للتاء: قارن "طاب" و"تاب": كلمتان مستقلتان بمعنيين مختلفين، بسبب وجود الطاء المفخمة في الكلمة الأولى والتاء المرققة في الثانية.
ربما يوجد ما يشبه هذا التناظر أو التقابل في أصوات بعض اللغات كما يتمثل ذلك في الصورتين الأوليين من الكلمتين: this و three في اللغة الإنجليزية. ولكن من المهم أن ندرك أن هذا التقابل لا يجري على سنن مطرد في تكوين الكلمات وبنيتها، فهو إن وجد فإنما يكون ذلك في كلمتين أو كلمات معدودات دون أن يتخذ مسارا أو اتجاها مستقرا يؤهله لأن يكون قاعدة أو ما يشبه أن يكون كذلك.
وخاصة أخرى ترتبط بأسلوب توزيع الأصوات على مدارج النطق في العربية: تتمثل هذه الخاصة في نظام هذا التوزيع، بحيث تجيء الأصوات المؤلفة للكلمة منسجمة متناسقة خالية من الثقل، ليس بينها تنافر يؤذي السمع أو عدم انسجام يفقدها حلاوة النغم وحسن التلقي والقبول.
ولقد أدرك علماء العربية هذه الخاصة في لغتهم، واستطاعوا بفكرهم الثاقب ونظرهم الدقيق أن يضعوا ما يشبه أن يكون قواعد صوتية لما ينبغي أن يكون عليه تأليف الكلمة من أصوات، أخذا بنظام توزيع أصوات لغتهم على مدارج النطق ونظام التناسق والانسجام بين هذه الأصوات.
لقد قرروا أن العربية تتجنب جمع "الزاي مع الظاء، والسين، والصاد، والذال"، وجمع "الجيم مع القاف، والظاء، والطاء، والغين، والصاد"، وجمع "الحاء مع الهاء"، ووقوع الهاء قبل العين، والخاء قبل الهاء إلى آخر ما قرروا في هذا الباب على ما هو معروف للدارسين.
وقد أشار ابن جني إلى شيء من هذا في خصائصه، فيقول: أما إهمال ما أهمل مما تحتمله قسمة التركيب في بعض الأصول المتصورة أوالمستعملة فأكثره متروك للاستثقال. وبقيته ملحقة به ومقفاة على أثره. فمن ذلك ما
стр. 177
رفض استعماله لتقارب حروفه نحو: سص وصس وطت وتط وصش وشص، لنفور الحس عنه والمشقة على النفس لتكلفه. وكذلك قج وجق وكق وقك وكج وجك. وكذلك حروف الحلق هي من الائتلاف أبعد لتقارب مخارجها من معظم الحروف، أعني حروف الفم. وإن جمع بين اثنين منها يقدم الأقوى على الأضعف نحو: أهل وأحد وأخ وعهد، وكذلك متى تقارب الحرفان لم يجمع بينهما إلا بتقديم الأقوى منها.
وهناك بالعربية أصوات تقل أو يندر وجودها في كثير من اللغات المعروفة لنا في الشرق والغرب على سواء. من ذلك مثلا الهمزة المعروفة لنا في التراث بهمزة القطع١، كما في الصوت الأول من نحو "أحمد" و"أعرف" و"أعلام" مثلا فهذه الهمزة ليس له وجود في كثير من اللغات الأوربية وغيرها وهي إن وجدت في بعض صور الكلام وأساليبه كما في لهجة "لندن" مثلا ليست تعدل أو تتساوى مع الصوت العربي في كل وجوهه وخصائصه: إن الموجود في لهجة "لندن" هذه ليس همزا حقيقيا، إنما هو نوع من "التهميز" أو هو منح النطق سمة من سمات الهمزة، وليست له قيمة الهمزة العربية من حيث كونه عنصرا في تكوين الكلمة ودلالتها. إن هذا الصوت "اللندني" لا يعدو أن يكون ظاهرة نطقية بحتة، وليس وحدة صوتية مميزة، ذات وظيفة في التفريق بين المعاني أو تحديد القيم الصرفية والنحوية للكلمة. وعلى العكس من ذلك كله تتمتع همزتنا باستقلال وكيان صوتي ودلالي معا.
стр. 178
وهناك في العربية كذلك صوت القاف الذي يندر أن تجد له نظيرا فيما نعرف من لغات، باستثناء الساميات التي تعد العربية واحدة منها، كما هو معروف، وإذا اضطر من تخلو لغته منها إلى نطقها حولها إلى صوت الكاف أو ما أشبه، حتى إنك لتسمع هذا النطق الخاطئ ذاته في نطق غير المثقفين من العرب أنفسهم عندما يحاولون استخدام كلمة فصيحة بعينها في كلامهم اللهجي العادي.
أما العين فهو صوت لا وجود له في اللغات الأوربية، وإذا حاول واحد من أصحاب هذه اللغات استخدامه انتقل إلى استخدام الهمزة بدلا منه. ومن الطريف أن نعلم أن بعض الدارسين في الغرب يرى أنه من الأنسب أن تسمى العربية "لغة العين" بدلا من قولنا "لغة الضاد" وهم في ذلك واهمون، لأن العين -وإن لم يوجد في اللغات الأوربية- صوت معروف مقرر في اللغات السامية.
ويأتي صوت "الضاد" على قمة السمات الصوتية التي تنفرد به اللغة العربية. وذلك أن هذا الصوت -بوصفه وحدة صوتية ذات قيمة ووظيفة في تركيب الكلمة ودلالتها- ليس له وجود على الإطلاق في أية لغة معروفة لنا على وجه الأرض١. نعم، ربما نسمع صوتا يشبهه أو يماثله في بعض الكلمات في لغات معينة، كما في نحو: bud و mud في اللغة الإنجليزية. ولكن هذا الذي نسمعه في مثل هذه الكلمات الإنجليزية ليس ضادا أو قل: ليست له قيمة الضاد العربية. إن الذي نسمعه في هاتين الكلمتين، إنما هو صوت "d" الدال، ولكنه نطق مفخما فأشبه ضادنا في النطق، ولكن شتان بين الصوتين في القيمة والوظيفة. فضادنا صوت مميز للمعاني، كما يظهر ذلك مثلا عندما
стр. 179
نقارن بين "دل" و"ضل" فهاهنا كلمتان مستقلتان. ولكل منهما معنى مختلف، وذلك بسبب وجود الدال في الأولى والضاد في الثانية. وليس كذلك الأمر بحال في هذا الصوت المسموع في اللغة الإنجليزية في مثل ما ذكرنا من أمثلة.
هذا شيء من الخواص الصوتية التي تمتاز بها العربية من غيرها من اللغات، وهي أمثلة تتعلق بما يعرف في الدرس الصوتي الحديث بالأصوات الصامتة أو الساكنة "consonants" ونزيد القول إيضاحا الآن بذكر شيء من سمات الحركات في هذه اللغة، وبإشارة عاجلة أخرى إلى بعض الظواهر الصوتية ذات القيمة المميزة للغتنا.
الحركات في اللغة العربية قليلة العدد نسبيا، فهي ثلاث حركات أساسية هي الفتحة والكسرة والضمة، وكل منها قد تكون قصيرة أو طويلة فهي ست بهذا الوصف، أي: إن أخذت الطول والقصر في الحسبان.
هذه الحركات القليلة العدد ظاهرة بارزة، تستحق النظر والتأمل إذا قيست بما يناظرها في اللغات الأخرى، ففي اللغة الإنجليزية مثلا اثنتان وعشرون حركة، وعلى الرغم من هذا الفارق الكبير بين اللغتين في هذا المجال، نجد الحركات في العربية تقوم بوظائفها ودورها في تشكيل الكلام وبنائه على وجه لا يقل أهمية عن نظيراتها في اللغة الإنجليزية، بل تفوقها وتمتاز منها في بعض الوجوه.
نحن لا ننكر أن هذه الحركات الست قد تتعدد صورها وأمثلتها في النطق الفعلي للكلم، بسبب ما يجاورها من الأصوات الصامتة، فالفتحة مثلا قد تكون مرققة، أو مفخمة، أو بين بين، كما في نحو: دل -ضل -قل، بهذا الترتيب، وذلك بسبب وجود الدال في الكلمة الأولى والضاد "المفخمة" في الثانية والقاف "التي بين الترقيق والتفخيم" في الثالثة ولكن هذه السمات
стр. 180
الثلاث التي لحقت الفتحة في هذه الأمثلة ذات قيمة نطقية فقط، وليست ذات قيمة في الدلالة، أي في التفريق بين المعاني. والفرق في المعاني بين هذه الكلمات الثلاث إنما سببه الدال والضاد والقاف، وليس ترقيق الفتحة أو تفخيمها أو نطقها بين الحالتين. ومن ثم يقع الخطأ في المعنى والنطق أو اللبس فيهما إذا حدث خطأ في نطق هذه الأصوات الثلاثة "الدال والضاد والقاف" أي بالإتيان بها على وجه مخالف لطبيعتها النطقية المقررة من ترقيق أو تفخيم أو "وسطية".
ومعنى ذلك -كما قررنا- أن الحركات في العربية بوصفها وحدات مميزة للمعاني والقيم الدلالية في اللغة العربية ست فقط، وإن تعددت صورها النطقية الفعلية في السياقات المختلفة. وعد هذه الحركات ستا فقط هو المأخوذ به في النظر العلمي في النظام الصوتي للغة العربية، وهو المبدأ المتبع "باتفاق" عند محاولة وضع القواعد أو الضوابط الصوتية الوظيفية المميزة لهذه اللغة.
وقلة الحركات في لغة ما حسنة من حسنات هذه اللغة في النطق والأداء الفعلي للكلام. ذلك أن الحركات -في عمومها- أصعب من الأصوات الأخرى وأكثرها تعرضا للتغيير والتبدل. ومن الطبيعي أنه كلما زاد عدد الحركات كانت صعوبة النطق أقوى احتمالا وظاهرة التغير والتحول أكثر وقوعا. زد على ذلك أن كثرة الحركات تقود حتما إلى تداخلها والخلط بينها من حين إلى آخر، الأمر الذي نتج منه -لا محالة- خطأ في النطق أو خلط فيه، ويؤدي إلى الخطأ في المعنى أو اللبس فيه. واحتمال الوقوع في الخطأ في نطق هذه الحركات الكثيرة واضح كل الوضوح عندما يحاول أجنبي استخدام تلك اللغة الكثيرة حركاتها كما يبدو ذلك لنا عندما ينطق العربي اللغة الإنجليزية حيث يقع في أخطاء نطقية واضحة، كما يخلط بينها خلطا غير مقبول.
стр. 181
ولعل هذا الذي قررنا من القلة العددية للحركات العربية وما يتبع ذلك من ضعف احتمال تعرض هذه الحركات للتغير والتبدل، يفسر لنا ذلك السر الفريد الذي تختص به عربيتنا الفصحى في ماضيها وحاضرها. ذلك أن هذه الحركات ما زالت هي هي ثابتة مستقرة بعددها وصفاتها لم يصبها تغير يذكر في تاريخها الطويل، وهذا بدوره ضمن بقاء اللغة العربية وساعدها على الاحتفاظ بخواصها الصوتية الأساسية على مر الزمن، حتى إنك لا تجد فروقا صوتية ذات شأن بين حالها في الماضي والحاضر. أما الفروق التي تلحقها في اللهجات العربية الحديثة في مجال الحركات فهي فروق فردية في أساسها ترجع إلى البيئة الجغرافية والثقافية، وهي مع ذلك فروق يسيرة في طبيعتها يمكن ردها كلها أو جلها إلى حركات اللغة الأم بصورة أو بأخرى، كما يمكن حصرها وضبطها بشيء من النظر والتأمل.
وعلى الرغم من هذه القلة النسبية في عدد حركات العربية، فإن لهذه الحركات دورا خطيرا في المادة اللغوية على كل المستويات. فهي -بالإضافة إلى دورها الصوتي المتمثل في كونها لبنات أساسية في البناء الصوتي للغة- تؤدي وظائف ذات أهمية فائقة على المستوى الصرفي والمعجمي والدلالي والنحوي جميعا. نستطيع أن نتبين هذا الدور وقيمته بذكر أمثلة قليلة توضح ما نقول.
فمن المعروف أن الكلمات العربية مادتها الأساسية تلك الأصوات المعروفة بالأصوات الصامتة أو الساكنة، كالباء، والتاء والثاء ... إلخ، ولكن هذا الأصل يلحقه تعديل وتحويل أو تحوير وتغيير بوساطة الحركات، فينتج لنا عن هذا الأصل مجموعة من الأوزان أو الصيغ الصرفية لكل منها قيمة معجمية دلالية مختلفة فالأصل المتمثل في "ع ر ض" مثلا، يمكن أن نأتي منه بطريق التغيير في الحركات بالكلمات التالية: عَرْض "بفتح العين وسكون الراء" ومعناه ضد الطول أو هو مصدر عرض يعرض، وعِرْض "بكسر العين"
стр. 182
ومعناه الحسب والشرف، وعُرْض "بضم العين" ومعناه "الجانب" كما في قولنا: ألقى به عُرض الحائط، أو معناه "الوسط" كما في نحو "في عُرض البحر أي في وسطه". وهكذا نرى أن الوزن الصرفي مختلف، وكذلك الحال بالنسبة للدلالة المعجمية.
وأكثر من هذا، ليس من النادر أن نجد التبادل بين الحركات يؤدي إلى تفريق صرفي وظيفي، كأن تنتمي صيغة ما إلى جنس صرفي معين، وبتغيير إحدى حركات هذه الصيغة نصل إلى جنس صرفي آخر. قارن: إِعلام "بكسر الهمزة" بقولنا: أُعلام "بفتح الهمزة" فالصيغة الأولى مصدر الفعل "أعلم" والثانية جمع "علم". وهذا النوع من الأمثلة كثير الورود في العربية، نحو إنباء وأنباء، وإحكام وأحكام ... إلخ.
أما وظائف الحركات على المستوى النحوي فهي ذات خطر وشأن. ويكفي أن ندرك أن الإعراب في جملته يقوم على الحركات، فهي علاماته الأصلية في كل الحالات، وهي كذلك دالته في الإعراب "النائب" في معظم الحالات، كما أن الاختلاف في حركات الإعراب دليل الاختلاف في الوظيفة النحوية للكلمة، والفتحة، كما هو معروف، علامة النصب، على حين أن الضمة علامة الرفع، والكسرة علامة الجر.
وليس هذا فقط، فللحركات في العربية دور في التفريق بين الأجناس الصرفية كما في حال المثنى وعلامته الألف وجمع المذكر السالم وعلامته الواو، كما هو مقرر معروف. وهذه الألف إن هي إلا فتحة طويلة، كما أن الواو لا تعدو أن تكون ضمة طويلة، وهما في الوقت ذاته علامتا حالة إعرابية، هي الرفع فيهما.
ولعله من الطريف أن نذكر في هذا المقام أن "سلب الحركة" "المسمى عندهم بالسكون" هو الآخر ذو وظيفة صرفية نحوية ذات قيمة معينة في
стр. 183
النظام الإعرابي للغة العربية. فالسكون أو عدم الحركة دليل الجزم في بعض صور المضارع كما أنه علامة البناء في صيغ منوعة تنتمي إلى أجناس صرفية مختلفة، كما يظهر ذلك مثلا في بعض الأسماء والأفعال "فعل الأمر" والحروف على ما هو معروف لنا جميعا. وأكبر الظن أن هذه الوظيفة الإعرابية للسكون "وهو عدم الحركة" كانت السبب الذي دعا بعض النحاة إلى الحكم على السكون بأنه حركة وأنه رابع الحركات فيها. وربما كان لهم العذر في هذا الحكم، حيث رأوه يؤدي وظائف إعرابية تقارن في الأهمية بوظائف الحركات الحقيقية في هذا الشأن. والحق أن السكون هو عدم الحركة أو هو لا شيء "صفر" من الناحية النطقية، ومن ثم لا يدخل في عداد الحركات من هذه الناحية، إذ لا يشترك مع الحركات "أو أي صوت في اللغة" في أية خاصة من خواصها النطقية. ولكن هذا العدم أو اللاشيء له دور وظيفي في اللغة يظهر بصفة خاصة في الإعراب. وعلى هذا يمكن لنا، تجاوزا، عده عنصرا من عناصر النظام الإعرابي في اللغة العربية، أو قل هو "حركة وظيفيا وهو عدم الحركة أو اللاشيء نطقا".
ومادمنا في مجال ذكر شيء من الخواص الصوتية للغتنا، جاز لنا أن نشير إلى تلك الخاصة المميزة، المعروفة "بالتنوين" فالتنوين من الناحية الصوتية نون ساكنة، ولكنها تختلف عن بقية النونات في العربية من حيث الموقع والتوزيع في بناء الكلمة. إن موقعه الصوتي محدد وثابت، حيث لا يقع إلا في آخر نوع أو نمط معين من الكلمات.
أما من الناحية الصرفية والنحوية فللتنوين جملة مهمة من الوظائف. من ذلك مثلا أنه دليل "التنكير أو الإبهام في النكرات" كما في "رجل" ودليل "الشيوع" في بعض الأعلام، مثل: "محمد"، ولهذا يجب حذف هذا التنوين عند الإضافة، والإضافة من شأنها إزالة هذا التنكير وذاك الإبهام، كما أن من شأنها تعيين العلم وتحديده، فينتفي الشيوع أو شبهته. وليس من الغريب إذن
стр. 184
حذف هذا التنوين عند وصف العلم المنون بكلمة "ابن" كما في نحو "محمد بن عبد الله" حيث قام الوصف بدور التخصيص أو التعيين، ومن ثم لا حاجة إلى التنوين.
وما قلناه هنا على التنوين ينطبق بتمامه على النون في المثنى وجمع المذكر السالم. فهذه النون في رأينا "ورأي غالبية النحاة" هي التنوين، غير أنه كتب هنا بالنون لاستحالة استخدام رمز التنوين المعروف في هذا الموقع. وهذه النون كما هو معروف واجب حذفها عند الإضافة، لأنها رفعت الإبهام والشيوع المفهومين بالتنوين "أي: النون" قبل الإضافة. أما أن هذه النون في المثنى والجمع تبقى ولا تحذف عند اتصالهما بالألف واللام "الرجلان المسلمون" فتلك قضية أخرى. ذلك أن الألف واللام هنا للتعريف أي: تأهيل الكلمة لأن تقع موقعا نحويا معينا كالابتداء مثلا، وليست هذه الأداة للتعيين أو التخصيص والتحديد، إذ مازالت فكرة التعميم والشيوع قائمة بالمثنى والجمع بسبب التعدد. والتعدد يناقض التحديد أو التعيين كما هو واضح، ومن ثم ثبتت النون. وحذف التنوين في المفرد المعرف باللام لا يتناقض مع ما قلنا، لأن هذا الحذف في هذه الحالة هو الأصل أولا، ولأن "مفردية الكلمة ساعدت على إزالة الإبهام أو الشيوع ثانيا، فلا حاجة إذن إلى التنوين"١.
وتحريك التنوين "أي النون" في المثنى والجمع، على العكس منه في المفرد إنما كان لسبب صوتي ظاهر، ذلك أنه وقع في موقع يوجب تحريكه، منعا لالتقاء الساكنين، ومع ذلك قد يأتي ساكنا كما في حالة الوقف، وهي قاعدة مقررة منصوص عليها في النظام الصوتي والنحوي، على ما هو معروف لدى أهل النظر.
стр. 185
ولا ننسى في هذا المجال أن نشير إلى أن التنوين أيضا هو علامة صرف الكلمة نحويا، وحذفه دليل منع الكلمة من الصرف، والممنوع من الصرف باب كبير متشعب الجوانب، تنبنى قواعده على ضوابط عدة، من بينها وجود ظاهرة التنوين أو عدم وجودها، على ما هو معلوم لنا جميعا. أما وجود النون "أي التنوين" في المثنى والجمع المذكر الذي لا ينون مفرده "أي الممنوع من الصرف" كإبراهيمون مثلا، فذلك لأن تنوين ما لا ينصرف مقدر، فقامت النون "أي التنوين" مقامه في الجمع والمثنى.
ويمكن لنا بعد ذلك أن نشير إلى أمثلة أخرى من تلك الظواهر الصوتية التي تمتاز بها اللغة العربية إذا قورنت بكثير من اللغات المعروفة لنا، والتي لا يدركها كثير من المثقفين العرب، ولا يعيرها التفاتا ذا بال بعض الدارسين المتخصصين. هذه الظواهر قد تختص بصوت أو مجموعة معينة من الأصوات.
فأول ذلك ما يعرف بالتاء المربوطة. هذه التاء اتفق على رسمها بالرمز "ة" أي بصورة "هاء" فوقها نقطتان. هذا الرمز يتحقق في النطق الفعلي للغة بصورتين أساسيتين مختلفتين في الصفات والسمات وفقا للسياق الذي تقع فيه. فهي تنطق تاء خالصة في وصل الكلام، ولكنها هاء صرفة في الوقف، تقول في الفصحى: فاطمة بنت أخي "بتاء متلوة بضمة" ولكن "هذه فاطمة" "بهاء ساكنة" ومن ثم يمكن عد نطقها تاء دليلا على وصل الكلام، كما أن تحقيقها هاء علامة من علامات الفصل أو الوقف. ومعنى هذا إذن أن نطق "التاء المربوطة" في الوصل يؤهلها لأن تكون مثلا أو صورة من صور تلك الوحدة الصوتية المعروفة بالتاء "ت"، على حين يرشحها تحقيقها في الفصل لأن تنتمي إلى الوحدة الصوتية الأخرى المرسومة بالهاء "هـ، بدون نقطة" وهي في الحالة الأولى كذلك لها ما للتاء من صفات، كما أنها في الفصل والوقف تنتظم ما للهاء من سمات.
стр. 186
لهذا لم يكن غريبا ولا شاذا عدم تخصيص رمز لها قائم بذاته في الألفباء التقليدية، تلك الألفباء التي تعني في الأساس برموز الوحدات الصوتية التي من شأنها أن تفرق بين المعاني للكمات "قارن: باب × ناب"، ولا تهتم بالإشارة إلى الاحتمالات النطقية للوحدة الصوتية المعينة، كنطقي الدال مثلا في عدت وعدنا، فهي تاء أو أشبه بها في الكلمة الأولى، ولكنها دال خالصة في الثانية، ومع ذلك فالدال وحدة صوتية واحدة.
وعدم ذكر رمز خاص للتاء المربوطة في ألفباء الوحدات الصوتية لا يعني إهمالها أو عدم الاعتداد بها في النظام الصوتي للغة العربية، لأنها -كما يتضح من المناقشة- تنضم إلى التاء "ت" حينا وإلى الهاء "هـ" حينا آخر، ومن ثم لم يكن هناك مسوغ علمي للنص على رمز خاص بها في هذه الألفباء، ومع ذلك، فقد أدرك علماء العربية بثاقب نظرهم أن التاء المربوطة -على الرغم من دخولها في باب التاء مرة وفي باب الهاء مرة أخرى -تختلف عن هاتين الوحدتين "التاء والهاء" في جملة من الصفات الصوتية والصرفية والنحوية. ومن ثم أتوا برمز لها يدخل في عداد الرموز الثانوية للألفباء العربية، كرمز الهمزة "ء" ورمز التشديد "ّ" ورمز السكون "هـ" هذا الرمز هو رمز "ة" الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من قواعد الكتابة الإملائية للغتنا، والخطأ فيه خطأ إملائي صريح.
وإنه لمن الذكاء والعمق حقا أن كتبوها بهذا الرمز بالذات "ة" إذ هو في الأساس صورة الهاء "وهذه حالتها في بعض المواقع الصوتية" وتوجوها بنقطتين إشارة إلى قيمة التاء. كما هو الحال في بعض مواقعها، ووضع نقطتين بالذات "أي لا نقطة أو ثلاث" دليل واضح على هذه القيمة الصوتية الثانية.
فهذا الرمز الثانوي أو الإضافي "ة" للتاء المربوطة حقق لها نوعا من الكيان الذي تستحقه، ونبه غير العارفين إلى خواصها التي تمتاز بها في
стр. 187
النظام اللغوي للعربية، فهي صوتيا -مثلا- تختلف عن كل من التاء والهاء في الموقعية وفي تحديد نطق معين لا يتخلف في كل من سياقيها المعروفين: الوصل والوقف، إنها لا تكون إلا في آخر الكلمة، وفي كلمات ذات طبيعة صرفية معينة، وهي تاء فقط في الوصل وهاء في الوقف".
أما من الناحية الصرفية والنحوية فالتاء المربوطة دليل التأنيث في أجناس خاصة من الكلم، ووجودها "مع علل أخرى" يمنع الصرف في أجناس أخرى، إلى غير ذلك من الخواص الصرفية والنحوية، كما يتمثل في عدم جواز جمع ما اشتمل عليها جمع المذكر السالم، على ما هو مقرر.
ونأتي بعد ذلك إلى ظاهرة صوتية مهمة تتعلق بمجموعة معينة من أصوات العربية، وهي ظاهرة التفخيم. والتفخيم في أيسر عبارة -أثر سمعي تدركه الأذن نتيجة لعملية فسيولوجية معقدة، تتعاون في تشكيلها مجموعة من العوامل أظهرها وأقربها إدراكا:
تقعير اللسان، بمعنى انخفاض وسطه نسبيا عند النطق بالصوت المفخم، ويتبع ذلك حتما ارتفاع الجزء الخلفي من اللسان نحو الحنك الأعلى.
حدوث شيء من التوتر في أعضاء النطق وبخاصة في أوردة الرقبة، ويتصل بذلك أو ينتج منه تعديل في تجويف الفم والنطق بشدة أو قوة نسبية.
والأصوات المفخمة في العربية على ضربين رئيسيين: أصوات مفخمة تفخيما كليا، وأصوات تفخيمها بين بين. أما أصوات النوع الأول فهي الصاد والضاد والطاء والظاء وهي المسماة في القديم "أصوات الإطباق" وهذه الأصوات الأربعة -في رأي الجميع بلا استثناء- مفخمة في كل موقع تقع فيه في اللغة العربية، وذلك بقطع النظر عما يسبقها أو يلحقها من الأصوات وهي النظير المفخم للسين والدال والتاء والذال. ومن ثم كان تفخيمها ذا قيمة دلالية، له دور في التفريق بين المعاني، بالإضافة إلى قيمته الصوتية.
стр. 188
ومن ثم كان الخطأ في نطق هذه الأصوات بترقيقها خطأ من ناحيتين: خطأ صوتي وهو أمر معيب غير مقبول للخروج بالصوت المفخم عن طبيعته وسماته، وخطأ دلالي يؤدي إلى اللبس في المعنى وغموضه. ونستطيع أن ندرك ذلك من الأمثلة الآتية:
صاد × ساد، ضل × دل، طاب × تاب، ظل × ذل.
حيث نلحظ اختلافا في المعنى بين كل كلمتين متقابلتين. والسبب في ذلك واضح، وهو وجود صوت مفخم في إحداهما ونظيره المرقق في الثانية معنى هذا -بعبارة اللغويين- أن الصوت المفخم ليس صورة نطقية سياقية للصوت المرقق، وإنما هو نظيره، وله قيمته الخاصة به صوتيا ودلاليا. ومعنى ذلك أيضا أن نطق هذه الأصوات المفخمة مرققة يؤدي إلى الخلط واللبس بين الكلم في اللغة العربية، إذ حينئذ تصير الصاد سينا والضاد دالا والطاء تاء والظاء ذالا. وبهذا يضيع التفريق في المعاني كما تضيع القيمة الصوتية المميزة لهذا الصوت أو ذاك.
وأصوات الضرب الثاني من أصوات التفخيم هي القاف والخاء والغين وتفخيمها تفخيم "بين بين". و"البينية" هذه تظهر في سمتين متلازمتين هما أن تفخيمها أقل درجة من تفخيم أصوات النوع الأول، وأن هذا التفخيم "الضعيف" نسبيا إنما يظهر عندما يتلو هذه الأصوات ضم أو فتح "قصير أو طويل" ولكنه يختفي أو يكاد عند كسرها، إذ هي -حينئذ- إلى الترقيق أقرب.
والخطأ في نطق هذه الأصوات الثلاثة من حيث التفخيم أو الترقيق خطأ صوتي محض، لا يؤثر على المعنى ولا يؤدي إلى اللبس فيه، لانعدام نظائر مرققة لها في العربية، على العكس من أصوات الإطباق الأربعة السابقة "ص ض ط ظ" وعلى الرغم من ذلك فهذا الخطأ -بالإضافة إلى عده خطأ صوتيا
стр. 189
في نطق اللغة. -دليل على "تفاهة" المتكلم وسطحية ثقافته اللغوية، إذ هو عند ترقيقها في مواضع التفخيم يأتي بأصوات غير مألوفة للأذن العربية على الإطلاق، بخلاف أصوات الإطباق الأربعة، فقد يلجأ المتكلم إلى ترقيقها في مواقف اجتماعية أو درامية معينة، ويكون نطقه مقبولا في هذه المواقف بالذات، لأنه يرمي إلى إحداث تأثير خاص أو تصوير سلوك لغوي معين بقصد التندر أو الفكاهة أو السخرية. والملاحظ على كل حال أن النساء أكثر ميلا إلى ترقيق أصوات التفخيم بنوعيها، وهو أمر مازلنا نحكم عليه بالخطأ في إطار اللغة الفصحى.
وهذه الأصوات الثلاثة، مضمومة إلى أصوات الإطباق السابقة، تسمى جميعا بأصوات الاستعلاء في التراث العربي، وهي تسمية صحيحة دقيقة، إذ عند النطق بها جميعا في حال التفخيم تعلو مؤخرة اللسان نحو الجزء الخلفي من الحنك الأعلى.
أما بقية أصوات العربية فهي "باستثناء اللام والراء" مرققة بطبيعتها وإن كان يلحقها شيء من التفخيم بالمجاورة، أي بوقوعها في سياق صوت مفخم سابق أو لاحق. وينطبق هذا الذي نقول على الحركات جميعا، فهي بنفسها لا توصف بتفخيم أو ترقيق، وإنما يكون هذا أو ذاك بحسب سياقها الصوتي. لاحظ الأمثلة الآتية:
تاب × طاب وبت × بط
حيث جاءت الفتحة الطويلة "الألف" والباء مرققتين في الكلمة الأولى، ولكنهما مفخمتان في الثانية، وكذلك جاءت الباء وفتحتها مرققتين في الكلمة الثالثة على حين أصابهما التفخيم في الرابعة، وإنما كان هذا أو ذاك بسبب طبيعة الأصوات المجاورة من حيث التفخيم والترقيق.
стр. 190
أما اللام والراء فلهما حالات خاصة تستدعي نظرا مستقلا، لاختلاف أحوالهما من هذه الناحية عن كل ما سبق ذكره.
اللام صوت مرقق بطبيعته ولكنه ينفرد بأحكام خاصة من حيث الترقيق والتفخيم في لفظ الجلالة "الله" وحده، فهو في هذا اللفظ يفخم إذا سبق بضم أو فتح ولكنه يرقق إذا جاء بعد كسر نقول: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ و"باركَ اللهُ فيك" بالتفخيم، ولكن: "بسمِ الله الرحمن الرحيم" و ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ بالترقيق وإلى هذه الأحكام أشار واحد منهم بقوله:
وفخم اللام من اسم الله ... عن فتح أو ضم كعبدَ الله١
والراء في اللغة العربية الفصحى صوت ينفرد بمجموعة من السمات النطقية التي تخفى على كثير من المثقفين وبعض المتخصصين، حيث يأتون بها على وجه غير صحيح من حيث التفخيم والترقيق، وذلك لأسباب نجمل منها ما يلي:
التأثر بما يجري في اللهجات العامية من خلط في نطق هذا الصوت واختلاف واضح في أدائه من لهجة إلى أخرى، بحسب البيئة أو الثقافة أو هما معا. فهناك قوم يرققون هذا الصوت حيث يجب التفخيم، وآخرون يفخمون حيث لا مسوغ له، وفرقة ثالثة يلتبس عليها الأمر، فتخلط بين الحالتين، وربما يأتي الواحد منهم بصورتين مختلفتين للراء في الكلمة الواحدة أو السياق الصوتي الواحد.
المروي لنا أنه كان هناك اختلاف بين القبائل العربية في القديم في نطق هذا الصوت من حيث التفخيم والترقيق.
روي خلاف واضح بين القراء أنفسهم في نطق الراء في مواقع معينة، كما يظهر ذلك في قراءة "ورش" و"حفص".
стр. 191
صعوبة استيعاب القوانين والضوابط التي حددها أهل الثقة للإتيان بهذا الصوت مفخما أو مرققا، كما يتضح مما يلي:
جرى معظم الثقات على ذكر ضوابط الترقيق في الراء بشيء من التفصيل، دون النص على تفريعات أحوال التفخيم وإمكاناته السياقية المتعددة، وربما كان ذلك منهم لشيوع ظاهرة التفخيم في الراء وكثرة ورودها كثرة يصعب معها وضع ضوابط تفصيلية لها، حتى إن بعضهم يقرر أن الراء من طبيعتها التفخيم، ومعناه أن الترقيق نوع من الاستثناء.
المروي عن هؤلاء الثقات أن الراء يصيبها الترقيق في حالتين رئيسيتين هما:
-إذا جاءت مكسورة "أي متلوة بكسر" بقطع النظر عن طبيعة الصوت السابق أو اللاحق لها، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ و ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ و ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وكذلك في نحو: "بشرى" بالإمالة إذ حركة الإمالة تدخل في إطار الكسرة، أو هي أقرب إليها من الفتح على ما هو معروف.
- إذا وقعت ساكنة بعد كسر. وذلك بشرطين:
أولهما: أن تكون الكسرة أصلية، لا عارضة ككسرة همزة الوصل أو الكسرة التي يؤتى بها للتخلص من التقاء، الساكنين.
ثانيهما: ألا يقع بعدها صوت استعلاء "ص ض ط ظ خ غ ق" ويتحقق هذان الشرطان في نحو "فرعون" و"مرية".
فإن كانت الكسرة عارضت فخمت الراء، نحو: ﴿ارْكَعُوا﴾ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ وكذلك تفخم الراء الساكنة المسبوقة بكسرة إذا وليها صوت استعلاء، مثل "فرقة، قرطاس، مرصاد".
стр. 192
ويلحق بهذه الحالة الثانية الراء الساكنة الواقعة بعد إمالة أو ياء ساكنة، حيث يصيبها الترقيق أيضا، كما في نحو: "نار" بالإمالة، "خبير، خير" وواضح أن الترقيق هنا واقع في حدود الصوتية، إذ الإمالة نوع من الكسر أو هي قريبة منه، والياء في "خبير" إن هي إلا كسرة طويلة "وسموها ياء ساكنة وفقا لاصطلاحهم". والياء الساكنة في "خيْر" فيها شبهة الكسرة، لأنها في هذا الموقع تتسم بشيء من صفات الكسر، وتقرب منه في المخرج.
وفي هذا المقام أيضا نصوا على ترقيق الراء الساكنة إذا وقعت بعد كسرة وفصل بينهما بساكن، كما في نحو "قدر "و"كبر" بكسر القاف والكاف وسكون الراء فيهما. وهذا الأمر واضح كذلك، يمكن فهمه وتفسيره، حيث إن الراء الساكنة، ما زالت مسبوقة بكسرة أصلية، والفصل بالساكن كلا فصل، فلا يحجب تأثير الكسرة السابقة وعملها أو دورها في الترقيق.
والملاحظ على أية حال أن الراء في كل هذه الصور الفرعية الملحقة بالحالة الثانية من حالات ترقيقها ذات وضع خاص: إنها في هذه الصور كلها لا تكون إلا في آخر الكلمة وفي حالة الوقف بالذات، إذ لا يمكن وقوعها ساكنة في هذا السياق الصوتي الذي وقعت فيه إلا منطوقة موقوفا عليها.
وتفسير ذلك أن التركيب المقطعي في اللغة العربية يمنع وقوع أي صوت ساكن "خال من الحركة" بعد حركة طويلة كما في "نار" بالإمالة، و"خبير" بياء المد أو الكسرة الطويلة، إلا في الوقف١. وكذلك يمنع التركيب المقطعي للغتنا توالي ساكنين، أي اجتماع صوتين صامتين "خاليين من التحريك" في أي موقع من مواقع الكلمة إلا في آخرها. ومن الطبيعي أن ذلك لا يتحقق إلا في حال الوقف كما في "خَيْر"، "قِدْر" و"كِبْر"، وهي الأمثلة المذكورة
стр. 193
سابقا، ولعل عبارتهم المشهورة: "لا يجوز التقاء الساكنين" تفسر كل ما قلنا. أما جواز هذا الالتقاء في الوقف، فذلك لتحقيق وظيفة نحوية مهمة، هي "الوقف" وهو باب في قواعد اللغة معروف، وخاصة من خواص الأداء النحوي والصوتي في العربية.
ومن الواضح أن النص على ترقيق الراء، يعني -ضمنا- وقوع التفخيم في غير هذا المنصوص عليه، أو بعبارة أخرى، تفخم الراء إذا وقعت مضمومة أو مفتوحة مطلقا، وكذلك إذا وقعت ساكنة باستثناء السياقات الصوتية المذكورة في الحالة الثانية من حالات الترقيق وصورها الفرعية الملحقة بها.
وإلى هذا كله أشار بعضهم بصورة مجملة بقوله:
ورقّق الراء إذا ما كسرت ... كذاك بعد الكسر حيث سكنت
ما لم تكن من قبل حرف استعلا ... أو كانت الكسرة ليست أصلا
وإلى هنا يكفي أن نقرر أن ما أتينا به في هذه العجالة أشبه بحسوة طائر من بحر العربية الزاخر بالسمات والصفات الصوتية التي تمنحها نوعا من التفرد وضربا من الخصوصية، وأن ما ذكرناه هنا مجرد دلائل يسترشد بها الدارسون والراغبون في الوقوف على شيء من أسرار لغتهم العربية.
стр. 194
المبحث الخامس: نوعية اللغة التي يتعلمها التلاميذ في المرحلة الأولى ووسائل التقريب بينها وبين اللغة الفصيحة
يمثل التعليم في المرحلة الأولى ركنا أساسيا من أركان إعداد المواطن للحياة، وتأهيله للتعامل مع البيئة بصورة تسمح له باكتساب خبراتها ومعارفها، وعلى وجه تجعل منه عضوا ذا دور فعال في مجتمعه الصغير أو الكبير على سواء.
ولا يتم ذلك في نظرنا إلا بتخطيط دقيق لما ينبغي أن يلقى إليه من علوم ومعارف في هذه المرحلة، آخذين في الحسبان نقطة البداية ونقطة النهاية في كل ما نرسم ونخطط، حتى نضمن للمتعلم تدرجا طبيعيا مناسبا لهاتين النقطتين كلتيهما، وحتى نأخذ بيده نحو الهدف المرسوم في تأن يتصف بالعمق والجدة.
وليس من شك في أن أية خطة دراسية لا يمكن لها أن تحظى بالنجاح إلا بإعداد وسيلة أو وسائل علمية واضحة، من شأنها أن تفي بأغراض هذه الخطة، وأن تمكن المتعلم من الإلمام بما تضمنته جوانبها من ألوان المعرفة وضروب الخبرة.
وتقع اللغة من هذه الوسائل موقعا فريدا فاللغة في المراحل الأولى من التعليم ليست مادة دراسية فحسب، ولكنها -في الوقت نفسه- الوسيلة الأساسية لدراسة المواد الأخرى واستيعابها. وإذا كانت بعض الخبرات يمكن
стр. 195
تحصيلها بالاعتماد على التفاعل مع البيئة الطبيعية، فإن هناك خبرات أخرى -وغير المباشرة منها بوجه خاص- لا يمكن اكتسابها إلا باللغة وبالقدرة على استخدامها استخداما ناجحا. وقد لاحظ المربون وعلماء النفس أن هناك ارتباطا وثيقا بين النجاح في تحصيل المواد المختلفة والقدرة اللغوية، ذلك لأن اللغة تلعب الدور الأكبر في استقبال الأفكار واستيعابها والتعبير عنها. فالتلميذ المتقدم في مادته اللغوية يفوق أقرانه في سرعة الفهم والتحصيل لما يقرأ، ويقوده هذا في النهاية إلى نجاح محقق في دارسته، بل في الحياة بجملتها.
وليس يقتصر دور اللغة على تيسير التحصيل والاستيعاب للمواد الدراسية. إنها بالإضافة إلى ذلك -تمد المتعلم بعامل مهم من عوامل النجاح في الحياة العامة، إذ تمنحه القدرة على أن يتعامل بالكلمة تعاملا لبقا ذكيا،، فيتحدث ويناقش بوضوح وتركيز، ويقرأ ما تقع يده عليه ويفهمه في جلاء وعمق. وهذا الضرب من استغلال اللغة وفنونها من شأنه أن يفتح للإنسان في الحياة مجالا أوسع ويسير به في دنيا الثقافة إلى مدى أرحب.
إذا كان هذا هو دور اللغة في المدرسة وخارجها أصبح من الضروري إعطاؤها حقها من الاهتمام والعناية. ولقد اتجهت أنظار الباحثين العرب في السنوات الأخيرة إلى هذا الموضوع ومحاولة دراسته من شتى جوانبه. وأخذوا في تصنيف مشكلات تعليم اللغة العربية بالمرحلة الأولى بوجه خاص آملين بذلك أن يصلوا إلى خطة محددة مبنية على أسس علمية جادة.
وكان من الطبيعي أن يواجهوا أول الأمر في هذا المجال بموضوع قديم حديث، هو تحديد "نوعية اللغة" أو "الصيغة اللغوية" التي ينبغي أن يؤخذ بها في هذه المرحلة أو التي يمكن أن تكون المنطلق لما ننتوي تقديمه للتلاميذ في السنوات الأولى من التعليم.
стр. 196
وتحديد "نوعية اللغة" يخضع في نظرنا لمبدأين اثنين متصلين غير منفصلين هما:
١- المبدأ التربوي المقرر الذي ينص على وجوب الانتقال من المعلوم إلى المجهول في عملية التعليم بعامة، ويضمن لنا هذا المبدأ أن ينطلق المتعلم من أرض صلبة تمكنه من الترقي والتدرج في رحلته التعليمية في تأن ونجاح مؤكد. كما يحميه من الوقوع في متاهات أو آفاق مجهولة تعوق مسيرته وتحرمه من استغلال طاقاته وقدراته الذاتية في اكتشاف طريقه نحو اكتساب مزيد من الخبرات والمعارف.
٢- المبدأ التقليدي العام أو المقرر بين الأمم الذي جرى -وما يزال يجري- على أن تكون اللغة التي تقدم للتلاميذ في أية مرحلة هي اللغة القومية، تلك اللغة التي تخلو أو تكاد تخلو من الطابع المحلي أو البيئي، والتي تنسب إلى القوم بعامة وتستخدم في تسجيل معارفهم وثقافتهم الأصلية، وتربط حاضرهم بماضيهم وتأخذ بيدهم نحو مستقبل أكثر ازدهارا وتقدما.
ومن الواضح أن الأخذ بالمبدأ الأول وحده يقتضي أن تكون اللغة المختارة في المرحلة الأولى من التعليم هي العامية، لأنها هي الصيغة المألوفة للتلاميذ في هذه المرحلة، كما أن الانحياز نحو المبدأ وحده يعني أن تكون تلك اللغة هي العربية الفصحى، لأنها لغة القوم أو الأقوام المعروفين بالعرب. أما التمسك بالمبدأين معا "كما هو المفروض"، ففيه صعوبة ظاهرة، ويحتاج إلى تخطيط دقيق ودراسة عميقة لأنه ينتظم أمرين يبدوان متناقضين، أو متباعدين غير متقابلين، أحدهما يذهب بنا شمالا والآخر يتجه بنا نحو اليمين أو العكس بالعكس، ومعنى هذا أننا أمام "معادلة صعبة" كما يقولون.
وربما كانت هذه المعادلة واحدا من الأسباب الرئيسية التي قد تغري
стр. 197
الباحثين بالأخذ بواحد من المبدأين السابقين دون الآخر، حتى لا يقعوا في محظور "التناقض" وحتى يصلوا إلى أهدافهم في سهولة ويسر.
القول بالمبدأ الأول:
اختيار المبدأ الأول "مبدأ وجوب الانتقال من المعلوم إلى المجهول" قد يحتج له بأن اللغة العامية هي الصيغة اللغوية المناسبة، لأنها لصيقة بالأطفال، يتعاملون بها هنا وهناك في كل مجالات النشاط التي تسود مجتمعهم، إنهم يسمعونها في كل مكان يحلون به أو يذهبون إليه، وهم يفهمونها جيدا، ويتحدثون بها ويعبرون بها عن ذوات أنفسهم وعن معارفهم وخبراتهم والوقوف على هذه المعارف والخبرات أمر مهم في عملية التعليم، ما في ذلك شك. فحرمانهم من اللغة العامية "وهي التي يدركونها جيدا" يحرمنا من الكشف عن طاقاتهم وقدراتهم، وبذلك نفقد أهم عامل من عوامل التعليم الناجح المثمر.
القول بالمبدأ الثاني:
والقول بالمبدأ الثاني وحده لا تُعْوِزُه الأدلة التي تقف إلى جانبه وتغري بقبوله. وهذه بعض الأدلة التي يمكن أن يحتج بها في هذا المجال.
١- اللغة القومية هي اللغة الفصحى، لغة القرآن الكريم ولغة التراث وكنوز الثقافة العربية الأصيلة. وهي بهذا جديرة أن تقع موقع الصدارة من المستويات اللغوية الأخرى. وعدم الأخذ بهذه الفصحى في مراحل التعليم يسلمنا إلى ضياع فكري ثقافي، حيث يفصل حاضرنا عن ماضينا المجيد. هذا بالإضافة إلى ما يعقب هذا الإهمال من نتائج منذرة بالخطر، إذ ينحرف بنا الأمر بمرور الزمن إلى الانعزال عن لغة القرآن والبعد عنها بعدا يفقدنا أهم أساس وأكرمه من أسس ديننا الحنيف.
٢- اللغة الفصحى هي أساس القومية العربية ومحورها الذي تدور حوله
стр. 198
مقومات هذه القومية. إنها الرابطة الوثقى التي تربط العرب بعضهم ببعض سياسيا وثقافيا واجتماعيا كذلك. إن تفضيل أية صيغة لغوية أخرى عليها يعرض الوَحدة العربية للانهيار. ويجعل من هذه الأمة مجموعات من الدول المتنافرة المتضاربة في أهدافها وآمالها.
٣- اللغة الفصحى هي السجل الحي لحضارة عربية عريقة، تضرب بعيدا في أعماق التاريخ، ولسنا نملك أن نقطع الواصلة بين هذه الحضارة وواقعنا الراهن، وإلا كان علينا أن نبدأ من جديد، ونحتاج إلى أحقاب طويلة لا يعلم مداها إلا الله كي نبني حضارة أخرى جديرة بأمة عريقة تحاول أن تأخذ موقعها اللائق بها في مجتمع حديث زاخر بألوان شتى من مناحي الفكر والتقدم الإنساني. وهيهات أن تصمد حضارة من هذا النمط أمام التيارات الفكرية والثقافية في العالم المعاصر ما لم يكن لها سند واتصال وثيق بأصول حضارية عريقة عميقة كتلك التي نعم بها العرب في تاريخهم الطويل.
٤- وقد يضيف بعضهم إلى ذلك عاملا أو دليلا آخر يتصل بذات الفصحى، وخواصها أنها -في نظرهم- لغة غنية في وسائل التعبير، ألفاظا وعبارات، وهي بذلك تمد المتعلم بزاد لا ينفد من وسائل الإفصاح عن النفس، كما تعينه على الأخذ بنصيب وافر من ألوان المعرفة والخبرة.
مناقشة القولين:
وفي رأينا أن كلا من الاتجاهين السابقين -إذا أخذنا بأيهما وحده على إطلاقه دون تحديد- تقف في طريقه عقبات، وتقابل تطبيقه مشكلات قومية وتربوية وعملية.
فالبدء بالعامية في المراحل الأولى من التعليم على الرغم من اتساقه الظاهري مع مبدأ وجوب الانطلاق من المعلوم إلى المجهول، يثير على الفور هذا السؤال:
стр. 199
أية عامية تختار؟
هنا احتمالان -لا ثالث لهما- للإجابة عن هذا السؤال.
الاحتمال الأول:
قد يرى بعضهم أن ينطلق كل بلد عربي من لهجته الخاصة به، فهي أطوع لأبنائه، وأكثر ألفة، وأقرب منالا من الصيغ اللغوية الأخرى. وهي بذلك تمده بوسائل التعبير عن ذاته وتكشف عن معارفه وخبراته، ومن ثم يقدر لنا أن نستغل طاقاته وقدراته بتقديم المزيد من المعارف والخبرات، كلما تدرجنا به في سلم التعليم والتثقيف.
وهذا الاحتمال -إذا أخذ على إطلاقه- مردود وغير مقبول في نظرنا لأسباب متعددة مترتب بعضها على بعض، منها:
١- اللهجات العامية في البلاد العربية يختلف بعضها عن بعض اختلافا واضحا على المستويات الصوتية والصرفية والنحوية -واستخدامها في أية مرحلة من مراحل التعليم من شأنه أن يوسع من دائرة هذا الاختلاف، ويمنحها عوامل قوية تؤدي إلى التفريق والتنويع بصورة أشد وأكثر عمقا. وليس من البعيد -في هذه الحالة- أن تأخذ كل لهجة طريقها الخاص بها وتثبت قواعدها ونظمها حتى تستقل بنفسها وتصبح لغة قائمة بذاتها على مر الزمن. وليس هذا الأمر مستحيلا أو خيالا بالنسبة للتطور اللغوي وطبيعته. لقد حدث هذا في عديد من اللغات، كاللاتينية التي ساعدت الظروف السياسية والثقافية على التباعد بين لهجاتها حتى صارت لغات مستقلة ذات خواص مميزة تبعد قليلا أو كثيرا عن اللغة الأم.
٢- يترتب على هذا الموقف انعزال الفصحى وإبعادها عن مسرح الحياة، وقد يؤدي إلى إضعافها أو القضاء على مقوماتها الأساسية بصورة أو بأخرى.
стр. 200
٣- هذا الذي يحدث للفصحى ينتج منه القضاء على مقومات الوحدة الثقافية والفكرية والسياسية بين العرب. وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا بكل تأكيد.
على أن الأمر لا يقف عند هذا الحد. إن اختيار العامية للأخذ بها في مراحل التعليم الأولى "وغيرها بالطبع" يوقعنا في محظور آخر، فالبلد العربي الواحد لا يقتصر التعامل اللغوي فيه على لهجة واحدة. وإنما هناك عدد من اللهجات التي تختلف فيما بينها، بسبب العوامل الجغرافية أو الثقافية أو غيرها، فلدينا في مصر مثلا لهجة أو عدة لهجات بالوجه البحري، وكذلك الحال في الصعيد، وهناك من جانب آخر في أي من هاتين المنطقتين الجغرافيتين الكبيرتين ألوان من الكلام وأنماط الحديث التي يستطيع الباحث المدقق أن يصنفها إلى ما يمكن أن نسميه بلهجة العوام ولهجة المتنورين ولهجة المثقفين.
وهنا نجد أن الآخذ بمبدأ اللهجات نفسه في متاهة واضطراب حيث لا يستطيع علميا أن يحسم الأمر، فيفضل لهجة على أخرى، لأن أسس الاختيار أو التفضيل تساعده والقول باختيار العناصر العامة أو المشتركة بين هذه اللهجات قول نظري، يحتاج قبل الإقدام على تطبيقه إلى دراسات طويلة شاقة، وهو أمر -بطبيعة الحال- يحتاج إلى وقت طويل ومال كثير حتى نستطيع إنجازه بصورة علمية مقبولة. والحق أن هذا الاتجاه يعد في نظرنا خطوة على الطريق السليم نحو إصلاح تعليم اللغة العربية من شتى جوانبه، ومن هذه الجوانب تحديد نوعية اللغة في المراحل الأولى، ذلك لأن الكشف عن العناصر المشتركة أو النماذج اللغوية الشائعة في البيئة المعينة عامل من عوامل تحديد النطاق الذي ندور فيه نحو تعيين الصيغة اللغوية المناسبة لهذه المراحل. كما سوف يتبين لنا فيما بعد.
стр. 201
الاحتمال الثاني:
قد يتصور بعضهم أن في مقدورنا أن نختار لهجة عربية معينة بقطع النظر عن بيئتها الجغرافية، لتكون نقطة البدء في تعليم العربية بالوطن العربي كله. وقد يبنون تصورهم هذا على أساس ما لهذه اللهجة من سعة الانتشار، وما تتسم به من خواص ومميزات تؤهلها للقبول. قد يظنون أن لهجة مثل لهجة القاهرة أو بغداد أو بيروت أو غيرها صالحة للقيام بهذا الدور الذي يتصورون، لما تحظى به كل واحدة منها من مقومات جغرافية وثقافية ولغوية خاصة.
هذا التصور في رأينا ضرب من الخيال، أو هو وهم من الأوهام، لو نحن حاولنا أن نفرضه فرضا؛ إذ اللغات لا تفرض على الناس إلا على يد محتل يبغي السيطرة على مقدراتهم وحياتهم.
وعلى فرض قبول هذا التصور الجانح في الخيال، فإن الأمر يحتاج إلى جهود جبارة، ودراسات مضنية، الأولى بها كلها أن توجه نحو الفصحى ومشكلاتها، ذلك لأن هذه الفصحى في أي شكل من أشكالها لها مكان معترف به في كل البلاد العربية، ولها سند من الواقع العملي، حيث تستخدم هنا وهناك في صورة من الصور في النشاط الكتابي أو الأدبي على أقل تقدير.
يتبين لنا من هذا كله أن اللهجة أو اللهجات العامية لا ترشحها ظروفها الاجتماعية والقومية لأن تكون الصيغة اللغوية المختارة للتعليم في المراحل الأولى، إذا أخذت على إطلاقها، دون تعرف كامل على خواصها، وإدراك دقيق لمقوماتها، حتى نستطيع الحكم على مدى الاستعانة بها أو اختيار بعض عناصرها الصالحة لتكون بمثابة التمهيد أو التقديم لما ينبغي الإلقاء به للمتعلمين في هذه المراحل من مستوى لغوي مقبول من النواحي التربوية والقومية والثقافية جميعا.
стр. 202
أضف إلى ذلك أن هناك عاملا آخر مهما يقف في طريق الأخذ باللهجات العامية أخذا مطلقا. لم تحظ العامية حتى الآن بتراث أدبي مقبول على المستوى العربي كله. وكل أو جل ما قدم بها من أدب أو سجل من معرفة إنما هو لون من ألوان الثقافة الفردية أو البيئية الضيقة التي لا تصلح مسوغا للانحياز إليها من الوجهتين الثقافية والقومية. ويفقد هذا الأدب وتلك المعرفة بذلك عامل الاستمرار والشمول والتصوير الحقيقي للفكر العربي والحضارة العربية بالمعنى الصحيح.
والانحياز إلى الفصحى والتمسك بفرضها في المراحل الأولى من التعليم اتجاه قد يقابل هو الآخر بمجموعة من الاعتراضات أو التساؤلات. قد يقال مثلا:
١- إن الفصحى في جملتها غريبة أو مجهولة الحدود بالنسبة لتلاميذ هذه المراحل المبكرة، ومن ثم كان فرضها عليهم مناقضا للمبدأ التربوي المقرر والمشار إليه سابقا وهو "وجوب الانتقال من المعلوم إلى المجهول".
٢- فرض المجهول على التلاميذ يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ المتوقع بل الحادث بالفعل أن يمل التلاميذ دروس اللغة ولا يقبلوا عليها. وهم إن أقبلوا طوعا أو كرها يقضون وقتا طويلا في فهمهما واستيعابها، الأمر الذي يعوق تقدمهم اللغوي المنشود، ومما يزيد في نفورهم وإعراضهم عنها حرمانهم من القدرة على استخدامها استخداما مثمرا في حياتهم العامة، حيث يقل هذا الاستخدام أو ينعدم، باستثناء دروس اللغة ذاتها.
٣- إن مصطلح "الفصحى" إذا أخذ على إطلاقه دون تحديد قد يغري بعض القائمين على شئون اللغة بتقديم مادة لغوية مغرقة في البعد في معناها ومبناها عن مدارك المتعلمين في هذه السن، بسبب انتساب هذه المادة إلى مراحل تاريخية قديمة ليست في إطار خبرة التلاميذ أو معارفهم، أو بسبب
стр. 203
احتوائها على خواص لفظية وتركيبية وإعرابية يشق عليهم أن يتعاملوا معها تعاملا إيجابيا. ومن ثم ينشأ حاجز قوي بين التلميذ واللغة يحرمه من قدرة التعبير عن نفسه. ويعوق انطلاق تفكيره ونمو معارفه وخبراته، إذ قد سلب أهم وسيلة من وسائل هذا الانطلاق وذاك النمو، وهذه الوسيلة هي اللغة بالطبع.
٤- اللغة الفصحى في الأغلب الأعم لغة كتابة، وهيهات أن تؤخذ اللغة المأخذ الصحيح من المادة المكتوبة، لأنها جامدة ساكنة، محرومة من دفء الواقع وصدق الحقيقة. واللغة -في أساسها- نشاط فسيولوجي يقتضي: "مرسلا"، و"مستقبلا"، و"موقفا مناسبا"، أو سياق حال يعين على الفهم والتذوق، وأنى لنا العثور على هذه العناصر الثلاثة في النص المكتوب.
هذا الذي قيل -ويقال دائما- قد يقف عقبة في طريق الأخذ بالفصحى في بداية التعليم، ويقتضي منا نظرا وتأملا قبل الإقدام على الطريق، وقبل أن ننساق مع العواطف إلى الوقوع في متاهات وبعد عن جادة الصواب.
الرأي:
من كل ما تقدم يتضح لنا أنه لا العامية وحدها ولا الفصحى على إطلاقهما بصالحة للبدء بها في المراحل الأولى من التعليم، إذن ما الصيغة اللغوية المناسبة، أو ما نوعية اللغة التي يمكن أن تتخذ منطلقا للتعليم اللغوي في هذه المراحل؟
إن تحديد هذه "النوعية" -كما قررنا من قبل- ينبغي أن يجيء على وفق المبدأين المقررين اللذين أوجبنا الأخذ بهما معا، وهما "البدء من المعلوم إلى المجهول، وأن تكون اللغة المختارة هي اللغة القومية".
стр. 204
وبالرغم من أن هذين المبدأين ينتظمان معادلة صعبة "تتمثل في وجوب الأخذ بالعامية وحدها وفقا للمبدأ الأول وبالفصحى فقط تمشيا مع المبدأ الثاني" فإن النظر المتأني الفاحص يستطيع أن يمدنا بخطة تسلمنا إلى صيغة لغوية مقبولة.
في مقدور البحث العلمي الدقيق أن يقرر أن هناك في البيئة العربية الواحدة مستويات لغوية ذات سمات وخواص مختلفة. أهم هذه المستويات وأقربها إلى الواقع وأكثرها شمولا واتساعا ثلاث هي:
١- العامية.
٢- الفصحى المعاصرة.
٣- فصحى التراث.
العامية:
هي لغة الحديث اليومي الدارج ولغة الحياة العامة بكل ما فيها من أوجه النشاط الإنساني على مستوى الجماهير العريضة. وهذه صيغة لغوية معروفة مستقرة في كل بلد عربي.
والفصحى:
المعاصرة صيغة لغوية تستخدم في الكتابة في الأغلب الأعم. فهي لغة التأليف في شتى مناحيه وفنونه. وهي بالإضافة إلى ذلك لها وجود من نوع ما في الكلام المنطوق والاستعمال الفسيولوجي الحي، كما يبدو مثلا في المحاضرات الجامعية الجيدة، والخطب السياسية الجادة، وفي الندوات العلمية ذات المستوى اللائق، وفي نشرات الأخبار في الإذاعة "بوسيلتيها الراديو والتليفزيون".
وهذه الفصحى تنتظم -فيما تنتظم- خواص اللغة العربية الأساسية، فهي تراعي قواعد الإعراب في جملتها، وتسير -بصورة عامة- على قوانين نظم الكلام العربي. كما ألفناه في عصور العربية الأصيلة. ولكنها -في الوقت نفسه- طورت لنفسها وسائل حديثة من التعبير.
стр. 205
لقد ضمت إلى ثروتها اللفظية أعدادا هائلة من الكلمات والصيغ، اقتضتها -وتقتضيها- مظاهر الحضارة المتجددة على مر الأيام. كما استحدثت هذه اللغة أنماطا من نظم الكلام وتأليفه، جاءت على ضرب غير معهود في العربية، بحسب المنصوص عليه في كتب اللغة، ولسنا نعدم أن نعثر على صور جديدة من النطق، لحقت ببعض الأصوات أو مواقع النبر أو أنماط التنغيم في الجملة والعبارة، حين تستخدم هذه اللغة في الكلام الفعلي.
أما فصحى التراث:
"وهو مصطلح لسنا من أنصاره، ولكنه يشيع بين الدارسين" فهي لغة كنوز الثقافة والحضارة العربية الأصيلة وترجمان الفكر العربي في العصور الزاهرة. وهي اللغة التي دونت قواعدها ونظمها واستقرت في كتب اللغة والنحو والبيان. وعلى وفق هذه القواعد وطرائق هذا النظم جاء التراث وآثاره العلمية المعهودة للمتخصصين وأضرابهم من الناس. وهذه اللغة بمميزاتها المعروفة لدى أهل الاختصاص قل أن يستخدمها كاتب أو أديب أو عالم في إنتاجه المعاصر. ولست أظن أن أحدا يستعملها في حديثه أو في أي لون من ألوان نشاطه اللغوي المنطوق، اللهم إلا في بعض الخطب المنبرية وما إليها، تلك الخطب التي لا تعدو أن تكون اقتباسا مباشرا من نصوص قديمة، لم يشهد أصحابها عصرنا الذي نعيش فيه.
هذا التصنيف الثلاثي لمستويات العربية يرشدنا في الحال إلى طريق اختيار الصيغة اللغوية المناسبة للمراحل الأولى من التعليم في الوطن العربي كله.
إننا نختار أن تكون الفصحى المعاصرة هي محور العمل في هذه المراحل وهدفنا الأول فيها، على ألا يقف بنا الأمر عند هذا الحد، بل لا بد من الالتجاء إلى المستويين الآخرين والتماس العون منهما، بحسب الحاجة، وبحسب الحال ومقتضياته التربوية والثقافية والقومية.
стр. 206
أما الفصحى المعاصرة هي أساس العمل ومحوره، فلأسباب منوعة نرشحها للقبول أكثر من الصيغ اللغوية الأخرى.
السبب الأول:
أن هذه الفصحى -بالأوصاف السابق ذكرها وموقعها في سلسلة التدرج اللغوي المشار إليه فيما مضى- هي "اللغة القومية" للعرب في عصرنا الحديث. إنها حين تستخدم في الكتابة أو الحديث يفهمها العرب أينما كانوا وأينما حلوا، وإن كان ذلك بدرجات تتفاوت قليلا بحسب السن أو الثقافة أو درجة التعليم. إن المؤلف أو البحث أو المقال المعين يكتب بها في القاهرة أو في بيروت أو بغداد أو غيرها من العواصم العربية فيلتقطه الناس ويتناولونه بالقراءة، ويدركون ما فيه في سهولة ويسر، ويستوعبون مادته إلى حد كبير.
وإن استمع إليها العرب منطوقة في أي موقع في بلادهم استجابوا لها، وانفعلوا بها وأدركوا ما تحمله من معان وأفكار، بدون معاناة أو بذل مجهود خاص، وسبيلك إلى التأكد من هذا الذي نقول أن تستمع إلى خطاب سياسي جيد أو حديث علمي جاد أو إلى نشرة أخبار مبثوثة على الهواء من إذاعة هذا العربي أو ذاك.
إن العربية الفصحى -بهذا الموقع وتلك الخواص والسمات- تفي بأغراض المبدأ الثاني الذي قررنا وجوب اتباعه فيما سبق، وهو "كون اللغة التي تقدم في المراحل الأولى من التعليم هي اللغة القومية".
والأخذ بهذه الصيغة من الفصحى لا يعني انعزالنا عما سمي "بفصحى التراث" أو بعدنا عنها أو إهمالها بحال من الأحوال، إن الفصحيين كلتيهما حلقتان متصلتان اتصالا وثيقا، ليس بينهما انعزال أو حدود فاصلة فصلا تاما. إنهما أشبه بجانبين من جوانب شيء واحد اختص كل جانب منهما
стр. 207
بمجموعة من السمات التي لا تلبث أن تتلاشى أو تقل بمجرد الانتقال من وإلى هذه الصيغة أو تلك. على أنا قد قررنا منذ البداية وجوب الاستعانة بفصحى التراث والتدرج إليها، حتى نصل في النهاية "وهذا أمل كبير" إلى أسلوب عربي موحد، لك فيما بعد أن تسميه "اللغة المشتركة" أو "الفصحى" بدون نعوت أو أوصاف مميزة.
السبب الثاني:
الفصحى المعاصرة -كما نعهدها ونستخدمها الآن- ليست مجهولة تمام الجهل للمتعلمين، وإن شق عليهم التحدث بها أو استخدامها في التعبير عن ذوات أنفسهم، وهذه هي المشكلة الحقيقية التي تقابل تلاميذ المراحل الأولى، حيث إنه من المقرر وجوب البدء معهم بما يعرفون وبما يستطيعون استخدامه في الحديث، وبما يألفونه ويقع تحت خبرتهم من ثروة لغوية. وهنا ينبغي أن نقف وقفة متأنية لنتدبر الأمر.
علينا في هذا الموقف أن نلجأ إلى طريقين اثنين متصلين غير منفصلين.
أولهما: استغلال ما لديهم من معرفة بعناصر الفصحى المعاصرة، تلك المعرفة التي حصلوا عليها بطريق الاستماع إلى الأحاديث الجيدة من الإذاعة وغيرها من وسائل الإعلام والتثقيف. إن هذه العناصر - على الرغم من قلتها -تمثل خطوة على الطريق.
ثانيهما: "وهو الأهم" سبيلنا إلى استغلال هذه العناصر الفصيحة وتنميتها هو اتخاذنا العامية "في الوطن العربي المعين" مدخلا إلى الفصحى ومعبرا إليها. وربما يسهل علينا ذلك ما نلمسه من تداخل بين الفصحى المعاصرة وبعض عناصر العامية، وبخاصة فيما يتعلق بالثروة اللفظية. إننا -بقطع النظر عن قواعد الإعراب وبعض قواعد النظم- نستطيع الانتقال من العامية إلى الفصحى، كما نستطيع أن نعثر على عناصر فصيحة مهمة في
стр. 208
ثنايا العامية. إن العامية في الوقت الحاضر ليست بعيدة عن "الفصحى المعاصرة" بالقدر الذي يظنه بعض الناس. إن الدراسة الجادة والبحث العلمي الدقيق كفيلان بالعثور على عناصر مشتركة كثيرة. تصلح في نظرنا نقطة بدء موقوت لتعليم اللغة القومية في المراحل الأولى.
وهنا ينبغي أن نشير إلى أمرين مهمين:
١- إن هذا المنهج ليس دعوة إلى العامية بحال من الأحوال. إنه على العكس من ذلك يرمي إلى خدمة لغتنا القومية، وذلك بسبب الوصول إليها والتمكن منها من طريق واقعي مألوف للمتعلمين، ومن ثم يقبل المتعلم على ما يلقى إليه ولا يمله أو يرغب عنه.
٢- إن الأخذ من العامية ليس أخذا مطلقا في المادة أو الفترة الزمنية. أما من حيث المادة فهذا الأخذ مشروط بعملية الانتقاء والاختيار، وهو من حيث الفترة الزمنية أخذ موقوت كما قررنا، فلا علينا إن نحن أخذنا -في البداية- بعناصر عامية مختارة لفترة محددة، محاولين التقليل أوالتخلص منها بالتدريج، حتى يقف التلميذ على أرض صلبة يستطيع الانطلاق منها نحو الفصحى بدرجاتها ومستوياتها المختلفة.
هذا الطريق بجانبيه يضمن لنا الوفاء بالمبدأ الأول المقرر الأخذ به في عملية التعليم بعامة. وهو مبدأ "وجوب الانتقال من المعلوم إلى المجهول" ومعناه في النهاية أن الأخذ بالفصحى المعاصرة مع الاعتماد على عناصر مختارة من العامية والتدرج من هذه الفصحى إلى فصحى التراث يتمشى مع المبدأين المقررين والواجب اتباعهما معا في تعليم اللغة.
وهنا قد يتساءل الناس: كيف تتخذ العامية مدخلا إلى الفصحى ومعبرا إليها؟ والإجابة عن هذه التساؤل تتلخص في وجوب القيام بعملية اختيار وانتقاء. وهذا الاختيار في حاجة إلى دراسة شاملة واسعة للهجات، لتعرُّفِ
стр. 209
تلك العناصر التي يمكن أن تستقل في هذا الشأن. ولقد حاولت دراسات سابقة الإجابة بدورها عن هذا السؤال. ولكن أيا منها لم يخرج متكاملا، بحيث يمكن الاعتماد عليه جملة وتفصيلا. إنها في عمومها دراسات ضيقة المجال، محدودة الإطار، قنعت بالنظر في الثروة اللفظية لعدد محدود من التلاميذ أو المدارس في بيئات معدودة، وألقت بنتائج الأخذ بها أخذا مطلقا في هذا المجال المنذر بالخطر.
ولسنا نزعم أننا قدمنا بمثل هذه الدراسة أو ننتوي القيام بها وحدنا. ولكنا نستطيع أن نضع أمام المهتمين بشئون تعليم العربية عدة مبادئ يمكن الاسترشاد بها أو الإضافة إليها أو تعديلها.
يمكن الاستعانة بالعامية في مجالين اثنين:
المجال الأول: مجال الألفاظ
ألفاظ اللغة هي اللبنات التي يتكون منها البناء الكبير، ومن ثم كان الاهتمام بحصرها وجمعها الشغل الشاغل للغويين في القديم والحديث، لأنها تمثل الثروة اللفظية للغة المعينة. غير أنه ينبغي في مقامنا هذا الاهتمام بحصر الألفاظ التي تسعفنا في هدفنا هذا، والتي تمدنا بالعون في الأخذ بيد المتعلم في هذه المراحل المبكرة.
وينبغي أن نخضع هذا الحصر لمبدأ الشيوع في الاستعمال، أي: أن نوجه العناية أول ما نوجه نحو جمع الألفاظ التي يشيع ذكرها ويكثر ترددها على ألسنة الأطفال القادمين إلى المدارس أو المقيدين بمراحلها الأولى بالفعل. والاهتمام بمبدأ الشيوع جد مهم، لأن كثرة استعمال المتعلمين للكلمة المعينة تعني أنها مألوفة لهم وتقع تحت خبرتهم المباشرة ومن ثم يصبح استغلالها استغلالا مثمرا ناجحا. والمفروض أن تحديد الشيوع أو عدم الشيوع أمر يخضع لعمليات إحصائية، مسبوقة بمسح شامل للقطاع اللغوي المعين
стр. 210
والكلمات أو الألفاظ التي يمكن الاستعانة بها في هذا المجال ذات أنواع وأنماط متعددة. أهمها في نظرنا "آخذين في الحسبان اللهجة المصرية وحدها" ما يلي:
أ- كلمات فصيحة:
بالعامية كلمات فصيحة صرفة، جاءت على أوزان منوعة أو أجناس من الكلم المختلفة، وتنتمي إلى مجالات متعددة من ألوان الثقافة والخبرة. وقد تستعمل هذه الكلمات في مدلولاتها الأصلية أو فيما يقرب منها، وقد تبعد عن هذه المدلولات بصورة أو بأخرى.
وهذه نماذج يكثر ورود أمثلتها في العامية المصرية.
١- أسماء: وقد تكون ذات دلالات حسية أو معنوية مجردة، من ذلك: باب، شارع، ولد، بنت، شمس، حب، حس، عدل، حرية، أمل ... إلخ.
٢- أفعال: والفعل الماضي بالذات أشهرها وأكثرها استعمالا. أما المضارع فقد أصابه تطور ملحوظ، فقد تدخل الباء على صيغة بوصفها سابقة ذات دلالاة معينة، أو الحاء متلوة بفتحة للإشارة إلى زمن معين:
"باكل، بيشرب" "حاكل، حيشرب"
وكذلك فعل الأمر، بعدت أمثلة كثيرة من أوزانه وصيغه عن قواعد الفصحى، بسبب عدم مراعاة قواعد البناء وما ينتج عن ذلك من تغيير في مكونات الصيغة أو الوزن. ويظهر هذا بوجه خاص في الأفعال الجوف والناقصة، حيث يقولون:
روح، بيع، وأرمي، غني "للمفرد المذكر".
أما الأمثلة الماضية فهي كثيرة جدا ومنها:
стр. 211
ضرب، كتب، فتح، نادى، غنى، راح، باح١ ... إلخ.
٣- أوزان بذواتها:
وزن "أفعل" -دالا على لون أو عيب- جاءت أمثلته كلها تقريبا على وفاق الفصحى بدون تغيير:
أحمر، أخضر، أبيض، وأعمى، أعود ... إلخ.
"أفعل التفضيل متلوا بمن، هو الآخر كثير الورود والاستعمال على نظام الفصحى" "أسرع، أحسن، أفضل، أكبر".
أسماء الفاعلين والمفعولين على وزن "فاعل ومفعول" "ما عدا ما صيغ من فعل أجوف أو ناقص"، يكثر ورودها على صورها الفصيحة، بدون تغيير:
اسم الفاعل اسم المفعول
فاهم مفهوم
عارف معروف
كاتب مكتوب
كما نلاحظ أن كثيرا من أسماء الزمان والمكان من الثلاثي ذات حظ كبير من الاستعمال على وفق ما ورد في الفصحى: مكتب، مدخل، ملعب، مرمى ... إلخ.
وينتسب إلى هذا الباب "باب الكلمات الفصيحة الصرفة" كلمات تستعمل على وجهها الصحيح ويظن الناس أنها عامية خالصة، من هذه الكلمات:
стр. 212
خر = في القاموس: خر الماء سقط من علو إلى سفل بصوت.
خام = في القاموس: الخام الجلد لم يدبغ.
رف = في القاموس: الرف شبه الطاق عليه طوائف البيت.
سك "الباب" = في القاموس: السك: سد الشيء.
ولعل "سك" أصلها "صك" بالصاد وفي القاموس: صك الباب أغلقه. والمعنيان كما ترى متقاربان، كما أن النطق فيهما أيضا متقارب.
خش = في القاموس: خششت فيه دخلت.
داس = في القاموس: الدوس الوطء بالرجل، وفي المختار: داس الشيء برجله.
المداس = في القاموس: المداس الذي يلبس في الرجل.
شاف = في القاموس: شاف الشيء شوفا جلاه.
وهكذا نستطيع أن نأتي بمئات من الكمات من هذا القبيل، لو نحن كنا بصدد الحصر، ولكنا نعني هنا بالتمثيل فقط١.
ب- كلمات يمكن تفصيحها:
نقصد بالتفصيح محاولة إرجاع الكلمة إلى أصل فصيح، إما بالإشارة إلى ما أصابها من تغيير أو تطور في الوزن أو في بعض الأصوات، وإما بردها إلى لهجة قديمة. وهذا النوع من الكلمات ذو أمثلة فائقة الحصر والعد، ومن ثم سوف نعني هنا بإيراد أمثلة لنماذج مختلفة فيها:
١- كلمات ذات أصل فصيح ولكن أصاب بعض أصواتها الصامتة شيء من التغيير في النطق، مثل:
стр. 213
"زعق، زقاق" "تنطق القاف همزة في القاهرة ونحوها من المدن المصرية".
"جمل، جميل" "ينطق الجيم الفصيحة المركبة "جيما انفجارية خالصة على أن هذا النطق الثاني نفسه يروى أنه لهجة قديمة فصيحة".
"تلاته، سوره" "ينطق الثاء تاء في الأولى وسينا في الثانية".
"زكي، زليل" "ينطق الذال فيهما زايا".
"ظلم، ظلام" ينطق الظاء فيهما زايا مفخمة".
كلمات أصاب بعض حركاتها تغيير:
شباك "بكسر الشين والفصيح ضمها".
شتيمة "بكسر الشين والفصيح فتحها".
فتك "بكسر الفاء والتاء والفصيح "فتك" بفتح الفاء وكسر التاء".
فيهم يسمع "بكسر الأول والثاني فيهما والفصيح فتح الأول وكسر الثاني، وهذا الوزن من الأفعال كثير جدا".
ومن المفيد أن نعلم أن هذا التغيير في الحركات أدى بطبيعة الحال إلى تغيير الأوزان، وهذا التغيير بصورتيه ملحوظ في الأفعال المضارعة إلى حد كبير، كما نعلم جميعا.
ومن أشهر أمثلة تغيير الحركات بسبب التطور الصوتي تحويل الفتحة المتبوعة بياء ساكنة إلى حركة طويلة أمامية نصف ضيقة وتحويل الفتحة المتبوعة بواو ساكنة إلى حركة طويلة خلفية نصف ضيقة، مثل بيت "bayt" في العامية "beet" يوم "yawm" في العامية "yoom".
٣- كلمات أو أوزان جاءت على وفق لهجة قديمة، وهذا النوع أمثلته كثيرة
стр. 214
وذات أشكال عدة، وبسبب هذه الكثرة سوف نشير إلى الظاهرة الأساسية، مع ذكر نماذج محدودة:
أ- تسهيل الهمزة: "فار، راس" وذلك معروف في لهجة عربية قديمة.
ب- كسر حرف المضارعة: "يفهم، يفتح"، وهو لغة بهراء.
جـ- حذف نون "من" الجاره: ملآن "من الآن" وهو لغة خثعم وزبيد من اليمن.
د- حذف اللام والألف من "على" الجاره. علمفرس عللحته "على اللجنة" وهو لغة بلحارث.
وهذا السلوك في العامية أشبه بقانون مطرد. وهناك إلى جانب ذلك أمثلة متفرقة جاءت على أوزان وصور مختلفة، وكلها -أو جلها- يمكن ردها إلى أصل فصيح، بشيء من التعمق والنظر الدقيق، من ذلك:
"هو" بتشديد الواو.
"امبارح" بالميم بدلا من اللام في أداة التعريف، وهذه لهجة معروفة.
"مديون" بالتصحيح بدلا من الإعلال "مدين"، ويروى أنها لهجة تميم.
٤- كلمات حدث فيها تغيير بالزيادة أو القلب أو الإبدال.
"بحلق" وأصلها الفصيح "حملق".
"يطوح" وأصلها الفصيح "يتطوح".
"راجل" بزيادة ألف وتغيير في الأصوات.
جـ- كلمات معربة أو دخيلة:
وهذه كثيرة الاستعمال في العامية، وقد دخلتها "وغيرها" عن طريق الاتصال الثقافي والعلمي بلغات أجنبية مختلفة. وهي في معظمها تعبر عن
стр. 215
مظاهر الحضارة والتقدم العلمي في العصر الحديث. ولسنا هنا بصدد التمثيل لهذا النوع من الكلمات، فهي معروفة لنا جميعا، ونستخدمها في حياتنا العامة والخاصة في المجالات المختلفة. والأهم من ذلك كله أن نقرر أنه لا ضير علينا مطلقا إن نحن استخدمنا هذه الكلمات على المستويين العامي والفصيح، لأنها ذات مدلولات خاصة، ليس من السهل أحيانا التعبير عنها بألفاظ عربية. أو قل: إنه ينبغي -في أقل تقدير- أن نستعملها فترة معينة من الزمن حتى تستقر مدلولاتها في أذهان الناس، وحينئذ علينا أن نحاول ترجمتها بالتدريج، كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
المجال الثاني مجال الجمل والعبارات:
يمكن أن نستعين كذلك بالعامية في مجال الجمل والتراكيب. والمعروف أن اللغة ليست كلمات أو ألفاظا مفردة، وإنما هي كلمات وألفاظ صنعت في نسق معين، وضم بعضها إلى بعض على نظام خاص، وفقا لقواعد اللغة المعينة في ذلك. وحصيلة هذا الضم والنظم في التراكيب التي يمثل لها عادة بالجمل أو العبارات.
والحق أن الاستعانة بالعامية في مجال الجمل والعبارات أجدى من الجري وراء الألفاظ، ولكن الواقع الملموس يمنعنا من هذه الإفادة على الوجه المأمول، ذلك لأن قواعد نظم الكلام في العامية خرج في عمومه عن قوانين الفصحى في ذلك إلى حد واضح، وبالرغم من هذا سوف نحاول رسم خطة موجزة يمكن جعلها مدخلا لدراسة شاملة لهذا الموضوع.
ينبغي أن تكون الاستعانة في هذا المقام مركزة على أنماط الجمل، لا على مكونات هذه الأنماط، ولكن لا ضير علينا إن نحن أخذنا في الحسبان هذه المكونات كذلك إذا كانت فصيحة أو قابلة للتفصيح على الوجه الذي بينا.