← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9993

قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث

جمال الدين القاسمي

Полный текст (465 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

١٦- قولهم: "وفي الباب عن فلان ": كثيرًا ما يأتي بذلك الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه حيث يقول: "وفي الباب عن فلان وفلان" ويعدد صحابة، ولا يريد ذلك الحديث المعين بل يريد أحاديث آخر يصح أن تكتب في الباب. قال العراقي: "وهو عمل صحيح، إلا أن كثيرًا من الناس يفهمون من ذلك أن من سُمي من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه وليس كذلك بل قد يكون كذلك" وقد يكون حديثًا آخر يصح إيراده في ذلك الباب.

стр. 247

١٧- أكثر ما وجد من رواية التابعين بعضهم عن بعض: قال الحافظ ابن حجر: "أكثر ما وجد من رواية التابعين عن بعض بالاستقراء ستة أو سبعة".

стр. 248

١٨- هل يشترط في رواية الأحاديث السند أم لا: اختلف العلماء فيمن نقل حديثًا من كتاب من الكتب المشهورة، وليس له به سند من أحد بطريق من الطرق، هل يسوغ له أن يقول قال: قال رسول الله ﷺ كذا فالجمهور على جوازه، وضعفه قوم كما هو ظاهر كلام العراقي، وصريح كلام الحافظ أبي بكر الإشبيلي، ونقل العلامة الشهاب ابن حجر المكي في فتاواه الحديثية عن الزين العراقي، أنه قال: نقل الإنسان ما ليس له به رواية غير سائغ بإجماع أهل الدراية، وعن الحافظ ابن جبر الإشبيلي خال الحافظ السهيلي أنه قال: "اتفق العلماء أنه لا يصح لمسلم أن يقول قال النبي ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويا، ولو على أقل وجوه الروايات"، وأطال في ذلك من النقول ثم قال: "كلام النووي، وابن الصلاح متفق على عدم اشتراط تعدد الأصل المقابل عليه إذا كان النقل منه للرواية بخلافه للعمل والاحتجاج فقد اشترط ابن الصلاح تعدد الأصول المقابل عليها دون النووي فإنه اكتفى بأصل، واحد معتمد وقال ابن برهان: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه بل إذا صحت عنده النسخة من الصحيحين مثلًا، جاز له العمل بها وإن لم يسمعها". ا. هـ. وإلى هذا أشار الزين العراقي في ألفيته حيث قال: وأخذ متن من كتاب لعمل ... أو احتجاج حيث ساغ قد جعل عرضا له على أصول يشترط ... وقال يحيى النووي أصل فقط ثم قال ابن حجر في الفتاوى المذكورة: "ومن هذا وما قبله تعين حمل اشتراط ابن الصلاح للتعدد على الاستجباب، كما قاله جماعة، ولا منافاة بين ما قاله ابن برهان من الإجماع على الجواز بشرطه على ما إذا كان لمجرد الاستنباط، وبحمل عدمه بشرطه على ما إذا كان للرواية عن ذلك المصنف من غير أن تصح أصول بسماعه له ولا تيقن أنه سمعه من شيخه". ا. هـ. ملخصًا. وقال الحافظ السيوطي في كتابه: "تدريب الرواي شرح تقريب النواوي": خاتمة: زاد العراقي في ألفيته هنا لأجل قول ابن الصلاح حيث ساغ له وذلك أن الحافظ أبا بكر محمد بن جبر بن عمر الأموي "بفتح الهمزة" الإشبيلي خال أبي القاسم السهيلي قال في برنامجه، اتفق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول قال رسول الله ﷺ كذا

стр. 249

حتى يكون عنده ذلك القول مرويًّا، ولو على أقل وجوه الروايات لحديث: "من كذب عليًّ". ا. هـ. ولم يتعقبه العراقي، وقد تعقبه الزركشي في جزء له فقال فيما قرأته بخطه: نقل الإجماع عجيب، وإنما حكى ذلك عن بعض المحدثين؛ ثم هو معارض بنقل ابن برهان إجماع الفقهاء على الجواز فقال في الأوسط: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه بل إذا صح عنده النسخة جاز له العمل بها، وإن لم يسمع، وحكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة، ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها وذلك شامل لكتب الحديث والفقه، وقال إلكيا الطبري في تعليقه من وجد حديثًا في كتاب صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به، وقال قوم من أصحاب الحديث لا يجوز له أن يرويه لأنه لم يسمعه، وهذا غلط. وكذا حكاه إمام الحرمين في البرهان عن بعض المحدثين، وقال: هم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول -يعني المقتصرين على السماع لا أئمة الحديث- وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في جواب سؤال كتبه إليه محمد بن عبد الحميد: "وأما الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة الموثوق بها، فقد اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد عليها والاستناد؛ إليها لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية، ولذلك اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو واللغة والطب وسائر العلوم لحصول الثقة بها وبعد التدليس، ومن اعتقد أن الناس قد اتفقوا على الخطأ في ذلك فهو أولى بالخطأ منهم، ولولا جواز الاعتماد على ذلك لتعطيل كثير من المصالح المتعلقة بها، وقد رجع الشارع إلى قول الأطباء في صور، وليست كتبهم مأخوذة في الأصل إلا عن قوم كفار، ولكن لما بعد التدليس فيها اعتمد عليها كما اعتمد في اللغة على أشعار العرب لبعد التدليس". ا. هـ. قال: -أي الزركشي المتقدم- "وكتب الحديث أولى بذلك من كتب الفقه وغيرها؛ لاعتنائهم بضبط النسخ وتحريرها فمن قال إن شرط التخريج من كتاب يتوقف على اتصال السند إليه فقد خرق الإجماع، وغاية المخرج أن ينقل الحديث من أصل موثوق بصحته وينسبه إلى من رواه، ويتكلم على علته وغريبه وفقهه. قال: وليس الناقل لإجماع مشهورًا بالعلم مثل اشتهار هؤلاء الأئمة قال: بل نص الشافعي في الرسالة على أنه يجوز أن يحدث بالخبر

стр. 250

وإن لم يعلم أنه سمعه، فليت شعري أي إجماع بعد ذلك؟ قال: واستدلاله على المنع بالحديث المذكور أعجب وأعجب؛ إذ ليس في الحديث اشتراط ذلك وإنما فيه تحريم القول بنسبة الحديث إليه حتى يتحقق أنه قاله، وهذا لا يتوقف على روايته بل يكفي في ذلك وجوده في كتب من خرج الصحيح أو كونه نص على صحته إمام وعلى ذلك عمل الناس". ا. هـ. "فتحرر من مجموعة ذلك أن الصحيح جواز نقل الحديث من الكتب المعتمدة وإضافته إلى الرسول ﷺ وإن لم يكن للناقل به رواية لكن بشرط أن يكون المنقول عنه كتابًا معتمدًا به في الحديث مقابلًا، ولو بأصل واحد فلا يجوز إضافة حديث إلى رسول الله ﷺ بمجرد وجوده في كتاب لم يعلم مؤلفه أو علم ولم يكن من أهل الحديث كما يؤخذ من كلام العز بن جماعة" انتهى من القول السديد في اتصال الأسانيد للشهاب المنيني.

стр. 251

١٩- فوائد الأسانيد المجموعة في الأثبات: اعلم أن في تطلب أسانيد الكتب غاية للحكماء سامية، ألا وهي التشوف إلى الرجوع إليها ومطالعتها. فإن العاقل إذا رأى حرص الأقدمين على روايتها بالسند إلى مصنفيها علم أن لها مقاما مكينا في سماء العرفان فيأخذ في قراءتها، واقتباس الفوائد، والمعارف منها فيزداد تنورًا وترقيا في سلم العلوم، فإن العلم قوام العالم وعماد العمران وهو الكنز الثمين والذخر الذي لا يفنى. ومن فوائد أسانيد الكتب: حفظها من النسيان والضياع؛ ومن فوائدها: نشر العلوم والمعارف وترويجها وإذاعتها بين الخاصة والعامة، لتقف عليها الطلاب ومنها: الترغيب والتشويق لمطالعة الكتب فإن الرغبة في المطالعة من أكبر النعم التي خص بها نوع الإنسان، ومن فوائدها الدلالة على اعتبار الأولين لكتب العلم والتنويه بشأنها، وتعظيم قدرها وإعلائها فإن كتبهم تحمل علومهم ومعارفهم وتذيعها في الخافقين وتقربها من طلابها ذانية القطوف، قريبة الجنا والمرء يفخر وينافس أقرانه إذا لقي

стр. 252

رجلًا من كبار العلماء، وحادثه ساعة من الزمان فكيف إذا استطاع أن يقيم معه، ويحادثه مدة حياته؟ وهكذا من نظر في كتب الحديث فهو محادث للنبي ﷺ ومطلع على هديه وأخباره كما لو ساكنه، وعاشره وشافهه وما أقربه وأيسره لمن روى تلك الكتب ودراها ولذلك قال الترمذي عن سننه: "من كان في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم"، وهكذا يقال في بقية الجوامع الحديثية فاعلم ذلك وما أرق ما قاله الوزير لسان الدين بن الخطيب في مقدمة كتابه: "الإحاطة في أخبار غرناطة"، ولولا ذلك لو يشعر آت في الخلق بذاهب، ولا اتصل بغائب فماتت الفضائل بموت أهليها، وأفلت نجومها عن أعين مجتليها فلم يرجع إلى خبر ينقل، ولا دليل يعقل، ولا سياسة تكتسب، ولا أصالة إليها ينتسب فهدى سبحانه وألهم، وعلم الإنسان بالقلم ما لم يكن يعلم حتى ألفينا المراسم قائدة، والمراشد هادية والأخبار منقولة والأسانيد موصولة والأصول محررة والتواريخ مقررة والسير مذكورة والآثار مأثورة والفضائل من بعد أهلها باقية والمآثر قاطعة شاهدة كأن نهار القرطاس وليل المداد ينافسان الليل والنهار في عالم الكون والفساد، فمهما طويا شيئا ولعا بنشره أو دفنا ذكرًا دعوا إلى نشره.

стр. 253

٢٠- ثمرة رواية الكتب بالأسانيد في الأعصار المتأخرة: قال الشيخ ابن الصلاح: "اعلم أن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود منها في عصرنا، وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه، ولا يضبط ما في كتابه ضبطا يصلح لأن يعتمد عليه في ثبوته، وإنما المقصود بها بقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة، زادها الله كرامة". ا. هـ.

стр. 254

٢١- بيان أن تحمل الأخبار على الكيفيات المعروفة من ملح العلم لا من صلبه وكذا استخراج الحديث من طرق كثيرة: قد بين ذلك الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى في موافقاته١ بقوله في أقسام ما كان من ملح العلم: "الثاني: تحمل الأخبار والآثار على التزام كيفيات لا يلزم مثلها، ولا يطلب التزامها كالأحاديث المسلسلة التي أتى بها على وجوه ملتزمة في الزمان المتقدم على غير قصد، فالتزمها المتأخرون بالقصد فصار تحملها على ذلك القصد تحريا له، بحيث يتعنى في استخراجها، ويبحث عنها بخصوصها مع أن ذلك القصد لا ينبني عليه عمل، وإن صحبها العمل؛ لأن تحلفه في أثناء تلك الأسانيد لا يقدح في العمل بمقتضى تلك الأحاديث كما في حديث: "الراحمون يرحمهم الرحمن ... " فإنهم التزموا فيه أن يكون أول حديث يسمعه التلميذ من شيخه فإن سمعه منه بعد ما أخذ عنه، لم يمنع ذلك الاستفادة بمقتضاه، وكذا سائرها غير أنهم التزموا ذلك على جهة التبرك، وتحسين الظن خاصة وليس بمطرد في جميع الأحاديث النبوية أو أكثرها حتى يقال إنه مقصود فطلب مثل ذلك من ملح العلم لا من صلبه. "والثالث: التأنق في استخراج الحديث من طرق كثيرة لا على قصد طلب تواتره، بل على أن يعد آخذا له عن شيوخ كثيرة من جهات شتى وإن كان راجعًا إلى الآحاد في الصحابة والتابعين أو غيرهم فالاشتغال بهذا من الملح لا من صلب العلم خرج أبو عمر بن عبد البر عن حمزة بن محمد الكناني قال: خرجت حديثا واحدًا عن النبي ﷺ من مائتى طريق أو من نحو مائتى طريق شك الراوي، فداخلني من ذلك من الفرح غير قليل وأعجبت بذلك فرأيت يحيى بن معين في المنام فقلت له: يا أبا زكرياء قد خرجت حديثًا عن النبي ﷺ من مائتى طريق، قال فسكت عني ساعة ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت: "ألهاكم التكاثر"، هذا ما قال وهو صحيح في الاعتبار لأن تخريجه من طرق يسيرة كاف في المقصود منه فصار الزائد على ذلك فضلًا. ا. هـ.

стр. 255

٢٢- توسع الحفاظ رحمهم الله تعالى في طبقات السماع: قال السخاوي في فتح المغيث: "لما صار الملحوظ بقاء سلسلة الإسناد، توسعوا فيه بحيث كان يكتب السماع عند المزي وبحضرته لمن يكون بعيدًا عن القارئ، وكذا للناعس والمتحدث والصبيان الذين لا ينضبط أحدهم بل يلعبون غالبًا، ولا يشتغلون بمجرد السماع حكاه ابن كثير قال: وبلغني عن القاضي التقي سليمان بن حمرة أنه زجر في مجلسه الصبيان عن اللعب فقال: لا تزجروهم فإنا إنما سمعنا مثلهم، وكذا حُكي عن ابن المحب الحافظ التسامح في ذلك، ويقول: كذا كنا صغارا نسمع، فربما ارتفعت أصواتنا في بعض الأحيان، والقارئ يقرأ فلا ينكر علينا من حضر المجلس من كبار الحفاظ كالمزي، والبرزالي والذهبي وغيرهم من العلماء، وذكر السخاوي قبل ذلك أن شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- سئل عمن لا يعرف من العربية كلمة فأمر بإثبات سماعه، وكذا حكاه ابن الجزري عن كلٍّ من ابن رافع وابن كثير وابن المحب، بل حكى ابن كثير أن المزي كان يحضر عنده من يفهم ومن لا يفهم -يعني من الرجال- ويكتب للكل السماع، وذكر أيضًا عند قول العراقي: "وقبلوا من مسلم تحملًا في كفره" ما نصه: "ومن هنا أثبت أهل الحديث في الطباق اسم من يتفق حضوره مجالس الحديث من الكفار رجاء أن يسلم، ويؤدي ما سمعه كما وقع في زمن التقي ابن تيميه أن الرئيس المطبب يوسف بن عبد السيد اليهودي الإسرائيلي سمع في حال يهوديته مع أبيه من الشمس محمد بن عبد المؤمن الصوري أشياء من الحديث، وكتب بعض الطلبة اسمه في الطبقة في جملة أسماء السامعين فأنكر عليه، وسئل ابن تيميه عن ذلك فأجازه ولم يخالفه أحد من أهل عصره بل ممن أثبت اسمه في الطبقة: الحافظ المزي، ويسر الله أنه أسلم بعد، وسُمي محمدًا، وأدى فسمعوا منه، وممن سمع منه الحافظ الشمس الحسين وغيره من أصحاب المؤلف -يعني العراقي- ولم يتيسر له هو السماع منه مع أنه رآه بدمشق، ومات في رجب سنة سبع وخمسين وسبعمائة". ا. هـ.

стр. 256

٢٣- بيان الفرق بين المخرج "اسم فاعل" والمخرج "اسم مكان ": كثيرًا ما يقولون بعد سوق الحديث: "خرَّجه فلان، أو أخرجه" بمعنى ذكره، فالمخرج "بالتشديد أو التخفيف" اسم فاعل، هو ذاكر الرواية كالبخاري؛ وأما قولهم في بعض الأحاديث: "عرف مخرجه" أو: "لم يعرف مخرجه" فهو "بفتح الميم والراء" بمعنى محل خروجه، وهو رجاله الراوون له لأنه خرج منهم.

стр. 257

٢٤- سر ذكر الصحابي في الأثر ومخرجه من المحدثين: اعلم أنه يكفي في الأثر المروي ذكر الصحابي الذي رواه، ومخرجه من المحدثين المشهورين، وفي ذلك فوائد جمة: أما ذكر الصحابي ففائدته أن الحديث تتعدد رواته وطرقه وبعضها صحيح وبعضها ضعيف، فيُذكر الصحابي ليعلم ضعيف المروي من صحيحة، ومنها رجحان الخبر بحال الراوي من زيادة فقهه وورعه ومعرفة ناسخه من منسوخه بتقدم إسلام الراوي وتأخره، وأما ذكر المخرج ففائدته تعيين لفظ الحديث وتبيين رجال إسناده في الجملة، ومعرفة كثرة المخرجين وقلتهم في ذلك الحديث لإفادة الترجيح، وزيادة التصحيح، ومنها: الرجوع إلى الأصول عند الاختلاف في الفصول إلى غير ذلك من المنافع الجليلة "كذا في شرح المشكاة".

стр. 258

الباب السابع: في أحوال الرواية؛ وفيه مباحث: ١- رواية الحديث بالمعنى: اعلم أنه قد رخص في سوق الحديث بالمعنى، دون سياقه على اللفظ، جماعة منهم: علي، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأبو هريرة ﵃ ثم جماعة من التابعين يكثر عددهم منهم إمام الأئمة الحسن البصري ثم الشعبي وعمرو بن دينار وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة نقل ذلك عنهم في كتب سيرهم بأخبار مختلفة الألفاظ، وقال ابن سيرين: "كنت أسمع الحديث من عشرة، المعنى واحد والألفاظ مختلفة" وكذلك اختلفت ألفاظ الصحابة في رواية الحديث عن رسول الله ﷺ فمنهم من يرويه تاما ومنهم من يأتي بالمعني، ومنهم من يورده مختصرًا وبعضهم يغاير بين اللفظين ويراه واسعا إذا لم يخالف المعنى، وكلهم لا يتعمد الكذب، وجميعهم يقصد الصدق، ومعنى ما سمع فلذلك وسعهم وكانوا يقولون: "إنما الكذب على من تعمده" وقد رُوِيَ عن عمران بن مسلم، قال رجال للحسن: يا أبا سعيد إنما تحدث بالحديث أنت أحسن له سياقا، وأجود تحبيرًا، وأفصح به لسانا منه إذا حدثنا به. فقال: "إذا أصيب المعنى فلا بأس بذلك" وقد قال النضر بن شميل: "كان هشيم لحانا فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة -يعني بالإعراب- وكان النضر بن شميل نحويًّا، وكان سفيان يقول: "إذا رأيتم يشدد في ألفاظ الحديث في المجلس، فاعلم أنه يقول: اعرفوني" قال: وجعل رجل يسأل يحيى بن سعيد القطان عن حرف في الحديث على لفظه

стр. 259

فقال له يحيى: يا هذا ليس في الدنيا أجل من كتاب الله تعالى، قد رخص للقراءة فيه بالكلمة على سبعة أحرف فلا تشدد!. وفي شرح التقريب١ للحافظ السيوطي في النوع السادس والعشرين، في الفرع الرابع منه، ما نصه مع بعض اختصار: "إن لم يكن الراوي عالما بالألفاظ، خبيرًا بما يحيل معانيها لم تجز له الرواية، لما سمعه بالمعنى بلا خلاف، بل يتعين اللفظ الذي سمعه فإن كان عالمًا بذلك فقالت طائفة من أهل الحديث والفقه والأصول: لا يجوز إلا بلفظه، وإليه ذهب ابن سيرين وثعلب وأبو بكر الرازي من الحنفية، ورُوِيَ عن ابن عمر وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف، منهم الأئمة الأربعة: يجوز بالمعنى في جميع ذلك إذا قطع بأداء المعنى؛ لأن ذلك هو الذي يشهد به أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه رواياتهم اللفظة الواحدة بألفاظ مختلفة، وقد ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن منده في: "معرفة الصحابة" والطبراني في: "الكبيرة" من حديث عبد الله بن سليمان بن أكثم الليثي قال: قلت: يا رسول الله ﷺ إني إذا سمعت منك الحديث لا أستطيع أن أرويه كما أسمع منك يزيد حرفا أو ينقص حرفًا فقال: "إذا لم تحلوا حرامًا ولم تحرموا حلالًا وأصبتم المعنى فلا بأس" فذكرت ذلك للحسن فقال: "لولا هذا ما حدثنا! " وقد استدل الشافعي لذلك بحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" ٢. وروى البيهقي عن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على وأثلة بن الأسقع فقلنا له: "حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه وهم ولا تزيد ولا نسيان! " فقال: "هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئا فقلنا: نعم وما نحن بحافظين له جدًّا إنا نريد الواو والألف وننقص فقال: فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظا، وإنكم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله ﷺ عسى أن لا يكون سمعنا لها منه إلا مرة واحدة؟ حسبكم إذا حدثنا كم بالحديث على المعنى".

стр. 260

وأسند أيضًا في: "المدخل" عن جابر بن عبد الله قال حذيفة: "إنا قوم عرب نورد الحديث فنقدم ونؤخر" وأسند أيضًا عن شعيب بن الحجاب قال: "دخلت أنا، وعبدان على الحسن فقلنا: يا أبا سعيد الرجل يحدث بالحديث فيزيد فيه، أو ينقص منه" قال: "إنما الكذب من تعمد ذلك". وأسند أيضًا عن جرير بن حازم، قال: "سمعت الحسن يحدث بأحاديث الأصل واحد والكلام مختلف" وأسند عن ابن عمون قال: "كان الحسن وإبراهيم والشعبي يأتون بالحديث على المعاني" وأسند عن أويس قال: "سألنا الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال: هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث وإذا أصيب معنى الحديث فلم يحل به حراما، ولم يحرم حلالا فلا بأس" ونقل ذلك سفيان عن عمرو بن دينار وأسند عن وكيع قال: "إن لم يكن المعنى واسعًا فقد هلك الناس". ا. هـ. "ذكره السيد مرتضى في شرح الإحياء". وقال الحكيم الترمذي قدس الله سره في كتابه: "نوادر الأصول": الأصل الثامن والستون والمائتان: في سرد رواية الحديث بالمعنى عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم١: "نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه كما سمع منا فإنه رب مبلغ هو أوعى له من سامع" ثم رواه عن زيد بن ثابت، وجبير بن مطعم قال الترمذي قدس سره اقتضى العلماء الأداء، وتبليغ العلم فلو كان اللازم لهم أن يؤدوا تلك الألفاظ التي بلغت أسماعهم بأعيانها بلا زيادة، ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير كانوا يستودعونها الصحف كما فعل رسول الله ﷺ بالقران فكان إذا نزل الوحي دعا الكاتب فكتبه مع ما توكل الله له يجمعه، وقرآنه فقال٢: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ . وقال٣: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فكان الوحي محروسا بكتبه ولو كانت هذه الأحاديث سبيلها

стр. 261

هكذا لكتبها أصحاب رسول الله ﷺ فهل جاءنا عن أحد منهم أنه فعل ذلك؟ وجاء عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه استأذن رسول الله ﷺ في صحيفة فأذن له، وأما سائر الأخبار فإنهم تلقوها منه حفظًا وأدوها حفظًا فكانوا يقدمون ويؤخرون، وتختلف ألفاظ الرواية فيما لا يتغير معناه فلا ينكر ذلك منهم، ولا يرون بذلك بأسًا. ثم أسند الترمذي قدس سره عن أبي هريرة وعبد الله بن أكيمة مرفوعًا جواز ذلك إذا لم يحرم حلال ولم يحل حرام وأصيب المعنى كما تقدم قيل ثم قال الترمذي: "فمن أراد أن يؤدي إلى من بعده حديثًا قد سمعه جاز له، أن يغير لفظه ما لم يتغير المعنى". ا. هـ. وقال الإمام ابن فارس في جزئه في المصطلح في الكلام على من كان من الرواة يتورع في أداء اللفظ الملحون ويكتب عليه "كذا" ما مثاله: "هذا التثبت حسن لكن أهل العلم قد يتساهلون إذا أدوا المعنى، ويقولون: لو كان أداء اللفظ واجبا حتى لا يغفل منه حرف لأمرهم رسول الله ﷺ بإثبات ما يسمعون منه كما أمرهم بإثبات الوحي الذي لا يجوز تغيير معناه ولا لفظه فلما لم يأمرهم بإثبات ذلك دل على أن الأمر في التحديث أسهل وإن كان أداء ذلك اللفظ الذي سمعه أحسن". ا. هـ. وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "وأما الرواية بالمعنى فالخلاف فيها شهير، والأكثر على الجواز أيضًا ومن أقوى حججهم الإجماع على شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به. فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه باللغة العربية أولى، وقيل: إنما يجوز في المفردات دون المركبات، وقيل: إنما يجوز لمن يستحضر اللفظ ليتمكن من التصرف فيه، وقيل: إنما يجوز لمن كان يحفظ الحديث فنسي لفظه، وبقي معناه مرتسمًا في ذهنه فله أن يرويه بالمعنى لمصلحة تحصيل الحكم منه بخلاف من كان مستحضرًا للفظه وجميع ما تقدم يتعلق بالجواز وعدمه، ولا شك أن الأولى إيراد الحديث بألفاظه دون التصرف فيه قال القاضي عياض: "ينبغي سد باب الرواية بالمعني لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن كما وقع لكثير من الرواة قديمًا وحديثًا والله الموفق".

стр. 262

تنبيه: احتج بعضهم لمنع الرواية بالمعنى بحديث: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها" وبأنه ﷺ مخصوص بجوامع الكلم، ففي النقل بعبارة أخرى لا يؤمن الزيادة والنقصان. والجواب عن الأول: بأن الأداء كما سمع، ليس مقصورًا على نقل اللفظ، بل النقل بالمعنى من غير تغيير، أداء كما سمع، فإنه أدى المعنى كما سمع لفظه، وفهمه منه نظيره أن الشاهد والمترجم إذا أدى المعنى من غير زيادة ولا نقصان، يقال إنه أدى كما سمع، وإن كان الأداء بلفظ آخر. ولو سلم أن الأداء كما سمع مقصور على نقل اللفظ، فلا دلالة في الحديث على عدم الجواز غايته أنه دعاء للناقل باللفظ لكونه أفضل، ولا نزاع في الأفضلية وعن الثاني بأن الكلام في غير جوامع الكلم ونظائرها. "كذا في المرآة وحواشيها".

стр. 263

٢- جواز رواية بعض الحديث بشروطه: قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "أما اختصار الحديث فالأكثر على جوازه بشرط أن يكون الذي يختصره عالمًا؛ لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا تعلق له بما يبقيه منه، بحيث لا تختلف الدلالة، ولا يختل البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين، أو يدل ما ذكره على ما حذفه؛ بخلاف الجاهل فإنه قد ينقص ما له تعلق، كترك الاستثناء". وقال النووي ﵀ في شرح مسلم: "الصحيح الذي ذهب إليه الجماهير والمحققون من أصحاب الحديث جواز رواية بعض الحديث من العارف، إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه، بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة في تركه، سواء جوَّزنا الرواية بالمعنى أم لا، وسواء رواه قبلُ تامًَّا أم لا". ثم قال: وأما تقطيع المصنفين الحديث في الأبواب، فهو بالجواز أولى، بل يبعد طرد الخلاف فيه؛ وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلة من المحدثين وغيرهم من أصناف العلماء. ا. هـ.

стр. 264

٣- سر تكرار الحديث في الجوامع والسنن والمسانيد: قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح١ في الفصل الثالث في بيان تقطيع البخاري للحديث، واختصاره وفائدة إعادته له في الأبواب وتكراره ما نصه "قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي فيما رويناه عنه في جزء سماه جواب المتعنت اعلم أن البخاري ﵀ كان يذكر الحديث في كتابه مواضع، ويستدل به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج منه بحسن استنباطه، وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه وقلما يورد حديثًا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، وإنما يورده من طريق أخرى لمعان نذكرها والله أعلم بمراده منها. "فمنها: أنه يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر، والمقصود منه أن يخرج الحديث عن حد الغرابة وكذلك يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة وهلم جرا إلى مشايخه فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه تكرار، وليس كذلك لاشتماله على فائدة زائدة. ومنها: أنه صحح أحاديث على هذه القاعدة يشتمل كل حديث منها على معان متغايرة فيورده في كل باب من طريق غير الطريق الأولى. ومنها أحاديث يرويها بعض الرواة تامة ويرويها بعضهم مختصرة فيوردها كما جاءت ليزيل الشبهة عن ناقليها. ومنها: أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم فحدث راو بحديث فيه كلمة تحتمل معنى، وحدث به آخر فعبر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أخرى تحتمل معنى آخر فيورده بطرقه إذا صحت على شرطه ويفرد لكل لفظه بابًا مفردًا.

стр. 265

ومنها: أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال، ورجح عنده الوصل فاعتمده، وأورد الإرسال منبهًا على أنه لا تأثير له عنده في الوصل. ومنها: أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحكم فيها كذلك. ومنها: أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلًا في الإسناد، ونقصه بعضهم فيوردها على الوجهين حيث يصح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدثه به عن آخر ثم لقي الآخر فحدثه به فكان يرويه، على الوجهين. ومنها: أنه ربما أورد حديثًا عنعنه راويه فيرويه من طريق أخرى مصرحًا فيها بالسماع على ما عرف من طريقته في اشتراط ثبوت اللقاء في المعنعن، فهذا جميعه فيما يتعلق بإعادة المتن الواحد في موضع آخر أو أكثر. وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة، واقتصاره منه على بعضه أخرى فذلك لأنه إن كان المتن قصيرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض، وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا فإنه يعيده بحسب ذلك مراعيًا مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية، وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك كما تقدم تفصيله فيستفيد بذلك تكثير الطرق لذلك الحديث، وربما ضاق عليه مخرج الحديث حيث لا يكون له إلا طريق واحدة فيتصرف حينئذ فيه فيورده في موضع موصولًا، وفي موضع معلقًا ويورده تارة تامًّا وتارة مقتصرًا على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب فإن كان المتن مشتملًا على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فإنه يخرج كل جملة منها في باب مستقل فرارًا من التطويل، وربما نشط فساقه بتمامه فهذا كله في التقطيع. "وقد حكى بعض شراح البخاري أنه وقع في أثناء الحج في بعض النسخ بعد باب قص الخطبة بعرفة باب تعجيل الوقوف قال أبو عبد الله يزاد في هذا الباب حديث مالك عن ابن شهاب ولكني لا أريد أن أدخل فيه معادًا". ا. هـ. وهو يقتضي أن لا يتعمد أن يخرج في كتابه حديثًا معادًا بجميع إسناده ومتنه، وإن كان قد وقع له من ذلك شيء فعن غير قصد، وهو قليل جدًّا

стр. 266

"وأما اقتصاره على بعض المتن ثم لا يذكر الباقي في موضع آخر، فإنه لا يقع له ذلك الغالب، إلا حيث يكون المحذوف موقوفا على الصحابي؛ وفيه شيء، قد يحكم يرفعه فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع، ويحذف الباقي لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه كما وقع في حديث هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون هكذا أورده وهو مختصر من حديث موقوف أوله جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال إني أعتقت عبدًا لي سائبة فمات، وترك مالًا ولم يدع وارثًا، فقال عبد الله: "إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون فأنت ولي نعمته فلك ميراثه فإن تأثمت، وتحرجت في شيء فنحن نقبله منك ونجعله في بيت المال" فاقتصر البخاري على ما يعطي حكم الرفع من هذا الحديث الموقوف، وهو قوله: "إن أهل الإسلام لا يسيبون" لأنه يستدعى بعمومه النقل عن صاحب الشرع لذلك الحكم واختصر الباقي لأنه ليس من موضوع كتابه، وهذا من أخفى المواضع التي وقعت له من هذا الجنس وإذا تقرر ذلك اتضح أنه لا يعيد إلا لفائدة حتى لو لم تظهر لإعادته فائدة من جهة الإسناد ولا من جهة المتن لكان ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم التي١ تشتمل عليه ترجمة الثانية موجبًا لئلا يعد مكررًا فلا فائدة. كيف وهو لا يخليه مع ذلك من فائدة إسنادية وهي إخراجه للإسناد عن شيخ غير الشيخ الماضي أو غير ذلك والله الموفق". انتهى كلام الحافظ ابن حجر وبه يعلم سر صنيع من حذا حذو الإمام البخاري في مشربه جميعه، أو بعضهن فتدبر فإنه من البدائع.

стр. 267

٥- ذكر الخلاف في الاستشهاد بالحديث على اللغة والنحو وكذلك بكلام الصحابة وآل البيت ﵃: قال الشيخ عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب، على شواهد شرح الكافية: "قال الأندلسي في شرح بديعية رفيقه ابن جابر: علوم الأدب ستة وهي: الصرف والنحو واللغة والمعاني والبيان والبديع؛ والثلاثة الأول لا يستشهد عليها إلا بكلام العرب، دون الثلاثة الأخيرة فإنه يستشهد فيها بكلام غيرهم من المولدين لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم، ولذلك قبل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري وأبي تمام وأبي الطيب وهلم جرا، قال وأقول الكلام الذي يستشهد به نوعان شعر وغيره فقائل الأول العلماء على طبقات أربع: الطبقة الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم قبل الإسلام كامرئ القيس والأعشى، والثانية: المخضرمون وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام كلبيد وحسان، والثالثة: المتقدمون ويقال لهم الإسلاميون وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق، والرابعة المولدون ويقال لهم المحدثون وهم من بعدهم إلى زماننا كبشار بن برد وأبي نواس. فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إجماعًا وأما الثالثة فالصحيح صحة الاستشهاد -لعل الصواب عدم صحة الاستشهاد- بكلامها وقد كان أبو عمرو بن العلاء، وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن البصري وعبد الله بن شبرمة يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة وأضرابهم وكانوا يعدونهم من المولدين لأنهم كانوا في عصرهم، وأما الرابعة فالصحيح أنه لا يحتج بكلامها مطلقا، وقيل يحتج بكلام من يوثق به منهم واختاره الزمخشري وتبعه الشارح المحقق "أي الرضي" فإنه استشهد بشعر أبي تمام في عدة مواضع من هذا الشرح، واستشهد الزمخشري أيضًا في تفسير أوائل البقرة من الكشاف ببيت من شعره، وقال: وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو عن علماء العربية فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه.

стр. 268

وأما قائل الثاني "أي غير الشعر" فهو إما ربنا ﵎، فكلامه عز اسمه أفصح كلام وأبلغه، وإما أحد الطبقات الثلاث الأولى من طبقات الشعر التي قدمناها. وأما الاستدلال بحديث النبي ﷺ فقد جوزه ابن مالك ومنعه ابن الضائع وأبو حيان وسندهما أمران: أحدهما: أن الأحاديث لم تنقل كما سمعت من النبي ﷺ وإنما رويت بالمعنى. وثانيهما: أن أئمة النحو المتقدمين من المصرين لم يحتجوا بشيء منه، ورد الأول على تقدير تسليمه بأن النقل بالمعنى إنما كان في الصدر الأول قبل تدوينه في الكتب، وقبل فساد اللغة، وغايته تبديل لف بلفظ يصح الاحتجاج به، ورد الثاني: بأنه لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة الاستدلال به. "والصواب جواز الاحتجاج بالحديث للنحوي في ضبط ألفاظه، ويلحق به ما رُوي عن الصحابة وأهل البيت". وقال السيوطي في "الاقتراح": "وأما كلامه ﷺ فيستدل منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروي، وذلك نادر جدًّا، إنما يوجد في الأحاديث القصار، على قلة أيضًا، فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى، وقد تداولتها الأعاجم والمولوون قبل تدوينها، وفرووها بما أدت إليه عباراتهم، فزادوا ونقصوا، وقدموا وأخروا، وبدلوا ألفاظًا بألفاظ، ولهذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويًّا على أوجه شتى بعبارات مختلفة". وقال أبو حيان في شرح التسهيل: "قد أكثر المصنف من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، وما رأيت أحدًا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء فقال: إنما ذكر العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ الرسول ﷺ وإنما كان كذلك لأمرين أحدهما أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى، وقد قال سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كأسمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى والأمر الثاني أنه وقع اللحن كثيرًا فيما رُوي من الحديث لأن كثيرًا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ويتعلمون لسان العرب

стр. 269

بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم وروايتهم، وهم لا يعلمون، ودخل في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب" انتهى باختصار. قال بعضهم: ويلحق بذلك ما رُوي من خطب الإمام علي التي جمعها السيد الرضي في كتاب: "نهج البلاغة"؛ وهذه أيضًا لم يثبت أنها لفظ الإمام، فقد جاء في خطبة جامع الكتاب ما نصه: "وربما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردد والمعنى المكرر والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافا شديدًا فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه ثم وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير وضعه الأول إما بزيادة مختارة أو بلفظ عبارة لتقتضى الحال أن يعاد، واستظهارًا للاختيار وغيره على عقائل الكلام" انتهى بحروفه. بل جاء في ترجمة ابن خلكان للشريف المرتضى أخي الشريف الرضي ما نصه: "وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب ﵁ هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه والله أعلم".

стр. 270

الباب الثامن: في آداب المحدث وطالب الحديث وغير ذلك؛ وفيه مسائل ١- آداب المحدث: قال حجة الإسلام الغزالين في كتاب: "الأدب في الدين"١ ما مثاله: آداب المحدث: يقصد الصدق ويجتنب الكذب ويحدث بالمشهور، ويروى عن الثقات ويترك المناكير ولا يذكر ما جرى بين السلف، ويعرف الزمان ويتحفظ من الزلل والتصحيف واللحن والتحريف ويدع المداعبة ويقل المشاغبة ويشكر النعمة إذ جعل في درجة الرسول ﷺ ويلزم التواضع ويكون معظم ما يحدث به ما ينتفع المسلمون به من فرائضهم وسننهم وآدابهم في معاني كتاب ربهم ، ولا يحمل علمه إلى الوزراء ولا يغشى أبواب الأمراء فإن ذلك يزري بالعلماء، ويذهب بهاء علمهم إذا حملوه إلى ملوكهم ومياسيرهم ولا يحدث بما لا يعلمه في أصله ولا يقرأ عليه ما لا يراه في كتابه ولا يتحدث إذا قرئ عليه، ويحذر أن يدخل حديثًا في حديث.

стр. 271

٢- آداب طالب الحديث: يكتب المشهور، ولا يكتب الغريب، ولا يكتب المناكير، ويكتب عن الثقات، ولا يغلبه شهرة الحديث على قرينه، ولا يشغله طلبه عن مروءته وصلاته يجتنب الغيبة وينصت للسماع ويلزم الصمت بين يدي محدثه، ويكثر التلفت عند إصلاح نسخته، ولا يقول: سمعت وهو ما سمع، ولا ينشره لطلب العلو فيكتب من غير ثقة ويلزم أهل المعرفة بالحديث من أهل الدين، ولا يكتب عمن لا يعرف الحديث من الصالحين١. ا. هـ.

стр. 272

٣- ما يفتقر إليه المحدث: قال النووي: "مما يفتقر إليه من أنواع العلوم، صاحب هذه الصناعة، معرفة الفقه والأصولين، والعربية، وأسماء الرجال، ودقائق علم الأسانيد، والتاريخ، ومعاشرة أهل هذه الصنعة، ومباحثتهم مع حسن الفكر ونباهة الذهن، ومداومة الاشتغال ونحو ذلك من الأدوات التي يفتقر إليها".

стр. 273

ما يستحب للمحدث عند التحديث ... ٤- ما يستحب للمحدث عنه التحديث: يستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر بغسل أو وضوء، ويتطيب ويتبخر ويستاك كما ذكره ابن السمعاني، ويسرح لحيته ويجلس في صدر مجلسه متمكنًا في جلوسه بوقار وهيبة، وقد كان مالك يفعل ذلك فقيل له فقال: "أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ولا أحدث إلا على طهارة متمكنًا". وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم "أسنده البيهقى" وأسند عن قتادة قال: "لقد كان يستجب أن لا تقرأ الأحاديث إلا على طهارة"، وعن ضرار بن مرة قال: "كانوا يكرهون أن يحدثوا على غير طهر"، وعن ابن المسيب أنه سئل عن حديث، وهو مضطجع في مرضه فجلس، وحدث به فقيل له وددت أنك لم تتعن فقال: "كرهت أن أحدث عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع". وعن بشر بن الحارث أن ابن المبارك سئل عن حديث وهو يمشي فقال: "ليس هذا من توقير العلم! " وعن مالك قال: "مجالس العلم تُحتضر

стр. 274

بالخشوع والسكينة والوقار، ويكره أن يقوم لأحد" فقد قال: إذا قام القارئ لحديث رسول الله ﷺ لأحد فإنه يكتب عليه خطيئة، فإن رفع أحد صوته في المجلس زبره - أي انتهره- وزجره فقد كان مالك يفعل ذلك أيضًا ويقول قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ١ فمن رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته فوق صوته، ويقبل على الحاضرين كلهم فقد قال حبيب بن أبي ثابت: "إن من السنة إذا حدث الرجل القوم أن يقبل عليهم جميعًا ويفتتح مجلسه ويختمه بتحميد الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ ودعاء يليق بالحال بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئًا من القرآن العظيم فقد روى الحاكم في: "المستدرك" عن أبي سعيد قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا تذاكروا العلم، وقرءوا سورة، ولا يسرد الحديث سردًا عجلًا يمنع فهم بعضه كما رُوي عن مالك أنه كان لا يستعجل ويقول: "أحب أن أفهم حديث رسول الله ﷺ " وأورد البيهقي في ذلك حديث البخاري عن عروة قال: جلس أبو هريرة إلى جنب حجرة عائشة، وهي تصلي فجعل يحدث فلما قضت صلاتها قال: ألا تعجب إلى هذا وحديثه إن النبي ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم" في لفظ عند البيهقي عقيبه: "إنما كان حديثه فصلًا تفهمه القلوب" "كذا في التقريب شرحه التدريب"٢.

стр. 275

٥- بيان طرق درس الحديث: اعلم أن لدرس الحديث ثلاثة طرق عند العلماء: أولها: السرد: وهو أن يتلو السيخ المسمع أو القارئ كتابًا من كتب هذا الفن من دون تعرض لمباحثه اللغوية والفقهية وأسماء الرجال ونحوها وثانيها: طريق الحل والبحث: وهو أن يتوقف بعد تلاوة الحديث الواحد مثلًا على لفظه الغريب، وتراكيبه العويصة، واسم قليل الوقوع من أسماء الإسناد، وسؤال ظاهر الورود والمسألة المنصوص عليها، ويحله بكلام متوسط ثم يستمر في قراءة ما بعدها. وثالثها: طريق الإمعان: وهو أن يذكر على كلمة ما لها وما عليها، كما يذكر مثلًا على كل كلمة غريبة، وتراكيب عويصة شواهدها من كلام الشعراء، وأخوات تلك الكلمة وتراكيبها في الاشتقاق ومواضع استعمالاتها؛ وفي أسماء الرجال حالات قبائلهم وسيرهم ويخرج المسائل الفقيهة على المسائل المنصوص عليها ويقص القصص العجيبة والحكايات الغريبة بأذنى مناسبة، وما أشبهها فهذه الطرق هي المنقولة عن علماء الحرمين قديمًا وحديثًا. قال المولى ولي الله الدهلوي، ومختار الشيخ حسن العجيمي، والشيخ أحمد القطان، والشيخ أبي طاهر الكردي: هو الطريق الأول -يعني السرد- بالنسبة إلى الخواص المتبحرين ليحصل لهم سماع الحديث، وسلسلة روايته على عجالة ثم إحالة بقية المباحث على شروحه لأن ضبط الحديث مداره اليوم على تتبع الشروح والحواشي، وبالنسبة إلى المبتدئين والمتوسطين الطريق الثاني -يعني البحث والحل- ليحيطوا بالضروري في علم الحديث علمًا، ويستفيدوا منه على وجه التحقيق دركًا وفهمًا، وعلى هذا يسرحون أنظارهم في شرح من شروح كتب الحديث غالبًا، ويرجعون إليه أثناء البحث لحل العضال ورفع الإشكال، وأما الطريق الثالث فهو طريقة القصاص القاصدين منه إظهار الفضل والعلم لأنفسهم ونحوها والله أعلم.

стр. 276

٦- أمثلة من لا تقبل روايته ومنهم من يحدث لا من أصل مصحح: في التقريب وشرحه١، في المسألة الحادية عشرة من النوع الثالث والعشرين ما نصه: "لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماعه أو في إسماعه، كمن لا يبالي بالنوم في السماع منه أو عليه، أو يحدث لا من أصل مصحح مقابل على أصله أو أصل شيخه".

стр. 277

٧- الأدب عند ذكره تعالى وذكر رسوله والصحابة والتابعين: قال النووي: "يستحب لكاتب الحديث إذا مر ذكر الله أن يكتب: " " أو "تعالى" أو " " أو "﵎" أو "جل ذكره" أو "تبارك اسمه" أو "جلت عظمته" أو ما أشبه ذلك وكذلك يذكر عند ذكر النبي ﷺ : "بكمالهما لا رمزًا إليهما ولا مقتصرًا على أحدهما، وكذلك يقول في الصحاب: "﵁" فإن كان صحابيًّا ابن صحابي قال: "﵄" وكذلك يترضى ويترحم على سائر العلماء والأخيار ويكتب١ كل هذا وإن لم يكن مكتوبًا في الأصل الذي ينقل منه، فإن هذا ليس رواية وإنما هو دعاء، وينبغي للقارئ أن يقرأ كل ما ذكرناه، وإن لم يكن مذكورًا في الأصل الذي يقرأ منه، ولا يسأم من تكرر ذلك ومن أغفل هذا حرم خيرًا عظيمًا وفوت فضلًا جسيمًا".

стр. 278

٨- الاهتمام بتجويد الحديث: قال الإمام البديري في آخر شرحه لمنظومة البيقونية: "أما قراءة الحديث مجودة كتجويد القرآن فهي مندوبة. وذلك لأن التجويد من محاسن الكلام، ومن لغة العرب، ومن فصاحة المتكلم وهذه المعاني مجموعة فيه ﷺ فمن تكلم بحديثه ﷺ فعليه بمراعاة ما نطق به ﷺ ". ا. هـ. ولا يخفى أن التجويد من مقتضيات اللغة العربية؛ لأنه من صفاتها الذاتية؛ لأن العرب لم تنطق بكلمها إلا مجودة فمن نطق بها غير مجودة، فكأنه لم ينطق بها فما هو في الحقيقة من محاسن الكلام بل من الذاتيات له فهو إذن من طبيعة اللغة لذلك من تركه لقد وقع في اللحن الجلي لأن العرب لا تعرف الكلام إلا مجودًا.

стр. 279

الباب التاسع: في كتب الحديث؛ وفيه فوائد ١- بيان طبقات كتب الحديث: قال الإمام العارف الكبير الشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله الدهلوي قدس الله سره في كتابه: "حجة الله البالغة"١ تحت الترجمة المذكورة ما نصه: "اعلم أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلا خبر النبي ﷺ بخلاف المصالح فإنها قد تدرك بالتجربة والنظر الصادق والحدس ونحو ذلك، ولا سبيل لنا إلى معرفة أخباره إلا تلقي الروايات المنتهية إلية بالاتصال والعنعنة سواء كانت من لفظه أو كانت أحاديث موقوفة قد صحت الرواية بها عن جماعة الصحابة والتابعين بحيث يبعد إقدامهم على الجزم بمثله لو النص أو الإشارة من الشارع فمثل ذلك رواية عنه دلالة، وتلقي تلك الروايات لا سبيل إليه في يومنا هذا إلا تتبع الكتب المدونة في علم الحديث، فإنه لا يوجد اليوم رواية يعتمد عليها غير مدونة. "وكتب الحديث على طبقات مختلفة، ومنازل متباينة، فوجب الاعتناء بمعرفة طبقات كتب الحديث فنقول: هي باعتبار الصحة، والشهرة على أربع طبقات، وذلك لأن أعلى أقسام الحديث ما ثبت بالتواتر، وأجمعت الأمة على قبوله والعمل به ثم ما استفاض من طرق متعددة لا يبقى معها شبهة يعتد بها، واتفق على العمل به جمهور فقهاء الأمصار أو لم يختلف فيه علماء الحرمين خاصة فإن الحرمين محل الخلفاء الراشدين

стр. 280

في القرون الأولى، ومحط رجال العلماء طبقة بعد طبقة، يبعد أن يسلموا منهم الخطأ الظاهر؛ أو كان قولًا مشهورًا معمولًا به في قطر عظيم مرويًّا عن جماعة عظيمة من الصحابة والتابعين؛ ثم صح أو حسن سنده، وشهد به علماء الحديث ولم يكن قولًا متروكًا لم يذهب إليه أحد من الأمة. "أما ما كان ضعيفًا١ موضوعًا أو منقطعًا أو مقلوبًا في سنده أو متنه، أو من رواية المجاهيل، أو مخالفًا لما أجمع عليه السلف، طبقة بعد طبقة فلا سبيل إلى القول به". "فالصحة أن يشترط مؤلف الكتاب على نفسه إيراد ما صح، أو حسن غير مقلوب ولا شاذ ولا ضعيف إلا من بيان حاله، فإن إيراد الضعيف مع بيان حاله لا يقدح في الكتاب". "والشهرة أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة على ألسنة المحدثين قبل تدوينها، وبعد تدوينها فيكون أئمة الحديث قبل المؤلف رووها بطرق شتى وأوردوها في مسانيدهم، ومجاميعهم وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب وحفظه وكشف مشكله وشرح غريبه وبيان إعرابه وتخريج طرق أحاديثه واستنباط فقهها، والفحص عن أحوال رواتها طبقة بعد طبقة إلى يوما هذا حتى لا يبقى شيء مما يتعلق به غير مبحوث عنه إلا ما شاء الله، ويكون نقاد الحديث قبل المصنف وبعده، وافقوه في القول بها وحكموا بصحتها وارتضوا رأي المصنف فيها، وتلقوا كتابه بالمدح والثناء ويكون أئمة الفقه لا يزالون يستنبطون ويعتمدون عليها ويعتنون بها ويكون العامة لا يخلون عن اعتقادها، وتعظيمها، وبالجملة فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان في كتاب كان من الطبقة الأولى ثم وثم، وإن فقدتا رأسا لم يكن له اعتبار، وما كان أعلى حد في الطبقة الأولى فإنه يصل إلى حد التواتر وما دون ذلك يصل إلى الاستفاضة ثم إلى الصحة القطعية أعني القطع المأخوذ في علم الحديث المفسد للعمل، والطبقة الثانية إلى الاستفاضة أو الصحة القطعية، أو الظنية وهكذا ينزل الأمر.

стр. 281

فالطبقة الأولى: محصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب: الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم، قال الشافعي: أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك، واتفق أهل الحديث على أن جميع ما فيه صحيح على رأي مالك ومن وافقه، وأما على رأي غيره فليس فيه مرسل، ولا منقطع إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى فلا جرم أنها صحيحة من هذا الوجه. "ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه، ويذكرون متابعاته وشواهدة، ويشرحون غريبة ويضبطون مشكله، ويبحثون عن فقهه، ويفتشون عن رجاله إلى غاية. ليس بعدها غاية وإن شئت الحق الصراح، فقس كتاب: "الموطأ" بكتاب: "الآثار" لمحمد و"الأمالي" لأبي يوسف، تجد بينه وبينهما بعد المشرقين فهل سمعت أحدًا من المحدثين والفقهاء تعرض لهما واعتنى بهما؟ "أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كل من يهون أمرهما فهو مبتدع غير سبيل المؤمنين، وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة، وكتاب الطحاوي، ومسند الخوارزمي وغيرهما تجد بينها وبينهما بعد المشرقين. وهذه الكتب الثلاثة التي اعتنى القاضي عياض في المشارق بضبط مشكلها ورد تصحيفها. الطبقة الثانية: كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين، ولكنها تتلوها، كان مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ، والتبحر في فنون الحديث ولم يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم، وتلقاها من بعدهم بالقبول، واعتنى بها المحدثون والفقهاء طبقة بعد طبقة واشتهرت فيما بين الناس، وتعلق بها القوم شرحا لغريبها، وفحصًا عن رجالها، واستنباطًا لفقهها وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم كسنن أبي داود وجامع الترمذي ومجتبى النسائي وهذه الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها

стр. 282

"رزين" في "تجريد الصحاح"، وابن الأثير في "جامع الأصول". وكاد مسند أحمد يكون من جملة هذه الطبقة، فإن الإمام أحمد جعله أصلا يعرف به الصحيح والسقيم. قال: "ما ليس فيه فلا تقبلوه". والطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم: وفي زمانهم وبعدهما، جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب، ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء كثير تداول، ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحص ومنه ما لم يخدمه لغوي لشرح غريب، ولا فقيه لتطبيقه بمذاهب السلف ولا محدث ببيان مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله ولا أريد المتأخرين المتعمقين، وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث فهي باقية على استتارها واختفائها وخمولها كمسند أبي يعلى ومصنف عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومسند عبد بن حميد، والطيالسي وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني، وكان قصدهم جمع ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل. والطبقة الرابعة: كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين، وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية فنوهوا بأمرها، وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون ككثير من الوعاظ المتشدقين وأهل الأهواء والضعفاء أو كانت من آثار الصحابة والتابعين أو من أخبار بني إسرائيل أو من كلام الحكماء والوعاظ خلطها الرواة بحديث النبي ﷺ سهوا أو عمدًا أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح فرواها بالمعنى قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة جعلوها أحاديث مستبدة برأسها عمدًا، وكانت جملًا شتى في أحاديث مختلفة جعلوها حديثًا واحدا بنسق واحد، ومظنة هذه الأحاديث كتاب: "الضعفاء" لابن حبان، وكامل بن عدي،

стр. 283

وكتب الخطيب وأبي نعيم والجوزقاني وابن عساكر وابن النجار والديلمي؛ وكاد مسند الخوارزمي يكون من هذه الطبقة، وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفًا محتملًا وأسوؤها ما كان موضوعًا أو مقلوبا، شديد النكارة. وهذه الطبقة مادة كتاب: "الموضوعات" لابن الجوزي. "وها هنا طبقة خامسة: منها ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية والمؤرخين ونحوهم وليس له أصل في هذه الطبقات الأربع؛ ومنها: ما دسه الماجن في دينه العالم بلسانه فأتى بإسناد قوى لا يمكن الجرح فيه، وكلام بليغ لا يبعد صدوره عنه ﷺ فأثار في الإسلام مصيبة عظيمة. لكن الجهابذة من أهل الحديث يوردون مثل ذلك على المتابعات، والشواهد فتهتك الأستار ويظهر العوار. "أما الطبقة الأولى والثانية فعليهما اعتماد المحدثين، وحوم حماهما مرتعهم ومسرحهم، وأما الثالثة فلا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث نعم ربما يؤخذ منها المتابعات والشواهد وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، وأما الرابعة فالاشتغال بجمعها والاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين، وإن شئت الحق فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأن يلخصوا منها شواهد مذاهبهم فالأنصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث والله أعلم".

стр. 284

٢- بيان الرموز لكتب الحديث على طريقة الحافظ ابن حجر في التدريب: قال ﵀ في مقدمة التقريب: "وقد اكتفيت بالرقم على اسم كل راو إشارة إلى من أخرج حديثه من الأئمة؛ فللبخاري في: "صحيحة" "خ"، فإن كان حديثه عنده معلقا "خت"، وللبخاري في: "الأدب المفرد" "بخ"، وفي: "خلق أفعال العباد" "عخ"، وفي: "جزء القراءة" "ز"، رفع اليدين" "ي"، ولمسلم "م"، وفي مقدمة صحيحة "مق"، ولأبي داود "د"، وفي: "المراسيل" له "مد"، وفي: "فضائل الأنصار" "صد"، وفي: "الناسخ" "خد"، وفي: "القدر" "قد"، وفي: "التفرد" "ف"، وفي: "المسائل" "ل"، وفي: "مسند مالك" "كد"، وللترمذي "ت"، وفي: "الشمائل" له "تم"، وللنسائي "س"، وفي: "مسند علي" له "عس"، وفي كتاب: "عمل يوم وليلة" "سي"، وفي: "خصائص علي" "ص"، وفي: "مسند مالك" "كس"، ولابن ماجه "ق"، فإن كان حديث الرجل في أحد الأصول الستة اكتفى برقمه ولو أخرج له في غيرها، وإذا اجتمعت فالرقم "ع" وأما علامة "٤" فهي لهم سوى الشيخين، ومن ليست له عندهم رواية مرقوم عليه تمييز إشارة إلى أنه ذكر ليتميز عن غيره".

стр. 285

٣- بيان الرموز لكتب الحديث على طريقة السيوطي في الجامع الكبير والجامع الصغير: "خ" للبخاري، "م" لمسلم، "ق" لهما. "د" لأبي داود، "ت" للترمذي، "ن" للنسائي، "هـ" لابن ماحه، "٤" لهؤلاء الأربعة، "٣" لهم إلا ابن ماجه، "حم" للإمام أحمد في مسنده "عم" لابنه في زوائدة "ك" للحاكم، فإن كان في المستدرك أطلقت، وإلا بينته "خد" للبخاري في الأدب، "تخ" له في التاريخ، "حب" لابن حبان في صحيحه، "طب" لسعيد بن منصور في سننه، "طس" له في الأوسط، "طص" له في الصغير، "ص" لسعيد بن منصور في سننه، "ش" لا بن أبي شيبة، "عب" لعبد الرزاق في الجامع، "ع" لأبي يعلى في مسنده، "قط" للدارقطني فإن كان في السنن أطلقت، وإلا بينته، "فر" للديلمي في الفردوس، "حل" لأبي نعيم في الحلية، "هب" للبيهقي في شعب الإيمان، "هق" له في السنن، "عد" لأبي عدي في الكامل، "عق" للعقيلي في الضعفاء، "خط" للخطيب، فإن كان في التاريخ أطلقت وإلا بينته، "ض" للضياء المقدسي في المختارة، "ط" لأبي داود الطيالسي، "كر" لابن عساكر في تاريخه "كذا في مقدمة الجامع الكبير".
следующие страницы →