عواصم أوروبا أسواق المال والبورصة، مثل ريجنت ستريت في لندن ووول ستريت في نيويورك. ثم جعل كهان هذا الإله الجديد يستغلون الناس بكل سبيل, يجمعون من شعوب الأرض دريهماتهم القليلة ليخزنوها ملايين في صناديقهم الحديدية. ولما زاد شَرَههم إلى المال أخذوا يثيرون الحروب بين الأمم ثم يبيعون المتحاربين كلهم سلاحا، لا يهمهم من مات، ولا يهمهم من قتل، ولا من خربت أرضه ودياره، ولا من جاع أو عطش أو عري أو ظل جاهلا، ما داموا يجمعون المال في صناديقهم ليزيدوا به نفوذهم السياسي والعسكري في العالم، ثم ليستخدموا هذا النفوذ من جديد في سبيل قناطير جديدة من الأموال، وهكذا دواليك".
"إن الأوروبي العادي -سواء كان ديمقراطيا أم فاشيا, رأسماليا أم بلشفيا، صانعا أم مفكرا- يعرف دينا إيجابيا واحدا هو التعبد للرقي المادي، أي: الاعتقاد بأن ليس في الحياة هدف آخر سوى جعل هذه الحياة نفسها أيسر فأيسر".
"إن هياكل هذه الديانة إنما هي المصانع العظيمة ودور السينما والمختبرات الكيماوية وباحات الرقص وأماكن توليد الكهرباء. وأما كهنة هذه الديانة فهم الصيارفة والمهندسون وكواكب السينما وقادة الصناعات وأبطال الطيران ... "١.
أنواع الشرك الأكبر:
وفيما يلي إيجاز لبعض أنواع الشرك الأكبر:
١- شرك الدعاء:
ومعنى الدعاء: سؤال العبد ربه ﵎ العناية، واستمداده إياه المعونة. وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة. وهو سمة العبودية
стр. 282
واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله وإضافة الجود والكرم إليه؛ ولذلك قال ﷺ : "الدعاء هو العبادة" ١.
ومعناه: أنه معظم العبادة، أو أفضل العبادة، بل هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة؛ لدلالته على الإقبال على الله والإعراض عما سواه٢.
والدعاء يشمل دعاء العبادة والثناء، ودعاء المسألة والطلب؛ ويراد بهما في القرآن الكريم هذا تارة، وهذا تارة، ويراد بهما مجموعهما، وهما متلازمان.
فدعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو دفع ضر، إذ الذي يدعى لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر.
ودعاء العبادة والثناء: هو ما يقصد به العبد ثناء على الله تعالى بما هو أهله, تذللا له، وانكسارا بين يديه, .
ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، ودعاء المسألة متضمّن لدعاء العبادة، وهما متلازمان لا بد من اجتماعهما، ولا يكفي أحدهما عن الآخر٣.
فإذا توجه الإنسان بواحد من هذين النوعين لأحد غير الله تعالى، كأن يدعو
стр. 283
ميتا أو غائبا، أو أن يقول للميت أو الغائب: ادع الله لي ... فهذا كله لون من ألوان الشرك، حتى ولو كان ينطق بالشهادتين ويصلي ويصوم، إذ شرط الإسلام -مع التلفظ بالشهادتين- أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله، فما أتى بهما حقيقة، فمجرد التلفظ لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما١.
ولهذا تواردت الآيات القرآنية الكريمة في النهي عن دعاء غير الله تعالى، كقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس: ١٠٦، ١٠٧] .
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦] .
أما الله تعالى وحده فهو الذي يستجيب الدعاء؛ ولذا فهو وحده الذي يستحق الدعاء والثناء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
والإنسان بفطرته، حتى ولو كان من أكثر الناس كفرا وإلحادا، لا يملك في وقت الشدة والاضطرار إلا أن يرفع يديه للسماء ويدعو: يا رب:
стр. 284
﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] .
٢- شرك العبادة والتقرب:
والصورة الواضحة الجلية لهذا النوع من الشرك هي ما كان معروفا من عبادة الأصنام والأوثان وإعطائها بعض خصائص الألوهية؛ ولذلك كانوا يطوفون حولها ويتمسَّحون بها، ويذبحون لها وينذرون، كي تقربهم إلى الله تعالى مكانة ومنزلة، وكأنهم يعتقدون أن الله تعالى بحاجة إلى هذه الواسطة، يستمدون بها من الله رزقا أو عطاء أو شفاعة أو قضاء حاجة من الحاجات:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] .
"فهؤلاء كانوا يعلنون أن الله خالقهم وخالق السموات والأرض، ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق بالعبادة، وفي إخلاص الدين كله لله بلا شريك، وإنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه, ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها، ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة -وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة- ليست عبادة لها في ذاتها، وإنما هي زلفى وقربى لله؛ كي تشفع لهم عنده في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا.
وهو انحراف عن الفطرة واستقامتها إلى هذا التعقيد والتخريف, فلا الملائكة بنات الله، ولا الأصنام تماثيل الملائكة، ولا الله يرضى بهذا الانحراف، ولا هم يقبل فيهم شفاعة، ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق.
стр. 285
.. وإنا لنرى اليوم في كل مكان عبادة للقديسين والأولياء والمشايخ حول الأضرحة تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة -أو تماثيل الملائكة- تقربا إلى الله بزعمهم، وطلبا للشفاعة عنده ... وهم يكذبون على الله بأن هذه العبادة تشفع لهم عنده. وهم يكفرون بهذه العبادة, ويخالفون فيها عن أمر الله الواضح الصريح"١.
ونرى صورة أخرى لذلك عند أولئك الذين يخشون -في دخيلة أنفسهم- غضبة الذين يعظمونهم من ولاة وشيوخ وعظماء، ولا يخشون غضبة الله، والذين يعتقدون فيمن يعظمونهم أنهم أقرب ضرا ونفعا من الله، سواء كانوا ملوكا وعلماء ورؤساء٢!
٣- شرك الشفاعة:
وهذا اللون من الشرك نتيجة لازمة لشرك التقرب، فالذي يعبد الأصنام والأولياء إنما يفعل هذا -كذلك- كي تشفع له عند الله تعالى في التجاوز عن الذنوب والجرائم٣، وفي تحقيق الآمال والوصول إلى الرغبات؛ ظنا منه أن الأصنام أو الأولياء أو غيرهم يملك هذه الشفاعة, ويستحق أن تستجاب شفاعته وطلبه من الله تعالى!
ومن يفعل ذلك فما قدر الله حق قدره؛ لأنه غنيّ عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه ومحتاج لا يملك نفعا ولا ضرا. ولذلك كان هذا العمل شركا, تعالى الله عنه:
стр. 286
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] .
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] .
ولهذا نفى الله تعالى نفيا قاطعا أن يكون ذلك طريقا صحيحا للتقرب إليه، وبيّن أن هذا اللون من الشفاعة منفيّ غير مقبول عنده سبحانه:
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] .
﴿أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] .
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] .
وإذا كانت تلك شفاعة شركية غير مقبولة، فإن هناك شفاعة شرعية جعلها الله تعالى لمن يشاء ويرضى عنه فيشفع. وإلى هذه الشفاعة أشارت الآيات القرآنية الكريمة، وشرطت لها شروطا ثلاثة١:
١- أن تكون الشفاعة في شيء يقدر عليه الشافع. فالميت والغائب لا يملك أحد منهما شيئا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
стр. 287
٢- أن يكون المشفوع له مسلما يرضى الله تعالى الشفاعة له، فلا شفاعة للكافرين:
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] .
﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
٣- أن يأذن الله للشافع بأن يشفع, وأن يقول صوابا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] .
﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] .
وقد ادخر الله تعالى لنبيه محمد ﷺ أنواعا من الشفاعة يوم القيامة، تنال -إن شاء الله- من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا, حسبنا هنا الإشارة إليها١, ونسأل الله سبحانه أن يشفِّع فينا نبيه محمدا ﷺ .
ولا يغيبنّ عن البال أن الكلام السابق في الشفاعة غير المشروعة لا يدخل فيه الشفاعة في أمور الدنيا المباحة مما يجوز أن يشفع فيه الإنسان، كأن يسعى في أمر فيترتب عليه خير لمن يشفع له. ففي الحديث الصحيح: "اشفعوا تُؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء" ٢.
стр. 288
٤- شرك الطاعة والاتباع:
تقدم فيما سبق أن توحيد الألوهية مترتب على توحيد الربوبية، فإن الله هو وحده خالق الكون ومالكه، وهو الذي يسيّره ويصرف شئونه، فينبغي كذلك أن يكون متفردا بالحكم، أمرا ونهيا، تحليلا وتحريما، وينبغي على البشر أن يتحاكموا إلى ما أنزل الله، ويحكموا به، وأن يطيعوه سبحانه في كل ما حكم به، فإن ذلك مقتضى العبادة وأصلها ومعناها وحقيقتها.
ولذلك اتفق العلماء على أن الحاكم هو الله ، وأنه لا أحد يستحق أن ينفذ حكمه على الخلق إلا من كان له الخلق والأمر "فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلا الله الخالق, فلا حكم ولا أمر إلا له. أما النبي ﷺ والسلطان والسيد والأب والزوج، فإذا أمروا وأوجبوا، لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم، ولولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا كان للموجَب عليه أن يقلب عليه الإيجاب؛ إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، فإذن: الواجب طاعة الله تعالى, وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته"١.
وقد أوسع هذا المعنى شرحا العز بن عبد السلام ﵀ في "قواعد الأحكام" حيث قال في "قاعدة: فيمن تجب طاعته, ومن تجوز طاعته، ومن لا تجوز طاعته":
стр. 289
"لا طاعة لأحد من المخلوقين إلا لمن أذن الله في طاعته كالرسل والعلماء، والأئمة والقضاة، والولاة، والآباء والأمهات والسادات والأزواج، والمستأجرين في الإجارات على الأعمال والصناعات. ولا طاعة لأحد في معصية الله ؛ لما فيها من المفسدة الموبقة في الدارين أو في إحداهما، فمن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة له، إلا أن يكره إنسانا على أمر يبيحه الإكراه، فلا إثم على مطيعه. وقد تجب طاعته لا لكونه آمرا، بل دفعا لمفسدة ما يهدده به من قتل أو قطع أو جناية على بُضع، ولو أمر الإمام أو الحاكم إنسانا بما يعتقد الآمر حله والمأمور تحريمه، فهل له فعله، نظرا إلى رأي الآمر، أو يمتنع نظرا إلى رأي المأمور؟ فيه خلاف, وهذا مختص فيما لا ينقض حكم الآمر به. فإذا كان مما ينقض حكمه به فلا سمع ولا طاعة. وكذلك لا طاعة لجَهَلَة الملوك والأمراء إلا فيما يعلم المأمور أنه مأذون في الشرع".
"وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، فما من خير إلا هو جالبه وما من ضير إلا هو سالبه، وليس بعض العباد بأن يكون مطاعا بأولى من البعض؛ إذ ليس لأحد منهم إنعام بشيء مما ذكرته في حق الإله. وكذلك لا حكم إلا له.. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ " ١.
وقد تواردت النصوص القرآنية الكريمة مؤيدة لهذا المنطق السليم، فهي تلزم البشر باتباع ما جاء من عند الله تعالى، وتحرم عليهم تحريما قاطعا اتباع ما يخالفه:
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] .
стр. 290
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] .
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
وقد أقسم الله تعالى بنفسه على أن أحدا لن يؤمن حتى يحكم بما جاء به الرسول في كل أمر، وأن ينتفي عن صدره الحرج والضيق من قضاء الرسول وحكمه، وأن يسلم وينقاد:
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
وغير ذلك من الآيات والنصوص القاطعة التي توجب الحكم بما أنزل الله، وتحكم بالكفر والفسق والظلم على كل من يخالف حكم الله تعالى١.
ولذلك كان كل من أطاع مخلوقا في تحريم الحلال أو تحليل الحرام مشركا شرك الطاعة والانقياد أو الاتباع، وقد حكم الله تعالى على اليهود والنصارى بالشرك؛ لاتباعهم الأحبار والرهبان واتخاذهم أربابا من دون الله، فقال:
стр. 291
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
وقد بين النبي ﷺ بيانا واضحا ماهية العبادة التي وقع فيها هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وفسّرها بأنهم أطاعوهم في معصية الله، واستحلوا ما أحلوه لهم من الحرام، وحرموا ما حرموه عليهم من الحلال، واستنصحوا الرجال, ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم:
عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك! " قال: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في "سورة براءة" فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، قال: فقلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم! فقال: "أليس يحرِّمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ " قال: قلت: بلى. قال: "فتلك عبادتهم" ١.
فقد كان عدي ﵁ يظن أن العبادة هي التقرب إلى الأحبار والرهبان بالركوع والسجود والذبح والنذر ونحو ذلك، فقال: إنا لسنا نعبدهم. فصحح له النبي ﷺ مفهوم العبادة بأنها طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم من تلقاء أنفسهم، وبذلك جعلوا أنفسهم أربابا من دون الله، ومن أطاعهم في ذلك كان عابدا لهم من دون الله٢.
стр. 292
وهذا أيضا ما فسر به الآية حذيفة بن اليمان ﵁ عندما سُئل عنها فقال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم, ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا أحله الله حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم.
وقال: انطلَقوا إلى حلال الله فجعلوه حراما، وإلى حرام الله فجعلوه حلالا، فأطاعوهم في ذلك. فجعل الله طاعتهم عبادتهم, ولو قالوا لهم: "اعبدونا" لم يفعلوا١.
والصورة الواضحة أو المثال القريب لهذا اللون من الشرك, هو التحاكم إلى القوانين الوضعية التي ارتضاها البشر لأنفسهم بمعزل عن دين الله وشريعته٢.
وهذا اللون من الشرك هو الذي يعم وجه الأرض اليوم؛ فأما الأرض غير الإسلامية فقد حوت كل صنوف الكفر والشرك، ومن أبرزها شرك الطاعة في التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله، واتخاذ الأرباب المختلفة من دون الله.
وأما الأرض الإسلامية فقد وقع من أهلها في هذا النوع من الشرك كل من رضي بشريعة غير شريعة الله، مجلوبة من الشرق أو الغرب, وكل من رفع راية للتجمع أو للجهاد غير راية الإسلام، من قومية أو وطنية أو علمانية أو غيرها من الرايات التي لم يأذن بها الله.
وهؤلاء وهؤلاء يقيمون أربابا -وإن كانت غير محسوسة- ويعبدونها من دون الله.
стр. 293
فالذي ينادي بالقومية أو الوطنية ويتخذ ذلك ذريعة لإقامة وطن لا تحكم فيه شريعة الله, هو في الواقع يتخذ القومية أو الوطنية ربا يعبده من دون الله، سواء في ذلك من يقيم هذه الراية ومن يرضى بها؛ لأن الأول يصدر باسمها تشريعات تحل وتحرم بغير ما أنزل الله، والآخر يتلقى منها ويطيعها ولا يتوجه بالتلقي والطاعة إلى الله.
والذي ينادي بوجوب إفطار العمال في رمضان لأن الصيام يضر بالإنتاج المادي، يتخذ الإنتاج المادي في الحقيقة ربا يعبده من دون الله؛ لأنه يطيعه مخالفا أمر الله.
والذي ينادي بخروج المرأة سافرة متبرجة مخالطة للرجال باسم التقدم والرقي وباسم التحرر، يتخذ التقدم والرقي والتحرر في الحقيقة أربابا معبودة من دون الله؛ لأنه يحل باسمها ما حرم الله، ويطيعها من دون الله.
والذي يدعو إلى إبطال شريعة الله أو تبديل الأحكام الإسلامية التي تصون الأخلاق والأعراض لكي نبدو في نظر الغرب متحضرين غير متخلفين، يتخذ الغرب وتقاليده أربابا معبودة من دون الله، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ لأن الغرب وتقاليده أثقل في حسه من أوامر الله، وأولى بالاتباع والطاعة من أوامر الله!
وهكذا نجد صورا متعددة من شرك الطاعة والاتباع تعمّ حياة الناس اليوم دون أن يتبينوا ما هم واقعون فيه من الشرك، مع أن كتاب الله وأحاديث الرسول ﷺ واضحة حاسمة في هذا الأمر: أن العبادة هي التلقي من الله في كل شأن من شئون الحياة. وكما نتلقى من الله شعائر التعبد، فنعبده بما تعبَّدنا به من صلاة وصيام وزكاة وحج، كذلك نتلقى منه أمور حلالنا وحرامنا، أي: الشريعة التي تحكم أمور حياتنا في الصغيرة وفي الكبيرة سواء؛ لأن الله تعبدنا بتنفيذ
стр. 294
شريعته كما تعبدنا بالصلاة والصوم والزكاة والحج، وكلها سواء، واعتبر التوجه في هذه أو تلك لغير الله شركا، وقال عن الذين يفعلون ذلك:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .
وقد أمرنا الله بمفاصلة الواقعين في الشرك:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] .
لذلك ينبغي علينا أن نتبين طريقنا جيدا في وسط هذا الشرك الذي يعم اليوم وجه الأرض، وأن نجتهد ونتحرى ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، وألا نتخذ أربابا -محسوسة أو غير محسوسة- نتوجه لها بالعبادة من دون الله١.
стр. 295
٥- شرك المحبة والنصرة أو الولاء:
إن من مقتضيات التوحيد وأصول العبادة أن نفرد الله تعالى بالمحبة الخاصة التي لا تصلح إلا له، وهي "حب طاعته، والانقياد لأمره"١، وهي محبة العبودية التي تستلزم الذل والخضوع والتعظيم وكمال الطاعة لله تعالى وإيثاره على غيره.
فإذا توجه الإنسان بهذه المحبة لغير الله تعالى كان مشركا شرك المحبة. ومن هنا جاء التقريع للمشركين الذين جعلوا لله تعالى أندادا ونظراء يحبونهم كحبه, ويعبدونهم معه:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
ولأن الإسلام يربط بين المسلمين برباط الأُخوّة الإيمانية حيث يلتقون كلهم على عقيدة التوحيد، فإن المسلم ينبغي أن يحب المسلم لإسلامه وإيمانه، وبذلك يكتمل عنده الإيمان ويجد حلاوته، فقد قال ﷺ : "من أحب لله, وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان" ٢.
وقال ابن عباس ﵄: "من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تُنال ولاية الله بذلك. ولن يجد عبد طعم الإيمان -إن كثرت صلاته وصيامه- حتى يكون كذلك"٣.
стр. 296
فإذا كانت هذه المحبة لأعداء الله، كانت كفرا وشركا وموالاة للكافرين ونصرة لهم، وهذا نقض للميثاق ولكلمة التوحيد وخروج على مقتضيات الإيمان, وسنجتزئ ببعض الآيات القرآنية الكريمة التي تقرر ذلك تقريرا واضحا حاسما:
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] .
وسيأتي -إن شاء الله تعالى- مزيد بيان في فقرة خاصة عن "الولاء والبراء".
ب- الشرك الأصغر:
أما الشرك الأصغر، فهو مراعاة غير الله تعالى معه في بعض الأمور١، فهو شرك عملي، وسمي "أصغر" مقارنة بالشرك الأكبر.
وهذا الشرك يتنافى مع كمال التوحيد، فلا يُخرِج صاحبه من الإيمان، ولكنه معصية من أكبر المعاصي؛ لما فيه من تسوية غير الله تعالى بالله في هيئة العمل. ومن الأمثلة عليه:
стр. 297
الرياء اليسير، وهو أن يفعل الشيء يقصد به رؤية الخلق وملاحظتهم له، فلا يكون عمله خالصا لله تعالى، وهذا يحبط العمل الذي يرافقه، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه وموافقا لشرعه:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
وفي الحديث القدسي يقول الله ﵎: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" ١.
والحلف بغير الله؛ لأن في ذلك تعظيما للمحلوف به, وقد قال رسول الله ﷺ : "من حلف بغير الله؛ فقد أشرك" وفي لفظ: "فقد كفر" ٢.
ومنه الشرك في الألفاظ، كقول الرجل: "ما شاء الله وشئت" و"هذا من الله ومنك" و"أنا بالله وبك" و"ما لي إلا الله وأنت" ... وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده٣.
وهذا الشرك قد يكون خفيا دقيقا لا يتبينه كثير من الناس، فينبغي ملاحظته وعدم التساهل فيه، فقد قال رسول الله ﷺ : "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" ٤.
والشرك الأصغر له أنواع كثيرة ليس هذا مجال بيانها، كما أن الوسائل المنافية للتوحيد أو كماله، كالتوسل، والبناء على القبور، والغلوّ في الأشخاص وتقديسهم، واتخاذ التماثيل, ورفع الصور وتعظيمها, والاحتفالات والأعياد البدعية، كل هذه الوسائل نجدها مفصلة مع أدلتها وأقوال العلماء فيها في مظانها٥.
стр. 298
ثانيا: الكفر
تعريفه في اللغة: هو الجحود, وأصله من الكَفْر وهو الستر والتغطية؛ يقال: كفرت الشيء: إذا غطيته. ومنه قيل لليل: كافر؛ لأنه يستر الأشياء بظلمته, وسمي الزارع كافرا لأنه يستر الحب بالتراب.
ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] يريد بالكفار: الزراع. سماهم بذلك؛ لأنهم إذا ألقوا البذر في الأرض كفروه، أي: غطوه وستروه، فكأن الكافر ساتر للحق، أو ساتر لنعم الله .
وليس الكافر اسما لليل أو الزارع، ولكنه وصف لهما، كما قال الشاعر:
فتذكرا ثَقَلا رَثِيدا، بعدما ... ألقت ذُكَاء يمينها في كافر١
стр. 299
والكُفْر: ضد الإيمان، سمي بذلك لأنه تغطية وستر للحق. وكذلك كفران النعمة: جحودها وسترها، وهو ضد الشكر.
ويقال: كفر بالله، يكفر كفرا، وكفورا، وكفرانا. ويقال: أكفر فلانا: دعاه كافرا.
وتستعمل كلمة "الكفر" في الدين أكثر من استعمالها في كفران النعمة، و"الكفران" في جحود النعمة، و"الكفور" فيها جميعا. و"الكافر" -عند الإطلاق- متعارف فيمن يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة، أو يجحدها جميعها١.
وفي الاصطلاح الشرعي:
الكفر: خلاف الإيمان وضده٢, أو هو: "رد الحق بعد معرفته. ومعنى هذا: أن الذي يرد الحق جهلا، أو يفعل شيئا من الكفر جاهلا ظانا أنه من الإسلام، وأنه فعل ما لا يضاد الإيمان, فليس بكافر، حتى تقوم الحجة عليه ويعلم الحق فيرده ... وكذلك لا يكون كافرا من يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا
стр. 300
رسول الله، ثم يفعل مناقضا للإيمان، جاهلا به غير عالم أنه مخرج له من الإيمان, فإن علم ورَدّ وكابر وجحد فقد كفر"١.
وأصل الكفر في الدين هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة، أو لأحد من رسله -عليهم الصلاة والسلام- أو لشيء مما جاءوا به، إذا كان ذلك الأمر المكذب به معلوما من الدين بالضرورة "وهو ما ظهر حكمه بين المسلمين وزالت الشبهة في حكمه بالنصوص الواردة فيه، كوجوب الصلاة وتحريم الخمر والزنا, وسمي ضروريا؛ لأن كل واحد يعلم أن هذا الأمر من الدين".
ولا خلاف في أن هذا القدر كفر، ومن صدر عنه فهو كافر، إذا كان مكلفا مختارا، غير مختل العقل، ولا مكره. وكذلك لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم من الدين بالضرورة للجميع، وتستّر باسم "التأويل" فيما لا يمكن تأويله؛ كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع ...
وإنما يقع الإشكال في تكفير من قام بأركان الإسلام الخمسة المنصوص على إسلام من قام بها، إذا خالف المعلوم ضرورة للبعض أو الأكثر ... وعلمنا من قرائن أحواله أنه ما قصد التكذيب، أو التبس علينا ذلك في حقه، وأظهر التدين والتصديق بجميع الأنبياء والكتب الربانية ...
ولذلك لا يجوز أن يسرع الإنسان إلى التكفير، فقد جاءت النصوص الشرعية الكثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية تحذر من ذلك بوجوه متعددة٢.
стр. 301
والكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر١.
أ- فالكفر الأكبر:
ما يضادّ الإيمان من كل وجه، ويخرج صاحبه عن الدين والملة, ويوجب له الخلود في النار. قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] .
ويسمى هذا النوع من الكفر -كذلك- الكفر الاعتقادي، وهو الذي يأتي في النصوص الشرعية مقابلا للإيمان، فيكون ضده. وإذا أطلق لفظ "الكفر" فإنه ينصرف إلى هذا النوع، وهو الكفر الأكبر الذي يحبط العمل، ولا يغفره الله لصاحبه إذا مات عليه.
أنواع الكفر الأكبر:
ويتنوع هذا الكفر إلى ستة أنواع؛ من لقي الله بواحد منها لم يغفر له، وهي٢:
١- كفر الإنكار:
وهو أن ينكر بقلبه ولسانه، بأن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد. قال الله :
стр. 302
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] .
أي: كفروا بتوحيد الله وأنكروا معرفته, وبإنكار وجود الله يصبح الرجل ملحدا١.
٢- كفر الجحود:
وهو أن يعرف الله بقلبه، ولا يقر ولا يعترف بلسانه، فهو كفر جاحد، مثل كفر اليهود، حيث جحدوا نبوة محمد ﷺ ، وكتموا أمره ووجود صفته في كتبهم, فقال الله تعالى عنهم:
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] .
قال ابن القيم ﵀:
"وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص.
فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، وإرساله الرسول.
والخاص المقيد: أن يجحد فرضا من فروض الإسلام، أو تحريم محرَّم من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو خبرا أخبر الله به عمدا، أو تقديما لقول
стр. 303
من خالفه عليه لغرض من الأغراض.
وأما جحد ذلك جهلا، أو تأويلا يعذر فيه صاحبه, فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرِّقوه ويَذَروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه، ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادا أو تكذيبا"١.
٣- كفر العناد، وهو أن يعرف الله بقلبه ويعترف ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل الإيمان أو يدين به، فهو كفر إباء واستكبار، مثل كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله، ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار.
ومن هذا: كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقَدْ إليه، إباء واستكبارا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل -عليهم الصلاة والسلام- كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه, إذ قالوا:
﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] .
وهو كفر أبي طالب أيضا، فإنه صدّقه ولم يشك في صدقه، ولكن أخذته الحميّة وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم ويشهد عليهم بالكفر، وقال:
ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذارُ مسبَّة ... لوجدتني سَمْحا بذاك مبينا
ومن الأمثلة الظاهرة على الكفر بالامتناع والعناد في عصرنا الحاضر: الامتناع عن الحكم بالشريعة الإسلامية، وتطبيق القوانين الوضعية بدلا منها.
стр. 304
والأصل في الإسلام: أن الحكم بما أنزل الله واجب، وأن الحكم بغير ما أنزل الله محرم، ونصوص القرآن الكريم صريحة قاطعة في هذه المسألة. فالله -جل شأنه- يقول:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠] .
ويقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
ويقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] .
ويقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] .
ويقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] .
ويقول: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] ...
ولا خلاف بين الفقهاء والعلماء في أن كل تشريع مخالف للشريعة الإسلامية باطل لا تجب له الطاعة، وأن كل ما يخالف الشريعة محرم على المسلمين، ولو أمرت به أو أباحته السلطة الحاكمة أيا كانت.
ومن المتفق عليه: أن من يستحدث من المسلمين أحكاما غير ما أنزل الله من غير تأويل يعتقد صحته، فإنه يصدُق عليهم ما وصفهم به الله تعالى من الكفر
стр. 305
والظلم والفسق، كلٌّ بحسب حاله؛ فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا؛ لأنه يفضل غيره من أوضاع البشر عليه، فهو كافر قطعا، ومن لم يحكم به لعلة أخرى غير الجحود والنكران فهو ظالم، إن كان في حكمه مضيعا لحق أو تاركا لعدل أو مساواة، وإلا فهو فاسق.
ومن المتفق عليه: أن من رَدَّ شيئا من أوامر الله أو أوامر رسوله ﷺ فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة الشك أو من جهة ترك القبول، أو الامتناع عن التسليم. ولقد حكم الصحابة بارتداد مانعي الزكاة، واعتبروهم كفارا خارجين عن الإسلام؛ لأن الله حكم بأن من لم يسلم بما جاء به الرسول -ولم يسلم بقضائه وحكمه- فليس من أهل الإيمان، قال جل شأنه:
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ١.
٤- وأما كفر الشك؛ فإنه لا يجزم فيه بصدق الرسول ولا يكذبه، بل يشك في أمره. وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول ﷺ جملة، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها. وأما مع التفاته إليها ونظره
стр. 306
فيها, فإنه لا يبقى معه شك؛ لأنها مستلزمة للصدق ولا سيما بمجموعها، فإن دلالتها على الصدق واضحة جلية، كدلالة الشمس على النهار.
٥- وأما كفر الإعراض: فأن يُعرض بسمعه وقلبه عن الرسول ﷺ لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به، كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي ﷺ : "والله أقول لك كلمة, إن كنت صادقا فأنت أجلّ في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أكلمك".
٦- وأما كفر النفاق, فهو أن يظهر بلسانه الإيمان، وينطوي بقلبه على التكذيب, فهذا هو النفاق الأكبر. وسيأتي في فقرة لاحقة بيان لأقسامه إن شاء الله.
هذا، وتقدم أن مأخذ التكفير تكذيب الشارع، وليس مخالفته مطلقا. ومن ينكر رسالة النبي مثلا كافر لا مشرك، ومن أخلّ بالاعتقاد وحده فهو منافق، وبالإقرار بالحق فهو كافر، وبالعمل بمقتضاه فهو فاسق، ومن عبد مع الله غيره فهو مشرك
١.
الكفر الأصغر:
وإن كان الكفر الأكبر كفرا بأصل الإيمان والتوحيد، فإن الكفر الأصغر هو مخالفة لحكم من أحكام الشريعة، ومعصية عملية لا تُخرج عن أصل الإيمان، وإنما توجب لصاحبها الوعيد بالنار دون الخلود فيها، وسميت كفرا؛ لأنها من خصال الكفر٢.
стр. 307
وهذا النوع من الكفر يسميه بعض العلماء: الكفر العملي، الذي يقابل الكفر الاعتقادي، وهو أيضا: كفر النعمة، فهو كفر مقيَّد بأحدهما وليس كفرا مطلقا.
"وقد سمى الله تعالى من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه, مؤمنا بما عمل وكافرا بما ترك العمل به، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٤، ٨٥] .
فأخبر -سبحانه- أنهم أقرّوا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموه. وهذا يدل على تصديقهم به ... ثم أخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقا وأخرجوهم من ديارهم، فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب.
ثم أخبر أنهم يفدون من أُسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب, فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه.
فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي.
وأعلن النبي ﷺ بهذا في قوله: "سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر" ١.
ففرّق بين قتاله وسبابه, وجعل أحدهما فسوقا لا يكفر به، والآخر كفرا،
стр. 308
ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي. وهذا الكفر لا يُخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية, كما لم يخرج الزاني والسارق وشارب الخمر من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان"١.
وتواردت أحاديث النبي ﷺ في هذا المعنى، تسمي بعض الأعمال أو المعاصي كفرا، وأن صاحبها لا يكفر بارتكابها, بل يكفر بالشرك أو الكفر الأكبر، كقوله٢ ﵊:
"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ٣.
"لا ترغبوا عن آبائكم, فمن رغب عن أبيه فقد كفر" ٤.
"اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب, والنياحة على الميت" ٥.
ثالثا: النفاق
تعريفه في اللغة:
النون والفاء والقاف أصلان صحيحان في لغة العرب، يدل أحدهما على انقطاع شيء وذهابه، ويدل الآخر على إخفاء شيء وإغماضه, ومتى حُصِّل الكلام فيهما تقاربا.
стр. 309
ومن الأصل الثاني، يقال: النَّفَق، وهو سَرَب في الأرض له مَخْلَص إلى مكان آخر.
والنافقاء: موضع يرقِّقه اليربوع من جحره، فإذا أُتي من قِبَل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق وخرج. ومنها اشتقاق النفاق؛ لأن صاحبه يكتم خلاف ما يُظهر, فكأن الإيمان يخرج منه، أو يخرج هو من الإيمان في خفاء.
ويمكن: أن الأصل في هذا الباب واحد، وهو الخروج.
ونافَقَ في الدين: ستر كفره وأظهر إيمانه. ونافق اليربوع: أخذ في نافقائه.
وسمي المنافق منافقا؛ لأنه يستر كفره ويغيِّبه، فشبِّه بالذي يدخل النفق، وهو السَّرَب، فيستتر به، أو لأنه نافق كاليربوع، فهو يدخل في النافقاء ويخرج من القاصعاء. وهكذا يفعل المنافق، يدخل في الإسلام ثم يخرج منه على غير الوجه الذي دخل فيه١.
وقد تكرر في القرآن الكريم والحديث الشريف ذكر "النفاق" وما تصرف منه اسما وفعلا, وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به, وإن كان أصله معروفا في اللغة العربية.
في الاصطلاح الشرعي:
والنفاق: هو الدخول في الدين والإيمان من باب أو وجه "وهو التلفظ بالشهادتين" والخروج عنه من باب أو وجه آخر. وعلى ذلك نبّه الله تعالى بقوله عن
стр. 310
المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون من الدين والشرع، ولا يطلق اسم النفاق على من يظهر شيئا, ويخفي غيره إلا الكفر والإيمان.
والمنافق هو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه١.
فالمنافق كالضب أَلِف المراوغة والخداع، فالضب يدخل جحره من باب واضح ثم يهرب إذا شعر بالخطر من باب خفي آخر تتعذر رؤيته. وكذلك يفعل المنافق؛ يدخل في الإسلام من باب ظاهر، فينطق بالشهادتين، ويصلي مع الناس ... ثم يخرج من الإسلام من باب آخر من الصعب مشاهدته، ولو شاهده الناس عند نقضه للإيمان وخروجه عن الإسلام لأُقيم عليه حد الردة٢.
أنواع النفاق:
وهذا النفاق نوعان: نفاق أكبر، وهو نفاق الاعتقاد, ونفاق أصغر، وهو النفاق العملي، وفيما يلي إيجاز لهذين النوعين:
١- النفاق الأكبر، أو نفاق الاعتقاد: وهو -كما سبق- أن يُظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فيعصم بذلك دمه وماله وعِرْضه، فيتخلص من القتل والعذاب العاجل، ويصبح ظاهرا في عِدَاد المسلمين ويُحسَب منهم، وهو في حقيقة أمره باطنا منسلخٌ من الدين كله مكذبٌ به، لا يؤمن بالله ولا بكلامه الذي أنزله على رسوله، فليس معه من الإيمان شيء, كالمنافقين في عهد رسول الله ﷺ . وهذا النفاق يوجب لصاحبه الخلود في النار، بل هو في الدرك
стр. 311
الأسفل منها، وهو أعظم كفرا من صاحب الكفر الواضح المستبين١.
قال الله تعالى مبينًا مصير المنافقين, وعقوبتهم في الآخرة:
﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] .
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] .
وليس من غرضنا هنا أن نقف طويلا عند ظهور حركة النفاق في المدينة في عهد النبي ﷺ دون مكة المكرمة، والأسباب التي أدت إلى ذلك، ولا بيان المواقف الكيدية والمؤامرات التي قام المنافقون بها، وحسبنا فقط الإشارة إلى أن خطورتهم قد بلغت غايتها، وأنها أشد من خطورة الكافرين الواضحين الذين أفصحوا عن عداوتهم وكفرهم وجاهروا بذلك؛ ولذلك جاءت الآيات القرآنية الكريمة ترسم صورة واضحة لهم من خلال صفاتهم ومواقفهم، وما تكاد سورة مدنية تخلو من الإشارة إليهم والحديث عنهم٢.
وفي زمننا هذا خلق كثير من الناس، يقتفون أثر المنافقين -الذين عرفهم العهد النبوي, وكان على رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول- فهم على نهجهم في
стр. 312
سلوكهم وأقوالهم وعقائدهم. ومن أبرز هذه النماذج المعاصرة: الباطنيون الذين يبطنون شيئا ويظهرون شيئا آخر ... وأتباع الأحزاب والمنظمات الجاهلية التي تنادي بتحكيم غير شريعة الله؛ كالشيوعية والرأسمالية، والقومية والعلمانية ... والملأ من أعوان الطواغيت الذين هم من كبار المسئولين والمستشارين والمساعدين، فلا قيمة للطاغوت لولا الملأ، فبهم يستبدّ ويبطش، وبهم يفرض على المسلمين غير شريعة الله، وبهم يوالي أعداء الله ويبيح المحرمات، وبهم يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف١ ...
وإذا كان الأمر بهذه الخطورة، فهل نستطيع اليوم أن نحكم على إنسان بعينه بهذا النفاق؟
يقول الإمام الخطابي ﵀:
"كان رسول الله لا يواجه المنافقين بصريح القول، ولا يسميهم بأسمائهم، فيقول: فلان منافق، وإنما يشير إليهم بالأمارة المعلومة على سبيل التورية عن التصريح. وكان حذيفة بن اليمان يقول: إن النفاق إنما كان على عهد رسول الله ﷺ وما كان بعد زمانه كفر ... أو يقول: ولكنه الكفر بعد الإيمان٢.
ومعنى هذا القول: أن المنافقين في زمان رسول الله ﷺ لم يكونوا قد أسلموا، إنما كانوا يظهرون الإسلام رياء ونفاقا، ويسرون الكفر عقدا وضميرا. فأما اليوم وقد شاع الإسلام واستفاض، وتوالد الناس عليه، فتوارثوه قرنا بعد قرن, فمن نافق منهم بأن يظهر الإسلام ويبطن خلافه فهو مرتدّ؛ لأن نفاقه كفر أحدثه بعد قبول الدين، وإنما كان المنافق في زمان رسول الله ﷺ مقيما على كفره
стр. 313
الأول، فلم يتشابها"١.
وإنما اختلف الحكم؛ لأن النبي ﷺ كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الإسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده فمن أظهر شيئا فإنه يؤاخذ به, ولا يترك لمصلحة التألف لعدم الاحتياج إلى ذلك٢.
٢- النفاق الأصغر، أو النفاق العملي: وهو ترك المحافظة على أمور الدين سرا، ومراعاتها علنا، فيشبه في هذا النفاق الأكبر، إذ فيه مخالفة القول للواقع ولكنه ليس في الاعتقاد؛ ولذلك لا يتنافى مع أصل التوحيد والإيمان ولا يخرج صاحبه عن الدين، وإن كان يستحق الوعيد كسائر المعاصي.
وقد نبه النبي ﷺ على هذا النوع في أحاديث كثيرة، كقوله ﵊:
"آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" ٣.
"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" ٤.
فهذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، ولكنه ليس على كفرهم أو اعتقادهم، بل على عملهم، فهو
стр. 314
نفاق عمل؛ لأن نفاق التكذيب إنما كان على عهد رسول الله ﷺ وبعد عهده إنما هو كفر أو إيمان١.
وقد يجتمع نفاق العمل مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمُل، فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ فإن الإيمان ينهى المؤمن عن تلك الصفات التي سبقت، فإذا كملت في العبد، ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقا خالصا٢.
النسبة بين الشرك والكفر:
وبعد أن بيّنّا معنى الشرك والكفر والنفاق، يمكن أن نحدد العلاقة أو النسبة بين هذه الألفاظ الثلاثة عند استعمالها جميعها في سياق واحد، وعند انفراد كل منها عن الآخر:
يطلق الله تعالى على المشركين اسم الكفر ويصفهم به، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] .
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] .
стр. 315
﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] .
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥١] .
كما يطلق على الكفار من أهل الكتاب وغيرهم اسم الشرك ويصفهم به، كما في قوله تعالى:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] .
﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١، ٣٢] .
فالذين فرقوا دينهم هم اليهود والنصارى الكفار١.
وقد تواتر النقل عن النبي ﷺ أنه كان يسمي كل من كان كافرا بـ "المشرك"، وقد كان في الكفار من لا يُثبت إلها أصلا، أو كان شاكا في وجود. وكان فيهم -عند البعثة- من ينكر البعث والقيامة، وكان فيهم عابدو الأوثان. وعابدو الأوثان لم يكونوا يقولون في أوثانهم: إنهم شركاء لله في الخلق والتدبير -كما سبق في أكثر من موضع- وبذلك يثبت وقوع اسم الشرك على الكافر
стр. 316
من جهة الإطلاق الشرعي، فوجب اندراج كل كافر تحت اسم المشرك١.
وقد تقدم في الاستعمال اللغوي -كذلك- أن كل كافر هو في الحقيقة مشرك، واليهود والنصارى يندرجون تحت اسم "المشركين"؛ لأنهم أشركوا فقالوا: عيسى ابن الله. ولذلك روي عن ابن عمر ﵄ أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية، وقال: أي شرك أعظم ممن يقول: عيسى هو الله أو ولد الله؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا٢.
وباستقراء استعمالات الكلمات الثلاث: "الكفر والشرك والنفاق" في القرآن الكريم اسما أو وصفا، نجد أن كل لفظ منها قد يرد مفردا مستقلا في السياق، وقد يرد مقترنا بالآخر. وهنا نجد أن هذه الألفاظ إذا اجتمعت في سياق واحد دل كل منها على معنى غير ما يدل عليه الآخر، وإذا انفردت دخل في كل لفظ معنى اللفظ الآخر.
فلفظ الكفر: إذا ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] .
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] .
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] .
стр. 317
فهذه النصوص كلها وأمثالها يدخل فيها المنافقون الذين هم في الباطن كفار، ليس معهم من الإيمان شيء، كما يدخل فيها الكفار المظهرون للكفر، بل المنافقون في الدرك الأسفل من النار، كما أخبر الله تعالى في كتابه الكريم١.
ويدخل فيه أيضا المشركون، الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى، كالوثنيين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
فقد نهى عن التمسك بعصمة الكافرة، ولم يكونوا متزوجين حينئذ إلا بمشركة وثنية.
ولفظ المشرك، يذكر مفردا كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] .
والأكثر من العلماء يذهبون إلى أن الشرك يتناول الكفار من أهل الكتاب أيضا، فكل من جحد رسالته ﷺ فهو مشرك.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
فقد دلت الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله تعالى -في الجملة- فلو كان كفر اليهود والنصارى ليس بشرك، لوجب أن يغفر الله تعالى لهم -في الجملة- وذلك باطل٢.
وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
стр. 318
وأكثر الفقهاء يحملونه على الكفار جميعا١.
ثم قد يقرن لفظ الكفر بالنفاق في مواضع كثيرة في القرآن الكريم, كما في أول سورة البقرة، حيث ذكر الله تعالى آيتين في صفات الكافرين وبضع عشرة آية في صفات المنافقين "الآيات: ٦-٢٠".
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] .
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] ، [التحريم: ٩] .
ويقرن الكفر والشرك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] .
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] .
ويقرن لفظ المشركين أيضا بأهل الكتاب فقط، كما في الآيتين السابقتين ونحوهما من الآيات الكريمة.
وقد يقرن بالملل الخمس٢، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ
стр. 319
هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] .
وعندئذ ينصرف لفظ المشرك إلى من ليس له كتاب من المجوس والوثنيين من العرب، ولفظ أهل الكتاب إلى اليهود والنصارى، وهكذا يجتمع الكل في وصف الكفر ثم يخصّهم التقسيم بأسماء معينة لكل منهم١.
والخلاصة فيما سبق: أن هذه الألفاظ إذا جاءت مفردة, يدخل في كل لفظ منها معنى اللفظ الآخر، وإذا جاءت في سياق واحد يختص كلٌّ منها بمعناه.
ولذلك وضع بعض العلماء تقسيما للكفر, يشمل الأصناف التالية:
إن الكافر إن أظهر الإيمان فهو المنافق.
وإن أظهر كفره بعد الإيمان فهو المرتد.
وإن قال بالشريك في الألوهية فهو المشرك.
وإن تدين ببعض الأديان والكتب المنسوخة فهو الكتابي.
وإن ذهب إلى قِدَم الدهر وإسناد الحوادث إليه فهو الدهري.
وإن كان لا يثبت وجود الباري سبحانه فهو المعطِّل أو الملحد.
وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي ﷺ ينطق بعقائد هي كفر بالاتفاق فهو زنديق٢.
стр. 320
عقيدة الولاء والبراء
مدخل
...
عقيدة الولاء والبراء:
تمهيد:
يعقد الإسلام آصرة الأُخوَّة الإيمانية بين أفراده الذين يؤمنون به ويلتقون عليه، فيجعل منهم أمة واحدة، تلتقي على العقيدة والإيمان، دون التفات إلى الجنس الذي ينحدرون منه، أو البلد الذي ينتسبون إليه، أو الزمن الذي يعيشون فيه، أو المصالح المادية التي قد يلتقي عليها بعض الناس، فقال الله تعالى:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] .
وقرر النبي ﷺ هذا الأصل الكبير في أول ميثاق لدولة الإسلام في المدينة بعد الهجرة، وجعله واقعا عمليا بين "المؤمنين والمسلمين ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.. أنهم أمة واحدة دون الناس، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم، وأن ذمة المؤمنين واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس"١.
وما ذاك إلا لأنهم جميعا إخوة متحابون ينضوون تحت راية التوحيد "لا إله إلا الله" التي تظلّهم جميعا فتجعلهم أمة واحدة، تتمسك بأوثق عرا الإيمان، وهو الحب في الله والبغض في الله.
ومن مقتضيات هذا التوحيد والإخاء: عقد الولاء بين المؤمنين والبراء من الكفار والمشركين١. إذ لا يتم الولاء للمؤمنين إلا بالبراءة من المشركين، فهما متلازمان.