← Фикх общий

Фикх общий · id 9994

جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (246 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الوجه والكفين. ومثلها قوله ﷺ : "إياكم والجلوس بالطرقات، فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ١. وقوله: "يا علي! لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" ٢.

стр. 72

وعن جرير بن عبد الله قال: "سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فأمرني ﷺ أن أصرف بصري"١. هذا؛ وقد ذكر القرطبي "١٢/ ٢٣٠" وغيره في سبب نزول هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] . "أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رءوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر كما يصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك. فأمر الله تعالى بلَيِّ الخمار على الجيوب". وعن عائشة ﵂ قالت: "يرحم الله نساء المهاجرين الأُوَل لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها "وفي رواية: أخذن أُزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها"٢.

стр. 73

وعن الحارث بن الحارث الغامدي قال: " [قلت لأبي ونحن بمنى:] ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم قال: فنزلنا "وفي رواية: فتشرفنا" فإذا رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به وهم يردون عليه [قوله] ويؤذونه حتى انتصف النهار وتصدع عنه الناس وأقبلت امرأة قد بدا نحرها [تبكي] تحمل قدحًا [فيه ماء] ومنديلًا فتناوله منها وشرب وتوضأ ثم رفع رأسه [إليها] فقال: "يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك [غلبة ولا ذلا] "، قلت: من هذه؟ قالوا: [هذه] زينب بنته"١.

стр. 74

ثم إن قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ؛ يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أيضًا. وإلا لاستطاعت إحداهن أن تبدي ما تخفي من الزينة "وهي الخلاخيل" ولاستغنت بذلك عن الضرب بالرجل ولكنها كانت لا تستطيع ذلك، لأنه مخالفة للشرع مكشوفة ومثل هذه المخالفة لم تكن معهودة في عصر الرسالة ولذلك كانت إحداهن تحتال بالضرب بالرجل لتعلم الرجال ما تخفي من الزينة فنهاهن الله تعالى عن ذلك وبناء على ما أوضحنا قال ابن حزم في "المحلى" "٣/ ٢١٦": "هذا نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يحل إبداؤه". ويشهد لهذا من السنة حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: "يرخين شبرًا" ١، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: "فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه". أخرجه الترمذي "٣/ ٤٧" وقال: "هذا حديث حسن صحيح"٢.

стр. 75

وفي الحديث رخصة للنساء في جر الإزار؛ لأنه يكون أستر لهن وقال البيهقي: "وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها"١. وعلى هذا جرى العمل من النساء في عهده ﷺ وما بعده وترتب عليه بعض المسائل الشرعية فقد أخرج مالك وغيره عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ قالت أم سلمة: قال رسول الله ﷺ : "يطهره ما بعده". وعن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: "قلت: يا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قال: "أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ "، قالت: قلت: بلى، قال: "فهذه بهذه" ٢.

стр. 76

ومن أجل ذلك كان من شروط المسلمين الأولين على أهل الذمة أن تكشف نساؤهم عن سوقهن وأرجلهن لكي لا يتشبهن بالمسلمات كما جاء في "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" "ص ٥٩"١. ثم إن الله تعالى بعد أن بين في الآية السابقة -آية النور- ما يجب على المرأة أن تخفي من زينتها أمام الأجانب ومن يجوز أن تظهرها أمامهم أمرها في الآية الأخرى إذا خرجت من دارها أن تلتحف فوق ثيابها وخمارها بالجلباب أو الملاءة؛ لأنه أستر لها وأشرف لسيرتها وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . [الأحزاب: ٥٩] . ولما نزلت خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من

стр. 77

الأكسية١. والجلباب: هو الملاءة التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها على أصح الأقوال٢، وهو يستعمل في الغالب إذا خرجت من دارها كما روى الشيخان وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق٣، والحيَّض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير

стр. 78

ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: "لتلبسها أختها من جلبابها". قال الشيخ أنور الكشميري في "فيض الباري" "١/ ٣٨٨" تعليقًا على هذا الحديث: "وعلم منه أن الجلباب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جلباب". والجلباب رداء ساتر من القرن إلى القدم. وقد مر مني أن الخمر في البيوت والجلابيب عند الخروج وبه شرحت الآيتين في الحجاب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] والثانية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ". وقال في المكان الذي أشار إليه "١/ ٢٥٦" بعد أن فسر الجلباب والخمار بنحو ما تقدم: "فإن قلت: إن إدناء الجلباب يغني عن ضرب الخمر على جيوبهن قلت: بل إدناء الجلباب فيما إذا خرجت من بيتها لحاجة وضرب الخمر في عامة الأحوال فضرب الخمر محتاج إليه". قلت: وتقييده الخمر بالبيوت فيه نظر؛ لأنه خلاف الظاهر من الآية الأولى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ ... ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فإن النهي عن الضرب بالأرجل قرينة واضحة على أن الأمر بضرب الخمر خارج الدار أيضًا وكذلك قوله في صدر الآية:

стр. 79

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ . .. الآية [النور: ٣١] فالحق الذي يقتضيه العمل بما في آيتي النور والأحزاب أن المرأة يجب عليها إذا خرجت من دارها أن تختمر وتلبس الجلباب على الخمار؛ لأنه كما قلنا سابقًا أستر لها وأبعد عن أن يصف حجم رأسها وأكتافها وهذا أمر يطلبه الشارع كما سيأتي بيانه عند الكلام على "الشرط الرابع" والذي ذكرته هو الذي فسر به بعض السلف آية الإدناء ففي "الدر" "٥/ ٢٢٢". "وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ قال: يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها". واعلم أن هذا الجمع بين الخمار والجلباب من المرأة إذا خرجت قد أخل به جماهير النساء المسلمات فإن الواقع منهن إما الجلباب وحده على رءوسهن أو الخمار وقد يكون غير سابغ في بعضهن كالذي يسمى اليوم بـ"الإشارب" بحيث ينكشف منهن بعض ما حرم الله عليهن أن يظهرن من زينتهن الباطنة كشعر الناصية أو الرقبة مثلًا. وإن مما يؤكد وجوب هذا الجمع حديث ابن عباس: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية واستثنى من ذلك: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية. وتمام الآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠] .

стр. 80

وفي رواية عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: "أن يضعن من ثيابهن"؛ قال: الجلباب. وكذا قال ابن مسعود١. قلت: فهذا نص في وجوب وضع الجلباب على الخمار على جميع النساء إلا القواعد منهن "وهن اللاتي لا يطمع فيهن لكبرهن" فيجوز لهن أن لا يضعن الحجاب على رءوسهن. أفما آن للنساء الصالحات حيثما كن أن يتنبهن من غفلتهن ويتقين الله في أنفسهن ويضعن الجلابيب على خمرهن؟! ومن الغريب حقًّا أن لا يتعرض لبيان هذا الحكم الصريح في الكتاب والسنة كل الذين كتبوا اليوم -فيما علمت- عن لباس المرأة مع توسع بعضهم على الأقل في الكلام على أن وجه المرأة عورة مع كون ذلك مما اختلف فيه والصواب خلافه كما تراه مفصلًا في هذا الكتاب والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ثم إن قوله: "والجلابيب عند الخروج" لا مفهوم له إذ إن الجلباب لستر زينة المرأة عن الأجانب فسواء خرجت إليهم أو دخلوا عليها فلا بد على كل حال من أن تتجلبب ويؤيد هذا ما قاله قيس بن زيد: "إن رسول الله ﷺ طلق حفصة بنت عمر ... فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها، فتجلببت، فقال رسول الله ﷺ : "إن جبريل أتاني فقال لي:

стр. 81

أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة" ١. هذا ولا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها وهذا كما ترى أمر مطلق فيحتمل أن يكون الإدناء على الزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به الآية الأولى وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة ويحتمل

стр. 82

أن يكون أعم من ذلك فعليه يشمل الوجه. وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين وساق أقوالهم قي ذلك ابن جرير في "تفسيره" والسيوطي في "الدر المنثور" ولا نرى فائدة كبرى بنقلها هنا فنكتفي بالإشارة إليها ومن شاء الوقوف عليهما فليرجع إليهما١. ونحن نرى أن القول الأول أشبه بالصواب لأمور:

стр. 83

الأول: أن القرآن يفسر بعضه بعضًا. وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره فوجب تقييد الإدناء هنا بما عدا الوجه توفيقًا بين الآيتين. الآخر: أن السنة تبين القرآن فتخصص عمومه وتقيد مطلقه وقد دلت النصوص الكثيرة منها١ على أن الوجه لا يجب ستره فوجب تفسير هذه الآية على ضوئها وتقييدها بها. فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره، وهو مذهب أكثر العلماء كما قال ابن رشد في "البداية" "١/ ٨٩" ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد كما في "المجموع" "٣/ ١٦٩" وحكاه الطحاوي في "شرح المعاني" "٢/ ٩" عن صاحِبَي أبي حنيفة أيضًا، وجزم في "المهمات" من كتب الشافعية أنه الصواب كما ذكره الشيخ الشربيني في "الإقناع" "٢/ ١١٠". لكن ينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على الوجه وكذا الكفين شيء من الزينة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] وإلا وجب ستر ذلك ولا سيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصبغة مما لا يشك مسلم -بل عاقل ذو غيرة- في تحريمه وليس من ذلك الكحل والخضاب لاستثنائهما في الآية كما تقدم. ويؤيد هذا ما أخرجه ابن سعد "٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩" من طريق سفيان عن منصور عن ربعي بن خراش عن امرأة عن أخت حذيفة وكان له أخوات

стр. 84

قد أدركن النبي ﷺ قالت: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا معشر النساء أليس لكن في الفضة ما تحلين؟ أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به"، قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد فقال: قد أدركتهن وإن إحداهن لتتخذ لكمها زرًّا تواري خاتمها. وليس استشهادي في هذه الرواية بالحديث المرفوع وإن كان صريحًا في ذلك؛ لأن في إسناده المرأة التي لم تسم- وإنما هو بقول مجاهد: "تواري خاتمها" فهو نص صريح فيما ذكرت والحمد لله على توفيقه. ثم رأيت قول مجاهد بسند آخر صحيح عنه في "مسند أبي يعلى" "٦٩٨٩". هذا وقد أبان الله تعالى عن حكمة الأمر بإدناء الجلباب بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] يعني أن المرأة إذا التحفت بالجلباب عرفت بأنها من العفائف المحصنات الطيبات فلا يؤذيهن الفساق بما لا يليق من الكلام بخلاف ما لو خرجت متبذلة غير مستترة فإن هذا مما يطمع الفساق فيها والتحرش بها، كما هو مشاهد في كل عصر ومصر. فأمر الله تعالى نساء المؤمنين جميعًا بالحجاب سدًّا للذريعة. وأما ما أخرجه ابن سعد "٨/ ١٧٦": أخبرنا محمد بن عمر عن ابن أبي سبرة عن أبي صخر عن ابن كعب القرظي قال: "كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن فإذا قيل له؟ قال: كنت أحسبها أمة فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين

стр. 85

عليهن من جلابيبهن". فلا يصح بل هو ضعيف جدًّا لأمور: الأول: أن ابن كعب القرظي -واسمه محمد- تابعي لم يدرك عصر النبوة فهو مرسل. الثاني: أن ابن أبي سبرة وهو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة ضعيف جدًّا قال الحافظ في "التقريب": "رموه بالوضع". والثالث: ضعف محمد بن عمر وهو الواقدي وهو مشهور بذلك عند المحدثين بل هو متهم. وفي معنى هذه الرواية روايات أخرى أوردها السيوطي في "الدر المنثور" وبعضها عند ابن جرير وغيره وكلها مرسلة لا تصح؛ لأن منتهاها إلى أبي مالك وأبي صالح والكلبي ومعاوية بن قرة والحسن البصري ولم يأت شيء منها مسندًا فلا يحتج بها ولا سيما أن ظاهرها مما لا تقبله الشريعة المطهرة ولا العقول النيرة؛ لأنها توهم أن الله تعالى أقر إماء المسلمين -وفيهن مسلمات قطعًا- على حالهن من ترك التستر ولم يأمرهن بالجلباب ليدفعن به إيذاء المنافقين لهن. ومن العجائب أن يغتر بعض المفسرين بهذه الروايات الضعيفة فيذهبوا بسببها إلى تقييد قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] بالحرائر دون الإماء وبنوا على ذلك أنه لا يجب على الأمة ما يجب على

стр. 86

الحرة من ستر الرأس والشعر بل بالغ بعض المذاهب فذكر أن عورتها مثل عورة الرجل: من السرة إلى الركبة وقالوا: "فيجوز للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها"١. وهذا -مع أنه لا دليل عليه من كتاب أو سنة- مخالف لعموم قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] فإنه من حيث العموم كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية [النساء: ٤٣] ولهذا قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره: "البحر المحيط" "٧/ ٢٥٠": "والظاهر أن قوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر؛ لكثرة تصرفهن، بخلاف الحرائر؛ فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح". وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن القطان في "أحكام النظر" "ق ٢٤/ ٢" وغيره. وما أحسن ما قال ابن حزم في "المحلى" "٣/ ٢١٨ - ٢١٩": "وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله واحد والخلقة والطبيعة واحدة كل ذلك في الحرائر والإماء سواء حتى يأتي نص في الفرق بينهما

стр. 87

في شيء فيوقف عنده". قال: "وقد ذهب بعض من وهل في قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ؛ إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك؛ لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق، فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يتعرضوهن"١. ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذي هو إما زلة عالم أو وهلة فاضل عاقل أو افتراء كاذب فاسق؛ لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة، وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة، ولا فرق وأن تعرض الحرة في التحريم

стр. 88

كتعرض الأمة ولا فرق ولهذا وشبهه وجب أن لا يقبل قول أحد بعد رسول الله ﷺ إلا بأن يسنده إليه ﵇"١. ولا يعارض ما تقدم حديث أنس: "أن النبي ﷺ لما اصطفى لنفسه من سبي خيبر صفية بنت حيي قال الصحابة: ما ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد؟ فقالوا: إن يحجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد. فلما أراد أن يركب حجبها حتى قعدت على عجز البعير فعرفوا أنه تزوجها "وفي رواية: وسترها رسول الله ﷺ وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه"٢.

стр. 89

نقول: لا مخالفة بين هذا الحديث وبين ما اخترناه من تفسير الآية؛ لأنه ليس فيه نفي الجلباب وإنما فيه نفي "الحجاب" ولا يلزم منه نفي الجلباب مطلقًا إلا احتمالًا ويحتمل أن يكون المنفي الجلباب الذي يتضمن حجب الوجه أيضًا، كما هو صريح قوله في الحديث نفسه: "وجعل رداءه على ظهرها ووجهها"، ويقوي هذا الاحتمال أيضًا ما سيأتي بيانه، فهذه الخصوصية هي التي كان بها يعرف الصحابة حرائره ﵇ من إمائه، وهي المراد من قولهم المتقدم سلبًا وإيجابًا: "إن يحجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد". فيتضح من هذا أن معنى قولهم: "وإن لم يحجبها" أي: في وجهها فلا ينفي حجب سائر البدن من الأمة وفيه الرأس فضلًا عن الصدر والعنق فاتفق الحديث مع الآية والحمد لله على توفيقه١.

стр. 90

والخلاصة أنه يجب على النساء جميعًا أن يتسترن إذا خرجن من بيوتهن بالجلابيب لا فرق في ذلك بين الحرائر والإماء ويجوز لهن الكشف عن الوجه والكفين فقط لجريان العمل بذلك في عهد النبي ﷺ مع إقراره إياهن على ذلك. ومن المفيد هنا أن نستدرك ما فاتنا في الطبعات السابقة من الآثار السلفية التي تنص على جريان العمل بذلك أيضًا بعد النبي ﷺ فأقول: ١- عن قيس بن أبي حازم قال: "دخلت أنا وأبي على أبي بكر ﵁ وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء بنت عميس تذب عنه وهي [امرأة بيضاء] موشومة اليدين كانوا وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر فعرض عليه فرسان فرضيهما فحملني على أحدهما وحمل أبي على الآخر".

стр. 91

٢- عن أبي السليل قال: جاءت ابنة أبي ذر وعليها مِجْنَبَتا صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها، فمثلت بين يديه وعنده أصحابه فقالت: يا أبتاه! زعم الحراثون والزراعون أن أفلُسَك هذه بهرجة فقال: يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد الله ما يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه. ٣ - عن عمران بن حصين قال: كنت مع رسول الله ﷺ قاعدًا إذ أقبلت فاطمة -رحمها الله- فوقفت بين يديه فنظرت إليها وقد ذهب الدم من وجهها فقال: ادني يا فاطمة فدنت حتى قامت بين يديه فرفع يده فوضعها على صدرها موضع القلادة وفرج بين أصابعه ثم قال: "اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضيعة لا تجع فاطمة بنت محمد ﷺ ". قال عمران: فنظرت إليها وقد غلب الدم على وجهها وذهبت الصفرة كما كانت الصفرة قد غلبت على الدم

стр. 92

قال عمران: فلقيتها بعد فسألتها؟ فقالت: ما جعت بعد يا عمران! ٤ - عن قبيصة بن جابر قال: "كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود [في بيته] في ثلاث نفر فرأى جبينها يبرق فقال: أتحلقينه؟ فغضبت وقالت: التي تحلق جبينها امرأتك قال: فادخلي عليها فإن كانت تفعله فهي مني بريئة فانطلقت ثم جاءت فقالت: لا والله ما رأيتها تفعله فقال عبد الله بن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لعن الله الواشمات والمستوشمات...." إلخ. ٥ - عن أبي أسماء الرحبي أنه دخل على أبي ذر [الغفاري ﵁] وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مُسغِبة ... قال: فقال: "ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء ... ". ٦ - وفي "تاريخ ابن عساكر" "١٩/ ٧٣/ ٢" وفي قصة صلب ابن الزبير أن أمه "أسماء بنت أبي بكر" جاءت مسفرة الوجه متبسمة.

стр. 93

٧ - عن أنس قال: دخلَتْ على عمر بن الخطاب أمة قد كان يعرفها لبعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلباب متقنعة به فسألها: عتقت؟ قالت: لا. قال: فما

стр. 94

بال الجلباب؟ ضعيه عن رأسك إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين فتلكأت فقام إليها بالدرة فضرب رأسها حتى ألقته عن رأسها. ٨- عن عمر بن محمد أن أباه حدثه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أن أروى خاصمته في بعض داره فقال: دعوها وأباها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه طُوِّقه في سبع أرضين يوم القيامة". اللهمَّ إن كانت كاذبة فأعمِ بصرها واجعل قبرها في دارها. قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد ب

стр. 95

زيد. فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها. ٩- عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت عائشة ﵂ تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا. ١٠- عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: أرسلني علي بن الحسين إلى الرُّبَيِّع بنت معوذ أسألها عن وضوء رسول الله ﷺ وكان يتوضأ عندها فأتيتها فأخرجت إلَيَّ إناء يكون مدًّا ... فقالت: بهذا كنت أخرج لرسول الله ﷺ للوضوء ... الحديث.

стр. 96

١١- عن عروة بن عبد الله بن قشير: أنه دخل على فاطمة بنت علي بن أبي طالب قال: فرأيت في يديها مسكًا غلاظًا في كل يد اثنين اثنين. قال: ورأيت في يدها خاتمًا ... إلخ. ١٢- وعن عيسى بن عثمان قال: كنت عند فاطمة بنت علي فجاء رجل يثني على أبيها عندها فأخذت رمادًا فسفت في وجهه. ١٣- وعن يحيى بن أبي سليم قال: رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي ﷺ عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ١٤- عن ميمون -هو ابن مهران- قال: دخلت على أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت

стр. 97

على حاجبها. قال: وكان فيه قصر فوصلته بسير. قال: وما دخلت في ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية. ١٥- عن معاوية ﵁: دخلت مع أبي على أبي بكر-﵁ فرأيت أسماء قائمة على رأسه بيضاء ورأيت أبا بكر-﵁ أبيض نحيفًا. ١٦- عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: "جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لا يصل إليها فسأل الرجل فأنكر ذلك وكتب فيه إلى معاوية ﵁ قال: فكتب: أن زوجه امرأة من بيت المال لها حظ من جمال ودين ... قال: ففعل ... قال: وجاءت المرأة متقنعة ... "١.

стр. 98

مشروعية ستر الوجه: هذا ثم إن كثيرًا من المشايخ اليوم يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه بل يحرم وفيما تقدم في هذا البحث كفاية في الرد عليهم، ويقابل هؤلاء طائفة أخرى يرون أن ستره بدعة وتنطع في الدين، كما قد بلغنا عن بعض من يتمسك بما ثبت في السنة في بعض البلاد اللبنانية، فإلى هؤلاء الإخوان وغيرهم نسوق الكلمة التالية: ليعلم أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة، وقد كان ذلك معهودًا في زمنه ﷺ كما يشير إليه ﷺ بقوله: "لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين" ١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "تفسير سورة النور" "ص ٥٦". "وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن".

стр. 99

والنصوص متضافرة عن أن نساء النبي ﷺ كن يحتجبن حتى في وجوههن وإليك بعض الأحاديث والآثار التي تؤيد ما نقول: ١- عن عائشة قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب١ لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة! أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق -هو العظم إذا أخذ منه معظم اللحم- فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: "إنه أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكن" ٢.

стр. 100

٢- وعنها أيضًا في حديث قصة الإفك قالت: "فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان

стр. 101

ابن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج١، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرتُ -وفي رواية: فسترتُ- وجهي عنه بجلبابي"، الحديث. ٣- عن أنس في قصة غزوة خيبر واصطفائه ﷺ صفية لنفسه قال: "فخرج رسول الله ﷺ من خيبر ولم يُعَرِّس بها٢، فلما قرب البعير لرسول الله ليخرج وضع رسول الله ﷺ رجله لصفية لتضع قدمها على فخذه فأبت، ووضعت ركبتها على فخذه وسترها رسول الله ﷺ وحملها وراءه، وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها، وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه". ٤- عن عائشة قالت:

стр. 102

"كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه". ٥- عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام". ٦ - عن صفية بنت شيبة قالت: "رأيت عائشة طافت بالبيت وهي منتقبة". ٧- عن عبد الله بن عمر قال:

стр. 103

"لما اجتلى النبي ﷺ صفية رأى عائشة منتقبة وسط الناس فعرفها". ٨- عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: "أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي ﷺ في الحج في آخر حجة

стр. 104

حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال: كان عثمان ينادي: ألا لا يدنو إليهن أحد ولا ينظر إليهن أحد وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب وكان عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد". ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفًا في عهده ﷺ وأن نساءه كن يفعلن ذلك وقد استن بهن فضليات النساء بعدهن وإليك مثالين على ذلك: ١- عن عاصم الأحول قال: "كنا ندخل على حفصة بنت سيرين١ وقد جعلت الجلباب هكذا: وتنقبت به فنقول لها: رحمك الله قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ٢ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾

стр. 105

-هو الجلباب- قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فتقول: هو إثبات الحجاب"١.

стр. 106

...............................................................................................

стр. 107

٢- عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي قال: حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري، سنة ست وثمانين ومائتين، وتقدمت امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة دينار مهرًا فأنكر فقال القاضي: شهودك. قال: قد أحضرتهم. فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته فقام الشاهد وقال للمرأة: قومي. فقال الزوج:

стр. 108

تفعلون ماذا؟ قال الوكيل: ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة لتصح عندهم معرفتها. فقال الزوج: وإني أشهد القاضي أن لها عليَّ هذا المهر الذي تدعيه ولا تسفر عن وجهها. فردت المرأة -وأخبرت بما كان من زوجها- فقالت: فإني أشهد القاضي: أن قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة. فقال القاضي: يكتب هذا في مكارم الأخلاق. فيستفاد مما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات أمر مشروع محمود وإن كان لا يجب ذلك عليها بل من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج. ومما تقدم بيانه يتضح ثبوت الشرط الأول في لباس المرأة إذا خرجت ألا وهو أن يستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها. "فائدة مهمة": قوله تعالى في آية النور المتقدمة في أول هذا الشرط: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [٣١] يعني: المؤمنات كما قال مجاهد وغيره من السلف خلافًا لبعض المعاصرين فإنه زعم أن المعنى: الصالحات من النساء سواء كنَّ مسلمات أو كافرات!

стр. 109

قال الشوكاني في "فتح القدير" "٤/ ٢٢": "وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات". وقال البيهقي في كتاب "الآداب" "ص ٤٠٧ - لبنان": "وأما قوله: ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ فقد رُوِّينا عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات ومعهن نساء من أهل الكتاب فامنع ذلك". وفي رواية أخرى: "فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها". قلت: الرواية الأولى عند البيهقي في "السنن" "٧/ ٩٥" من طريق عيسى بن يونس: ثنا هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي عن عبادة بن نُسَيّ الكندي قال: كتب عمر ... إلخ. ورواه ابن جرير أيضًا "١٨/ ٩٥". قلت: ورجاله ثقات لكنه منقطع فإن عبادة لم يدرك عمر ﵁ بينهما نُسَي والد عبادة. هكذا رواه سعيد بن منصور في "سننه" كما في "تفسير ابن كثير" "٣/ ٢٨٤" ومن طريقه البيهقي: ثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغاز عن عبادة بن نُسي عن أبيه عن الحارث بن قيس قال: كتب عمر ... إلخ. الرواية الأخرى.

стр. 110

ورجاله ثقات غير نُسي فإنه لم يوثقه غير ابن حبان "٥/ ٤٨٢". وقال الحافظ في "التقريب": "مجهول". قلت: لكن المعنى المذكور متفق عليه بين المفسرين المحققين كابن جرير وابن كثير والشوكاني وغيرهم ممن لا يخرج عن التفسير المأثور ولا يعتد بآراء الخلف. إذا تبين ذلك فاعلم أن من الخطورة بمكان ما ابتلي به كثير من أغنياء المسلمين اليوم من استخدامهم النساء الكافرات في بيوتهم؛ لأنه لا يخلو الأمر من أن يقع الزوجان أو أحدهما في الفتنة والمخالفة للشريعة! أما الزوج فواضح؛ لأنه يخشى أن يزني بها وبخاصة أنه لا عفة عندهن بحكم كونهن كافرات لا يحرمن ولا يحللن كما صرح بذلك القرآن الكريم بحق أهل الكتاب، فكيف يكون حال الوثنيات "كالسيريلانكيات" اللاتي لا كتاب لهن؟! وأما بالنسبة للزوجة فمن الصعب جدًّا على أكثر مسلمات هذا الزمان، زوجات وبنات بالغات أن يحتجبن من تلك الخادمات كما تحتجب من الرجال إلا من عصم الله وقليل ما هن. ولو أننا فرضنا سلامة الزوجين من الفتنة فلن يسلم أولادهما من التأثر بأخلاقهن وعاداتهن المخالفة لشريعتنا هذا إذا لم يقصدن إفساد تربيتهم وتشكيكهم في دينهم كما سمعنا بذلك عن بعضهن.
следующие страницы →