← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9992

تناسق الدرر في تناسب السور = أسرار ترتيب القرآن

الجلال السيوطي

Полный текст (199 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الغرض ويرجع وهو يقول: لاروع، فتقت١ عن أنواع علومه ولقبتها، وأودعت ما أوعيت منها في دواوين وأعيتها، ونقبت٢ عن معادن معانيه وأبرزتها، وأوقدت عليها نار القريحة وميزتها، وألفت في ذلك جامعًا ومفردًا، ومطنبًا ومقصدًا٣، ومن خلق لشيء فإلى تيسره، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره. وإن مما ألفت في تعلقات القرآن كتاب "أسرار التنزيل"٤ الباحث عن أساليبه، المبرز أعاجيبه، المبين لفصاحة ألفاظه وبلاغة تراكيبه، الكاشف عن وجه إعجازه، الداخل إلى حقيقته من مجازه، المطلع على أفانينه، المبدع في تقرير حججه وبراهينه، فإنه اشتمل على بضعة عشر نوعًا: الأول: بيان مناسبات ترتيب سوره، وحكمة وضع كل سورة منها. الثاني: بيان أن كل سورة شارحة لما أُجْمِلَ في السورة التي قبلها. الثالث: وجه اعتلاق فاتحة الكتاب بخاتمة التي قبلها. الرابع: مناسبة مطلع السورة للمقصد الذى سيقت له، وذلك براعة الاستهلال. الخامس: مناسبة أوائل السور لأواخرها. السادس: مناسبات ترتيب آياته، واعتلاق بعضها ببعض، وارتباطها وتلاحمها وتناسقها. السابع: بيان أساليبه في البلاغة، وتنويع خطاباته وسياقاته. الثامن: بيان ما اشتمل عليه من المحسنات البديعية على كثرتها،

стр. 37

كالاستعارة، والكناية، والتعريض، والالتفات، والتورية، والاستخدام واللف والنشر، والطباق، والمقابلة، وغير ذلك، والمجاز بأنواعه، وأنواع الإيجاز والإطناب. التاسع: بيان فواصل الآي، ومناسبتها للآي التي ختمت بها. العاشر: مناسبة أسماء السور لها. [الحادي عشر: الألفاظ التى ظاهرها الترادف وبينهما فرق دقيق] ١. الثاني عشر: بيان وجه اختيار مرادفاته ولِمَ عُبِّرَ به٢ دون سائر المرادفات٣. الثالث عشر: بيان القراءات المختلفة، مشهورها، وشاذها، وما تضمنته من المعاني والعلوم، فإن ذلك من جملة وجوه إعجازه. الرابع عشر: بيان وجه تفاوت الآيات المتشابهات في القصص وغيرها؛ بالزيادة والنقص، والتقديم والتأخير، وإبدال لفظة مكان أخرى، ونحو ذلك. وقد أردت أن أفرد جزءًا لطيفًا في نوع خاص من هذه الأنواع؛ هو مناسبات ترتيب السور؛ ليكون عجالة لمريده، وبغية لمستفيده، وأكثره من نتاج فكري، وولاد نظري؛ لقلة من تكلم في ذلك، أو خاض في هذه المسالك، وما كان فيه لغيري صرحت بعزوه إليه، ولا أذكر منه إلا ما استُحْسِن، ولا انتقاد عليه، وقد كنت أولًا سميته

стр. 38

"نتائج الفكر في تناسب السور" لكونه من مستنتجات١ فكري كما أشرت إليه، ثم عدلت وسميته "تناسق الدرر في تناسب السور"؛ لأنه أنسب بالمسمَّى، وأزيد بالجناس. وبالله تعالى التوفيق، وإياه أسأل حلاوة التحقيق، بِمَنِّهِ ويُمْنِهِ.

стр. 39

مقدمة في تريتب السور مدخل ... مقدمة في ترتيب السور: اختلف العلماء في ترتيب السور، هل هو بتوقيف من النبي ﷺ أو باجتهاد من الصحابة؟ بعد الإجماع على أن ترتيب الآيات توقيفي، والقطع بذلك. فذهب جماعة إلى الثاني؛ منهم: مالك، والقاضي أبو بكر١ في أحد قوليه، وجزم به ابن فارس٢. ومما استدل به لذلك: اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علي، كان أوله: "اقرأ" ثم البواقي على ترتيب نزول المكي، ثم المدني، ثم كان أول مصحف ابن مسعود "البقرة" ثم "النساء" ثم "آل عمران" على اختلاف شديد، وكذا مصحف أبي بن كعب وغيره، على ما بينته في الإتقان٣. وفي المصاحف لابن أشتة بسنده عن عثمان أنه أمرهم أن يتابعوا الطُّوَل٤.

стр. 40

وذهب جماعة إلى الأول؛ منهم: القاضي أبو بكر في أحد قوليه وخلائق، قال أبو بكر بن الأنباري١: أنزل الله القرآن كلَّه إلى سماء الدنيا، ثم فرقه في بضع وعشرين سنة، فكانت السورة تنزل لأمر ينزل، والآية جوابًا لمستخبر، ويوقف جبريلُ النبيَّ ﷺ على موضع الآية والسورة، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله٢ عن النبي ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن٣. وقال الكرماني في البرهان: ترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ٤ على هذا الترتيب، وكان يعرض النبي ﷺ على جبريل ما اجتمع لديه منه، وعرضه ﷺ في السنة التى توفي فيها مرتين٥، وكذلك قال الطيبي٦.

стр. 41

وقال ابن الحصار١: [ترتيب السور] ٢ ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحي. وقال البيهقي في المدخل: كان القرآن على عهد النبي ﷺ -مرتبًا سوره وآياته على هذا الترتيب، إلا الأنفال وبراءة للحديث الآتي فيها٣. ومال ابن عطية٤ إلى أن كثيرًا من السور كان قد علم ترتيبها في حياته ﷺ كالسبع الطوال، والحواميم، والمفصل، وأن ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فَوَّضَ الأمر فيه إلى الأمة بعده٥. وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية، ويبقى منها القليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف؛ لقوله ﷺ : "اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران"، "رواه مسلم"٦، وكحديث سعيد بن خالد أنه ﷺ "صلَّى

стр. 42

بالسبع الطوال في ركعة، وأنه كان يجمع المفصل في ركعة" "أخرجه ابن أبي شيبة"١. وأنه ﷺ "كان إذا أوى إلى فراشه قرأ قل هو الله أحد، والمعوذتين" "أخرجه البخاري"٢. وفيه عن ابن مسعود ﵁ أنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: "إنهن من العِتَاق الأُوَل، وهنَّ من تِلَادِي"٣. وقال أبو جعفر النحاس٤: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من سول الله ﷺ لحديث: "أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفُضِّلت بالمفصَّل"، "أخرجه أحمد وغيره"٥. قال: فهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي ﷺ وأنه من هذا الوقت هكذا.

стр. 43

وقال الحافظ ابن حجر: ترتيب معظم السور توقيفي؛ لحديث أحمد وأبي داود عن أوس الثقفي قال: كنت في وفد ثقيف، فقال [لنا] ١ رسول الله ﷺ : "طرأ عليَّ حزبي من القرآن، فأردت ألا أخرج حتى أقضيه". قال أوس: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل، من "ق" حتى نختم٢. قال: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو عليه في المصحف الآن كان على عهد النبي ﷺ . وقال بعضهم٣: لترتيب وضع السور في المصحف أسباب تطلع على أنه توقيفي صادر من حكيم: الأول: بحسب الحروف؛ كما في الحواميم، وذوات ﴿الر﴾ . الثاني: لموافقة آخر السورة لأول ما بعدها٤؛ كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة. الثالث: الوزن في اللفظة كآخر ﴿تَبَّتْ﴾ وأول "الإخلاص". الرابع: لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى؛ كـ"الضحى" و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ ٥.

стр. 44

وقال بعضهم: إذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدت في غاية المناسبة لما ختمت به السورة التى قبلها، ثم [هو] ١ يخفى تارة، ويظهر أخرى. وأخرج ابن أشتة٢ عن ربيعة أنه سئل: لِمَ قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة، وإنما نزلتا بالمدينة؟ فقال: قدمتا، وأُلِّفَ القرآن على علم ممن ألفه [به ومن كان معه فيه واجتماعهم] ٣ على علمهم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه، ولا يُسأل عنه٤. فإن قلت: فما عندك في ذلك؟ قلت: الذي عندي أولًا: تحديد محل الخلاف، وأنه خاص بترتيب سور الأقسام الأربعة، وأما نفس الأقسام الأربعة؛ من تقديم الطوال، ثم المئين، ثم المثاني، ثم المفصل، فهذا ينبغي أن يقطع بأنه توقيفي، وأن يدَّعى فيه الإجماع، وإن لم أرَ من سبقني إلى ذلك؛ وإنما دعاني إلى هذا أمران: أحدهما: ما تقدم من الأحاديث قريبًا، وحديث ابن عباس ﵄ الآتي في الأنفال. والثاني: أن المصاحف التي وقع فيها الاختلاف في الترتيب اتفقت

стр. 45

على ذلك؛ فإن مصحف أبي بن كعب وابن مسعود كلاهما قدم فيه الطوال، ثم المثاني، ثم المفصل؛ كمصحف عثمان؛ وإنما اختلفا في ترتيب سور كل قسم كما بينت [ذلك] ١ في الإتقان٢. [وهذا دليل قوي في دعوى القطع بأن ذلك توقيفي] ٣. فإذا تحرر ذلك، ونظرنا إلى محل الخلاف، فالمختار عندي في ذلك: ما قاله البيهقي؛ وهو: أن ترتيب كل السور توقيفي، سوى الأنفال وبراءة. ومما يدل على ذلك ويؤيده: توالي الحواميم، وذوات ﴿الر﴾ ٤ والفصل بين المسبحات، وتقديم ﴿طس﴾ على القصص، مفصولًا بها بين النظيرتين [طسم الشعراء، وطسم القصص] في المطلع والطول، وكذلك الفصل بين الانفطار والانشقاق بالمطففين، وهما نظيرتان في المطلع والمقصد، وهما أطول منها، فلولا أنه توقيفي لحكمة لتوالت المسبحات، وأخرت "طس" عن القصص، وأخرت "المطففين" أو قدمت، ولم يفصل بين ﴿الر﴾ و ﴿الر﴾ ٥. وليس هنا شيء أعارض به سوى اختلاف مصحف أبي وبن مسعود ﵄ ولو كان توقيفيًّا لم يقع فيهما اختلاف، كما لم يقع في [ترتيب] الآيات٦.

стр. 46

وقد مَنَّ الله عليَّ بجواب لذلك نفيس؛ وهو: أن القرآن وقع فيه النسخ كثيرًا للرسم، حتى لسور كاملة، وآيات كثيرة، فلا بدع أن يكون الترتيب العثماني هو الذي استقر في العرضة الأخيرة؛ كالقراءات التي في مصحفه، ولم يبلغ ذلك أبيًّا وابن مسعود ﵄ كما لم يبلغهما نسخ ما وضعاه في مصاحفهما من القراءات التي تخالف المصحف العثماني؛ ولذلك كتب أبي في مصحفه سورة الحفد، والخلع، وهما منسوختان١. فالحاصل أني أقول: ترتيب كل [من] ٢ المصاحف بتوقيف، واستقر التوقيف في العرضة الأخيرة على [الترتيب العثماني، كما أن جميع القراءات والمنسوخات] ٣ المثبتة في مصاحفهم بتوقيف، واستقر التوقيف في العرضة الأخيرة على القراءات [العثمانية، ورتب أولئك ما كان عندهم] ٤ ولم يبلغهم النسخ.

стр. 47

سورة الفاتحة: افتتح سبحانه كتابه بهذه السورة؛ لأنها جمعت مقاصد القرآن؛ ولذلك كان من أسمائها: أم القرآن، وأم الكتاب، والأساس١، فصارت كالعنوان وبراعة الاستهلال. قال الحسن البصري٢: إن الله أودع علوم الكتاب السابقة في القرآن، ثم أودع علوم القرآن في المفصل، ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة "أخرجه البيهقي في شعب الإيمان"٣. وبيان اشتمالها على علوم القرآن قرره الزمخشري٤ باشتمالها على الثناء على الله بما هو أهله، وعلى التعبد، والأمر والنهي، وعلى الوعد والوعيد، وآيات القرآن لا تخلو٥ عن هذه الأمور٦. [و] قال الإمام فخر الدين٧: المقصود من القرآن كله تقرير أمور

стр. 48

أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدر، فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ يدل على الإلهيات، وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يدل على نفي الجبر، وعلى إثبات أن الكل بقضاء الله وقدره، وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة يدل على إثبات قضاء الله، وعلى النبوات، فقد اشتملت هذه السورة على المطالب الأربعة، التي هي المقصد الأعظم من القرآن١. وقال البيضاوي٢: هي مشتملة على الحِكَم النظرية، والأحكام العملية، التي هي سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء، ومنازل الأشقياء٣. وقال الطيبي: هي مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين: أحدها: علم الأصول، ومعاقده معرفة الله وصفاته، وإليها الإشارة بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ومعرفة المعاد٤، وهو المومأ إليه بقوله: [ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . وثانيها: علم الفروع، وأسُّه العبادات، وهو المراد بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ] ٥.

стр. 49

وثالثها: علم ما يحصل به الكمال، وهو علم الأخلاق، وأجله الوصول إلى الحضرة الصمدانية، والالتجاء إلى جناب الفردانية، والسلوك لطريقة الاستقامة فيها، وإليه الإشارة بقوله: [ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ . ورابعها: علم القصص والإخبار عن الأمم السالفة والقرون الخالية، السعداء منهم والأشقياء، وما يتصل بها من وعد محسنهم ووعيد مسيئهم، وهو المراد بقوله:] ١ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ . قال: وجميع القرآن تفصيل لما أجملته الفاتحة؛ فإنها بُنيت على إجمال ما يحويه القرآن مفصلًا؛ فإنها واقعة في مطلع التنزيل، والبلاغة فيه: أن تتضمن ما سيق الكلام لأجله؛ ولهذا لا ينبغي أن يقيد شيء من كلماتها ما أمكن الحمل على الإطلاق٢. وقال الغزالي٣ في "خواص القرآن": مقاصد القرآن ستة: ثلاثة مهمة، وثلاثة تتمة: الأول: تعريف المدعو إليه، كما أشير إليه بصدرها. وتعريف الصراط المستقيم، وقد صرح به فيها. وتعريف الحال عند الرجوع إليه تعالى، وهو الآخرة، كما أشير

стр. 50

إليه بقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . والأخرى: تعريف أحوال المطيعين، كما أشار إليه بقوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ . [حكاية أقوال الجاحدين، وقد أشير إليها بـ: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿الضَّالِّينَ﴾ ] ١. وتعريف منازل الطريق، كما أشير إليه بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٢.

стр. 51

سورة البقرة: قال بعض الأئمة١: تضمنت سورة الفاتحة: الإقرار بالربوبية، والالتجاء إليها في دين الإسلام، والصيانة عن دين اليهود والنصارى. وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين، وآل عمران مكملة لمقصودها. فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم؛ ولهذا ورد فيها كثير من المتشابه لما تمسك به النصارى. فأوجب الحج في آل عمران، وأما في البقرة فذكر أنه مشروع وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه٢، وكان خطاب النصارى في آل عمران، كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر؛ لأن التوراة أصل، والإنجيل فرع لها، والنبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم، وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر٣، كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب؛ ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء، فخُوطب به جميع الناس، والسور المدنية فيها خطاب من أقرَّ بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين، فخُوطبوا بـ: يأهل،

стр. 52

الكتاب، يا بني إسرائيل، يأيها الذين آمنوا. وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التي بين الناس، وهي نوعان: مخلوقة لله، ومقدورة لهم، كالنسب والصهر؛ ولهذا افتتحت بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ١ [ثم] ٢ قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ٣. فانظر إلى هذه المناسبة العجيبة، والافتتاح، وبراعة الاستهلال؛ حيث تضمنت الآية المفتتح بها ما في أكثر السورة من أحكام؛ من نكاح النساء ومحرماته، والمواريث المتعلقة بالأرحام، وأن ابتداء هذا الأمر بخلق آدم، ثم خلق زوجته منه، ثم بث منهما رجالًا كثيرًا ونساء في غاية الكثرة. [و] ٤ أما المائدة فسورة العقود، [و] ٤ تضمنت بيان تمام الشرائع، ومكملات الدين، والوفاء بعهود الرسل، وما أخذ على الأمة، وبها تَمَّ٥ الدين، فهي سورة التكميل؛ لأن فيها تحريم الصيد على الْمُحْرِم، الذي هو من تمام الإحرام، وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين، وعقوبة المعتدين من السُّرَّاق والمحاربين، الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال، وإحلال الطيبات، الذي هو من تمام عبادة الله؛ ولهذا ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد ﷺ كالوضوء] ٦ والتيمم، والحكم بالقرآن على كل ذي دين.

стр. 53

ولهذا كثر فيها لفظ الإكمال والإتمام، وذكر فيها: أن من ارتد عوض الله بخير منه، ولا يزال هذا الدين كاملًا؛ ولهذا ورد أنها آخر ما نزل١ لما فيها من إرشادات الختم والتمام. وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات من أحسن الترتيب٢. انتهى. وقال بعضهم: افتتحت البقرة بقوله: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فإنه إشارة إلى الصراط المستقيم في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ كأنهم٣ لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم، قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتم٤ الهداية إليه، كما أخرج بن جرير وغيره من حديث علي ﵁ مرفوعًا: "الصراط المستقيم كتاب الله"٥ "وأخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود موقوفًا"٦. وهذا معنى حسن يظهر فيه سر ارتباط البقرة بالفاتحة٧. وقال الخويي٨: أوائل هذه السورة مناسبة لأواخر سورة الفاتحة؛ لأن الله تعالى لما ذكر أن الحامدين طلبوا الهدى، قال: قد أعطيتكم ما طلبتم: هذا الكتاب هدى لكم فاتبعوه، وقد اهتديتم إلى الصراط المستقيم المطلوب المسئول.

стр. 54

ثم إنه ذكر في أوائل هذه السورة الطوائف الثلاث الذين ذكرهم في الفاتحة، فذكر الذين على هدى من ربهم، وهم المنعَم عليهم، والذين اشتروا الضلالة بالهدى، وهم الضالون، والذين باءوا بغضب من الله، وهم المغضوب عليهم١. انتهى. [و] ٢ أقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوهًا من هذه المناسبات: أحدها: أن القاعدة التي استقرأتها٣ القرآن: أن كل سورة تفصيل لإجمال ما قبلها، وشرح له، وإطناب لإيجازه، وقد استمر٤ معي ذلك في غالب سور القرآن، طويلها وقصيرها، وسورة البقرة قد اشتملت على تفصيل جميع مجملات الفاتحة. فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تفصيله: ما وقع فيها من الأمر بالذكر في عدة آيات، ومن الدعاء في قوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ "١٨٦" الآية، وفي قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ "٢٨٦"، وبالشكر في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ "١٥٢". وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تفصيله قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا

стр. 55

وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ "٢١، ٢٢"، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ "٢٩"؛ ولذلك افتتحها بقصة خلق آدم الذي هو مبدأ البشر١، وهو أشرف الأنواع من العالمين، وذلك شرح إجمال٢ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قد أومأ إليه بقوله في قصة [توبة] ٣ آدم: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ "٥٤"، وفي قصة إبراهيم لما سأل الرزق للمؤمنين خاصة [بقوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ﴾ "١٢٦"] ، فقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ "١٢٦"؛ وذلك لكونه رحمانًا. وما وقع في قصة بني إسرائيل: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم﴾ "٥٢" إلى أن أعاد الآية بجملتها في قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ "١٦٣". وذكر آية الدَّيْنِ٤ إرشادًا للطالبين من العباد٥، ورحمة بهم، ووضع عنهم الخطأ والنسيان والإصر، وما لا طاقة لهم به، وختم بقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ "٢٨٦"

стр. 56

وذلك شرح قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ "الفاتحة: ٤" تفصيله: ما وقع من ذكر يوم القيامة في عدة مواضع؛ ومنها قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ "٢٨٤". والدين [في الفاتحة] : الحساب [في البقرة] . وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مجمل شامل لجميع أنواع الشريعة الفروعية، وقد فصلت في البقرة أبلغ تفصيل، فذكر فيها: الطهارة، والحيض، والصلاة، والاستقبال، وطهارة المكان، والجماعة، وصلاة الخوف، وصلاة الجمع، والعيد، والزكاة بأنواعها؛ كالنبات، والمعادن١، والاعتكاف، والصوم، وأنواع الصدقات، والبر، والحج، والعمرة، والبيع، والإجارة، والميراث، والوصية، والوديعة، والنكاح، والصداق، والطلاق، والخُلع، والرجعة، والإيلاء، والعِدَّة، والرضاع، والنفقات، والقصاص، والديات، وقتال البُغاة، والردة، والأشربة، والجهاد، والأطعمة، والذبائح، والأَيْمَان، والنذور، والقضاء، والشهادات، والعتق. فهذه أبواب الشريعة كلها مذكورة في هذه السورة٢. وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ شامل لعلم الأخلاق. وقد ذكر منها في هذه السورة الجم الغفير؛ من التوبة، والصبر، والشكر، والرضا، والتفويض، والذكر، والمراقبة، والخوف، وإِلَانَة القول. وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخره. تفصيله٣:

стр. 57

ما وقع في السورة من ذكر طريق الأنبياء، ومَن حاد عنهم من النصارى؛ ولهذا ذكر في الكعبة أنها قبلة إبراهيم، فهي من صراط الذين أنعم عليهم، وقد حاد عنها اليهود والنصارى معًا؛ ولذلك قال في قصتها: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ "١٤٢"، تنبيهًا على أنها الصراط الذي سألوا الهداية إليه. ثم ذكر: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ "١٤٥"، وهم المغضوب عليهم والضالون الذين حادوا عن طريقهم. ثم أخبر بهداية الذين آمنوا إلى طريقهم. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ "٢١٣". فكانت هاتان الآيتان تفصيل إجمال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة. وأيضًا قوله أول السورة: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ "٢" إلى آخره في وصف الكتاب، إخبار بأن الصراط الذي سألوا الهداية إليه هو: ما تضمنه الكتاب؛ وإنما يكون هداية لمن اتصف بما ذكر [من صفات المتقين] . ثم ذكر أحوال الكفرة، ثم أحوال المنافقين، وهم من اليهود، وذلك [أيضًا] ١ تفصيل لمن حاد عن الصراط المستقيم، ولم يهتدِ بالكتاب٢. وكذلك قوله هنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ "١٣٦" الآية، فيه تفصيل النبيين المنعَم عليهم. وقال في آخرها: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ "١٣٦" تعريفًا

стр. 58

بالمغضوب عليهم والضالين الذين فرقوا بين الأنبياء؛ ولذلك عقبها بقوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ "١٣٧" أي: إلى الصراط المستقيم، صراط المنعَم عليهم كما اهتديتم١. فهذا ما ظهر لي، والله أعلم بأسرار كتابه. الوجه الثاني: أن الحديث والإجماع على تفسير ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ باليهود، والضالين بالنصارى٢، وقد ذكروا في سورة الفاتحة على حسب ترتيبهم في الزمان، فعقب بسورة البقرة، وجميع ما فيها [من] خطاب أهل الكتاب لليهود خاصة، وما وقع فيها من ذكر النصارى لم يقع بذكر الخطاب٣. ثم بسورة آل عمران، وأكثر ما فيها من خطاب أهل الكتاب للنصارى٤؛ فإن ثمانين آية من أولها نازلة في وفد نصارى نجران، كما ورد في سبب نزولها٥، وختمت بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ "آل عمران: ١٩٩"، وهي في النجاشي وأصحابه من

стр. 59

مؤمني النصارى، كما ورد به الحديث١. وهذا وجه بديع في ترتيب السورتين؛ كأنه لما ذكر في الفاتحة الفريقين، قص في كل سورة مما بعدها حال كل فريق على الترتيب الواقع فيها؛ ولهذا كان صدر سورة النساء في ذكر اليهود، وآخرها في ذكر النصارى٢. والوجه الثالث: أن سورة البقرة أجمع سور القرآن للأحكام والأمثال؛ ولهذا سميت في أثر: "فسطاط القرآن"٣، الذي هو: المدينة الجامعة، فناسب تقديمها على جميع سوره. الوجه الرابع: أنها أطول سورة في القرآن، وقد افتتح بالسبع الطوال٤، فناسب البُدَاءة بأطولها. الوجه الخامس: أنها أول سورة نزلت بالمدينة، فناسب الابتداء٥ بها؛ فإن للأولية نوعًا من الأولوية. الوجه السادس: أن سورة الفاتحة لما٦ ختمت بالدعاء للمؤمنين بألا يسلك بهم طريق المغضوب عليهم ولا الضالين إجمالًا، وخُتمت سورة البقرة بالدعاء بألا يسلك بهم طريقهم في المؤاخذة بالخطأ والنسيان، وحمل الإصر، وما لا طاقة لهم به تفصيلًا، وتضمن آخرها

стр. 60

أيضًا الإشارة إلى طريق المغضوب عليهم والضالين بقوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه﴾ "٢٨٥" فتآخت السورتان وتشابهتا في المقطع، وذلك من وجوه المناسبة في التتالي والتناسق. وقد ورد في الحديث التأمين في آخر سورة البقرة كما هو مشروع في آخر الفاتحة١، فهذه ستة وجوه ظهرت لي، ولله الحمد والمنة.

стр. 61

سورة آل عمران: قد تقدم ما يؤخذ منه مناسبة وضعها. وقال الإمام: لما كانت هذه السورة قرينة سورة البقرة، وكالمكملة لها، افتتحت بتقرير ما افتتحت به تلك، وصرح في منطوق مطلعها بما طوي في مفهوم [مطلع] ١ تلك٢. وأقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات: أحدها: مراعاة القاعدة التي قررتها، من شرح كل سورة لإجمال ما في السورة قبلها، وذلك هنا في عدة مواضع: منها: ما أشار إليه الإمام، فإن أول البقرة افتتح بوصف الكتاب بأنه لا ريب فيه. وقال في آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ "١٣"، وذلك بسط وإطناب؛ لنفي الريب عنه. ومنها: أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملًا، وقسَّمه هنا إلى آيات محكمات، ومتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله٣. ومنها: أنه قال في البقرة: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ "البقرة: ٤" [مجملًا] ٤، وقال هنا: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ، مِنْ قَبْلُ هُدًى

стр. 62

لِلنَّاسِ﴾ "٣، ٤" مفصلًا. وصرح بذكر الإنجيل هنا؛ لأن السورة خطاب للنصارى، ولم يقع التصريح به في سورة البقرة بطولها؛ وإنما صرح فيها بذكر التوراة خاصة؛ لأنها خطاب لليهود. ومنها: أن ذكر القتال وقع في سورة البقرة مجملًا بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ "١٩٠، ٢٤٤" [وقوله] : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ "البقرة: ٢١٦"، وفصلت هنا قصة أُحُد بكمالها١. ومنها: أنه أوجز في البقرة ذكر المقتولين في سبيل الله بقوله: ﴿أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ "البقرة: ١٥٤" وزاد هنا: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ "١٦٩، ١٧٠" الآيتين، وذلك إطناب عظيم. ومنها: أنه قال في البقرة: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ "البقرة: ٢٤٧". وقال هنا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ "٢٦"، فزاد إطنابًا وتفصيلًا. ومنها: أنه حذر من الرباء في البقرة، ولم يزد على لفظ الربا إيجازًا٢ وزاد هنا قوله٣: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَة﴾ "١٣٠"، وذلك٤ بيان وبسط.

стр. 63

ومنها: أنه قال في البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ "البقرة: ١٩٦"، وذلك إنما يدل على الوجوب إجمالًا، وفصله هنا بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ "٩٧". وزاد: بيان شرط الوجوب بقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ "٩٧". ثم زاد: تكفير من جحد وجوبه بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ "٩٧". ومنها: أنه قال في البقرة في أهل الكتاب: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ "البقرة: ٨٣". فأجمل القليل، وفصله هنا بقوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ "١١٣، ١١٤" الآيتين. ومنها: أنه قال في البقرة: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ "البقرة: ١٣٩". فدل بها على تفضيل هذه الأمة على اليهود تعريضًا لا تصريحًا، وكذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ "البقرة: ١٤٣" في تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم بلفظ فيه يسير إبهام، وأتى في هذه [السورة] ١ بصريح البيان فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ "١١٠". فقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ أصرح في قدم ذلك من ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ ثم زاد [بيان] وجه الخيرية بقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ "١١٠"٢.

стр. 64

ومنها: أنه قال في البقرة: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ "البقرة: ١٨٨" الآية. وبسط الوعيد هنا بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ "٧٧" الآية، وصدره بقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ "٧٥". فهذه عدة مواضع وقعت في البقرة مجملة، وفي آل عمران تفصيلها. الوجه الثاني: أن بين هذه السورة وسورة البقرة اتحادًا وتلاحمًا متأكدًا؛ لما تقدم من أن البقرة بمنزلة إزالة الشبهة؛ ولهذا تكرر هنا ما يتعلق بالمقصود الذي هو بيان حقيقة الكتاب: من إنزال الكتاب، وتصديقه للكتب قبله، والهدى إلى الصراط المستقيم١. وتكررت هنا آية: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ "البقرة: ١٣٦" بكمالها؛ ولذلك أيضًا ذكر في هذه ما هو تال لما ذكر في تلك، أو لازم في تلك، أو لازم له. فذكر هناك خلق الناس، وذكر هنا تصويرهم في الأرحام٢، وذكر هناك مبدأ خلق آدم، وذكر هنا مبدأ خلق أولاده٣، وألطف من ذلك: أنه افتتح البقرة بقصة آدم؛ حيث خلقه من غير أب ولا أم، وذكر

стр. 65

في هذه نظيره في الخلق من غير أب؛ وهو عيسى عليه السلام١؛ ولذلك ضرب له المثل بآدم، واختصت البقرة بآدم لأنها أول السور، وآدم أول في الوجود وسابق، ولأنها الأصل، وهذه كالفرع والتتمة لها، فمختصة بالإعراب٢ [والبيان] . ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم ما قالوا، وأنكروا وجود ولد بلا أب، ففوتحوا بقصة آدم؛ لتثبت في أذهانهم، فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشهد لها٣ من جنسها. ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم في قوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ "٥٩" الآية، والمقيس عليه لا بُدَّ وأن يكون معلومًا؛ لتتم الحجة بالقياس، فكانت قصة آدم والسورة التي هي فيها جديرة بالتقدم. ومن وجوه تلازم السورتين: أنه قال في البقرة في صفة النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ "البقرة: ٢٤"، ولم يقل في الجنة: أعدت للمتقين، مع افتتاحها بذكر المتقين والكافرين معًا٤، وقال ذلك في آل عمران٥ في قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ "١٣٣"، فكأن السورتين بمنزلة سورة واحدة. وبذلك يعرف أن تقديم آل عمران على النساء أنسب من تقديم النساء عليها.

стр. 66

وأمر آخر استقرأته؛ وهو: أنه إذا وردت سورتان بينهما تلازم واتحاد، فإن السورة الثانية تكون خاتمتها مناسبة لفاتحة الأولى للدلالة على الاتحاد. وفي السورة المستقلة عما بعدها يكون آخر السورة نفسها مناسب لأولها، وآخر آل عمران مناسب لأول البقرة؛ فإنها افتتحت بذكر المتقين، وأنهم المفلحون، وختمت آل عمران بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "٢٠٠". وافتتحت البقرة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ "البقرة: ٤"، وختمت آل عمران بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ "١٩٩"، فلله الحمد على ما ألهم. وقد ورد أنه لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ "البقرة: ٢٤٥"، قالت١ اليهود: يا محمد، افتقر ربك، فسأل عباده القرض٢، فنزل قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ "١٨١"٣ ٤، فذلك أيضًا من تلازم السورتين. ووقع في البقرة حكاية عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ "البقرة: ١٢٩" الآية، ونزل في هذه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ "١٦٤"، وذلك أيضًا من تلازم السورتين.

стр. 67

سورة النساء: قد تقدم وجه مناسبتها. وأقول: هذه السورة أيضًا شارحة لبقية مجملات سورة البقرة. فمنها: أنه أجمل في البقرة قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ "البقرة: ٢١"، وزاد هنا: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ "١". وانظر لما كانت آية التقوى في سورة البقرة غاية، جعلها في أول هذه السورة التالية لها مبدأ١. ومنها: أنه أجمل في سورة البقرة: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ "البقرة: ٣٥"، وبين هنا أن زوجته خلقت منه في قوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ "١". ومنها: أنه أجمل في البقرة آية اليتامى، وآية الوصية، والميراث، والوارث، في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ "البقرة: ٢٣٣"، وفصل ذلك في هذه السورة أبلغ تفصيل٢. و [منها أنه] ٣ فصل هنا من الأنكحة ما أجمله هناك.

стр. 68

ومنها: أنه١ قال في البقرة: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ "البقرة: ٢٢١" فذكر نكاح الأمة إجمالًا، وفصل هنا شروطه٢. ومنها: أنه ذكر الصداق في البقرة مجملًا بقوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ "البقرة: ٢٩٩"، وشرحه هنا مفصلًا٣. ومنها: أنه ذكر هناك الخلع، وذكر هنا أسبابه ودواعيه؛ من النشوز وما يترتب عليه، وبعث الحكمين٤. ومنها: أنه فصل هنا من أحكام المجاهدين، وتفصيلهم درجات، والهجرة، ما وقع هناك مجملًا، أو مرموزًا٥. وفيها من الاعتلاق بسورة الفاتحة: تفسير: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في قوله٦: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ "٦٩". وأما وجه اعتلاقها بآل عمران فمن وجوه:

стр. 69

منها: أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى، وافتتحت هذه السورة به١، وذلك٢ من آكد٣ وجوه المناسبات في ترتيب السور، وهو نوع من [أنواع] ٤ البديع يسمى: تشابه الأطراف. ومنها: أن سورة آل عمران ذكر فيها قصة أحد مستوفاة، وذكر في هذه السورة ذيلها، وهو قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ "٨٨"؛ فإنها نزلت لما اختلف الصحابة فيمن رجع من المنافقين من غزوة أُحُد، كما في الحديث٥. ومنها: أن في آل عمران ذكرت الغزوة التى بعد أُحُد بقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ "آل عمران: ١٧٢"٦، وأشير إليها هنا بقوله: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ "١٠٤" الآية٧. وبهذين الوجهين٨ عرف أن تأخير النساء عن آل عمران أنسب من

стр. 70

تقديمها عليها في مصحف ابن مسعود؛ لأن المذكور هنا ذيل ما في آل عمران وتابعه ولاحقه١، فكانت بالتأخير أنسب. ومنها: أنه [لما] ٢ ذكر في آل عمران قصة خلق عيسى بلا أب، وأقيمت له الحجة بآدم، وفي ذلك تبرئة لأمه، خلافًا لما زعم اليهود، وتقريرًا لعبوديته، خلافًا لما ادعته النصارى، وذكر في هذه السورة الرد على الفريقين معًا؛ فرد على اليهود بقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ "١٥٦"، وعلى النصارى بقوله: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ "١٧١، ١٧٢". ومنها: أنه لما ذكر في آل عمران: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ "آل عمران: ٥٥"، ورد هنا على من زعم قتله بقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ "١٥٧، ١٥٨". ومنها: أنه لما قال في آل عمران في المتشابه٣: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ "آل عمران: ٧"، قال هنا: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ "١٦٢" الآية. ومنها: أنه لما قال في آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ

стр. 71

النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ "آل عمران: ١٤" الآية. فصل هذه الأشياء في السورة التي بعدها على نسق ما وقعت في الآية؛ ليعلم ما أحل الله من ذلك فيقتصر عليه، وما حرم فلا يتعدى إليه؛ لميل النفس إليه. ففصل١ في هذه السورة أحكام النساء ومباحاتها٢ للابتداء بها في الآية السابقة في آل عمران، ولم يحتج إلى تفصيل البنين؛ لأن الأولاد أمر٣ لازم [للإنسان] ٤ لا يترك منه شيء كما يترك من النساء، فليس فيهم مباح فيحتاج إلى بيانه، ومع ذلك أشير إليهم في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ "٩". ثم فصل في سورة المائدة أحكام السراق، وقطاع الطريق٥، لتعلقهم بالذهب والفضة الواقعين في الآية بعد النساء والبنين. ووقع في سورة النساء إشارة إلى ذلك في قسمة المواريث. ثم فصل في سورة الأنعام أمر الحيوان والحرث، وهو بقية المذكور في آية آل عمران. فالنظر إلى هذه اللطيفة التي مَنَّ الله بإلهامها!

стр. 72

ثم ظهر لى أن سورة النساء فصل فيها ذكر البنين أيضًا؛ لأنه لما أخبر بحب الناس لهم، وكان من ذلك: إيثارهم على البنات في الميراث، وتخصيصهم به دونهن، تولى قسمة المواريث بنفسه، فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ "١١"، وقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ "٧". فرد على ما كانوا يصنعون من تخصيص البنين بالميراث؛ لحبهم إياهم١، فكان ذلك تفصيلًا لما يحل ويحرم من إيثار البنين، اللازم عن الحب، وفي ضمن ذلك تفصيل لما يحل للذكر أخذه من الذهب والفضة وما يحرم. ومن الوجوه المناسبة لتقدم آل عمران على النساء: اشتراكها مع البقرة في الافتتاح بإنزال الكتاب، وفي الافتتاح بـ ﴿الم﴾ وسائر السور المفتتحة بالحروف المقطعة كلها مقترنة؛ كيونس وتواليها، ومريم وطه، والطواسين، و ﴿الم﴾ العنكبوت وتواليها، والحواميم، وفي ذلك أول دليل على اعتبار المناسبة في الترتيب بأوائل السور. ولم يفرق بين السورتين من ذلك بما ليس مبدوءًا به سوى بين الأعراف ويونس اجتهادًا لا توقيفًا [كما سيأتي] ٢، والفصل بالزمر بين ﴿حم﴾ غافر و ﴿ص﴾ وسيأتي. ومن الوجوه في ذلك أيضًا: اشتراكهما في التسمية بالزهراوين في حديث: "اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران" ٣، فكان افتتاح القرآن بهما نظير اختتامه بسورتي الفلق والناس، المشتركتين في التسمية بالمعوذتين.

стр. 73

سورة المائدة: وقد تقدَّم وجه في مناسبتها. وأقول: هذه السورة أيضًا شارحة لبقية مجملات سورة البقرة؛ فإن آية الأطعمة والذبائح فيها أبسط منها في البقرة١، وكذا ما حرمه٢ الكفار تبعًا لآبائهم في البقرة موجز٣، وفي هذه السورة مطنب أبلغ إطناب في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ ... ﴾ "١٠٣، ١٠٤". وفي البقرة ذكر القصاص في القتلى٤، وهنا ذكر أول من سن القتل، والسبب الذي لأجله وقع، وقال: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ

стр. 74

النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ "٣٢"، وذلك أبسط من قوله [في البقرة] : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ "البقرة: ١٧٩". وفي البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ "البقرة: ٥٨"، وذكرت١ قصتها [هنا مطولة. وذكر في البقرة من ارتد مقتصرًا عليه، وقال] ٢ هنا: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ "٥٤". وفي البقرة قصة الأيمان موجزة، وزاد هنا بسطًا بذكر الكفارة٣. وفي البقرة قال في الخمر والميسر: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ "البقرة: ٢١٩". وزاد في هذه السورة ذمها، وصرح بتحريمها٤. وفيها من الاعتلاق بسورة الفاتحة: بيان المغضوب عليهم والضالين في قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ "٦٠" الآية. وقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل﴾ "٧٧". وأما اعتلاقها بسورة النساء، فقد ظهر لي فيه وجه بديع جدًّا؛ وذلك أن سورة النساء اشتملت على عدة عقود صريحًا وضمنًا،

стр. 75

فالصريح: عقود الأنكحة، وعقد الصداق، وعقد الحلف، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ "النساء: ٣٣". وعقد الأيمان في هذه الآية، وبعد ذلك عقد المعاهدة والأمان في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ "النساء: ٩٠"، وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ﴾ "النساء: ٩٢". والضمني: عقد الوصية، والوديعة، والوكالة، والعارية، والإجارة، وغير ذلك من الداخل في عموم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ "النساء: ٥٨"، فناسب أن يعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود، فكأنه قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ "١" التي فرغ من ذكرها في السورة التي تمت، فكان ذلك غاية في التلاحم والتناسب والارتباط. ووجه آخر في تقديم سورة النساء، وتأخير سورة المائدة؛ وهو: أن تلك أولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ "النساء: ١"، وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بخطاب [الكفار وتنزيل] ١ المكي، [وهذه أولها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ "١" وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بخطاب المدني] ٢ وتقديم العام٣ وشبه المكي أنسب. ثم إن هاتين السورتين في التلازم٤ والاتحاد نظير البقرة وآل عمران، فتلكما في تقرير الأصول؛ من الوحدانية، والكتاب،
следующие страницы →