الذي لا يغني عن غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية.
وهو معجز في بيانه ونَظْمِهِ، يجد فيه القارئ صورة حية للحياة والكون والإنسان.
وهو معجز في معانيه التي كشفت الستار عن الحقيقة الإنسانية ورسالتها في الوجود.
وهو معجز بعلومه ومعارفه التي أثبت العلم الحديث كثيرا من حقائقها المغيبة.
وهو معجز في تشريعه وصيانته لحقوق الإنسان، وتكوين مجتمع مثالي تسعد الدنيا على يديه.
والقرآن أولا وآخرا هو الذي صير العرب رعاة الشاء والغنم ساسة شعوب وقادة أمم، وهذا وحده إعجاز١.
والقرآن الكريم هو أساس الدين ومصدر التشريع، وحجة الله البالغة في كل عصر ومصر، بلغه رسول الله لأمته امتثالا لأمر ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٢، واحتوى على الأمر الإلهي الصريح بوجوب اتباعه والعمل بما تضمنه من أحكام في غير موضع وبغير أسلوب واحد؛ قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ٣، وقال : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤، وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ٥، وقال جلَّ شأنه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ
стр. 37
أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١.
وتلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ تلاوةً له وحفظًا ودراسةً لمعانيه وعملًا بما فيه، قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. قال: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا٢.
وهكذا استمر حفظ المسلمين للقرآن في كل عصر، وتوارثت الأمة نقله بالكتابة على مر الدهور، جيلا بعد جيل، من غير تحريف أو تبديل، وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٣.
وقد اشتمل القرآن الكريم على أصول الشريعة وقواعدها من الحلال والحرام، وجاءت أكثر أحكامه مجملة تشير إلى مقاصد الشريعة، وتضع بيد الأئمة والمجتهدين المصباحَ الذي يستنبطون في ضوئه أحكام جزئيات الحوادث في كل زمان ومكان، وهذا سر خلود الشريعة وشمول قواعدها الكلية ومقاصدها العامة لما يحدث في الناس من أقضيات.
وإنما فصَّل القرآن ما لا بد فيه من التفصيل الذي يجب أن يسمو عن مواطن الخلاف والجدل كما في العقائد وأصول العبادات، أو لأنه يبنى على أسباب لا تختلف ولا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، وذلك كما في تشريع المواريث ومحرمات النكاح، وعقوبة بعض الجرائم.
والقرآن الكريم كتاب هداية، يهتدي به من قرأه أو حفظه وتدبر معانيه،
стр. 38
واتعظ بما فيه، فتلزمه الحجة، وفي صحيح الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" ١. ولذا كان تدبره واجبًا، حتى يفتح مغاليق القلوب، وتستنير به الأفئدة، ويقود الناس إلى الوقوف عند حدوده، والعمل بما فيه ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِه﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٣. وله من روعة التنزيل وجلال الأحكام والمواعظ ما تتصدع منه الجبال الرواسي، ولكن الله امتَنَّ على عباده، فجعل القرآن ربيع قلوبهم، وجلاء بصائرهم، ونور حياتهم ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّه﴾ ٤، وعن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستكون فتن كقطع الليل المظلم"، قلت: يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله ﵎؛ فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم" ٥.
وقد نزل القرآن الكريم منجما على رسول الله ﷺ ، تنزل الآية أو الآيات حسب الوقائع والأحداث، وما يريده الله تعالى من تشريع؛ تثبيتًا لفؤاد رسول الله ﷺ ، ومبالغة في الإعجاز، وتدرجا في التشريع، وتيسيرا لحفظه وفهمه، ودلالة قاطعة على أنه تنزيل من حكيم حميد٦.
أما الكتب السماوية الأخرى: التوراة والإنجيل والزبور، فكان نزولها جملة لا مفرقة.
стр. 39
التشريع في مكة:
العقيدة هي لب الأديان السماوية، والأصل الذي ترتكز عليه دعائم الشريعة، ولن يقبل الناس الشريعة إلا إذا صلحت عقيدتهم وآمنوا بالله وبوحدانيته في ألوهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، وأفعاله، واستيقنوا بعالم الغيب والدار الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء وجنة ونار، وإذا رسخت العقيدة في النفس أمكن بناء المجتمع الذي يلتزم في حياته شرع الله في علاقته بربه، وعلاقته بالإنسان، وعلاقته بالكون والحياة، ولهذا كانت العقيدة أول ما دعا إليه الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١.
وقد اتجه التشريع طوال العصر المكي -قرابة ثلاثة عشر عامًا- إلى إصلاح العقيدة وتعميق جذورها والحفاظ على تطهيرها، وجعل الإسلام الشهادتين "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله" عنوانا لتحقيق العقيدة. ومفتاحا يدخل به الإنسان في الإسلام وتجري عليه أحكامه.
فالشهادة بوحدانية الله تتضمن كمال العقيدة في الله وتنزيهه عما لا يليق به والشهادة برسالة محمد ﷺ تتضمن التصديق بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر، وتقتضي وجوب المتابعة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٢. ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٣.
стр. 40
ومنهج الإسلام في الدعوة إلى تلك العقائد يعتمد على الحجة العقلية وذلك بلفت أنظار الناس إلى التفكير في الكون، وتدبر ما فيه من دلائل القدرة وبديع الخلق، وكيف تسير عوالمه المختلفة على نسق محكم، يدل دلالة قاطعة على وجود خالق مدبر لهذا الكون، إذ لا يتأتى أن يكون هذا الإحكام وليد الصدفة، وإذا صح الإيمان بالله تبع ذلك الإيمان بملائكته وكتبه ورسله اليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
والقرآن المكي بسورة وآياته يمثل هذا الاتجاه في إرشاد الناس إلى التفكير في الكون، والنظر في أرضه وسمائه، وما أودع الله فيه من أسراره، وما اشتمل عليه من دقة وإحكام، في وحدة متناسقة لا يعتريها خلل أو اضطراب، مما يوجب التصديق القلبي بوحدانية الخالق المدبر، والإيمان بأن هذا الكون سائر بتدبيره إلى الغاية التي حددها له سبحانه بعلمه وحكمته، وعندئذ يفعل به ما يشاء، مما أشارت إليه كتبه وآياته البينات، ووحيه المنزل، من ظواهر الانحلال والفناء، حيث تكون الدار الآخرة.
والقرآن الكريم في العصر المكي يعالج هذه الجوانب، فيخاطب المشركين بالمنطق الفطري في آيات قصيرة المقاطع ناصعة الحجة، تتصل اتصالا وثيقا بمظاهر بيئتهم.
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ١.
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
وورد المكي من القرآن بتحريم الزنا، والأمر بحفظ الفروج إلا على الأزواج أو ملك اليمين.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ١.
وهذا يتعلق بحفظ النسل.
وورد فيه تحريم الظلم، وأكل مال اليتيم، والإسراف، والبغي، ونقص المكيال أو الميزان، والفساد في الأرض، وما دار بهذا المعنى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْط﴾ ٢.
وهذا يتعلق بحفظ المال.
وشرعت الصلاة في مكة، كما ورد الأمر بالإنفاق والإحسان، وإن لم تشرع الزكاة إلا في المدينة، وأصل مشروعية الصيام كان بمكة؛ حيث كان رسول الله ﷺ يصوم ويتحنث، ثم صام يوم عاشوراء بعد الهجرة، حتى فرض صوم رمضان بالمدينة.
وهذه هي أصول العبادات.
ونهى القرآن المكي عن الذبح لغير الله، والتقرب إلى الشركاء، وندد بما حرموه على أنفسهم وخصوا به آلهتهم، وأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه.
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ٣.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ ٤.
وهذا أصل في المطاعم.
قال الشاطبي في الموافقات:
"اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولا، والتي نزل بها القرآن على النبي
стр. 43
صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها في مكة، وكان أولها الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ثم تبعه ما هو من الأصول العامة كالصلاة وإنفاق المال وغير ذلك، ونهى عن كل ما هو كفر أو تابع للكفر، كالإفتراءات التي افتروها من الذبح لغير الله وللشركاء الذين ادعوهم افتراء على الله، وسائر ما حرموه على أنفسهم، أو أوجبوه من غير أصل، مما يخدم أصل عبادة غير الله، وأمر مع ذلك بمكارم الأخلاق كلها، كالعدول والإحسان، والوفاء بالوعد، وأخذ العفو، والإعراض عن الجاهلين، والدفع بالتي هي أحسن، والخوف من الله وحده، والصبر والشكوى ونحوها، ونهى عن مساوئ الأخلاق من الفحشاء والمنكر، والبغي، والقول بغير علم، والتطفيف في المكيال والميزان، والفساد في الأرض، والزنا، والقتل، والوأد، وغير ذلك مما كان سائرا في دين الجاهلية.
وإنما كانت الجزئيات المشروعة بمكة قليلة، والأصول الكلية كانت في النزول والتشريع أكثر".
وكثر ذكر قصص الأنبياء في القرآن المكي؛ تسلية لرسول الله ﷺ ؛ عبرةً للمكذبين، ودعمًا لأصول الدين التي جاءت بها الرسالات السماوية؛ ليفيء المشركون إلى الله ويستجيبوا لدعوة رسوله.
стр. 44
التشريع في المدينة:
كان حادث الهجرة فاصلًا بين عهدين في تاريخ الإسلام، حيث استقرت العقيدة الإسلامية في نفوس نفر من المهاجرين وأصحاب البيعة من الأنصار، وتكونت النواة الأولى للمجتمع الإسلامي، واتخذت المدينة مستقرا لها، فبدأت الدعوة في طور عملي تنظيمي جديد، واتجه التشريع إلى بناء الأمة وتحديد علاقاتها الاجتماعية، وكانت اللبنة التي بدأ بها رسول الله ﷺ بناء هذا المجتمع الجديد أن آخى بين المهاجرين والأنصار، حيث كان الأنصاري يؤثر أخاه المهاجري على نفسه:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ١.
وكانت المدينة بعد الهجرة تضم طوائف شتى:
تضم المهاجرين الذين هاجروا من مكة، وخلفوا وراءهم سائر عشيرتهم من المشركين.
وتضم الأنصار الذين بايعوا رسول الله ﷺ وآووه ونصروه من الأوس والخزرج، وبين الأوس الأوس والخزرج معارك قديمة طاحنة تحز آثارها الدامية في النفوس.
وتضم جماعة من مرضى النفوس، الذين أظهروا الخضوع للإسلام انقيادًا لسطوة الدين الجديد، واستبطنوا الكفر والعداء لهذا الدين، وهم المنافقون.
وتضم اليهود الذين أقاموا بيثرب منذ زمن، وقرأوا الكتب المقدسة، ورأوا فيها البشارة برسالة محمد ﷺ ، فعز عليهم بعد بعثه أن يذعنوا إليه، إبقاء على سلطانهم الديني، واستعلاء في الأرض ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ ٢.
وقد اتجه التشريع المدني إلى مواجهة هذه العناصر بما يلائمها.
فاتخذ رباط العقيدة بين المؤمنين بالدين الجديد مهاجرين وأنصارا، أساسا لرباط الأمة الإسلامية، يحل محل رباط الدم في حياة القبيلة، وحذر رسول الله ﷺ من العصبية وجعلها من دعوى الجاهلية: "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من مات على عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية" ٣، وقال فيها تلك العبارة المنفرة: "دعوها فإنها منتنة" ٤.
стр. 45
وذكر الله أوصاف المنافقين، وحذر منهم في القرآن المدني، بما فيه تحليل لنفسياتهم وبيان لمخاطرهم.
أما اليهود فقد نزل القرآن بفضح سريرتهم بكتمان ما أنزل الله، وما ارتكبوا من ظلم من قتلهم الأنبياء، وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وما جبلوا عليه من جبن وضعف وخيانة وغدر، حتى قاتلهم رسول الله ﷺ وأخرجهم من ديارهم.
وتناول التشريع في المدينة بقية العبادات، وهي الأركان العملية التي يبنى عليها الإسلام، فشرع الله الزكاة والصوم والحج.
وتناول شئون التعامل، فأحل الله البيع، وحرم الربا، وبيَّن ما يجب في المداينة من كتابة أو إشهاد، وما يكون من أداء أو إمهال، وأرشد إلى التجارة، ونهى عن أكل الأموال بالباطل.
وتناول نظام الأسرة في النكاح، والعشرة في الحياة الزوجية، والطلاق والميراث والوصية.
وتناول مشروعية القتال، وفرضية الجهاد، وما يتبع ذلك من عهود، أو فيء، أو غنيمة، أو أسر.
وتناول العقوبات على الجرائم الكبرى، صيانة للحقوق الإنسانية العامة التي جاءت بها الملل جميعا. وهي الكليات الخمس: حفظ الدين، والنفس، والمال، والنسل، والعقل. فيما فرض من قصاص أو حد.
وتناول شئون القضاء والحكم بالعدل بين الناس، وتحكيم كتاب الله تعالى:
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ١.
وخلاصة ذلك أن التشريع في المدينة أقام معالم حياة الأمة الإسلامية في جوانبها المختلفة، وحدد روابطها الاجتماعية وسلطانها السياسي، فكان الإسلام عقيدة وشريعة، ونظامًا متكاملًا للحياة، وكان محمد ﷺ مؤسسا لدولته، فأكمل الله بهذا الدين، وأتم النعمة.
стр. 46
ارتباط التشريع المدني بالتشريع المكي:
لا يستطيع الإنسان أن يفصل بين التشريع المكي والتشريع المدني؛ فإن المدني يعتبر امتدادا للمكي حيث بني التشريع في المدينة على قواعد التوحيد وأصول الدين التي نزل بها الوحي في مكة. قال الشاطبي:
"المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض، على حسب ترتيبه في التنزيل، وإلا لم يصح، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه، دل على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون ببيان مجمل أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله. وأول شاهد على هذا أصل الشريعة؛ فإنها جاءت متممة لمكارم الأخلاق ومصلحة لما أفسد قبلُ من ملة إبراهيم ﵇.
ويليه تنزيل سورة الأنعام؛ فإنها نزلت مبينة لقواعد العقائد وأصول الدين، وقد خرج العلماء منها قواعد التوحيد التي صنف فيها المتكلمون، من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة. هكذا قالوا.
وإذا نظرت بالنظر المسوق في هذا الكتاب تبين به من قرب بيان القواعد الشرعية المكية التي إذا انخرم منها كل واحد، انخرم نظام الشريعة، أو نقص منها أصل كلي.
ثم لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة كان أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام؛ فإنها بنيت على أقسام أفعال المكلفين جملتها، وإن تبين في غيرها تفاصيل لها.
كالعبادات التي هي قواعد الإسلام.
والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما.
стр. 47
والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها.
والجنايات من أحكام الدماء وما يليها. وأيضا فإن حفظ الدين فيها، وحفظ النفس والعقل والنسل والمال مضمن فيها، وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل، فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها، كما أن غير الأنعام من المكي المتأخر عنها مبني عليها، وإذا تنزلت إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتها كذلك حذو القذة بالقذة" أهـ.
стр. 48
مميزات المكي والمدني:
الذي يقرأ القرآن الكريم يجد للآيات المكية خصائص، ليست للآيات المدنية في وقعها ومعانيها، وإن كانت الثانية امتداداً للأولى في الأحكام والتشريع، فحيث كان القوم في جاهلية تعمى وتصم، يعبدون الأوثان ويشركون بالله، وينكرون الوحي، ويكذبون بيوم الدين.
﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُون﴾ ١
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْر﴾ ٢
وهم ألداء في الخصومة، أهل ممارات ولجاجات في القول. عن فصاحة وبيان، حيث كان القول. كذلك نزل الوحي المكي قوارع زاجرة، وشهبا منذرة، وحججا قاطعة، يحطم وثنيتهم في العقيدة، ويدعوهم إلى توحيد الألوهية والربوبية، ويهتك أستار فسادهم، ويقيم دلائل النبوة، ويضرب الأمثلة للحياة الآخرة، وما فيها من جنة ونار، ويتحداهم على فصاحتهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، ويسوق إليهم قصص المكذبين الغابرين عبرة وذكرى، فتجد في مكي القرآن ألفاظا شديدة القرع على المسامع، تقذف حروفها بشرر الوعيد، وألسنة العذاب، فكلا الرادعة الزاجرة، والصاخة والقارعة، والغاشية والواقعة، وحروف الهجاء من فواتح السور، وآيات التحدي في ثناياها، ومصير الأمم السابقة.
стр. 49
﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١. وإقامة الأدلة الكونية، والمجادلة العقلية، كل هذا نجده من خصائص القرآن المكي.
وحين تكونت الجماعة المؤمنة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وامتحنت في عقيدتها بأذى المشركين، فصبرت وهاجرت بدينها، مؤثرة ما عند الله على متع الحياة، حين تكونت هذه الجماعة المؤمنة نرى الآيات المدنية طويلة المقاطع، تتناول أحكام الإسلام وحدوده، وتدعو إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وتفصل أصول التشريع، وتضع قواعد المجتمع، وتحدد روابط الأسرة، وصلات الأفراد وعلاقة الأمم، كما تفضح المنافقين وتكشف عن دخيلتهم، وهذا هو الطابع العام للقرآن المدني:
وأقرب ما قيل في تعداد السور المكية والمدنية إلى الصحة: أن المدني باتفاق عشرون سورة:
١- البقرة.
٢ آل عمران.
٣ النساء.
٤ المائدة.
٥- الأنفال.
٦- التوبة.
٧- النور.
٨- الأحزاب.
٩- محمد.
١٠- الفتح.
١١- الحجرات.
١٢- الحديد.
١٣- المجادلة.
١٤- الحشر.
١٥- الممتحنة.
١٦- الجمعة.
١٧- المنافقون.
١٨- الطلاق.
١٩- التحريم.
٢٠- النصر.
وأن المختلف فيها اثنتا عشرة سورة:
١- الفاتحة
٢- الرعد.
٣- الرحمن.
٤- الصف.
٥- التغابن.
٦- التطفيف.
٧- القدر.
٨- لم يكن.
٩- إذا زلزلت.
١٠- الإخلاص.
١١، ١٢- المعوذتان.
стр. 50
وأن ما سوى ذلك مكي باتفاق، وهو اثنتان وثمانون سورة، فيكون مجموع القرآن مائة وأربع عشرة سورة.
ولا يقصد بوصف السورة بأنها مكية أو مدنية أنها بأجمعها كذلك، فقد يكون في المكية بعض آيات مدنية، وفي المدنية بعض آيات مكية، ولكنه وصف بحسب أكثر آياتها.
ولذلك يأتي في التسمية: سورة كذا مكية إلا آية كذا فإنها مدنية، وسورة كذا مدنية إلا آية كذا فإنها مكية، كما نجد ذلك في المصاحف.
المكي والمدني:
للعلماء في المكي والمدني ثلاثة آراء اصطلاحية، كل رأي منها مبني على اعتبار خاص.
الأول: اعتبار زمن النزول، فالمكي ما نزل قبل الهجرة، وإن كان بغير مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، وإن كان بغير المدينة. فما نزل بعد الهجرة ولو بمكة أو عرفة أو غيرهما مدني، كالذي نزل عام الفتح أو بحجة الوداع، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ ١.
وهذا الرأي أولى من الرأيين بعده لحصره واطراده.
الثاني: اعتبار مكان النزول، فالمكي ما نزل بمكة وما جاورها، كمنى، وعرفات، والحديبية، والمدني، ما نزل بالمدينة وما جاورها، كأحد، وقباء، وسلع.
ويترتب على هذا الرأي عدم ثنائية القسمة وحصرها. فما نزل بالأسفار أو بتبوك، أو بيت المقدس، لا يدخل تحت القسمة، فلا يسمى مكيا ولا مدنيا، كما يترتب عليه كذلك أن ما نزل بمكة بعد الهجرة يكون مكيا.
стр. 51
الثالث: اعتبار المخاطب، فالمكي، ما كان خطابا لأهل مكة.
والمدني: ما كان خطابا لأهل المدينة.
ويبنى على هذا الرأي عند أصحابه أن ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ مكي.
وما فيه قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مدني.
وبالملاحظة يتبين أن هذا لا يطرد، وأن أكثر سور القرآن لم تفتتح بأحد الخطابين، والقرآن خطاب الله للخلق أجمعين، ويمكننا أن نحصر على وجه الإجمال مميزات كل من المكي والمدني فيما يأتي:
مميزات المكي:
١- الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده، وإثبات الرسالة والبعث والجزاء بآيات الله الكونية والرد على المشركين ومجادلتهم، وقطع دابر خصومهم بالبراهين العقلية، وذكر القيامة وهولها، والنار وعذابها، والجنة ونعيمها.
٢- وضع الأسس العامة للتشريع، والفضائل التي عليها يقوم المجتمع، وفضح جريمة المشركين في سفك الدماء وأكل أموال اليتامى ظلما، ووأد البنات، وما كانوا عليه من سوء العادات.
٣- ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجرا لهم حتى يعتبروا بمصير المكذبين قبلهم، وتسلية لرسول الله ﷺ حتى يصبر على أذاهم، ويطمئن إلى الانتصار عليهم.
٤- قصر الفواصل مع قوة الألفاظ، وإيجاز العبارة بما يصم الآذان، ويشتد قرعه على المسامع، ويصعق القلوب كقصار المفصل، إلا نادرًا.
٥- وصيغة الخطاب في المكي تكون عامة كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ . أما المدني فصيغة الخطاب فيه غالبًا للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
стр. 52
ولم يرد في المدني توجيه الخطاب إلى الناس إلا في سبع آيات:
اثنتان في البقرة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ٢.
وأربع في النساء أولها:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم﴾ ٣.
٢- ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ٤
٣- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُم﴾ ٥
٤- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُم﴾ ٦.
وواحدة في الحجرات ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ ٧.
٦- يكثر القسم في الآيات المكية، فقد جاء القسم فيها ثلاثين مرة، ولم يأت إلا مرة واحدة في المدينة في قوله تعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ ٨.
وقد تعرض العلماء إلى تحديد تاريخ نزول سور في حوادث خاصة قبل الهجرة. من ذلك.
١- سورة النجم: نزلت عند الهجرة إلى الحبشة "في السنة الخامسة" بعد البعثة.
٣- سورة طه: نزلت قبل إسلام عمر بن الخطاب الذي حصل "في السنة السادسة" قبل الهجرة.
стр. 53
٣- سورة الروم: نزلت عند حرب الروم والفرس، التي وقعت "في السنة السابعة" أو "الثامنة" بعد البعثة.
٤- سورة الجن: نزلت بعد ذهاب النبي ﷺ إلى الطائف، وكان بعد موت أبي طالب وخديجة في "السنة العاشرة" من البعثة تقريبا.
٥- سورة الإسراء: نزلت عند حادثة الإسراء والمعراج "في السنة العاشرة" من البعثة تقريبا كذلك.
ونستطيع أن تقسم السور المكية باعتبار موضوعاتها إلى الأقسام الآتية:
١- السور التي نزلت معارضة للمشركين، وردا على خصوم النبي ﷺ المعاندين، مثل سورة: الهمزة، والماعون، والتكاثر، والفيل، وتبت.
٢- السور التي تتضمن تسلية للرسول عما كان يناله من إيذاء الكفار له، مثل سورتي الضحى وألم نشرح.
٣- السور التي تصف أهوال يوم القيامة، وما يتبعها من حساب وجنة ونار، كسورة التكوير، وسورة الواقعة.
٤- السور التي جاءت في قصص الأنبياء في آيات قصيرة كسورة نوح، وسورة القمر.
مميزات المدني:
١- بيان العبادات والمعاملات والحدود والمواريث وفضيلة الجهاد، ونظام الأسرة وصلات المجتمع والدولة، وقواعد الحكم، ومسائل التشريع.
٢- مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ودعوتهم إلى الإسلام، وبيان تحريفهم لكتب الله، وتجنيهم على الحق، واختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم.
стр. 54
٣- الكشف عن سلوك المنافقين، وتحليل نفسيتهم، وإزاحة الستار عن خباياهم، وبيان خطرهم على الدين.
٤- طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر الشريعة، ويوضح أهدافها ومراميها. وهناك سور مدنية يمكن تحديد تاريخها على وجه التقريب:
أ- سورة البقرة فإن الجزء الأكبر منها نزل "في السنة الثانية" من الهجرة قبيل غزوة بدر، وتناولت تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وتشريع المحرمات من المآكل، وشريعة الصوم، وأحكام الحج، والتفريق بين الزوجين.
ب- سورة الأنفال: نزلت في غزوة بدر، عقب الانتهاء منها، وتناولت حوادث الغزوة، وتقسيم الغنائم وحكم الأسرى.
جـ- سورة النساء: نزلت "في السنة الرابعة" تقريبا، وتناولت تشريعات النكاح، واليتامى، والميراث.
د- سورة الأحزاب: نزلت بغزوة الأحزاب "في السنة الخامسة" من الهجرة، وتضمنت إبطال التبني، ووصف حال المؤمنين والمنافقين في الغزوة، وقصة زينب بيت جحش، وعلاقات النبي وأزواجه بالمؤمنين، وحجاب النساء.
هـ- سورة التوبة: نزلت بعد غزوة تبوك "في العام التاسع للهجرة" وأمر رسول الله ﷺ أن يؤذن بصدرها، بالحج، فأنهت العهود، وبينت حرمات الأشهر الحرم، وفضحت المنافقين، وتضمنت غزوة تبوك.
стр. 55
أسلوب القرآن في الطلب والتخيير ومنهجه في بيان الأحكام:
ينقسم الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة.
ذلك لأن الخطاب إما أن يكون طلبا أو تخييرا، والطلب إما أن يكون طلب فعل أو طلب كف عن فعل، فإذا اقتضى طلب فعله فإن كان اقتضاؤه على وجه الإلزام فهو الإيجاب، والمطلوب فعله هو الواجب. وإن كان اقتضاؤه ليس على وجه الإلزام فهو الندب، والمطلوب فعله هو المندوب، وإذا اقتضى طلب كف عن فعل فإن كان اقتضاؤه على وجه الإلزام فهو التحريم، والمطلوب الكف عن فعله هو المحرم. وإن كان اقتضاؤه على وجه الإلزام فهو التحريم، والمطلوب الكف عن فعله هو المحرم. وإن كان اقتضاؤه ليس على وجه الإلزام فهو الكراهة، والمطلوب الكف عن فعله هو المكروه، وإذا اقتضى تخيير المكلف بين فعل شيء وتركه فهو الإباحة، والفعل الذي خير بين فعله وتركه هو المباح، فالمطلوب فعله قسمان: الواجب والمندوب، والمطلوب الكف عن فعله قسمان: المحرم، والمكروه، والمخير بين فعله وتركه هو القسم الخامس وهو المباح.
وحيث كان طلب الفعل شاملا للواجب والمندوب فإن التمييز بينهما يكون بدلالة الطلب على الإلزام، أو عدم دلالته عليه. وتعرف الدلالة على الإلزام بدلالة صيغة الطلب نفسها، أو بقرائن أخرى، كترتيب العقوبة على تركه، أو ذكر الفعل مقرونا بوعد أو نحو ذلك.
وحيث كان طلب الكف عن الفعل شاملا للمحرم والمكروه، فإن التمميز بينهما يكون بدلالة طلب الكف على الإلزام، أو عدم دلالته عليه. وتعرف الدلالة على الإلزام بدلالة صيغة طلب الكف نفسها، أو بقرائن أخرى كترتيب العقوبة على الفعل، أو ذكر الفعل مقرونا بوعيد أو نحو ذلك.
ويتضح من هذا العرض الموجز أن صيغة الطلب فعلا أو تركا ليست محصورة
стр. 56
في صيغة الأمر، وصيغة النهي، فإن الصيغ متعددة ومنها ما هو موضع اتفاق، ومنها ما هو مختلف فيه ويستطيع الناظر في آيات القرآن الكريم، أن يخرج بجملة خواص لأسلوب القرآن في الطلب والتخيير، ومنهجه في بيان الأحكام.
وقد استخلص الشيخ الخضري في كتابه "تاريخ التشريع الإسلامي" أساليب القرآن في طلب الفعل إيجابا أو ندبا، وأساليبه في طلب الكف تحريما أو كراهة. وأساليبه في التخيير، وآثرنا ذكرها بنصها مع إضافات يسيرة.
أولا- أساليب القرآن في طلب الفعل:
١- صريح الأمر كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ١.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ٢.
٢- الإخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ٣.
وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ ٤.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام﴾ ٥.
وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ٦.
٣- الإخبار بأن الفعل على الناس عامة أو على طائفة منهم خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٧.
وقوله ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٨.
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك﴾ ٩.
стр. 57
٤- الإخبار بأن الفعل حق لطائفة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين﴾ ١.
٥- الوصية بالفعل، كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ ٢.
٦- حمل الفعل المطلوب على المطلوب منه، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٤.
٧- أن يطلب الفعل بالصيغة الطلبية وهي فعل الأمر أو المضارع المقرون باللام أو المصدر المؤكد لعامله كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ٥.
وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ٦.
وقوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَاب﴾ ٧.
٨- التعبير بفرضه، كقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ٨.
٩- ذكر الفعل جزاء لشرط في بعض المواضع كقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ٩
وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ
رابعا- منهج القرآن في بيان الأحكام:
١- بعض آيات الأحكام قد جاء بصيغة قاطعة، ولا مجال للاجتهاد فيها، كآيات وجوب الصلاة والزكاة، والصوم، وكآيات المواريث التي حددت أنصبة الوارثين، وكآيات حرمة الزنا، والقذف، وأكل أموال الناس بالباطل، والقتل بغير حق، وما إلى ذلك مما اشتهر عند المسلمين، وأخذ حكم المعلوم بالضرورة.
وبعض آيات الأحكام لا يتعين المراد منها، فكانت مجالا للبحث والاجتهاد، كتحديد المسح بالرأس في الوضوء، ووجوب النفقة للمطلقة طلاقا بائنا.
والفرق بين النوعين أن الأول بمنزلة العقائدن وهو واجب الاتباع عينا على كل إنسان، فمن أنكره يكون خارجا عن الملة، بخلاف الثاني، فإن من أنكر فيه فهما معينا تحتمله الآية كما تحتمل غيره، لا يكون كذلك، وكل مجتهد يتبع فيه ما ترجح عنده.
ومن هذا النوع الثاني تعددت المذاهب الإسلامية، واختلفت آراء الفقهاء، فوصلت إلى السبعة أو الثمانية في المسألة الواحدة، ولا يمكن أن يقال: إن الكل دين يجب اتباعه، لأنها آراء متناقضة، ولا آن الدين واحد معين منها، لأنه لا أولوية لبعضها على بعض، إلا إذا وجد مرجح، ولا أن الدين واحد منها لا بعينه، لأنه شائع لا يعرف على التحديد، وإنما الذي يقال في هذا وأمثاله، إنها آراء وأفهام، للحاكم أن يختار منها في العمل أيها شاء، تبعا لما يراه من المصلحة، ولعل هذا هو السر في سعة الفقه الإسلامي واستطاعته حل المشاكل الاجتماعية، مهما امتد الزمن بالحياة، وكثرة صور الحوادث، وتقدمت الحضارات.
٢- وبيان القرآن لتلك الأحكام لم يكن على سنة البيان المعروف في القوانين الوضعية، بأن يذكر الأوامر والنواهي جافة مجردة عن معاني الترغيب والترهيب وإنما يسوقها محتفة بأنواع من المعاني التي من شأنها أن تخلق في نفوس المخاطبين بها الهيبة والمراقبة، والإرتياح والشعور بالفائدة العاجلة والآجلة، فيدعوهم كل هذا إلى المسارعة إليها، وامتثال الأمر فيها نظرا إلى واجب الإيمان، وبداعية الخوف من عقاب الله وغضبه، والطمع في ثوابه ورضاه، وهذا هو الوازع الديني الذي تمتاز بغرسه في النفوس الشرائع السماوية، وهو بلا شك أكبر عون للوازع الزمني، للسلطة التنفيذية في الحصول على مهمته، لإصلاح الأمة واستقامتها على
стр. 64
أمر الله، وتستطيع أن تدرك هذا المعنى بالنظر في آيات التشريع.
٣- لم ينهج القرآن في ذكره لآيات الأحكام منهج الكتب المؤلفة، التي تذكر الأحكام المتعلقة بشيء واحد في مكان واحد، ثم لا تعود إليه إلا بقدر ما تدعو إليه المناسبة، وإنما جاءت آيات الأحكام مفرقة في مواضع مختلفة، فقد يأتي ما يتعلق بالطلاق والرضاع وأحكامهما، وما يتعلق بالخمر وحرمتها بين ما يتعلق بالقتال وشئون البيتامي، كما في آيات سورة البقرة التي تناولت آيات الصلاة والصيام والحج، وآيات القتال والردة، وآيات نكاح المشركات، والأيمان، وآيات القصاص والوصية، وآيات الطلاق وما يتبعه.
ولكنك ترى أحكام الحج التي ذكر بعضها في سورة البقرة، جاء ذكر بعضها الآخر في سورة الحج.
وترى أحكام الطلاق والزواج والرجعة التي ذكر بعضها في سورة البقرة قد ذكر بعضها في سورة النساء، وبعضها في سورة الطلاق.
وهكذا نجد القرآن في ذكره لآيات الأحكام وكأنه في ذلك أشبه شيء ببستان تنوعت ثماره وأزهاره، وازدانت بها جميع نواحيه، حتى يقتطف الإنسان منها أنى وجد فيه ما ينفعه وما يشتهى من ألوانه مختلفة وأزهار متباينة، وثمار متنوعة، يعاون بعضها بعضا في الروح العام الذي يقصد في التشريع وهذه الروح هي: التغذية بالنافع، والهداية إلى الخير.
ولهذا النهج القرآن في بيان الاحكام إيحاء خاص، وهو أن جميع ما في القرآن وإن اختلفت أماكنه، وتعددت سوره وأحكامه فهو وحدة عامة، لا يصح تفريقه في العمل، ولا الأخذ ببعض دون بعض: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ١.
٤- جاءت أكثر أحكام القرآن مجملة، تشير إلى مقاصد التشريع وقواعده الكلية، وتدع للمجتهدين مجال الفهم والإستنباط على ضوء هذه القواعد وتلك المقاصد، وإنما جاء التفصيل في الأحكام التي لا بد من تفصيلها، سموا بها عن مواطن الجدل، كما في العقائد والعبادات، أو لابتنائها على أسباب لا تختلف
стр. 65
باختلاف الأزمنة والأمكنة، كالمواريث ومحرمات النكاح، وعقوبات بعض الجرائم، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
وهذا النهج من ضرورة خلود الشريعة ودوامها، فليس من المعقول أن تعرض شريعة جاءت على أساس من الخلود والبقاء والعموم لتفصيل أحكام الجزئيات التي تقع في حاضرها ومستقبلها، فإنها مع كثرتها الناشئة من كثرة التعامل وألوانه، متجددة بتجدد الزمن وصور الحياة، فلا مناص إذن من هذا الإجمال والاكتفاء بالقواعد العامة، والمقاصد التى تنشدهم للعالم.
وبإزاء هذا حثت الشريعة على الاجتهاد واستنباط الأحكام الجزئية التي تعرض حوادثها من قواعدها الكلية ومقاصدها العامة.
وقد جعل القرآن لأهل الذكر والاستنباط منزلة سامية، وأمر الناس بالرجوع إليهم فيما يحتاجون إليه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ١
وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ٢.
وقال: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وبهذه الآيات ونحوها حث القرآن على الاجتهاد في تعرف الأحكام وسؤال أهل العلم والمعرفة.
وقد مهد النبي ﷺ ، وأصحابه من بعده طريق الاستنباط لمن جاء بعدهم من أئمة المسلمين وعلمائهم، وبذلك اتضح مقدار سعدة الشريعة الإسلامية. وتناولها لكل ما يجد في الحياة.
وإنها بحق: صالحة لتنظيم جميع الشئون: اجتماعية، أو فردية إلى يوم الدين. هذا، ولم يتفق العلماء الباحثون في القرآن على عدد آيات الأحكام، نظرا لاختلاف الأفهام، وتفاوت جهات الدلالة.
стр. 66
ثانيا: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي
السنة لغة:
هي الطريقة والسيرة، سواء أكانت محمودة أم مذمومة، وقد ورد استعمالها في القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي بهذا المعنى.
ففي القرآن يقول تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١.
ويقول: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ ٢
ويقول: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ٣.
وفي الحديث يقول ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن"؟ ٤.
ويقول: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا" ٥
والسنة عند الفقهاء: ما ثبت عن النبي ﷺ من غير وجوب، فهي أحد الأحكام التكليفية الخمسة، الواجب، والحرام، والسنة، والمكروه، والمباح، وقد يستعملونها في مقابل البدعة، فيقولون: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا.
стр. 67
والسنة عند الأصوليين، ما صدرعن النبي ﷺ غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.
والسنة عند المحدثين: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل، أو تقرير، أو صفة، أو سيرة، وهي بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي عند أكثرهم.
فالقول: كقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى....." ١
وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" ٢.
وقوله: "لا ضرار ولا ضرار" ٢.
وقوله في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ٣.
والفعل: كأفعاله ﷺ التي نقلت إلينا. مثل وضوئه وكيفية صلاته، وأدائه مناسك الحج، وقضائه باليمين والشاهد، ونحو ذلك.
والتقرير: هو ما أقره الرسول ﷺ مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال بسكوته وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسانه، ومن أمثلة ذلك.
ما روى عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر، ثم آتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك" وقال للذي توضأ وأعاد: "ذلك الأجر مرتين" ٤.
стр. 68
وما ورد عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ . قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله؟.
قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" ١.
وأما الصفة والسيرة: فقد روى من صفات رسول الله ﷺ وشمائله الكثير، وألف الترمذي كتابا في الشمائل.
وقد اعتنت الأمة الإسلامية بالسنة عناية فائقة، فحفظوها وكتبوها ورواها كل عن الآخر، حتى جاء بعضها متواترا باللفظ والمعنى، أو بالمعنى فقط متصلا ذلك برسول الله ﷺ ، وهذا من خصائص أمتنا نحن المسلمين.
قال ابن حزم: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال خص به المسلمون دون سائر الملل.
стр. 69
حجية السنة:
اتفق المسلمون على أن ما صدر عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير في شأن من شئون التشريع، أو شئون الرئاسة والقضاء، ونقل إلينا بسند صحيح، يكون حجة على المسلمين، ومصدرا تشريعيا يستنبط منه المجتهدون الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين. فالسنة النبوية هي الأصل الثاني من أصول الأدلة الشرعية، ومنزلتها تلى منزلة القرآن، ويجب إتباعها كما يجب إتباع القرآن.
стр. 70
وقد دل على حجيتها أمور كثيرة منها:
١- نصوص القرآن الكريم: فقد أمر الله تعالى باتباع رسوله وطاعته فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١ و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٢.
وحذرنا من مخالفته فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ ٣.
ولم يجعل لنا الخيرة أمام حكمه فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٤.
وجعل ذلك من أصول الإيمان فقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٥.
وفرض على المؤمنين طاعته لأنها من طاعة الله فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ ٦.
فهذه النصوص تدل دلالة قاطعة على أن الله أوجب اتباع رسوله فيما شرعه وأن السنة مصدر تشريعي لأحكام المكلفين.
٢- عمل الصحابة: فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم في حياة رسول الله ﷺ يمتثلون أوامره ونواهيه، ولا يفرقون بين حكم أوحى الله به في القرآن وحكم صدر من رسول الله صلى الله عليه. فقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٧.
стр. 71
وكذلك كان شأنهم بعد وفاته ﷺ ، يرجعون إلى كتاب الله تعالى يلتمسون الحكم فيه، فإن لم يجدوا في كتاب الله، رجعوا إلى سنة الله رسول الله ﷺ .
٣- توقف القيام بفرائض الله المجملة على بيان رسول لله: فقد ورد في القرآن الكريم نصوص مجملة كثيرة، فرض الله فيها على الناس فرائضه. ولم يبين القرآن كيفية أدائها، كفرائض الصلاة والزكاة والصيام والحج: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام﴾ ٢.
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٣ وبين رسول الله ﷺ هذا الإجمال بسنته القولية والعملية، حيث قال تعالى فيه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٤ فلو لم تكن هذه السنن البيانية حجة على المسلمين واجبة الاتباع، ما أمكن تنفيذ أوامر القرآن وفرائضه ولا أتباع أحكامه.
وبهذا يثبت أن ما صح من سنة رسول الله ﷺ التشريعية يكون حجة واجبة الاتباع وإذا كان وجوب اتباع رسول الله ﷺ باعتباره رسولا، فإنه يجب اتباعه في جميع الأحكام التي صحت عنه، سواء أكانت مبينة حكمة في القرآن أم منشئة حكما سكت عنه القرآن، لأنها كلها مصدرها المعصوم الذي منحه الله سلطة التبيين والتشريع٥.
وبذلك تثبت حجية السنة.
стр. 72
نسبة السنة إلى القرآن من حيث ما ورد فيها من الأحكام:
الأحكام التي وردت في السنة. إما أحكام مقررة لأحكام القرآن أو أحكام مبينة لها أو أحكام سكت عنها القرآن، ولا تعدو السنة أن تكون واحدا من هذه الامور الثلاثة.
وقد بين الإمام الشافعي هذا في "الرسالة" وقسم الأحكام إلى أقسام:
١- ما أبامه الله لخلقه نصا، كجمل فرائضه من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم الزنا والخمر والسرقة، وأكل الميتة ولحم الخنزير، وسائر أصول الحلال والحرام.
٢- وما جاء حكمه في القرآن مجملا، وبينه الرسول ﷺ بسنته القولية والعملية، كتفصيل مواقيت الصلاة، وعدد ركعاتها، وكيفية أدائها، وبيان مقادير الزكاة وأوقاتها، والأموال التي تزكي. وبيان أحكام الصوم، ومناسك الحج، والذبائح والصيد، وما يؤكل وما لا يؤكل، وتفاصيل الأنكحة، والبيوع والجنايات، مما وقع مجملا في القرآن، وهو الذي يدخل في الآية الكريمة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١.
٣- وما سنه رسول الله ﷺ مما ليس فيه نص الحكم بالقرآن، حيث فرض الله في كتابه طاعة رسوله والانتهاء إلى حكمه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٢ فمن قبل هذه السنة امتثل أمر أمر الله.
وتعرض ابن القيم في بيان وجوب اتباع السنة، ولو كانت زائدة على ما في القرآن، إلى مثل هذا التقسيم مستشهدا بالأمثلة فقال:
والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:
стр. 73
أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها.
وهذا يعنى أن الحكم يكون له دليلان، دليل من القرآن، ودليل من السنة، ومن ذلك الأمر بإقامة الصلاة، وإبتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك من المأمورات والمهيات التي دل عليها القرآن والسنة معا.
والثاني: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له.
ومن هذا القسم السنن التي فصلت إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والسنن التي بينت صحيح البيع وفاسده، وأنواع الربا المحرم، وسائر السنن التي بينت مجمل القرآن ومطلقه وعامه.
والثالث: أن تكون موجبة لما يسكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه، أي أن تنشيء حكما لا يدل عليه نص في القرآن.
ومن أمثلة ذلك: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وتحريم لبس الحرير والتختم بالذهب على الرجال.
ولا تخرج السنة عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما.
فما كان منها زائدة على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديما لها على كتاب الله، ولكنه امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله، ولو كان رسول الله ﷺ لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به.
فكيف يمكن لأحد من أهل العلم ألا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله، فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب.
стр. 74
ومما لا شك فيه أن الاستقراء يدل على أن السنة جاءت بأحكام لا تحضى كثرة لم ينص عليها القرآن، كتحريم الحمر الأهلية، وألا يقتل مسلم بكافر، وأنواع المعاوضات المالية المحرمة، فلا مناص من الاعتراف بأحكام في الشريعة لم تثبت إلا في السنة وحدها.
فأنت ترى بعد ذلك أن سنة رسول الله ﷺ ثروة خصبة في بيان مجمل القرآن، وتخصيص عامة، وتقييد مطلقه، وتشريع أحكام لم يأت لها نص في القرآن، وهي مادة غزيرة تغذى الفقه الإسلامي، وتنمى أحكام الشريعة ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل، لأن الله افترض طاعة رسوله، ولا يحل لمسلم علم ما في الكتاب وما في السنة أن يقوم بخلاف واحد منها.
стр. 75
المتوافر والآحاد:
ينقسم الحديث من حيث السند إلى قسمين رئيسيين: المتواتر والآحاد .
١- المتواتر هو ما رواه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، من أول السند إلى منتهاه، واستندوا إلى أمر محسوس.
ولا حد لهذه الكثرة في الرواية، والمعتبر في ذلك أن يكون عدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند كافيا في الثقة بهم، والاطمئنان إلى صدقهم واستحالة إمكان إتفاقهم على الكذب فيما رووه، مع استنادهم في الرواية إلى أمر محسوس كالسماع والمشاهدة.
والمتواتر يفيد العلم الضروري، فلا يكاد المرء يعرف الرواية المتواترة بشروطها، حتى يجد في نفسه اليقين بصحتها وصدق ما تضمنته، ولذلك يجب العمل بالحديث المتواتر من غير بحث عن رجاله، ولا يعتبر فيه عدد معين في القول الأصح.
والمتواتر منه ما هو متوتر لفظا، ومنه ما هو متواتر معنى.