الماتريدي توفي سنة "٣٣٢هـ", والأشعري توفي سنة "٣٣٣" أو سنة "٣٣٤"١.
وينقل العلماء آراء أبي حنيفة واعتقاده من هذا الكتاب, كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية٢. وللفقه الأكبر روايات أخرى غير رواية أبي مطيع هذه، منها رواية حماد بن أبي حنيفة، وهي التي شرحها الملا علي القاري الهروي المكي "١٠١٤هـ" في كتابه "منح الروض الأزهر شرح الفقه الأكبر"٣, وهو مطبوع متداول. وكان قد شرحه آخرون قبله كالبزدوي "٤٨٢هـ", وأكمل الدين البابرتي "٧٨٦هـ"، وأبي المنتهي المغنيساوي "القرن العاشر", وغيرهم كثير٤.
وهذه الرواية تختلف عن رواية أبي مطيع، فهي أوسع مادة وأكثر مسائل، تبدأ بالكلام على "أصل التوحيد وما يصحّ الاعتقاد عليه؛ يجب أن يقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والقدر خيره وشره من الله تعالى، والحساب والميزان, والجنة والنار".
ثم يتحدث عن الأسماء والصفات, ويقول: "فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته".
стр. 72
ويرد هنا على القدرية والمعتزلة الذين يؤولون هذه الصفات بالقدرة أو النعمة؛ "لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدرة والاعتزال. ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف" ... إلخ.
ثم يعرض لمسائل: الفطرة والميثاق المأخوذ على بني آدم, وأفعال العباد، والطاعات والمعاصي، وعصمة الأنبياء، ومكانة الصحابة, ويذكر شعائر أهل السنة المخالفة للمبتدعة..
ويعقب ذلك بالكلام على الثواب والعقاب وآيات الأنبياء وكرامات الأولياء, ورؤية المؤمنين ربهم في الجنة, ويبين معنى الإيمان ووجهة نظره في زيادته من جهة اليقين والتصديق وعدم زيادته من جهة المؤمن به, ثم هل الإيمان والإسلام مترادفان أم متغايران؟ وما يتصل به من مباحث ومسائل.
ثم الكلام على الشفاعة، ووزن الأعمال يوم القيامة.. وسائر السمعيات.. ويختم بالكلام على أبناء النبي ﷺ وبناته وبعض علامات الساعة. ولعل بعض هذه المسائل التي لم تكن ظاهرة بين العلماء في عهدهم -كالكرامة وما يتعلق بها- جعلت بعض الباحثين يشككون في نسبة الكتاب إليه، وقد ينضم إلى ذلك أن بعض المسائل وردت في هذه الرواية, ولم ترد في الرواية السابقة عن أبي مطيع البلخي التي تقدمت.
ولكن شهرة الكتاب بين أصحابه قد تغني عن الإسناد، رغم أنه منقول بالإسناد، ولا عجب في اختلاف الروايات، فإننا نجد هذا في كتب كثيرة صحيحة النسبة لأصحابها١, كما أن ما جاء فيه من آراء يتفق مع ما هو مشهور عن أبي
стр. 73
حنيفة ﵀، وما هو في الكتب التي صحت نسبتها إليه١، وإن كان هذا لا ينفي أن تكون بعض المسائل ألحقت في الكتاب على يد بعض الشراح، أو هي في أصلها من كلام الشارحين لم تتميز عن كلام الإمام، والله أعلم.
٢- وينسب كذلك للإمام الشافعي، محمد بن إدريس، ﵀، "٢٠٤هـ" كتاب باسم "الفقه الأكبر" يقول عنه حاجي خليفة في "كشف الظنون" "٢/ ١٢٨٧": "وهو جيد جدا، مشتمل على فصول، قرأه بعض أهل حلب على الشيخ زين الدين الشماع، لكن في نسبته إلى الشافعي شك، والظن الغالب أنه من تأليف بعض أكابر العلماء".
ويرجح بروكلمان "٢/ ٢٩٨" أنه يرجع إلى أوساط إسرائيلية، متأسيا في ذلك بالمستشرق اليهودي جولدزيهر الذي يرجع كل أثر إسلامي إلى أصول إسرائيلية!
وقد طبع الكتاب في القاهرة سنة "١٩٠٠م" وتقع مخطوطته في ثلاث وعشرين صفحة٢، أوله بعد الحمد: "هذا كتاب ذكرنا فيه ظواهر المسائل في أصول الدين التي لا بد للمكلف من معرفتها والوقوف عليها، وسميناه "الفقه الأكبر"، وأعرضنا عن بسط الأدلة؛ قصدا للتقريب على المبتدئ. وبالله التوفيق".
ثم عرض لمسائل العقيدة مسألة مسألة؛ فبدأ بما يجب على المكلف معرفته، وما يدخل في التكليف، ومعرفة الله تعالى, ووجوب النظر والاستدلال، ثم تحدث عن الصفات، وما يجوز على الله تعالى، وبحث في القرآن الكريم وأنه كلام الله قديم
стр. 74
أزلي، ثم رؤية الله تعالى وكذلك يبحث في المشيئة ومسألة أفعال العباد وكسبهم والاستطاعة.
ثم يعرض لقدرة الله تعالى على البعث، وتنزهه عن الظلم في مسائل عديدة تتصل بذلك, ويعرض للخلاف في مسألة الآجال والرزق.
وبعد ذلك يتحدث عن المعجزة التي يؤيد الله بها المرسلين، وأنها لا تظهر على أيدي الكاذبين، وأنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، ويبحث في دلائل نبوة نبينا محمد ﷺ وإعجاز القرآن الكريم.
ويقف وقفة أطول في بحث الإيمان وحقيقته، وأنه أصل وفرع، مبينا أن زيادته ونقصانه إنما يكونان في فرع الإيمان لا في أصله؛ لأن النقصان في أصله كفر, فلا يمكن فيه الزيادة١.
ثم يلي ذلك حديثه عن فُسّاق المؤمنين إذا ما ماتوا قبل التوبة وأنهم تحت المشيئة, وأن الذنوب كلها معاصٍ تستحق العقاب, وتختلف مقاديرها باختلاف الذنوب.
ويتحدث عن الشفاعة والجنة والنار وأنهما مخلوقتان وأن نعيم الجنة لا يزول، ويدخل في هذا: الحديث عن نعيم القبر وعذابه، والميزان والصراط، والحوض.
ويختم الكتاب بالحث على التمسك بالإجماع والجماعة ويحذر من الفرقة والخلاف، ويبين مسألة الإمامة وأن الإمام الحق بعد الرسول ﷺ هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين.
ويشير إلى شروط الإمامة ومكانة الصحابة ﵃ أجمعين. وذلك كله بعبارة ناصعة قوية واضحة، تجد فيها، في مواضع كثيرة، روح الإمام الشافعي وأسلوبه، وفي بعضها تقف لتشك في أن هذا من كلام الإمام؛ لأنه يستعمل ألفاظا أو مصطلحات إنما نشأت متأخرة بعد عصر الشافعي رحمه الله١.
ولا تكاد تخلو مسألة من استدلال بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف أو من دليل عقلي، وغالبا ما تكون إشارات موجزة تنبئ عما يريد.
وفي أثناء الكتاب ردود ومناقشات لآراء الفرق المخالفة لأهل السنة فيما ذكره من مسائل, فيرد على الخوارج والمعتزلة والكرامية.
وبعد؛ فلعلي أطلت قليلا، وخرجت عما كنت أريده من الإشارة إلى أن أول مصطلح استعمله العلماء في باب الاعتقاد هو "الفقه الأكبر", فلننظر الآن في عنوان أو مصطلح آخر.
стр. 75
٢- الإيمان:
تعريف الإيمان في اللغة:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة: "١/ ١٣٣-١٣٥":
"أمن؛ بالهمزة والميم والنون, أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة، التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب؛ والآخر التصديق, والمعنيان متدانيان..".
وبعد شرح الأصل الأول قال: وأما التصديق فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: مصدق لنا، وقال بعض أهل العلم: إن "المؤمن"
стр. 76
في صفات الله تعالى هو أن يصدُق ما وعد عبده من الثواب. وقال آخرون: هو مؤمن لأوليائه يؤمنهم عذابه ولا يظلمهم, فهذا قد عاد إلى المعنى الأول.
وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" "١٥/ ٥١٠":
"وأما الإيمان: فهو مصدر آمن إيمانا، فهو مؤمن. واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق. قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ".
ثم قال: "وهذا موضع يحتاج الناس إلى تفهيمه، وأين ينفصل المؤمن من المسلم؟ وأين يستويان؟
والإسلام: إظهار الخضوع والقبول لما أتى به النبي ﷺ ، وبه يحقن الدم. فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب, فذلك الإيمان الذي يقال للموصوف به: هو مؤمن مسلم، وهو المؤمن بالله ورسوله غير مرتاب ولا شاك، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه، وأن الجهاد بنفسه وماله واجب عليه، لا يدخله في ذلك ريب، فهو المؤمن وهو المسلم حقا، كما قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] ؛ أي: أولئك الذين قالوا: إنا مؤمنون، فهم الصادقون. فأما من أظهر قبول الشريعة واستسلم لدفع المكروه؛ فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدق، فذلك الذي يقول: أسلمت؛ لأن الإيمان لا بد أن يكون صاحبه صديقا؛ لأن قولك: آمنت بالله، أو قولك: آمنت بكذا وكذا، فمعناه: صدّقت، فاخرج الله هؤلاء من الإيمان فقال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: لم تصدقوا، إنما أسلمتم تعوذا من القتل؛ فالمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يظهر، والمسلم التامّ الإسلام مظهر للطاعة مؤمن بها، والمسلم الذي
стр. 77
أظهر الإسلام تعوذا غير مؤمن في الحقيقة, إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين. وقال تعالى حكاية عن إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ، لم يختلف أهل التفسير أن معناه: ما أنت بمصدق لنا.
والأصل في الإيمان: الدخول في صدق الأمانة التي ائتمنه الله عليها، فإذا اعتقد التصديق بقلبه كما صدّق بلسانه فقد أدى الأمانة، وهو مؤمن. ومن لم يعتقد التصديق بقلبه فهو غير مؤدٍّ للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وهو منافق".
والإيمان في لغة العرب يستعمل لازما ومتعديا؛ فإذا استعمل لازما كان معناه أنه صار ذا أمن. وإذا استعمل متعديا، فتارة يتعدى بنفسه فيكون معناه التأمين، أي: إعطاء الأمان، تقول: آمنت فلانا إيمانا، وأمنته تأمينا، بمعنى واحد. قال تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] ومنه اسمه تعالى: "المؤمن"؛ لأنه أمن عباده من أن يظلمهم، أو جعل لهم الأمن.
وتارة يتعدى بالباء أو اللام، فيكون معناه التصديق١، كقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] ، ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] .
стр. 78
تعريف الإيمان في الاصطلاح الشرعي:
وفي الاصطلاح الشرعي كثيرا ما ترد كلمة الإيمان ويراد بها المعنى اللغوي نفسه، فتطلق على مطلق التصديق، سواء كان تصديقا بحق أو باطل. وكثيرا ما يراد بها معنى أخص صار في العرف الشرعي حقيقة جديدة، فيراد بها خصوص التصديق بخبر السماء المنزل على الأنبياء.
وضابط ذلك: أن ننظر في استعمالها، فإن كانت متعلقة بشيء بأن قيل: إيمان بكذا؛ كانت بمعناها اللغوي البحت، أي: مطلق التصديق١، وأما إذا ذكرت بدون متعلق فالمراد بها تلك الحقيقة الشرعية الخاصة، وهي التصديق بالحق والانقياد إليه.
وعندئذ, فالإيمان عبارة عن ثلاثة أشياء ٢:
الأول: هو الجزء الذي لا غنى عنه بحال -وإذا عدم عدمت حقيقة الإيمان- وهو "الاعتقاد" أي: العلم الجازم بكل ما ثبت بالضرورة أنه جاء من عند الله تعالى على لسان رسوله، ولا بد من اليقين الجازم من الرضا والارتياح النفسي لهذه العقيدة. فإذا تحقق هذا الجزء الأول فقد وجد أساس الإيمان.
الثاني: إعلان هذه العقيدة بالقول أو غيره من كل ما يدل عليها دلالة ظاهرة. وهذا الاعتراف الظاهري يعد ترجمة عن العقيدة يدل دلالة ظنية عليها.
والثالث: العمل بكل ما أمر الله به من فريضة أو نافلة، والانتهاء عما نهى الله عنه من حرام وشبهة صغيرة وكبيرة, في سره وعلانيته، بقلبه وجوارحه٣.
هذا، وكلمة "الإيمان" ومشتقاتها، من أكثر الكلمات استعمالا في القرآن الكريم والسنة النبوية، وفيهما نجد حديثا مستفيضا عن الإيمان بالله وما يتفرع عنه وعن الإيمان بالبعث والجزاء والحساب ... بأسلوب حي مؤثر يملك على الإنسان جوانب نفسه، ويحمله على الطاعة والالتزام، فيكون لهذا الإيمان أثره في نفس الفرد وفي استقامة سلوكه، وفي الجماعة ونظام حياتها. وهذا يختلف عن أسلوب المتأخرين لما بحثوا في الإيمان، وشغلوا أنفسهم بمباحث جدلية كثيرة حول حقيقة الإيمان وأجزائه, وحول ارتكاب الكبيرة وحكم مرتكبها ... وهل يكفي التصديق أو العلم والمعرفة.. إلخ.
стр. 79
المؤلفات في الإيمان:
وتحت هذا العنوان "الإيمان", بحث علماؤنا ﵏ جوانب من العقيدة الإسلامية، كما نجد ذلك في أبواب الإيمان من كتب الحديث والسنة، وكما نجده أيضا في بعض كتب التفسير، وخصص بعضهم كتبا مفردة للإيمان، نذكر أهم ما وصل إلينا منها حسب الترتيب التاريخي لوفاة مؤلفيها:
١- "كتاب الإيمان, ومعالمه وسننه واستكمال درجاته" للإمام أبي عبيد، القاسم بن سلَّام البغدادي الهروي "٢٢٤هـ".
٢- "كتاب الإيمان" للحافظ أبي بكر، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي "٢٢٥ أو ٢٣٥هـ", وطبع كلا الكتابين بتحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني.
٣- "كتاب الإيمان" للإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني "٢٤١هـ" وهو غير كتاب "السنة" الذي سيأتي في فقرة تالية. وحُقق رسالة علمية في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
٤- "الإيمان" تأليف محمد بن أسلم الطوسي "٢٤٢هـ", وهو في حكم المفقود.
٥- "كتاب الإيمان" للحافظ أبي عبد الله، محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي العَدَني "٢٤٣هـ" تحقيق حمد بن حمدي الجابري.
٦- وللإمام أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، صاحب العقيدة الطحاوية، "٣٢١هـ" كذلك كتاب في "الإيمان".
٧- "كتاب الإيمان" للحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده "ت: ٣٩٥هـ" حققه الدكتور علي بن محمد ناصر الفقيهي، وطبع في ثلاثة أجزاء.
٨- "كتاب الإيمان" للقاضي أبي يعلى، محمد بن الحسن الفرّاء الحنبلي "٤٥٨هـ".
٩- ولشيخ الإسلام ابن تيمية "٧٢٨هـ" كتابان في الإيمان: "الإيمان الأوسط"، و"الإيمان الكبير", وطبع كلا الكتابين ضمن مجموعة الفتاوى، وطبع الإيمان الكبير طبعة مستقلة بالمكتب الإسلامي مع تخريج موجز للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
ومنهج هؤلاء في كتبهم هذه يتلخص في إيراد النصوص على مذهب أهل السلف تحت عناوين دالة على المعنى، وقد يتميز بعضها بالرد على المخالفين ومناقشتهم، وتوجيه الأدلة التي يسوقونها، ويتميز بعضها بحسن الترتيب والتبويب وجمع المسائل تحت أصول عامة كما نجد في كتاب أبي عبيد مثلا، وكتاب ابن منده. ويتميز كتاب ابن تيمية ﵀ ببسط الأدلة وإيراد المذهب المخالف مع أدلته ثم نقضها بصحيح المنقول, وصريح المعقول١.
وفي العصر الحديث وجدنا كتبا كثيرة تحت عنوان "الإيمان"؛ لبيان حقيقته وأركانه ومسائله وأثره في الحياة، أو لدراسة جوانب معينة من العقيدة تحت هذا العنوان.
стр. 80
٣- السنة:
تعريف السنة في اللغة:
قال ابن فارس: "سن: السين والنون، أصل واحد مطَّرد، وهو جريان الشيء واطّراده في سهولة. والأصل قولهم: سننت الماء على وجهي أسنّه سنًّا، إذا أرسلته إرسالا ... ومما اشتق منه: السنة، وهي السيرة. وسنة رسول الله ﷺ : سيرته التي كان يتحراها. قال الهذلي:
فلا تجزعَنْ من سيرة أنت سرتها ... فأول راضٍ سنة من يسيرها ... ١
فالسنة في اللغة: هي الطريقة المسلوكة محمودة كانت أو مذمومة، ومنه قوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ٢.
والسنة أيضا: هي العادة قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ﴾ [الإسراء: ٧٧] ، أي: هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوْهم بخروج الرسول من بين أظهرهم؛ يأتيهم العذاب٣.
стр. 81
تعريف السنة في الاصطلاح الشرعي:
وفي الشرع تطلق على معانٍ:
١- منها: الشريعة، وبهذا المعنى جاء قولهم: الأوْلى بالإمامة الأعلم بالسنة, أي: بأحكام الشرع.
٢- ومنها: الطريقة المسلوكة في الدين، فتنتظم المستحب والمباح، بل الواجب والفرض أيضا.
٣- وعرفا -عند الفقهاء- تقيد بأنها الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب. والمراد بـ "الطريقة المسلوكة في الدين": ما سلكها رسول الله ﷺ وغيره ممن هم عَلَم في الدين، كأصحابه ﵃ لقوله ﵊:
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، فتمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ" ١.
стр. 82
ولذلك يطلق لفظ السنة أيضا على ما عمل عليه الصحابة -سواء عثرنا عليه, أو لم نعثر عليه فيها- لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم.
٤- وتطلق السنة عند علماء أصول الفقه: على ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
فهي هنا مصدر من مصادر التشريع كالقرآن الكريم.
٥- وعلماء الحديث يريدون بالسنة: ما نقل عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقيه أو سيرة مطلقا. وهي بهذا مرادفة لمعنى الحديث.
٦- كما تطلق السنة أيضا على ما يقابل البدعة، كقولهم: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا، وفلان على سنة, أي: موافق للتنزيل والأثر في الفعل والقول، وفلان على بدعة: إذا عمل على خلاف ذلك.
وهاتان الكلمتان "السنة والبدعة" تستعملان دائما كلمتين متضادتين -كما رأيت- لأن السنة هي الطريق الذي كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه -رضوان الله عليهم-
والبدعة هي ترك ذلك الطريق والانحراف عنه، وسلوك طريق آخر مخترع. فلهذا كانت السنة هداية، والبدعة ضلالة١.
стр. 83
ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن السنة تقتضي المواظبة، وهي أعم من الحديث؛ لأنها تتناول الفعل والقول والتقرير، والحديث لا يتناول إلا القول، فكان هذا فارق ما بينهما١.
ومن هذه الإطلاقات لكلمة "السنة" يظهر أنها تطلق بمعنى شرعي عام يشمل ما كان عليه الرسول ﷺ وخلفاؤه الراشدون، من الاعتقادات والأعمال والأقوال, وهذه هي السنة الكاملة. ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون السنة إلا على ما يشمل ذلك كله٢.
السنة بمعنى الاعتقاد:
ثم إن كثيرا من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد فحسب؛
стр. 84
لأنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم١.
وعلى هذا المعنى الخاص جاء استعمال علماء السلف لكلمة "السنة" عنوانا على جانب العقيدة وأصول الدين فيما كتبوه بيانا للعقيدة الإسلامية ابتداء أو ردا على الفرق المخالفة؛ ليميزوا بين عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل البدعة٢، وهو ما نرمي إليه في هذه الفقرة من البحث.
وقد شرح ابن أبي عاصم ﵀ هذا المعنى للسنة, وذكر أهم مباحثها فقال:
"السنة: اسم جامع لمعانٍ كثيرة في الأحكام وغير ذلك. ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة: القول بإثبات القدر، وأن الاستطاعة مع الفعل للفعل، والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وكل طاعة من مطيع فبتوفيق الله له، وكل معصية من عاصٍ فبخذلان الله السابق منه وله، والسعيد من سبقت له السعادة، والشقي من سبقت له الشقاوة، والأشياء غير خارجة من مشيئة الله وإرادته، وأفعال العباد من الخير والشر فعل لهم خلق لخالقهم، والقرآن كلام الله ﵎، تكلم الله به، ليس بمخلوق، ومن قال: مخلوق -ممن قامت عليه الحجة- فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وإثبات رؤية الله ، يراه أولياؤه في الآخرة عيانا، كما جاءت الأخبار.
وأبو بكر الصديق أفضل أصحاب رسول الله ﷺ بعده، وهو الخليفة خلافة
стр. 85
النبوة، بُويع يوم بُويع وهو أفضلهم وهو أحقهم بها، ثم عمر بن الخطاب بعده على مثل ذلك، ثم عثمان بن عفان بعده على مثل ذلك, ثم علي بعدهم على مثل ذلك رحمة الله عليهم جميعا ...
ومما قد ينسب إلى السنة -وذلك عندي إيمان- نحو: عذاب القبر، ومنكر ونكير، والشفاعة، والحوض، والميزان، وحب أصحاب رسول الله ﷺ ومعرفة فضائلهم وترك سبهم والطعن عليهم، وولايتهم والصلاة على من مات من أهل التوحيد، والترحم على من أصاب ذنبا والرجاء للمذنبين، وترك الوعيد ورد العباد إلى مشيئة الله، والخروج من النار، يخرج الله من يشاء منها برحمته، والصلاة خلف كل أمير جائر، والصلاة في جماعة، والغزو مع كل أمير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون"١.
стр. 86
اصطلاح السنة:
"وقد ساد هذا الاصطلاح في القرن الثالث الهجري في عصر الإمام أحمد بن حنبل حين ظهرت الفرق وراجت عقائد المعتزلة والرافضة والصوفية وأهل الكلام. فأخذ أئمة الإسلام -حينذاك- يطلقون على أصول الدين ومسائل العقيدة: "السنة"؛ تمييزا لها عن مقولات الفرق..
وهذا -أي: وصف العقيدة وأصول الدين بـ "السنة"- وإن كان معروفا في عصر الصحابة إلا أنه لم يكن مشهورا، إنما يدل عليه مثل قول عمر: "من ترك السنة كفر" فإن التكفير من الصحابة لا يكون إلا في أمر عظيم كأصول الدين وأمور الاعتقاد، كما يدل عليه قول علي ﵁: "الهوى عند من خالف السنة حق, وإن ضربت فيه عنقه" فإن مثل هذا الحكم إنما يتأتى في أصحاب العقائد والأهواء والفرق الضالة"١.
يقول الشيخ ابن تيمية ﵀:
وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة، مثل حماد بن سلمة "ت ١٦٧هـ"، وعبد الرحمن بن مهدي "١٩٨هـ"، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي "٢٥٥هـ"، وعثمان بن سعيد الدارمي "٢٨٠هـ"، وغيرهم في طبقتهم.
ومثلها ما بوّب عليه البخاري "٢٥٦هـ"، وأبو داود "٢٧٥هـ"، والنسائي "٣٠٣هـ"، وابن ماجه "٢٧٠هـ" وغيرهم في كتبهم، ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم "٢٦١هـ"، وعبد الله بن أحمد "٢٩٠هـ" وأبي بكر الخلال "٣١٠هـ"، وأبي القاسم الطبراني "٣٦٠هـ", وأبي الشيخ الأصفهاني "٣٦٩هـ".. ثم ذكر سائر أهل العلم الذين صنفوا في السنة مما سنذكره٢.
стр. 87
مؤلفات في الاعتقاد تحت اسم السنة:
وأما المصنفات في الاعتقاد تحت اسم "السنة" فهذا ما سنذكره فيما يلي مرتبا حسب تاريخ وفاة المؤلف:
١- "السنة" لابن أبي شيبة، أبي بكر، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي "٢٣٥ههـ" وبعضهم يجعل وفاته سنة "٢٢٥هـ".
٢- "كتاب السنة" للإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، إمام أهل السنة والجماعة "٢٤١هـ".
٣- "كتاب السنة" للأثرم، أبي بكر، أحمد بن محمد بن هانئ البغدادي، تلميذ الإمام أحمد "٢٧٣هـ".
٤- "السنة" لأبي علي, حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال, تلميذ الإمام أحمد بن حنبل "٢٧٣هـ".
٥- "السنة" لأبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، صاحب "السنن" "٢٧٥هـ".
٦- "كتاب السنة" لابن أبي عاصم، وهو الحافظ أبو بكر عمرو بن حزم بن أبي عاصم، الضحاك بن مخلد الشيباني "٢٨٧هـ".
٧- "كتاب السنة" لأبي عبد الرحمن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل "٢٩٠هـ".
٨- "كتاب السنة" لأبي بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي "٢٩٢هـ".
٩- "كتاب السنة" لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال "٣١١هـ".
١٠- "بيان السنة والجماعة" المعروف بعقيدة الطحاوي، للإمام أبي جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي "٣٢١هـ".
١١- "كتاب السنة" للعسال، أبي أحمد، محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصفهاني العسال "٣٤٩هـ".
стр. 88
١٢- "السنة" لأبي القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب اللَّخْمي الطبراني "٣٦٠هـ".
١٣- "كتاب السنة" لأبي الشيخ الأصبهاني الحَيَّاني "٣٦٩هـ".
١٤- "كتاب السنة" لأبي جعفر، عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي, المعروف بابن شاهين "٣٨٥هـ".
١٥- "كتاب السنة" لمحمد بن نصر المروزي "٣٩٤هـ".
١٦- "السنة" لأبي عبد الله، محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني "٣٩٥ أو ٣٩٦هـ".
١٧- "كتاب السنن" أو "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" لأبي القاسم هبة الله بن حسن الرازي اللالكائي "٤١٨هـ".
١٨- "كتاب السنة" لأبي ذر، عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي "٤٣٤هـ"١.
١٩- "الرسالة في السنة" لأبي عثمان الصابوني "٤٤٩هـ", سماها بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في "نقض التأسيس": "١/ ٥٢٩".
وهذه المصنفات أُلِّفت للحض على اتباع السنة والعمل بها وترك ما حدث بعد
стр. 89
الصدر الأول من البدع والضلالة والأهواء١.
ولو أخذنا بعض ما وصلنا من هذه المؤلفات في "السنة" -ولنمثل بثلاثة منها، للإمام أحمد بن حنبل، ولابنه عبد الله، وابن أبي عاصم، وكلها مطبوعة- لوجدنا قاسما مشتركا في المسائل والأبحاث التي تشكل الركيزة فيها وقد ينفرد كتاب منها ببعض المسائل دون الآخرى، أو يتوسع فيها ببسط الأدلة من الأحاديث والآثار, بينما يختصر الآخرون أو يذكرون المسائل دون الأدلة. وفي بعضها قد نجد جملة من المسائل التي لا يرقى البحث فيها إلى درجة مسائل الاعتقاد.
منهج المصنفين في السنة:
والمنهج الذي سلكه المصنفون في السنة يكاد يكون منهجا متشابها، يتلخص في أنه يترجم للباب، ثم يسوق جملة من الأحاديث والآثار التي تتناسب مع العنوان٢. وقد يروي هذه الأحاديث من طرق متعددة، وقد يتكلم بعضهم على الروايات وينقدها، وغالبا ما نجد العناوين وفيها إشارة إلى الرد على
стр. 90
الفرق المخالفة، بل نجد ذلك صراحة أيضا. وأثناء الرد والمناقشة تتضح الفكرة التي عقد المصنف الباب من أجلها.
ولم يكن -فيما يبدو- من منهجهم أن يتحروا جمع الأحاديث الصحيحة في المسألة، وإنما يجمعون الروايات التي وصلت إليهم في المسألة؛ ولهذا وقع في بعض هذه المصنفات، أو في كثير منها، بعض الأحاديث الضعيفة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀:
وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسائر أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين, أحاديث كثيرة، تكون مكذوبة موضوعة على رسول الله ﷺ وهي قسمان:
منها: ما يكون كلاما باطلا لا يجوز أن يقال، فضلا عن أن يضاف إلى النبي ﷺ .
والقسم الثاني من الكلام: ما يكون قد قاله بعض السلف أو بعض الناس، ويكون حقا أو مما يسوغ فيه الاجتهاد, أو مذهبا لقائله، فيعزى إلى النبي ﷺ ، وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث، مثل المسائل التي وضعها الشيخ أبو الفرج، عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري "٤٨٦هـ", وجعلها محنة يفرق فيها بين السني والبدعي. وهي مسائل معروفة عملها بعض الكذابين وجعل لها إسنادا إلى النبي ﷺ وجعلها من كلامه. وهذا يعلم من له أدنى معرفة أنه مكذوب مفترى.
وهذه المسائل، وإن كان غالبها موافقا لأصول السنة، ففيها ما إذا خالفه الإنسان لم يحكم بأنه مبتدع، مثل: أول نعمة أنعمها الله على عبده. فإن هذه المسألة فيها نزاع بين أهل السنة. والنزاع فيها لفظي؛ لأن مبناها على أن اللذة التي يعقبها ألم؛ هل تسمى نعمة أم لا؟ وفيها أيضا أشياء مرجوحة.
стр. 91
فالواجب أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب؛ فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة. فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام, ولمن يدعي السنة خصوصا١.
стр. 92
٤- علم التوحيد:
تعريف التوحيد في اللغة:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٦/ ٩٠، ٩١":
"وحد: الواو والحاء والدال، أصل واحد يدل على الانفراد، من ذلك: الوحدة، وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله. قال الشاعر:
يا واحد العُرْب الذي ... ما في الأنام له نظير
ولقيت القوم مَوْحَدَ مَوْحَدَ, ولقيته وحده. ولا يضاف إلا في قولهم: نسيجُ وحدِهِ، وعُيَيْرُ وحدِهِ ... والواحد: المنفرد...."
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات" ص٥١٤، ٥١٥:
"الوحدة: الانفراد. والواحد في الحقيقة: هو الشيء الذي لا جزء له البتة. ثم يطلق على كل موجود، حتى إنه ما من عدد إلا ويصح أن يوصف به ...
فالواحد لفظ مشترك يستعمل على ستة أوجه:
الأول: ما كان واحدا في الجنس أو النوع، كقولنا: الإنسان والفرس واحد في الجنس، وزيد وعمرو واحد في النوع.
الثاني: ما كان واحدا بالاتصال إما من حيث الخلقة، كقولك: شخص واحد، وإما من حيث الصناعة، كقولك: حرفة واحدة.
الثالث: ما كان واحدا لعدم نظيره، كقولك: فلان واحد دهره، ونسيج وحده.
الرابع: ما كان واحدا لامتناع التجزؤ فيه، كالهباءة.
стр. 93
الخامس: للمبدأ، إما لمبدأ العدد، كقولك: واحد، اثنان، وإما لمبدأ الخط، كقولك: النقطة الواحدة, والوحدة فيها كلها عارضة.
وإذا وصف الله تعالى بـ "الواحد" فمعناه: هو الذي لا يصح عليه التجزؤ ولا التكثر. والواحد: المفرد، ويوصف به غير الله تعالى ... وأحد -مطلقا- لا يوصف به غير الله تعالى ... ".
وفي "لسان العرب" لابن منظور، "٣/ ٤٥٠، ٤٥١":
"قال ابن سيده: والله الأوحد والمتوحد وذو الوحدانية، ومن صفاته: الواحد الأحد. والفرق بينهما -كما قال أبو منصور الأزهري وغيره- أن "الأحد" بني لنفي ما يذكر معه من العدد, تقول: ما جاءني أحد. و"الواحد": اسم بني لمفتتح العدد، تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول: جاءني أحد؛ فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد منفرد بالمعنى ... ولا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى، فلا يقال: رجل أحد، كما يقال: رجل وَحَد، أي: فرد؛ لأن "أحدا" من صفات الله التي استخلصها لنفسه ولا يشركه فيها شيء ... ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله ".
والتوحيد في اللغة: الحكم بأن الشيء واحد، والعلم بأنه واحد١.
وقال قوام السنة الأصفهاني:
"التوحيد على وزن التفعيل، وهو مصدر وحّدتُه توحيدا، كما تقول: كلمته تكليما، وهذا النوع من الفعل يأتي متعديا إلا أحرفا جاءت لازمة، هي قولهم: روّض الروض، إذا تم حسنة ونضارته، ودوّم الطائر؛ إذا حلّق في الهواء، وصرح
стр. 94
الحق, أي: ظهر وانكشف، وبين الشيء بمعنى: تبين، وصوّح النبت: إذا هاج ويبس، وغلّس فلان: إذا جاء بغلس. ولهذا الفعل معنيان:
أحدهما: تكثير الفعل وتكريره, والمبالغة فيه كقولهم: كسّرت الإناء وغلّقت الأبواب وفتّحتها.
والوجه الثاني: وقوعه مرة واحدة كقوله: غدّيت فلانا، وعشيته، وكلمته.
ومعنى وحدته: جعلته١ منفردا عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته، والتشديد فيه للمبالغة، أي: بالغت في وصفه بذلك.
وقيل: الواو فيه مبدلة من الهمزة، والعرب تبدل الهمزة من الواو، وتبدل الواو من الهمزة، كقولهم: وشاح وأشاح، وتقول العرب: أحِّدْهن لي وآحِدْهن لي، أي: اجعلهن لي أحد عشر، ويقال: جاءوا أُحَادَ أُحَادَ أي: واحد واحدا، فعلى هذا: الواو في "التوحيد" أصلها الهمزة. قال الهذلي:
ليث الصريمة أُحْدَان الرجال له ... صيد، ومجتزئ بالليل هجّاس
وتقول العرب: واحد، وأحد، ووحد، ووحيد، أي: منفرد، فالله تعالى واحد، أي: منفرد عن الأنداد والأشكال في جميع الأحوال.
فقولهم: وحّدت الله, من باب عظمت الله، وكبرته، أي: علمته عظيما وكبيرا. فكذلك وحدته أي: علمته واحدا، منزها عن المثل في الذات والصفات.
قال بعض العلماء: التوحيد: نفي التشبيه عن الله الواحد، وقيل: التوحيد نفي التشبيه عن ذات الموحد وصفاته، وقيل: التوحيد العلم بالموحِّد واحدا لا نظير له، فإذا ثبت هذا, فكل من لم يعرف الله هكذا فإنه غير موحد له"٢.
стр. 95
المعنى الاصطلاحي للتوحيد:
وبعد هذا التعريف اللغوي للتوحيد، نشير إلى المعنى الاصطلاحي الشرعي، فإن التوحيد هو أساس دعوة الإسلام, وهو دين جميع الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام -على ما سيأتي معنا- وهو إفراد الله تعالى بالربوبية والطاعة أو العبادة، ويشمل ذلك أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات, وهي متلازمة مترابطة متكاملة، لا يصح إيمان المرء ولا توحيده ما لم يأت بها كاملة، فالله تعالى وحده المتفرد بالخلق والإحياء والرزق والإماتة والتدبير، وله صفات الكمال والعظمة والجلال، فهو المتفرد كذلك بالأمر والنهي والطاعة.
وتطلق كلمة "التوحيد" أيضا: على العلم الذي يدرس الجانب العقائدي من الدين، وعندئذ يعرفونه بأنه:
علم يبحث فيه عن وجود الله، وما يجب أن يثبت له من صفاته، وما يجوز أن يوصف به وما يجب أن يوصف به، وما يجب أن ينفى عنه، ويبحث عن الرسل؛ لإثبات رسالتهم وما يجب أن يكونوا عليه، وما يجوز أن ينسب إليهم، وما يمتنع أن يلحق بهم١.
وأصل معنى التوحيد: اعتقاد أن الله واحد لا شريك له, وسمي هذا العلم به تسمية له بأهم أجزائه -فهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل- وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلقه الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد.
وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي ﷺ كما تشهد به آيات الكتاب العزيز٢.
стр. 96
دلالة كلمة التوحيد على العقيدة:
ومن ثم أصبحت كلمة التوحيد، وهي شهادة "أن لا إله إلا الله" تشير إلى كل جوانب العقيدة ومسائلها؛ لأنه إذا حصل الإيمان بمضمونها على وجه صحيح استتبع ذلك -قطعا- الإيمان بسائر العقائد من إلهيات ونبوات وسمعيات؛ فإن الوحدانية تتضمن الاعتراف بالله بأنه المعبود بحق، وهو اعتراف ضمني بأنه جامع لكل كمال، منزَّه عن كل نقص، إذ لا يستحق العبادة -وهي نهاية التعظيم وغاية المحبة والخشية- إلا من كان كذلك.
وإنما كانت العناية بذكر الوحدانية؛ لأنها كانت أهم مقاصد الرسل جميعا؛ لأنها هي وحدها العقيدة التي كفرها أكثر الناس وهجروها، فهم يعرفون الله تعالى بقدرته وعلمه وإرادته وأنه خالق السموات والأرض ... إلخ, ولكنهم يؤمنون به وهم مشركون يتخذون له أندادا من دونه يحبونهم كحبه ويخشونهم كخشيته، وسيأتي مزيد بيان لهذا في بيان أنواع التوحيد, إن شاء الله تعالى.
وهي تدل أيضا على النبوات وما يتصل بها، فإن تكذيب الرسل هو عند التحقيق تكذيب لله تعالى وشرك به؛ لأنه لا يكذب الرسول إلا من أنكر معجزاته، ولا معنى لإنكار معجزاته إلا إنكار كونها من عند الله، وعندئذ يحصل الكفر؛ ولهذا حكم الله تعالى بالكفر على كل من يكفر برسول من الرسل فقال:
стр. 97
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] .
ثم إن تصديق الرسول في دعوى الرسالة يستلزم تصديقه في كل ما جاء به, فتدخل السمعيات وغيرها في التوحيد, فيكون التوحيد جماع الدين كله١.
وقد أدخل بعض علماء الكلام في التوحيد ما ليس منه، فهم يريدون بلفظ التوحيد والواحد في اصطلاحهم: ما لا صفة له، ولا يعلم منه شيء دون شيء ولا يُرَى.
وبعضهم يظن أن التوحيد يراد به مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، ويظنون أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا فقد فَنُوا في غاية التوحيد.
وكثير منهم يقول: التوحيد له ثلاثة معانٍ، وهو أنه واحد في ذاته لا قسيم له؛ وواحد في صفاته لا شبيه له؛ وواحد في أفعاله لا شريك له.
وهذا الذي تقدم عنهم في معنى التوحيد وما يتضمنه، فيه ما هو حق مما هو ثابت, وفيه ما هو باطل ومخالف لما جاء به الرسول ﷺ .
فإن التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ لم يتضمن شيئا من النفي الذي أثبتوه حين قالوا: ما لا صفة له ولا يعلم منه شيء دون شيء ... لأن التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ تضمن إثبات الإلهية لله وحده، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، والأدلة على ذلك كثيرة متظاهرة.
وكذلك فإن التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ ليس مقتصرا على إثبات الربوبية لله تعالى, ولا على أنه واحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، فهذا مما يكاد لا يخالف فيه أحد.
بل يتضمن هذا، ويتضمن عبادة الله تعالى، فهو وحده المستحق للعبادة، فليس كل من أقر أن الله رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه٢.
стр. 98
تطور استعمال كلمة التوحيد:
وقد تلحظ من هذا تعدد استعمال هذه الكلمة "التوحيد"، وكيف نقلت من معنى إلى آخر، وتحولت على يد بعض العلماء -في وقت غلب فيه الجدل والبعد عن روح الدين والالتزام الكامل به- إلى صناعة من الصناعات، غير ما أراده السلف من هذه الكلمة. ولذلك يشرح الإمام الغزالي هذا التبديل في معنى التوحيد فيقول:
" ... وقد جعل الآن -في عصر الغزالي- عبارة عن صناعة الكلام ومعرفة طريق المجادلة، والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم، والقدرة على التشدق فيها بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات وتأليف الإلزامات، حتى لقب طوائف من الناس أنفسهم بـ: أهل العدل والتوحيد، وسمي المتكلمون العلماء بالتوحيد١، مع أن جميع ما هو خاصة هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول، بل كان يشتد منهم النكير على من كان يفتح بابا من الجدل والمماراة. فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الظاهرة التي تسبق الأذهان إلى قبولها في أول السماع؛ فلقد كان ذلك معلوما للكل. وكان العلم بالقرآن هو العلم كله، وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين، وإن فهموه لم يتصفوا به، وهو: أن يرى الأمور كلها من الله رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط، فلا يرى الخير والشر كله إلا منه ﷻ "٢.
стр. 99
مؤلفات في علم التوحيد:
ولما أصبح "التوحيد" لقبا لهذا العلم، كتب عدد من العلماء فيه كتبا، نشير إلى بعضها:
١- "كتاب التوحيد" لأبي العباس أحمد بن عمر بن سُرَيْج البغدادي "٣٠٦هـ".
٢- "كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب " التي وصف بها نفسه في تنزيله الذي أنزله على نبيه المصطفى ﷺ ، وعلى لسان نبيه ﷺ ، للإمام ابن خزيمة، أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، صاحب "الصحيح" "ت ٣١١هـ", وبحث في مسألتي "القضاء السابق والمقادير النافذة قبل حدوث كسب العباد، والإيمان بجميع صفات الرحمن الخالق جل وعلا، مما وصف به نفسه في تنزيله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... ".
حيث يضع عنوانا مطولا للمسألة التي يبحثها وكأنه ملخص لها، ويسوق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة عليها، ويسوق الأحاديث بإسناده، مع تعليق موجز على بعض النصوص، والرد على المخالفين من الجهمية والمعطِّلة والقَدَرِية والمعتزلة. وقد طبع أكثر من مرة في الهند ومصر وبيروت، ثم حققه الدكتور
стр. 100
عبد العزيز الشهوان رسالة علمية في جامعة الإمام بالرياض، وطبع في مجلدين.
٣- "كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد" للإمام الحافظ أبي عبد الله، محمد بن إسحاق بن منده "٣٩٥هـ".
وقد طبع بتحقيق الدكتور علي ناصر الفقيهي، في ثلاثة أجزاء. وقسم المؤلف فيه التوحيد إلى أربعة أقسام: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية -وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله- وتوحيد أسماء الله الحسنى ثم أتبعها بالقسم الرابع عن الصفات، "فيضع عنوانا للمسائل يشير إلى موضوعها ويسوق الآيات والأحاديث الدالة عليها"١، ومن خصائصه الاستشهاد الكثير بالآيات القرآنية على أنواع التوحيد ومسائله، مما يربط القارئ بكتاب الله تعالى، فيستمدّ منه التوحيد مباشرة، وهذا الكتاب كتاب جيد نفيس.
٤- "الحجة في بيان المَحَجَّة وشرح التوحيد ومذهب أهل السنة" للحافظ قوام السنة أبي القاسم, إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني "٥٣٥هـ". والاسم المثبت للكتاب على غلافه "الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة" بينما قال هو في مقدمته: "وسميته كتاب: الحجة في بيان المحجة وشرح التوحيد ... " ولهذا سلكناه مع الكتب التي وضعت تحت هذا العنوان، وسنسلكه كذلك مع كتب "العقيدة"، فيما سيأتي، وهو يبحث في المسائل الاعتقادية على منهج أهل السنة، يبين فيه اعتقاد أئمة السلف وأهل السنة، وقد جعله "١٤" بابا في التوحيد والصفات، والقرآن، ومسائل الإيمان، والرد على الجهمية، والوعد والوعيد، والقدر، والاستواء، وكلام الرب ، وفضائل الصحابة، والتمسك بالسنة واجتناب البدع ...
стр. 101
ومادة الكتاب هي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة والتابعين، ولأنه متأخر بعد زمن التدوين الأول فقد استفاد ممن سبقه من العلماء ونقل عنهم، مع حسن تنظيم وتبويب١.
وقد حُقق هذا الكتاب رسالة جامعية وطبع في مجلدين، أحدهما بتحقيق محمد بن ربيع بن هادي، والثاني بتحقيق محمد أبي رحيم، في الرياض "١٤١١هـ".
٥- "التمهيد لقواعد التوحيد" للإمام أبي المعين النسفي المكحولي, ميمون بن محمد "٥٠٨هـ".
٦- "تجريد التوحيد المفيد" للإمام تقي الدين، أحمد بن علي المقريزي "٨٥٤هـ". وهو كتاب صغير الحجم كثير الفائدة، يجلو فيه صاحبه دعوة التوحيد، ويخلصها من شوائب البدع والخرافات التي قد تذهب بأصل التوحيد، مع مناقشة الشبهات، وبيان الطريق المستقيم الذي ينبغي أن يسلكه الموحد، وقد طبع أكثر من طبعة.
٧- "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي "١٢٠٦هـ".
وهو كتاب وحيد في بابه، جرى فيه مؤلفه على عنوان المسألة بـ "باب" ما يذكر فيه من العقيدة، ثم يورد من آيات التنزيل ما يشهد لها، ثم يتبع ذلك بذكر حديث صحيح أو أحاديث تؤيد ذلك، ويعزو الأحاديث إلى مخرّجيها من الكتب المعتمدة، ثم يستنبط من الآيات والأحاديث مسائل
стр. 102
اعتقادية يجب الإيمان بها, والعمل بمقتضاها١.
وجُلّ مباحث الكتاب في الدعوة إلى التوحيد وفضله، وبيان التوحيد، مع العناية بتوحيد الألوهية وتوحيد الصفات وما يناقضهما. وللكتاب شروح كثيرة من أجودها "تيسير العزيز الحميد" للشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ, و"فتح المجيد" للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ, ولكل منها طبعات كثيرة متعددة.
٨- وعلى غراره كتاب "رسالة التوحيد" للعلامة الشيخ إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي الشهيد "١٢٤٦هـ"، نقله إلى العربية وعلّق عليه الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي.
والكتاب في أصله كُتب لتقوية الإيمان ورد الإشراك في العلم والتصرف والعبادة والعادات. وقد صدر الكتاب -كما يقول الندوي- "عن قلب جريح متقطع لمشاهدة ما كان عليه المسلمون في عهد المؤلف من بعد عن التعاليم الإسلامية، وخضوع للوثنية الهندية, وتمسك بالعادات الجاهلية. وقد زاد في تأثيره وقبوله دموع عين باكية على المسلمين ودم زكي أريق في سبيل إحياء هذا الدين، وإدالته من الجاهلية، وتأسيس حكومة شرعية تقام على منهاج الكتاب والسنة"٢.
٩- "الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد" للشيخ محمد بن علي الشوكاني، صاحب "نيل الأوطار"، وغيره من المؤلفات، "١٢٥٠هـ".
وهو جواب لسؤال سائل عن التوسل والاستغاثة بالأموات والتمرغ على القبور، وطلب قضاء الحاجة من الميت وغير ذلك، مما يتعلق بأهل القبر من الإحياء
стр. 103
فأجاب جوابا شافيا وفصل المقام وبسطه، وأتى بإيرادات كثيرة من الطرفين، وردّها بأفصح عبارة وأسهل لفظ, وتوسط في ذلك وأنصف، وجمع أطراف الكلام في ذلك بحيث لا تجده في غير هذا الكتاب مستوفيا كذلك١.
وقد طبع للمرة الأولى في مطبعة المنار بتعليق الشيخ محمد رشيد رضا، ثم طبع بالمطبعة المنيرية وتتابعت بعد ذلك طبعاته.
١٠- "دلائل التوحيد" لعلَّامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي "١٣٣٢هـ".
وقد أقام كتابه هذا على البراهين الدالة على معرفة الله تعالى، باعث الرسل لإقامة الحجة على الخلق بمحكم آياته، والرد على الملحدين وإبطال شبهاتهم، ثم بيان آيات خاتم النبيين وكريم أخلاقه التي فضل بها العالمين. ولم يَأْلُ جهدا في تجويد أسلوبه وتجديد ترتيبه ليكون أقرب للإفادة, وأجذب للاستفادة٢.
١١- وتتابعت الكتابات المعاصرة عن التوحيد، بأساليب متعددة متباينة، وحسبنا أن نشير إلى كتابي الشيخ عبد المجيد الزنداني "توحيد الخالق" و"كتاب التوحيد" وكل منهما في ثلاثة أجزاء لطيفة.
وقد راعى المؤلف أن يكون كتابه "متمشيا مع أحوال زماننا، وحرص على ضرب الأمثلة حتى يتحقق الهدف المنشود الذي طالما حثنا عليه القرآن، وشدد عليه العلماء في هذا الزمان، وذلك هو ربط الحقائق الدينية بأدلتها المبثوثة في الكون ... لذلك يجد القارئ فيه بعض حقائق علمية جديدة, وأمثلة توضحها مع استخدام وسائل الإيضاح المختلفة. وفيه بساطة في التعبير ووضوح في الفكرة وسهولة في البرهان؛ وذلك لتثبيت العقيدة في القلوب"٣.
стр. 104
٥- الشريعة:
تعريف الشريعة في اللغة:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٣/ ٢٦٢":
"شرع: الشين والراء والعين أصل واحد، وهو شيء يُفْتَح في امتداد يكون فيه. من ذلك: الشريعة، وهي مورد الشاربة الماء. واشتق من ذلك: الشرعة في الدين, والشريعة. قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ [المائدة: ٤٨] , وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨] ".
وقال ابن منظور في اللسان "مادة شرع" "٨/ ١٧٦":
"الشريعة والشِّرْعة: ما سَنَّ الله من الدين وأمر به، كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أعمال البر. مشتق من شاطئ البحر، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ، وقيل في تفسيره: الشرعة: الدين، والمنهاج: الطريق.
وقيل: الشرعة والمنهاج جميعا: الطريق، والطريق هنا: الدين، ولكن اللفظ إذا اختلف أتى به بألفاظ يؤكد بها القصة والأمر ... وقال ابن عباس: "شرعة ومنهاجًا": سبيلا وسنة. وقال قتادة: "شرعة ومنهاجًا": الدين واحد والشريعة مختلفة ... ".
стр. 105
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات" ص٢٥٨:
"شرع: الشرع: نهج الطريق الواضح، يقال: شرعت له طريقا، والشرع مصدر، ثم جعل اسما للطريق النهج, فقيل: شَرَع وشَرْع وشريعة. واستعير ذلك للطريقة الإلهية، قال تعالى: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ . فذلك إشارة إلى أمرين:
أحدهما: ما سخر الله تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه، مما يعود إلى مصالح العباد وعمارة البلاد، وذلك المشار إليه بقوله: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] .
الثاني: ما قيض له من الدين وأمره به ليتحراه اختيارا مما تختلف فيه الشرائع, ويعترضه النسخ، ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨] .
وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ إشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل فلا يصح عليها النسخ، كمعرفة الله تعالى ونحو ذلك من نحو ما دل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ .
وفي "الكليات" لأبي البقاء الكَفَوِيّ "٣/ ٥٦":
"الشريعة: اسم للأحكام الجزئية التي يتهذب بها المكلف معاشا ومعادا، سواء كانت منصوصة من الشارع أو راجعة إليه.
والشرع كالشريعة: كل فعل أو ترك مخصوص من نبي من الأنبياء صريحا أو دلالة، فإطلاقه على الأصول الكلية مجاز، وإن كان شائعا، بخلاف الملل فإن إطلاقها على الفروع مجاز، وتطلق على الأصول حقيقة، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه وغير ذلك؛ ولهذا لا تتبدل بالنسخ ولا يختلف فيها الأنبياء، ولا نطلق على آحاد الأصول".
وقال التهانوي في "كشاف اصطلاحات الفنون":
الشريعة: ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء -صلى الله عليهم وعلى نبينا وسلم- سواء كانت متعلقة بكيفية عمل، وتسمى فرعية وعملية، ودون لها علم الفقه، أو بكيفية الاعتقاد، وتسمى أصلية واعتقادية، ودون لها علم الكلام.
ويسمى الشرع أيضا بالدين والملة؛ فإن تلك الأحكام من حيث إنها تطاع دين، ومن حيث إنها تملى وتكتب ملة، ومن حيث إنها مشروعه شرع؛ فالتفاوت بينها بحسب الاعتبار لا بالذات، إلا أن الشريعة والملة تضافان إلى النبي ﵊ وإلى الأمة فقط استعمالا، والدين يضاف إلى الله تعالى أيضا١.
وقد يخص الشرع بالأحكام العملية الفرعية٢.
стр. 106
إطلاقات كلمة الشريعة اصطلاحيًا
...
إطلاقات كلمة الشريعة اصطلاحا:
ومن هذه التعريفات والنصوص التي نقلناها عن أهل اللغة, وعمن كتبوا في المصطلحات، نتبين أن الشرعة والشرع والشريعة كلمات مترادفة، وأصلها واحد.
وأن الشريعة تطلق على معانٍ متعددة:
١- فالشريعة هي كل ما أنزله تعالى على نبي من أنبيائه، وهي تنتظم الاعتقاد والأحكام العملية والاخلاق، فهي ما شرعه الله من الاعتقاد والعمل كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] .
٢- وتطلق الشريعة كذلك على ما خص الله تعالى به كل نبي من الأحكام وما سنه لأمته، مما يختلف من دعوة نبي لآخر، من المناهج وتفصيل العبادات والمعاملات ... إلخ، وهنا نقول: إن الدين في أصله واحد والشرائع متعددة١، كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
٣- وتطلق الشريعة أحيانا على ما شرعه الله لجميع الرسل من أصول الاعتقاد والبر والطاعة مما لا يختلف من دعوة نبي لآخر كما في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣] .
٤- وتطلق الشريعة بخاصة على "العقائد" التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان مثل: اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل، وأن الله موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله خالق كل شيء، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير, وأنهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب، ويؤمنون بالشفاعة لأهل الكبائر, ونحو ذلك من عقود أهل السنة، فسموا أصول اعتقادهم شريعة ... وهذا المعنى الأخير للشريعة عليه مدار البحث هنا، وهو مقصودنا بهذا العنوان.
"والشريعة في هذا كالسنة التي تقدم الكلام عليها، فقد يراد بها ما سنّه وشرعه من العقائد، وقد يراد بها ما سنه وشرعه من العمل، وقد يراد بها كلاهما"١.
стр. 107
مؤلفات فلي الشريعة
...
مؤلفات في الشريعة:
ومما كتب في اعتقاد أهل السنة تحت اسم "الشريعة":
١- "كتاب الشريعة" للإمام أبي بكر، محمد بن الحسن بن عبد الله الآجُرّي "٣٦٠هـ", وقد أقامه مؤلفه على ثلاثة أسس:
أولها: التحذير من التفرق في الدين، والحرص على الجماعة ...
ثانيها: معرفة الله معرفة تثمر في القلب إجلال الله وإكباره، ليعطيه حقه من إخلاص العبادة بمنتهى الذل ومنتهى الحب، رغبة ورهبة ...
ثالثها: معرفة الرسول معرفة تثمر في القلب حبه وتعظيمه على كل الخلق، وتقديم طاعته وهديه على كل أحد وهديه من الناس١.
وقد ألمحنا فيما سبق إلى اتحاد المسائل التي تبحث في كتب السنة وكتب الشريعة، ولأن كتاب الشريعة للآجري جاء بعد كثير من كتب "السنة" فقد يمتاز ببحث بعض المسائل كما في الكلام على الوحي وكيفية نزوله على النبي ﷺ والكلام على النبوة وما يتصل بها من المسائل.
وقد طبع الكتاب للمرة الأولى بتحقيق الشيخ حامد الفقي بمصر سنة "١٣٦٩هـ"، ثم كان موضوع رسالة علمية بجامعة أم القرى، بتحقيق الشيخ عبد الله الدميجي.
٢- "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، ومجانبة الفرق المذمومة" للإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري "٣٨٧هـ". ويقع في سبعة أجزاء، ففي الجزء الأول خمسة أبواب، بعد المقدمة، عن تأليف الكتاب ووجوب طاعة رسول الله ﷺ ولزوم الجماعة والنهي عن الفرقة.
وفي الجزء الثاني ثلاثة أبواب في الأمر بالتمسك بالسنة والجماعة، وذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة, ثم عدم السؤال عما لا يعني، والتحذير من التشدد والتعمق في المسائل.
وفي الجزء الثالث ذم الخصومات والمراء في الدين, والتحذير من الطعن على الفقهاء لسبب الاختلاف, وأن ذلك وسيلة لنقض الإسلام ومحو شرائعه.
وفي الجزء الخامس والسادس أبواب ثمانية عن الإيمان والإسلام وحكم تارك الصلاة والزكاة، والكلام على النفاق وعلامات المنافقين، وحكم مرتكب الذنب والخوف والرجاء.
ويكمل أبحاث الإيمان في الجزء السابع ويختمه بباب عن المرجئة وما روي من الإنكار عليهم. وقد طبع من الكتاب مجلدان اثنان، بتحقيق د. رضا نعسان معطي.
стр. 108
٦- العقيدة:
التعريف اللغوي:
قال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" "٤/ ٨٦، ٨٧":
"عقد: العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها. ومن ذلك: عقد البناء، والجمع: أعقاد وعقود ... وعقدت
الحبل أعقده عقدا، وقد انعقد، وتلك هي العقدة.. وعاقدته مثل: عاهدته، وهو العقد والجمع: عقود اليمين، ومنه قول الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
والعقد: عقد اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] .
وعقدة النكاح وكل شيء: وجوبه وإبرامه. والعقد في البيع: إيجابه ... وعقد قلبه على كذا فلا ينزع عنه. واعتقد الشيء: صلب، واعتقد الإخاء: ثبت ... "١.
وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات" ص٣٤١:
"العقد: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل وعقد البناء٢، ثم يستعار ذلك للمعاني نحو: عقد البيع والعهد وغيرهما، فيقال: عاقدته وعقدته، وتعاقدنا وعقدت يمينه ... ".
وقال الفيومي في "المصباح المنير" "٢/ ٤٢١":
"اعتقدت كذا: عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل: العقيدة: ما يدين الإنسان به. وله عقيدة حسنة: سالمة من الشك".
ومن هذه النصوص نلاحظ أن مدار كلمة "عقد" على الوثوق والثبات والصلابة في الشيء.
ومن هنا جاء تعريف العقيدة والاعتقاد، كما في "المعجم الوسيط":
стр. 109
"٢/ ٦١٤" حيث قال: "العقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، والعقيدة في الدين: ما يقصد به الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود الله وبعث الرسل، والجمع: عقائد".
تعريف العقيدة في الاصطلاح الشرعي:
ومن هذا المعنى اللغوي أخذ تعريف العقيدة في الاصطلاح الشرعي, فقال الشيخ حسن البنا ﵀ في تعريف العقائد بصيغة الجمع:
"العقائد: هي الأمور التي يجب أن يصدق بها قلبك، وتطمئن إليها نفسك، وتكون يقينا عندك، لا يمازجه ريب ولا يخالطه شك"١.
فهي إذن اعتقاد جازم مطابق للواقع لا يقبل شكا ولا ظنا، فما لم يصل العلم بالشيء إلى درجة اليقين الجازم لا يسمى عقيدة، وإذا كان الاعتقاد غير مطابق للواقع والحق الثابت ولا يقوم على دليل، فهو ليس عقيدة صحيحة سليمة، وإنما هو عقيدة فاسدة كاعتقاد النصارى بألوهية عيسى وبالتثليث.
عناصر العقيدة, ومراحل تكوينها:
والدراسة التحليلية للعقيدة التي ترادف لفظ "الإيمان" الذي سبق الحديث عنه، تشير إلى أن العقيدة الدينية "لا تعتمد على جانب واحد من جوانب الحياة: النفسية الوجدانية، والإرادية، والعقلية. ولكنها تتصل بها جميعا اتصالا وثيقا، ولا تكمل شخصية الفرد إلا إذا تضامنت شخصيته ونواحيه النفسية، وعملت كلها على تكوين عقيدته وباعدت بذلك بينه وبين كل تضارب أو صراع بين قواه المتعددة، وحل مكان ذلك الوئام والانسجام، وتم قبول العقل ورضا النفس واطمئنان
стр. 110
القلب، وذلك هو كمال الشخصية وكمال العقيدة أيضا.
وإذا كانت العقائد الدينية مرتبطة بالشخصية الإنسانية، وكانت متوجهة نحو العقل والوجدان والإرادة، لم تختلف في كيفية تكونها في النفس عن سائر الصفات النفسية الأخرى، التي تتكون منها الشخصية الإنسانية، فتتضامن الميول النفسية جميعها؛ من الشعور بالحاجة والضعف، وإحساس باللامحدود، ورغبة في كمال المعرفة وفي تحقيق الانسجام النفسي والانسجام الخارجي مع كل ما في البيئة الاجتماعية من معاني الإيحاء والتلقين والأمر والترغيب والترهيب في العمل على تكوين عقيدة من العقائد في النفوس، فتتكون كما تتكون سائر الصفات النفسية الأخرى، وتنمو وتبلغ ما قُدِّر لها من كمال وقوة، ثم تصبح موجها للمعتقد في حياته الفردية, وحياته بين الجماعة"١.
وإذا كنا -فيما سبق آنفا- قد تعرفنا على معنى العقيدة والاعتقاد ومراحل تكونها في النفس، فمن المناسب أن نشير هنا إلى أن هذه الكلمة "العقيدة" أو "الاعتقاد" أصبحت اسم عَلَم على العلم الذي يدرس جوانب الإيمان والتوحيد التي سبقت الإشارة إليها، ووجدنا كل من يكتب في هذا الجانب يطلق على كتابه اسم العقيدة، فيقال مثلا: عقيدة الطحاوي، العقيدة النسفية، العقائد العضدية ... إلخ. وأصبحت هذه الكلمة مضافة إلى الإسلام عنوانا على المادة الدراسية في المعاهد والكليات والمدارس، فيقال: مادة العقيدة الإسلامية.
مؤلفات في العقيدة:
وفيما يلي أسماء بعض المؤلفات التي حملت هذا الاسم، بدءا بأقدمها وأسبقها: