← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9995

تاريخ التشريع الإسلامي

مناع القطان

Полный текст (513 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمات مقدمة الطبعة الرابعة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الرابعة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فهذه هي الطبعة الرابعة لكتابنا الذي نشر في الطبعات الثلاث السابقة بعنوان "التشريع والفقه في الإسلام تاريخا ومنهجا". وقد رأيت العدول عن هذا العنوان إلى ما هو مشهور في المناهج الدراسية: "تاريخ التشريع الإسلامي" فإن الفقه مستمد من مصادر التشريع. وهي طبعة أضيفت إليها بعض المسائل وهذب طرف منها، في ضوء ما أشار عليَّ به بعض الإخوة الذين يدرسون الكتاب لطلابهم. وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه. مناع بن خليل القطان الأستاذ والمشرف على الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى أله وصحبه، ومن دعا بدعوته، واهتدى بهديه؛ وبعد: فهذه كلمات في تاريخ التشريع والفقه الإسلامي، تعرض لك أهم المباحث المتعلقة بالتشريع ومصادره، ونشأة الفقه وتطوره، ومذاهب الفقهاء، وقواعد كل مذهب منها ومناهجه، وسيرة هؤلاء المجتهدين، وما بذلوه من جهد شاق في البحث بالأدلة، واستنباط الأحكام منها، وتطلعك على نمو الفقه الإسلامي وازدهاره، وما يستطيع أن يقدمه لمشكلات الحياة في كل عصر من حلول ناجحة، تكفل للإنسانية عوامل الرقي والتطور، وتقيم لها حضارة مثالية فاضلة، ترتكز دعائما على مباديء الحق والعدل. ولعل في مثل ذلك الاطلاع وهذا العرض ما يفتح الباب للباحثين، وينير السبيل أمامهم للأخذ بأسباب النهوض بالفقه الإسلامي في العصر الحاضر، حتى تستعيد أمتنا سالف مجدها، وتحتل الصدارة في مصاف الدول. والله من وراء القصد ... مناع خليل القطان

стр. 3

تمهيد: يراد بالتاريخ تعريف الوقت، يقال: أرَخ الكتاب، وأرَّخه، وآرخه: وقَّته، أي بيَّن وقته. وعلم التاريخ علم يتضمن ذكر الوقائع وأوقاتها وما جرى فيها من أحداث، وما كان لها من أثر في حياة الناس، وتاريخ علم من العلوم أيا كان نوعه يشمل نشأة هذا العلم، ومراحل تطوره، وحياة رجاله، وما قدموه من نتاج فكري لخدمة هذا العلم والنهوض به. وتاريخ العلوم على وجه الإجمال يأتي عرضا في كتب التاريخ العام أثناء ذكر الوقائع والحديث عن مشاهير الرجال والتعريف بالحالة العلمية والفكرية في عصر من العصور. أما استخلاص هذا وتنسيقه وترتيبه ترتيبا علميًّا؛ ليكون فنًّا من الفنون، له موضوعه وقواعده وفوائده، فإنه لم يجد عناية كافية حتى يفرد كل علم بتاريخ له في بحث منهجي متكامل. وهذا لا يعنى أن يكون السابقون قد أغفلوا تاريخ العلوم من مناهج بحثهم، فإن بعضهم تحدث عنها ولكنه حديث مجمل، لا يفي بالغرض المقصود، وقد أفرد ابن خلدون في مقدمته الباب السادس للحديث عن العلوم وأصنافها، والتعليم وطرقه، وسائر وجوهه، وما يعرض في ذلك كله من الأحوال، وخص الفصل السابع من هذا الباب بعلم الفقه وما يتبعه من الفرائض. وأفرد الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه "تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي" بابًا خاصًّا بالثقافة، تحدث فيه بإيجاز عن العلوم النقلية والعقلية، والحركة العلمية في كل علم منها بعصور الإسلام التي كتب فيها.

стр. 4

وألف الأستاذ أحمد أمين كتبه: فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر لإسلام، فتناول في بحثه الحياة العقلية في التاريخ الإسلامي، وشمل ذلك العلوم والمعارف. فتاريخ التشريع والفقه الإسلامي هو أحد هذه العلوم التي لم يتوافر على خدمتها من العلماء إلا النزر اليسير من هؤلاء الذين ألفوا في هذا الفن الحديث، تأليفا موجزا يرسم الخطوط العامة لمناهج البحث التي ينبغي أن يقتفي أثرها الدارس لهذا العلم، فتكون دليلا له يعينه على استكمال عناصره، ومن ذلك "تاريخ التشريع الإسلامي" للخضري، و"نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي" للدكتور على حسن عبد القادر، و"تاريخ الفقه الإسلامي" للسايس. و"تاريخ الفقه الإسلامي" للدكتور محمد يوسف موسى، و" تاريخ التشريع الإسلامي" لعبد العظيم شرف الدين. وقد ألف فضيلة الأستاذ محمد أبو زهرة مجموعة من الكتب في أبحاث موضوعية منها: "تاريخ المذاهب الإسلامية"، وكتبه عن الأئمة: "زيد بن علي" و"أبي حنيفة" و"مالك" و"الشافعي" و"أحمد" و"ابن حزم" و"ابن تيمية". ومن الكتب التي عالجت هذا الموضوع أيضا كتاب "أصول التشريع الإسلامي" للأستاذ علي حسب الله، وكذلك كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" تأليف: محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، وهو أوفاها في بحثه. وهناك كتب أخرى تخدم هذا العلم، وتتناول كثيرًا من موضوعاته مثل: "المدخل الفقهي العام" للزرقا، "فلسفة التشريع في الإسلام" للمحمصاني، "مدخل الفقه الإسلامي" لمدكور، وصدر حديثا "مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثاني الهجري" للدكتور محمد بلتاجي.

стр. 5

ومنها كتب أخرى في المذاهب تعتبر مصدرا لهذا العلم، ومن ذلك: اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى" لأبي يوسف. و"آداب الشافعي ومناقبه" للرازي، و"إعلام الموقعين" لابن القيم، و"الانتقاء من فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء" لابن عبد البر، و"ترتيب المدارك وتعريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" للقاضي عياض، و"الديباج المذهب في معرفة أعياء علماء المذهب" لابن فرحون المالكي، و"الطبقات الكبرى" لابن سعد، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان، و"فوات الوفيات" لابن شاكر، و"الفوائد البهية في تراجم الحنفية" للكنوي، و"طبقات الفقهاء الحنفية" لطاش كبرى زاده، وطبقات الفقهاء" للشيرازي، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي، و"طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلي، وغيرها من كتب التراجم. أهمية دراسة تاريخ التشريع والفقه الإسلامي: وإذا كان المقصودُ من دراسة تاريخ علم من العلوم التعريفَ بمبادئه ومسائله وأهدافه وثماره حتى تتحقق الاستفادة منه، فإن الفقه الإسلامي، لم يعد قاصرًا على مجموعة الأحكام الفرعية في العبادات والمعاملات ولكنه، بالمفهوم العام أصبح منهجا متكاملا لشعب الحياة الإنسانية كلها، في العقيدة والعبادة، والاجتماع والاقتصاد، والتشريع، والسياسة؛ لأن الطور الذي وصل إليه الفقه الإسلامي في آخر مراحله كان بناء متراصًّا، ينظم العمران البشري وأنواع المعاملات والعلاقات الإنسانية للمسلمين تنظيما دقيقا، وهذا يعطي دراسة تاريخ التشريع والفقه الإسلامي أهمية كبيرة؛ لأنها تتناول الحياة الإسلامية في أخص عناصر مقوماتها، حيث كانت شريعة الإسلام هي القاعدة التي أقيم عليها بناء أمته، والمنطلق الذي ارتكزت عليها في حضارتها. ورأي الناس في تاريخ هذه الأمة النموذج الأمثل للحضارة الإنسانية في

стр. 6

أو عظمتها، تصورًا للحياة، وفهمًا لرسالتها، واتجاهًا نحو العمل فيها لخير الدنيا والآخرة. وقد تعرض الإسلام في فترات من التاريخ إلى موجات عارمة من الغزو الفكري، لتوهين مفاهيم الإسلام والانحراف بها عن جادة الحق في القديم والحديث. تعرَّض لها في القديم بموجة الفكر الفلسفي الروماني والفارسي، حين انخدع بهذا الجدل العقلي العقيم بعض الناس، وحاولوا التوفيق بين الدين والفلسفة في علم الكلام، فأدخلوا عناصر أجنبية من الفلسفة في مادته وصورته، واشتملت ما بحثه على أبحاث لا تمت إلى الدين الإسلامي بصلة، ولكن وضوح العقيدة الإسلامية وجهود المخلصين لها حالا دون التأثير عليها، ووقوع الدخل فيها. واليوم، وفي العصر الحديث، يتعرض الإسلام لموجات عارمة أخرى بالتشكيك في صلاحية الإسلام لمسايرة تطورات العصر، ومتطلبات المدنية، واتهامه بالجمود والرجعية. ولما كان الفقه الإسلامي هو الذي يمثل الحياة العلمية، والسلوك الاجتماعي في حياة المسلمين، فإنه جدير بأن يكون خط الدفاع الأول ضد الهجمات المتواصلة من المدنية الغريبة، والشيوعية الدولية على السواء. ومن هنا كانت حركات الإصلاح والتقدم الإسلامي، التي يحاول بها المصلحون المسلمون التجديد، تبتدئ من الفقه؛ فهو يمثل عند دعاة الإصلاح الإسلامَ التاريخي، وهم يريدون الرجوع إلى الإسلام الأول، ويرون فيه حياة وقدرة على التطور الاجتماعي بمصادره الأصلية المستمدة من الكتاب والسنة. أما الفقه في وضعه الحاضر، فهو في كثير منه من عمل الفقهاء أنفسهم، وهؤلاء المصلحون يريدون أن يصلوا من الإسلام نفسه -في مصادره التشريعية الأصيلة وإمكاناته الخاصة- إلى نظام حيوي تام متكامل للحياة الإنسانية. ولا

стр. 7

يكون هذا إلا بإعادة النظر في الفقه وتطوراته، وبناء الأسس الجديدة على ما كان عليه الإسلام في عهده الأول، وعهد نهضة المسلمين الفقهية، وأيام الاجتهاد. حاجة الجماعة إلى نظام يحكم سلوكها: تحتاج أي جماعة من الجماعات إلى روابط تقوم عليها تجمعها، ومبادئ تحدد علاقاتها، وتحفظ حقوق أفرادها؛ لئلا يكون أمرها فوضى، فقد جبل الإنسان على الأثرة، وحب الذات، وانطوت نفسه على كثير من الغرائز التي تحتاج إلى تقويم وتهذيب، حتى لا يطغى الإنسان على أخيه الإنسان. ولن يستطيع المرء أن يعيش وحده في معزل عن الناس؛ فإن حياته مرتبطة بحياة غيره، يتعاون معه، ويتبادل المنفعة الاجتماعية والمصالح المشتركة، وهذا معنى قولهم: "الإنسان مدني بالطبع". وقد أوضح ابن خلدون هذه الحقيقة بقوله: "إن الاجتماع الإنساني ضروري"، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: "الإنسان مدني بالطبع"، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم وهو العمران ... وإن الواحد من البشر غير مستقل بتحصيل حاجاته في معاشه ... وإن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلا باجتماعهم، وتعاونهم على تحصيل قوتهم، وضروراتهم. وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات، ومد كل واحد منهم يده إلى حاجته يأخذها من صاحبه؛ لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم والعدوان بعضهم على بعض، ويمانعه الآخر عنها ... فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة، فاستحال بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض". وقد اقترنت الحياة البشرية منذ نواتها الأولى في آدم ﵇ بما أوحى الله به إلى رسله حتى تسلم عقيدتهم، وتستقيم حياتهم على جادة الحق؛ إذ لا بد للإنسان من ضوابط تقيم هذه العلائق على العدل والمساواة، وقد نشأت المجتمعات البدائية الأولى في الأسرة والقبلية على قواعد ومبادئ أملتها عليها ظروف البيئة وما جرى عليه العرف والعادة.

стр. 8

وبتطور الحياة، وتجدد مطالبها، تطورت الأعراف والعادات، وارتقت ضوابط السلوك فيها، وأخذت طابعا إلزاميا في حياة الناس، يحتكمون إليه فيما بينهم. وكلما ارتقت الجماعة البشرية في حياة أمة من الأمم، ارتقت معها أفكارها، وسنَّت لها من الأنظمة ما يحقق أمنها ورخاءها، ومثل هذه الأنظمة هو ما يسمى بالقانون. معنى القانون: فالقانون -إذًا- يُطلق على مجموعة القواعد والمبادئ والأنظمة التي يضعها أهل الرأي في أمة من الأمم؛ لتنظيم شئون الحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ استجابة لمتطلبات الجماعة، وسدًّا لحاجاتها. وهو تعبير عن واقعها، يبين مدى ما وصلت إليه من رقي، وما أحرزته من تقدم، وبقدر ما تستفيد الأمة من تجارب بقدر ما تصحح من أخطاء قانونها، وتعمل على تغييره وتطويره، حتى يكون ملائما لطبيعة حياتها. والقانون بهذا المعنى يختلف في كل أمة عن أختها؛ لاختلاف حياة الأمم في العادات والتقاليد والأعراف، واختلافها في درجات العلم والمعرفة، فالقانون الذي يصلح لأمة قد لا يصلح لأخرى، والذي يصلح لعصر لا يصلح لآخر، وقلما نجد في القوانين الوضعية توافقا في بلدين مختلفين بيئةً وعادةً وفكرًا. ولا اعتبار في القانون للفضائل الأخلاقية التي توقظ الضمير الإنساني، وتربي فيه عواطف الخير، وتحفزه إلى مراعاة الحقوق الأدبية والتقيد بالتزاماتها. كما أنه لا اعتبار فيه للعقيدة الدينية التي تصل العبد بخالقه، وتحدد علاقته بربه، وتبين أصل نشأته، ومصيره في الدار الآخرة. ومثل هذه القوانين قد يسميها الناس -تجاوزا- بالشرائع الوضعية. وكلمة "القانون" يونانية الأصل، كانت تستعمل بمعنى "القاعدة"، ودخلت إلى اللغة العربية، فاستعملت للدلالة على مقياس كل شيء، ولم يستعملها علماء

стр. 9

المسلمين في العصور الأولى بمعنى الشرع، أو الحكم الشرعي، كما لم يستعملوا الشارع أو المشروع في واضع القانون أو المقنن، وإنما استعمل ذلك المتأخرون الذين تأثروا بدراسة القوانين الوضعية، فأطلقوا مصطلحات الشريعة عليها، واصطلاح الفقه الإسلامي يأبى ذلك كل الإباء. وسوف يتضح هذا من التعريف بمعنى الشريعة والتشريع. معنى الشريعة والتشريع: الشرع في اللغة: مصدر شرَع بالتخفيف، والتشريع، مصدر شرَّع بالتشديد، والشريعة في أصل الاستعمال اللغوي: مورد الماء الذي يقصد للشرب، ثم استعملها العرب في الطريقة المستقيمة، وذلك باعتبار أن مورد الماء سبيل الحياة والسلامة للأبدان، وكذلك الشأن من الطريقة المستقيمة التي تهدى الناس إلى الخير، ففيها حياة نفوسهم، وريِّ عقولهم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ ١. ويقال: "شرعت الإبل"، إذا وردت شريعة الماء، و"شرع له الأمر" بمعنى سنه وبيَّن طريقته: قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ٢. وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ ٣. قال صاحب القاموس: الشريعة ما شرعه الله لعباده. وقال الراغب: الشرع: نهج الطريق الواضح. يقال: شرعت له طريقا، والشرع مصدر، ثم جعل اسما للطريق النهج، فقيل له: شرع، وشريعة، واستعير ذلك للطريقة الإلهية، قال بعضهم: سميت الشريعة شريعة: تشبيها بشريعة الماء من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة روى وتطهر. والشريعة الإسلامية في الاصطلاح: ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة، في شعبها المختلفة لتنظيم علاقة الناس بربهم

стр. 10

وعلاقاتهم بعضهم ببعض، وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة١؛ فشريعة الله هي المنهج الحق المستقيم الذي يصون الإنسانية من الزيغ والانحراف، ويجنبها مزالق الشر، ونوازع الهوى، وهي المورد العذب الذي يشفي غلتها، ويحيي نفوسَها، وترتوي به عقولها، ولهذا كانت الغاية من تشريع الله استقامة الإنسان على الجادة؛ لينال عز الدينا وسعادة الآخرة. والشريعة بهذا المعنى خاصةٌ بما جاء عن الله تعالى، وبلغه رسلُه لعباده، والله هو الشارع الأول، وأحكامه هي التي تسمى شرعا، فلا يجوز إطلاق هذا على القوانين الوضعية؛ لأنها من صنع البشر، وقد جرى عرف كثير من الكاتبين على تسمية القوانين الوضعية بالتشريع الوضعي، وتسمية الوحي الإلهي بالتشريع السماوي، والحق أن الشرع أو الشريعة لا يجوز إطلاقها إلا على الطريقة الإلهية دون سواها من طرائق الناس وأنظمتهم. مكان الشريعة الإسلامية بين الشرائع السماوية الأخرى: خلق الله الناس وفَطَرَهم على الإيمان به، وركز في طباعهم من الغرائز والميول ما يعرض حياتهم للانحراف عن الحق تحت تأثير النزعات الجامحة والأهواء المختلفة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ٢، "كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" "متفق عليه". وذلك هو العهد الذي أخذه الله على بنى آدم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ٣. فاقتضت حكمة الله أن يصطفي من عباده رسلًا يرُدُّون الناس إلى فطرتهم ويرشدونهم

стр. 11

المثل العليا في تقويم الأخلاق، والاهتداء بهدي الله حتى تقوم عليهم الحجة: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١. وكانت رسالة كل رسول قاصرة على قومه، خاصة في إصلاح ما فسد من عقائدهم وأخلاقهم، والعمل على تهذيب نفوسهم وأرواحهم، بمرجعهم إلى فطرة التوحيد؛ حيث كانت المجتمعات الإنسانية في أطوارها الأولى محدودة المطالب، بدائية النشأة، سطحية التفكير محصورة في نطاق بيئتها: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِير﴾ ٢، ولم يك أمر الناس في المعاملة متشعب النواحي، ضيق المسالك حتى تحتاج الخليقة إلى نظم تذلل بها عقبات الحياة، وتحل مشاكلها فلم يشأ الله البقاء لرسالة رسولٍ قبل محمد ﷺ ؛ كي تحمل عناصر الخلود، فكانت شريعة كل رسول خاصة بقومه للمحافظة على عقيدة التوحيد التي فطر عليها الخلق في عبودية الإنسان لله وحده رب العالمين، وتقويم حياتهم على هدى من الله. فلما نمت معارف الإنسان، واتسعت مطالبه، وتعقدت أمامه مشاكل حياته، أذن الله بفجر دين جديد يلقي أضواءه على جوانب الحياة كلها؛ ليكتمل صرح الحضارة الإنسانية التي بناها رسل الله، فكان هذا الدين هو شريعة الإسلام: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتمة النبيين" "متفق عليه". وأخذ الله على أنبيائه بذلك العهد والميثاق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٣. فالوحي الإلهي المتتابع يمثل نهرا تكونت له روافد، وتفرعت جداول، تروي ما يذبل من أيك العقيدة، وما يجف من أعواد الفضيلة لتبقى خصائص الإنسانية

стр. 12

البناءة في ازدهار ونمو، تؤتي أكلها لخير الناس كل حين بإذن ربها، ينبع هذا النهر ويفيض خيره حيث يوحي الله إلى ملائكته سفرائه إلى رسله، أو يكلم رسله سفراءه إلى خلقه. وقد انتهى مصب هذا الماء الغدق برسالة محمد ﷺ نبي الإسلامي، والنصوص القرآنية تعلن وحدة هذا التشريع من منبعه إلى مصبه. ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١. والقرآن الكريم يحكي رسالات الأنبياء السابقين بعنوان القومية الخاصة. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٢. ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣. ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٤. ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ﴾ ٥. ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ٦. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ﴾ ٧. ويقول تعالى في شأن عيسى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيل﴾ ٨. ولكن رسولنا محمدا ﷺ يعلن عالمية دعوته وأستاذيته للدنيا، ونبوته للعالمين، وختمه للنبيين. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٩.

стр. 13

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٢. ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٣. وفي الحديث: "كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة" رواه البخاري و: "أنا العاقب فلا نبي بعدي" متفق عليه. وقد اتفقت الشرائع السماوية في أصل العقيدة بالدعوة إلى توحيد الله تعالى، والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٥. واتفقت في صول العبادات والأخلاق والتهذيب النفسي: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٦. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٧.

стр. 14

وأكثر الشرائع السماوية لم تتجاوز هذه الأصول: عقيدة، وعبادة، وخلقا، وبمثلها في التربية النفسية والمعاني الروحية النصرانية شريعة عيسى ﵇. أما الشريعة اليهودية التي أرسل الله بها موسى ﵇ فقد شملت بعض أنواع المعاملات، إلا أنها كانت محدودة، تحمل طابع بيئة بني إسرائيل، ولم تكتسب صفة العموم والشمول التي تجعلها صالحة لزمن آخر، أو لقوم آخرين، وقد أشار القرآن الكريم في عقوبتهم بتحريم الطيبات عليهم إلى هذا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١. وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن أمرأة منهم ورجلًا زنيا، فقال رسول الله ﷺ : "ما تجدون في التوراة من شأن الرجم"؟ قالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقال: صدقت يا محمد، فأمر بهما النبي ﷺ فرجما، قال: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة؛ ليقيها الحجارة". أما شريعة الإسلام التي جاء بها محمد ﷺ فإنها جاءت وافية بمطالب الحياة الإنسانية، تسد عوزها، وتحقق لها أهداف العمران في شتى جوانب حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالإسلام عقيدة وعبادة، وخلق وتشريع، وحكم وقضاء، ومسجد وسوق، وهو علم وعمل، ومصحف وسيف، وهذا هو ما نعنيه عندما نقول: "الإسلام دين ودولة". وقد اكتسبت نصوص الشريعة الإسلامية من المرونة والعموم ما جعل قواعدها

стр. 15

صالحة للناس كافة في كل عصر من العصور، تساير عوامل النمو والارتقاء، وتقود الحضارة الإنسانية إلى معالم الحق وسبيل الرشاد، ولهذا أكمل الله بها الدين وأتم النعمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ١. الفرق بين التشريع السماوي والتقنين الوضعي: تحدثنا آنفا عن كل من القانون الوضعي والتشريع السماوي، وبهذا يتبين الفرق بينهما، وقد ذكر هذه الفوارق على وجه التفصيل الشهيد عبد القادر عودة في مقدمة الجزء الأول من كتابه "التشريع الجنائي في الإسلام"، ونحن نجمل ذلك فيما يلي: ١- القانون الوضعي تنظيم بشري من صنع الناس، لا ينبغي مقارنته بالتشريع السماوي الذي جاء من عند الله؛ للفرق بين الخالق والمخلوق، ولن يستوي لدى العقول أن يقارن ما صنعه الناس بما صنعه رب الناس. ٢- والذين يضعون القانون بشر، يخضعون للأهواء والنزعات، وتتغلب عليهم العواطف البشرية، فيقعون تحت تأثير هذه العوامل التي تحيد بهم عن تقدير الحق، والقيام على شئون الحياة بالقسط، ومهما ارتقى الناس في سلم المعرفة، فإنهم لا يستطيعون أن يدركوا حقائق الأمور، وأن يحيطوا بها خبرًا، وبهذا تكون القوانين الوضعية عرضة للتغيير والتبديل، ولا يكون لها مقياس ثابت لحكم، فما هو حلالٌ اليوم قد يصير حرامًا غدًا، وبذلك تختلف موازين الحياة ومقاييس الخير والشر، وتتلون بتلون الإنسان وتحوُّل ميوله وعواطفه، فتظل الحياة الإنسانية في اضطراب دائم، كما نشاهده اليوم في حياة الأمم التي تحكم بغير ما أنزل الله. والشريعة وحي إلهي منزه عن ذلك كله، فهي تنزيل الحكيم العليم، الذي يعلم

стр. 16

أحوال عباده، وما يصلح معاشهم ومعادهم، وما يحقق لهم الخير في دنياهم وأخراهم ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١، وهو سبحانه منزه عما يعتري الخلق من القصور والنقص ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ٢. وقد بنيت الشريعة الإسلامية الأصول الكلية التي تقوم عليها حياة البشر، ولا سبيل إلى الأخذ فيها بالرأي المجرد عن الدليل، والنبي ﷺ مع عصمته لا يتبع إلا الوحي ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيّ﴾ ٣، ولا يكون حكمه إلا بما علم عن الله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّه﴾ ٤، وانتزاع التشريع من أيدي البشر، ورده إلى الله ورسوله يضع لنا شريعة ربانية ثابتة المقياس لا يعتريها خلل أو قصور. ٣- والقانون الوضعي نظام محدود القواعد، يلبي حاجة الجماعة لتنظيم حياتهم الحاضرة، ويتطور بتطورها، نشأ بادئ ذي بَدء في نظام الأسرة، ثم في نظام القبيلة، ولم يتحول إلى نظريات علمية إلا في القرن التاسع عشر. والتشريع السماوي -بعامة- يولد متكاملًا وافيًا بمطالب الحياة، محكم النسيج، صافي المورد. ٤- وقواعد القانون الوضعي مؤقتة لجماعة خاصة في عصر معين، فهي في حاجة إلى التغيير كلما تطورت الجماعة وتجددت مطالبها. وقواعد الشريعة الإسلامية -بصفة خاصة- لم تأت لقوم دون قوم، أو لعصر دون عصر، ولكنها قواعد كلية ثابتة مستقرة، تسد حاجة الجماعة وترفع مستواها في كل عصر، وقد مر على الشريعة الإسلامية زهاء أربعة عشر قرنا من الزمان، تغيرت فيها أوضاع الجماعات، واندثرت فيها مئات القوانين والأنظمة، وانقلبت

стр. 17

مبادئها رأسا على عقب، ولا تزال تلك الشريعة غضة صالحة لكل زمان ومكان، تحمل نصوصها عناصر النمو والارتقاء. ٥- والقانون الوضعي لا يتناول سوى المعاملات المدنية، في الشئون الاجتماعية والاقتصادية التي تقوم عليها سلطة الدولة إذا استثنينا ما يتصل بالعلاقات الدولية، ولا يمت بصلة إلى عقيدة التوحيد ومقتضياتها. والشريعة الإسلامية تتناول الإيمان بالله ورسله وعالم الغيب، وصلة العبد بربه، وسلوكه الأخلاقي، وأنظمة الحياة المختلفة في شتى مرافقها. ٦- والقوانين الوضعية تهمل المسائل الأخلاقية، وتقصر المخالفة على ما فيه ضرر مباشر بالأفراد، أو إخلال بالأمن والنظام العام، فلا تعاقب القوانين الوضعية على الزنا في هاتين الحالتين يمس ضرره المباشر الأفراد، كما يمس الأمن العام، وأكثر القوانين الوضعية لا تعاقب على شرب الخمر، ولا تعاقب على السكر لذاته، وإنما تعاقب السكران إذا وجد في الطريق العام في حالة سكر بيِّن، فالعقاب على وجوده في حالة سكر في الطريق العام؛ لأن وجوده في هذه الحال يعرض الناس لأذاه واعتدائه، وليس العقاب على السكر لذاته باعتباره رذيلة، ولا على شرب الخمر باعتبار أن شربها مضر بالصحة، مذهب للعقل، متلف للمال، مفسد للأخلاق. والشريعة الإسلامية شريعة أخلاقية، وليست الأخلاق في الإسلام أدبا يجمل صاحبه، ولكنها التزامات من واجبات الدين. والأخلاق في الإسلام غاية تربوية للعبادات، والتزام أدبي في المعاملات، يجعل حياة الناس قائمة على المعروف والحسنى، وقد حث الإسلام على أمهات الفضائل الإنسانية ودعا إلى المثل العليا، وأثنى على مكارم الأخلاق، وقال الله في نبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ ١. ٧- تفقد القوانين الوضعية سلطتها على النفس البشرية؛ لأن سلطة العقوبة

стр. 18

وحدها لا تكفي في ردع المجرم، ولذا فإن واضعي القانون يعملون على ترضية الجماهير وإقناعها بصلاحية النظم التي وضعوها حتي يمتثلوها، ولكن الناس يدركون أن لا سلطة للقوانين الوضعية إلا إذا وقع المرء تحت طائلة المخالفة، وضبط متلبسا بجريمته؛ إذ لا علاقة لها بالحياة الآخرة، فيكون المجال فسيحًا للخروج على القانون بوسائل الحيلة والدهاء. فلا يقف دون وصول الناس إلى أغراضهم السيئة من فساد في الأرض قانون مهما كان دقيقًا. والشريعة الإسلامية تنبثق من فكرة الحلال والحرام، والإيمان بالدار الآخرة، وتربي الضمير الإنساني؛ ليكون رقيبا على المسلم في السر والعلن، يخشى عقاب الله الأخروي أكثر من خشيته للعقاب الدنيوي، فالفعل التعبدي، أو المدني أو الجنائي، أو الدستوري، أو الدولي، له أثره المترتب عليه في الدنيا من أداء الواجب، أو إفادة الحل والملك، أو إنشاء الحق أو زواله، أو توقيع العقوبة، أو ترتيب المسئولية، ولكن هذا الفعل الذي يترتب عليه أثره في الدنيا له أثر آخر مترتب عليه في الآخرة هو المثوبة أوالعقوبة الأخروية، ومن يتتبع آيات الأحكام يجد كثيرا منها قد رتب عليها جزاءان: جزاء دنيوي وجزاء أخروي. ففي القتل يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ١. وفي قطع الطريق أو الحرابة يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم﴾ ٢. وفي إشاعة الفاحشة ورمي المحصنات يقول جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ

стр. 19

تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ١ ... إلى غير ذلك من الآيات. وبذلك يقيم الإسلام من داخل النفس البشرية رقابة على تعاليمه، بحيث يرعاهم المسلم في جوف الليل، كما يرعاها في وضح النهار، والأدلة الظاهرة لإثبات الحق في القضاء لا تجعل هذا الحق حلالا لمستحقه إلا إذا كان حقا له في الواقع، وقد سمع رسول الله ﷺ خصومة بباب حجرته فخرج إليها فقال: "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صدق فأقضى له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذْها أو ليتركْها" متفق عليه. أدوار التشريع ومراحله في تاريخ الفكر الإسلامي: يذهب بعض الباحثين في تقسيم أدوار التشريع والفقه الإسلامي إلى مراعاة النشأة والتطور، والقوة والضعف، في تاريخ الفكر الإسلامي، فيقسمون الأدوار التي مر بها التشريع والفقه إلى الأدوار الآتية: الدور الأول: وهو عصر التشريع في عهد رسول الله ﷺ ، وفي عهد الخلفاء الراشدين. الدور الثاني: الدور التأسيسي للفقه، ويشمل العمل الفقهي في العصر الأموي، والكلام على مدرسة الحجاز ومدرسة العراق. الدور الثالث: دور النهضة الفقهية، وتأسيس المذاهب، وتدوين الحديث والفقه.

стр. 20

الدور الرابع: دور التقليد وسد باب الاجتهاد بعد أن استقرت المذاهب. الدور الخامس: دور اليقظة الفقهية وحركة الإصلاح الديني في الوقت الحاضرلفتح باب الاجتهاد. ويذهب آخرون في تقسيمهم إلى مراعاة الأحداث السياسية والاجتماعية التي كان لها أثر في الفقه الإسلامي، فيقسمونه إلى الأدوار الآتية: ١- عهد التشريع: من البعثة إلى وفاة الرسول ﷺ سنة ١١ هـ. ٢- الدور الفقهي الأول: الفقه في عصر الخلفاء الراشدين ١١-٤٠هـ. ٣- الدور الفقهي الثاني: الفقه في عهد صغار الصحابة وكبار التابعين إلى أوائل القرن الثاني الهجري. ٤- الدور الفقهي الثالث: الفقه من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع. ٥- الدور الفقهي الرابع: الفقه من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد سنة ٦٥٦ هـ. ٦- الدور الفقهي الخامس: من سقوط بغداد إلى الوقت الحاضر. وقد آثرنا التقسيم الثاني دون التزام بتفاصيل الأحداث الجزئية مع مراعاة الاهتمام بالجانب الموضوعي وما يستحق من عناية.

стр. 21

الفصل الأول: عصر التشريع عصر التشريع من البعثة إلى وفاة الرسول ﷺ سنة ١١ه ـ حالة العرب والعالم عند البعثة وبيان المهمة التي جاء بها الإسلام ... عصر التشريع "من البعثة إلى وفاة الرسول ﷺ سنة ١١ هـ": حالة العرب والعالم عند البعثة وبيان المهمة التي جاء بها الإسلام: ساد العالم في القرن السادس الميلادي -قبيل البعثة- دولتان كبيرتان على مقربة من جزيرة العرب؛ إحداهما دولة الفرس في الشمال الشرقي، والأخرى دولة الروم في الشمال والغرب. ولكل دولة من هاتين الدولتين حضارة ذات ثقافة وقانون، ولها عقائد تدين بها. ففي الفرس تعاقب الملوك الأكاسرة، الذين بسطوا نفوذهم على أجزاء العالم المحيطة بهم، وبنوا لأنفسهم حضارة سميت بالحضارة الفارسية، وكانت آخر دولة حكمت الفرس قبل الإسلام "الدولة الساسانية" التي استمرت في الحكم من سنة ٢٢٦م إلى سنة ٦٥١م حين استولى عليها المسلمون. واشتهر الفرس بميلهم إلى عبادة المظاهر الطبيعية، وكانت تعاليم "زرادشت" -الذي زعموه نبيا لهم- تقوم على أساس أن هناك نزاعا وتصادما بين القوى المختلفة: بين النور والظلمة، والخصب والجدب ... إلخ، وأن للعالم أصلين أو إلهين؛ أصل الخير، وأصل الشر، وهما في نزاع دائم، ولكل من هذين الأصلين قدرة الخلق، فأصل الخير هو النور، وقد خلق كل ما هو حسن وخير ونافع، كخلق الحيوانات النافعة، والطيور الجميلة، وأصل الشر هو الظلمة، وقد خلق كل ما هو شر في العالم، فخلق الحيوانات المفترسة والحيات والحشرات وما شابهها، ولكن الفوز النهائي لروح الخير، وترى الزردشتية أن للإنسان حياتين؛ حياة أولى في الدنيا وحياة أخرى بعد الموت، ونصيبه من حياته الآخرة نتيجة لأعماله في حياته الأولى، وأن يوم القيامة قريب، حين ينتصر إله الخير على إله الشر.

стр. 22

واتخذ الفرس النار رمزًا لآلهة الخير، يشعلونها في معابدهم، وينفحونها بأمدادهم حتى تقوى على آلهة الشر وتنتصر عليها. ولم تخرج تعاليم "ماني" في المانوية التي شاع مذهبها عن تعاليم "زرادشت" إلا في القليل من آرائها. وحول سنة ٤٨٧م ظهر في فارس "مزدك" ودعا إلى مذهب ثنوي جديد، فكان يقول أيضا بالنور والظلمة، ولكنه عرف بتعاليمه الاشتراكية، فكان يرى أن الناس ولدوا سواء فليعيشوا سواء، وأهم ما تجب فيه المساواة: المال والنساء. قال الشهرستاني: "وكان "مزدك" ينهى الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال، ولما كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال، فأحل النساء وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والكلأ والنار". وكان للفرس قانون في عهد الدولة الساسانية، تضمن الكلام على الأحوال الشخصية كالزواج، وعلى الملكية، وعلى الرق، وبعض الشئون العامة. أما دولة الروم التي كان يحكمها القياصرة، فقد قامت حضارتها على الفلسفة النظرية والجدل المنطقي "اليوناني" ثم "الروماني"، وتوارثت آراء سقراط وأفلاطون وأرسطو، وسيطرت على مناطق البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك الشام ومصر والمغرب، حيث كانت عقائد النصرانية على اختلاف مذاهبها، ولقد لجأت النصرانية إلى الفلسفة اليونانية؛ لتستعين بها على الجدل، ولتؤيد تعاليمها وعقائدها أمام الوثنيين، وكانت الإسكندرية هي المركز الجغرافي لمزج الدين بالفلسفة، وظهر فيها المذهب المعروف بـ "الأفلاطونية الحديثة"، وذلك منذ عام ٢٠٠ م تقريبا. وظلت النصرانية منتشرة في الشام ومصر والمغرب والنوبة والحبشة والعراق. كما قام السريانيون بنشر الفلسفة اليونانية، واتخذوا لأنفسهم مدارس متعددة، كانت أهم مراكزها في الرها ونصيبين وحران، واهتموا بترجمة الكتب اليونانية بعقائدها الوثنية، وثقافتها المتشعبة إلى اللغة السريانية، بما في ذلك القانون الروماني، وعلوم الطب، والفلك، والفلسفة.

стр. 23

وبإزاء هذا كله، كانت بقايا اليهودية متناثرة في بعض الأماكن، بشمال الجزيرة العربية وفي داخلها بـ "يثرب"، ولهؤلاء كذلك عقائدهم وموروثاتهم الدينية. وأما العرب فقد كان أكثرهم من البدو الرحل الذين يعيشون في الصحراء، يربطهم نظام القبيلة بأعرافه الاجتماعية، وعادته التقليدية، ويحكمهم رؤساء القبائل الذين يفصلون في الخصومات ولهم سلطة الأمر والنهي عليهم، ولم يخلُ نظام القبيلة من بعض النظم الاجتماعية التي كانت سائدة أنذاك، كنظام الأسرة في الزواج، والقصاص في القتل. وأقام بعضهم في المدن كمكة، ويثرب، والطائف، وباشروا الزراعة، وامتهنوا بعض الصناعات، وهذا من شأنه أن يقيم قواعد للمعاملات المالية والعلاقات التجارية. وساعد على هذا أسواقهم الكبرى، واجتماعهم في الحج، واشتهرت قريش في مكة بالتجارة، وكان لها علاقة تجارية مستمرة بسوريا "الرومانية"، والعراق "الساساني"، وباليمن في رحلتي الشتاء والصيف. ولم يكن العرب في معزل عن الثقافات المحيطة بهم، بل إن النزاع الدائم بين الفرس والروم أدى إلى استفادة كل من الجانبين بالعرب، حتى يكونوا ردءا لصد غارات البدو عليهم. فأسس الفرس إمارة الحيرة على نهر الفرات، وأمروا عليها عمرو بن عدي، كما كون الغساسنة إمارة لهم في الشام. وكان آخر ملوك الحيرة النعمان بن المنذر الخامس، زوج هند، وهو الملقب بأبي قابوس، وصاحب النابغة الذبياني، وقد غضب عليه كسرى فحبسه حتى مات حوالي سنة ٦٠٢ م. وكان آخر ملوك الغساسنة جبلة بن الأيهم سنة ٦١٤م، ولما فتح المسلمون الشام أسلم جبلة وقدم المدينة، وأحسن عمر نزله، ولكنه لطم رجلا من بني فزارة، فنابذه وطلب إلى عمر القصاص، فأخذته العزة بالإثم، فقال له عمر: لا بد أن أقيدك، فهرب إلى قيصر، ولم يزل بالقسطنطينية حتى مات سنة ٢٠هـ. وقد تأثر عرب الحيرة بثقافة الفرس، كما تأثر الغسانيون بثقافة اليونان والديانة الرومية، وهؤلاء وأولئك كانوا على صلة بالعرب في قلب الجزيرة العربية.

стр. 24

وتسربت اليهودية إلى بلاد العرب، واتخذت لها معاقل في "تيماء" و"فدك" و"خيبر" و"يثرب" كما تسربت النصرانية واتخذت موطنها الأساسي في "نجران". وهذه الأمور الثلاثة: ١- التجارة. ٢- الإمارات على تخوم فارس والروم. ٣- اليهودية والنصرانية. كانت وسائل لنقل المدنيات المجاورة إلى العرب ونفاذ ثقافتها إليهم. ومع أن العرب قد ورثوا شيئا من ملة إبراهيم وإسماعيل، فإن طبيعتهم الخشنة ظلت مستعصية أمام هذه العوامل؛ لغلبة الجهل، وانتشار الوثنية، يعيشون في تناحر وفوضى. يقول ابن خلدون فيهم: "إن العرب لطبيعة التوحش الذي هم فيه أهل انتهاب وعبث، ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر، ويفرون إلى منتجعهم بالقفر ... وهم إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب؛ لأنهم أمة وحشية، فينقلون الحجر من المباني ويخربونها؛ لينصبوه أثافي للقدر، ويخربون السقف ليعمروا به خيامهم، ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم، وليس عندهم من أخذ أموال حدٌّ ينتهون إليه ... وهم متنافسون في الرياسة، وقل أن يسلم واحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وهم أصعب الأمم انقيادًا بعضهم لبعض؛ للغلظة، والأنفة، وبُعد الهمة، والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم. من أجل ذلك لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية من نبوة، أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة". ومع ذلك كله فقد كانت لهم تقاليد في مأكلهم ومشربهم وملبسهم، وفي

стр. 25

نكاحهم وطلاقهم، وفي بيوعهم وسائر معاملاتهم، وكانت لهم محارم يحرمونها كالأمهات والبنات والأخوات، ولهم مزاجر في مظالمهم في مثل الجنايات والديات والقسامة وما شاكلها. تلك هي حال العرب والعالم قبل البعثة، وهي حال يستطير شرها، ويتفاقم خطرها بما أورثته للإنسانية من استبداد وظلم وشقاء وفساد، وفي وسط هذا الجو الخانق القاتل لقيم الحياة الإنسانية ومطالبها الروحية انبعث من بطحاء مكة صوت قوي رهيب يقول: "لا إله إلا الله". كان ذلك الصوت الداوي صوت محمد ﷺ الذي اختاره الله؛ ليهدي العقول الحائرة إلى نور الإيمان بالعقيدة الصحيحة، ويفتح لها مسالك العلم النافع، ويمنحها العدل الذي يحطم قيود العسف والجبروت، والحرية التي ترقى بمستوى الإنسانية، وتحفظ لها حقوقها، والمساواة التي تهب لكل فرد فرصة يستثمر فيها مواهبه لخير المجتمع وصالحه، فأنذر وبشَّر، وأعلن دعوته ربانية عالمية، تتخطى جبال الحجاز، وهضاب نجد، وسعة البحار والوهاد، وتتجاوز كل مهمه قفر؛ لتعلن على الملأ إنسانيتها، وتدعو البشرية على اختلاف أجناسها وألوانها للانضواء تحت لوائها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٢. فكانت رسالة الهدى والرحمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.

стр. 26

التشريع في حياة الرسول ﷺ : عرفنا فيما سبق أن الشريعة خاصة بما جاء عن الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١. وذلك لا يكون إلا في حياة الرسول ﷺ ، حيث انقطع الوحي بوفاته، فالتشريع إما أن يكون وحيا إلهيا بالمعنى واللفظ، وذلك يتمثل في القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسولنا محمد ﷺ ، وإما أن يكون وحيا إليها بالمعنى دون اللفظ، وذلك يتمثل في سنة رسول ﷺ ، فإن لفظ الحديث من كلامه، وإن كان معناه وحيًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢. فالله وحده هو المشرع، ورسوله هو المبين لشرعه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٣. وقد أوجب الله طاعة رسوله؛ لأنها من طاعته ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ٤. وجعل حكمه عن إلهام منه ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ٥ فلا شرع إلا ما شرع الله أو ما شرع رسوله، ولهذا كان للتشريع الإسلامي مصدران أساسيان؛ الكتاب والسنة، وبانتهاء حياة الرسول ﷺ انتهى عهد التشريع. وقد بين حديث عائشة كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ، وأن الرؤيا الصالحة كانت أول أمره، ثم حبب إليه الخلاء، حتى جاءه الملك وهو يتعبد في غار حراء؛ فعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتنحث فيه -وهو التعبُّد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء،

стр. 27

فجاءه الملك، فقال: اقرأ. قال: "ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني: فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ١ "، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂، فقال: "زملوني، زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي"، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي -ابن عم خديجة- وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : "أوَمخرجي هُمْ؟ " قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي"، والحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما. ووقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فِترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن اسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو شهر ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، وبدئ بذلك؛ ليكون تمهيدا وتوطئة لليقظة، ثم كان ابتداء وحي اليقظة في رمضان، قال ابن حجر في الفتح:

стр. 28

"إذا علم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاءه وهو في الغار المذكور اقتضى ذلك أن نبيء في شهر رمضان". ثم كان نزول سورة المدثر بعد فترة الوحي، وفي الصحيحين عن أبي سلمة عن جابر: قال رسول الله ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي، قال في حديثه: $"بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ١". والمراد بزملوني: دثروني، وإلا يقتضي ذلك نزول ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل﴾ حينئذ؛ لأن نزولها تأخر عن نزول ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر﴾ بالاتفاق؛ لأن أول المدثر الأمر بالإنذار، وذلك في أول البعثة، أما أول المزمل فهو الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن. وقد جاء في القرآن الكريم ثلاث آيات بينات تتعلق بنزول القرآن: الأولى في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ ٢. والثانية في سورة الدخان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَة﴾ ٣. والثالثة في سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ ٤. ولا يجد الإنسان تعارضا بين هذه الآيات، فالليلة المباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان، وإنما يلتبس عليه التوفيق بين هذه الآيات والواقع التاريخي في نزول القرآن على رسول الله ﷺ منجما في أكثر من عشرين عاما فكيف تجتمع هذه الأعوام في شهر بل في ليلة؟!! وللعلماء في هذا التوفيق مذهبان٥:

стр. 29

أما المذهب الأول ويتزعمه ابن عباس فيرى أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، في ليلة القدر من شهر رمضان، ثم نزل ذلك مفرقا على رسول الله ﷺ ، وفق الحوادث والمقتضيات مدة البعثة، وعلى هذا فلا تنافي بين الآيات والواقع، فالآيات أخبرت عن نزول القرآن جملة، ولم تخبر عن نزوله تفصيلا، فعن ابن عباس وغيره "أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ ". أما المذهب الثاني ويتزعمه الشعبي، فيرى أن أول ما بدئ به الوحي على رسول الله ﷺ إنما كان في شهر رمضان في الليلة المباركة "ليلة القدر"، ثم نزل القرآن الكريم تباعا على رسول الله ﷺ بقية حياته. وعلى هذا فالآيات الثلاث أخبرت عن بدء نزول القرآن لا عن نزوله كله. ولا يتعارض هذا المعنى مع الواقع. وأنت ترى من خلال هذين المذهبين أن مذهب ابن عباس لا يعطي لشهر رمضان مزية خاصة ذات صلة مباشرة بالأمة المحمدية؛ إذ كان المراد نزول القرآن إلى السماء الدنيا لا على رسول الله ﷺ ، فلا تظهر منة الله على هذه الأمة في شهر رمضان بهذا الفضل، والأقرب في ظهور المنة والفضل ما ذهب إليه الشعبي من بدء النزول في رمضان في ليلة القدر١، وقد ذهب ابن إسحاق إلى أنها ليلة السابع عشر من الشهر، وأشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ ٢. والمراد بيوم التقاء الجمعين يوم التقاء المسلمين والمشركين ببدر، وهو يوم الجمعة ١٧ رمضان من السنة الثانية للهجرة، ويوم الفرقان هو اليوم الذي ابتدأ فيه نزول القرآن، وهما متحدان في الوصف، ويوافقان ١٧ رمضان وإن لم

стр. 30

يكونا من سنة واحدة، وقد حكى القسطلاني في شرحه على البخاري خلاف العلماء في تعيين هذه الليلة على أقوال كثيرة، ومنها القول الذي مال إليه ابن اسحاق، وقال: إنه رواه ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم. هذا بالنسبة إلى ابتداء نزول القرآن. أما بالنسبة إلى آخر ما نزل منه: أ- فقيل: آخر ما نزل آية الربا؛ لما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت آية الربا، والمراد بها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ١ الآية. ب- وقيل: آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه﴾ ٢. الآية. ج- وقيل: آخر ما نزل آية الدين؛ لما روى عن سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين، والمراد بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ ٣ الآية. ويجمع بين الروايات الثلاث بأن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف: آية الربا، فآية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ فآية الدين؛ لأنها في قصة واحدة، فأخبر كل راوٍ عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح، وبهذا لا يقع التنافي بينها. د- وقيل: آخر ما نزل آية الكلالة. فقد روى الشيخان عن البراء بن عازب

стр. 31

قال: آخر آية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَة﴾ ١ الآية، وحمل هذا من البراء على أنه آخر ما نزل فيما يتعلق بالمواريث. هـ- وقيل: آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم﴾ ٢ إلى آخر السورة. و وعن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح﴾ ٣. وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، وكل قال بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلًّا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من الرسول ﷺ ، أو قال ذلك باعتبار آخر ما نزل في تشريع خاص، أو آخر سورة نزلت كاملة. أما قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٤ فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع، ويدل ظاهرها على إكمال الفرائض والأحكام، وقد سبقت الإشارة إلى ما روي في نزول آية الربا، والدين، والكلالة، وغيرها، وقد ذكر الطبري في تأويل هذه الآية أنهم قالوا: لم ينزل على رسول الله ﷺ بعد هذه الآية شيء من الفرائض، ولا تحليل شيء ولا تحريمه، وأن النبي ﷺ لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة٥. ونستخلص مما سبق: أن بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ

стр. 32

بالرؤيا الصالحة كان على رأس الأربعين من عمره "في شهر ربيع الأول"، وأن أول نزول القرآن كان في شهر رمضان بسورة "اقرأ"، وأن آخر ما نزل على الرأي الراجح كان يوم عرفة بحجة الوداع، وقد توفي رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول، بعد ذلك في العام الحادي عشر للهجرة، وبوفاته انتهى عهد التشريع الذي بدأ ببعثه ﷺ ، وهو مقدر بما يقرب من ثلاث وعشرين سنة، نزل عليه القرآن خلالها منجما، وهو المصدر الأول للتشريع، أما السنة فهي المصدر الثاني، ولا ثالث لهما في هذا العهد.

стр. 33

مصادر التشريع في هذا العصر أولا: القرآن الكريم مدخل ... مصادر التشريع في هذا العصر: أولا: القرآن الكريم قال الراغب في المفردات: القرآن في الأصل مصدر، نحو كفران، ورجحان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه﴾ ١ قال ابن عباس: "إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به". وقد خص بالكتاب المنزل على محمد ﷺ ، فصار له كالعلم، كما أن التوراة أنزلت على موسى، والإنجيل على عيسى ﵉. قال بعض العلماء: تسمية هذا الكتاب قرآنًا من بين كتب الله؛ لكونه جامعًا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم، كما أشار تعالى إليه بقوله: ﴿تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْء﴾ ٢، وقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء﴾ ٣، وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج﴾ ٤. ومن كلام الراغب يتبين أن القرآن في الأصل مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، ومعناه في اللغة: الجمع والضم، وقد صار علما بالغلبة على الكتاب العزيز في عرف الشرع، وعرف بأنه: كلام الله الذي أنزل على محمد ﷺ ، ونقل إلينا تواترا؛ لنتعبد بتلاوته وأحكامه، وكان آية دالة على صدقه فيما ادعاه من الرسالة. وقد نزل به جبريل على رسول الله ﷺ بلسان عربي: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٥، فتحدى به رسول الله العرب وهم أرباب

стр. 34

الفصاحة والبيان، فظهر عجزهم، وبهذا قامت الحجة عليهم ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٣. ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِين﴾ ٤. وحيث كانت البشرية في أطوار نموها الأولى لا يبهرها شيء كما تبهرها الخوارق الكونية الحسية التي لا مجال فيها للتفكير والنظر ناسب هذا أن يبعث كل رسول إلى قومه خاصة، وأن تكون معجزته فيما نبغ فيه قومه، خارقة لما ألفوه؛ ليتحقق بعجزهم عنها إيمانهم بأنها من قوة سماوية عليا فوق طاقة البشر. وظل الناس يستفيدون برسالات الله التي أخذت بأيديهم إلى مدارج الرقي، ووطأت الأكناف لختم النبوة حتى بعث الله محمدا ﷺ بالرسالة الخالدة إلى الناس كافة، وكانت معجزتها معجزة العقل البشري في أرقى تطورات نضجه ونموه. فحيث كان تأييد الله لرسله السابقين بآيات كونية تبهر الأبصار ولا سبيل للعقل في معارضتها، كمعجزة اليد والعصا لموسى، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله لعيسى، كانت معجزة محمد ﷺ في عصر مشرف على العلم معجزةً علميةً تحير العقل البشري وتتحداه إلى الأبد، وهي معجزة القرآن بعلومه ومعارفه، وأخباره الماضية والمستقبلة، فالعقل الإنساني على تقدمه لا يعجز عن معارضته؛ لأنه آية كونية لا قبل له بها، ولكن عجزه لقصوره الذاتي، فيكون هذا اعترافا منه بأنه وحي الله إلى رسوله، وان حاجته إلى الاهتداء له ماسة؛ ليستقيم عوجه وترقى مواهبه. ويهتدي إلى سبيل الرشاد، وهذا المعنى هو ما يشير إليه رسول الله ﷺ في قوله: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله من آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا". رواه البخاري ومسلم.

стр. 35

ومن عنده إلمام قليل بتاريخ العرب وأدب لغتهم يدرك العوامل السابقة لبعثة الرسول ﷺ التي رقت بلغة العرب، وهذبت لسانها، وجمعت خير ما في لهجاتها من أسواق الأدب والمفاخرة بالشعر والنثر، حتى انتهى مصب جداول الفصاحة وإدارة الكلام بالبيان في لغة قريش التي نزل بها القرآن، وما كان عليه العرب من صلف، يعلو بأحدهم على أبناء عمومته أنفا وكبرا، مضرب مثل في التاريخ الذي سجل لهم أياما نسبت إليهم؛ لما أحدثوه فيها من معارك دامية، وحروب طاحنة أشعلها شرر من الكبرياء والأنفة.. ومثل هؤلاء مع توافر دواعي اللسان وقوة البيان التي يوقدها حماس القبيلة، ويؤججها أتون الحمية، لو تسنى لهم معارضة القرآن الكريم لأثر هذا عنهم، وتطاير خبره في الأجيال، فالقوم قد تصفحوا آيات الكتاب، وقلبوها على وجوه ما نبغوا فيه من شعر ونثر، فلم يجدوا مسلكا لمحاكاته، أو منفذا لمعارضته، بل جرى على ألسنتهم الحق الذي أخرسهم عفو الخاطر عندما زلزلت آيات القرآن قلوبهم، كما أثر ذلك عن الوليد بن المغيرة، وعندما عجزت حيلتهم رموه بقول باهت فقالوا: سحر يؤثر، أو شاعر مجنون، أو أساطير الأولين. ولم يكن لهم بد أمام العجز والمكابرة إلا أن يعرضوا رقابهم للسيوف، فاستسلموا للموت الزؤام، وبهذا ثبت إعجاز القرآن. وعَجْز العرب عن معارضة القرآن مع توافر الدواعي عَجْز للغة العربية في ريعان شبابها وعنفوان قوتها. والإعجاز لسائر الأمم على مر العصور يظل ولا يزال في موقف التحدي شامخ الأنف، فأسرار الكون التي يكشف عنها العلم الحديث ما هي إلا مظاهر للحقيقة العليا التي ينطوي عليها سر هذا الوجود في خالقه ومدبره، وهو ما أجمله القرآن او أشار إليه, فصار القرآن بهذا معجزا للإنسانية كافة، بكل ما يحمله لفظ الإعجاز من معنى. فهو معجز في ألفاظه وأسلوبه، والحرف الواحد منه في موضعه من الإعجاز

стр. 36

الذي لا يغني عن غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية. وهو معجز في بيانه ونَظْمِهِ، يجد فيه القارئ صورة حية للحياة والكون والإنسان. وهو معجز في معانيه التي كشفت الستار عن الحقيقة الإنسانية ورسالتها في الوجود. وهو معجز بعلومه ومعارفه التي أثبت العلم الحديث كثيرا من حقائقها المغيبة. وهو معجز في تشريعه وصيانته لحقوق الإنسان، وتكوين مجتمع مثالي تسعد الدنيا على يديه. والقرآن أولا وآخرا هو الذي صير العرب رعاة الشاء والغنم ساسة شعوب وقادة أمم، وهذا وحده إعجاز١. والقرآن الكريم هو أساس الدين ومصدر التشريع، وحجة الله البالغة في كل عصر ومصر، بلغه رسول الله لأمته امتثالا لأمر ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٢، واحتوى على الأمر الإلهي الصريح بوجوب اتباعه والعمل بما تضمنه من أحكام في غير موضع وبغير أسلوب واحد؛ قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ٣، وقال : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤، وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ٥، وقال جلَّ شأنه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ

стр. 37

أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١. وتلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ تلاوةً له وحفظًا ودراسةً لمعانيه وعملًا بما فيه، قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. قال: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا٢. وهكذا استمر حفظ المسلمين للقرآن في كل عصر، وتوارثت الأمة نقله بالكتابة على مر الدهور، جيلا بعد جيل، من غير تحريف أو تبديل، وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٣. وقد اشتمل القرآن الكريم على أصول الشريعة وقواعدها من الحلال والحرام، وجاءت أكثر أحكامه مجملة تشير إلى مقاصد الشريعة، وتضع بيد الأئمة والمجتهدين المصباحَ الذي يستنبطون في ضوئه أحكام جزئيات الحوادث في كل زمان ومكان، وهذا سر خلود الشريعة وشمول قواعدها الكلية ومقاصدها العامة لما يحدث في الناس من أقضيات. وإنما فصَّل القرآن ما لا بد فيه من التفصيل الذي يجب أن يسمو عن مواطن الخلاف والجدل كما في العقائد وأصول العبادات، أو لأنه يبنى على أسباب لا تختلف ولا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، وذلك كما في تشريع المواريث ومحرمات النكاح، وعقوبة بعض الجرائم. والقرآن الكريم كتاب هداية، يهتدي به من قرأه أو حفظه وتدبر معانيه،

стр. 38

واتعظ بما فيه، فتلزمه الحجة، وفي صحيح الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" ١. ولذا كان تدبره واجبًا، حتى يفتح مغاليق القلوب، وتستنير به الأفئدة، ويقود الناس إلى الوقوف عند حدوده، والعمل بما فيه ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِه﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٣. وله من روعة التنزيل وجلال الأحكام والمواعظ ما تتصدع منه الجبال الرواسي، ولكن الله امتَنَّ على عباده، فجعل القرآن ربيع قلوبهم، وجلاء بصائرهم، ونور حياتهم ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّه﴾ ٤، وعن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستكون فتن كقطع الليل المظلم"، قلت: يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله ﵎؛ فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم" ٥. وقد نزل القرآن الكريم منجما على رسول الله ﷺ ، تنزل الآية أو الآيات حسب الوقائع والأحداث، وما يريده الله تعالى من تشريع؛ تثبيتًا لفؤاد رسول الله ﷺ ، ومبالغة في الإعجاز، وتدرجا في التشريع، وتيسيرا لحفظه وفهمه، ودلالة قاطعة على أنه تنزيل من حكيم حميد٦. أما الكتب السماوية الأخرى: التوراة والإنجيل والزبور، فكان نزولها جملة لا مفرقة.

стр. 39

التشريع في مكة: العقيدة هي لب الأديان السماوية، والأصل الذي ترتكز عليه دعائم الشريعة، ولن يقبل الناس الشريعة إلا إذا صلحت عقيدتهم وآمنوا بالله وبوحدانيته في ألوهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، وأفعاله، واستيقنوا بعالم الغيب والدار الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء وجنة ونار، وإذا رسخت العقيدة في النفس أمكن بناء المجتمع الذي يلتزم في حياته شرع الله في علاقته بربه، وعلاقته بالإنسان، وعلاقته بالكون والحياة، ولهذا كانت العقيدة أول ما دعا إليه الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١. وقد اتجه التشريع طوال العصر المكي -قرابة ثلاثة عشر عامًا- إلى إصلاح العقيدة وتعميق جذورها والحفاظ على تطهيرها، وجعل الإسلام الشهادتين "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله" عنوانا لتحقيق العقيدة. ومفتاحا يدخل به الإنسان في الإسلام وتجري عليه أحكامه. فالشهادة بوحدانية الله تتضمن كمال العقيدة في الله وتنزيهه عما لا يليق به والشهادة برسالة محمد ﷺ تتضمن التصديق بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر، وتقتضي وجوب المتابعة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٢. ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٣.

стр. 40

ومنهج الإسلام في الدعوة إلى تلك العقائد يعتمد على الحجة العقلية وذلك بلفت أنظار الناس إلى التفكير في الكون، وتدبر ما فيه من دلائل القدرة وبديع الخلق، وكيف تسير عوالمه المختلفة على نسق محكم، يدل دلالة قاطعة على وجود خالق مدبر لهذا الكون، إذ لا يتأتى أن يكون هذا الإحكام وليد الصدفة، وإذا صح الإيمان بالله تبع ذلك الإيمان بملائكته وكتبه ورسله اليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. والقرآن المكي بسورة وآياته يمثل هذا الاتجاه في إرشاد الناس إلى التفكير في الكون، والنظر في أرضه وسمائه، وما أودع الله فيه من أسراره، وما اشتمل عليه من دقة وإحكام، في وحدة متناسقة لا يعتريها خلل أو اضطراب، مما يوجب التصديق القلبي بوحدانية الخالق المدبر، والإيمان بأن هذا الكون سائر بتدبيره إلى الغاية التي حددها له سبحانه بعلمه وحكمته، وعندئذ يفعل به ما يشاء، مما أشارت إليه كتبه وآياته البينات، ووحيه المنزل، من ظواهر الانحلال والفناء، حيث تكون الدار الآخرة. والقرآن الكريم في العصر المكي يعالج هذه الجوانب، فيخاطب المشركين بالمنطق الفطري في آيات قصيرة المقاطع ناصعة الحجة، تتصل اتصالا وثيقا بمظاهر بيئتهم. ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ١. ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
следующие страницы →