← Фикх общий

Фикх общий · id 9994

جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (246 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

...............................................................................................

стр. 107

٢- عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي قال: حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري، سنة ست وثمانين ومائتين، وتقدمت امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة دينار مهرًا فأنكر فقال القاضي: شهودك. قال: قد أحضرتهم. فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته فقام الشاهد وقال للمرأة: قومي. فقال الزوج:

стр. 108

تفعلون ماذا؟ قال الوكيل: ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة لتصح عندهم معرفتها. فقال الزوج: وإني أشهد القاضي أن لها عليَّ هذا المهر الذي تدعيه ولا تسفر عن وجهها. فردت المرأة -وأخبرت بما كان من زوجها- فقالت: فإني أشهد القاضي: أن قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة. فقال القاضي: يكتب هذا في مكارم الأخلاق. فيستفاد مما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات أمر مشروع محمود وإن كان لا يجب ذلك عليها بل من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج. ومما تقدم بيانه يتضح ثبوت الشرط الأول في لباس المرأة إذا خرجت ألا وهو أن يستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها. "فائدة مهمة": قوله تعالى في آية النور المتقدمة في أول هذا الشرط: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [٣١] يعني: المؤمنات كما قال مجاهد وغيره من السلف خلافًا لبعض المعاصرين فإنه زعم أن المعنى: الصالحات من النساء سواء كنَّ مسلمات أو كافرات!

стр. 109

قال الشوكاني في "فتح القدير" "٤/ ٢٢": "وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات". وقال البيهقي في كتاب "الآداب" "ص ٤٠٧ - لبنان": "وأما قوله: ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ فقد رُوِّينا عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات ومعهن نساء من أهل الكتاب فامنع ذلك". وفي رواية أخرى: "فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها". قلت: الرواية الأولى عند البيهقي في "السنن" "٧/ ٩٥" من طريق عيسى بن يونس: ثنا هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي عن عبادة بن نُسَيّ الكندي قال: كتب عمر ... إلخ. ورواه ابن جرير أيضًا "١٨/ ٩٥". قلت: ورجاله ثقات لكنه منقطع فإن عبادة لم يدرك عمر ﵁ بينهما نُسَي والد عبادة. هكذا رواه سعيد بن منصور في "سننه" كما في "تفسير ابن كثير" "٣/ ٢٨٤" ومن طريقه البيهقي: ثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغاز عن عبادة بن نُسي عن أبيه عن الحارث بن قيس قال: كتب عمر ... إلخ. الرواية الأخرى.

стр. 110

ورجاله ثقات غير نُسي فإنه لم يوثقه غير ابن حبان "٥/ ٤٨٢". وقال الحافظ في "التقريب": "مجهول". قلت: لكن المعنى المذكور متفق عليه بين المفسرين المحققين كابن جرير وابن كثير والشوكاني وغيرهم ممن لا يخرج عن التفسير المأثور ولا يعتد بآراء الخلف. إذا تبين ذلك فاعلم أن من الخطورة بمكان ما ابتلي به كثير من أغنياء المسلمين اليوم من استخدامهم النساء الكافرات في بيوتهم؛ لأنه لا يخلو الأمر من أن يقع الزوجان أو أحدهما في الفتنة والمخالفة للشريعة! أما الزوج فواضح؛ لأنه يخشى أن يزني بها وبخاصة أنه لا عفة عندهن بحكم كونهن كافرات لا يحرمن ولا يحللن كما صرح بذلك القرآن الكريم بحق أهل الكتاب، فكيف يكون حال الوثنيات "كالسيريلانكيات" اللاتي لا كتاب لهن؟! وأما بالنسبة للزوجة فمن الصعب جدًّا على أكثر مسلمات هذا الزمان، زوجات وبنات بالغات أن يحتجبن من تلك الخادمات كما تحتجب من الرجال إلا من عصم الله وقليل ما هن. ولو أننا فرضنا سلامة الزوجين من الفتنة فلن يسلم أولادهما من التأثر بأخلاقهن وعاداتهن المخالفة لشريعتنا هذا إذا لم يقصدن إفساد تربيتهم وتشكيكهم في دينهم كما سمعنا بذلك عن بعضهن.

стр. 111

هذا ولقد بلغني عن أحد المفتين -والعهدة على الراوي- أنه سئل عن استخدامهن، فأجاب بالجواز؛ لأنهن عنده بمنزلة السبايا والجواري اللاتي استحلت شرعًا بملك اليمين، فأخشى ما أخشاه أن يصل الأمر بمثل هذا المفتي أن يستحل أيضًا وطأهن قياسًا على ملك اليمين وبخاصة أن هناك من أسقط الحد عمن زنى بخادمته -ولو كانت مسلمة- بشبهة استئجاره إياها!! قال ذلك بعض الآرائيين القدامى، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا ما أردت بيانه للناس حول هذه المسألة لعل الله ينفع بها من قد يكون غافلًا عنها وينفع من كان معرضًا عن العمل بها وهو سبحانه ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق.

стр. 112

الشرط الثاني: "أن لا يكون زينة في نفسه " لقوله تعالى في الآية المتقدمة من سورة النور: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] فإنه بعمومه يشمل الثياب الظاهرة إذا كانت مزينة تلفت أنظار الرجال إليها، ويشهد لذلك قوله تعالى في [الأحزاب: ٣٣] : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ . وقوله ﷺ : "ثلاثة لا تسأل عنهم ١: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيًا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤونة الدنيا فتبرجت بعده فلا تسأل عنهم" ٢.

стр. 113

و"التبرج: أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها وما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجل"١. والمقصود من الأمر بالجلباب إنما هو ستر زينة المرأة، فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة وهذا كما ترى بين لا يخفى ولذلك قال الإمام الذهبي في "كتاب الكبائر" "ص ١٣١": "ومن الأفعال التي تُلْعَن عليها المرأة إظهار الزينة، والذهب واللؤلؤ تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت، ولبسها الصباغات والأزر الحريرية والأقبية القصار مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه، ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة ولهذه الأفعال التي قد غلبت على أكثر النساء قال عنهن النبي ﷺ : "اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء". قلت: وهو حديث صحيح أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عمران بن حصين وغيره وزاد أحمد وغيره من حديث ابن عمرو مرفوعًا: "والأغنياء". وهذه الزيادة منكرة كما حققته في "سلسلة الأحاديث الضعيفة"

стр. 114

برقم "٢٨٠٠" من المجلد السادس يسر الله طباعته. قلت: ولقد بالغ الإسلام في التحذير من التبرج إلى درجة أنه قرنه بالشرك والزنى والسرقة وغيرها من المحرمات، وذلك حين بايع النبي ﷺ النساء على أن لا يفعلن ذلك، فقال عبد الله بن عمرو ﵁: "جاءت أميمة بنت رُقَيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام فقال: "أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى" ١. واعلم أنه ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف

стр. 115

به ملونًا بلون غير البياض أو السواد كما يتوهم بعض النساء الملتزمات وذلك لأمرين: الأول: قوله ﷺ : "طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه". وهو مخرج في "مختصر الشمائل" "١٨٨". والآخر: جريان العمل من نساء الصحابة على ذلك، وأسوق هنا بعض الآثار الثابتة في ذلك مما رواه الحافظ ابن أبي شيبة في "المصنف" "٨/ ٣٧١ - ٣٧٢": ١- عن إبراهيم -وهوالنخعي: أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﷺ فيراهن في اللحف الحمر. ٢- عن ابن أبي مليكة قال: رأيت على أم سلمة درعًا وملحفة مصبغتين بالعصفر.

стр. 116

٣- عن القاسم -وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق. أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة. وفي رواية عن القاسم: أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر وهي مُحْرِمَة. ٤- عن هشام عن فاطمة بنت المنذر. أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة. ٥- عن سعيد بن جبير. أنه رأى بعض أزواج النبي ﵌ تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة.

стр. 117

الشرط الثالث: "أن يكون صفيقًا لا يشف " لأن الستر لا يتحقق إلا به وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة وفي ذلك يقول ﷺ : "سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات". زاد في حديث آخر: "لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" ١. قال ابن عبد البر: "أراد ﷺ النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي

стр. 118

يصف ولا يستر فهن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة"١. وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت: "رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها فشقته عائشة عليها وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟ ثم دعت بخمار فكستها"٢.

стр. 119

وعن هشام بن عروة: "أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مروية وقوهية١ رقاق عتاق بعدما كف بصرها، قال: فلمستها بيدها ثم قالت: أف ردوا عليه كسوته قال: فشق ذلك عليه وقال: يا أمه إنه لا يشف. قالت إنها إن لم تشف فإنها تصف"٢. وعن عبد الله بن أبي سلمة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الناس القباطي٣، ثم قال:

стр. 120

لا تَدَّرِعها نساؤكم فقال رجل: يا أمير المؤمنين قد ألبستها امرأتي فأقبلت في البيت وأدبرت فلم أره يشف. فقال عمر: إن لم يكن يشف فإنه يصف"١. وفي هذا الأثر والذي قبله إشارة إلى أن كون الثوب يشف أو يصف كان من المقرر عندهم أنه لا يجوز وأن الذي يشف شر من الذي يصف ولذلك قالت عائشة ﵂: "إنما الخمار ما وارى البشرة والشعر"٢. "صحيح" وقالت شميسة: "دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد٣ الصفاق٤ ودرع

стр. 121

وخمار ونقبة١ قد لونت بشيء من عصفر"٢. من أجل ذلك كله قال العلماء: ويجب ستر العورة بما لا يصف لون البشرة ... من ثوب صفيق أو جلد أو رق٣، فإن ستر بما يظهر فيه لون البشرة من ثوب رقيق لم يجز؛ لأن الستر لا يحصل بذلك٤. وقد عقد ابن حجر الهيتمي في "الزواجر" "١/ ١٢٧" بابًا خاصًّا في لبس المرأة ثوبًا رقيقًا يصف بشرتها وأنه من الكبائر ثم ساق فيه الحديث المتقدم "ص ١٢٥" ثم قال: "وذكر هذا من الكبائر ظاهر لما فيه من الوعيد الشديد ولم أر من صرح بذلك. إلا أنه معلوم بالأولى مما مر في تشبههن بالرجال". قلت: وتأتي الأحاديث في لعن المتشبهات بالرجال عند الكلام على الشرط السادس.

стр. 122

الشرط الرابع: "أن يكون فضفاضًا غير ضيق فيصف شيئًا من جسمها " لأن الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البشرة فإنه يصف حجم جسمها أو بعضه ويصوره في أعين الرجال وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما لا يخفى فوجب أن يكون واسعًا وقد قال أسامة بن زيد: "كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: ما لك لم تلبس القبطية؟ قلت: كسوتها امرأتي فقال: "مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها" ١. فقد أمر ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية غلالة -وهي شعار يلبس تحت الثوب- ليمنع بها وصف بدنها والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في

стр. 123

الأصول ولذلك قال الشوكاني في شرح هذا الحديث "٢/ ٩٧" ما نصه: "والحديث يدل على أنه يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه وهذا شرط ساتر العورة وإنما أمر بالثوب تحته؛ لأن القباطي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر بل تصفها". وهو كما ترى قد حمل الحديث على الثياب الرقيقة الشفافة التي لا تستر لون البشرة فهو على هذا يصلح أن يورد في الشرط السابق ولكن هذا الحمل غير متجه عندي بل هو وارد على الثياب الكثيفة التي تصف حجم الجسم من ليونتها ولو كانت غير رقيقة وشفافة وذلك واضح من الحديث لأمرين: الأول: أنه قد صرح فيه بأن القبطية كانت كثيفة أي: ثخينة غليظة فمثله كيف يصف البشرة ولا يسترها عن رؤية الناظر؟ ولعل الشوكاني ﵀ ذهل عن هذا القيد "كثيفة" في الحديث ففسر القبطية بما هو الأصل فيها. الثاني: أن النبي ﷺ قد صرح فيه بالمحذور الذي خشيه من هذه القبطية فقال: "إني أخاف أن تصف حجم عظامها". فهذا نص في أن المحذور إنما هو وصف الحجم لا اللون. فإن قلت: فإذا كان الأمر كما ذكرت وكانت القبطية ثخينة فما فائدة الغلالة؟ قلت: فائدتها دفع ذلك المحذور؛ لأن الثوب قد يصف الجسم ولو

стр. 124

كان ثخينًا إذا كان من طبيعته الليونة والانثناء على الجسد كبعض الثياب الحريرية والجوخ المعروفة في هذا العصر فأمر ﷺ بالشعار من أجل ذلك. والله تعالى أعلم. وقد أغرب الشافعية فقالوا: "أما لو ستر اللون ووصف حجم الأعضاء فلا بأس كما لو لبس سروالًا ضيقًا" قالوا: "ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار وتتخذ جلبابًا كثيفًا فوق ثيابها ليتجافى عنها ولا يتبين حجم أعضائها"١.

стр. 125

والقول بالاستحباب فقط ينافي ظاهر الأمر فإنه للوجوب كما تقدم وعبارة الإمام الشافعي ﵁ في "الأم" قريب مما ذهبنا فقد قال: "١/ ٧٨": "وإن صلى في قميص يشف عنه لم تجزه الصلاة ... فإن صلى في قميص واحد يصفه ولم يشف كرهت له ولا يتبين أن عليه إعادة الصلاة ... والمرأة في ذلك أشد حالًا من الرجل إذا صلت في درع وخمار يصفها الدرع وأحب إلي أن لا تصلي إلا في جلباب فوق ذلك وتجافيه عنها لئلا يصفها الدرع". وقد قالت عائشة ﵂: "لا بد للمرأة من ثلاثة أثواب تصلي فيهن: درع وجلباب وخمار،

стр. 126

وكانت عائشة تحل إزارها فتجلبب به"١. وإنما كانت تفعل ذلك لئلا يصفها شيء من ثيابها وقولها: "لا بد" دليل على وجوب ذلك وفي معناه قول ابن عمر ﵄: "إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة"٢. وهذا يؤيد ما سبق أن ذهبنا إليه من وجوب الجمع بين الخمار والجلباب على المرأة إذا خرجت. "انظر ص ٨٤ - ٨٥". ومما يحسن إيراده هنا استئناسًا ما روي عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: "يا أسماء! إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أن يطرح على المرأة الثوب فيصفها فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله ﷺ ألا أريك شيئًا رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبًا فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله تعرف به المرأة من الرجل. فإذا مت أنا فاغسليني أنت وعلي ولا يدخل علي أحد فلما توفيت غسلها علي وأسماء ﵄"٣.

стр. 127

فانظر إلى فاطمة بضعة النبي ﷺ كيف استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح فليتأمل في هذا مسلمات هذا العصر اللاتي يلبسن من هذه الثياب الضيقة التي تصف نهودهن وخصورهن وألياتهن وسوقهن وغير ذلك من أعضائهن ثم ليستغفرن الله تعالى وليتبن إليه وليذكرن قوله ﷺ : "الحياء والإيمان قرنا جميعًا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر" ١.

стр. 128

الشرط الخامس: "أن لا يكون مبخرًا مطيبًا " لأحاديث كثيرة تنهى النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن ونحن نسوق الآن بين يديك ما صح سنده منها: ١- عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية". ٢- عن زينب الثقفية أن النبي ﷺ قال:

стр. 129

"إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيبًا". ٣- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة". ٤- عن موسى بن يسار عن أبي هريرة: "أن امرأة مرت به تعصف ريحها فقال: يا أمة الجبار المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبتِ؟ قالت: نعم قال: فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل".

стр. 130

ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث على ما ذكرنا العموم الذي فيها. فإن الاستعطار والتطيب كما يستعمل في البدن يستعمل في الثوب أيضًا لا سيما وفي الحديث الثالث ذكر البخور فإنه بالثياب أكثر استعمالًا وأخص. وسبب المنع منه واضح وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة وقد ألحق به العلماء ما في معناه كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال١. وقال ابن دقيق العيد: "وفيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال"٢. قلت: فإذا كان ذلك حرامًا على مريدة المسجد فماذا يكون الحكم على مريدة السوق والأزقة والشوارع؟ لا شك أنه أشد حرمة وأكبر إِثْمًا وقد ذكر الهيتمي في "الزواجر" "٢/ ٣٧" أن خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر ولو أذن لها زوجها. ثم إن هذه الأحاديث عامة تشمل جميع الأوقات وإنما خص بالذكر العشاء الآخرة في الحديث الثالث؛ لأن الفتنة وقتها أشد فلا يتوهمن منه أن خروجها في غير هذا الوقت جائز. وقال ابن الملك:

стр. 131

"والأظهر أنها خصت بالنهي؛ لأنها وقت الظلمة وخلو الطريق والعطر يهيج الشهوة، فلا تأمن المرأة في ذلك الوقت من كمال الفتنة بخلاف الصبح والمغرب فإنهما وقتان فاضحان وقد تقدم أن مس الطيب يمنع المرأة من حضور المسجد مطلقًا"١.

стр. 132

الشرط السادس: "أن لا يشبه لباس الرجل" لما ورد من الأحاديث الصحيحة في لعن المرأة التي تتشبه بالرجل في اللباس أو غيره. وإليك ما نعلمه منها: ١- عن أبي هريرة قال: "لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل".

стр. 133

٢- عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال".

стр. 134

...................................................................................

стр. 135

...................................................................................

стр. 136

٣- عن ابن عباس قال: "لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: "أخرجوهم من بيوتكم". قال: فأخرج النبي ﷺ فلانًا وأخرج عمر فلانًا". وفي لفظ: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال". ٤ - عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 137

"ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث". ٥ - عن ابن أبي مليكة -واسمه عبد الله بن عبيد الله- قال: قيل لعائشة ﵂: إن المرأة تلبس النعل؟ فقالت: "لعن رسول الله ﷺ الرجلة من النساء". وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على تحريم تشبه النساء بالرجال،

стр. 138

وعلى العكس وهي عامة تشمل اللباس وغيره إلا الحديث الأول فهو نص في اللباس وحده وقد قال أبو داود في "مسائل الإمام أحمد" "ص ٢٦١": "سمعت أحمد سئل عن الرجل يُلبس جاريته القرطق١؟ قال: لا يلبسها من زي الرجال لا يشبهها بالرجال". قال أبو داود: "قلت لأحمد: يلبسها النعل الصرارة؟ قال: لا إلا أن يكون لبسها للوضوء. قلت: للجمال؟ قال: لا. قلت: فيجز شعرها؟ قال: لا"٢.

стр. 139

وقد أورد الذهبي تشبه المرأة بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء في "الكبائر" "ص ١٢٩" وأورد بعض الأحاديث المتقدمة ثم قال: "فإذا لبست المرأة زي الرجال من المقالب والفرج والأكمام الضيقة فقد شابهت الرجال في لبسهم قتلحقها لعنة الله ورسوله ولزوجها إذا أمكنها من ذلك أو رضي به ولم ينهها؛ لأنه مأمور بتقويمها على طاعة الله ونهيها عن المعصية لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ولقول النبي ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راع في أهله ومسئول عنهم يوم القيامة" متفق عليه وهو مخرج في "غاية المرام" "٢٦٩". وتبعه على ذلك الهيتمي في "الزواجر" "١/ ١٢٦" ثم قال: "عد هذا من الكبائر واضح لما عرفت من هذه الأحاديث الصحيحة وما فيها من الوعيد الشديد والذي رأيته لأئمتنا أن ذلك التشبه فيه قولان،

стр. 140

أحدهما أنه حرام، وصححه النووي بل صوبه، وثانيهما أنه مكروه، وصححه الرافعي في موضع، والصحيح بل الصواب ما قاله النووي من الحرمة، بل ما قدمته من أن ذلك كبيرة، ثم رأيت بعض المتكلمين على الكبائر عده منها وهو ظاهر". وقال الحافظ في "الفتح" "١٠/ ٢٧٣ - ٢٧٤" عند شرح حديث ابن عباس المتقدم برقم "٣" باللفظ الثاني: "لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" ما مختصره: "قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها لا التشبه في أمور الخير. قال: والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: "المغيرات لخلق الله"١.

стр. 141

فثبت مما تقدم أنه لا يجوز للمرأة أن يكون زيها مشابِهًا لزي الرجل فلا يحل لها أن تلبس رداءه وإزاره ونحو ذلك كما تفعله بعض بنات المسلمين في هذا العصر من لبسهن ما يعرف بـ"الجاكيت" و"البنطلون" وإن كان هذا في الواقع أستر لهن من ثيابهن الأخرى الأجنبية. فاعتبروا يا أولي الأبصار. ثم وجدت لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فصلًا جيدًا رأيت من المناسب إيراده في هذا المكان لوثيق صلته به ولما فيه من الفوائد الغزيرة والتحقيق العلمي وهو جواب سؤال وجه إليه وهذا نصه مع الجواب كما جاء في "الكواكب" لابن عروة الحنبلي "ج ٩٣/ ١٣٢-١٣٤" المحفوظ في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم "٥٧٩ -تفسير": "مسألة في لبس الكوفية للنساء ما حكمها إذا كانت بالداير والفرق وفي لبسهن الفراجي فما الضابط في التشبه بالرجال في الملبوس؟ هل هو بالنسبة إلى ما كان على عهد رسول الله ﷺ أو كل زمان بحسبه؟ الجواب: الحمد لله. الكوفية التي بالفرق والداير من غير أن تستر الشعر المسدول هي من لباس الصبيان والمرأة اللابسة لذلك متشبهة بهم. وهذا النوع قد يكون أوله من قبل النساء قصدن التشبه بالمردان كما يقصد بعض البغايا أن تضفر شعرها ضفيرًا واحدًا مسدولًا بين الكتفين وأن ترخي لها السوالف وأن تعتم لتشبه المردان في العمامة والعذار والشعر ثم قد تفعل الحرة بعض ذلك لا تقصد هذا لكن هي في ذلك متشبهة بالرجال.

стр. 142

وقد استفاضت السنن عن النبي ﷺ في الصحاح وغيرها بلعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء وفي رواية: أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وأمر بنفي المخنثين وقد نص على نفيهم الشافعي وأحمد وغيرهما وقالوا: جاءت سنة رسول الله ﷺ بالنفي في حد الزنا وبنفي المخنثين. وفي "صحيح مسلم"١ عنه أنه قال: "صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما بعد: كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر يضربون بها عباد الله". وقد فسر قوله: "كاسيات عاريات" بأن تكتسي ما لا يسترها فهي كاسية وهى في الحقيقة عارية مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل: عجيزتها وساعدها ونحو ذلك، وإنما كسوة المرأة ما تسترها، فلا تبدي جسمها ولا حجم أعضائها؛ لكونه كثيفًا واسعًا. ومن هنا يظهر الضابط في نهيه ﷺ عن تشبه الرجال بالنساء وعن تشبه النساء بالرجال وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعًا إلى مجرد ما تختاره الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه فإنه لو كان كذلك لكان إذا اصطلح قوم

стр. 143

على أن يلبس الرجال الخمر التي تغطي الرأس والوجه والعنق والجلابيب التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان! وأن تلبس النساء العمائم والأقبية المختصرة ونحو ذلك أن يكون هذا سائغًا! وهذا خلاف النص والإجماع فإن الله تعالى قال للنساء: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية، وقال: ﴿قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ الآية وقال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ، فلو كان اللباس الفارق بين الرجال والنساء مستنده مجرد ما يعتاده النساء أو الرجال باختيارهم وشهوتهم لم يجب أن يدنين عليهن الجلابيب ولا أن يضربن بالخمر على الجيوب ولم يحرم عليهن التبرج، تبرج الجاهلية الأولى؛ لأن ذلك كان عادة لأولئك وليس الضابط في ذلك لباسًا معينًا من جهة نص النبي ﷺ أو من جهة عادة الرجال والنساء على عهده بحيث يقال: إن ذلك هو الواجب وغيره يحرم فإن النساء على عهده كن يلبسن ثيابًا طويلات الذيل، بحيث ينجرُّ خلف المرأة إذا خرجت، والرجل مأمور بأن يشمر ذيله حتى لا يبلغ الكعبين، ولهذا لما نهى ﷺ الرجال عن إسبال الإزار وقيل له: فالنساء؟ قال: "يرخين شبرًا"، قيل له: إذن تنكشف سوقهن قال: "ذراعا لا يزدن عليه"، قال الترمذي: "حديث صحيح" حتى إنه لأجل ذلك روي أنه رخص للمرأة إذا جرت ذيلها على مكان قذر ثم مرت به على مكان طيب أنه يطهر بذلك١، وذلك قول طائفة من أهل العلم في مذهب أحمد وغيره جعلا

стр. 144

المجرور بمنزلة النعل الذي يكثر ملاقاته النجاسة، فيطهر بالجامد كما يطهر السبيلان بالجامد؛ لما تكرر ملاقاتهما النجاسة، ثم إن هذا ليس معينًا للستر، فلو لبست المرأة سراويل أو خفًّا واسعًا صلبًا كالمعرق وتدلي فوقه الجلباب بحيث لا يظهر حجم القدم؛ لكان محصلًا للمقصود بخلاف الخف اللين الذي يبدي حجم القدم، فإن هذا من لباس الرجال، وكذلك المرأة لو لبست جبة وفروة لحاجتها إلى ذلك لدفع البرد لم تنه عن ذلك، فلو قال قائل: لم يكن النساء يلبسن الفراء؟ قلنا: فإن ذلك يتعلق بالحاجة، فالبلاد الباردة تحتاج إلى غلظ الكسوة وكونها مدفئة وإن لم يحتج إلى ذلك في البلاد الحارة. فالفارقة بين لباس الرجال والنساء يعود إلى ما يصلح للرجال وما يصلح للنساء وهو ما ناسب ما يؤمر به الرجال وما يؤمر به النساء، فالنساء مأمورات بالاستتار والاحتجاب دون التبرج والظهور؛ ولهذا لم يشرع لها رفع الصوت في الأذان والتلبية ولا الصعود "كذا ولعله: في الصعود" إلى الصفا والمروة ولا التجرد في الإحرام كما يتجرد الرجل فإن الرجل مأمور أن يكشف رأسه وأن لا يلبس الثياب المعتادة وهي التي تصنع على قدر أعضائه، فلا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا الخف، لكن لما كان محتاجًا إلى ما يستر العورة ويمشي فيه، رخص له في آخر الأمر إذا لم يجد إزارًا أن يلبس سراويل، وإذا لم يجد نعلين أن يلبس خفين، وجعل ذلك بدلًا للحاجة العامة، بخلاف ما يحتاج إليه حاجة خاصة لمرض أو برد،

стр. 145

فإن عليه الفدية إذا لبسه ولهذا طرد أبو حنيفة هذا القياس، وخالفه الأكثرون للحديث الصحيح١، ولأجل الفرق بين هذا وهذا، وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس؛ لأنها مأمورة بالاستتار والاحتجاب، فلا يشرع لها ضد ذلك، لكن منعت أن تنتقب وأن تلبس القفازين؛ لأن ذلك لباس مصنوع على قدر العضو ولا حاجة بها إليه. وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل أو كبدنه؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره فمن جعل وجهها كرأسه، أمرها إذا سدلت الثوب من فوق رأسها أن تجافيه عن الوجه كما يجافي عن الرأس ما يظلل به، ومن
следующие страницы →