس عنده وسيلة لإنكارها والتكذيب بوجودها، وليس فيها شيء يضطر الإنسان إلى رفضه والتخلي عنه بعد بلوغه أي مرحلة من مراحل الارتقاء العقلي والعلمي. بل الذي يقتضيه العقل على خلاف ذلك: أنها هي الصواب الذي لا يشوبه الخطأ ... أما الإيمان والتصديق بهذه الأمور الغيبية "المغيبات" فهما مرتهنان بطمأنينة الضمير وشهادة الوجدان. وكل ما للعقل من الدخل في شأنهما هو أن الأمور التي يكون التصديق بها مخالفا للعقل, فإن صراعا يقوم في شأنها بين العقل والوجدان, ولا يكون إيمان الإنسان بها إلا ضعيفا. وأما

стр. 346

الأمور التي لا يكون التصديق بها مخالفا للقياس العقلي, أو التي يساعد العقل على التصديق بها، فإن الضمير يزداد طمأنينة في شأنها، وذلك مما يقوي الإيمان ويزيده أصالة ورسوخا١. ولذلك فإن الطريق لمعرفة عالم الغيب والتصديق به إنما يكون عن طريق الخبر الصادق الذي يأتينا عن طريق الوحي، كما يكون عن طريق الآثار التي تدل عليه، والفطرة السليمة تتلقى معرفة ذلك بالتسليم والتصديق٢. وهذه الخاصية للعقيدة الإسلامية تميزها عن المذاهب الفكرية المادية التي تتنكر للغيب ولا تؤمن إلا بما تقع عليه الحواس، ويخضع للتجربة الحسية، على ما ذهب إليه المذهب الوضعي التجريبي الذي عُرف به الفيلسوف الأسكتلندي "هيوم" والذي نشأت عنه الفلسفة الوضعية٣. كما أن "ماكس مولر" أيضا يذهب إلى أنه لا شيء يتحقق في عقيدة الإنسان ما لم يكن قد أتى من قبل عن طريق حواسه٤. وبذلك يكون الإنسان الأوروبي، "وكل مذهب مادي كذلك" قد سجن نفسه بطريقة تحكمية في حدود حواسه اءلخمس، منذ عهد النهضة الأوروبية٥. كما أن هذه الخاصية للعقيدة الإسلامية لها آثارها الضخمة في حياة الإنسان، فالإيمان بالغيب ارتقاء بالإنسان إلى المستوى الذي يليق بإنسانيته ويميزه عن المخلوقات التي لا تدرك إلا ما تدركه بحواسها. وهو -كذلك- سبيل للتقدم العلمي وسعة الأفق في النظر والفكر، وفيه ضمانة أكيدة لاستقامة نفس المؤمن ونظافة سلوكه، عندما يشعر برقابة الله تعالى عليه، وأنه -سبحانه- يعلم السر وأخفى، فهو يعبد الله كأنه يراه، فيرتقي إلى مرتبة "الإحسان". ومن هنا كانت الأحكام الدينية ضابطا لسلوك الإنسان المؤمن، وطريقا لتنمية الوازع الداخلي "الوجدان" وهذا ما تفتقده المذاهب والقوانين البشرية التي لا تستطيع أن تضبط سوى الأمور الظاهرية. ولعل في هذا إشارة إلى الحكمة من ربط الأحكام التشريعية بتقوى الله تعالى, وبالخوف من عقابه.

стр. 347

٣- الشمول: وهذه الخاصية نجدها بارزة واضحة في الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا دينا، فهو دين شامل كامل، لم يترك جانبا من جوانب الحياة الفردية والاجتماعية إلا وقد نظّمه تنظيما دقيقا شاملا لجميع النواحي، يبتعد به عن النظرة التجزيئية القاصرة التي ترى فيها الأشياء أجزاء وتفاريق لجوانب موزعة من شيء أصله متكامل مترابط. ولذلك فإن العقيدة الإسلامية -كأثر لهذا الشمول العام في الإسلام- عقيدة شاملة فيما تقوم عليه من أركان الإيمان وقواعده وما يتفرع عن ذلك، وشاملة في نظرتها للوجود كله، تعرفنا على الله والكون والحياة والإنسان معرفة صحيحة شاملة. وتتمثل خاصية الشمول هذه في صور شتى١: إحدى هذه الصور وأكبرها: رد هذا الوجود كله ... بنشأته ابتداء، وحركته بعد نشأته، وكل انبثاقة فيه، وكل تحور وكل تغير وكل تطور، والهيمنة عليه وتدبيره وتصريفه وتنسيقه ... إلى إرادة الذات الإلهية المطلقة المشيئة، المبدعة لهذا الكون ولكل شيء فيه ... بقدر خاص وبمجرد توجه الإرادة ... وآيات القرآن الكريم كلها شاهد ناطق بذلك. وصورة أخرى من صور خاصية الشمول تبدو في الحديث عن حقيقة العبودية وخصائصها وصفاتها، ممثلة في عبودية الكون والحياة والإنسان، فيبين طبيعتها ونشأتها وأحوالها وعلاقتها فيما بينها، ثم علاقتها بالحقيقة الإلهية الكبرى. ويربط بين مجموع تلك الحقائق من جميع جوانبها، في تصور واحد منطقي فطري، يتعامل مع بديهة الإنسان وفكره ووجدانه، ومع مجموع الكينونة البشرية في يسر وسهولة. وهذا أمر بيّن في كتاب الله تعالى والآيات فيه كثيرة. وصورة ثالثة من صور الشمول في العقيدة الإسلامية: أن الحديث عن تلك الحقائق الكلية السابقة، إنما يأتي في القرآن الكريم بأسلوب يخاطب فيه الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وبكل أشواقها، وبكل حاجاتها، وبكل اتجاهاتها. ويردها إلى جهة واحدة تتعامل معها، وتتوجه إليها بكل شيء ... لأنها خالقة كل شيء ومالكة كل شيء ومدبرة كل شيء. وعندئذ تتجمع هذه الكينونة شعورا وسلوكا وتصورا واستجابة ... في شأن العقيدة والمنهج وفي شأن الاستمداد والتلقي، وشأن الموت والحياة، وشأن السعي والحركة، وشأن الدنيا والآخرة.

стр. 348

وأثر هذه الخاصية البارزة في العقيدة: أن هذا الشمول فوق أنه مريح للفطرة البشرية؛ لأنه يواجهها بمثل طبيعتها الموحدة؛ ولا يكلفها عنتا، ولا يفرقها مِزَقا.. هو في الوقت ذاته يعصمها من الاتجاه لغير الله في أي شأن وأي لحظة؛ أو قبول أية سيطرة تستعلي عليها بغير سلطان الله، وفي حدود منهج الله وشريعته في أي جانب من جوانب الحياة, فليس الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده في أمر "العبادات" الفردية؛ ولا في أمر الآخرة -وحدهما- بل الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده، في الدنيا والآخرة, في السموات والأرض, في عالم الغيب والشهادة, في العمل والصلاة.. وفي كل نَفَس، وكل حركة، وكل خالجة، وكل خطوة، وكل اتجاه: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] .

стр. 349

٤- التكامل: وإذا كان هذا الدين قد بلغ ذروة الكمال والتمام والشمول، فإن العقيدة كذلك عقيدة تتميز بالتكامل، فهو كمال متكامل، تتجمع فيها كل الأجزاء وتترابط ترابطا دقيقا يأخذ بعضها بحُجَز بعض لتشكل كلا موحدا متناسقا، لا يقبل التجزئة والانفصام. ولذلك فإن الأحكام فيها تؤخذ "كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر ببيِّنها ... إلى ما سوى ذلك من مناحيها"١. ونجد للتكامل في العقيدة صورا شتى: فأركان الإيمان كلها مترابطة ارتباطا وثيقا، يكمل كل منها الآخر ويرتبط به، بحيث لو حصل إخلال بواحد منها أو إنكار له، كان تأثيره على سائرها واضحا، بل إن هذه الأركان تتجمع وتتضامّ حول الركن الرئيسي وهو الإيمان بالله تعالى. ومن هنا تأتي أركان الإيمان كلها في سياق واحد يحقق صفة الإيمان لصاحبها، وتأتي النصوص القرآنية كذلك لتؤكد على الارتباط بين الإيمان بالله والإيمان بالملائكة، وتقرن الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر، وتجعل الإيمان بالرسل أمرا لا يتجزأ، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعا، بل قد كفر بالله تعالى؛ لأنهم جميعا جاءوا من عند الله برسالة واحدة، وقد قرر الله تعالى ذلك في آيات كثيرة من القرآن الكريم. وصورة أخرى لهذا الترابط نجدها في الصلة بين العقيدة أو الإيمان من جانب والعبادات والمعاملات وسائر الأحكام الشرعية العملية والخلقية. وتمتزج فيها الأحكام التشريعية بالأحكام الأخلاقية النابعة من الإيمان بالله تعالى وخشيته وتقواه. وصورة ثالثة لهذا الترابط والتكامل في العقيدة نراها في تكامل الفكر والعمل أو الإيمان والعمل حيث أصبحا "شيئين يكمل بعضهما بعضا، ويقوي بعضهما بعضا, أو هما جانبان لشيء واحد، إذ رسوخ الفكرة الإسلامية يدفع للعمل بمقتضاها، والمواظبة على العمل بمقتضى الفكرة الإسلامية, يدعمها ويزيدها رسوخا. "ثم إن الاتصال بوحي السماء يجعل للفكرة الدينية في جملتها مصدرين يمدّانِها بالغذاء والنماء، وهما العقل والقلب. ومن أجل ذلك سميت الفكرة الإسلامية إيمانا وعقيدة، واعتبر العمل خاصتها اللازمة لها"٢. ولهذه الخاصية آثار تظهر في التناسق مع الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، فالإنسان بما فيه من تكامل في أصل الخلقة يجد الطمأنينة والراحة النفسية في هذا التوافق والتكامل في العقيدة وآثارها, وبذلك ينزع الإسلام من نفس الإنسان عوامل القلق والاضطراب. كما أن هذه الخاصية توحِّد اتجاه الإنسان وحركته بما تقوم به من "التوفيق التام بين الوجهتين: الروحية والمادية في الحياة الإنسانية. وإنك لترى هاتين الوجهتين في تعاليم الإسلام تتفقان في أنهما لا تدعان تناقضا أساسيا بين حياة الإنسان الجسدية وحياته الأدبية فحسب، ولكن تلازمهما هذا وعدم افتراقهما فعلًا أمر يؤكده الإسلام، إذ يراه الأساس الطبيعي للحياة"٣.

стр. 350

٥- التوازن: ومع هذا التكامل وذاك الشمول، نجد خاصية أخرى بارزة في العقيدة الإسلامية، تتصل بواحدة من أهم السمات العامة للإسلام وهي الوسطية والاعتدال، تلكم هي خاصية التوازن بين الأمور المتقابلة، فيقع كل أمر أو جانب على قدر معين باعتدال موزون, بحكمة ربانية "تضبط فيها النسب بين جوانب الحياة وقيمها؛ فالمال واللذة، والعمل والعقل، والمعرفة والقوة، والعبادة والقرابة، والقومية والإنسانية؛ قيم من قيم الحياة، والإسلام جعل لكل منها موضعا في نظام الحياة ونسبة محدودة لا تتجاوزها حتى لا تطغى قيمة على قيمة"١. وبهذه الخاصية يتميز الإسلام عن سائر الأديان والمذاهب أجمعها، حيث تضخِّم جانبا وتُعنَى به على حساب الجوانب الأخرى، وإما أن يكون ذلك ابتداء، وإما أن يكون ردة فعل أو معالجة لخطأ سابق.

стр. 351

وقد ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أمثلة على وسطية الإسلام هذه بين الأديان، في الموقف من الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- بين جفاء اليهود وغلوّ النصارى، وفي شرائع دين الله تعالى بين اليهود الذين حرّموا على الله أن ينسخ ما يشاء أو يحكم ما يشاء, وبين النصارى الذين جوزوا ذلك لعلمائهم، وكذلك في وسطية الإسلام بينهما فيما يتعلق بالحلال والحرام, وفيما يتصل بأسماء الله وصفاته١. والمذاهب المادية تُعْنَى بجانب المادة وتهمل الروح، أو تُعْنَى بالفرد وتهمل مصلحة الجماعة، وتقوم مذاهب أخرى لتُعلي من شأن الروح على حساب القيم الأخرى، أو لتغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد الذي تعتبره كما مهملا, لا قيمة له بمفرده. والصور التي تأتي شاهدا على هذا التوازن تعز على الحصر، فإن كل ما في الإسلام وكل ما في العقيدة الإسلامية ناطق بهذا التوازن الدقيق، حسبنا هنا الإشارة إلى أهم الموازنات التي عرض لها الأستاذ سيد قطب ﵀ في "خصائص التصور الإسلامي"٢، ومن ذلك: التوازن بين ما يتلقاه الإنسان عن طريق الوحي وبين ما يتلقاه عن طريق وسائل الإدراك البشري، والتوازن بين طلاقة المشيئة الإلهية وثبات السنن الكونية، والتوازن بين المشيئة الإلهية الطليقة ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة، والتوازن في مصادر المعرفة بين الوحي والعقل.. وبين الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب.. وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة، وبين القيم المادية والقيم المعنوية. وهذه الخاصية لها أثرها الكبير في عصمة هذه الأمة عن الغلو والإفراط وعن النقص والتفريط، وعن التأرجح بين المذاهب والأفكار القاصرة، والأخطاء الناتجة عن الوقوع في الانحراف بكل قيمة عن مكانتها اللائقة بها.

стр. 352

المراجع والمصادر: المراجع والمصادر "مرتبة على الحروف الهجائية، دون اعتبار للألف واللام في أول الاسم": "أ": ١- الإبانة عن أصول الديانة، لأبي الحسن الأشعري. مطابع الجامعة الإسلامية بالمدينة. ٢- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، لابن بطة العكبري. تحقيق د. رضا معطي. الرياض. ٣- أبجد العلوم، لصديق خان. وزارة الثقافة بدمشق ١٩٧٨م. ٤- الإبداع في مضار الابتداع، للشيخ علي محفوظ. دار الإصلاح بالسعودية. ٥- أبو حنيفة: حياته وفقهه وآراؤه، للشيخ محمد أبي زهرة. دار الفكر العربي. ٦- الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث، د. عبد المجيد محمود. مكتبة الخانجي. ٧- أحكام القرآن، للشافعي، جمعه البيهقي. تحقيق د. عبد الغني محمد عبد الخالق. ٨- أحكام القرآن، للرازي الجصّاص. دار المصحف بالقاهرة. ٩- أحكام القرآن، لأبي بكر بن العربي. تحقيق البجاوي. مطبعة الحلبي. ١٠- أحكام أهل الذمة، لابن القيم. تحقيق د. صبحي الصالح. دار العلم للملايين. ١١- الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي. مؤسسة الحلبي بمصر. ١٢- الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم. مطبعة الإمام بالقاهرة. ١٣- إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي. مطبعة الحلبي. ١٤- أدب الدنيا والدين، للماوردي، تحقيق مصطفى السقا. مطبعة الحلبي. ١٥- إرشاد الطالب إلى أهم المطالب، لابن سحمان. مطبعة المنار. ١٦- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للشيخ الألباني. المكتب الإسلامي. ١٧- أساس البلاغة، للزمخشري. دار الكتب المصرية. ١٨- الإسلام على مفترق الطرق، تأليف محمد أسد، ترجمة عمر فروخ، دار العلم للملايين. ١٩- الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة، للمودودي. دار القلم بالكويت.

стр. 353

٢٠- الإسلام وأوضاعنا السياسية، عبد القادر عودة. دار الكتاب العربي مصر. ٢١- الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى، عثمان جمعة ضميرية. دار الفاروق بالطائف. ٢٢- الأسماء والصفات، للبيهقي مكتبة السوادي + طبعة دار الكتاب العربي, بيروت. ٢٣- الأشباه والنظائر في القرآن الكريم، لمقاتل بن سليمان. تحقيق د. عبد الله شحاتة. ٢٤- الأصنام، لابن الكلبي، تحقيق الأستاذ أحمد زكي. الدار القومية، القاهرة. ٢٥- أصول البزدوي، مع شرحه كشف الأسرار للبخاري. دار الكتاب العربي، بيروت. ٢٦- أصول الدعوة، د. عبد الكريم زيدان. مؤسسة الرسالة. ٢٧- أصول الدين، لعبد القاهر البغدادي، بيروت، مصور عن طبعة تركيا. ٢٨- أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، المطابع الأهلية بالرياض. ٢٩- إظهار الحق، للشيخ ﵀ العثماني الكيرانوي. طبع الشئون الدينية بقطر. ٣٠- الاعتصام، للشاطبي، بتحقيق محمد رشيد رضا. ٣١- الاعتقاد، للبيهقي. مكتبة السلام العالمية، القاهرة. ٣٢- أعلام الحديث، للخطابي، تحقيق د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن. مكة المكرمة. ٣٣- إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم, تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ١٣٧٤هـ. ٣٤- الإعلام بما في دين اليهود والنصارى من الأوهام, للقرطبي، تحقيق أحمد حجازي السقا. ٣٥- اقتضاء الصراط المستقيم, لابن تيمية، تحقيق د. ناصر عبد الكريم العقل. ٣٦- إمتاع الأسماع، للمقريزي، تحقيق محمود شاكر. طبع قطر. ٣٧- أهل السنة والجماعة، معالم الانطلاقة، محمد المصري, دار طيبة بالرياض. ٣٨- إيثار الحق على الخلق، لابن الوزير، دار الكتب العلمية، بيروت. ٣٩- الإيمان، لابن منده، تحقيق د. علي ناصر الفقيهي. ٤٠- الإيمان، لابن أبي شيبة. تحقيق الألباني، دار الأرقم, الكويت. ٤١- الإيمان، لأبي عبيد. تحقيق الألباني، دار الأرقم, الكويت. ٤٢- الإيمان، لابن تيمية، طبع المكتب الإسلامي. ٤٣- الإيمان، محمد نعيم ياسين، مكتب الفلاح، الكويت.

стр. 354

"ب، ت، ث": ٤٤- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، لأحمد محمد شاكر. مكتبة التراث. ٤٥- الباعث على إنكار البدع والحوادث، لابن أبي شامة. مكتبة النهضة بمكة المكرمة. ٤٦- بدائع الفوائد، لابن القيم. بيروت عن الطبعة المنيرية. ٤٧- البداية والنهاية، لابن كثير، مكتبة المعارف بالرياض. ٤٨- بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للفيروزآبادي، تحقيق محمد علي النجار، القاهرة. ٤٩- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، لابن تيمية، مطابع الحكومة بمكة المكرمة. ٥٠- تأملات في سلوك الإنسان، د. ألكسيس كاريل، ترجمة محمد القصاص, مكتبة مصر بالقاهرة. ٥١- تأملات في وسائل الإدراك، د. عبد الله الشرقاوي، عالم الكتب بالرياض. ٥٢- تاريخ الأدب العربي, تأليف بروكلمان، ترجمة عبد الحليم النجار. دار المعارف. ٥٣- تاريخ الخلفاء، للسيوطي، المكتبة التجارية الكبرى بمصر. ٥٤- التبصير في الدين، للإسفراييني، تحقيق كمال الحوت، عالم الكتب، بيروت. ٥٥- تجديد الفكر الديني في الإسلام، تأليف محمد إقبال، ترجمة عباس محمود. مطبعة لجنة التأليف. ٥٦- تجريد التوحيد, للمقريزي. مكتبة القاهرة. ٥٧- تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار، للكنوي، تحقيق عبد الفتاح أبي غدة. ٥٨- تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، للمباركفوري. المكتبة السلفية بالمدينة. ٥٩- تحقيق معنى السنة، السيد سليمان الندوي. المطبعة السلفية بالقاهرة. ٦٠- تحكيم القوانين، الشيخ محمد بن إبراهيم. طبع الكويت. ٦١- تدوين السنة النبوية، د. محمد مطر الزهراني، مكتبة الصديق بالطائف. ٦٢- التربية الإسلامية في ظلال القرآن، جمع وإعداد: عبد الله ياسين. دار الأرقم. عمان. ٦٣- ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان، لابن الوزير. دار الكتب العلمية. ٦٤- الترغيب والترهيب, للحافظ المنذري، تحقيق مصطفى عمارة، طبعة الشئون الدينية، قطر. ٦٥- التشريع الجنائي الإسلامي، عبد القادر عودة، دار التراث القاهرة.

стр. 355

٦٦- التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، عثمان جمعة ضميرية، دار الكلمة الطيبة. ٦٧- تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، للصنعاني، تقديم د. محمد عبد المنعم خفاجي. ٦٨- تعريف عام بدين الإسلام، علي الطنطاوي. مؤسسة الرسالة. ٦٩- التعريفات للجرجاني، تحقيق إبراهيم الإبياري. بيروت. ٧٠- تعظيم قدر الصلاة، لمحمد بن نصر المروزي، مكتبة الدار بالمدينة. ٧١- تفسير القرآن العظيم، لابن كثير. مطبعة الشعب + مكتبة الرياض. ٧٢- تفسير البغوي، تحقيق عثمان جمعة، ومحمد النمر, وسليمان الحرش. دار طيبة بالرياض. ٧٣- تفسير الطبري، تحقيق محمود شاكر، وطبعة الحلبي. ٧٤- تفسير الفخر الرازي، المسمى التفسير الكبير، بيروت، عن الطبعة المنيرية. ٧٥- تفسير القرطبي، مصور عن طبعة دار الكتب بالقاهرة. ٧٦- تفسير المنار، محمد رشيد رضا. مطبعة المنار. ٧٧- تفسير النسائي، تحقيق صبري الشافعي، مؤسسة الكتب الثقافية. ٧٨- تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، للراغب الأصفهاني، تحقيق د. عبد المجيد النجار. ٧٩- التفكير فريضة إسلامية، عباس محمود العقاد. دار الكتاب العربي. ٨٠- التفكير الفلسفي الإسلامي، د. سليمان دنيا. مكتبة الخانجي. ٨١- التفكير الفلسفي في الإسلام، د. عبد الحليم محمود. مكتبة الأنجلو المصرية، ط ٣. ٨٢- تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لابن حجر، الشركة الفنية للطباعة. ٨٣- تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، للشيخ مصطفى عبد الرازق، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر. ٨٤- التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية، للشيخ عبد العزيز الرشيد، دار الأصفهاني بجدة. ٨٥- التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، للملطي، إعداد وتقديم فتحي جابر، ١٩٩١م. ٨٦- تهافت التهافت، للغزالي. تحقيق د. سليمان دنيا. دار المعارف. ٨٧- تهذيب الأسماء واللغات، للنووي. مصور عن الطبعة المنيرية. ٨٨- تهذيب اللغة، للأزهري. الدار القومية للكتاب بالقاهرة. ٨٩- تهذيب سنن أبي داود، للمنذري، مطبوع مع معالم السنن وتهذيب ابن القيم. مطبعة أنصار السنة. ٩٠- تهذيب مدارج السالكين، عبد المنعم علي العزي. دولة الإمارات.
следующие страницы →