فظن البعض تعصبًا دينيًّا، حاشاهم من ذلك. وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة، ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهر بها، ومنهم من لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت في الفجر ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ مما مسته النار، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة أو أصحابه والشافعي وغيرهم ﵃ يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سرا ولا جهرًا وصلى الرشيد إمامًا وقد احتجم فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد، وكان أفتاه الإمام مالك بأنه لا وضوء عليه، وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب؟ ورُوي أن أبا يوسف ومحمدًا كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده، وصلى الشافعي ﵀ الصبح قريبًا من مقبرة أبي حنيفة ﵀ فلم يقنت تأدبًا معه، وقال أيضًا: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق وقال مالك ﵀ للمنصور وهارون الرشيد ما ذكرنا عنه سابقا، وفي البزازية عن الإمام الثاني، وهو أبو يوسف ﵀ أنه صلى يوم الجمعة مغتسلًا من الحمام، وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام فقال إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" ١. ا. هـ.
ثم قال الدهلوي قدس سره: "ومنها: أني وجدت بعضهم يزعم أن هنالك فرقتين لا ثالث لهما: أهل الظاهر وأهل الرأي، وأن كل من قاس واستنبط فهو من أهل الرأي. كلا والله بل ليس المراد بالرأي نفس الفهم والعقل، فإن ذلك لا ينفك من أحد من العلماء، ولا الرأي الذي لا يعتمد على سنة أصلًا فإنه لا ينتحله مسلم البتة، ولا القدرة على الاستنباط والقياس فإن أحمد وإسحاق بل الشافعي أيضًا ليسوا من أهل الرأي بالاتفاق، وهم يستنبطون ويقيسون، بل المراد من أهل الرأي قوم توجهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين أو بين جمهورهم إلى التخريج على أصل رجل من المتقدمين، فكان أكثر أمرهم حمل النظير على النظير، والرد إلى أصل من الأصول دون تتبع الأحاديث والآثار. والظاهري من لا يقول بالقياس ولا بآثار الصحابة والتابعين كداود وابن حزم وبينهما المحقون من أهل السنة كأحمد وإسحاق". ا. هـ.
стр. 422
٣- بيان وجوب موالاة الأئمة المجتهدين وأنه إذا وجد لواحد منهم قول صح الحديث بخلافة فلا بد له من عذر في تركة وبيان العذر:
قال الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيميه ﵁ وأرضاه وجعل الجنة متقلبه ومثواه آمين في كتابه: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" في مقدمته بعد الخطبة ما صورته: يجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن خصوصًا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم.
ثم قال: فإنهم خلفاء الرسول في أمته والمحيون لما مات من سنته بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًّا يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته دقيق ولا جليل فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًّا على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه وجماع الأعذار ثلاثة أصناف أحدهم: عدم اعتقاد أن النبي ﷺ قاله، والثاني: عدم اعتقاده إراده تلك المسألة بذلك القول، والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة:
السبب الأول:
أن لا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن
стр. 423
يكون عالمًا بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه، وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو موجب استصحاب، فقد يوافق ذلك الحديث تارة، ويخالفه أخرى وهذا السبب الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث فإن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأمة، وقد كان النبي يحدث أو يفتي أو يقضي أو يفعل الشيء فيسمعه أو يراه من يكون حاضرًا، ويبلغه أولئك أو بعضهم لمن يبلغونه فينتهي علم ذلك إلى من شاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم في مجلس آخر قد يحدث أو يفتي أو يقول شيئًا ويشهده بعض من كان غائبًا من ذلك المجلس، ويبلغونه لمن أمكنهم فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء، وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم بكثرة العلم أو جودته، وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله ﷺ فهذا لا يمكن ادعاؤه قط واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين هم أعلم الأمة بأمور رسول الله ﷺ وسنته وأحواله خصوصًا الصديق ﵁ الذي لم يكن يفارقه حضرًا ولا سفرًا، بل كان يكون معه في غالب الأوقات حتى إنه يسمر عنده بالليل في أمور المسلمين، وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ فإنه ﷺ كثيرًا ما يقول: "دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" ثم مع ذلك لما سئل أبو بكر ﵁ عن ميراث الجدة قال: "مالك في كتاب الله في شيء ولكن اسأل الناس"١ فسألهم فقام المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة فشهد أن النبي أعطاها السدس، وقد بلغ هذه السنة عمران بن حصين وليس هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر وغيره من الخلفاء ثم قد اختصوا بعلم هذه السنة التي قد اتفقت الأمة على العمل بها، وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ لم يكن يعلم سنة الاستئذان حتى أخبره بها أبو موسى استشهد بالأنصار٢. وعمر أعلم ممن حدثه بهذه
стр. 424
السنة ولم يكن عمر أيضًا يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها بل يرى أن الدية للعاقلة حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان، وهو أمير الرسول على بعض البوادي يخبره أن رسول الله ﷺ -١ ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فترك رأيه لذلك وقال: "لو لم نسمع بهذا لقضينا بخلافه"٢. ولم يكن يعلم حكم المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ٣. ولما قدم: "سرغ" وبلغه أن الطاعون بالشام استشار المهاجرين الأولين الذين معه ثم الأنصار ثم مسلمة الفتح، فأشار كل عليه بما رأى، ولم يخبره أحد بسنة حتى قدم عبد الرحمن بن عوف فأخبره بسنة رسول الله ﷺ في الطاعون وأنه قال٤: "إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه " وتذاكر هو وابن عباس أمر الذي يشك في صلاته، فلم يكن قد بلغته السنة في ذلك حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ -٥ أنه يطرح الشك ويبني على ما استيقن، وكان مرة في السفر فهاجت ريح فجعل يقول: من يحدثنا عن الريح قال أبو هريرة: "فبلغني وأنا في أخريات الناس فحثثت راحلتي حتى أدركته فحدثنه بما أمر به النبي عند هبوب الريح"٦. فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلغه إياها من ليس مثله، ومواضع أخر لم يبلغه ما فيها من السنة فقضى فيها أو أفتى فيها بغير ذلك مثل ما قضى في دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها، وقد كان عند أبي موسى وابن عباس -وهما دونه بكثير في العلم- علم بأن النبي قال: "هذه وهذه سواء" ٧ يعني الإبهام، والخنصر فبلغت هذه السنة لمعاوية في إمارته فقضى بها
стр. 425
ولم يجد المسلمون بدًّا من اتباع ذلك. ولم يكن عيبًا في عمر ﵁ حيث لم يبلغه الحديث. وكذلك كان ينهى المحرم عن التطيب قبل الإحرام، وقبل الإفاضة إلى مكة بعد رمي جمرة العقبة هو وابنه عبد الله ﵄ وغيرهما من أهل الفضل، ولم يبلغهم حديث عائشة ﵂: "طيبت رسول الله ﷺ لحرمه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف"١ وكان يأمر لابس الخف أن يمسح عليه إلى أن يخلعه من غير توقيت، واتبعه على ذلك طائفة من السلف، ولم تبلغهم أحاديث التوقيت التي صحت عند بعض من ليس مثلهم في العلم، وقد رُوي ذلك عن النبي ﷺ من وجوه متعددة صحيحة٢.
وكذلك عثمان ﵁ لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيت الموت، حتى حدثته الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري بقضيتها لما توفي زوجها، وأن النبي قال لها: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" ٣ فأخذ به عثمان، وأهدي له مرة صيد كان قد صيد لأجله فهم بأكله حتى أخبره علي ﵁ أن النبي رد لحمًا أهدي له٤.
وكذلك علي ﵁ قال: "كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني غيره استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر" وذكر حديث٥ صلاة التوبة المشهور، وأفتى هو وابن عباس وغيرهما بأن المتوفى عنها إذا كانت حاملا تعتد أبعد الأجلين، ولم يكن قد بلغتهم سنة الله في سبيعة الأسلمية حيث أفتاها النبي ﷺ بأن عدتها وضع حملها٦ وأفتى هو وزيد وابن عمر وغيرهم بأن المفوضه إذا مات عنها زوجها فلا مهر
стр. 426
لها، ولم تكن بلغتهم سنة رسول الله ﷺ : "في بروع بنت واشق"١ وهذا باب واسع يبلغ المنقول منه عن أصحاب رسول الله ﷺ عددًا كثيرًا جدًّا، وأما المنقول منه عن غيرهم، فلا يمكن الإحاطة به فإنه ألوف فإن هؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها، فمن بعدهم أنقص، فخفاء بعض السنة عليه أولى فلا يحتاج إلى بيان فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة وإمامًا معينًا فهو مخطئ خطأ فاحشًا قبيحًا.
ولا يقولن قائل: "إن الأحاديث قد دونت وجمعت، فخفاؤها والحال هذه بعيد! " لأن هذه الدواوين المشهورة في السنن، إنما جمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين، ومع هذا فلا يجوز أن يُدعى انحصار حديث رسول الله ﷺ في دواوين معينة، ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله ﷺ فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة، وهو لا يحيط بما فيها، بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير لأن كثيرًا مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع أو لا يبلغنا بالكلية فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين، وهذا أمر لا يشك فيه من علم القضية. ولا يقولن قائل "من لم يعرف الأحاديث كلها لم يكن مجتهدا" لأنه إن اشترط في المجتهد علمه بجميع ما قاله النبي ﷺ وفعله فيما يتعلق بالأحكام فليس في الأمة مجتهد، وإنما غاية العلم أن يعلم جمهور ذلك وعظمه بحيث لا يخفى عليه إلا القليل من التفصيل، ثم إنه قد يخالف ذلك القليل من التفصيل الذي يبلغه.
السبب الثاني:
أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه أو محدث محدثه أو غيره من رجال الإسناد مجهول عنده أو متهم أو سيئ الحفظ، وإما أنه لم يبلغه مسندًا بل منقطعًا أو لم يضبط لفظ الحديث مع أن ذلك الحديث، قد رواه الثقات لغيره بإسناد متصل بأن يكون غيره يعلم من المجهول عنده الثقة، أو يكون قد رواه غير
стр. 427
أولئك المجروحين عنده، أو قد اتصل من غير الجهة المنقطعة، وقد ضبط ألفاظ الحديث بعض المحدثين الحفاظ، أو لتلك الرواية من الشواهد والمتابعات ما يبين صحتها، وهذا أيضًا كثير جدًّا وهو في التابعين وتابعيهم إلى الأئمة المشهورين من بعدهم أكثر من العصر الأول أو كثير من القسم الأول، فإن الأحاديث كانت قد انتشرت واشتهرت، لكن كانت تبلغ كثيرًا من العلماء من طرق ضعيفة، وقد بلغت غيرهم من طرق صحيحة غير تلك الطرق فتكون حجة من هذا الوجه مع أنها لم تبلغ من خالفها من هذا الوجه، ولهذا وجد في كلام غير واحد من الأئمة تعليق القول بموجب الحديث على صحته فيقول قولي في هذه المسألة كذا، وقد رُوي فيها حديث بكذا فإن كان صحيحًا فهو قولي.
السبب الثالث:
اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق آخر، سواء كان الصواب معه أو مع غيره، أو معهما عند من يقول: كل مجتهد مصيب ولذلك أسباب:
منها: أن يكون الحديث يعتقده أحدهما ضعيفًا، ويعتقده الآخر ثقة -ومعرفة الرجال علم واسع- ثم قد يكون المصيب من يعتقد ضعفه لاطلاعه على سبب جارح، وقد يكون الصواب مع الآخر لمعرفته أن ذلك السبب غير جارح، إما لأن جنسه غير جارح أو لأنه كان له فيه عذر يمنع الجرح، وهذا باب واسع وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم.
ومنها: أن لا يعتقد أن المحدث سمع الحديث ممن حدث عنه وغيره يعتقد أنه سمعه لأسباب توجب معروفة ذلك.
ومنها: أن يكون للمحدث حالان: حال استقامة وحال اضطراب، مثل أن يختلط أو تحرق كتبه، فما حدث به في حال الاستقامة صحيح، وما حدث به حال الاضطراب ضعيف، فلا يدري ذلك الحديث من أي النوعين. وقد علم غيره أنه مما حدث به في حال الاستقامة.
стр. 428
ومنها: أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث، فلم يذكره فيما بعد. أو أنكر أن يكون حدثه معتقدًا أن هذا علة توجب ترك الحديث، ويرى غيره أن هذا مما يصح الاستدلال به، والمسألة معروفة.
ومنها: أن كثيرًا من الحجازيين يرون أن لا يحتج بحديث عراقي أو شامي إن لم يكن له أصل بالحجاز حتى قال قائلهم: "نزلوا أحاديث أهل العراق بمنزلة أحاديث أهل الكتاب، لا تصدقوهم، ولا تكذبوهم". وقيل لآخر: "سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة؟ " قال: إن لم يكن له أصل بالحجاز فلا. وهذا لاعتقادهم أن أهل الحجاز ضبطوا السنة فلم يشذ عنهم منها شيء، وأن أحاديث العراقيين وقع فيها اضطراب أوجب التوقف فيها، وبعض العراقيين يرى أن لا يحتج بحديث الشاميين، وإن كان أكثر الناس على ترك التضعيف بهذا فمتى كان الإسناد جيدًا كان الحديث حجة سواء كان الحديث حجازيًّا أو عراقيًّا أو شاميًّا أو غير ذلك.
وقد صنف أبو داود السجستاني كتابًا في مفاريد أهل الأمصار من السنن، يبين ما اختص به أهل كل مصر من الأمصار من السنن التي لا توجد مسنده عند غيرهم، مثل المدينة ومكة والطائف ودمشق وحمص والكوفة والبصرة وغيرها إلى أسباب أخر غير هذه.
السبب الرابع:
اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطًا يخالفه فيها غيره مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب والسنة، واشتراط بعضهم أن يكون المحدث فقيها إذا خالف قياس الأصول، واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان فيما تعم به البلوى إلى غير ذلك مما هو معروف في مواضعه.
السبب الخامس:
أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده، لكن نسيه وهذا يرد في الكتاب والسنة، مثل الحديث المشهور عن عمر ﵁ أنه سئل عن الرجل يجنب في السفر فلا يجد الماء. فقال: "لا يصلي حتى يجد الماء" فقال له عمار١: "يا
стр. 429
أمير المؤمنين أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فاجتنبنا، فأما أنا فتمرغت كما تمرغ الدابة، وأما أنت فلم تصل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنما يكفيك هكذا" وضرب بيديه الأرض فمسح بها وجهه وكفيه. فقال له عمر: "اتق الله يا عمار" فقال: "إن شئت لم أحدث به" فقال: "بل نوليك من ذلك ما توليت" فهذه سنة شهدها عمر، ثم نسيها، حتى أفتى بخلافها، وذكره عمار فلم يذكر، وهو لم يكذب عمارًا، بل أمره أن يحدث به. وأبلغ من هذا أنه خطب الناس فقال: "لا يزيد رجل على صداق أزواج النبي ﷺ وبناته إلا رددته" فقالت امرأة: "يا أمير المؤمنين! بل تحرمنا شيئًا أعطانا الله إياه؟ ثم قرأت: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ١. فرجع عمر إلى قولها، وقد كان حافظًا للآية ولكن نسيها. وكذلك ما روي عن عليًّا ذكر الزبير يوم الجمل شيئًا عهده إليهما رسول الله ﷺ فذكره حتى انصرف عن القتال، وهذا كثير في السلف والخلف.
السبب السادس:
عدم معرفته بدلالة الحديث، تارة لكون اللفظ الذي في الحديث غريبًا عنده، مثل لفظ: المزابنة، والمحاقلة، والمخابرة، والملامسة، والمنابذة، والغرر إلى غير ذلك من الكلمات الغريبة التي قد يختلف العلماء في تفسيرها٢، وكالحديث المرفوع٣: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق". فإنهم قد فسروا الإغلاق بالإكراه ومن يخالفه لا يعرف هذا التفسير وتارة لكون معناه في لغته وعرفه غير معناه في لغة النبي ﷺ وهو يحمله على ما يفهمه في لغته، بناء على أن الأصل بقاء اللغة كما سمع بعضهم آثارًا في الرخصة في النبيذ فظنوه بعض أنواع المسكر لأنه لغتهم وإنما هو ما ينبذ لتحلية الماء قبل أن يشتد فإنه جاء مفسرًا في أحاديث كثيرة صحيحة، وسمعوا لفظ الخمر في الكتاب والسنة فاعتقدوه عصير العنب المشتد خاصة بناء على أنه كذلك في اللغة، وإن كان قد جاء من الأحاديث أحاديث صحيحة تبين أن الخمر اسم لكل شراب مسكر وتارة لكون اللفظ
стр. 430
مشتركا أو مجملا أو مترددًا بين حقيقة ومجاز، فيحمله على الأقرب عنده وإن كان المراد هو الآخر كما حمل جماعة من الصحابة في أول الأمر الخيط الأبيض والخيط الأسود على الحبل، وكما حمل آخرون قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾ ١. على اليد إلى الإبط، وتارة لكون الدلالة من النص خفية، فإن جهات دلالات الأقوال متسعة جدًّا يتفاوت الناس في إدراكها وفهم وجوه الكلام بحسب منح الحق سبحانه ومواهبه، ثم قد يعرفها الرجل من حيث العموم ولا يتفطن لكون هذا المعنى داخلا في ذلك العام ثم قد يتفطن له تارة ثم ينساه بعد ذلك، وهذا باب واسع جدًّا لا يحيط به إلا الله، وقد يغلط الرجل فيفهم من الكلام ما لا تحتمله اللغة العربية التي بعث الرسول بها.
السبب السابع:
اعتقاده أن لا دلالة في الحديث، والفرق بين هذا وبين الذي قبله: أن الأول لم يعرف جهة الدلالة والثاني عرف جهة الدلالة، لكن اعتقد أنها ليست دلالة صحيحة بأن يكون له من الأصول ما يرد تلك الدلالة سواء كانت في نفس الأمر صوابًا أو خطأ مثل أن يعتقد أن العام المخصوص ليس بحجة وأن المفهوم ليس بحجة وأن العموم الوارد على سبب مقصور على سببه أو أن الأمر المجرد لا يقتضى الوجوب أو لا يقتضي الفور أو أن المعرف باللام لا عموم له، أو أن الأفعال المنفية لا تنفي ذواتها ولا جميع أحكامها، أو أن المتقضى لا عموم له فلا يدعى العموم في المضمرات والمعاني إلى غير ذلك مما يتسع القول فيه فإن شطر أصول الفقه تدخل مسائل الخلاف منه في هذا القسم، وإن كانت الأصول المجردة لم تحط بجميع الدلالات المختلف فيها، وتدخل فيه أفراد أجناس الدلالات هل هي من ذلك الجنس أم لا مثل أن يعتقد أن هذا اللفظ المعين مجمل بأن يكون مشتركًا دلالة تعين أحد معنييه أو غير ذلك.
السبب الثامن:
اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مرادة مثل معارضة العام بخاص أو المطلق بمقيد أو الأمر المطلق بما ينفي الوجوب أو الحقيقة بما
стр. 431
يدل على المجاز إلى أنواع المعارضات. وهو باب واسع أيضًا، فإن تعارض دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض بحر خضم.
السبب التاسع:
اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخة أو تأويله إن كان قابلا للتأويل، بما يصلح أن يكون معارضا بالاتفاق مثل آية أو حديث آخر أو مثل إجماع، وهذا نوعان: "أحدهما" أن يعتقد أن هذا المعارض راجح في الجملة، فيتعين أحد الثلاثة من غير تعيين واحد منها، وتارة يعين أحدها بأن يعتقد أنه منسوخ أو أنه مؤول ثم قد يغلط في النسخ، فيعتقد المتأخر متقدمًا، وقد يغلط في التأويل بأن يحمل الحديث على ما يحتمله لفظه أو هناك ما يدفعه، وإذا عارضه من حيث الجملة فقد لا يكون ذلك المعارض دالًّا وقد لا يكون الحديث المعارض في قوة الأول إسنادًا أو متنًا وتجيء هنا الأسباب المتقدمة وغيرها في الحديث الأول، والإجماع المدعى في الغالب إنما هو عدم العلم بالمخالف، وقد وجدنا من أعيان العلماء من صاروا إلى القول بأشياء متمسكهم فيها عدم العلم بالمخالف مع أن ظاهر الأدلة عندهم يقتضي خلاف ذلك، لكن لا يمكن العالم أن يبتدئ قولًا لم يعلم به قائلا -مع علمه- بأن الناس قد قالوا خلافه حتى إن منهم من يعلق القول فيقول: إن كان في المسألة إجماع فهو أحق ما يتبع، وإلا فالقول عندي كذا وكذا، وذلك مثل من يقول لا أعلم أحدًا أجاز شهادة العبد وقبولها محفوظ عن علي وأنس وشريح وغيرهم، ويقول أجمعوا على أن المعتق بعضه لا يرث، وتوريثه محفوظ عن علي وابن مسعود، وفيه حديث١ حسن عن النبي، ويقول آخر: لا أعلم أحدًا أوجب الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة٢ وإيجابها محفوظ عن أبي جعفر الباقر، وذلك أن غاية كثير من العلماء أن يعلم أهل العلم الذين أدركهم في بلاده وأقوال جماعات غيرهم كما تجد كثيرًا من المتقدمين لا يعلم إلا قول المدنيين والكوفيين، وكثيرًا من المتأخرين لا
стр. 432
يعلم إلا قول اثنين أو ثلاثة من الأئمة المتبوعين، وما خرج عن ذلك فإنه عنده مخالف الإجماع؛ لأنه لا يعلم به قائلا وما زال يقرع سمعه خلافه، فهذا لا يمكنه أن يصير إلى حديث يخالف هذا لخوفه أن يكون هذا خلافًا للإجماع أو لاعتقاده أنه مخالف للإجماع -والإجماع أعظم الحجج- وهذا عذر كثير من الناس في كثير مما يتركونه، وبعضهم معذور فيه حقيقة وبعضهم معذور فيه، وليس في الحقيقة بمعذور وكذلك كثير من الأسباب قبله وبعده.
السبب العاشر:
معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخة أو تأويله مما لا يعتقد غيره، أو جنسه معارض أو لا يكون في الحقيقة معارضًا راجحًا، كمعارضة كثير من الكوفيين الحديث الصحيح بظاهر القرآن، واعتقادهم أن ظاهر القرآن من العموم، ونحوه مقدم على نص الحديث ثم قد يعتقد ما ليس بظاهر ظاهرًا لما في دلالات القول من الوجوه الكثيرة، ولهذا ردوا حديث الشاهد واليمين١، وإن كان غيرهم يعلم أن ليس في ظاهر القرآن ما يمنع الحكم بشاهد ويمين ولو كان فيه ذلك، فالسنة هي المفسرة للقرآن عندهم، وللشافعي في هذه القاعدة كلام معروف، ولأحمد فيها رسالته المشهورة في الرد على من يزعم الاستغناء بظاهر القرآن عن تفسير سنة رسول الله ﷺ وقد أورد فيها من الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره، ومن ذلك دفع الخبر الذي هو تخصيص لعموم الكتاب أو تقييد لمطلقة أو فيه زيادة عليه، واعتقاد من يقول ذلك أن الزيادة على النص كتقييد المطلق نسخ، وأن تخصيص العام نسخ وكمعارضه طائفة من المدنيين الحديث الصحيح بعمل أهل المدينة بناء على أنهم مجمعون على مخالفة الخبر، وأن إجماعهم حجة مقدمة على الخبر، كمخالفة أحاديث خيار المجلس بناء على هذا الأصل وإن كان أكثر الناس قد يثبتون أن المدنيين قد اختلفوا في تلك المسألة، وأنهم لو أجمعوا وخالفهم غيرهم لكانت الحجة في الخبر، وكمعارضة قوم من البلدين بعض الأحاديث بالقياس الجلي، بناء على أن القواعد الكلية لا تنقض بمثل هذا الخبر إلى غير ذلك من أنواع المعارضات سواء كان المعارض مصيبًا أو مخطئًا.
стр. 433
"فهذه الأسباب العشرة ظاهرة. وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث، لم نطلع نحن عليها فإن مدارك العلم، واسعة ولم نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء، والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها وإذا أبداها قد تبلغنا وقد لا تبلغ، وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه سواء كانت الحجة صوابًا في نفس الأمر أم لا، لكن نحن وإن جوزنا هذا فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة، وإن كان أعلم إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعي فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده بخلاف رأي العالم، والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر ورأي العالم ليس كذلك، ولو كان العمل بهذا التجويز جائزًا لما بقي في أيدينا شيء من الأدلة التي يجوز فيها مثل هذا لكن الغرض أنه في نفسه قد يكون معذورًا في تركه له، ونحن معذورون في تركنا لهذا الترك وقد قال سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَت﴾ .
وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ وليس لأحد أن يعارض الحديث عن النبي ﷺ بقول أحد من الناس كما قال ابن عباس ﵄ لرجل سأله من مسألة فأجابه فيها بحديث فقال له: قال أبو بكر، وعمر ... فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر، وعمر، وإذا كان الترك بكونه لبعض هذه الأسباب فإذا جاء حديث صحيح فيه تحليل أو تحريم أو حكم فلا يجوز أن يعتقد أن التارك له -من العلماء الذين وصفنا أسباب تركهم- يعاقب لكونه حلل الحرام أو حرم الحلال أو حكم بغير ما أنزل الله، وكذلك إن كان في الحديث وعيد على فعل من لعنه أو غضب أو عذاب ونحو ذلك فلا يجوز أن يقول إن ذلك العالم الذي أباح هذا أو فعله داخل في هذا الوعيد، وهذا مما لا نعلم بين الأمة فيه خلافًا إلا شيئًا عن بعض معتزلة بغداد مثل المريسي وإضرابه أنهم زعموا أن المخطئ من
стр. 434
المجتهدين يعاقب على خطئه، وهذا١ لأن لحوق الوعيد لمن فعل المحرم مشروط بعلمه بالتحريم أو بتمكنه من العلم بالتحريم. فإن من نشأ ببادية، أو كان حديث عهد بالإسلام، أو فعل شيئًا من المحرمات، غير عالم بتحريمها لم يأثم ولم يحد، وإن لم يستند في استحلاله إلى دليل شرعي فمن لم يبلغه الحديث المحرم، واستند في الإباحة إلى دليل شرعي أولى أن يكون معذورًا، ولهذا كان هذا مأجورًا محمودًا لأجل اجتهاده قال الله سبحانه: ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله ﴿وَعِلْمًا﴾ فاختص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالحكم والعلم. وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" فتبين أن المجتهد مع خطئه له أجر وذلك لأجل اجتهاده، وخطؤه مغفور له لأن درك الصواب في جميع أعيان الأحكام إما متعذر أو متعسر، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ وفي الصحيحين عن النبي أنه قال لأصحابه عام الخندق: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فأدركهم صلاة العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريظة وقال بعضهم: لم يرد منا هذا فصلوا في الطريق فلم يعب واحدة من الطائفتين فالأولون تمسكوا بعموم الخطاب فجعلوا صورة الفوات داخلة في العموم، والآخرون كان معهم من الدليل ما يوجب خروج هذه الصورة عن العموم فإن المقصود المبادرة إلى القوم، وهي مسألة اختلف فيها الفقهاء اختلافًا مشهورًا هل يخص العموم بالقياس، ومع هذا فالذين صلوا في الطريق كانوا أصوب، وكذلك بلال ﵁ لما باع الصاعين بالصاع أمره النبي برده ولم يرتب على ذلك حكم آكل الربا من التفسيق واللعن والتغليظ لعدم علمه كان بالتحريم، وكذلك عدي بن حاتم وجماعة من الصحابة لما اعتقدوا أن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَد﴾ معناه الحبال البيض والسود فكان أحدهم يجعل عقالين: أبيض وأسود ويأكل حتى يتبين أحدهما من
стр. 435
الآخر، فقال النبي لعدي١: "إن وسادك إذن لعريض، إنما هو بياض النهار وسواد الليل" فأشار إلى عدم فقهه لمعنى الكلام ولم يرتب على هذا الفعل ذم من أفطر في رمضان، وإن كان من أعظم الكبائر بخلاف الذين أفتوا المشجوج في البرد بوجوب الغسل فاغتسل فمات فإنه قال٢: "قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذ لم يعلموا إنما شفاء العِيِّ السؤال" فإن هؤلاء أخطئوا بغير اجتهاد إذ لم يكونوا من أهل العلم وكذلك لم يوجب على أسامة بن زيد قودًا ولا دية ولا كفارة لما قتل الذي قال: "لا إله إلا الله" في غزوة الحرقات٣ فإنه كان معتقدًا جواز قتله بناء على أن هذا الإسلام ليس بصحيح مع أن قتله حرام، وعمل بذلك السلف وجمهور الفقهاء في أن ما استباحه أهل البغي من دماء أهل العدل بتأويل سائغ لم يضمن بقود، ولا دية ولا كفارة وإن كان قتلهم وقتالهم محرمًا، وهذا الشرط الذي ذكرناه في لحوق الوعيد لا يحتاج أن يذكر في كل خطاب لاستقرار العلم به في القلوب كما أن الوعد على العمل مشروط بإخلاص العمل لله، وبعدم حبوط العمل بالردة ثم إن هذا الشرط لا يذكر في كل حديث فيه وعد ثم حيث قدر قيام الموجب للوعيد فإن الحكم يتخلف عنه الوعيد لمانع، وموانع لحوق الوعيد متعددة؛ منها التوبة ومنها الاستغفار ومنها الحسنات الماحية للسيئات ومنها بلاء الدنيا ومصائبها ومنها شفاعة شفيع مطاع ومنها رحمة أرحم الراحمين، فإذا عدمت هذه الأسباب كلها -ولن تعدم إلا في حق من عتا وتمرد وشرد على الله شراد البعير على أهله- فهنالك يلحق الوعيد به وذلك أن حقيقة الوعيد بيان أن هذا العمل سبب في هذا العذاب فيستفاد من ذلك تحريم الفعل وقبحه أما أن كل شخص قام به ذلك السبب يجب وقوع ذلك المسبب به فهذا باطل قطعًا لتوقف ذلك المسبب على وجود الشرط، وزوال جميع الموانع وإيضاح هذا أن من ترك العمل بحديث فلا يخلو من ثلاثة أقسام:
"إما أن يكون تركًا جائزًا باتفاق المسلمين، كالترك في حق من لم يبلغه ولا قصر في الطلب مع حاجته إلى الفتيا أو الحكم، كما ذكرناه عن الخلفاء الراشدين وغيرهم،
стр. 436
فهذا لا يشك مسلم أن صاحبه لا يلحقه من معرة الترك شيء.
"وإما أن يكون تركا غير جائز. فهذا لا يكاد يصدر من الأئمة إن شاء الله تعالى لكن الذي قد يخاف على بعض العلماء، أن يكون الرجل قاصرا في درك تلك المسألة فيقول مع عدم أسباب القول، وإن كان له فيها نظر واجتهاد، أو يقصر في الاستدلال فيقول قبل أن يبلغ النظر نهايته مع كونه متمسكًا بحجة أو يغلب عليه عادة أو غرض بمنعه من استيفاء النظر لينظر فيما يعارض ما عنده، وإن كان لم يقل إلا بالاجتهاد، والاستدلال فإن الحد الذي يجب أن ينتهي إليه الاجتهاد قد ينضبط للمجتهد، ولهذا كان العلماء يخافون مثل هذا خشية أن لا يكون الاجتهاد المعتبر قد وجد في تلك المسألة المخصوصة فهذه ذنوب، لكن لحوق عقوبة الذنب بصاحبه إنما تنال لمن لم يتب، وقد يمحوها الاستغفار والإحسان والبلاء والشفاعة والرحمة ولم يدخل في هذا من يغلبه الهوى ويصرعه حتى ينصر ما يعلم أنه باطل أو من يجزم بصواب قول أو خطئة من غير معرفة منه بدلائل ذلك القول نفيًا وإثباتًا فإن هذين في النار كما قال النبي -صلى اله عليه وسلم١: "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة؛ فأما الذي في الجنة فرجل علم الحق فقضى به، وأما اللذان في النار فرجل قضى للناس على جهل ورجل علم الحق وقضى بخلافه" والمفتون كذلك لكن لحوق الوعيد للشخص المعين أيضًا له موانع كما بيناه فلو فرض وقوع بعض هذا من بعض الأعيان من العلماء المحمودين عند الأمة مع أن هذا بعيد أو غير واقع لم يعدم أحدهم هذه الأسباب، ولو وقع لم يقدح في إمامتهم على الإطلاق فإنا لا نعتقد في القوم العصمة، بل نجوز عليهم الذنوب ونرجو لهم مع ذلك أعلى الدرجات لما اختصهم الله به من الأعمال الصالحة والأحوال السنية، وأنهم لم يكونوا مصرين على ذنب، وليسوا بأعلى درجة من الصحابة ﵃ والقول فيهم كذلك فيما اجتهدوا فيه من الفتاوى والقضايا والدماء التي كانت بينهم وغير ذلك، ثم إنهم مع العلم بأن التارك الموصوف معذور بل مأجور لا يمنعنا أن نتبع الأحاديث الصحيحة التي لم نعلم لها معارضا يدفعها، وأن نعتقد وجوب العمل بها على الأمة ووجوب تبليغها، وهذا مما لا يختلف العلماء فيه" انتهى المقصود من هذا البحث من فتوى شيخ الإسلام، ولها تتمة بديعة فلتنظر.
стр. 437
الخاتمة في فوائد متنوعة يضطر إليها الأثري:
١- سبيل الترقي في علوم الدين:
قال الإمام تقي الدين ﵀ في إحدى وصاياه: "جماع الخير أن يستعين بالله في تلقي العلم المأثور عن النبي ﷺ فإنه الذي يستحق أن يسمى علمًا، وما سواه إما أن يكون علمًا ولا يكون نافعًا، وإما أن لا يكون علمًا وإن سُمي به، ولئن كان علمًا نافعًا فلأن يكون في ميراث محمد ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه، وليكن همته فهم مقاصد الرسول في أمره ونهيه وسائر كلامه، فإذا اطمأن قلبه أن هذا هو مراد الرسول فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس إذا أمكنه ذلك، وليجهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور من النبي ﷺ وإذا اشبته عليه مما قد اختلف في الناس فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا قام يصلي من الليل: "الله رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات، والأرض عالم الغيث والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" فإن الله تعالى قال فيما رواه عنه رسول الله ﷺ : "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم". ا. هـ.
стр. 438
٢- قاعدة المحققين في مسائل الدين وعلماء الفرق:
قال المحقق ابن القيم ﵀ في كتابه طريق الهجرتين: "إن عادتنا في مسائل الدين كلها، دقها وجلها، أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفة على طائفة بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله أن نحيا على ذلك ونموت عليه، ونلقى الله به ولا قوة إلا بالله". ا. هـ.
وقال حكيم مصره بل عصره الشيخ محمد عبده مفتي مصر، في كتاب الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية في مبحث: "سماحة الإسلام" ما لفظه: "آخذ بيد القارئ الآن وأرجع به إلى ما مضى من الزمان، وأقف به وقفه بين يدي خلفاء بني أمية والأئمة من بني العباس ووزرائهم والفقهاء والمتكلون والمحدثون والأئمة المجتهدون من حولهم، والأدباء والمؤرخون والأطباء والفلكيون والرياضيون والجغرافيون والطبيعيون، وسائر أهل النظر من كل قبيل مطيفون بهم، وكل مقبل على عمله فإذا فرغ عامل من العمل أقبل على أخيه ووضع يده في يده يصافح الفقية المتكلم والمحدث الطبيب والمجتهد الرياضي والحكم، وكل يرى في صاحبه عونًا على ما يشتغل هو به، وهكذا أدخُلُ به بيتًا من بيوت العلم فأجد جميع هؤلاء سواء في ذلك البيت يتحادثون ويتباحثون، والإمام البخاري حافظ السنة بين يدي الحسن البصري شيخ السنة من التابعين يتلقى عنه، وقد سئل الحسن عنه فقال للسائل: "لقد سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته، وكأن الأنبياء ربته إن قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به وإن أمر بشيء كان ألزم الناس له، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له ما رأيت ظاهرًا أشبه بباطن منه، ولا باطنًا أشبه بظاهر منه" بل أرفع بصري فأجد الإمام أبا حنيفة أمام الإمام زيد بن علي صاحب مذهب الزيدية من الشيعة يتعلم منه أصول العقائد والفقه، ولا يجد أحدهم من الأخر إلا ما يجد
стр. 439
صاحب الرأي في حادثة ممن ينازعه فيه اجتهادًا في بيان المصلحة، وهما من أهل بيت واحد أمر به بين تلك الصفوف التي كانت تختلف وجهتها في الطلب وغايتها واحدة، وهي العلم، وعقيدة كل واحد منهم أن: "فكر ساعة خير من عبادة ستين سنة"١ كما ورد في بعض الأحاديث.
ثم قال: الخلفاء أئمة في الدين مجتهدون، وبأيديهم القوة، وتحت أمرهم الجيش، والفقهاء والمحدثون والمتكلمون والأئمة المجتهدون الآخرون، هم قادة أهل الدين ومن جند الخلفاء الدين في قوته والعقيدة في أوج سلطانها، وسائر العلماء ممن ذكرنا بعدهم يتمتعون في أكنافهم بالخير والسعادة ورفه العيش وحرية الفكر، لا فرق في ذلك بين من كان من دينهم، ومن كان من دين آخر فهناك يشير القارئ المنصف إلى أولئك المسلمين، وأنصار ذلك الدين، ويقول ها هنا يطلق اسم التسامح مع العلم في حقيقته ها هنا يوصف الدين بالكرم، والحلم ها هنا يعرف كيف يتفق الدين مع المدينة عن هؤلاء العلماء الحكماء تؤخذ فنون الحرية في النظر، ومنهم تهبط روح المسألة بين العقل الوجدان أو بين العقل والقلب، كما يقولون يرى القارئ أنه لم يكن جلاد بين العلم والدين، وإنما كان بين الله أهل العلم بين أهل الدين شيء من التخالف في الآراء شأن الأحرار في الأفكار لا الذين أطلقوا من غل التقليد، وعوفوا من علة التقليد، ولم يكن يجري فيما بينهم اللمز والتنابر بالألقاب، فلا يقول أحد منهم لآخر إنه زنديق أو كافر أو مبتدع أو ما يشبه ذلك، ولا تتناول أحدًا منهم يدٌ بأذى إلا إذا خرج عن نظام الجماعة، وطلب الإجلال بأمن العامة فكان كالعضو المجذم فيقطع ليذهب ضرره عن البدن كله.
ثم قال بعد ذلك تحت عنوان: "ملازمة العلم للدين، وعدوى التعصب في المسلمين" ما صورته "متى ولع المسلمون بالتكفير والتفسيق، ورمى زيد بأنه زنديق؟ أشرنا فيما سبق إلى مبدأ هذا المرض، ونقول الآن: إن ذلك بدأ فيهم عندما بدأ الضعف في الدين يظهر بينهم وأكلت الفتن أهل البصيرة من أهله -تلك الفتن التي كان يثيرها أعداء الدين في الشرق، وفي الغرب لخفض سلطانه وتوهين أركانه- وتصدر للقول في الدين برأيه من لم تمتزج روحه
стр. 440
بروح الدين، وأخذ المسلمون يظنون أن من البدع في الدين ما يحسن إحداثه لتعظيم شأنه تقليدًا لمن كان بين أيديهم من الأمم المسيحية وغيرها، وأنشئوا ينسون ماضي الدين، ومقالات سلفهم فيه ويكتفون برأي من يرونه من المتصدرين المتعالين، وتولى شئون المسلمين جهالهم وقام بإرشادهم في الأغلب ضلالهم في أثناء ذلك حدث الغلو في الدين، واستعرت نيران العداوات بين النظار فيه، وسهل كل منهم لجهله بدينه أن يرمي الآخر بالمروق منه لأدنى سبب، وكلما ازدادوا جهلًا بدينهم ازدادوا غلوا فيه بالباطل، ودخل العلم والفكر والنظر -وهي لوازم الدين الإسلامي- في جملة ما كرهوه وانقلب عندهم ما كان واجبًا من الدين محظورا فيه".
стр. 441
٣- وصية الغزالي في معاملة المتعصب:
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه فيصل التفرقة، في تتمة الفصل الأول، بعد حكمه على من يتخبط في الجواب، ويعجز عن كشف الغطاء بأنه ليس من أهل النظر، وإنما هو مقلد ما نصه: "وشرط المقلد أن يسكت ويسكت عنه؛ لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج، ولو كان أهلًا له كان مستتبعا لا تابعا، وإماما لا مأمومًا، فإن خاض المقلد في المحاجة فذلك منه فضول، والمشتغل به صار كضارب في حديد بارد، وطالب لصلاح الفاسد، وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟ ".
وقال ﵀ في موضع آخر منه: "فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل، فأعرض عنه، ولا تشغل به قلبك ولسانك، فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع لا يصبر عنه الجهال ولأجله كثر الخلاف بين الناس، ولو ينكث من الأيدي من لا يدري لقل الخلاف بين الخلق".
أقول: هذا بمعنى قول سقراط: لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف.
وقال الغزالي قدس سره في كتابه "المنقذ من الضلال"١: "لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته؛ إذ من شرط المقلد أن لا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده وهو شعب لا يرأب، وشعث لا يلم بالتلفيق، والتأليف إلا أن يذاب بالنار، ويستأنف لها صيغة أخرى مستجدة". ا. هـ.
стр. 442
٤- بيان من يسلم من الأغلاط:
قال الإمام السيد مرتضى اليماني في كتابه إيثار الحق: "واعلم أنه لا يكاد يسلم من هذه الأغلاط إلا أحد رجلين؛ إما رجل ترك البدعة كلها، والتمذهب والتقاليد والاعتزاء إلى المذاهب والأخذ من التعصب بنصيب، وبقي مع الكتاب والسنة كرجل نشأ قبل حدوث المذاهب، ولم يعبر عن الكتاب والسنة بعبارة منه مبتدعة، واستعان بالله وأنصف ووقف في مواقف التعارض والاشتباه، ولم يدع علم ما لم يعلم، ولا تكلف ما لا يحسن، وهذا هو مسلك البخاري، وأئمة السنة غالبًا في ترجمة تصدير الأبواب، وفي العقائد بالآيات القرآنية والأخبار النبوية، كما صنع في أبواب القدر وكتاب التوحيد والرد على الجهمية وأبواب المشيئة، ورجل أتقن العلمين: العقلي والسمعي، وكان من أئمتهما معًا بحيث يرجع إليه أئمتهما في وقائعهما ومشكلاتهما مع حسن قصد وورع وإنصاف وتحر للحق فهذا لا تخلف عنه هداية الله وإعانته، وأما من عادى أحد هذين العلمين، وعادى أهله ولم يكن على الصفة الأولى من لزوم ما يعرف وترك ما لا يعرف، فإنه لا بد أن تدخل عليه البدع والأغلاط والشناعات"
стр. 443
تتمة في مقصدين:
١- المقصد الأول:
في أن طلب الحديث أن يتقى به الله ، وأن طلب الشارع للعمل لكونه وسيلة إلى التعبد به.
قال العلامة أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات في مقدمتها السابعة: "كل علم شرعي، فطلب الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى، لا من جهة أخرى فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى فبالتبع". ثم ساق الأدلة على ذلك، ومنها أن الشرع إنما جاء بالتعبد وهو المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وجود الكلام في ذلك على عادته ﵀ ثم قال في المقدمة الثامنة: "العلم الذي هو العلم المعتبر شرعًا أعني الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق هو العلم الباعث على العمل الذي لا يخلي صاحبه جاريًا مع هواه كيفما كان، بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه الحامل له على قوانينه طوعًا أو كرهًا، ومعنى هذه الجملة أن أصل العلم في طلبه، وتحصيله على ثلاثة مراتب:
المرتبة الأولى: الطالبون له ولما يحصلوا على كماله بعد، وإنما هم في طلبه في رتبه التقليد فهؤلاء إذا دخلوا في العمل به فبمقتضى الحمل التكليفي، والحث الترغيبي والترهيبي، وعلى مقدار شدة التصديق يخف ثقل التكليف، فلا يكتفي العلم ها هنا بالحمل دون أمر آخر خارج مقوله من زجر أو قصاص أو حد أو تعزير أو ما جرى هذا المجرى، ولا احتياج ها هنا إلى إقامة برهان على ذلك إذ التجربة الجارية في الخلق قد أعطت هذه المرتبة برهانًا لا يحتمل النقيض بوجه.
والمرتبة الثانية: الواقفون منه على براهينه ارتفاعًا عن حضيض التقليد المجرد، واستبصارًا فيه، حسبما أعطاه شاهد النقل الذي يصدقه العقل تصديقا يطمئن إليه ويعتمد عليه إلا أنه بعد منسوب إلى العقل لا إلى النفس بمعنى أنه لم يصر كالوصف الثابت للإنسان
стр. 444
وإنما هو كالأشياء المكتسبة، والعلوم المحفوظة التي يتحكم عليها العقل ويعتمد في استجلابها حتى تصير من جملة مودعاته. فهؤلاء إذا دخلوا في العمل خف عليهم خفة أخرى زائدة على مجرد التصديق في المرتبة الأولى، بل لا نسبة بينهما؛ إذ هؤلاء يأبى لهم البرهان المصدق أن يكذبوا، ومن جملة التكذيب الخفي العمل على مخالفة العلم الحاصل لهم، ولكنهم حين لم يصر لهم كالوصف ربما كانت أوصافهم الثابته من الهوى والشهوة الباعثة الغالبة أقوى الباعثين، فلا بد من الافتقار إلى أمر زائد من خارج غير أنه يتسع في حقهم فلا يقتصر فيه على مجرد الحدود والتعزيرات، بل ثم أمور أخرى كمحاسن العادات، ومطالبة المراتب التي بلغوها بما يليق بها، وأشباه ذلك، وهذه المرتبة أيضًا يقوم البرهان عليها من التجربة إلا أنها أخفى مما قبلها فيحتاج إلى فضل نظر موكول إلى ذوي النباهة في العلوم الشرعية، والأخذ في الإنصافات السلوكية.
والمرتبة الثالثة: الذين صار لهم العلم وصفًا من الأوصاف الثابتة، بمثابة الأمور البديهية في المعقولات الأولى أو تقاربها، ولا ينظر إلى طريق حصولها، فإن ذلك لا يحتاج إليه، فهؤلاء لا يخليهم العلم وأهواءهم إذا تبين لهم الحق، بل يرجعون إليه رجوعهم إلى دواعيهم البشرية وأوصافهم الخلقية، وهذه المرتبة هي المترجم لها، والدليل على صحتها من الشريعة كثير كقوله تعالى١: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ثم قال١: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون﴾ الآية. فنسب هذه المحاسن إلى أولي العلم من أجل العلم لا من أجل غيره. وقال تعالى٢: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ والذين يخشون ربهم هم العلماء لقوله٣: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقال تعالى٤: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية. ولما كان السحرة قد بلغوا في علم السحر مبلغ
стр. 445
الرسوخ فيه، وهو معنى هذه المرتبة بادروا إلى الانقياد والإيمان حين عرفوا من علمهم أن ما جاء به موسى ﵇ حق ليس بالسحر ولا الشعوذة، ولم يمنعهم من ذلك التخويف ولا التعذيب الذي توعدهم به فرعون وقال تعالى١: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فحصر تعقلها في العالمين. وهو قصد الشارع من ضرب الأمثال، وقال٢: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ ثم وصف أهل العلم بقوله٣: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّه﴾ إلى آخر الأوصاف وحاصلها يرجع إلى أن العلماء هم العاملون وقال في أهل الإيمان -والإيمان من فوائد العلم- ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم﴾ ٤ إلى أن قال٥: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ . ومن هذا قرن العلماء في العمل بمقتضى العلم بالملائكة الذين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾ ٦ فقال تعالى٧: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فشهادة الله تعالى وفق علمه ظاهرة التوافق إذ التخالف محال وشهادة الملائكة على وفق ما علموا صحيحة لأنهم محفوظون من المعاصي وأولو العلم أيضًا كذلك من حيث حفظوا بالعلم، وقد كان الصحابة ﵃ إذا نزلت عليهم آية فيها تخويف أحزنهم ذلك وأقلقهم حتى يسألوا النبي ﷺ كنزول آية البقرة٨: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوه﴾ الآية وقوله٩: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم﴾ الآية، وإنما القلق والخوف من آثار العلم بالمنزل والأدلة أكثر من إحصائها هنا وجميعها يدل على أن العلم المعتبر هو الملجئ إلى العمل به، فإن قيل هذا غير ظاهر من وجهين:
أحدهما: أن الرسوخ في العلم، إما أن يكون صاحبه محفوظا به من المخالفة أو لا؛ فإن لم يكن كذلك فقد استوى أهل هذه المرتبة مع من قبلهم ومعناه أن العلم بمجرده
стр. 446
غير كاف في العمل به، ولا ملجئ إليه؛ وإن كان محفوظًا به من المخالفة لزم أن لا يعصي العالم إذا كان من الراسخين فيه، لكن العلماء تقع منهم المعاصي ما عدا الأنبياء ﵈، ويشهد لهذا في أعلى الأمور قوله تعالى في الكفار١: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ . وقال٢: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . وقال٣: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وقال٤: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ ثم قال: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون﴾ وسائر ما في هذا المعنى فأثبت لهم المعاصي والمخالفات مع العلم فلو كان العلم صادًّا عن ذلك لم يقع.
والثاني: ما جاء في ذم العلماء السوء وهو كثير، ومن أشد ما فيه قوله عليه السلام٥: "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" وفي القرآن٦: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب﴾ وقال٧: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية. وقال٨: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية. وحديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة والأدلة فيه كثيرة، وهو ظاهر في أن أهل العلم غير معصومين بعلهم، ولا هو ما يمنعهم عن إتيان الذنوب فكيف يقال إن العلم مانع من العصيان فالجواب عن الأول أن الرسوخ في العلم يأبى للعالم أن يخالفه بالأدلة المتقدمة، وبدليل التجربة العادية لأن ما صار كالوصف الثابت لا يصرف صاحبه إلا على وفقه اعتيادًا فإن تخلف فعلى أحد ثلاثة أوجه
стр. 447
الأول: مجرد العناد، فقد يخالف فيه مقتضى الطبع الجبلي، فغيره أولى؛ وعلى ذلك دل قوله تعالى١: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ وأشباه ذلك، والغالب على هذا الوجه أن لا يقع إلا لغلبة هوى من حب دنيا أوجاه أو غيره ذلك، بحيث يكون وصف الهوى قد غمر القلب حتى لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرا.
الثاني: الفلتات الناشئة عن الغفلات التي لا ينجو منها البشر، فقد يصير العالم بدخوله الغفلة غير عالم وعليه يدل عند جماعة قوله تعالى٢: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ الآية. وقال تعالى٣: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ومثل هذا الوجه لا يعترض على أصل المسألة كما لا يعترض نحوه على سائر الأوصاف الجبلية فقد لا تبصر العين ولا تسمع الأذن لغلبة فكر أو غفلة أو غيرهما فترتفع في الحال منفعة العين والأذن حتى يصلب، ومع ذلك لا يقال إنه غير مجبول على السمع والإبصار فما نحن فيه كذلك.
الثالث: كونه ليس من أهل هذه المرتبة، فلم يصر العلم له وصفًا أو كالوصف مع عده من أهلها وهذا يرجع إلى غلط في اعتقاد العالم في نفسه أو اعتقاد غيره فيه، ويدل عليه قوله تعالى٤: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّه﴾ . وفي الحديث٥: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس" إلى أن قال: "اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" وقوله٦: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرفة أشدها فتنة على أمتي الذين يقيسون الأمور بآرائهم" الحديث.
стр. 448
فهؤلاء وقعوا في المخالفة بسبب ظن الجهل علمًا، فليسوا من الراسخين في العلم ولا ممن صار لهم كالوصف، وعند ذلك لا حفظ لهم في العلم فلا اعتراض بهم فأما من خلا عن هذه الأوجه الثلاثة فهو الداخل تحت حفظ العلم حسبما نصته الأدلة، وفي هذا المعنى من كلام السلف كثير وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال١: "إن لكل شيء إقبالًا وإدبارًا وإن لهذا الدين إقبالًا وإدبارًا، وإن من إقبال هذا الدين ما بعثني الله به حتى إن القبيلة لتتفقه من عند أسرها، أو قال آخرها حتى لا يكون فيها إلا الفاسق أو الفاسقان فهما مقموعان ذليلان إن تكلما أو نطقا قمعا وقهرا واضطهدا" الحديث وفي الحديث٢: "سيأتي على أمتي زمان يكثر القراء ويقل الفقهاء ويقبض العلم ويكثر الهرج" إلى أن قال: "ثم يأتي من بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال من أمتي لا يجاوز تراقيهم ثم يأتي من بعد ذلك زمان يجادل المنافق المشرك يمثل ما يقوله" وعن علي: "يا حملة العلم اعملوا به فإن العالم من علم ثم عمل ووافق عليه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم تخالف سريرتهم علانيتهم ويخالف علمهم عملهم يقعدون حلقا يباهي بعضهم بعضًا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم تلك إلى الله " وعن ابن مسعود: "كونوا للعلم وعاة ولا تكونا له رواة فإنه قد يوعى، ولا يروى وقد يروى ولا يوعى" وعن أبي الدرداء: "لا تكون تقيًّا حتى تكون عالمًا، ولا تكون بالعلم جميلًا حتى تكون به عاملًا" وعن الحسن: "العالم الذي وافق علمه عمله ومن خالف علمه عمله فذلك راوية حديث سمع شيئًا فقاله". وقال الثوري: "العلماء إذا علموا عملوا فإذا عملوا شغلوا فإذا شغلوا فقدوا فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا" وعن الحسن قال: "الذي يفوق الناس في العلم جدير أن يفوقهم في العمل" وعنه في قول الله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُم﴾ قال: علمتم فعلتم ولم تعملوا فوالله ما ذلكم بعلم! وقال الثوري: "العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل" وهذا تفسير معنى كون العلم هو الذي يلجئ إلى العمل، وقال الشعبي:
стр. 449
"كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به" ومثله عن وكيع بن الجراح، وعن ابن مسعود: "ليس العلم عن كثرة الحديث إنما العلم خشية الله" والآثار في هذا النحو كثيرة، وبما ذكر يتبين الجواب عن الإشكال الثاني فإن علماء السوء هم الذين لا يعملون بما يعلمون، وإذا لم يكونوا كذلك فليسوا في الحقيقة من الراسخين في العلم، وإنما هم رواة والفقه فيما رووا أمر آخر أو ممن غلب عليهم هوى غطى على القلوب، والعياذ بالله على أن المثابرة على طلب العلم والتفقه فيه وعدم اجتزاء باليسير منه يجر إلى العمل به ويلجئ إليه كما تقدم بيانه هو معنى قول الحسن: "كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخره"، وعن معمر أنه قال: "كان يقال من طلب العلم لغير الله يأبى عليه العلم حتى يصيره إلى الله"، وعن حبيب بن أبي ثابت: "طلبنا هذا الأمر، وليس لنا فيه نية ثم جاءت النية بعد" وعن الثوري قال: "كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخره" وهو معنى قوله في كلام آخر: "كنت أغبط الرجل يجتمع حوله، ويكتب عنه فلما ابتليت به وددت أني نجوت منه كفافا لا علي ولا لي" وعن أبي الوليد الطيالسي قال: "سمعت ابن عيننة منذ أكثر من ستين سنة يقول: طلبنا هذا الحديث لغير الله فأعقبنا الله ما ترون"، وقال الحسن: "لقد طلب أقوام العلم ما أرادوا به الله وما عنده فما زال بهم حتى أرادوا به الله وما عنده" فهذا أيضًا مما يدل على صحة ما تقدم.
ثم قال الشاطبي بعد ذلك: "ويتصدى النظر هنا في تحقيق هذه المرتبة وما هي، والقول في ذلك على الاختصار أنها أمر باطن، وهو الذي عبر عنه بالخشية في حديث ابن مسعود، وهو راجع إلى معنى الآية. وعنه عبر في الحديث في أول ما يرفع من العلم الخشوع١، وقال مالك: "ليس العلم بكثرة الرواية ولكنه نور يجعله الله في القلوب" وقال أيضًا: "الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء وليس بكثرة المسائل، ولكن عليه علامة ظاهرة وهو التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، وذلك عبارة عن العمل بالعلم من غير مخالفة وبالله التوفيق". ا. هـ.
стр. 450
وقال الحافظ السخاوي في فتح المغيث، تحت قول العرافي: "واعمل بما تسمع في الفضائل" ما صورته: "لحديث مرسل قال رجل: يا رسول الله ﷺ ما ينفي عني حجة العلم قال: "العمل"، ولقول مالك بن مغول في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم﴾ قال: تركوا العمل به ولقول إبراهيم الحربي إنه ينبغي للرجل إذا سمع شيئًا في آداب النبي ﷺ أن يتمسك به ولأن ذلك سبب ثبوته وحفظه ونموه والاحتياج فيه إليه، ويروى أنه ﷺ قال: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم" وعن أبي الدرداء قال: من عمل بعشر ما يعلم علمه الله ما يجهل، وعن ابن مسعود أنه قال: ما عمل أحد بما علمه الله إلا احتاج الناس إلى ما عنده.
وقال النووي في الأذكار: ينبغي لما بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة ليكون من أهله ولا ينبغي أن يتركه مطلقا، بل يأتي بما تيسر منه لقوله -صلى الله عليه وسلم١: "إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم".
قلت: ويروى في الترغيب في ذلك عن جابر مرفوع لفظه: "من بلغه عن الله شيء فيه فضيلة فأخذ به إيمانا به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك"، وله شاهد قال أبو عبد الله محمد بن خفيف ما سمعت شيئًا من سنن رسول الله ﷺ إلا واستعملته حتى الصلاة على أطراف الأصابع، وهي صعبة. وقال الإمام أحمد: "ما كتبت حديثًا إلا وقد عملت به حتى مر بي في الحديث أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت ويقال: "اسم أبي طيبة دينار"، وحكاه ابن عبد البر ولا يصح وعن أبي عصمة عاصم بن عصام البيهقي قال: بت ليلة عند أحمد فجاء بالماء فوضعه فلما أصبح نظر إلى الماء فإذا هو كما كان فقال: سبحان الله رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل، وقال أحمد في قصة: صاحب الحديث عندنا من يستعمل الحديث، وعن الثوري قال: "إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل"
стр. 451
وصلى رجل ممن يكتب الحديث بجنب ابن مهدي فلم يرفع يديه فلما سلم قال له: ألم تكتب عن ابن عيينة حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في كل تكبيرة؟ قال: نعم! قال: فماذا تقول لربك إذا لقيك في تركك لهذا وعدم استعماله، وعن أبي جعفر أحمد بن حمدان بن علي النيسابوري قال: كنت في مجلس أبي عبد الله المروزي فلما حضرت الظهر، وأذن أبو عبد الله خرجت من المسجد فقال: إلى أين يا أبا جعفر قلت: أتطهر للصلاة قال: كان ظبي بك غير هذا يدخل عليك وقت الصلاة، وأنت على غير طهارة، وعن أبي عمرو محمد بن حمدان قال: صلى بنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بمسجده وعليه إزار ورداء فقلت لأبي: يا أبتا هو محرم فقال: لا، ولكنه يسمع مني المستخرج الذي خرجته على مسلم فإذا مرت به سنة لم يكن استعملها فيما مضى أحب أن يستعملها في يومه وليلته، وأنه سمع من جملة ما قرئ عليَّ أن النبي ﷺ صلى في إزار ورداء فأحب أن يستعمل هذه السنة قبل أن يصبح، وعن بشر بن الحارث أنه قال: يا أصحاب الحديث أتؤدون زكاة الحديث فقيل له: يا أبا نصر، وللحديث زكاة قال: نعم إذا سمعتم الحديث فما كان فيه من عمل أو صلاة أو تسبيح استعملتموه، وفي لفظ عنه رويناه بعلو في جزء للحسن بن عبد الملك أنه لما قيل له: كيف تؤدى زكاته قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث، وروينا عن أبي قلابة قال: إذا أحدث الله لك علما فأحدث له عبادة، ولكن إنما همك أن تحدث به الناس، وعن الحسن البصري قال: كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده.
стр. 452
٢- المقصد الثاني:
فيما روي في مدح رواية الحديث ورواته من بدائع المنظومات:
قال الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي المؤرخ الشهير:
واظب على جمع الحديث وكتبه ... واجهد على تصحيحه في كتبه
واسمعه من أربابه نقلًا كما ... سمعوه من سمعوه من أشياخهم تسعد به
واعرف ثقات رواته من غيرهم ... كيما تميز صدقه من كذبه
فهو المفسر لكتاب وإنما ... نطق النبي لنا به عن ربه
وتفهم الأخبار تعرف حله ... من حرمه مع فرضه من ندبه
وهو المبين للعباد بشرحه ... سير النبي المصطفى مع صحبة
وتتبع العالي الصحيح فإنه ... قرب إلى الرحمن تحظ بقربه
وتجنب التصحيف فيه فربما ... أدى إلى تحريفه بل قلبه
واترك مقالة من لحاك بجهله ... عن كتبه أو بدعة في قلبه
فكفى المحدث رفعة أن يرتضي ... ويعد من أهل الحديث وحزبه
وقال رحمه الله تعالى:
لقول الشيخ: "أنبأني فلان، ... وكان من الأئمة عن فلان"
إلى أن ينتهي الإسناد أحلي ... لقلبي من محادثة الحسان
ومشتمل على صوت فصيح ... ألذ إلي من صوت القيان
وتزييني الطروس بنقش نقس ... أحب إلى من نقش الغوالي
وتخريج الفوائد والأمالي ... وتسطير الغرائب والحسان
وتصحيح العوالي من العوالي ... بنيسابور أو في أصفهان
أحب إليَّ من أخبار ليلي ... وقيس بن الملوح والأغاني
فإن كتابة الأخبار ترقي ... بصاحبها إلى غرف الجنان
стр. 453
وحفظ حديث خير الخلق مما ... ينال به الرضا بعد الأمان
فأجر العلم ينمو كل حين ... وذكر المرء يبقي وهو فاني
وقال الحافظ البرقاني رحمه الله تعالى:
أعلل نفسي بكتب الحديـ ... ـث وأجمل فيه لها موعدا
وأشغل نفسي بتصنيفه ... وتخريجه أبدًا سرمدا
فطورًا أصنفة في الشيو ... خ وطورًا أصنفه مسندا
وأقفو البخاري فيما نحا ... وصنفه جاهدًا مجهدا
ومسلمًا إذ كان زين الأنا ... م بتصنيفه مسلمًا مرشدًا
وما لي فيه سوى أنني ... أراه هوى وافق المقصدا
وأرجو الثواب بكتب الصلا ... ة على السيد المصطفي أحمدا
وأسأل ربي إله العبا ... د جربًا على ماله عودا
وقال الحميدي صاحب: "الجمع بين الصحيحين" من قصيدة وافرة:
ولو رواه الدين ضاعت وأصبحت ... معالمه في الآخرين تبيد
همو حفظو الآثار من كل شبهة ... وغيرهمو عما افتنوه رقود
وهم هاجروا في جمعها وتبادروا ... إلى كل أفق والمرام كؤود"
وقاموا بتعديل الرواة وجرحهم ... قيام صحيح النقل وهو حديد
بتبليغهم صحت شرائع ديننا ... حدود تحروا حفظها وعهود
وصح لأهل النقل منها احتجاحهم ... فلم يبق إلا عاند وحقود
ومما ينسب للإمام الشافعي ﵁:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه: "قال حدثنا" ... وما سواه فوسواس الشياطين
стр. 454
وأنشد أبو الظهير رحمه الله تعالى:
إذا رمت أن تتوخى الهدى ... وأن تأتي الحق من بابه
فدع كل قول ومن قاله ... لقول النبي وأصحابه
فلم تتج من محدثات الأمور ... بغير الحديث وأربابه
وقال الإمام شمس الدين ابن القيم الدمشقي في الكافية الشافية:
يا من يريد نجاته يوم الحسا ... ب من الجحيم وموقد النيران
ابتع رسول الله في الأقوال والـ ... أعمال لا تخرج عن القرآن
وخذ الصحيحين اللذين هما لعقـ ... ـد الدين والإيمان واسطتان
واقرأهما بعد التجرد من هوى ... وتعصب وحمية الشيطان
واجعلهما حكمًا ولا تحكم على ... ما فيهما أصلا بقول فلان
واجعل مقالته كبعض مقالة الـ ... أشباح تنصرها بكل أوان
وانصر مقالته كنصرك للذي ... قلدته من غير ما برهان
قد رسول الله عندك وحده ... والقول منه إليك ذو تبيان
ماذا ترى فرضًا عليك معينًا ... إن كنت ذا عق ذو إيمان
عرض الذي قالوا على أقواله ... أو عكس ذاك فذانك الأمران
هي مفرق الطرقات بين طريقنا ... وطريق أهل الزيغ والعدوان
قدر مقالات العباد جميعهم ... عدمًا وراجع مطلع الإيمان
واجعل جلوسك بين صحب محمد ... وتلق معهم عنه بالإحسان
وتلق عنهم ما تلقوه همو ... عنه من الإيمان والعرفان
أفليس في هذا بلاغ مسافر ... يبغي الإله وجنة الحيوان
لولا التنافس بين هذا الخلق ما ... كان التفرق قط في الحسبان
فالرب رب واحد وكتابه ... حق وفهم الحق منه دان
стр. 455
ورسوله قد أوضح الحق المبيـ ... ـن بغاية الإيضاح والتبيان
ما ثم أوضح من عبارته فلا ... يحتاج سامعها إلى تبيان
والنصح منه فوق كل نصيحة ... والعلم مأخوذ عن الرحمن
فلأي شي يعدل الباغي الهدى ... عن قوله لولا عمي الخذلان
فالنقل عنه مصدق والقول من ... ذي عصمة ما عندنا قولان
والعكس عند سواه في الأمرين يا ... من يهتدي هل يستوى النقلان
تالله قد رح الصياح لمن له ... عينان نحو الفجر ناظرتان
وأخو العماية في عمايته يقو ... ل: الليل بعد أيستوى الرجلان
تالله قد رفعت له الأعلام إن ... كنت المشمر نلت دار أمان
وقال الحافظ ابن عبد البر.
مقالة ذي نصح وذات فوائد ... إذا من ذوي الألباب كان استماعها
عليكم بآثار النبي فإنها ... من أفضل أعمال الرجال اتباعها
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
هينئًا لأصحاب خير الورى ... وطوبى لأصحاب أخباره
أولئك فازوا بتذكيره ... ونحن سعدنا بتذكاره
وهم سبقونا إلى نصره ... وها نحن أتباع أنصاره
ولما حرمنا لقا عينه ... عكفنا على حفظ آثاره
عسى الله يجمعنا كلنا ... برحمة معه في داره
وقوله: "ولما حرمنا ... إلخ" أخذه من قول ابن خطيب داريا:
لم أسع في طلب الحديث لسمعة ... أو لاجتماع قديمه وحديثه
لكن إذا فات المحب لقاء من ... يهوى تعلل باستماع حديثه
стр. 456
وقال العلامة السيد محمد بن إسماعيل الأمير اليماني قدس الله سره:
سلام على أهل الحديث فإنني ... نشأت على حب الأحاديث من مهدي
همو بذلوا في حفظ سنة أحمد ... وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد
وأعني بهم أسلاف سنة أحمد ... أولئك في بيت القصيد همو قصدي
أولئك أمثال البخاري ومسلم ... وأحمد أهل الجد في العلم والجد
رووا وارتووا من بحر علم محمد ... وليس لهم تلك المذاهب من ورد
كفاهم كتاب الله والسنة التي ... كفت قبلهم صحب الرسول ذوي المجد
ولها تتمة سابغة الذيل صاح فيها على المتعصب بالويل!
وقال بعض الفضلاء وأجاد:
علم الحديث أجل السؤل والوطر ... فاقطع به العيش تعرف لذة العمر
وانقل رحالك عن مغناك مرتحلًا ... لكي تفوز بنقل العلم والأثر
ولا تقل عاقني شغل فليس يري ... في الترك للعلم عن عذر لمعتذر
وأي شغل كمثل العلم تطلبه ... ونقل ما قد رووا عن سيد البشر
ألهى عن العلم أقوامًا تطلبهم ... لذات دنيا غدوا منها على غرر
وخلفوا ما له حظ ومكرمة ... إلى التي هي دأب الهون والخطر
وأي فخر بدنياه لمن هدمت ... معايب الجهل منه كل مفتخر
لا تفخرن بدنيا لا بقاء لها! ... وبالعفاف وكسب العلم فافتخر
يفنى الرجال ويبقى علمهم لهم ... ذكرًا يجدد في الآصال والبكر
ويذهب الموت بالدنيا وصاحبها ... وليس يبقى له في الناس من أثر
تظن أنك بالدنيا أخو كبر ... وأنت بالجهل قد أصبحت ذا صغر
ليس الكبير عظيم القدر غير فتي ما ... زال بالعلم مشغولا مدى العمر
قد زاحمت ركبتاه كل ذي شرف ... في العلم والحلم لا في الفخر والبطر
стр. 457
فجالس العلماء المقتدى بهم ... تستجلب النفع أو تأمن من الضرر
هم سادة الناس حقًّا والجلوس لهم ... زيادة هكذا قد جاء في الخبر
والمرء يحسب من قوم يصاحبهم ... فاركن إلى كل صافي العرض عن كدر
فمن يجالس كريما نال مكرمة ... ولم يشن عرضه شيء من الغير
كصاحب العطر إن لم تستفد هبة ... من عطره لم تخب من ريحه العطر
ومن يجالس رديء الطبع يرد به ... وناله دنس من عرضه الكدر
كصاحب الكير إن يسلم مجالسه ... من نتنه لم يوق الحرق بالشرر
وكل من ليس ينهاه الحياء ولا ... تقوى فخف كل قبح منه وانتظر
والناس أخلاقهم شتى وأنفسهم ... منهم بصير ومنهم مخطئ النظر
وأصوب الناس رأيًا من تصرفه ... فيما به شرف الألباب والفكر
واركن إلى كل من في وده شرف ... من نابه القدر بين الناس مشتهر
فالمرء يشرف بالأخبار يصحبهم ... وإن يكن قبل شيئًا غير معتبر
إن العقيق ليسمو عند ناظره ... إذا بدا وهو منظوم مع الدرر
والمرء يخبث بالأشرار يألفهم ... ولو غدا حسن الأخلاق والسير
فالماء صفو طهور في أصالته ... حتى يجاوره شيء من الكدر
فكن بصحب رسول الله مقتديًا ... فإنهم للهدى كالأنجم الزهر
وإن عجزت عن الحد الذي سلكوا ... فكن عن الحب فيهم غير مقتصر
والحق بقوم إذا لاحت وجوهم ... رأيتها من سنا التوفيق كالقمر
أضحوا من السنة العليا في سنن ... سهل وقاموا بحفظ الدين والأثر
أجل شيء لديهم: "قال أخبرنا ... عن الرسول" بما قدر صح من خبر
هذي المكارم لا قعبان من لبن ... ولا التمتع باللذات والأشر
لا شيء أحسن من: "قال الرسول" وما ... أجل من سند عن كل مشهر
стр. 458
ومجلس بين أهل العلم جادبما ... حلا من الدر أو حلي من الدرر
يوم يمر ولم أرو الحديث به ... فلست أحسب ذاك اليوم من عمر
فإن في درس أخبار الرسول لنا ... تمتعًا في رياض الجنة الخضر
تعللًا إذا عدمنا طيب رؤيته ... من فاته العين هد الشوق بالأثر
كأنه بين ظهرينا نشاهده ... في مجلس الدرس بالآصال والبكر
زين النبوة عين الرسل خاتمهم ... بعثًا وأولهم في سابق القدر
صلى عليه إله العرش ثم على ... أشباعه ما جرى طل على زهر
مع السلام دوامًا والرضا أبدًا ... عن صحبه الأكرمين الأنجم الزهر
وعن عبيدك نحن المذنبين فجد ... بالأمن من كل ما نخساه من ضرر
وتب على الكل منا واعطنا كرمًا ... دنيا وأخرى جميع السؤل والوطر
سبحانه ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
جاء في آخر نسخة المؤلف قدس سره:
يقول جامعه:
كانت البداءة في تصنيفه في إحدى الجماديين عام "١٣٢٠" ولما تم ترتيبه شرعت في تبييضه ليلة العشر الأخير من رمضان من العام المذكور في السدة اليمنى العلياء من حرم جامع السنانية في دمشق الفيحاء، ثم صحبته في رحلتي القدسية في أواخر المحرم، وبيضت جانبًا كبيرًا من آخره في عمان البلقاء أيام مسيري إلى القدس منها، وإقامتي بها عشرة أيام من أوائل صفر إلى أن كملت نسخًا وتبييضًا بعونه تعالى صباح الخميس لخمس بقين من صفر المذكور عام "١٣٢١" في المسجد الأقصى داخل حرمه الشريف أيام إقامتي في حجرته
стр. 459
القبلية. والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. قاله بفمه ورقمه بقلمه، العبد الذليل الضعيف، أفقر الورى لرحمه مولاه، محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن بكر القاسمي الدمشقي غفر الله له. ولوالديه ولأسلافه وأشياخه وأولاده ومحبيه، ولجميع المؤمنين والحمد لله رب العالمين.
ثم جاء تحت هذه العبارة بالحبر الأحمر
بحمد تعالى تم مقابلة على أصلي، وكتبه مؤلفه جمال الدين في ١٩ ذي الحجة ١٣٢٤.
стр. 460
فهرس:
الصفحة الموضوع
المقدمات:
٣ إهداء الكتاب.
٥ السيد جمال الدين القاسمي للأمير شكيب أرسلان.
٨ التعريف بالكتاب للسيد محمد رشيد رضا
٢٠ السيد محمد جمال الدين القاسمي
الكتاب:
٣٥ خطبة الكتاب
٣٧ مقدمة الكتاب في مطالع مهمة:
٣٧ المطلع الأول ضرورة التصنيف في كل عصر
٣٩ المطلع الثاني إهداء الكتاب
٤٠ المطلع الثالث أهم من ألف في الاصطلاح
٤٣ الباب الأول في التنويه بشأن الحديث وفيه مطالب:
٤٣ شرف علم الحديث
٤٨ فضل راوي الحديث
٥٠ الأمر النبوي برواية الحديث وإسماعه
٥١ حث السلف على الحديث
٥٣ إحلال الحديث وتعظيمه والرهبة من الزيغ عنه
٥٥ فضل المحامي عن الحديث والمحبي للسنة
٥٧ أجر المتمسك بالسنة إذا اتبعت الأهواء وأوثرت الدنيا
٥٨ بيان أن الوقيعة في أهل الأثر من علامات أهل البدع
٥٨ ما روي أن الحديث من الوحي
٦٠ أيادي المحدثين البيضاء على الأمة وشكر مساعيهم
٦١ الباب الثاني في معنى الحديث وفيه مباحث:
٦١ ماهية الحديث والخبر والأثر
٦٤ بيان الحديث القدسي
٧٠ ذكر أول من دون الحديث
٧٢ بيان أكثر الصحابة حديثا وفتوى
٧٤ ذكر صدور التابعين في الحديث والفتيا
٧٥ الباب الثالث في بيان علم الحديث وفيه مسائل:
٧٥ ماهية علم الحديث، رواية ودراية وموضوعه وغايته.
٧٦ المقصود من علم الحديث.
٧٦ حد المسند والمحدث والحافظ
٧٩ الباب الرابع في معرفة أنواع الحديث وفيه مقاصد
٧٩ بيان المجموع من أنواعه
٧٩ بيان الصحيح
٨٠ بيان الصحيح لذاته والصحيح لغيره
٨٠ تفاوت رتب الصحيح
٨١ أثبت البلاد في الحديث الصحيح في عهد السلف
٨٢ أقسام الصحيح
٨٢ معنى قولهم: أصح شيء في الباب كذا
٨٢ أول من دون الصحيح
٨٣ بيان أن الصحيح لم يستوعب في مصنف
٨٤ بيان أن الأصول الخمسة لم يفتها من الصحيح إلا اليسير
٨٤ ذكر من صنف في أصح الأحاديث
٨٥ بيان الثمرات المجتناة من شجرة الحديث المباركة
٨٥ الثمرة الأولى صحة الحديث توجب القطع به
٨٧ الثمرة الثانية وجوب العمل بكل ما صح من الأحاديث
٨٨ الثمرة الثانية الإفتاء بموجب النص
٩١ الثمرة الثالثة لا يضر الخبر عمل أكثر الأمة بخلافه