النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ "آل عمران: ١٤" الآية.
فصل هذه الأشياء في السورة التي بعدها على نسق ما وقعت في الآية؛ ليعلم ما أحل الله من ذلك فيقتصر عليه، وما حرم فلا يتعدى إليه؛ لميل النفس إليه.
ففصل١ في هذه السورة أحكام النساء ومباحاتها٢ للابتداء بها في الآية السابقة في آل عمران، ولم يحتج إلى تفصيل البنين؛ لأن الأولاد أمر٣ لازم [للإنسان] ٤ لا يترك منه شيء كما يترك من النساء، فليس فيهم مباح فيحتاج إلى بيانه، ومع ذلك أشير إليهم في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ "٩".
ثم فصل في سورة المائدة أحكام السراق، وقطاع الطريق٥، لتعلقهم بالذهب والفضة الواقعين في الآية بعد النساء والبنين. ووقع في سورة النساء إشارة إلى ذلك في قسمة المواريث.
ثم فصل في سورة الأنعام أمر الحيوان والحرث، وهو بقية المذكور في آية آل عمران. فالنظر إلى هذه اللطيفة التي مَنَّ الله بإلهامها!
стр. 72
ثم ظهر لى أن سورة النساء فصل فيها ذكر البنين أيضًا؛ لأنه لما أخبر بحب الناس لهم، وكان من ذلك: إيثارهم على البنات في الميراث، وتخصيصهم به دونهن، تولى قسمة المواريث بنفسه، فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ "١١"، وقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ "٧". فرد على ما كانوا يصنعون من تخصيص البنين بالميراث؛ لحبهم إياهم١، فكان ذلك تفصيلًا لما يحل ويحرم من إيثار البنين، اللازم عن الحب، وفي ضمن ذلك تفصيل لما يحل للذكر أخذه من الذهب والفضة وما يحرم.
ومن الوجوه المناسبة لتقدم آل عمران على النساء: اشتراكها مع البقرة في الافتتاح بإنزال الكتاب، وفي الافتتاح بـ ﴿الم﴾ وسائر السور المفتتحة بالحروف المقطعة كلها مقترنة؛ كيونس وتواليها، ومريم وطه، والطواسين، و ﴿الم﴾ العنكبوت وتواليها، والحواميم، وفي ذلك أول دليل على اعتبار المناسبة في الترتيب بأوائل السور.
ولم يفرق بين السورتين من ذلك بما ليس مبدوءًا به سوى بين الأعراف ويونس اجتهادًا لا توقيفًا [كما سيأتي] ٢، والفصل بالزمر بين ﴿حم﴾ غافر و ﴿ص﴾ وسيأتي.
ومن الوجوه في ذلك أيضًا: اشتراكهما في التسمية بالزهراوين في حديث: "اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران" ٣، فكان افتتاح القرآن بهما نظير اختتامه بسورتي الفلق والناس، المشتركتين في التسمية بالمعوذتين.
стр. 73
سورة المائدة:
وقد تقدَّم وجه في مناسبتها.
وأقول: هذه السورة أيضًا شارحة لبقية مجملات سورة البقرة؛ فإن آية الأطعمة والذبائح فيها أبسط منها في البقرة١، وكذا ما حرمه٢ الكفار تبعًا لآبائهم في البقرة موجز٣، وفي هذه السورة مطنب أبلغ إطناب في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ ... ﴾ "١٠٣، ١٠٤".
وفي البقرة ذكر القصاص في القتلى٤، وهنا ذكر أول من سن القتل، والسبب الذي لأجله وقع، وقال: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ
стр. 74
النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ "٣٢"، وذلك أبسط من قوله [في البقرة] : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ "البقرة: ١٧٩".
وفي البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ "البقرة: ٥٨"، وذكرت١ قصتها [هنا مطولة. وذكر في البقرة من ارتد مقتصرًا عليه، وقال] ٢ هنا: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ "٥٤".
وفي البقرة قصة الأيمان موجزة، وزاد هنا بسطًا بذكر الكفارة٣.
وفي البقرة قال في الخمر والميسر: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ "البقرة: ٢١٩". وزاد في هذه السورة ذمها، وصرح بتحريمها٤.
وفيها من الاعتلاق بسورة الفاتحة: بيان المغضوب عليهم والضالين في قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ "٦٠" الآية. وقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل﴾ "٧٧".
وأما اعتلاقها بسورة النساء، فقد ظهر لي فيه وجه بديع جدًّا؛ وذلك أن سورة النساء اشتملت على عدة عقود صريحًا وضمنًا،
стр. 75
فالصريح: عقود الأنكحة، وعقد الصداق، وعقد الحلف، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ "النساء: ٣٣". وعقد الأيمان في هذه الآية، وبعد ذلك عقد المعاهدة والأمان في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ "النساء: ٩٠"، وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ﴾ "النساء: ٩٢".
والضمني: عقد الوصية، والوديعة، والوكالة، والعارية، والإجارة، وغير ذلك من الداخل في عموم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ "النساء: ٥٨"، فناسب أن يعقب بسورة مفتتحة بالأمر بالوفاء بالعقود، فكأنه قيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ "١" التي فرغ من ذكرها في السورة التي تمت، فكان ذلك غاية في التلاحم والتناسب والارتباط.
ووجه آخر في تقديم سورة النساء، وتأخير سورة المائدة؛ وهو: أن تلك أولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ "النساء: ١"، وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بخطاب [الكفار وتنزيل] ١ المكي، [وهذه أولها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ "١" وفيها الخطاب بذلك في مواضع، وهو أشبه بخطاب المدني] ٢ وتقديم العام٣ وشبه المكي أنسب.
ثم إن هاتين السورتين في التلازم٤ والاتحاد نظير البقرة وآل عمران، فتلكما في تقرير الأصول؛ من الوحدانية، والكتاب،
стр. 76
والنبوة، وهاتان في تقرير الفروع الحكمية١.
وقد ختمت المائدة بصفة القدرة، كما افتتحت النساء بذلك٢.
وافتتحت النساء ببدء الخلق، وختمت المائدة بالمنتهى من البعث والجزاء٣، فكأنهما سورة واحدة، اشتملت على الأحكام من المبتدأ إلى المنتهى.
ولما وقع في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ "النساء: ١٠٥" الآيات، وكانت٤ نازلة في قصة سارق سرق درعًا٥، فصل في سورة المائدة أحكام السراق والخائنين.
ولما ذكر في سورة النساء أنه أنزل إليك الكتاب لتحكم بين الناس، ذكر في سورة المائدة آيات في الحكم بما أنزل الله حتى بين الكفار، وكرر قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ "٤٤، ٤٥، ٤٦".
فانظر إلى هذه السور الأربع المدنيات، وحسن ترتيبها، وتلاحمها، وتناسقها، وتلازمها.
стр. 77
وقد افتتحت البقرة التي هي أول ما نزل في المدينة١، وختمت بالمائدة التي هي آخر ما نزل بها، كما في حديث الترمذي٢.
стр. 78
سورة الأنعام:
قال بعضهم: مناسبة هذه السورة لآخر المائدة: أنها افتتحت بالحمد، وتلك ختمت بفصل القضاء، وهما متلازمتان كما قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "الزمر: ٧٥".
و [أقول] ١ قد ظهر لي بفضل الله مع ما قدمت الإشارة إليه في آية ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ ٢: أنه لما ذكر في آخر المائدة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ "المائدة: ١٢٠" على سبيل الإجمال، افتتح هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله.
فبدأ بذكر: أنه خلق السماوات والأرض، وضم إليه أنه جعل الظلمات والنور، وهو بعض ما تضمنه قوله: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ في آخر المائدة، وضمَّن قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [أول الأنعام] أن له ملك جميع المحامد، وهو من بسط [جميع] ٣: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ [في آخر المائدة] .
ثم ذكر: أنه خلق النوع الإنساني، وقضى له أجلًا مسمى، وجعل له أجلًا آخر للبعث، وأنه منشئ القرون قرنًا بعد قرن، ثم قال: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ "١٢"، فأثبت له ملك جميع المنظورات، ثم قال: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ "١٣"، فأثبت له ملك جميع المظروفات في٤ الزمان، ثم ذكر أنه خلق سائر
стр. 79
الحيوان، من الدواب والطير، ثم خلق النوم واليقظة، والموت والحياة، ثم أكثر في أثناء السورة من ذكر الخلق والإنشاء لما فيهن من النيرين، والنجوم، وفلق الإصباح، وخلق الحب والنوى، وإنزال الماء، وإخراج النبات والثمار بأنواعها، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات، والأنعام، ومنها حمولة وفرش، وكل ذلك تفصيل لملكه ما فيهن، وهذه مناسبة جليلة١.
و٢ لما كان المقصود من هذه السورة بيان الخلق والملك، أكثر فيها من ذكر الرب الذي هو بمعنى المالك والخالق والمنشئ، واقتصر فيها على ما يتعلق بذلك من بدء الخلق الإنساني والملكوتي، والملكي والشيطاني، والحيواني والنباتي، وما تضمنته من الوصايا، فكلها متعلقة بالمعاش والقوام الدنيوي٣، ثم أشار إلى أشراط الساعة [والبعث] ٤.
فقد جمعت هذه السورة جميع المخلوقات بأسرها، وما يتعلق بها، وما يرجع إليها، فظهر بذلك مناسبة افتتاح السور المكية بها٥، وتقديمها على ما تقدم نزوله منها.
وهي في جمعها الأصول والعلوم والمصالح الدنيوية نظير سورة البقرة في جمعها [الأصول و] ٦ العلوم والمصالح الدينية، وما ذكر فيها من
стр. 80
العبادات المحضة، فعلى وجه الاختصار١ والإيماء؛ كنظير ما وقع في البقرة من علوم بدء الخلق ونحوه، فإنه على وجه الإيجاز٢ والإشارة.
فإن قلت: فلِمَ لا أفتتح القرآن بهذه السورة مقدَّمة على سورة البقرة؛ لأن بدء الخلق سابق٣ على الأحكام والتعبدات؟!
قلت: للإشارة إلى أن مصالح الدين والآخرة مقدَّمة على مصالح المعاش والدنيا، ولأن٤ المقصود [من الخلق] ٥ إنما هو العبادة، فقدم ما هو الأهم في نظر الشرع٦، ولأن علم بدء الخلق كالفضلة، وعلم٧ الأحكام والتكاليف متعين على كل واحد؛ فلذلك لا ينبغي النظر في علم بدء الخلق وما جرى مجراه من التواريخ إلا بعد النظر في علم الأحكام وإتقانه.
ثم ظهر لي بحمد الله وجه آخر -أتقن مما تقدم- وهو: أنه لما ذكر في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ "المائدة: ٨٧" إلى آخره [ثم ذكر بعده: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَة﴾ "المائدة: ١٠٣" إلى آخره] ٨ فأخبر عن الكفار أنهم حرموا أشياء
стр. 81
مما رزقهم الله افتراء عليه، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يُحرِّموا شيئًا مما أحل الله، فيشابهوا بذلك الكفار في صنيعهم، وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز، ساق هذه السورة لبيان ما حرمه الكفار في صنيعهم، فأتى به على الوجه الأبين والنمط الأكمل، ثم جادلهم فيه، وأقام الدلائل على بطلانه، وعارضهم وناقضهم، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه القصة١، فكانت هذه السورة شرحًا لما تضمنته المائدة من ذلك على سبيل الإجمال، وتفصيلًا وبسطًا، وإتمامًا وإطنابًا.
وافتتحت بذكر الخلق والملك٢؛ لأن الخالق والمالك هو الذي له التصرف في ملكه ومخلوقاته إباحة ومنعًا، وتحريمًا وتحليلًا، فيجب ألا يتعدى عليه بالتصرف في ملكه.
وكانت هذه السورة بأسرها متعلقة بالفاتحة من وجه كونها شارحة لإجمال قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وبالبقرة٣ من حيث شرحها لإجمال قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ "البقرة: ٢١"، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ "البقرة: ٢٩"، وبآل عمران من جهة تفصيلها لقوله: ﴿وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ "آل عمران: ١٤"، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ "آل عمران: ١٨٥" الآية.
وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق، والتقبيح لما حرموه على
стр. 82
أزواجهم، وقتل البنات بالوأد١.
وبالمائدة من حيث اشتمالها على الأطعمة بأنواعها٢.
وفي افتتاح السور المكية بها وجهان آخران من المناسبة.
الأول: افتتاحها بالحمد.
والثاني: مشابهتها للبقرة، المفتتح بها السور المدنية، من حيث أن كلًّا منهما نزل مشيعًا. ففي حديث أحمد: "البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكًا"٣، وروى الطبراني وغيره من طرق: "أن الأنعام شيعها سبعون ألف ملك"، وفي رواية: "خمسمائة ملك"٤.
ووجه آخر؛ وهو: أن كل ربع من القرآن افتتح بسورة أولها الحمد. [فأول القرآن سورة ﴿الْحَمْدُ﴾ ] ٥، وهذه للربع الثاني، والكهف للربع الثالث، وسبأ وفاطر للربع الرابع.
стр. 83
وجميع هذه الوجوه التي استنبطتها من المناسبات بالنسبة إلى أسرار القرآن١ كنقطة من ٢ بحر.
ولما كانت هذه السورة لبيان بدء الخلق، ذكر فيها ما وقع عند بدء الخلق؛ وهو قوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة﴾ "١٢"، ففي الصحيح: "لما فرغ الله من الخلق، وقضى القضية، كتب كتابًا عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" ٣.
стр. 84
سورة الأعراف:
أقول: مناسبة وضع هذه السورة عقب سورة الأنعام فيما ألهمني الله سبحانه: أن سورة الأنعام لما كانت لبيان الخلق، وقال فيها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ "الأنعام: ٢"، وقال في بيان القرون: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ "الأنعام: ٦"، وأشير فيها إلى ذكر المرسلين، وتعداد كثير منهم، وكانت الأمور الثلاثة على وجه الإجمال لا التفصيل، ذُكرت هذه السورة عقبها؛ لأنها مشتملة على شرح الأمور الثلاثة وتفصيلها.
فبسط فيها قصة خلق آدم أبلغ بسط؛ بحيث لم تبسط في سورة كما بسطت فيها١، وذلك تفصيل إجمال قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ "الأنعام: ٢"، ثم فصلت قصص المرسلين وأممهم، وكيفية إهلاكهم٢ تفصيلًا تامًّا شافيًا مستوعبًا، لم يقع نظيره في سورة غيرها٣، وذلك بسط حال القرون المهلَكة ورسلهم، فكانت هذه السورة شرحًا لتلك الآيات الثلاث.
وأيضًا فذلك تفصيل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ "الأنعام: ٦"؛ ولهذا صدَّر هذه السورة بخلق آدم الذي جعله الله في الأرض خليفة٤. وقال في قصة عاد: ﴿جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ "٦٩"
стр. 85
وفي قصة ثمود: ﴿جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ "٧٤".
وأيضًا فقد قال في الأنعام: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ "الأنعام: ٥٤" وهو موجز، وبسطه هنا بقوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ "١٥٦" إلى آخره، فبيَّن من كتبها لهم.
وأما وجه ارتباط أول هذه السورة بآخر الأنعام فهو: أنه قد تقدم هناك: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ "الأنعام: ١٥٣"، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ "الأنعام: ١٥٥"، فافتتح هذه السورة أيضًا [بالأمر] ١ باتباع الكتاب في قوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ إلى [قوله] ١ ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ "٢، ٣".
وأيضًا لما تقدم في الأنعام: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون﴾ "الأنعام: ١٥٩"، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ "الأنعام: ١٦٤"، قال في مفتتح هذه السورة: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ، فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ "٦، ٧"، وذلك شرح التنبئة المذكورة.
وأيضًا فلما قال في الأنعام: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ "الأنعام: ١٦٠" الآية، وذلك لا يظهر إلا في الميزان، افتتح هذة السورة بذكر الوزن، فقال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَق﴾ "٨". ثم ذكر من ثقلت موازينه، وهو مَن زادت حسناته على سيئاته، ثم من خفت موازينه، وهو من زادت سيئاته على حسناته، ثم ذكر بعد ذلك أصحاب الأعراف، وهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم٢.
стр. 86
سورة الأنفال:
اعلم أن وضع هذه السورة وبراءة١ ليس بتوقيف من الرسول ﷺ والصحابة، كما هو الراجح في سائر السور؛ بل اجتهاد من عثمان ﵁.
وقد كان يظهر في بادئ الرأي: أن المناسب إيلاء الأعراف بيونس وهود؛ لاشتراك كل [منهما] ٢ في اشتمالها على قصص الأنبياء، وأنها مكية النزول، خصوصًا أن الحديث ورد في فضل السبع الطوال، وعدوا السابعة يونس، وكانت تُسمى بذلك كما أخرجه البيهقي في الدلائل٣. ففي فصلها من الأعراف بسورتين هما الأنفال وبراءة فصل للنظير من٤ سائر نظائره، هذا مع قصر سورة الأنفال بالنسبة إلى الأعراف وبراءة.
وقد استشكل ذلك قديمًا حبر الأمة ابن عباس، فأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني٥،
стр. 87
وإلى براءة وهي من المئين١، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض مَن كان يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل [بالمدينة] ٢، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم٣، ووضعتها في السبع الطوال٤.
فانظر إلى بن عباس ﵄ كيف استشكل على عثمان ﵁ أمرين: وضع الأنفال وهي قصيرة مع السور الطويلة، ووضعها هي وبراءة في أثناء السبع الطوال، مفصولًا بهما بين السادسة والسابعة، وانظر كيف أجاب عثمان ﵁ أولًا بأنه لم يكن
стр. 88
عنده في ذلك توقيف، فإنه استند إلى اجتهاد، وأنه قرن بين الأنفال وبراءة لكونها شبيهة بقصتها في اشتمال كل منهما على [الأمر] ١ القتال، ونبذ العهود، وهذا وجه بيِّن المناسبة جلي، فرضي الله عن الصحابة، ما أدق أفهامهم! وأجزل آراءهم! وأعظم أحلامهم! ٢
وأقول: يتم بيان مقصد عثمان ﵁ في ذلك بأمور فتح الله بها:
الأول: أنه جعل الأنفال قبل براءة مع قصرها؛ لكونها مشتملة على البسملة، فقدمها لتكون كقطعة٣منها، وتكون براءة بخلوها منها كتتمتها وبقيتها؛ ولهذا قال جماعة من السلف: إن الأنفال وبراءة سورة واحدة، لا سورتان٤.
الثاني: أنه وضع براءة هنا لمناسبة الطوال؛ فإنه ليس في القرآن بعد الأعراف أنسب ليونس طولًا منها٥، وذلك كافٍ في المناسبة.
الثالث: أنه خلَّل بالسورتين [الأنفال وبراءة] أثناء السبع الطوال المعلوم ترتيبها في العصر الأول؛ للإشارة إلى أن ذلك أمر صادر لا عن توقيف، وإلى أن رسول الله ﷺ قُبِضَ قبل أن يبين محلهما، فوضعا [هنا] ٦ كالموضع المستعار بين السبع الطوال، بخلاف ما لو وضعتا بعد السبع الطوال، فإنه كان يوهم أن ذلك محلهما
стр. 89
بتوقيف، وترتيب السبع الطوال يرشد إلى دفع هذا الوهم١.
فانظر إلى هذه الدقيقة التي فتح الله بها، ولا يغوص عليها إلا غواص.
الرابع: أنه لو أخرهما وقدم يونس، وأتى بعد براءة بهود -كما في مصحف أُبي بن كعب- لمراعاة مناسبة السبع الطوال، وإيلاء بعضها بعضًا، لفات مع ما أشرنا إليه أمر آخر آكد في المناسبة، فإن الأَوْلى بسورة يونس أن تولى بالسور الخمس التي بعدها، لما اشتركت فيه من الاشتمال على القصص، ومن الافتتاح بـ ﴿الر﴾ ٢، وبذكر الكتاب، ومن كونها مكيات، ومن تناسب، ما عدا الحجر في المقدار، وبالتسمية باسم نبي، والرعد اسم٣ ملك، وهو مناسب لأسماء الأنبياء.
فهذه ستة وجوه في مناسبة الاتصال بين يونس وما بعدها، وهي آكد من ذلك الوجه الواحد٤ في تقديم يونس بعد الأعراف.
ولبعض هذه الأمور قدمت سورة الحجر على النحل، مع كونها أقصر منها، ولو أخرت براءة عن هذه السور الست [لبعدت] ٥ المناسبة جدًّا لطولها بعد عدة٦ سور أقصر منها بخلاف وضع سورة
стр. 90
النحل بعد الحجر؛ فإنها ليست كبراءة في الطول.
ويشهد لمراعاة الفواتح في مناسبة الوضع ما ذكرنا من تقديم الحجر على النحل لمناسبة ذوات ﴿الر﴾ قبلها، وما تقدم من تقديم آل عمران على النساء وإن كانت أقصر منها لمناسبة البقرة في١ الافتتاح بـ ﴿الم﴾ وتوالي الطواسين والحواميم، وتوالي العنكبوت والروم ولقمان٢ والسجدة، لافتتاح كل بـ ﴿الم﴾ ولهذا قدمت السجدة على الأحزاب التي هي أطول منها.
هذا ما فتح الله به.
وأما ابن مسعود فقدم في مصحفه البقرة على: النساء، وآل عمران، والأعراف، والأنعام، والمائدة، ويونس، فراعى [السبع] ٣ الطوال، وقدم الأطول فالأطول، ثم ثنى بالمئين، فقدم براءة، ثم النحل، ثم هود، ثم يوسف، ثم الكهف، وهكذا الأطول فالأطول، وذكر الأنفال بعد النور٤.
ووجه مناسبتها لها: أن كلا منهما مدنية، ومشتملة على أحكام، وأن في النور ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ "النور: ٥٥" الآية. وفي الأنفال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ﴾ "٢٦" الآية. ولا يخفى ما بين الآيتين من المناسبة؛ فإن الأولى مشتملة على الوعد بما حصل، وذكَّر به في الثانية، فتأمل.
стр. 91
سورة براءة:
أقول: قد عرف وجه مناسبتها، ونزيد هنا أن صدرها١ تفصيل لإجمال قوله في الأنفال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ "الأنفال: ٥٨" الآية، وآيات الأمر بالقتال متصلة بقوله هناك: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ "الأنفال: ٦٠"؛ ولذا قال هنا في قصة المنافقين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ "٤٦".
ثم بين السورتين تناسب من وجه آخر؛ وهو: أنه سبحانه في الأنفال تولى قسمة الغنائم، وجعل خُمسها خمسة أخماس٢، وفي براءة تولى قسمة الصدقات، وجعلها لثمانية أصناف٣.
стр. 92
سورة يونس:
أقول: قد عرف وجه مناسبتها فيما تقدم في الأنفال١، ونزيد هنا: أن مطلعها شبيه بمطلع سورة الأعراف؛ فإنه٢ سبحانه قال فيها: ﴿أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ "٢" فقدم الإنذار وعممه، وآخَّر البشارة وخصصها، وقال تعالى في مطلع الأعراف: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ "الأعراف: ٢" فخص الذكر وأخَّرها، وقدم الإنذار، وحذف مفعوله ليعم.
وقال هنا: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ "٣"، وقال في أوائل الأعراف مثل ذلك٣.
وقال هنا: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ "٣". وقال هناك: ﴿مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ "الأعراف: ٥٤".
وأيضًا فقد ذكرت قصة فرعون وقومه في الأعراف، واختصر ذكر٤ إغراقهم، وبسط٥ في هذه السورة أبلغ بسط٦.
فهي شارحة لما أُجمل في سورة الأعراف منه.
стр. 93
سور هود
...
سورة هود:
أقول: وجه وضعها بعد سورة يونس زيادة على الأوجه الستة السابقة: أن سورة يونس ذكر فيها قصة نوح مختصرة جدًّا مجملة١، فشرحت في هذه السورة وبسطت ما٢ لم يبسطه في غيرها من السور٣، ولا في سورة الأعراف على طولها، ولا في سورة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١] التي أفردت لقصته.
فكانت هذه السورة شارحة لما أجمل في سورة يونس [توفية بالقاعدة، ثم إن مطلعها شديد الارتباط بمقطع سورة يونس] ٤، فإن قوله هناك: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ "يونس: ١٠٩" هو عين قوله هنا: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ "٢".
стр. 94
سورة يوسف:
أقول: وجه وضعها بعد سورة هود زيادة على الأوجه الستة السابقة: أن قوله في مطلعها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ "٣" مناسب لقوله في مقطع تلك: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ "هود: ١٢٠".
وأيضًا فلما وقع في سورة هود: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ "هود: ٧١"، وقوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ "هود: ٧٣". وذكر هنا حال يعقوب مع أولاده، وحال ولده الذي هو من أهل البيت مع إخوته، فكان كالشرح لإجمال ذلك.
وكذلك قال هنا: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ "٦" فكان ذلك كالمقترن بقوله في هود١: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ "هود: ٧٣".
وقد روينا عن ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب النزول: أن يونس نزلت، ثم هود، ثم يوسف٢. وهذا وجه آخر من وجوه المناسبة في ترتيب هذه السور الثلاث؛ لترتيبها في النزول هكذا.
стр. 95
سورة الرعد:
أقول: وجه وضعها بعد سورة يوسف زيادة ما تقدم بعدما فكرت فيه طائفة من الزمان: أنه سبحانه قال في آخر تلك: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ "يوسف: ١٠٥" فذكر الآيات السمائية والأرضية مجملة، ثم فصل١ في مطلع هذه السورة بقوله٢: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [﴾ تفصيل للآيات السمائية. وقوله: ﴿] ٣و َهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ "٢-٤" تفصيل للآيات٤ الأرضية.
هذا مع اختتام سورة يوسف بوصف الكتاب، ووصفه بالحق، وافتتاح هذه بمثل ذلك٥، وهو من تشابه الأطراف.
стр. 96
سورة إبراهيم:
أقول: وجه وضعها بعد سورة الرعد زيادة على ما تقدم بعد إفكاري فيه برهة: أن قوله في مطلعها: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ "١" مناسب لقوله في مقطع تلك: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ "الرعد: ٤٣" على أن المراد بـ"مَنْ" هو: الله تعالى ﷻ .
وأيضًا ففي الرعد: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ "الرعد: ٣٢"، وذلك مجمل في أربعة مواضع: الرسل، والمستهزئين، وصفة الاستهزاء، والأخذ، وقد فصلت الأربعة في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ... ﴾ "٩-١٦" الآيات١.
стр. 97
سورة الحِجْر:
أقول: تقدمت الأوجه في اقترانها بالسورة السابقة؛ وإنما أُخرت عنها لقصرها بالنسبة إليها، وهذا القسم من سور القرآن للمئين، فناسب تقديم الأطول١، مع مناسبة ما خُتمت به لبراعة الختام وهو قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ "٩٩"، فإنه مفسر بالموت٢، وذلك مقطع في غاية البراعة.
وقد وقع ذلك في أواخر السور المقترنة، ففي آخر آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "آل عمران: ٢٠٠"، وفي آخر الطواسين: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ "القصص: ٨٨"، وفي آخر ذوات ﴿الر﴾ : ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ "السجدة: ٣٠"، وفي آخر الحواميم: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ﴾ "الأحقاف: ٣٥".
ثم ظهر لي وجه اتصال أول هذه السورة بآخر سورة إبراهيم؛ فإنه تعالى لما قال هناك في وصف يوم القيامة: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ "إبراهيم: ٤٨-٥٠"، قال هنا: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ "٢" فأخبر أن المجرمين المذكورين إذا طال مكثهم في النار، ورأوا عصاة المؤمنين الموحدين قد أُخرجوا منها تمنوا أن
стр. 98
لو كانوا في الدنيا مسلمين، وذلك وجه حسن في الربط، مع اختتام آخر تلك بوصف الكتاب، وافتتاح هذه به١، وذلك من تشابه الأطراف٢.
стр. 99
سورة النحل:
أقول: وجه وضعها بعد سورة الحجر: أن آخرها شديد الالتئام بأول هذه؛ فإن قوله في آخر تلك: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ "الحجر: ٩٩" الذي هو مفسر بالموت، ظاهر المناسبة لقوله هنا: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ "١"، وانظر كيف جاء في المقدَّمة بـ ﴿يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [بلفظ المضارع] ١، وفي المتأخرة بلفظ الماضي؛ لأن المستقبل سابق على الماضي، كما تقرر في المعقول والعربية٢.
ثم٣ ظهر لي أن هذه السورة شديدة الاعتلاق بسورة إبراهيم؛ وإنما تأخرت٤ عنها لمناسبة الحجر، في كونها من ذوات ﴿الر﴾ .
وذلك: أن سورة إبراهيم وقع فيها ذكر فتنة الميت، ومن هو مثبت٥ وغيره٦، وذلك أيضًا في هذه بقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ "٢٨" الآيات، فذكر الفتنة، وما يحصل عندها من الثبات والإضلال، وذكر هنا ما يحصل عقب ذلك من النعيم والعذاب٧.
стр. 100
ووقع في سورة إبراهيم: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ "إبراهيم: ٤٦"، و [قد] ١ قيل: إنها في الجبار الذي أراد أن يصعد السماء بالنسور٢، ووقع هنا أيضًا في قوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ "٢٦".
ووقع في سورة إبراهيم ذكر النعم، وقال عقبها: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ "إبراهيم: ٣٤"، ووقع هنا ذكر ذلك معقَّبًا بمثل ذلك.
стр. 101
سورة بني إسرائيل:
اعلم أن هذه السورة والأربع بعدها من قديم ما أنزل١.
أخرج البخاري عن ابن مسعود أنه قال في بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: " [هن] ٢ من العتاق الأول، وهن من تلادي"٣، وهذا وجه في ترتيبها، وهو اشتراكها في قدم النزول، وكونها مكيات، وكلها٤ مشتملة على القصص.
وقد ظهر لي في وجه اتصالها بسورة النحل: أنه سبحانه لما قال في آخر النحل: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ "النحل: ١٢٤" فسر في هذه [السورة] ٥ شريعة أهل السبت وشأنهم، فذكر فيها جميع ما شرع لهم في التوراة، كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: " [إن] ٦ التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل"٧، وذكر عصيانهم وإفسادهم٨، وتخريب مسجدهم، ثم ذكر استفزازهم للنبي ﷺ وإرادتهم إخراجه من المدينة، ثم ذكر سؤالهم إياه عن الروح، ثم ختم السورة بآيات موسى التسع، وخطابه مع فرعون، وأخبر أن [فرعون أراد أن يستفزهم من الأرض، فأُهلك،
стр. 102
وورث بنو إسرائيل من بعده، وفي ذلك تعريض بهم، أنهم كما استفزوا النبي] ١ ﷺ ليخرجوه من المدينة هو وأصحابه كنظير ما وقع لهم مع فرعون لما استفزهم، و [قد] ٢ وقع ذلك أيضًا.
ولما كانت هذه السورة مصدَّرة بقصة تخريب المسجد الأقصى أُسْرِيَ بالمصطفى إليه، تشريفًا له بحلول ركابه الشريف٣، فلله الحمد على ما ألهم.
стр. 103
سورة الكهف:
قال بعضهم: مناسبة وضعها بعد سورة الإسراء: افتتاح تلك بالتسبيح، وهذه بالتحميد١، وهما مقترنان في القرآن وسائر الكلام؛ بحيث يسبق التسبيح التحميد؛ نحو: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ٢ "الحجر: ٩٨"، وسبحان الله وبحمده.
قلت: مع اختتام ما قبلها بالتحميد أيضًا٣، وذلك من وجوه المناسبة بتشابه الأطراف.
ثم ظهر لي وجه آخر أحسن٤ في الاتصال؛ وذلك: أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا النبي ﷺ عن ثلاثة أشياء: عن الروح، وعن قصة أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين٥، وقد ذكر جواب السؤال الأول في آخر سورة بني إسرائيل، فناسب اتصالها بالسورة التي اشتملت على جواب السؤالين الآخرين٦.
فإن قلت: هلَّا جمعت الثلاثة في سورة واحدة؟
стр. 104
قلت: لما لم يقع الجواب عن الأول بالبيان١، ناسب فصله في سورة.
ثم ظهر لي وجه آخر: وهو أنه لما قال فيها: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ "الإسراء: ٨٥"، والخطاب لليهود، واستظهر على ذلك بقصة موسى في بني إسرائيل مع الخضر، التى كان سببها ذكر العلم والأعلم٢، وما دلت عليه من إحاطة٣ معلومات الله التي لا تحصى، فكانت هذه السورة كإقامة الدليل لما ذكر من الحِكَم٤.
وقد ورد في الحديث أنه لما نزل: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال اليهود: قد أوتينا التوراة، فيها علم كل شيء؛ فنزل: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ "١٠٩" في هذه السورة٥، فهذا وجه آخر في المناسبة، وتكون السورة من هذه الجهة جوابًا عن شبهة الخصوم فيما قدر بتلك.
وأيضًا فلما قال هناك: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ "الإسراء: ١٠٤" شرح ذلك هنا وبسطه بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ إلى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا، وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ "٩٨-١٠٠"، فهذه وجوه عديدة في الاتصال٦.
стр. 105
سورة مريم:
أقول: ظهر لى في وجه مناسبتها لما قبلها: أن سورة الكهف اشتملت على عدة أعاجيب: قصة أصحاب الكهف، وطول لبثهم هذه المدة الطويلة بلا أكل ولا شرب، وقصة موسى مع الخضر، وما فيها من الخارقات، وقصة ذي القرنين، وهذه السورة فيها أعجوبتان: قصة ولادة يحيى بن زكريا١، وقصة ولادة عيسى، فناسب تتاليهما٢.
وأيضًا فقد قيل: إن أصحاب الكهف يُبعثون قبل قيام الساعة، ويحجون مع عيسى ابن مريم حين ينزل٣، ففي ذكر سورة مريم بعد [ذكر] ٤ سورة أصحاب الكهف مع ذلك -إن ثبت- ما لا يخفى من المناسبة.
وقد قيل أيضًا: إنهم من قوم عيسى، وإن قصتهم كانت في الفترة، فناسب توالي [سورة] ٥ قصتهم و [سورة] ٥ قصة نبيهم٦.
стр. 106
سورة طه:
أقول: روينا عن ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب النزول: أن طه نزلت بعد سورة مريم، بعد ذكر سورة أصحاب الكهف، وذلك وحده كافٍ في مناسبة الوضع، مع التآخي بالافتتاح١ بالحروف المقطعة.
وظهر لي وجه آخر؛ وهو: أنه لما ذكر في سورة مريم قصص عدة من الأنبياء؛ وهم: زكريا، ويحيى، وعيسى، الثلاثة مبسوطة وإبراهيم، وهي بين البسط والإيجاز، وموسى، وهي موجزة بجملة٢ أشار إلى بقية النبيين في الآية الأخيرة إجمالًا٣.
وذكر في هذه السورة شرح قصة موسى التي أجملها هناك، فاستوعبها غاية الاستيعاب، وبسطها أبلغ بسط٤، ثم أشار إلى تفصيل قصة آدم، الذي وقع [في مريم] ٥ مجرد اسمه هناك٦، ثم أورد في سورة الأنبياء بقية قصص من لم يذكر في مريم؛ كنوح ولوط، وداود، وسليمان، وأيوب، وذي الكفل، وذي النون، وأشير إلى قصة من ذكرت قصته
стр. 107
إشارة وجيزة؛ كموسى، وهارون، وإسماعيل، وزكريا، ومريم؛ لتكون السورتان كالمتقابلتين.
وبسطت فيها قصة إبراهيم البسط التام فيما يتعلق به مع قومه، ولم تذكر حاله مع أبيه إلا إشارة١ كما أنه في سورة مريم ذكر حاله مع قومه إشارة ومع أبيه مبسوطًا٢.
فانظر إلى عجيب هذا الأسلوب، وبديع هذا الترتيب.
стр. 108
سورة الأنبياء:
قدمت ما فيها مستوفًى١، وظهر لي في اتصالها بآخر طه: أنه سبحانه لما قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ "طه: ١٣٥"، وقال قبله: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ "طه: ١٢٩".
قال في مطلع هذه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ "١" إشارة إلى قرب الأجل، ودنو الأمل المنتظر٢.
وفيه أيضًا مناسبة لقوله هناك: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ "طه: ١٣١" الآية.
فإن قرب الساعة يقتضي الإعراض عن هذه٣ الحياة الدنيا؛ لدنوها من الزوال والفناء؛ ولهذا ورد في الحديث: أنها لما نزلت قيل لبعض الصحابة: هلا سألت النبي ﷺ عنها؟ فقال: "نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا"٤.
стр. 109
سورة الحج:
أقول: وجه اتصالها بسورة الأنبياء: أنه ختمها بوصف الساعة في قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "الأنبياء: ٩٧"، وافتتح هذه بذلك، فقال: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ "١، ٢".
стр. 110
سورة المؤمنون ١:
أقول: وجه اتصالها بسورة الحج: أنه لما ختمها بقوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "الحج: ٧٧"، وكان ذلك مجملًا، فصَّله في فاتحة هذه السورة، فذكر خصال الخير التي من فعلها فقد أفلح، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ "١، ٢" الآيات.
ولما ذكر [في] ٢ أول الحج قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ "الحج: ٥" الآية. زاده هنا بيانًا [وإطنابًا] ٣ في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ "١٢، ١٣" الآيتان. فكل جملة أُوجِزَت هناك في القصة٤ أطنب فيها هنا.