وفي هذا النص ما يدل على الخلط بين الرمز الكتابي والصوت. فمن المؤكد أن الذي حذف إنما هي الواو أو الياء بوصفهما رمزا كتابيا لا بوصفهما صوتا.
أما الواو والياء بهذا الوصف الأخير فقد لحقهما التقصير، فصارتا ضمة "u" وكسرة "i" بعد أن كانتا واوا "uu" وياء "ii"بسبب امتناع التركيب المقطعي المشار إليه سابقا في هذا السياق١. ومعنى هذا أن الضمة والكسرة اللتين نصوا على أنهما تدلان على الواو والياء "المحذوفتين" ليستا أجنبيتين عن الواو والياء، أو ليستا غير متصلتين بهما، وإنما هو في حقيقة الأمر بعضهما، على ما نص عليه ابن جني وغيره من الواعين لهذه الظاهرة. وقد قام هذا البعض مقام الكل بسبب صوتي وظيفي phonological يتسق مع النظام المقطعي للغة العربية.
ومن أمثلة الخلط بين السكون بمعناه العام "وهو عدم الحركة" وبين حروف المد قولهم: إن "ذو" الطائية مبنية "على سكون الواو عند بعض طيئ".
والحقيقة -من وجهة النظر الصوتية- هي أن هذه الكلمة تلزم الواو أو الضمة الطويلة في جميع الحالات. وليست هذه الواو ساكنة إلا إذا فسر السكون بالخلو من علامة الحركات القصار، على ما يفهم من كلامهم وهو وهم آخر، كما ألمعنا إلى ذلك فيما سبق.
على أن هذا الذي نراه من وجوب القول بلزوم "ذو" الواو أو الضمة الطويلة، لا القول بأنها مبنية على سكون الواو يتمشى مع ما قرروه هم
стр. 142
أنفسهم بالنسبة لهذه الصيغة، عندما رووا رأيا ثانيا ينص على أن بعضا آخر من طيئ "يعربها بالحروف حملا على ذي بمعنى صاحب"١. فهذا القول يعني أنها تعرب بالواو في حالة الرفع، وهذه الواو -كما هو واضح- ليست إلا مدة أو ضمة طويلة "uu" ولا أثر للسكون فيها على رأيهم أو رأي غيرهم على سواء. وإذا صح هذا بالنسبة لهذه الحالة، لزم كذلك القول بأن "ذو" تلزم الواو في حالة البناء، وأنها ليست مبنية على السكون إذ لا فرق بين الحالتين "حالة الرفع على القول بإعرابها وحالة البناء مطلقا" من ناحية النطق، فهي تنطق "thuu" فيهما. وإذا كان هناك من فرق بين الحالتين فإنما يتمثل ذلك فقط في اختلاف وجهات نظر اللغويين إلى هذه الصيغة، حيث يرى بعضهم بناءها ويقرر آخرون إعرابها. ولكن اختلاف الرأي في هذا الحكم لا يصلح مسوغا بحال من الأحوال لتغيير الحقيقة الصوتية المنطوقة بالفعل، تلك الحقيقة هي أن "ذو" تنطق بمدة واوية أو ضمة طويلة "uu" وأنها خالية مما سموه سكونا سواء أحكمت عليها بالرفع "في حالة الإعراب" أم اخترت بناءها في كل الحالات.
وهناك من التصريحات ما هو أدخل مما تقدم في الخلط بين السكون وطبيعة أصوات "المد" "الحركات الطويلة المسماة الألف والياء والواو" وما يتضمن في الوقت نفسه خلطا بين الرموز الكتابية والأصوات.
ويتضح هذا بصفة خاصة في تلك العبارات المشهورة من نحو قولهم: "أحرف المد المسبوقة بحركة تجانسها" أو قولهم: "أحرف المد هي الألف والياء والواو الساكنة إذا سبقت بحركة من جنسها"، أي: أن تكون هناك فتحة قبل الألف وكسرة قبل الياء وضمة قبل الواو. ومن هذا القبيل تصريح
стр. 143
حفني ناصف بأن من صفات الأصوات "المد ويختص بالأحرف "وي ا" الساكنة المسبوقة بحركة مجانسة"١.
فهذه الأحرف في نظرهم مدات وهي في الوقت نفسه ساكنة، وهذه المدات كذلك مسبوقة بحركات مجانسة. حكمان لا صحة لأحدهما، ويدلان على اضطراب في فهم حقائق الأشياء. فكونهما مدات يعني بداهة كونها حركات طويلة "uu-ii-aa" وذلك يبطل كونها ساكنة، إذ السكون عدم الحركة. وعلى هذا لا يمكن فهم كلامهم هنا إلا على تفسير السكون بأنه خلو من علامة الحركات القصار. ولكن الخلو من هذه العلامة "وهي رمز كتابي لا صوت" لا يعني عدم الحركة في النطق دائما، فقد يتحقق هذا العدم في نحو لم يضرب، وربما لا يتحقق كما في نحو غزا، ويرمي، ويدعو، حيث تنتهي هذه الكلمات بحركات طويلة، هي أصوات المد التي نعتوها بالسكون خطأ بسبب خلوها من علامات الحركات القصار.
أما أن هذه المدات مسبوقة بحركات تجانسها فهو وهم آخر لا أساس له من الصحة؛ إذ ليست هناك حركات سابقة أو لاحقة، وإنما المدات نفسها هي الحركات وهي حركات طويلة ويرمز إليها في الكتابة بالرموز المعروفة "اوي = aa: قال، uu: يدعو، ii: أرمي". وقد ساقهم إلى هذا الاضطراب عدم قدرتهم على التمييز بين الرمز والصوت أو المكتوب والمنطوق.
فالواو مثلا بوصفها رمزا في نحو: أدعو، يمكن تسميتها "ساكنة" بمعنى أنها خالية من علامات الحركات القصيرة، ولكنها بوصفها صوتا حركة طويلة. ويبدو أن علماء العربية قد اعتمدوا على الاعتبار الأول دون الثاني، ومن ثم كان حكمهم عليها بالسكون وأنها مسبوقة بحركة تجانسها هي الضمة، مخدوعين في ذلك بالرسم الكتابي. وقد زاد في هذا الخداع ما عمد
стр. 144
إليه بعضهم من وضع علامة لما ظنوه حركة قصيرة تسبق حروف المد، فوضعوا فتحة قبل الألف في "قال" وكسرة قبل الياء في "أرمي" وضمة قبل الواو في "أدعو".
وهذا -في رأينا- سلوك خاطئ تماما من وجهة النظر الصوتية، إذ الحروف هنا ليست ساكنة ولا مسبوقة بحركة، إنها نفسها هي الحركات "وهي طويلة" وقد أشير إليها كتابة بالألف والياء والواو. ومعنى هذا أننا لسنا في حاجة إلى وضع علامات الحركات القصار قبل هذه الحروف، أو ليس هناك من الأصوات ما تمثله أو تشير إليه. وانتفاء الأصوات يقتضي -ضرورة- انتفاء الرموز، إذ الرموز تابعة للأصوات لا العكس.
ومن هذا الضرب كذلك ما جاء في كلام بعضهم من حكمهم على الألف بأنها حركة وأنها ساكنة في الوقت نفسه. وهو في حقيقة الأمر تناقض صريح أوقعهم فيه الخلط بين السكون وبين القيم الصوتية لأحرف المد.
يرى صاحب المراح أن الفعل الماضي إنما بني على الفتح، لأن الفتح "أخو السكون ولأن الفتحة جزء الألف، والألف أخو السكون". ثم يعلق عليه شارحه بقوله: "يعني أن بين الفتح والسكون مناسبة، وبين الألف والسكون مناسبة أيضا، لأن الألف ملزوم السكون لأنه ساكن أبدا، فيكون بين الفتح والسكون مناسبة، وحيث تعذر السكون صير إلى ما يناسبه من الحركات عملا بالأصل بقدر الإمكان"١. فالألف في نظرهم حركة طويلة لأنه "مركب من فتحتين" وهو قول صحيح مقبول، ولكنه كذلك ساكن عندهم، وهو وهم واضح، والجمع بين هاتين الصفتين أمر ترفضه طبائع الأشياء.
ولقائل أن يقول: لعل علماء العربية أطلقوا المصطلح "ساكن" على الواو والياء والألف في نحو: أدعو وأرمي وقال، للتفريق بينها وبين الواو والياء
стр. 145
والألف في مثل وعد، يعد، وأعد١؛ حيث جاءت متحركة أي: متلوة بحركة في هذه الأمثلة الأخيرة.
ورأينا أن هذا الاحتمال -على فرض صحته- يشير إلى أن هؤلاء القوم يدركون بصورة ما طبيعة الفروق بين حالتي هذه الحروف. ولكن هذا الاصطلاح الذي أطلقوه على هذه الحروف في الأمثلة الأولى ما زال يخالف الواقع اللغوي، فهي في هذه الأمثلة حركات طويلة أو مدات، وليست بساكنة ولا يصح تسميتها كذلك إلا على احتمال واحد هو: تفسير السكون بالخلو من علامات الحركات القصار. وهذا التفسير مرفوض من وجهة النظر العلمية، بسببين اثنين:
أولهما: أن في هذا النهج اعتمادا على الرموز لا الأصوات الفعلية في تقعيد القواعد، وهو ما لم يأخذ به أحد، لأن الرموز في عمومها وسائل كتابية ناقصة لا تفي بحاجة النطق في كثير من الأحيان.
ثانيهما: أن الاعتماد على الرموز دون الأصوات الحقيقية كثيرا ما يؤدي إلى الخلط والاضطراب، كما رأينا في تلك الأمثلة، التي أوردناها سابقا، للتدليل على وقوع علماء العربية في أخطاء صوتية وصرفية بهذا السبب نفسه.
стр. 146
المجموعة الثالثة:
تضم هذه المجموعة عددا من الأقوال التي تدل على فهم واع لطبيعة السكون وقيمته الصوتية، والتي تنبئ عن إدراك لحقيقته من ناحية النطق.
ترى هذه الأقوال في مجموعها أن السكون لا ينطق، وأنه ليس بحركة وإنما هو "عدم الحركة". ويمثل هذا الاتجاه نفر قليل من اللغويين المتأخرين الذين نقرأ في عباراتهم ما ينص صراحة على هذا المعنى الذي ذكرناه. من هؤلاء مثلا: الأشموني، وصاحب التصريح، وغيرهما ممن يقررون -في أكثر من مناسبة- أن "السكون عدم الحركة"١ بل إن هناك في كلام بعضهم ما يشعر بأنهم يدركون أعماق الموضوع، فلا يكتفون بالنص على أن السكون عدم الحركة، وإنما يعترضون كذلك على أولئك الذين يعاملون السكون معاملة الحركات من ناحية النطق والتلفظ. فلقد روينا سابقا عن الشيخ يس ما نقله عن الدونشري في قوله: "جعلهم السكون وهو عدم الحركة والحذف وهو إسقاط حرف أو حركة لفظيا تسمح"٢.
ويبدو أن السكون -من وجهة النظر الصوتية- لم يمثل مشكلة في نظر المتقدمين من اللغويين. فلم يرو عنهم -فيما نعلم- أي شيء يناقض قيمته الصوتية أو حقيقته من حيث النطق بالمفهوم الذي نرتضيه اليوم.
وهناك في آثارهم ما يؤكد أن هؤلاء المتقدمين كانوا يدركون هذه القيمة وتلك الحقيقة إدراكا صحيحا. فنرى أبا الأسود مثلا في تلك القصة المشهورة التي تعد -في نظرنا- أول محاولة في العربية لتحديد نوع من القيمة الصوتية للحركات، نراه يهمل السكون إهمالا تاما ولا يشير إليه ألبتة ويكتفي بوصف خاصة من أهم خواص الحركات، وهي تلك التي تتعلق بشكل
стр. 147
الشفاه حال النطق بها. فقد روي عنه أنه كان يقول للكاتب الذي اختاره لتشكيل القرآن: "إذا رأيتني فتحت شفتي بالحرف فانقط واحدة فوقه وإذا كسرتهما فانقط واحدة أسفله، وإذا ضممتها فاجعل النقطة بين يدي الحرف ... " ومن الثابت كذلك أنهم في تلك الفترة لم يكونوا يستخدمون أية علامة أو إشارة في الكتابة للدلالة على الحرف "الساكن"١.
وهذا ابن جني، عندما يبين العلاقة بين الحركات القصار والحركات الطوال، لا يعرض للسكون ولا يحاول ربطه بهذه الحركات، بل إن عبارته في هذا المقام تنفي صراحة احتمال كونه واحدًا منها حيث حصرها في ثلاث فقط. يقول: "اعلم أن الحركات أبعاض حروف المد واللين، وهي الألف والياء والواو. فكما أن هذه الحروف ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث، وهي الفتحة والكسرة والضمة"٢.
ويؤكد ابن جني هذا المعنى نفسه حين يعلل -بطريقته الفلسفية المعهودة- تسمية الحركات بهذا الاسم، حيث يأتي تعليله غير منطبق بحال على السكون أو على خاصته من ناحية النطق. وفي هذا التعليل جاء قوله: "وإنما سميت هذه الأصوات الناقصة حركات، لأنها تعلق الحرف الذي تقترن به وتجذبه نحو الحروف التي هي أبعاضها. فالفتحة تجذب الحرف نحو الألف والكسرة تجذبه نحو الياء والضمة تجذبه نحو الواو"٣.
رأي الأستاذ إبراهيم مصطفى:
ولأستاذنا إبراهيم مصطفى رأي في السكون يتفق في أساسه مع تلك الآراء التي أوجزناها في المجموعتين الأوليين من أقوال العرب في هذا
стр. 148
الموضوع. وتذهب هذه الآراء في عمومها إلى أن السكون شيء ينطق وأنه حركة، أو تعامله معاملة الحركات من حيث الخواص النطقية، وإن لم تطلق عليه المصطلح "حركة" بطريق التصريح. وهو بالإضافة إلى ذلك، حين يعرض وجهة نظره، يعرض من وقت إلى آخر لبعض المشكلات الصوتية ويذهب فيها مذاهب تدعو إلى النظر والمناقشة. لذلك آثرنا تخصيص جزء مستقل من هذا البحث لبيان حقيقة الأمر فيما اشتمل عليه كلام هذا الدارس الكبير.
ولم يكن السكون في حد ذاته هو النقطة الأساسية في دراسات إبراهيم مصطفى وإنما جره إليه موضوع آخر ألح عليه إلحاحا شديدا، فعكف عليه، وأولاه عناية فائقة وخصص له جزءا كبيرا من كتابه المشهور "إحياء النحو".
هذا الموضوع الآخر يتمثل في موقف الباحث من "الفتح" أو الحركة المسماة "بالفتحة" ووظيفتها في العربية. إن الفتحة عنده -بخلاف أختيها الكسرة والضمة- ليست "علامة إعراب ولا دالة على شيء، بل هي الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب التي يراد أن تنتهي بها الكلمة كلما أمكن ذلك. فهي بمثابة السكون في لغة العامة"١. ثم يتدرج من ذلك إلى إثبات أن الفتحة أخف في النطق من الكسرة والضمة كليهما، ولم يكتف بهذا القدر، بل إنه يحاول جاهدًا تأكيد خفة الفتحة "عن السكون" كذلك يقول:
"فخفة الفتحة في النطق وامتيازها في ذلك على أختيها الضمة والكسرة أمر جلي، يؤيده البرهان من كل وجه. والذي نحاول أن نقرره بعد، هو أن الفتحة أخف من السكون أيضا وأيسر نطقا. وخصوصا إذا كان ذلك في وسط اللفظ ودرج الكلام"٢.
стр. 149
يؤخذ من هذا النص أمران:
أولهما -وهو الموضوع الأساسي للباحث- أن الفتحة أخف من السكون في النطق.
وثانيهما -وهو ما يعنينا نحن- أن السكون شيء ينطق بالفعل، أي أنه -كالأصوات الحقيقية، حركات أو غير حركات- له تحقق صوتي Phonetic realization وأثر سمعي audible effect. وهذا الأمر الثاني واضح كل الوضوح من المقارنة بين الفتح والسكون، إذ هذه المقارنة تعد دليلا على الاعتراف باشتراكهما في الخاصة الأساسية للأصوات وهي النطقية.
وكون السكون شيئا ينطق أو كونه حركة يبدو أنه أمر بديهي ثابت لا يحتاج إلى تدليل أو تأييد في نظر هذا الباحث. إنما الذي يحتاج إلى ذلك هو ما ذهب إليه من أن الفتحة أخف من السكون نطقا. وإنه ليحاول جاهدا تأكيد ذلك بمختلف الشواهد المباشر منها وغير المباشر على سواء، ويعيب على النحاة أن اتجهوا في ذلك الأمر الاتجاه المضاد، فقرروا أن السكون هو الأخف من الفتح، لأنه -بعبارتهم- "أخف من الحركات جميعا". فقد يسمونه التخفيف، ويقولون: إن السكون عدم والحركة وجود. و"لا شيء" أضعف وأخف من "شيء"، مهما يكن ضعيفا. وذلك من سنتهم في الأخذ بالفلسفة النظرية وغلوهم فيها بما قد يلفتهم عن الواقع"١.
ونحن نرى أن في كلام النحاة ما يدل على ذكاء ووعي، وما يمكن أن يجعلهم أقرب منه إلى الواقع. فالسكون -في حقيقة الأمر- عدم أو "لا شيء" من الناحية النطقية. أما التعرض له من حيث الخفة أو الثقل فقد أوقعهم فيما يناقض كلامهم، إذ الخفة وعدمها أمران يرتبطان بالنطق،
стр. 150
و"العدم" "والسكون" شيء لا ينطق بداهة. على أنه -بشيء من التسمح- يمكن تفسير كلامهم بأن المقصود هو أن نطق الحرف خاليا من الحركة أخف منه متبوعا بها.
ومهما يكن من أمر فلم يأل الباحث جهدًا في تقديم ما وسعه من الأدلة لتأييد رأيه، وهو كون الفتح أخف من السكون في النطق ولسوف نعرض فيما يلي لأهم هذه الأدلة، لا لذاتها، وإنما لما اشتملت عليه من فكر تعنينا في هذا المقام. تتلخص تلك الفكر في أمرين مهمين:
الأول: ما تتضمنه من القول "بنطقية" السكون، وهو أمر مرفوض عندنا.
الثاني: تعرض الباحث لعدد من المسائل الصوتية ذات الصلة بموضوع المناقشة ووقوفه منها موقفا يدعو إلى المساءلة أو التوضيح، كما سبق أن ألمعنا بذلك وهذه الأدلة هي:
١- إن السكون أثقل من الفتح في النطق. لأننا إذا "عدنا إلى طبيعة السكون، وفحصناه حين النطق بالساكن، رأينا أن السكون يستلزم أن تضغط النَّفَس عند مخرج الحرف، محتفظا به، وفي هذا العمل كلفة تراها إذا نطقت بمثل: أبْ، أتْ، أثْ، وقسته إلى با، تا، ثا"١.
إنه هنا يرى أن السكون ثقيل في النطق، لأنه يستلزم وقف النفس أو ضغطه، كما في الأمثلة التي أوردها، على حين ألا سكون هناك نطقا، وإنما المنطوق -أو ما يراد نطقه- هو عدد من الأصوات منفردة، هي بالترتيب: ب، ت، ث. وتذوقها إنما يكون بنطقها غير متبوعة بحركة، حتى لا تختلط بهذه الحركة. وضغط النفس الذي أحس به الباحث ونسب إليه صعوبة النطق، يرجع إلى طبيعة هذه الأصوات، فالصوتان الأولان وهما "ب، ت" صوتان
стр. 151
انفجاريان، ويحدث حال النطق بهما وقوف الهواء وقوفا تاما عند مواضع النطق لفترة قصيرة، يعقبها انفجار مفاجئ فهذه الوقفة، لا السكون، هي التي جعلته يشعر بما يسميه "كلفة" في النطق. والصوت الثالث وهو "ث" صوت احتكاكي مما بين الأسنان. يضيق المجرى حال النطق به ضيقا ملحوظا بحيث يخرج الهواء ولكن بشيء من المشقة والجهد. فلعل هذه الظاهرة هي التي دفعته إلى تصور صعوبة في النطق. وإذا جاز وجود هذه الصعوبة، فإنما يرجع ذلك إلى طبيعة الصوت نفسه وهو "ث" ولا دخل للسكون في ذلك، إذ ليس "سكون" ينطق.
على أن المقارنة بين أبْ، أتْ إلخ وبين با، تا إلخ مقارنة خاطئة، إذ الأصوات الأولى أصوات مفردة هي: "b أو t" ولكنها في الأمثلة الأخرى أصوات متبوعة بحركة طويلة، تظهر في الكتابة الصوتية هكذا: "baa و taa".
٢- وبشيء من التفصيل يؤيد الكلام السابق وهو ادعاؤه خفة الفتح، في النطق وثقل السكون فيه، فيورد أمثلة منوعة للأصوات حين تنطق "ساكنة"، يقول في ذلك: هناك من الحروف "ما إذا أسكنته أرسلت به النفس آنا ومطلت النطق، متكلفا الاحتفاظ بمخرج الساكن، كما ترى في غواشْ واشْراك، ونواصْ واصنْع، وناسْ ومسْئول، ومتراخْ، وأخْبار. ومنها ما يكلفك أن تردد اللسان كأنك تكرر الحرف، كما ترى في راء إرْعاد وقَدَرْ. فإذا حركته حركة ما مررت به الهويني من غير ضغط ولا ترديد. ومنها ما يلزمك قطع النفس وبث النطق، مع الضغط على الحرف والتمسك بمخرجه مثل: أبْ وإبْراهيم وطبقْ وإقْبال، وقدْ وقدْر ففيها كما ترى، شدة في النطق ونصيب من الكلفة، لا تراه إذا أرسلت الحروف مفتوحة"١.
стр. 152
ذكر الباحث هنا ثلاث مجموعات من الأصوات "أو الحروف على حد تعبيرهم" حين تنطق "ساكنة" أي: غير متلوة بحركة ليؤكد ما ذهب إليه: المجموعة الأولى هي: الشين والصاد والسين والخاء، والثانية هي: الراء وحدها. أما المجموعة الثالثة فهي: الباء والقاف والدال.
أما بالنسبة لأصوات المجموعة الأولى فهو يرى أن في نطقها "ساكنة" صعوبة ظاهرة، لأنك تتكلف الاحتفاظ بمخرجها. وبديهي أن هذه الأصوات احتكاكية، يحدث في أثناء النطق بها أن يضيق مجرى الهواء الصاعد من الرئتين إلى الحلق والفم ضيقا من شأنه أن يجعل الهواء يمر، ولكن مع إحداث احتكاك أو حفيف مسموع. ويختلف التأثير السمعي لهذا الاحتكاك باختلاف المنطقة التي يقع فيها، وباختلاف درجة ضيق المجرى أو اتساعه. ويبدو أن هذا التأثير السمعي هو الذي دفع الباحث إلى القول بأن هناك تكلفا في الاحتفاظ بالمخرج، إذ الاحتكاك يعني بداهة تسلل الهواء ونفاذه، بل تفشيه في منطقة واسعة نسبيا. وقد يوحي ذلك بانتقال المخرج، أو -على حد تعبيره- قد يؤدي ذلك إلى صعوبة في النطق بسبب محاولة الاحتفاظ بالمخرج، على أن كل ما حدث وما سمع إنما يرجع إلى طبيعة هذه الأصوات الاحتكاكية نفسها، لا إلى "السكون"، إذ ليس هناك سكون بالمعنى الذي رآه بعضهم وهو أنه شيء ينطق.
وصوت الراء، كما هو معروف، صوت مكرر وتكراري، أو هو صوت التكرار كما سماه علماء العربية، وإنما سمي كذلك لما يحدث من تكرار التقاءات طرف اللسان باللثة، وهذا التكرار أحد خواصه النطقية. فإذا كانت هناك صعوبة في نطقه فتلك الصعوبة مصدرها هذا الصوت نفسه، لا ما تصوره الباحث من وجود سكون معه ذي قيمة نطقية. أما أن صفة الصوت الراء، أو -بعبارة أدق- أما أن التأثير السمعي لهذا الصوت يختلف حين يحرك، بهذا أمر طبيعي؛ إذ المنطوق في هذه الحالة الأخيرة صوتان لا صوت
стр. 153
واحد، هما الراء والحركة التالية له، وقد تستريح أذن بعض الناس إلى نطق هذا الصوت محركا، على حين تستثقل ذلك حين يأتي غير متبوع بحركة، ومن ثم يحكم هؤلاء الناس بسهولة النطق في الحالة الأولى وصعوبته في الثانية.
وأصوات المجموعة الثالثة، وهي الباء والقاف والدال، أصوات انفجارية Plosives أو وقفات stops. يقف الهواء حال النطق بها وقوفا تاما عند مواضع النطق، ثم يخرج هذا الهواء المضغوط فجأة وبسرعة محدثا انفجارا مسموعا. فهناك إذا في بداية الأمر قطع النفس، أو "الضغط على الحرف والتمسك بمخرجه"، كما عبر الباحث، يتلوه انفجار. فهذه الكلفة في النطق التي أحسها هذا الدارس والتي نعتها بالصعوبة "إن كانت هناك صعوبة" ترجع إلى هذا القطع أو الضغط الذي هو جزء من طبيعة النطق بالصوت الانفجاري لا إلى أي شيء آخر، سمه ما شئت، أي: سواء أطلقت عليه السكون أم لا.
أما زوال هذه الكلفة أو الصعوبة عند نطق هذه الأصوات متلوة بفتحة "أو بأية حركة أخرى" فليس يفسر بأكثر من أن العملية العضوية للنطق قد اختلفت في الحالتين اختلافا كبيرا بينا، فهذه العملية كانت في إحدى الحالتين تقوم بإصدار أصوات مفردة، هي: الباء، أو القاف، أو الدال فقط، ولكنها في الحالة الثانية كانت تؤدي أصواتا مصحوبة بحركة. وبهذا يسقط الاستدلال بهذا الدليل الأخير؛ إذ المقارنة بين الحالتين غير دقيقة لاختلاف عناصر جهتي المقارنة اختلافا جذريا، كما رأيت.
ومما هو جدير بالذكر على كل حال أن الأستاذ في مناقشته هذه يشعر بأنه يدرك تمام الإدراك ما يحدث في أثناء النطق بهذه الأصوات التي ذكرها، وأنه على وعي بالفروق بين المجموعات الثلاث السابقة، سواء أكان ذلك من ناحية النطق أم من ناحية التأثير السمعي، ولكن فاته أنه ينسب هذه الخواص التي أحس بها إلى هذه الأصوات نفسها، لا إلى ما ظنه سكونا ينطق.
стр. 154
٣- السكون أشد كلفة من الفتح في النطق، والفتح أيسر منه في ذلك بدليل اتفاق "القراء والنحاة على أن مخرج الحرف إنما يتبين ويتمثل إذا كان ساكنا. فكلفوا من يريد درس الحروف ووصفها وتحقيق مخارجها أن يسكن الحرف، ويصله بمتحرك قبله، فيقول: أبْ وأتْ وأثْ، ثم يرقب النطق ويصف المخرج ويبين الصفات، وما رسموا ذلك إلا لما رأوا في الإسكان من التمهل بالحرف والتمسك بمخرجه وتحقيق نطقه، فهذا من طبيعة السكون، ونطق العرب به يبين أن الفتحة أخف منه وأيسر مؤونة في النطق. وليس ينكر ذلك إلا من غالط نفسه وأنكر حسه"١.
وهذا الدليل -في نظرنا- لا يفيد الأستاذ في شيء، فاتفاق القراء والنحاة على نطق الصوت "أو الحرف" ساكنا عند دراسته ووصفه إنما جاء لحكمة واضحة، تلك هي أن المقصود هنا إنما هو نطق هذا الحرف وحده، إذ نطقه متلوا بحركة يفقده بعض خواصه، لاختلاط تلك الخواص بخواص الحركة التالية له. ومن ثم لم يكن بد من نطق الحرف "ساكنا" أي: خاليا من الحركة أو غير متلو بها. وليس يعني السكون هنا وجود أي شيء آخر ينطق بالإضافة إلى الصوت المقصود نطقه، وإلا فاتت الحكمة من تسكينه أي تجريده من الحركات. ومعنى هذا أن العرب كانوا على طريق مستقيمة حين اشترطوا هذا الشرط الذي أخذ الباحث ليكون شاهدا له على صعوبة "النطق" بشيء غير موجود، هو السكون في نظره.
٤- السكون ثقيل في النطق؛ لأنك "تعلم أن العرب تأبى أن تبدأ بساكن وترفض أن يجتمع في نطقها ساكنان، حتى تفر من أحدهما بكسر أو فتح"٢.
стр. 155
امتناع النطق بالساكن في ابتداء الكلام في رأيهم خاصة من خواص العربية، والمقصود بالساكن هنا هو "الحرف" غير متلو بحركة، وليس يعني ذلك ثقل "السكون" أو خفته، إذ ليس في السياق سكون ينطق، وإنما هناك صوت مجرد من التحريك، وقد يكون الصوت أي واحد من الأصوات العربية، الباء، التاء، الثاء إلخ.
ورفض اجتماع ساكنين في النطق يعني امتناع صوتين صامتين متتالين، أي امتناع التركيب: ص + ص "Consonant + Consonant = cc". فالثقل "إن كان هناك ثقل" يرجع إلى خروج هذا النموذج عن المألوف في نطق العرب لا إلى السكون؛ إذ ليس هناك سكون إلا في الرسم الكتابي أو التصور فقط.
٥- ولم يكتف الباحث بهذه الأدلة التي استنتجها من "واقع" النطق في نظره، والتي اعتمد فيها على التأثير السمعي لما ظنه السكون، فأورد شاهدًا آخر يعتمد على المعنى الذي يفيده السكون أو استخدامه في العربية.
فهو يرى أن من دلالات صعوبة السكون في النطق "إذا قيس بالفتحة" استخدامه "علامة التشديد والبت في الطلب، كما ترى التزامه في الأمر، وفي لتفعلْ ولا تفعلْ. وأنت تعلم ما يستدعيه الأمر في أغلب حاله من البت والتشدد والجزم. وربما أتوا بالسكون في غير الأمر للدلالة على التأكيد وتقوية الكلام، كما ترى في قول امرئ القيس:
فاليوم أشربْ غير مستحقِب ... إثْما من الله ولا واغل
وقول جرير:
ما للفرزدق من عز يلوذ به ... إلا بنو العم في أيديهم الخشب
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى فما تعرفْكم العرب
بل إن أبا عمرو بن العلاء، من القراء السبعة ومن أئمة النحاة، قرأ:
стр. 156
"إن الله يأمرْكم أن تذبحوا بقرة"، بإسكان الراء لما كان استنكار المأمورين له ظاهرا ونفورهم منه قريبا١.
وفي رأينا أن ربط الظواهر الصوتية بالمعنى، أي: ادعاء أن أصواتا معينة تدل على معان معينة أو توحي بها، قضية لم يتفق على صحتها الدارسون. وهي قضية وإن جاز الأخذ بها في بعض العلوم كالنقد الأدبي مثلا. لا يصح الاعتماد عليها في البحث اللغوي الحديث. ذلك لأنها تعتمد في أساسها على الذوق الشخصي والنظرة الذاتية وهما يمثلان اتجاها مرفوضا في دراسة اللغة.
وعلى فرض التسليم بصحة هذا الادعاء أو قَبوله بوجه عام٢، فإننا نشك في سلامة تطبيقه على المسألة التي بين أيدينا فمن الواضح أنه لا تلازم ألبتة بين السكون وبين ما سماه الباحث "تقوية الكلام والبت في الطلب" فقد يحصل هذا الغرض بغير السكون، كما يحدث في أمر غير الواحد، وفي الأفعال الخمسة حين تجزم بلام الأمر. وقد وقع السكون في الكلام، ومع ذلك لا نلاحظ "تأكيدا أو بتا في الطلب" وهو كثير، من ذلك مثلا، التسكين في حالات الوقف أو ضرورات الشعر أو في الجزم بغير لام الأمر ولا الناهية.
على أن هذا الدليل -في حقيقة الأمر- باطل من أساسه، إذ ليس هناك سكون يوصف بالثقل أو الخفة في النطق، وإنما هناك عدم الحركة، وهذا العدم لا منطوق له، في الواقع أو التصور. وتسمية هذا "العدم" سكونا أمر يجوز قبوله، ولكن شريطة أن يكون الدارس على وعي بمفهوم هذا المصطلح من ناحية النطق.
стр. 157
وعلى الرغم من هذا كله، ينهي الباحث كلامه بما بدأه به، مؤكدًا أن السكون شيء ينطق وأن الفتحة أخف منه في ذلك. فيقول: "فهذا حسب المنصف بيانا ودليلا أن الفتحة أخف من السكون وأيسر نطقا. فإذا كان ذلك في وسط اللفظ ودرج الكلام كان أوضح وأبين، لأن الإسكان أشبه بالوقف وأقرب إلى قطع النفس"١.
ونحن من جانبنا لا نوافق الباحث الفاضل على هذه النتيجة التي انتهى إليها كما لا نوافقه هو وغيره ممن ناقشنا آراءهم في هذا البحث، على كثير مما نسبوه إلى السكون من خواص، تجعله كما لو كان صوتا له تحقق مادي كالأصوات الأخرى للغة.
أما رأينا في هذا الموضوع كله فيعتمد على نظرة شاملة لظاهرة السكون، وللدور الذي يلعبه في اللغة العربية، ولا يتم ذلك بالطبع إلا بدراسته على المستويات المختلفة للبحث اللغوي، أي: من الناحية الصوتية والصرفية والنحوية.
أما من الناحية الصوتية، فللسكون جانبان؛ أحدهما جانب النطق والتأثير السمعي، والثاني جانب الوظيفة التي يقوم بها في النظام الصوتي للغة العربية.
فهو من حيث الجانب الأول "عدم" "أو" لا شيء Phonetically or acoustically noting إذ إنه لا ينطق وليس له أي تأثير سمعي. ويعني هذا أنه ليس صوتا صامتا Consonant أو حركة Vowel، على هذا المستوى الصوتي المادي.
وهذا الرأي -كما هو واضح- يختلف اختلافا جذريا عما ذهب إليه كثير من اللغويين العرب "قدامى ومحدثين" الذين نظروا إلى السكون على
стр. 158
أنه شيء ينطق ويسمع بالفعل، والذين عاملوه معاملة الحركات في كثير من الخواص، كمقارنتهم إياه بهذه الحركات، وبخاصة الفتحة، في الخفة أو الثقل في النطق، ومن ثم سموه حركة وعدوه رابع الحركات.
وإطلاق اسم "الحركة" على السكون على هذا المستوى النطقي المحض at the phonetic level إطلاق غير دقيق، ولا يستند إلى أساس من الواقع، لأن الحركة من هذه الناحية -ناحية النطق الفعلي والتأثير السمعي- لها صفات معينة لا يوجد شيء منها ألبتة في السكون.
وهذا يعني أننا إذا اقتصرنا على هذه الزاوية -زاوية النطق- جاز لنا الاستغناء عن السكون وساغ لنا إهماله في الدرس اللغوي. ولكن النظر العميق في السكون من الجوانب اللغوية الأخرى يؤكد أن له قيما معينة توجب علينا الاهتمام به وأخذه في الحسبان.
بعض هذه القيم -وهي أهمها- تظهر في الجانب الصوتي الثاني للسكون ونعني به جانب الوظيفة، أي: جانب الدور الذي يؤديه داخل الإطار العام لأصوات العربية.
إن السكون من هذه الزاوية "ظاهرة" feature أو "عنصر" element له قيمة value، تقارن بقيم الحركات في هذه اللغة، وتتلخص مظاهر هذه القيمة أو هذا الدور في الحالات الآتية:
١- السكون إمكانية من إمكانيات أربع، تعرض للحروف أو الأصوات الصامتة، فهذه الحروف أو الأصوات قد تتبع بفتحة أو كسرة أو ضمة أو "بلا شيء" منها. وهذه الإمكانية الرابعة -وهي الخلو من الحركة- لها قيمة صوتية على المستوى الوظيفي at the phonological level إذ هي تميز الحرف الخالي من الإمكانيات الثلاث الأخرى. وهذا التمييز ذو أهمية خاصة؛ لأنه
стр. 159
يشير إلى حالة صوتية رابعة "موجودة" بالعقل، وهي ولا شك في حاجة إلى اصطلاح خاص بها يكون اسما لها ودليلا عليها.
وهذه الإمكانيات الأربع تظهر بوضوح فيما لو نظرنا مثلا إلى عين الكلمة الثلاثية. فهناك: "فعل"، بفتح العين وكسرها وضمها، ثم هناك فعل بخلو العين من الحركات الثلاث. وقد أشاروا إلى هذه الحالة الرابعة برمز السكون "هـ".
٢- الخلو من الحركة "وهو السكون" له وظيفة في التركيب المقطعي في اللغة العربية. فهو يميز نهاية المقطع المنتهي بحرف خال من الحركات الثلاث، كما في المقطع ص ح ص "= صوت صامت + حركة + صوت صامت = cvc" وهو مقطع متوسط مغلق، يقابل المقطع: "ص ح ح" وهو مقطع متوسط مفتوح، أو المقطع: "ص ح" وهو مقطع قصير١.
٣- السكون له وظيفة موسيقية في نهاية الكلمة أو الجملة في بعض المقامات اللغوية. وقد لاحظ العرب هذه الوظيفة وأدركوا قيمتها، ورتبوا عليها قواعد نحوية معينة في باب خاص سموه "باب الوقف".
ولهذه الظاهرة نفسها -بالإضافة إلى ذلك- قيمة وظيفية تتعلق بالتركيب المقطعي، فالسكون في حالة الوقف يعد واحدًا من سياقين اثنين يسمحان بوقوع نمط مقطعي معين لا يجوز حدوثه في غيرهما في اللغة العربية٢ هذا النمط هو: ص ح ح ص "cvvc".
٤- وتظهر هذه القيمة الموسيقية للسكون بصورة أوضح في التفعيلات العروضية. فهذه التفعيلات -كما هو معروف- مبنية على أنساق صوتية
стр. 160
"موسيقية" معينة، للسكون دور كبير في تشكيل أنماطها وأنماط وحداتها المكونة لها.
٥- هناك تبادل في الموقع بين الخلو من الحركة والفتح في بعض السياقات الصوتية في صيغ صرفية خاصة، كتلك التي نص عليه علماء العربية، مما كان عينها صوتا من الأصوات التي نعتوها بالأصوات الحلقية "وهي الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء"، كما في نهْر ونهَر وبحْر وبحَر إلخ.
هذه الوظائف تبرر لنا أهمية الخلو من الحركة أو السكون في اللغة العربية، ومن ثم وجب علينا أن نجد له مكانا مناسبا في النظام الصوتي لهذه اللغة. وقد قادنا التحليل الذي قمنا به إلى عده عنصرا an element من العناصر المكونة للنظام الصوتي للغة العربية على المستوى الوظيفي أو الفنولوجي at the phonological level، كما أرشدنا هذا التحليل كذلك إلى جواز قرنه بالحركات وربطه بها، لما بينه وبينها من تشابه في وظائف صوتية معينة، كما سبق أن بينا.
ولكن: ما كنه هذا العنصر وما نوعه؟ أهو حركة أم هو مجرد ظاهرة مميزة لبعض السياقات الصوتية؟
تختلف الإجابة عن هذا السؤال باختلاف الزاوية التي ننظر منها إلى السكون. فهو -كما اتضح لنا فيما مضى- ليس صوتا ولا حركة إذا أخذناه من زاوية النطق والتأثير السمعي لخلوه من صفات الأصوات والحركات على هذا المستوى. إنه من هذه الناحية "لا شيء" أو هو "عدم الحركة"، أو الخلو منها. وهذا هو الاصطلاح الواجب اتباعه حين ينظر إلى السكون هذه النظرة النطقية المادية. وقد وفق بعض علماء العربية حين نعتوه بهذا الوصف في بحوثهم، كما تبين لنا ذلك مما تقدم.
стр. 161
ويحق لنا كذلك أن نتمسك بهذه التسمية "= عدم الحركة أو الخلو منها" حين ننتقل إلى المستوى الصوتي الثاني، وهو مستوى الدور الذي يقوم به السكون في اللغة؛ لأن الصوت على هذا المستوى الوظيفي -على الرغم من كونه وحدة مجردة abstract unit- يعتمد في حقيقة الأمر على الصوت المادي المنطوق، فالسكون وإن أدى وظيفة الأصوات، أو الحركات -بعبارة أدق- لا يزال من حيث النطق "عدما" أو "خلوا" من الحركة.
وبهذا يسوغ لنا الاكتفاء بوصفه أو تسميته عنصرا على أساس أنه مجرد ظاهرة ارتبطت بها بعض القيم الصوتية في سياقات معينة. وهذه الظاهرة -كما هو واضح- سلبية نطقا، إيجابية عملا ووظيفة.
ولكن هذا العنصر الإيجابي أثبت أنه يقف موقف المساواة مع الحركات في كثير من المقامات الصوتية على مستوى الكلمة والجملة كليهما. ولا شك أن هذا الوضع يرشحه لأن يكون جزءا من نظام الحركات في اللغة العربية، بل قد يدفعنا إلى إطلاق اسم "الحركة" عليه كذلك. غير أن إطلاق هذا الاصطلاح على السكون مشروط بقيدين اثنين مهمين.
الأول: تسمية السكون "حركة" مقصورة على الجانب الوظيفي له. وهو جانب لا يعتمد -في هذه الحالة- على النطق المادي، أو هو يعتمد عليه، ولكن بالمعنى السلبي، إذ السكون سلبي أو عدم من هذه النظرة الأخيرة.
الثاني: هذه التسمية يجب أن تكون مقرونة بمصطلح يشير إلى الفروق الأساسية بين السكون وبين الحركات الأخرى. هذه الفروق تتلخص في خاصة واحدة، هي "سلبية" السكون في النطق، وإيجابية الحركات من هذه الجهة. ولهذا نقترح أن نسمي السكون "الحركة الصفر" zoro vowel للدلالة على ذلك. ولا يتبادر إلى الذهن أن هذا الإطلاق قد يعني خلو السكون من القيمة، لأن الصفر، وإن كان غير ذي قيمة منعزلا، وحدة إيجابية ذات وظيفة خاصة
стр. 162
في النظام العددي. وكذلك الحال في السكون، فهو سلبي نطقا إيجابي في النظام الفنولوجي للعربية.
ومن هذا كله نخلص بنتيجتين اثنتين: أولاهما: يجوز لنا تسمية السكون "ظاهرة" أو "عنصرا" أو "حركة"؛ إذا نظرنا إلى قيمته الوظيفية ثانيتهما: يختلف عدد الحركات في العربية باختلاف الجانب الصوتي: فهذه الحركات ثلاث من حيث النطق والتأثير السمعي١ وهي الفتحة والكسرة والضمة. ولكنها أربع على المستوى الوظيفي، وهي هذه الثلاث مضافا إليها السكون. وفي هذه الحالة الأخيرة، يكون هناك نظام وظيفي للحركات مكون من أربعة عناصر: a four-term system، ثلاثة منها لها تحقيق صوتي مادي phonetic realization وهي الفتحة والكسرة والضمة، وعنصر واحد "وهو السكون" "لا شيء" أو عدم من هذه الناحية phonetically nothing.
وهنا قد يلح على القارئ هذا السؤال المهم: كيفي يكون السكون عنصرا صوتيا أو حركة وهو في الوقت نفسه خال من أية خاصة نطقية أو سمعية تعيننا على تعرفه؟ وإذا كان السكون محروما من كل المظاهر النطقية والسمعية، فماذا يبقى إذن؟ أو ماذا يكون هناك من وسائل لتدلنا على وجوده؟
الإجابة عن هذين السؤالين ذات ارتباط وثيق بفكرة عامة مهمة في الدراسات اللغوية الحديثة، تلك هي فكرة "الصفر" في بحث اللغة zero in linguistics.
стр. 163
يرى الآخذون بهذا الاتجاه أن الدارس قد تدفعه الحاجة إلى تأسيس "عنصر" غير ذي مضمون نطقي أو سمعي في نظمه اللغوية المختلفة، من صوتية وصرفية ونحوية، إذ قد يعينه ذلك على الوصول إلى حقائقه ونتائجه بصورة سهلة دقيقة. وهذا "العنصر" اللغوي سموه "صفرا" zero على طريق المجاز بجامع التشابه بينه وبين "الصفر" في نظام الأعداد في خواص معينة، أهمها سلبية "الصفر" وسلبية الصفر العددي إذا أخذ منعزلا.
وفي حالة "الصفر" اللغوي كانت هناك صعوبات معينة، تتلخص في ثلاث:
١- المفروض أن يكون للعنصر اللغوي وجود مادي، ومن الواضح أن ليس للصفر مثل هذا الوجود.
٢- وظيفة العناصر اللغوية التعبير عن الفكر، والمفروض أن يتم هذا التعبير بعناصر أو رموز مادية materal signs والسكون ليس رمزا ماديا، إذ لا ينطق ولا يسمع١.
٣- كل عنصر لغوي لا بد له من صورة مادية "في النطق" form خاصة به، ويمكن تعرفها في كل السياقات المختلفة، لاستقرارها على حالة واحدة٢. ولا بد لكل عنصر لغوي كذلك من قيمة مميزة distinctive value، أي قيمة موقع التقابل مع قيم أخرى في سياقات معينة.
стр. 164
وقد استطاع أصحاب "منهج الصفر" التخلص من هذه الصعوبات كلها، بطريق أو بآخر، أما بالنسبة للصعوبة الأولى فقد توسعوا في استعمال لفظ "عنصر" وجعلوا من مدلولاته "وإن كانت جانبية أو هامشية بحسب تعبير بعضهم" ما ليس له وجود مادي. فكما توسع الرياضيون في فكرة "العدد" بحيث تشمل "الصفر" أو أي عدد "خيالي" كذلك لا ضير أبدا من التوسع في فكرة "العنصر اللغوي" لتغطي ظواهر أخرى؛ التنغيم، ومواقع الكلم في الجملة word-order والصفر كذلك.
وتخلصوا من الصعوبة الثانية بانتهاج منهج دي سوسير الذي يرى أن "الرمز المادي ليس ضروريا للتعبير عن الأفكار". فهناك كثير من الأفكار التي لا تحتاج إلى صور مادية للتعبير عنها، ويكتفي فيها "بالعدم" أو "الخلو" أو "الصفر".
ويوجد من ذلك في اللغة العربية أمثلة ذات أنواع عدة. منها -على المستوى الصرفي- فكرة الغيبة والإفراد والتذكير في الفعل الماضي في نحو: محمد حضر، حين يقارن بمثل: فاطمة حضرت. ففي المثال الثاني وجدت لاحقة مادية هي تاء التأنيث التي دلت على الغيبة والإفراد والتأنيث، في حين خلا المثال الأول من مثل هذه اللاحقة. وهذا الخلو نفسه ذو قيمة، إذ هو دليل فكرة التذكير بالإضافة إلى الإفراد والغيبة. وبهذا جاز لنا هنا افتراض وجود عنصر لغوي، أو "لاحقة صفر" zero suffix.
أما الصعوبة الثالثة وهي التي تفترض وجود كل من الصورة المادية للعنصر اللغوي والقيمة المميزة له فيبدو أنها هي الصعوبة الحقيقية في هذا المقام. وذلك لأن "الصفر" وهو العنصر اللغوي في حالتنا هذه ليست له أية صورة من هذا القبيل، إذ هو خال من أي مظهر سمعي devoid of any acoustic shape.
стр. 165
ولكن الحقيقة فيما يتعلق بالصفر هي أن الشرطين تنتظمهما هذه الصعوبة الثالثة لا يمكن تحقق أحدهما مستقلا عن الآخر. فالصفر لا يمكن أن تكون له صورة يتعرف عليها إلا من خلال قيمته. أو بعبارة أخرى، إن تعرف الصفر إنما يتم بقيمته المميزة فقط. وهذه القيمة وحدها ذات غناء كبير في الدلالة عليه.
وقيمة الصفر هي وظيفته. وتثبت هذه الوظيفة وتتأكد حين يكون الصفر أو أي عنصر لغوي قادرا على التبادل commutation مع عناصر أخرى في مواقع لغوية معينة، أو على حد تعبير دي سوسير حين يكون هناك تقابل أو تخالف opposition بينه وبين غيره. والتقابل وسيلة من وسائل التعبير في رأي بعضهم، وبخاصة أولئك الذين يتبعون دي سوسير الذي يصرح بأن اللغة "قد تكتفي أحيانا بالتقابل بين الشيء واللاشيء". ومن هنا جاءت فكرة هذا الباحث العظيم التي تذهب إلى "أن الرمز المادي ليس ضروريا للتعبير عن الفكرة"، إذ قد "تقنع الفكرة بالصفر" للتعبير عنها١.
وبهذه الطريقة استطاع أصحاب "نظرية الصفر" أن يثبتوا أن "الصفر" جدير أن يسمى عنصرا وأن يصبح وحدة لغوية ذات قيم خاصة، تختلف من مستوى إلى آخر بحسب الظام اللغوي المعين الذي تنتمي إليه.
وبهذه السبيل نفسها يجوز لنا نحن أن نسمي "السكون" عنصرا، بل نطلق عليه اسم الحركة كذلك. أما أنه عنصر فواضح، ذلك لأنه -وإن خلا من الصورة المادية- يقوم بدور معين في اللغة العربية يقارن بأدوار العناصر الأخرى، ويظهر ذلك إما بطريقة التبادل أو التقابل على خلاف في وجهات نظر الدارسين. كما ألمعنا إلى ذلك.
стр. 166
أما القول: بأنه حركة "أي: على المستوى الوظيفي" فمبني على ما أشرنا إليه أكثر من مرة أن وظيفة السكون إنما تقارن بوظائف الحركات دون غيرها من الأصوات، وأنه يتبادل معها عددًا من السياقات الصوتية في اللغة العربية. ولكننا على الرغم من هذا التشابه لم ننس ما بينه وبينها من فروق واضحة ومن ثم كانت التسمية التي اخترناها له، وهي "الحركة الصفر" zero vowel للدلالة على ذلك.
وبسبب هذه الفروق التي تتلخص في تلك الصعوبات المذكورة سابقا بوصفها عوائق في طريق "الصفر المئوي" "والسكون مثل له"، لم نستطع الحكم على السكون بأنه وحدة صوتية phonological unit، تقف على قدم المساواة مع وحدات الحركات الأخرى "وهي الفتحة والكسرة والضمة" في كل خواصها وصفاتها.
إننا نستطيع أن نحكم عليه بأنه وحدة، ولكنها وحدة من ذلك النوع الذي يطلق عليه بعضهم "الوحدات الثانوية أو الهاشمية" marginal or secondary units وكذلك نستطيع -مستخدمين اصطلاح الأمريكان في مثل هذه الحالة- أن نسميه فونيما ثانوية secondary phoneme أو "فونيما خارج التركيب" suprasegmental phoneme، على حين تعد الحركات الثلاث الأخرى فونيمات أساسية primary phonemes، أو فونيمات تركيبية: segmental phonemes.
والفرق بين الحالتين هو أن الفونيم الأساسية أو التركيبية تعد جزءا من بناء التركيب الصوتي، كلمة كان هذا التركيب أو غير كلمة، وهي فونيم يمكن إفرادها وعزلها عن أخواتها في التركيب، في حين أن الفونيم الثانوية أو الهامشية أو "الفونيم خارج التركيب" مجرد ظاهرة خارجية، ترتبط بالتركيب وتميزه، ولكنها ليست جزءا من بنائه، ومن ثم لا يمكن إفرادها أو عزلها.
стр. 167
وهذا الوصف ينطبق على السكون في العربية، إذ لا يمكن عزله، أو حتى تصور هذا العزل، لأنه لا يتحقق وجوده إلا بوجود التركيب نفسه، فسكون الباء في: لم يضرب مثلا لا يعدو أن يكون ظاهرة تنتمي إلى التركيب كله وليس جزءا من مكونات هذا التركيب الأساسية.
ولأستاذنا فيرث رأى في السكون يتفق في أساسه مع ما قررناه هنا فالسكون عنده وظيفة تقارن بوظائف الحركات، ومن ثم ربطه بها وضمه إليها، وسماه -كما فعلنا- "الحركة الصفر" zero vowel، لأن "كل حرف في العربية له إمكانيات حركية ثلاث أو عدم الحركة" a trivocalic ١potentiality or zero vowel. ولكنه لم يشأ أن يعده فونيما ثانوية أو غير ثانوية، لأنه ليس ممن يفرقون بين الفونيمات هذا التفريق الذي ذكرناه سابقا. والحق أن فيرث ليس من أنصار "نظرية الفونيم" في عمومها، لأنها لا تتمشى مع منهجه الذي يرى أنه ليس هناك في الكلام ما هو أولى أو أساسي وما هو ثانوي أو هامشي، وإنما هناك التركيب كله بمكوناته وخواصه مجتمعة، وليس لبعضها أفضلية على بعضها الآخر، وإذا كان لا بد من التفريق بين هذه المكونات فينبغي أن يكون ذلك على أساس الوظيفة ونوعها، لا على الأهمية أو عدمها، ولهذا كان عنده "وحدات" units و"ظواهر تطريزية" prosodies. والنوع الأول من هذا التقسيم الثاني يطابق ما يعرف بالفونيمات الأساسية ونحوها، على حين يطابق النوع الثاني الفونيمات الثانوية وأخواتها.
ويبدو من كلام فيرث حول السكون في العربية أنه يعده "ظاهرة تطريزية" prosody. كما يعد رمزه الكتابي "هـ" رمزا تطريزيا كذلك prosodic sign. وفي رأيه أن هذا الرمز واحد من رموز معينة تكون فيما بينها نظاما ثانيا للكتابة في العربية. وهذه الرموز هي تلك العلامات التي تضاف إلى "الحروف" لتوضيح دقائقها وهي ما يطلق عليها diacritical marks
стр. 168
أو العلامات المميزة. وأفراد هذا النظام في نظره هي: الفتحة والكسرة والضمة والسكون والألف والواو والياء، والتشديد والهمزة، فكلها تشكل ما سماه "بالنظام التطريزي" للكتابة العربية ١prosodic system "of writing.
وبهذا كله استقام لنا ما رأيناه وسجلناه فيما مضى من أن السكون -على المستوى الصوتي الوظيفي- عنصر صوتي أو حركي على الرغم من أنه "لا شيء" -وبالتالي ليس حركة أو صوتا- من ناحية النطق والتأثير السمعي. وليس فيما ذهبنا إليه من تناقض، لاختلاف الجهتين واختلاف وجهتي النظر اللتين بنيت عليهما هذه النتيجة كما ظهر لنا ذلك بالتفصيل فيما سبق.
ولا يظنن ظان أننا -بهذه النتيجة- قد عدنا إلى ما اعترضنا عليه ولم نقبله من أولئك الدارسين -قدامى ومحدثين- الذين رأوا أن السكون حركة وأنه رابع الحركات. إننا لم نعد إلى هذا الرأي، وليس ما توصلنا إليه بمتفق مع ما ذهبوا إليه فيما يتعلق بهذه القضية، فشتان بين القولين وبعد ما بين النتيجتين.
стр. 169
ويظهر الفرق بيننا وبينهم من عدة وجوه، تتلخص في نقطتين.
أولاهما: أن بعض هؤلاء الدارسين نظروا إلى السكون نظرة سطحية واعتمدوا أكثر ما اعتمدوا على الرمز الكتابي له دون حقيقته الصوتية. سواء أكان ذلك من ناحية النطق أم من ناحية الوظيفة. وهذا السلوك ولا شك سلوك مضلل، لأن الرموز الكتابية لا تصلح بحال أن تكون مصدرا للحقائق الصوتية. وقد ظهر ذلك واضحا فيما وقعوا فيه من خلط، حتى لنجد الدارس الواحد في السياق الواحد يناقض نفسه؛ فالسكون عنده حركة، وهو كذلك عدم الحركة، أو كانت هذه التسمية المختلفة باعتبارين مختلفين لأجزناها لهم وارتضيناها منهم، ولكن ذلك في واقع الأمر لم يكن سوى نتيجة للخلط وعدم الفهم بحقيقة السكون، ودوره في اللغة.
النقطة الثانية:
تتمثل في تلك الحقيقة الناصعة، وهي أنهم بنوا حكمهم هذا على النطق الفعلي والتأثير السمعي، فسموه حركة وعاملوه معاملة الحركات على هذا الأساس. وهذا الأساس -كما رأيت- لا يصلح مسوغا ألبتة لتسمية السكون حركة وإعطائه خواص الحركات لخلوه من صفاتها تماما على هذا المستوى.
أما ما آل إليه بحثنا فهو أن السكون حركة على المستوى الوظيفي لا النطقي، مهملين بالطبع رمزه الكتابي لعدم جدواه في هذا الشأن. أما الحكم عليه بأنه حركة فللتشابه الواضح بين دوره ودور الحركات على المستوى الصوتي الوظيفي، وهو ما اختصت به التسمية "حركة".
وهذا العنصر الصوتي أو ما سميناه "الحركة الصفر"، ونعني به السكون، له قيم لغوية على المستوى الصرفي والنحوي كذلك ويمكن التدليل على ذلك بالإشارة إلى أمثلة مما يقوم به من وظائف في هذا المجال.
стр. 170
من المعروف أن كل حرف من حروف الأصول radicals وبخاصة في الأصول الثلاثية، قد يتبع بواحدة من الحركات الثلاث أو بالحركة الصفر وهي السكون. وهذه الإمكانيات يظهر أثرها في تكوين الصيغ وتحديد الأوزان وليس من الضروري أن تتحقق هذه الإمكانيات في المادة الواحدة، ولكنها إمكانيات جائزة الوقوع بالمعنى العام أو المعنى التجريدي. وقد وفق علماء العربية إلى إدراك هذه الحقيقة، فابتكروا الأوزان وجعلوها بمثابة المقاييس العامة أو القواعد التجريدية للنماذج الحقيقية.
ولاتصافها بصفة العموم والتجريد، كانت الأوزان، لا الأمثلة الفعلية هي التي تقبل هذه الإمكانيات الأربع بصورة لا تقبل الشك. فهناك في المادة الثلاثية "ف ع ل" تجد هذه الإمكانيات الأربع بالنسبة للعين مثلا: فعل بفتح العين وكسرها وضمها: ثم فعْل بسكونها.
هذا فيما لو نظرنا إلى الصيغ منعزلة، ولكنها بمجرد أن توضع في تركيب نحوي يتحدد وزنها ولا يمكن أن تقع لها إلا إمكانية واحدة. فالصيغة "فهم" في: محمد فَهِمَ الدرس مكسورة العين، ولكنها تسكن في: هذا فهْم جيد، ولا يمكن أن تقبل العين أية إمكانية أخرى في أي من هذين السياقين ومعنى هذا أن الإمكانيات الصرفية الأربع يحددها السياق النحوي للجملة: grammatically determined.
فإذا ما تركنا مستوى النظر في الصيغ والأوزان وانتقلنا إلى التراكيب النحوية ألفينا عدة وظائف مهمة للسكون، تبرز أمامنا اثنتان منها بوجه خاص.
تظهر الأولى في حالة جزم الفعل المضارع الصحيح الآخر، حيث يقوم السكون بوظيفة تقارن بوظيفتي الفتحة والضمة، فالسكون دليل الجزم والفتحة علامة النصب والضمة شاهد الرفع. وهذه كلها حالات إعرابية مقررة، ولكنها
стр. 171
ذات معان نحوية مختلفة، وترجع أسباب هذا الاختلاف إلى عدة عوامل، منها موقع الكلمات في الجملة والارتباط الداخلي بين الوحدات المكونة لها، وفي النهاية يتبلور هذا الاختلاف ويظهر في صورة الإعراب، ويستدل عليه بعلامات هذا الإعراب، ومن هذه العلامات السكون.
وتقودنا هذه الحقيقة القول بأنه من الممكن أن نعد السكون "وحدة صرفية" morpheme، قامت بوظيفة إعرابية واضحة على هذا المستوى النحوي في الجملة. فإذا كانت الفتحة "في إعراب المضارع" هي مورفيم النصب والضمة مورفيم الرفع، وجب بالمثل الحكم على السكون بأنه مورفيم الجزم.
والوظيفة الثانية للسكون على المستوى النحوي تتحقق في فعل الأمر للمفرد المذكر في نحو اضرب. فالسكون هنا ذو دلالة نحوية تقارن بدلالة الألف في المثنى "اضربا" والياء في حالة المفردة المخاطبة "اضربي"، والواو في حالة الجمع "اضربوا".
وهكذا نرى السكون "بمعنى الخلو من الحركة" يتبادل المواقع في التركيب مع وحدات صرفية مقررة عند علماء العربية أنفسهم. فالألف صيغة المثنى والياء للمخاطبة المؤنثة والواو دليل الجماعة. ونستطيع كذلك أن نقرر أن السكون وحدة صرفية morpheme قامت بوظيفة الدلالة على الإفراد والتذكير في فعل الأمر.
وهناك بالإضافة إلى هاتين الوظيفتين البارزتين قيم نحوية أخرى، نستطيع أن نمثل لها في هذا المقام بمثالين اثنين:
١- السكون دليل إعرابي في حالة الوقف في صورة نحوية خاصة، وهي صور حددها علماء العربية وأسسوا قواعدها، على نحو ما هو معروف.
стр. 172
٢- السكون إمكانية من إمكانيات البناء في اللغة العربية، حيث تجيء كلمات لازمة الفتح، وأخرى تظهر بالضم وثالثة تختص بالكسر، وعدد آخر منها يلزم السكون.
هذه الحقائق كلها -كما وضحت لنا في المناقشة السابقة- تقرر وجوب النظر إلى السكون نظرا شاملا على مختلف المستويات اللغوية، ووجوب الحكم عليه بأنه وحدة صوتية phonological unit أو فونيم ثانوية secondary phoneme أو ما سميناه "الحركة الصفر" zero vowel على المستوى الصوتي الوظيفي.
وتدفعنا هذه الحقائق إلى القول بأن السكون وحدة صرفية morpheme أيضا ذات قيم معينة على المستوى الصرفي والنحوي. وكما جازت لنا تسميته "الحركة الصفر" zero vowel في حالة النظر إلى النظام الصوتي للغة العربية يسوغ لنا هنا كذلك أن نطلق عليه المصطلح "المورفيم الصفر" zero morpheme، مراعين في ذلك حقيقته المادية وهي أنه ليس ذا صيغة form من حيث النطق.
والنتيجة النهائية لهذا كله هي أن السكون في العربية عنصر لغوي لا ينبغي إغفاله على الرغم من عدم تحققه في النطق المادي وخلوه من أي أثر سمعي.
стр. 173
المبحث الرابع: خواص صوتية تمتاز بها اللغة العربية
لكل لغة سماتها ومميزاتها الخاصة بها، ويستوي في ذلك أن تكون هذه الخواص صوتية أو صرفية أو نحوية أو أسلوبية أو على مستوى الألفاظ ودلالتها. ومن البديهي أن تكون هذه السمات هي جملة الفروق بين لغة وأخرى، وأن تكون الأساس الذي ينبني عليه تحديد اللغات والحكم على هوية كل واحدة منها، وإعطاؤها اسما خاصا بها تنفرد به ويتعرف إليها في كل الحالات.
وليست العربية بدعا في ذلك، فلها ملامحها وظواهرها التي مازتها من غيرها من اللغات، وجعلتها لغة ذات ضوابط وحدود معينة أهلتها للتسمية المعروفة بها منذ أزمان بعيدة، وهي اللغة العربية. وسمات عربيتنا هذه كثيرة كثرة فائقة، هي -في الحق- جملة القواعد والقوانين الضابطة لها ولاستعمالاتها. ولسنا بقادرين -في هذا المقام ونحوه- على أن نأتي بهذه القواعد والقوانين كلها أو جلها. ومن ثم سوف نكتفي هنا بإيراد أمثلة قليلة لشيء من هذه السمات والخواص التي تنفرد أو تكاد تنفرد بها العربية، إما لأنها خاصة بها ومقصورة عليها، وإما لأنه تشيع أو توظف فيها توظيفا يجري على وفق نظم ثابتة مطردة، تجعل هذا الشيوع وذاك التوظيف ملمحا مميزا للغة العربية. أضف إلى ذلك أن الأمثلة التي سقناها هنا محصورة في الجانب الصوتي المميز للغتنا.
فأول ذلك أن اللغة العربية استخدمت جهاز النطق عند الإنسان خير استخدام وأعدله. فقد جاءت أصوات هذه اللغة موزعة على مدارج النطق
стр. 174
توزيعا واسعا شاملا لكل نقاطه ومواضعه. فمن بداية هذا الجهاز -ونعني بذلك الحنجرة- جاءت الهمزة والهاء، ومن نهايته -وتتمثل في الشفتين- جاءت الباء والميم. ومن بين هاتين المدرجتين خرجت بقية الأصوات العربية مندرجة في شبه سلسلة متصلة الحلقات، بحيث لا يقع ازدحام في منطقة أو مناطق، ولا يحدث إهمال لبعضها. فهناك بعد الحنجرة، يقع الحلق ومنه العين والحاء، ثم اللهاة ومنها القاف ثم أقصى الحنك ومنه الغين والخاء والكاف والواو، ثم وسطه ومنه الياء، وهكذا من نقطة إلى أخرى، تخرج أصوات معينة، دون تجاوز لمبدأ التدرج المنتظم الخالي من ظاهرة التجمع عند منطقة وترك أخرى دون استغلال.
نحن لا ننكر أن جهاز النطق عند الإنسان لا يختلف في جملته أو تفصيله من أمة إلى أخرى، أو من فرد إلى آخر، ما لم يكن به عيب خلقي عند هذا أو ذاك. إنما الفرق بين الأمم في هذا المجال يرجع إلى طريق توظيف هذا الجهاز واستغلاله. وأسلوب هذا التوظيف وطريق هذا الاستغلال يؤديان حتما إلى فروق صوتية مميزة، تختلف في القلة والكثرة والصفة بحسب الأحوال. على أن التفاوت بين اللغات في استغلال جهاز النطق لا يعني أن لغة ما أفضل من أخرى؛ إذ إن مسألة الأفضلية هذه مسألة نسبية، إذ ربما يتدخل فيها الذوق الشخصي والنظر غير العلمي أحيانا. ولكن مما لا شك فيه أن نتائج الاختلاف في توظيف هذا الجهاز في النطق يؤدي -بالضرورة- إلى حصيلة من الملامح الصوتية التي تمتاز بها اللغات بعضها من بعض وهذا ما قصدنا إلى إثباته في هذا المجال.
ويرتبط بهذا التوظيف لجهاز النطق في العربية أمور أخرى تضاف إلى جملة الخواص الصوتية للغة العربية.
من ذلك مثلا أن جملة كبيرة من أصوات هذه اللغة يقع بعضها من بعض موقع التقابل أو التناظر. فهناك نلمح أن بعض الأصوات تصدر عن مخرج
стр. 175
نطقي واحد، ولكنها -على الرغم من اشتراكها في هذه الدائرة- تختلف فيما بينها بسمة أو بأخرى تجعل كل واحد منها صوتا مستقلا، له دور في تركيب المقطع أو الكلمة، وفي دلالة هذه الكلمة ووظيفتها.
فالهمزة والهاء منطقتهما النطقية واحدة، ولكن يختص كل واحد من الصوتين بملمح ينفرد به، يؤهله للاستقلال والكيان الخاص، فالهمزة وقفة انفجارية، أو صوت شديد في اصطلاحهم في القديم، والهاء احتكاكي أو رخو، ومن ثم سار كل صوت في طريقه يؤدي دوره في اللغة، فلدينا مثلا "آب" و"هاب" افترقت الكلمتان وصار لكل منهما معنى مستقل بسبب وجود الهمزة في الكلمة الأولى والهاء في الثانية.
وهناك أيضا العين والحاء وهما جميعا من منطقة الحلق، ويتفقان أيضا في كيفية مرور الهواء عند النطق بها، ولكن العين صوت تتذبذب الأوتار الصوتية عند نطقه، والحاء لا تحدث معه ذبذبة من أي نوع، فكان الأول مجهورا والثاني مهموسا. وهذه السمة فرقت بينهما ورشحت كلا منهما للاستقلال، بدليل أننا نقول: "عور" و"حور" بمعنيين مختلفين تماما. وذلك -كما هو واضح- إنما يرجع إلى وجود العين في الأولى والحاء في الثانية ومثل هذا الذي نقول ينطبق بتمامه على الذال والثاء: فهما مما بين الأسنان واحتكاكيان، ولكن الذال مجهور والثاء مهموس، ومن ثم كان الفرق في نحو: "ذاب" و"ثاب" بمعنيين مستقلين.
وهذا مثال آخر يشرح صفة التقابل هذه بين أصوات العربية: التاء والطاء مثلا صوتان يتفقان في المخرج وفي صفة الوقف والانفجار والهمس، ولكن عملية فسيولوجية معينة تحدث عند النطق بالطاء فتجعلها صوتا مفخما، وهذا التفخيم له دور ووظيفة، إذ هو الملمح الوحيد الذي يميز الطاء من التاء، ويمنح هذه الطاء كيانا خاصا تستطيع أن تؤدي وظيفة لغوية تختلف عن تلك المدة التى
стр. 176
للتاء: قارن "طاب" و"تاب": كلمتان مستقلتان بمعنيين مختلفين، بسبب وجود الطاء المفخمة في الكلمة الأولى والتاء المرققة في الثانية.
ربما يوجد ما يشبه هذا التناظر أو التقابل في أصوات بعض اللغات كما يتمثل ذلك في الصورتين الأوليين من الكلمتين: this و three في اللغة الإنجليزية. ولكن من المهم أن ندرك أن هذا التقابل لا يجري على سنن مطرد في تكوين الكلمات وبنيتها، فهو إن وجد فإنما يكون ذلك في كلمتين أو كلمات معدودات دون أن يتخذ مسارا أو اتجاها مستقرا يؤهله لأن يكون قاعدة أو ما يشبه أن يكون كذلك.
وخاصة أخرى ترتبط بأسلوب توزيع الأصوات على مدارج النطق في العربية: تتمثل هذه الخاصة في نظام هذا التوزيع، بحيث تجيء الأصوات المؤلفة للكلمة منسجمة متناسقة خالية من الثقل، ليس بينها تنافر يؤذي السمع أو عدم انسجام يفقدها حلاوة النغم وحسن التلقي والقبول.
ولقد أدرك علماء العربية هذه الخاصة في لغتهم، واستطاعوا بفكرهم الثاقب ونظرهم الدقيق أن يضعوا ما يشبه أن يكون قواعد صوتية لما ينبغي أن يكون عليه تأليف الكلمة من أصوات، أخذا بنظام توزيع أصوات لغتهم على مدارج النطق ونظام التناسق والانسجام بين هذه الأصوات.
لقد قرروا أن العربية تتجنب جمع "الزاي مع الظاء، والسين، والصاد، والذال"، وجمع "الجيم مع القاف، والظاء، والطاء، والغين، والصاد"، وجمع "الحاء مع الهاء"، ووقوع الهاء قبل العين، والخاء قبل الهاء إلى آخر ما قرروا في هذا الباب على ما هو معروف للدارسين.
وقد أشار ابن جني إلى شيء من هذا في خصائصه، فيقول: أما إهمال ما أهمل مما تحتمله قسمة التركيب في بعض الأصول المتصورة أوالمستعملة فأكثره متروك للاستثقال. وبقيته ملحقة به ومقفاة على أثره. فمن ذلك ما
стр. 177
رفض استعماله لتقارب حروفه نحو: سص وصس وطت وتط وصش وشص، لنفور الحس عنه والمشقة على النفس لتكلفه. وكذلك قج وجق وكق وقك وكج وجك. وكذلك حروف الحلق هي من الائتلاف أبعد لتقارب مخارجها من معظم الحروف، أعني حروف الفم. وإن جمع بين اثنين منها يقدم الأقوى على الأضعف نحو: أهل وأحد وأخ وعهد، وكذلك متى تقارب الحرفان لم يجمع بينهما إلا بتقديم الأقوى منها.
وهناك بالعربية أصوات تقل أو يندر وجودها في كثير من اللغات المعروفة لنا في الشرق والغرب على سواء. من ذلك مثلا الهمزة المعروفة لنا في التراث بهمزة القطع١، كما في الصوت الأول من نحو "أحمد" و"أعرف" و"أعلام" مثلا فهذه الهمزة ليس له وجود في كثير من اللغات الأوربية وغيرها وهي إن وجدت في بعض صور الكلام وأساليبه كما في لهجة "لندن" مثلا ليست تعدل أو تتساوى مع الصوت العربي في كل وجوهه وخصائصه: إن الموجود في لهجة "لندن" هذه ليس همزا حقيقيا، إنما هو نوع من "التهميز" أو هو منح النطق سمة من سمات الهمزة، وليست له قيمة الهمزة العربية من حيث كونه عنصرا في تكوين الكلمة ودلالتها. إن هذا الصوت "اللندني" لا يعدو أن يكون ظاهرة نطقية بحتة، وليس وحدة صوتية مميزة، ذات وظيفة في التفريق بين المعاني أو تحديد القيم الصرفية والنحوية للكلمة. وعلى العكس من ذلك كله تتمتع همزتنا باستقلال وكيان صوتي ودلالي معا.
стр. 178
وهناك في العربية كذلك صوت القاف الذي يندر أن تجد له نظيرا فيما نعرف من لغات، باستثناء الساميات التي تعد العربية واحدة منها، كما هو معروف، وإذا اضطر من تخلو لغته منها إلى نطقها حولها إلى صوت الكاف أو ما أشبه، حتى إنك لتسمع هذا النطق الخاطئ ذاته في نطق غير المثقفين من العرب أنفسهم عندما يحاولون استخدام كلمة فصيحة بعينها في كلامهم اللهجي العادي.
أما العين فهو صوت لا وجود له في اللغات الأوربية، وإذا حاول واحد من أصحاب هذه اللغات استخدامه انتقل إلى استخدام الهمزة بدلا منه. ومن الطريف أن نعلم أن بعض الدارسين في الغرب يرى أنه من الأنسب أن تسمى العربية "لغة العين" بدلا من قولنا "لغة الضاد" وهم في ذلك واهمون، لأن العين -وإن لم يوجد في اللغات الأوربية- صوت معروف مقرر في اللغات السامية.
ويأتي صوت "الضاد" على قمة السمات الصوتية التي تنفرد به اللغة العربية. وذلك أن هذا الصوت -بوصفه وحدة صوتية ذات قيمة ووظيفة في تركيب الكلمة ودلالتها- ليس له وجود على الإطلاق في أية لغة معروفة لنا على وجه الأرض١. نعم، ربما نسمع صوتا يشبهه أو يماثله في بعض الكلمات في لغات معينة، كما في نحو: bud و mud في اللغة الإنجليزية. ولكن هذا الذي نسمعه في مثل هذه الكلمات الإنجليزية ليس ضادا أو قل: ليست له قيمة الضاد العربية. إن الذي نسمعه في هاتين الكلمتين، إنما هو صوت "d" الدال، ولكنه نطق مفخما فأشبه ضادنا في النطق، ولكن شتان بين الصوتين في القيمة والوظيفة. فضادنا صوت مميز للمعاني، كما يظهر ذلك مثلا عندما
стр. 179
نقارن بين "دل" و"ضل" فهاهنا كلمتان مستقلتان. ولكل منهما معنى مختلف، وذلك بسبب وجود الدال في الأولى والضاد في الثانية. وليس كذلك الأمر بحال في هذا الصوت المسموع في اللغة الإنجليزية في مثل ما ذكرنا من أمثلة.
هذا شيء من الخواص الصوتية التي تمتاز بها العربية من غيرها من اللغات، وهي أمثلة تتعلق بما يعرف في الدرس الصوتي الحديث بالأصوات الصامتة أو الساكنة "consonants" ونزيد القول إيضاحا الآن بذكر شيء من سمات الحركات في هذه اللغة، وبإشارة عاجلة أخرى إلى بعض الظواهر الصوتية ذات القيمة المميزة للغتنا.
الحركات في اللغة العربية قليلة العدد نسبيا، فهي ثلاث حركات أساسية هي الفتحة والكسرة والضمة، وكل منها قد تكون قصيرة أو طويلة فهي ست بهذا الوصف، أي: إن أخذت الطول والقصر في الحسبان.
هذه الحركات القليلة العدد ظاهرة بارزة، تستحق النظر والتأمل إذا قيست بما يناظرها في اللغات الأخرى، ففي اللغة الإنجليزية مثلا اثنتان وعشرون حركة، وعلى الرغم من هذا الفارق الكبير بين اللغتين في هذا المجال، نجد الحركات في العربية تقوم بوظائفها ودورها في تشكيل الكلام وبنائه على وجه لا يقل أهمية عن نظيراتها في اللغة الإنجليزية، بل تفوقها وتمتاز منها في بعض الوجوه.
نحن لا ننكر أن هذه الحركات الست قد تتعدد صورها وأمثلتها في النطق الفعلي للكلم، بسبب ما يجاورها من الأصوات الصامتة، فالفتحة مثلا قد تكون مرققة، أو مفخمة، أو بين بين، كما في نحو: دل -ضل -قل، بهذا الترتيب، وذلك بسبب وجود الدال في الكلمة الأولى والضاد "المفخمة" في الثانية والقاف "التي بين الترقيق والتفخيم" في الثالثة ولكن هذه السمات
стр. 180
الثلاث التي لحقت الفتحة في هذه الأمثلة ذات قيمة نطقية فقط، وليست ذات قيمة في الدلالة، أي في التفريق بين المعاني. والفرق في المعاني بين هذه الكلمات الثلاث إنما سببه الدال والضاد والقاف، وليس ترقيق الفتحة أو تفخيمها أو نطقها بين الحالتين. ومن ثم يقع الخطأ في المعنى والنطق أو اللبس فيهما إذا حدث خطأ في نطق هذه الأصوات الثلاثة "الدال والضاد والقاف" أي بالإتيان بها على وجه مخالف لطبيعتها النطقية المقررة من ترقيق أو تفخيم أو "وسطية".
ومعنى ذلك -كما قررنا- أن الحركات في العربية بوصفها وحدات مميزة للمعاني والقيم الدلالية في اللغة العربية ست فقط، وإن تعددت صورها النطقية الفعلية في السياقات المختلفة. وعد هذه الحركات ستا فقط هو المأخوذ به في النظر العلمي في النظام الصوتي للغة العربية، وهو المبدأ المتبع "باتفاق" عند محاولة وضع القواعد أو الضوابط الصوتية الوظيفية المميزة لهذه اللغة.
وقلة الحركات في لغة ما حسنة من حسنات هذه اللغة في النطق والأداء الفعلي للكلام. ذلك أن الحركات -في عمومها- أصعب من الأصوات الأخرى وأكثرها تعرضا للتغيير والتبدل. ومن الطبيعي أنه كلما زاد عدد الحركات كانت صعوبة النطق أقوى احتمالا وظاهرة التغير والتحول أكثر وقوعا. زد على ذلك أن كثرة الحركات تقود حتما إلى تداخلها والخلط بينها من حين إلى آخر، الأمر الذي نتج منه -لا محالة- خطأ في النطق أو خلط فيه، ويؤدي إلى الخطأ في المعنى أو اللبس فيه. واحتمال الوقوع في الخطأ في نطق هذه الحركات الكثيرة واضح كل الوضوح عندما يحاول أجنبي استخدام تلك اللغة الكثيرة حركاتها كما يبدو ذلك لنا عندما ينطق العربي اللغة الإنجليزية حيث يقع في أخطاء نطقية واضحة، كما يخلط بينها خلطا غير مقبول.