← Баляга

Баляга · id 9997

علوم البلاغة

المراغي، أحمد بن مصطفى

Полный текст (425 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمات مقدمة الكتاب ... مقدمة الكتاب: حمدا لك اللهم، بك المعونة والتوفيق، ومنك الهداية لأقوم طريق، إذا أظلمت الشبهات، في دجنة الخطوب المدلهمات، وبفضلك نطلب يقينا يملأ الصدر، ويستولي على زمام القلب، ويكبت ثورة النفس، فيردها عن غيها، ويكبح جماح شهواتها، فإنك الملجأ والنصير والمعين, وصلاة وسلاما على محمد عبدك ورسولك الذي آتيته الحكمة وفصل الخطاب، وعصمته من الخطأ وألهمته الصواب، ومننت عليه بفضيلة البيان، ففند بقاطع حجته قول من عارضه من أهل الزور والبهتان. وبعد فإن موضع علوم البيان من علوم العربية، موضع الرأس من الإنسان، أو اليتيمة من قلائد العقيان، فهي مستودع سرها، ومظهر جلالها، فلا فضيلة لكلام على كلام، إلا بما يحويه من لطائفها، ويودع فيه من مزاياها وخصائصها، ولا تبريز لمتكلم على آخر، إلا بما يحوكه من وشيها، ويلفظه من درها، وينفثه من سحرها، ويجنيه من يانع ثمرها. إلى أن بها نعرف وجه إعجاز القرآن، وندرك ما فيه من خصائص البيان، ونفهم براعة أسلوبه، وانسجام تأليفه، وسهولة نظمه وسلامته، وعذوبته وجزالته، إلى أمثال تلك المحاسن التي أسالت على العرب الوادي عجزا، حتى حارت عقولهم، وقصرت عن بلوغ شأوه جهابذتهم وفحولهم، حتى اضطر ذلكم المتكبر الجاحد، والصلف المعاند، الوليد بن المغيرة، أن يقول فيه مقالته المأثورة: "والله إن لكلامه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمورق، وإن ليعلو ولا يعلى عليه، وما هو بقول البشر" فالجاهل بأسرارها،

стр. 2

والمحروم من اقتطاف جني ثمارها، لا يعرف وجه الإعجاز إلا بالتقليد ولا يعلم ذلك إلا بالسماع، فسواه في قضية النظر، هو والزنجي والبربري، والفارسي والنبطي، إذ كل أولئك يتلقونه سماعا، ويصل إليه علمه مشافهة. مما تقدم تعلم جليل خطرها، وعظيم منزلتها، وأنها لا تدانيها منزلة علم آخر من علوم العربية، فلا غرو إذا اتجهت همم العلماء والباحثين في مختلف العصور إلى التأليف فيها، وبسط القول في بيان مغازيها ومراميها، وقد رأينا أن ندلي دلونا بين الدلاء، ونضرب بسهم في هذا الميدان، والله ولي التوفيق، والهادي لأقوم طريق. أحمد مصطفى المراغي.

стр. 3

نبذة في تاريخ علوم البيان: ١- الحاجة إلى وضع قواعدها: أ- اشتعلت نار الجدل صدر الدولة العباسية حتى اندلع لهيبها وتطاير شررها إلى جميع أنحاء البلاد الإسلامية, ردحا من الزمن غير قليل بين أئمة الأدب وأرباب المقالات من علماء الكلام في بيان وجه إعجاز القرآن، واختلفوا في ذلك طرائق قددا، وتفرقوا أيدي سبا، وتعددت نزعاتهم، وتضاربت مذاهبهم وآراؤهم كما هو مسطور في زبر المتكلمين كالمواقف لعضد الدولة، والمقاصد لسعد الدين التفتازاني. وكان الرأي الآفن من بين هذه الآراء وأبعدها عن الصواب، رأي إبراهيم النظام صاحب المذهب الذي ينسب إليه "مذهب الصرفة" إذ قال: إن القرآن ليس معجزا بفصاحته وبلاغته، وإن العرب كانوا قادرين على أن يأتوا بمثله، لكن الله صرفهم عن ذلك تصديقا لنبيه، وتأييدا لرسوله حتى يؤدي رسالات ربه، فانبرى المبرد عليه جم غفير من العلماء من بينهم الجاحظ والباقلاني، وإمام الحرمين، والفخر الرازي، وناضلوا نضالهم المحمود الذي خلد لهم في بطون الأسفار فكتبوا الفصول الممتعة مبينين خطل رأيه وفساد مذهبه، بما أملته عليهم قرائحهم الوقادة، وأفكارهم النقادة، حتى لم يبق في القوس منزع، ولا زيادة لمستزيد. ب- كذلك قامت سوق نافقة للحجاج والمناظرة، بين أئمة اللغة والنحو أنصار الشعر الجاهلي، الذين رأوا أن الخير كل الخير في المحافظة على أساليب العرب وأوضاعها، والأباء والشعراء أنصار الشعر المحدث الذين لم يحفلوا بما درج عليه أسلافهم من العرب، ورأوا أنهم في حل من كل قديم، لا يشاكل بيئة

стр. 4

الحضارة التي غذوا بلبانها، وربوا في أحضانها، ولم يكن الغرب ليحلموا بها من قبل، ولو أن القدر أتاح لهم أن يروا زخارف تلك المدنية، وطرائف لطائفها، لكان لهم شأن في آدابهم، ومهيع في أساليبهم غير شأنهم هذا. جـ- أضف إلى تلك الضوضاء وذلك اللجب، ما شجر من الخلاف بين أئمة الأدب وأساطينه، في بيان وجوه تحسين الكلام حتى يرقى في سلم البلاغة، وينال قسطه من الفصاحة، وتناقضت آراؤهم في ذلك أيما تناقض، ففريق مال إلى رصين الكلام الجامع بين العذوبة والجزالة، وفريق أولع بالمنطق الموشى المشتمل على صنعة البديع، يرشد إلى ذلك ما تراه في كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ٢٧٦هـ حين حكم على تلك الأبيات المشهورة لكثير عزة بأنها مونقة خلابة في لفظها, لكنك إذا فتشتها وبحثت عن ذات نفسها لم تحل منه بطائل، وهي: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على حدب المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح ثم ما تجده في كتاب "الصناعتين" لأبي هلال العسكري من استحسان هذه الأبيات, ونقد حكم ابن قتيبة واتهام ذوقه، ووافقه على نقده أبو الفتح بن جني المتوفى سنة ٣٩٢هـ في كتاب "الخصائص"، والإمام عبد القاهر في "أسرار البلاغة" وأطال الإطراء لثالثها إلى غير ذلك من مختلف الآراء مما لسنا بصدد سرده الآن. كل أولئك لفت أنظار أئمة البلاغة إلى أن يصنعوا قوانين وضوابط يتحاكمون إليها عند الاختلاف، وتكون دستورا للناظرين في آداب العرب، منثورها ومنظومها، ونشأ من ذلك البحث في علوم البيان، أو علوم البلاغة. ٢- أول من دونها: لا نعلم أحد سبق أبا عبيدة معمر بن المثنى الراوية تلميذ الخليل بن أحمد المتوفى سنة ٢١١هـ. فقد وضع كتابا في علم البيان سماه "مجاز القرآن" لكنه لم يرد بالمجاز الوصف الذي ينطبق على ما وضع من القواعد بعد، بل هو أشبه بكتاب

стр. 5

في اللغة توخي فيه جمع الألفاظ التي أريد بها غير معانيها الوضعية، ألا تراه وقد سئل مرة عن قوله الله عز وعلا: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ١، فقال: هو مجاز كقول امرئ القيس: ومسنونة زرق كأنياب أغوال كما لا نعرف بالضبط أول من ألف في علم المعاني، وإنما أثر فيه نبذ عن بعض البلغاء كأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ الكناني المتوفى سنة ٢٥٥هـ إمام الأدباء وسلطان المنشئين في عصره، والقدوة في أساليبه التي اختص بها، وتحداه فيها الأئمة من بعده. فقد أشار إلى مسائل منه في كتابه "إعجاز القرآن" وعني في كتابه "البيان والتبيين" بدرس بعض القواعد التي كثر ولوع القوم بها في عصره، كبيان معنى الفصاحة والبلاغة، وحسن البيان والتخلص من الخصم، وحسن الإسجاع، ثم قفّاه ابن قتيبة في كتابه "الشعر والشعراء"، والمبرد في كتابه "الكامل" فتعرضا لبعض نتف من هذه العلوم. وغني عن البيان أن المتكلمين بداءة ذي بدء في أي فن من الفنون لا يحيطون بأطرافه، ولا يتغلغلون في استقصاء مباحثه. لكنا نعلم أن أول من دون البديع الخليفة عبد الله بن المعتز بن المتوكل العباسي المتوفى سنة ٢٩٦هـ فقد استقصى ما في الشعر من المحسنات، وألف كتابا سماه "البديع" ذكر فيه سبعة عشر نوعا منها الاستعارة والكناية والتورية والتجنيس والسجع، إلى غير ذلك، وقال: "ما جمع قبلي فنون البديع أحد، ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف، ومن رأى أن يقتصر عل ما اخترنا فليفعل، ومن رأى إضافة شيء من المحاسن إليه فله اختباره". ومن البين أن اسم البديع بهذا الإطلاق يتناول ما سماه المتأخرون بعلم البيان، ثم ألف معاصره قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي المتوفى سنة ٣١٠هـ كتابا في نقد الشعر سماه "نقد قدامة" ذكر فيه ثلاثة عشر نوعا من البديع زيادة على ما أملاه ابن المعتز فتممها ثلاثين نوعا.

стр. 6

تلا هذين العالمين أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري المتوفى سنة ٣٩٥هـ وألف كتابه "الصناعتين" صناعتي النثر والنظم، جمع فيه خمسة وثلاثين نوعا من البديع، وبحث فيه عن عدة مسائل أخرى كالفصاحة والبلاغة والايجاز والإطناب والحشو والتطويل وعدة أبواب في نقد الشعر، إلى غير ذلك من جليل المباحث. وكتابه يعتبر أول مصنف أشير فيه إلى مسائل علوم البيان الثلاثة: "المعاني والبيان والبديع". ٣- رقي هذه العلوم بتأليف الإمام عبد القاهر: تمخض القرن الخامس فولد نادرة البطن، ونابغة البلغاء، وإمام حلبة الفصحاء أبا بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة ٤٧١هـ الذي نظر يمنة ويسرة فلم يجد من مسائل هذه الفنون إلا نتفا مبعثرة لا تسمن ولا تغني من جوع فشمر عن ساعد الجد، وجمع متفرقاتها، وأقام بناءها على أسس متينة، وركز دعائمها على أرض جدد لا تنهار، وأملى من القواعد ما شاء الله أن يملي في كتابيه "أسرار البلاغة"، و"دلائل الإعجاز" وأحكم بنيانها بضرب الأمثلة والشواهد، حتى أناف بها على اليفاع، وقرن فيهما بين العلم والعمل، إذ رأى أن مسائل الفنون لا يستقر لها قرار إلا بكثرة الأمثلة والنماذج، فالصور الإجمالية التي تؤخذ من القواعد، إن لم تؤيدها الصور التفصيلية التي تستفاد من النماذج، لا تتمثل في الأذهان حق التمثل، ولا تنجلي حقيقتها تمام الانجلاء. وقد ساعده على ذلك ما آتاه الله من عذوبة البيان، وما تجلى به فعله من الطلاوة الخلابة، والبلاغة الساحرة للألباب. ٤- الإمام جار الله الزمخشري: نبغ إثر عبد القاهر أستاذ المفسرين، جار الله الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨هـ, وألف تفسيره "الكشاف" نحا فيه نحو الغرض المقصود من تفسير التنزيل، وهو إظهار أسراره، وشرح وجه إعجازه، ببيان وفاء دلالته على المراد، وكشف خصائصه ومزاياه التي استأثر بها، حتى بلغ هذه المرتبة، وحتى تحدى البشر بأنهم لن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.

стр. 7

وغني عن البيان أنه لن يصل إلى تلك المنزلة إلا من أتاه الله فطرة سليمة، ورأيا حصيفا، وفكرا ثاقبا، وبرهانا ساطعا، وقلما أطوع له من بنانه حتى يتاح له بواضح البرهان، وبديع البيان، أن يوضح خصائص التراكيب ولطائف الأساليب التي هي من أسرار التنزيل، وبذا أبان في عرض كلامه كثيرا من قواعد هذه الفنون التي اتخذها من جاء بعد، دستورا للكلام في كثير من مسائلها. ٥- أبو يعقوب يوسف السكاكي: جاء بعد من تقدم ذكرهم العلامة أبو يعقوب، يوسف السكاكي، المتوفى سنة ٦٢٦هـ، وألف كتابه "مفتاح العلوم" وجمع في القسم الثالث منه زبدة ما كتبه الأئمة قبله في هذ الفنون، ونظم لآلئها المتفرقة في تضاعيف كتبهم، وأحاط بكثير من قواعدها المبعثرة في الأمهات، ورتبها أحسن ترتيب، وبوبها خير تبويب، وفصل فنون البيان الثلاثة بعضها من بعض، لما كان له من واسع الاطلاع على علوم المنطق والفلسفة. ولولا أن المؤلف أولع بتطبيق أساليب العرب على علوم اليونان واصطلاحاتهم مع ما بينهما من بعد الدار، وشط المزار واختلاف البيئات وتباين المعتقدات، لكان خير كتاب أخرج للناس في هذه الفنون، لجمعه شتاتها، وضمه ما تفرق من قواعدها. وقد اختصر مؤلفه في كتاب آخر سماه "التبيان"، ولخصه بعض المتأخرين في أمهات مشهورة، كما فعل ابن مالك في كتابه "المصباح" والخطيب جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني المتوفى سنة ٧٣٩هـ في كتابيه "تلخيص المفتاح" و"شرح الإيضاح" والأخير مؤلف جليل، جمع فيه مؤلفه خلاصة "المفتاح" و"دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" و"سر الفصاحة" لابن سنان الخفاجي. ٦- الوزير ضياء الدين بن الأثير: بينما السكاكي يؤلف كتابه "مفتاح العلوم" إذا بالوزير ضياء الدين أبي الفتح نصر بن محمد الموصلي الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٣٧هـ

стр. 8

وزير الملك الأفضل بن صلاح الدين الأيوبي، يصنف كتابه "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" وهو كتاب فريد في بابه يفوق أنداده وأترابه، جمع فيه فأوعى, ولم يترك شاردة ولا واردة، لهما مساس بالكتابة والقريض إلا ذكرهما بشرح واف، يدل على طول باع، وسعة اطلاع، مع قدرة على النقد، وبديهة حاضرة في إدراك خصائص البلاغة، ومن ثمة اشتمل كتابه على كثير من أبواب تلك الفنون، وطبق عليهما كثيرا من آي الكتاب والسنة النبوية، وتلك منقبة امتاز بها من بين هاتيك المؤلفات في تلك العلوم. وكان يحاكي في أسلوبه أسلوب القاضي الفاضل المتوفى سنة ٥٩٦هـ وزير صلاح الدين الأيوبي "على ما بينهما من شاسع البون" وطريقة القاضي معروفة بين المتأدبين, وهي من النوع الذي يغلب عليه السجع والجناس وغيرهما من المحسنات اللفظية، وكانت براعة الكتاب في هذا العصر وما بعده تظهر في استعمال تلك الطلاوة اللفظية، وبها يفوق كاتب كاتبا، ويبز الأقران في هذا الميدان. ٧- عصور الاختصار ووضع الشروح والحواشي: طفق المؤلفون من القرن الثامن وما بعده يوسعون الشروح والحواشي على المفتاح وتلخيصه للقزويني، وصرفوا جل همتهم في تفسير ما أشكل من عبارات المؤلفين، والجمع بين ما تناقض من آرائهما. ومن أجل تلك الشروح شروح مسعود سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة ٧٩١هـ وشروح السيد الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦هـ، ثم تتابعت التقارير والحواشي توضح ما انبهم من تلك التراكيب المجملة، والعبارات الغامضة، وليس علينا من غضاضة في التصريح بأن أساليب التأليف في تلك العصور قد ملكت عليها العجمة أمرها، وجلبت عليها أنواع التعقيد بخيلها ورجلها، فلم تكن هي الأساليب التي يجدر أن تكتب بها علوم البلاغة، أو بالأحرى علوم خصائص اللسان العربي في المبين. ومن ثمة لم يكن القارئ ليجعلها قدوة في أساليبها، أو نماذج في تراكيبها، فهي أحرى أن تكون أساليب اصطلاحية علمية، لا لغوية أدبية، تشرح خصائص كلام العرب وتبين مزايا أساليبه، وما زالت تندلي وتتدهور حتى وصلت إلى ما تراه اليوم، تتضاءل في أطمارها البالية, وتنزوي أمام أهل الجيل الحاضر.

стр. 9

٨- تأليف معاصرينا في هذه الفنون: أنشئت المدارس العالية والثانوية بمصر في نهاية القرن الغابر، وسلكت في التربية والتعليم طريقا سويا، لا مشاكلة بينه وبين ما تقدمه في معهد العرفان، وكان في مقدمة تلك المدارس التي شيدت، مدرسة دار العلوم من نحو أربعين سنة ونيف، فألف أساتذتها مختصرات تناسب تلك البرامج المدرسية، ويسهل على الطلبة أن يحصلوا على بغيتهم منها، فحمد لهم الناس جميل صنعهم وأوفوهم حقهم في الثناء والتقريظ مقدار ما كان لمؤلفاتهم من الميزة إبان ظهورها. وفي الحق أن تلك الرسائل وإن اختلف ترتيبها، وتنوع تبويبها، تنحو على الجملة في أسلوبها، منحى ما كتبه صاحب التلخيص وشراحه، وتسير على خطتهم وتحذو حذوهم "وقد عرفت حال هذه التآليف" فضلا عن خلوها من الأمثلة المنوعة التي تتضح بها مجملات تلك القواعد. وأفضل تلك المختصرات كتاب "دروس البلاغة" فهو على إيجازه الذي لوحظ فيه حال النشء، وهم في بدء تحصيل مختلف العلوم، كفيل بتصوير القواعد في أذهانهم جهد المستطاع. ٩- طريقنا في التأليف: رأينا أن نضع كتابا يجمع بين طريق المتقدمين، من سعة الشرح والبيان، والاعتماد على الأمثلة والشواهد، حتى تستبين للقارئ خصائص البلاغة مرموقة محسوسة، ولطائف الكلام مجسمة ملموسة، ويسهل تطبيق العلم على العمل، والإجمال على التفصيل، وذلك أمثل الطرق، لبنائه على قواعد علم النفس، من تعويد الناظر الركون إلى الوجدان والحس، وطريق المتأخرين من حسن الترتيب والتبويب، وجمع ما تفرق من قواعد هذه الفنون، ليكون أنجع في الدرس، وأقرب إلى التناول. فإذا كنا قد وفقنا إلى ما قصدنا وهدينا إلى الغرض الذي توخينا، فذلك من فضل الله علينا، وإن كنا تنكبنا عن جادة الحق وأخطأنا شاكلة الصواب، فليغض القارئ عما يراه من الهفوات، ويعثر عليه من الزلات،

стр. 10

فإن الطريق وعر، والمركب غير ذلول، وقديما قال الأول: "كفى المرء نبلا أن تعد معايبه". وليعلم أنا لم ندخر وسعا في تمحيص ما كتبنا وتهذيبه، وتنقيح ما رتبنا وتجويده، بعد أن قضينا زمنا طويلا في البحث والتنقيب، في الأمهات المؤلفة في هذه الفنون وغيرها للمتقدمين والمتأخرين، واطلعنا على الرسائل التي صنفها معاصرونا، ومن تقدمهم، جزى الله الجميع خيرا، وعليه التكلان، وبه المستعان. أحمد مصطفى المراغي

стр. 11

المقدمة في حقيقة الفصاحة والبلاغة لغة واسطلاحا ... المقدمة: في حقيقة الفصاحة والبلاغة لغة واصطلاحا: الفصاحة لغة ومعان متعددة كلها تشف عن الظهور والإبانة، فيقال: ١- فصح اللبن وأفصح إذا أخذت عنه الرغوة، قال نضلة السلمي: وتحت الرغوة اللبن الفصيح١. ٢- أفصح الصبح: بدا ضوؤه، ومنه المثل: "أفصح الصبح لذي عينين"٢. ٣- يوم مفصح وفصح لا غيم فيه ولا قر. ٤- أفصح الأعجمي بالعربية، وفصح لسانه بها إذا خلصت لغته من اللكنة وفي التنزيل: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ ٣. أي: أبين مني قولا. والبلاغة لغة: تنبئ عن الوصول والانتهاء. يقال: بلغت الغاية إذا انتهيت إليها، ومبلغ الشيء منتهاه، ورجل بليغ وبلْغ وبلَغ، حسن الكلام فصيحه يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، وبلغ بالضم بلاغة: صار بليغا، وتبالغ في كلامه تعاطى البلاغة وما هو ببليغ، وتبالغ به الفرح والحزن: تناهي. أما البلاغة اصطلاحا فالبلغاء في ذلك فريقان: ١- المتقدمون كالإمام عبد القاهر الجرجاني ومن لف لفه، وهؤلاء يرون

стр. 12

أن الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة ألفاظ مترادفة لا تتصف بها المفردات، وإنما يوصف بها الكلام بعد توخي١ معاني النحو فيما بين الكلم بحسب الأغراض التي يصاغ لها، وإلى ذلك أشار في دلائل الإعجاز في مواضع عدة منها قوله: "فصل في تحقيق القول على البلاغة والفصاحة والبيان والبراعة, وكل ما شاكل ذلك مما يعبر عن فضل بعض القائلين على بعض, من حيث نطقوا وتكلموا وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، ومن المعلوم أنه لا معنى لهذه العبارات, وسائر ما يجري مجراها, مما يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة وينسب فيه الفضل والمزية إليه، غير وصف الكلام بحسن الدلالة وتمامها فيما له كانت دلالة" ثم قال: "ولا جهة لاستعمال هذه الخصال غير أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته, ويختار له اللفظ الذي هو أخص به وأكشف عنه وأتم له, وأحرى بأن يكسبه نبلا ويظهر فيه مزية". وقال قبله أبو هلال العسكري في الصناعتين: "الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد, وإن اختلف أصلاهما؛ لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة على المعنى والإظهار له". وقال الفخر الرازي في نهاية الإيجاز: وأكثر البلغاء لا يكادون يفرقون بين البلاغة والفصاحة بل يستعملونها استعمال الشيئين المترادفين على معنى واحد في تسوية الحكم بينهما. ويشهد لذلك قول الجوهري في الصحاح: الفصاحة: البلاغة. وعلى هذا الرأي فمرجعهما وما شاكلهما النظم والكلام دون الألفاظ المجردة والكلمات المفردة. ٢- المتأخرون كأبي يعقوب يوسف السكاكي وابن الأثير، ومن شايعهما، وأولئك يرون إخراج الفصاحة من كَنَفَ٢ البلاغة، ويجعلونها اسما لما كان بنجوة٣ من تنافر الحروف وغرابة الألفاظ ومخالفة القياس، إلى آخر ما سيذكر

стр. 13

بعد، ويجعلون البلاغة اسما لما طابق مقتضى الحال مع الفصاحة، وعلى هذا الرأي فالبلاغة كل والفصاحة جزؤه، وعليه أيضا فالفصاحة من صفات المفرد كما هي من صفات المركب بحسب الاعتبارات الآتية: وإلى هذا أشار صاحب الصناعتين حيث قال: وقيل: الفصاحة تمام آلة البيان فهي مقصورة على اللفظ؛ لأن الآلة تتعلق باللفظ، والبلاغة إنما هي إنهاء المعنى إلى القلب، فكأنها مقصورة على المعنى. ا. هـ. وها نحن أولاء نشرحهما لك على الرأي الأخير فقد استقر عليه البحث، وبالله التوفيق، ومنه الهداية لأقوم طريق.

стр. 14

الفصاحة مدخل ... الفصاحة: تقع الفصاحة وصفا للمفرد والكلام والمتكلم. فصاحة المفرد: فصاحة المفرد تتحقق بسلامته من أربعة عيوب١: ١- تنافر الحروف. ٢- غرابة اللفظ. ٣- مخالفة القياس. ٤- الكراهة في السمع. تنافر الحروف: صفة في الكلمة ينجم عنها ثقلها على اللسان وصعوبة النطق بها، ولا ضابط لذلك غير الذوق السليم والشعور الذي ينشأ من مزاولة أساليب البلغاء، وليس منشؤه قرب مخارج الحروف كما قيل ألا ترى أنك تجد الحسن في لفظ الجيش مع تقارب مخارج حروفه، ونحوه، الفم والشجر، وتجد لفظ ملع بمعنى أسرع متباعد المخارج وهو متنافر، ولا طول الكلمات؛ لأنه إن صح ذلك في نحو

стр. 15

صَهْصَلق١، وخنشليل٢ وما جرى مجراهما، فليس يصح في نحو: ليستخلفنهم في الأرض فسيكفيكهم الله. ولكن يمكن وضع ضابط إجمالي أساسه المشاهدة، وهو أن أصول الأبنية لا تحسن إلا في الثلاثي وفي بعض الرباعي نحو: عذب وعسجد. أما الخماسي الأصول نحو: صهصلق وجحمرش، وما جرى مجراهما، فإنه قبيح، ومن ثمة لم يوجد شيء من هذا الضرب في القرآن الكريم إلا ما كان معربا من أسماء الأنبياء كإبراهيم وإسماعيل. والتنافر ضربان: ١- شديد متناه في الثقل كالصمعمع٣ والطساسيج٤ والظش٥. ٢- خفيف كالنقاخ٦ والنقنقة٧ والمثغنجر٨ ومستشزرات في قول امرئ القيس: غدائره مستئزرات إلى العلا ... تضل المداري في مثني ومرسل٩ والضمير في غدائره يرجع إلى فرع في قوله قبله: وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل١٠

стр. 16

الغرابة: هي كون الكلمة غير ظاهرة المعنى، ولا مألوفة الاستعمال عند خُلّص العرب "لا عند المولدين؛ لأن كثيرا مما في المعاجم غريب عندهم". ولذلك سببان١: ١- احتياجها إلى بحث وتفتيش في كتب اللغة، ثم يعثر على معناها بعد كمسحنفرة٢ وبعاق٣ وجردحل٤ وجحيش بمعنى فريد مستبد برأيه في قول تأبط شرا يصف ابن عم له بكثرة الترحال: يظل بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المسالك٥ وهمرجلة وزيزم في قول ابن جحدر: حلفت بما أرقلت حوله ... همرجلة خلقها شيظم وما شبرقت من تنوفية ... بها من وحي الجن زيزم٦ وربما لا يعثر على معناها كجحلنجع، قال في اللسان: قال أبو تراب: كنت سمعت من أبي الهيسع حرفا وهو جحلنجع فذكرته لشمر بن حمدويه وتبرأت إليه من معرفته، وكان أبو الهميسع من أعراب مدين لا نفهم كلامه، وأنشدته ما كان أنشدني:

стр. 17

إن تمنعي صوبك صوب المدمع ... يجري على الخد كضئب الثعثع وطمحة صيرها جحلنجع ... لم يحضها الجدول بالتنوع١ قال في المثل السائر: ومن الغريب من يعاب استعماله في النثر دون النظم كلفظ مشمخر في أبيات بشر في وصف الأسد: وأطلقت المهند من يميني ... فقد له من الأضلاع عشرا فخر مضرحا بدم كأني ... هدمت به بناء مشمخرا٢ ولفظ الشدنية، وهي ضرب من النوق في قول أبي تمام: يا موضع الشدنية الوجناء ... ومصارع الأدلاج والإسراء٣ ثم قال: واعلم أن كل يسوغ استعماله في الكلام المنثور يسوغ استعماله في المنظوم دون العكس، وذلك شيء استنبطته ودلني عليه الذوق. وقال الجاحظ في البيان والتبيين: ورأيت الناس يديرون في كتبهم، أن امرأة خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر، فانتهرها مرارا فقال له يحيى: أن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلبها وتضهلها٤ فإن كانوا قد رووا هذا الكلام لكي يدل على فصاحة وبلاغة فقد باعده الله من صفة البلاغة, وإن كانوا فعلوا ذلك؛ لأنه غريب فأبيات من الشعر العجاج والطرماح تأتي لهم مع الوصف الحسن على أكثر من ذلك. ٢- احتياجها إلى التخريج على وجه بعيد حتى يفهم منها المعنى المقصود نحو مسرجا وصفا للأنف في قول رؤبة بن الحجاج "شاعر إسلامي":

стр. 18

أيام أبدت واضحا مفلجا ... أغر براقا وطرقا أبرجا ومقلة وحاجبا مرجحا ... وفاحما ومرسنا مسرجا١ فالمرسن الأنف ولا يدري ماذ أراد بوصفه بمسرج، ومن ثم اختلف أئمة اللغة في تفسيره، فابن دريد قال: هو من قولهم للسيوف سريجية أي: منسوبة إلى حداد يسمى سريجا، فهو يريد تشبيهه بالسيف السريجي في الدقة والاستواء, وابن سيده صاحب "المحكم" قال: هو من السراج فهو يقصد أنه شبيه به في البريق واللمعان، وهذا قريب من قولهم: سرج وجهه بالكسر، أي: حسن, وسرج الله وجهه، بهجه وحسنه. وعلى كلا الحالين فهوغير ظاهر الدلالة على ذلك المعنى؛ لأن مادة فعل بالتشديد إنما تدل على مجرد نسبة شيء إلى آخره لا على التشبيه، فدلالتها عليه بعيدة، وقريب من هذا امتناع استعمال اللفظ المشترك بين معنيين فأكثر بدون قرينة لما فيه من دخول الحيرة على السامع كاستعمال اللفظ المشترك بين المعنى وضده، إلا إذا وجدت قرينة تخصصه بالمراد، نحو: عزر، فإنه لفظ مشترك بين التعظيم والإهانة فلا تقول لقيت فلانا فعزرته إلا بقرينة، ومن ثم لم يستعمله القرآن الكريم إلا مع القرينة فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ ٢. فذكر النصر قرينة على إرادة التعظيم. مخالفة القياس: كون الكلمة غير جارية على القانون الصرفي المستنبط من كلام العرب جمع ناكس على نواكس، بمعنى مطأطئي الرءوس في قول الفرزدق: وإذا الرجل رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار "مع أن فواعل إنما تنقاس في وصف لمؤنث عاقل، لا لمذكر كما هنا"، وكفك الإدغام في أجلل من قول أبي النجم بن قدامة من رجاز الإسلام:

стр. 19

الحمد لله العلي الأجلل ... أنت مليك الناس ربا فأقبل واستعمال همزة القطع بدل همزة الوصل في قول جميل: ألا لا أرى اثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدهر مني ومن جمل١ وعكسه في قوله: إن لم أقاتل فألبسوني برقعا. فهذا وأمثاله قبيح يشين الكلام ويذهب بمائه٢. قال في الصناعتين: وإنما استعمل ذلك القدماء؛ لأنهم كانوا أصحاب بداية، والبداية مزلة، مع أن أشعارهم لم تكن تنقد عليهم، ولو نقدت كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويبهرج٣ من كلامهم ما كان فيه أدنى عيب لتجنبوه. وقال القاضي عبد العزيز الجرجاني صاحب الوساطة بين المتنبي وخصومه: ولولا أن أهل الجاهلية جدوا بالتقدم, واعتقد الناس فيهم أنهم القدوة والأعلام الحجة لوجدت كثيرا من أشعارهم معيبا مترذلا ومردودا منفيا، لكن هذا الظن الجليل ستر عليهم ونفي الظنة عنهم فذهبت الخواطر في الذب عنهم كل مذهب وقامت في الاحتجاج لهم كل مقام. ا. هـ. ويستثنى من ذلك ما ثبت عن العرب من الشواذ نحو: أبي، يأبى٤، وعور٥، واستحوذ٦، وقطط٧ شعره. الكراهة في السمع: هي أن تمج الكلمة الأسماع وتأنف منها الطباع لوحشيتها وغلظتها كالجرشي، بمعنى النفس في قول أبي الطيب يمدح سيف الدولة:

стр. 20

مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم الحرشي شريف النسب١ وكالنقاخ فيما أنشده شمر: وأحمق ممن يلعق الماء قال لي ... دع الخمر واشرب من نقاخ مبرد٢ لكن البصير بصنعة الكلام يعلم أن استثقال الطبع لما يسمع، إنما يتصور من جهة غرابة الكلمة ووحشيتها، ففي ذكر الغرابة غنية عن ذكرها. تدريب أول: بين ما أخل بفصاحة الكلمات التي وضعت بين قوسين: قال المتنبي يمدح سيف الدولة: ١- وما أرضى لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه "ابتشاكا"٣ ٢- لم يلقها إلا بشكة باسل ... يخشى الحوادث حازم "مستعدد"٤ ٣- يا نفس صبرا كل حي لاق ... وكل "اثنين" إلى افتراق ٤- فلا يبرم الأمر الذي هو "حالل" ... ولا "يحلل" الأمر الذي هو يبرم ٥- أن بني للئام زهده ... ما لي في صدورهم من "مودده" ٦- كتب بعض أمراء بغداد رقعة طرحها في المسجد الجامع حين مرضت أمه فقال: صين امرؤ ورعى دعا لامرأة "إنقحلة"، "مقسئنة" فقد منيت بأكل الطرموق فأصابها من أجله "الاستمصال" أن يمن الله عليها "بالإطرغشاش"، و"الإبرغشاش"٥.

стр. 21

تدريب ثان: بين ما أخل بفصاحة الكلمات التي وضعت بين قوسين: ١- قال ابن نباتة في خطبة له يذكر أهوال يوم القيامة: "أقمرط" وبالها، و"اشمخر" نكالها، فما ساغت ولا طابت١. ٢- يوم "عصبصب" و"هلوف" ملا السجسج طلا٢. ٣- قد قلت لما "اطلخم" الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غبسا "دهاريسا"٣ ٤- نعم متاع الدنيا حباك به ... أروع لا "جيدر" ولا جبس٤

стр. 22

٥- تقي نقي لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذي قربى ولا "بحقلد"١ ٦- قال امرؤ القيس حين أدركته المنية وكان قد ذهب إلى ملك الروم يستنجده على قتلة أبيه: رب جفنة "مثعنجره" وطعنة "مسحنفره"، وخطبة مستحضره، وقصيدة محبره، تبقى غدا بأنقره٢. تمرين ١: بين ما أخل بفصاحة الكلمات التي وضعت بين قوسين: ١- تشكو الوجى من "أظلل وأظلل" ... من طول إملال وظهر مملل٣ ٢- فأرحام شعر تتصلن "لدنه" ... وأرحام مال ما تني تقطع٤ ٣- رواق العز حولك "مسبطر" ... وملك علي ابنك في كمال٥

стр. 23

٤- لا نسب اليوم ولا خلة ... "إتسع" الفتق على الراقع١ ٥- فأيقنت أني عند ذلك ثائر ... غداتئذ أو هالك في "الهوالك"٢ ٦- قال أبو علقمة يوما لحاجمه: أرهف، ظبات المشارط، وأمر المسح، واستنجل الرشح، وخفف الوطء، وعجل النزع، ولا تكرهن أبيا، ولا تردن أتيا، فقال له الحجام: ليس لي علم بالحروف٣. تمرين٢: بين ما أخل بفصاحة الكلمات التي وضعت بين قوسين: ١- جرت سحا فقلت له "أخبريني" ... نوى مشمولة فمتى اللقاء٤ ٢- أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن "ضننوا" ٣- من كلام أم الهيثم الأعرابية لأبي عبيدة الراوية، وقد عادها في علة أصابتها، كنت وحمى "سدكة", وشهدت مآدبة، فأكلت "جبجبة"، من صفيف "هلعة" فاعترتني "زلخة" فقيل لها أي شيء تقولين، فقالت أو للناس كلامان، والله ما كلمتكم إلا بالعربي الفصيح٥. ٤- يا نرجس الدنيا أقم أبدا ... "للاقتراح" ودائم النخب٦ ٥- قال بعض الأدباء لكاتبه يوصيه بحسن الجلسة للكتابة والاستماع لما يملي عليه، ألصق روانفك "بالجبوب"، وخذ المسطر "بشناترك"، وأجل "حندورتيك" إلى "قيهلى" حتى لا أنغي نفية، إلا أودعتها "حماطة جلجلانك"٧.

стр. 24

فصاحة الكلام: يراد بالكلام هنا ما يشمل المركب التام والناقص١. وفصاحته تكون بسلامته من كل ما ينغلق به معناه وينبهم مغزاه، وإلا كان مردودا خارجا عن حدود البلاغة، ورسوم الفصاحة، ولو احتوى على أجل المعاني وأشرفها، وإنما يتم له ذلك إذا عرى عن الأشياء الآتية: ١- تنافر الكلمات مجتمعة، ويدخل فيه كثرة التكرار وتتابع الإضافات. ٢- ضعف التأليف. ٣- التعقيد اللفظي. ٤- التعقيد المعنوي. تنافر الكلمات - المعاظلة ٢ اللفظية: هو وصف يعرض للكمات مجتمعة فيوجب ثقلها واضطراب اللسان عند النطق بها، وقد علم بالاستقراء أن منشأه إما: ١- تكرير حرف أو حرفين من كلمة في المنثور أو المنظوم، وهو قسمان: أ- ما اشتد ثقله وتناهي كالذي أنشده الجاحظ: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر٣ فأنت ترى أن قافاته وراءاته قلقة نابية، وكأنها سلسلة تتبرأ بعض حلقاتها من بعض.

стр. 25

ب- ما كان فيه بعض الثقل كقول أبي تمام: كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معى وإذا ما لمته لمته وحدي١ وقول المتنبي: كيف ترثي التي ترى كل جفن ... راءها غير جفنها غير راقي٢ فتكرار الحاء والهاء المتقاربتي المخرج في بيت أبي تمام، والجيم والراء في أكثر كلمات بيت المتنبي، أوجب الثقل فيهما. وقال بعض الوعاظ في كلام أورده: "حتى جنأت وجنات جنات الحبيب" فلما سمعه بعض الحاضرين صاح وقال: "سمعت جيما في جيم فصحت. ٢- إيراد أفعال يتبع بعضها بعضا بدون عطف، سواء اختلفت بين المضي والاستقبال نحو قول القاضي الأرجاني يحدث عن الشمع: بالنار فرقت الحوادث بيننا ... وبها نذرت أعود أقتل روحي٣ أم لم تختلف كقول المتنبي يمدح سيف الدولة: أقل أنل أقطع أحمل على سل أعد ... زدهش بشن تفضل أدن سر صل٤ فورود نذرت أعود أقتل متتابعة على تلك الشاكلة في البيت الأول جاء ثقيلا متعاظلا، كما أن مجيء أفعال الأمر متكررة في البيت الثاني جعل للثقل فيها حظا عظيما، فإن جاءت الأفعال مع حرف العطف لم تكن في الثقل كالأول نحو قول عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن: أحل وأمرر وضر وانفع ولن واخشن وأبرر ثم انتدت للمعالي٥.

стр. 26

٣- إيراد صفات متعددة على طريق واحدة كقول المتنبي في المديح، وقد أولع كثيرا بهذا النوع: دان بعيد محب مبغض بهج ... أغر حلو ممر لين شرس ند أبي غر واف أخي ثقة ... جعد سرته ندب رضى ندس١ ولا يخفى ما فيه من الثقل فما أشبه بسلسلة طويلة متصلة الحلقات. ٤- تعاقب الأدوات ومجيء بعضها إثر بعض كمن وإلى، وفي وعن وعلى كقول أبي تمام: كأنه في اجتماع الروح فيه له ... في كل جارحة من جسمه روح٢ وقول المتنبي يصف فرسا: وتسعدني في عمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد٣ فمجيء في بعد له في البيت الأول، ولها منها عليها في البيت الثاني، أورث فيهما ثقلا جعل اللسان يتعثر عند النطق بهما، قال صاحب الصناعتين: وسبيل تلافي ذلك أن تفصل بين الحرفين كأن تقول: أقمت به شهيدا عليه. ٥- تتابع الإضافات كما تقول: سرج فرس تابع الأمير، وعليه ورد قول ابن بابك: حمامة جرعي حومة الجندل اسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع٤ قال في دلائل الإعجاز: ومن شأن هذا الضرب أن يدخله الاستكراه، قال الصاحب بن عبادة: إياك والإضافات المتداخلة، وذكر أنه يستعمل في الهجاء كقوله:

стр. 27

يا علي بن حمزة بن عمارة ... أنت والله ثلجة في خيارة١ "تنبيه" لا يقبح القسمان الأخيران إلا إذا أوجبا ثقلا على اللسان, وإلا فلا يخلان بالفصاحة، فقد تكررت الأدوات وكانت حسنة مليحة في قول قطري بن الفجاءة: ولقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي٢ كما تكررت الإضافة ولطفت في قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ ٣. وقول ابن المعتر: وطلت تدير الراح أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح٤ ومن ذلك تعلم أنه لا وجه لعد هذين القسمين بعيدين عن التنافر. ضعف التأليف: هو أن يكون تأليف الكلام مخالفا لما اشتهر من قوانين النحو المشهورة، كوصل الضميرين، وتقديم غير الأعراف "مع وجوب الفصل في نحو هذا"، كقول المتنبي: خلت البلاد من الغزالة ليلها ... فأعاضهاك الله كي لا تحزنا٥ وكنصب المضارع بلا ناصب نحو: انظرا قبل تلوماني إلى ... طلل بين النقا والمنحنى٦ وكحذف نون يكن في الجزم حين يليها ساكن نحو:

стр. 28

لم يك الحق سوى أن هاجه ... رسم دار قد تعفت بالمرر١ وكالإضمار قبل الذكر لفظا ومعنى وحكما٢ في قول حسان بن ثابت: ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا ... من الناس أبقى مجده الدهر مطعما٣ التعقيد: هو ألا يكون الكلام ظاهر الدلالة عل المعنى المراد, ولذلك سببان: أحدهما يرجع إلى خلل في النظم والتركيب وهو التعقيد اللفظي، وثانيهما يرجع إلى المعنى وهو التعقيد المعنوي. التعقيد اللفظي ٤: حقيقته أن تكون الألفاظ مرتبة لا على وفق ترتيب المعاني، فيفسد نظام الكلام وتأليفه بسبب ما يحصل فيه من تقديم وتأخير ونحو ذلك، كتقديم الصفة على الموصوف، والصلة على الموصول. وهو مذموم مرفوض عند أهل البيان؛ لأنه يوجب اختلال المعنى واضطرابه، وذلك ضد الفصاحة التي هي ظهور وإبانة، ومن ثم قال العتابي: الألفاظ أجساد والمعاني أرواح، وإنما تراها بعين القلوب، فإذا قدمت منها مؤخرا أو أخرت منها مقدما، أفسدت الصورة وغيرت المعنى، كما لو حول رأس إلى موضع يد أو يد إلى موضع رجل، فإن الخلقة تتحول والحلية تتغير. وأكثر من استعمله الفرزدق وكأنه كان يقصده؛ لأن مثله لا يجيء إلا متكلفا، إذ لو خلى الإنسان ونفسه تجري على سجيتها في الاسترسال لم يعرض لها شيء من هذا النوع، فمن ذلك قوله يمدح الوليد بن عبد الملك:

стр. 29

إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره١ يريده إلى ملك أبوه ليست أمه من محارب، فقدم وأخر حتى أبهم المعنى. وقوله في البيت المشهور الذي جرى مجرى المثل في التعقيد يمدح به إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك: وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حمي أبوه يقاربه٢ مراده: وما مثل هذا الممدوح في الناس حي يقاربه ويشبهه في الفضائل إلا مملكا أبو أم ذلك الملك أبو الممدوح، فيكون الممدوح خال الملك، وخلاصة ذلك أنه لا يماثله إلا ابن أخته. فانظر رعاك الله كيف عقد المعنى، وصار به إلى التعمية دون الإفصاح، ولهذا قال الرماني: قد اجتمع في البيت أسباب الإشكال الثلاثة: سوء الترتيب وبه تغير نظام الكلام، وسلوك الطريق الأبعد في قوله: أبوه أمه أبوه، وكان يجزئه أن يقول: خاله، وإيقاع مشترك الألفاظ في قوله: حي يقاربه؛ لأنها لفظة تشترك فيها القبيلة، والحي من سائر الحيوان بالحياة. قال في المثل السائر ومن أقبح هذا النوع قول الآخر: فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرا رسومها قلما٣ يريد فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأن قلما خط رسومها، ففصل بين الفعل الناقص وخبره، وبين كأن واسمها، وبين المضاف والمضاف إليه، وقدم خبر كأن عليها، وعلى اسمها. التعقيد المعنوي: هو خفاء دلالة الكلام على المعنى المراد من أجل ما عاقها من اللوازم البعيدة والكنايات المفتقرة إلى وسائط، أو اللوازم القريبة الخفية العلاقة، مع عدم

стр. 30

ظهور القرائن الدالة على المقصود، فمعجز الكلام عن أداء المعنى، كقول العباس ابن الأحنف: سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا يريد أنه يتحمل الفراق وآلامه، ويوطن النفس على الحزن والأسى، عله يحظى بوصل يدوم، وسرور لا ينقطع، فطالما نال الصابرون أمانيهم، وفرجت كروبهم. وهذا المعنى مطروق لهجت به ألسن الشعراء والكتاب، قال عروة ابن الورد: تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أني للمقام أطوف وقال أبو تمام: أآلفة النحيب كم افتراق ... ألم فكان داعية اجتماع١ وقيل للربيع بن خيثم، وقد صلى ليلة حتى أصبح: أتعبت نفسك، فقال: راحتها أطلب. إلا أن ابن الأحنف لم يتم له ما أراد على سنن قويم، فإنه كنى عما قصد بكنايتين أصاب في أولاهما، المحز وطبق المفصل، وأخطأ في أخراهما وجه الحقيقة، ولم يسلك المهيع الواضح في الرمز والإيماء إلى ما أراد، بيان هذا أنه دل بديئا بسكب الدمع على ما يلزم فرقة الأحباب من الحزن والكمد والتعب والنصب، فأصاب شاكلة الصواب، فإن البكاء عنوان الحزن والأمارة الدالة عليه، فيرمز به إليه حتى قالوا: "أبكاني وأضحكني" على معنى ساءني وسرني، كما قال الحماسي: أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضى٢ ثم تلا ذلك فدل بجمود العين على ما يوجبه دوام التلاقي، من الفرح والسرور، لكن التوفيق لم يكن حليفه في هذا، إذ الجمود إنما هو خلو العين من البكاء عند الداعية إليه، فهو كناية عن البخل بالدموع حين الحاجة إليها، كما قال أبو عطاء يرثي أبا هبيرة:

стр. 31

ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك مجاري دمعها لجمود لا كناية عن السرور؛ لأنه لو صح ذلك لحار أن يدعي به فيقال: لا زالت عينك جامدة، كما يقال لا أبكى الله عينك، ولا خفاء في بطلان ذلك، كما يرشد إليه قول أهل اللغة: سنة جماد لا مطر فيها وناقة جماد لا لبن فيها، على معنى أن السنة بخيلة بالقطر، والناقة لا تسخو بالدر. وهكذا حال الكنايات التي استعملها العرب، لأغراض إذا غيرها المتكلم وأراد بها أغراضا أخرى، كما إذا استعمل قولهم: بيته كثير الجرذان، كناية عن وسخ المنزل وسوء نظامه، وقولهم: أبيض سربال الطباخ، كناية عن نظافة الطاهي وحسن هندامه، كان ذلك خروجا من سنن العرب واستعمالاتهم، وعد ذلك تعقيدا، إذ هذا غير ما يتبادر إلى الفهم؛ لأن العرب كنت بالأولى عن كثرة الطعام، وبالثانية عن البخل. تدريب أول: أذكر ما أخل بفصاحة الكلام فيما يلي: ١- تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان ٢- لما رأى طالبوه مصعبا ذعروا ... وكاد لو ساعد المقدور ينتصر ٣- لو كنت كنت كتمت السر كنت كما ... كنا وكنت ولكن ذاك لم يكن ٤- لما عصى أصحابه مصعبا ... أدوا إليه الكيل كيلا بصاع ٥- ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام الإجابة: ١- في البيت تعقيد لفظي، إذ تقديره: نكن يا ذئب مثل من يصطحبان. ٢- فيه ضعف التأليف؛ لأن الضمير في طالبوه يعود إلى مصعب وهو متأخر لفظا ومرتبة. ٣- فيه تنافر في الكلمات، أوجبه تكرار لفظ كنت عدة مرات. ٤- فيه ضعف التأيف؛ لأن الضمير في أصحابه يعود إلى مصعب المتأخر لفظا ومرتبة. ٥- فيه تنافر في الكلمات، سببه تكرار لفظ: مثل.

стр. 32

تدريب ثان: اذكر ما أخل بفصاحة الكلام فيما يلي: ١- ولدا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل ٢- تجمعت في فؤادهم همم ... ملء فؤاد الزمان إحداها ٣- ألا ليت شعري هل يلومن قومه ... زهيرا على ما جر من كل جانب ٤- لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء ٥- قبيل أنت أنت أو كنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام ٦- جواب مسائلي أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا ألا لا الإجابة: ١- فيه تعقيد لفظي؛ لأن تقديره من أجل أن العيون عوامل عمل السيوف سميت أغطيتها جفونا. ٢- فيه تنافر, أوجبه ثقل النطق بالهاء والميم مجتمعتين في كلمتين. ٣- فيه ضعف التأليف؛ لأن الضمير في قومه يعود إلى متأخر لفظا ورتبة. ٤- فيه تنافر، لثقل تأليف البيت وركة صوغه. ٥- فيه تعقيد وتنافر؛ لأن تقديره قبيل أنت على شرف قدرك، أنت منهم، وأنت أنت، وإذا كنت أنت منهم وجدك بشر فكفاهم بذلك فخرا. ٦- فيه تنافر، أوجبه تكرار لا عدة مرات، حتى قال الصاحب بن عباد: ما قدرت أن مثل هذا البيت يلج سمعا، وقد سمعت الفأفاء ولم أسمع باللألاء حتى رأيت هذا المتكلف المتعسف الذي لا يقف حيث يعرف. تمرين١: اذكر سبب خروج ما يأتي من الأساليب الفصيحة: ١- وأزور من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه١ ٢- لم تر من نادمت إلا كا ... لا لسوى ودك لي ذا كا

стр. 33

٣- وبه يضن على البرية لا بها ... وعليه منها لا عليها يوسى١ ٤- هو السيف الذي نصر من أروى ... به عمان مروان المصابا ٥- ونهنهت نفسي بعدما كدت أفعله٢ ٦- الطيب أنت إذا أصابك طيبه ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل٣ تمرين٢: ١- وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيسى كلهن قلاقل٤ ٢- ليس إلاك يا علي همام ... سيفه دون عرضه مسلول ٣- ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل ٤- صان اللئمي وصنت وجهي ماله ... ووني فلم يبذل ولم أتبذل٥ ٥- فما من فتى كنا من الناس واحدا ... به نبتغي منهم عديلا نبادله٦ ٦- فتنتي فجنتني تجني ... بتجن يفتن غب تجني٧ ٧- زار داود أروى وأروى ... ذات دل إذا رأت داودا٨

стр. 34

فصاحة المتكلم: هي صفة راسخة في نفس المتكلم يقتدر بها على التعبير عما يجول في خاطره من الأغراض والمقاصد. وبتلك الصفة يتمكن من صياغة ضروب الكلام، من مديح وهجاء وتهان ومراث، وخطب محبرة، ورسائل منمقة في الوعظ والإرشاد، والمفاخرات والمنافرات. ولن يبلغ شاعر أو ناثر هذه المنزلة إلا إذا كان ملما باللغة كثير الاطلاع على كتب الأدب، محيطا بأسرار أساليب العرب، حافظا لعيون كلامهم من شعر جيد ونثر مختار، عالما بأحوال الشعراء والخطباء، ومجالس الملوك والأمراء، محيطا بعدات العرب وأخبار أيامهم.

стр. 35

البلاغة بلاغة الكلام ... البلاغة: تقع البلاغة وصفا للكلام، والمتكلم، ولم يسمع وصف الكلمة بها. بلاغة الكلام: بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال التي يورد فيها مع فصاحته١. ولن يطابق الحال إلا إذا كان وفق عقول المخاطبين واعتبار طبقاتهم في البيان وقوة المنطق، فللسوقة كلام لا يصح غيره في موضعه والغرض الذي يبنى له، ولسراة القوم والأمراء فن آخر لا يسد مسداه سواه، ولقد أفصح عن ذلك الحطيئة حين خاطب عمر بن الخطاب فقال: تحنن على هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا قال صاحب الصناعتين: وربما غلب سوء الرأي وقلة العقل على بعض علماء العربية، فيخاطبون السوقي والمملوك والأعجمي بألفاظ أهل نجد، والسراة كأبي علقمة إذ قال لطبيب: "أجد رسيسا في أسناخي وأرى رجعا فيما بين الوابلة إلى الأطرة من دأيات العنق"٢ فقال له الطبيب: "متهكما": هل من وجع القرشي؟ قال له: وما يبعدنا منهم يا عدي نفسه، نحن من أرومة واحدة ونجل واحد. قال الطبيب: كذبت، وكلما خرج هذا الكلام من جوفك كان أهون لك. قال: بل لك الهوان والخسارة والسباب.

стр. 36

ومما سبق تعلم أن: ١- الحال "المقام" هو الأمر الذي يدعو المتكلم إلى إيراد خصوصية في التركيب. ٢- المقتضى "الاعتبار المناسب" هو الصورة المخصوصة التي تورد عليها العبارة. ٣- مقتضى الحال هو إيراد الكلام على تلك الصورة. فمثلا الوعظ حال ومقام يقتضي البسط والإطناب، وذلك البسط مقتضى، وإيراد الكلام في صورة الإطناب مطابقة للمقتضى. وكذا كون المخاطب منكرا يوم البعث حال يقتضي التأكيد، والتأكيد مقتضى، وكونك تخاطبه بقولك: "إن يوم الساعة لا شك فيه" مطابقة لمقتضى الحال، وهكذا مقام الذكي يخالف في الخطاب مقام الغبي، ومقام الذكر يباين مقام الحذف؛ لأن لكل منهما من الاعتبارات واللطائف وما يخالف ضده. مراتب البلاغة: بلاغة الكلام متفاوتة؛ لأن الألفاظ إذا ركبت لإفادة المعاني المرادة منها حصل لها بالتركيب صور مختلفة لا يحصرها العد، ألا ترى أن طلبة الفرقة إذا كتبوا في موضوع واحد في منشئاتهم تناولوا معاني متقاربة، أو متشابهة، لكنهم يتفاوتون في الأشياء الآتية: ١- العبارة التي ينشئونها. ٢- ترتيب المعاني. ٣- بسط الألفاظ أو إيجازها. وكلما كان المتكلم أكثر مراعاة للمقتضيات والاعتبارات ازداد الكلام حسنا, وكلما كان أوفى بها كان أبلغ، وبالعكس إذا قل وفاؤه بتلك الخصوصيات المعتبرة عند البلغاء كان أقل مرتبة في البلاغة، ولا يزال ينزل حتى يصل إلى المرتبة السفلى، فيلتحق عند البلغاء بأصوات الحيوان، وإن كان صحيح الإعراب. والمرتبة العليا وما يقرب منها هي مرتبة المعجز، وهو كلام الله تعالى الذي عجز البشر قاطبة أن يأتوا بأقصر سورة من مثله، وقد نزل في أرقى العصور

стр. 37

فصاحة وأكملها بلاغة، ومع ذلك وجم العرب، وخرست شقاشقهم مع طول التحدي وشد النكير عليهم، وحقت له الكلمة العليا. ثم يليه في الرتبة كلام رسوله ﵇، فقد أوتي من جوامع الكلم ما حارت في أمره جهابذة الفصاحة وأساطين البلاة، ثم كلام البلغاء من العرب جاهليين وإسلاميين. شواهد: من فصيح الكلام تشرح أسرار الفصاحة وتبين مراتب البلاغة. القرآن الكريم هو الينبوع الذي لا يغيض ماؤه والشجرة التي لا ينقطع ثمرها والجديد الذي لا تبلى جدته، فقد ضرب الأمثال، وتفجرت منه ضروب الحكمة وقص علينا من أخبار الماضين وسير الغابرين ما فيه العبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وبسط ذلك برائع الأساليب، وبديع التراكيب، انظر إلى ما جاء فيه عند ذكر الحساب والصراط والميزان، تجد اللفظ الجزل، والقول الفصل، نحو: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ١. كما تجد السهل المهلهل خطابا لنبيه ﵇ نحو: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ إلى آخرها. وقد اغترفت السنة النبوية من ذلك البحر, وقطفت من تلك الرياض فأوتيت من موجز الحكم وجامع الكلم ما لا يزال نجعة الرائد وكعبة القاصد، فمن جزلها قوله ﵇: "يابن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن وينقص كل يوم من عمرك وأنت تفرح، أنت فيما يكفيك، وتطلب ما يطغيك، لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع".

стр. 38

ومن مهلهلها وسهلها قوله ﵇: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واعدد نفسك في الموتى، فإذا أمسيت فلا تحدثها بالصباح، وإذا أصبحت فلا تحدثها بالمساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك". وإن شئت إيضاحا وبيانا، وعلما وعرفانا، فوازن بين قول النمر بن تولب يذم الحياة: يود الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل يكاد الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل وقول الفند الزماني: أيا تملك يا تمل ... وذات الطوق والحجل ذريني وذري عذلي ... فإن العذل كالقتل تجد المدى واسعا والهوة بينهما سحيقة والتفاوت لا حد لغايته، أو اقرن بين قول معن بن أوس في الفخر: لعمرك ما أهويت كفي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة ... من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي وقول بشار بن برد: ربابة ربة البيت ... تصب الخل في الزيت لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت ترى عجبا عاجبا وتفاوتا في الصنعة لا يحتاج إلى مراء أو جدل. وإن شاقك أن تعرف فاخر الكلام ورصينه، وما يسابق معناه ولفظه، ولفظه معناه، وما لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك، وما قالوا في مثله إنه يدخل في الآذان بلا استئذان فانظر قول الرقاشي في العظة والاعتبار: "سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجني ثمارك, فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبار". وقول بعض الكتاب: مثلك أوجب حقا لا يجب عليه, وسمح بحق وجب له، وقبل واضح العذر، واستكثر قليل الشكر، لا زالت أياديك فوق شكر أوليائك، ونعمة الله عليك فوق آمالهم فيك.

стр. 39

بلاغة ١ المتكلم: هي ملكة يقتدر بها على التصرف في فنون الكلام وأغراضه المختلفة، ببديع القول وساحر البيان، ليبلغ من المخاطب غاية ما يريد، ويقع لديه الكلام موقع الماء من ذي الغلة الصادي، وتلك الملكة لا يصل إليها إلا من أحاط بأساليب العرب خبرا، وعرف سنن تخاطبهم في منافراتهم ومفاخراتهم ومديحهم وهجوهم واعتذارهم وشكرهم، ليلبس لكل حال لبوسها، ويراعي الخصائص والمقتضيات التي تناسبها. انظر إلى النبي ﵇ تجده راعى حال من يخاطبه، فكتب إلى أهل فارس بما يسهل ترجمته، فقال: "من محمد رسول الله إلى كسرى أبرويز عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، فأدعوك بداعية الإسلام فإني أنا رسول الله إلى الخلق كافة، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين, فأسلم تسلم، فإن أبيت فإثم المجوس عليك". وكتب بضدها إلى وائل بن حجر الحضرمي وقومه ففخم لهم اللفظ لما عرف من فضل قوتهم على فهمه، وعادتهم سماع مثله فقال: "من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة من أهل حضرموت بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، على النيعة الشاة، والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، لا خلاط ولا وراط، لا شناق ولا شغار، ومن أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام"٢.

стр. 40

تداريب وتمارين: متممات: أولا: علمت مما سبق في بيان تعريف الفصاحة والبلاغة، ما يعتور الكلام من العيوب، ويزري بقيمته ويحط من قدره، فوجب أن تعرف بم تداوي هذه العيوب, فتقول: أ- مخالفة القياس يمكن تجنبها بالاطلاع علم التصريف، فهو الكفيل بمعرفة سنن المفردات العربية ونهج استعمالها، ألا ترى أن نافع بن أبي نعيم، وهو من أكابر القراء السبعة قدرا وأفخمهم شأنا، قال في معايش، معائش بالهمز، مع أن الياء١ فيها ليست زائدة؛ لأنها من العيش، فعيب عليه ذلك، حتى إن أبا عثمان المازني قال: إن نافعا لم يدر ما العربية. ب- ضعف التأليف والتعقيد اللفظي, يتباعد عنهما بملاحظة قواعد النحو، إذ هو الباحث عن كيفية استعمال المركبات على وجه الصواب. وقد يشذ عن قانونه الخاصة بلغة العامة فينزل كلامهم إلى الدرك الأسفل ويكون عرضة للقادح، انظر ما وقع فيه أبو نواس حيث يقول في مدح الأمين: يا خير من كان ومن يكون ... إلا النبي الطاهر الميمون فرفع المستثنى في موجب الكلام، ومعرفة هذا من ظواهر النحو لا من خوافيه. جـ- الغرابة, يسهل التباعد عنها بالاطلاع على متن اللغة، فإذا تتبع المتكلم مشهور الكتب وأحاط بمعاني المفردات المأنوسة، عرف أن ما سواه مما يفتقر إلى بحث وتنقير، أو تخريج على وجه بعيد فغريب. د- الأحوال ومقتضياتها, تعلم من دراسة علم المعاني. هـ- التعقيد المعنوي, يمكن التجافي عند بدراسة علم البيان. و وجوه تحسين الكلام التي تكسوه طلاوة وتكسبه رقة، بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال ووضوح الدلالة, تعرف من علم البديع. ز- التنافر, وملاك معرفته الذوق السليم والشعور النفسي.
следующие страницы →