ومما سبق تعلم أن:
١- الحال "المقام" هو الأمر الذي يدعو المتكلم إلى إيراد خصوصية في التركيب.
٢- المقتضى "الاعتبار المناسب" هو الصورة المخصوصة التي تورد عليها العبارة.
٣- مقتضى الحال هو إيراد الكلام على تلك الصورة.
فمثلا الوعظ حال ومقام يقتضي البسط والإطناب، وذلك البسط مقتضى، وإيراد الكلام في صورة الإطناب مطابقة للمقتضى.
وكذا كون المخاطب منكرا يوم البعث حال يقتضي التأكيد، والتأكيد مقتضى، وكونك تخاطبه بقولك: "إن يوم الساعة لا شك فيه" مطابقة لمقتضى الحال، وهكذا مقام الذكي يخالف في الخطاب مقام الغبي، ومقام الذكر يباين مقام الحذف؛ لأن لكل منهما من الاعتبارات واللطائف وما يخالف ضده.
مراتب البلاغة:
بلاغة الكلام متفاوتة؛ لأن الألفاظ إذا ركبت لإفادة المعاني المرادة منها حصل لها بالتركيب صور مختلفة لا يحصرها العد، ألا ترى أن طلبة الفرقة إذا كتبوا في موضوع واحد في منشئاتهم تناولوا معاني متقاربة، أو متشابهة، لكنهم يتفاوتون في الأشياء الآتية:
١- العبارة التي ينشئونها.
٢- ترتيب المعاني.
٣- بسط الألفاظ أو إيجازها.
وكلما كان المتكلم أكثر مراعاة للمقتضيات والاعتبارات ازداد الكلام حسنا, وكلما كان أوفى بها كان أبلغ، وبالعكس إذا قل وفاؤه بتلك الخصوصيات المعتبرة عند البلغاء كان أقل مرتبة في البلاغة، ولا يزال ينزل حتى يصل إلى المرتبة السفلى، فيلتحق عند البلغاء بأصوات الحيوان، وإن كان صحيح الإعراب.
والمرتبة العليا وما يقرب منها هي مرتبة المعجز، وهو كلام الله تعالى الذي عجز البشر قاطبة أن يأتوا بأقصر سورة من مثله، وقد نزل في أرقى العصور
стр. 37
فصاحة وأكملها بلاغة، ومع ذلك وجم العرب، وخرست شقاشقهم مع طول التحدي وشد النكير عليهم، وحقت له الكلمة العليا.
ثم يليه في الرتبة كلام رسوله ﵇، فقد أوتي من جوامع الكلم ما حارت في أمره جهابذة الفصاحة وأساطين البلاة، ثم كلام البلغاء من العرب جاهليين وإسلاميين.
شواهد:
من فصيح الكلام تشرح أسرار الفصاحة وتبين مراتب البلاغة.
القرآن الكريم هو الينبوع الذي لا يغيض ماؤه والشجرة التي لا ينقطع ثمرها والجديد الذي لا تبلى جدته، فقد ضرب الأمثال، وتفجرت منه ضروب الحكمة وقص علينا من أخبار الماضين وسير الغابرين ما فيه العبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وبسط ذلك برائع الأساليب، وبديع التراكيب، انظر إلى ما جاء فيه عند ذكر الحساب والصراط والميزان، تجد اللفظ الجزل، والقول الفصل، نحو: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ١. كما تجد السهل المهلهل خطابا لنبيه ﵇ نحو: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ إلى آخرها.
وقد اغترفت السنة النبوية من ذلك البحر, وقطفت من تلك الرياض فأوتيت من موجز الحكم وجامع الكلم ما لا يزال نجعة الرائد وكعبة القاصد، فمن جزلها قوله ﵇: "يابن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن وينقص كل يوم من عمرك وأنت تفرح، أنت فيما يكفيك، وتطلب ما يطغيك، لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع".
стр. 38
ومن مهلهلها وسهلها قوله ﵇: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واعدد نفسك في الموتى، فإذا أمسيت فلا تحدثها بالصباح، وإذا أصبحت فلا تحدثها بالمساء، وخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك".
وإن شئت إيضاحا وبيانا، وعلما وعرفانا، فوازن بين قول النمر بن تولب يذم الحياة:
يود الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
يكاد الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقول الفند الزماني:
أيا تملك يا تمل ... وذات الطوق والحجل
ذريني وذري عذلي ... فإن العذل كالقتل
تجد المدى واسعا والهوة بينهما سحيقة والتفاوت لا حد لغايته، أو اقرن بين قول معن بن أوس في الفخر:
لعمرك ما أهويت كفي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبة ... من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي
وقول بشار بن برد:
ربابة ربة البيت ... تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت
ترى عجبا عاجبا وتفاوتا في الصنعة لا يحتاج إلى مراء أو جدل.
وإن شاقك أن تعرف فاخر الكلام ورصينه، وما يسابق معناه ولفظه، ولفظه معناه، وما لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك، وما قالوا في مثله إنه يدخل في الآذان بلا استئذان فانظر قول الرقاشي في العظة والاعتبار: "سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجني ثمارك, فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبار". وقول بعض الكتاب: مثلك أوجب حقا لا يجب عليه, وسمح بحق وجب له، وقبل واضح العذر، واستكثر قليل الشكر، لا زالت أياديك فوق شكر أوليائك، ونعمة الله عليك فوق آمالهم فيك.
стр. 39
بلاغة ١ المتكلم:
هي ملكة يقتدر بها على التصرف في فنون الكلام وأغراضه المختلفة، ببديع القول وساحر البيان، ليبلغ من المخاطب غاية ما يريد، ويقع لديه الكلام موقع الماء من ذي الغلة الصادي، وتلك الملكة لا يصل إليها إلا من أحاط بأساليب العرب خبرا، وعرف سنن تخاطبهم في منافراتهم ومفاخراتهم ومديحهم وهجوهم واعتذارهم وشكرهم، ليلبس لكل حال لبوسها، ويراعي الخصائص والمقتضيات التي تناسبها.
انظر إلى النبي ﵇ تجده راعى حال من يخاطبه، فكتب إلى أهل فارس بما يسهل ترجمته، فقال: "من محمد رسول الله إلى كسرى أبرويز عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، فأدعوك بداعية الإسلام فإني أنا رسول الله إلى الخلق كافة، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين, فأسلم تسلم، فإن أبيت فإثم المجوس عليك".
وكتب بضدها إلى وائل بن حجر الحضرمي وقومه ففخم لهم اللفظ لما عرف من فضل قوتهم على فهمه، وعادتهم سماع مثله فقال: "من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة من أهل حضرموت بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، على النيعة الشاة، والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، لا خلاط ولا وراط، لا شناق ولا شغار، ومن أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام"٢.
стр. 40
تداريب وتمارين:
متممات:
أولا: علمت مما سبق في بيان تعريف الفصاحة والبلاغة، ما يعتور الكلام من العيوب، ويزري بقيمته ويحط من قدره، فوجب أن تعرف بم تداوي هذه العيوب, فتقول:
أ- مخالفة القياس يمكن تجنبها بالاطلاع علم التصريف، فهو الكفيل بمعرفة سنن المفردات العربية ونهج استعمالها، ألا ترى أن نافع بن أبي نعيم، وهو من أكابر القراء السبعة قدرا وأفخمهم شأنا، قال في معايش، معائش بالهمز، مع أن الياء١ فيها ليست زائدة؛ لأنها من العيش، فعيب عليه ذلك، حتى إن أبا عثمان المازني قال: إن نافعا لم يدر ما العربية.
ب- ضعف التأليف والتعقيد اللفظي, يتباعد عنهما بملاحظة قواعد النحو، إذ هو الباحث عن كيفية استعمال المركبات على وجه الصواب. وقد يشذ عن قانونه الخاصة بلغة العامة فينزل كلامهم إلى الدرك الأسفل ويكون عرضة للقادح، انظر ما وقع فيه أبو نواس حيث يقول في مدح الأمين:
يا خير من كان ومن يكون ... إلا النبي الطاهر الميمون
فرفع المستثنى في موجب الكلام، ومعرفة هذا من ظواهر النحو لا من خوافيه.
جـ- الغرابة, يسهل التباعد عنها بالاطلاع على متن اللغة، فإذا تتبع المتكلم مشهور الكتب وأحاط بمعاني المفردات المأنوسة، عرف أن ما سواه مما يفتقر إلى بحث وتنقير، أو تخريج على وجه بعيد فغريب.
د- الأحوال ومقتضياتها, تعلم من دراسة علم المعاني.
هـ- التعقيد المعنوي, يمكن التجافي عند بدراسة علم البيان.
و وجوه تحسين الكلام التي تكسوه طلاوة وتكسبه رقة، بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال ووضوح الدلالة, تعرف من علم البديع.
ز- التنافر, وملاك معرفته الذوق السليم والشعور النفسي.
стр. 41
ثانيا: علم البيان في اصطلاح المتقدمين اسم جامع للعلوم الثلاثة "المعاني والبيان والبديع" وعليه قول الجاحظ: البيان اسم جامع لكل ما كشف لك المعنى, وقول ابن المعتز: البيان ترجمان القلوب وصيقل العقول.
بعض الأئمة يسمي الثلاثة علم البديع لما فيها من بديع الصنعة، كما يسمي بعضهم الأول علم المعاني، والأخيرين علم البيان.
ثالثا: للمتقدمين في حدود البلاغة ورسومها، كلمات مجملة تقرب لك بعضا مما فصلناه، منها قول محمد بن الحنفية، البلاغة قول تضطر العقول إلى فهمه بأيسر العبارة. وقول ابن المعتز: البلاغة البلوغ إلى المعنى ولما يطل سفر الكلام, وقول ابن الأعرابي: البلاغة التقرب من البغية ودلالة قليل على كثير. وقول بعضهم: هي قلة اللفظ، وسهولة المعنى، وحسن البديهة.
стр. 42
علم المعاني
مدخل
...
علم المعاني:
هو قواعد يعرف بها كيفية مطابقة الكلام مقتضى الحال حتى يكون وفق الغرض الذي سيق له، فبه نحترز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، فنعرف السبب الذي يدعو إلى التقديم والتأخير، والحذف والذكر، والإيجاز حينا والإطناب آخر، والفصل والوصل، إلى غير ذلك مما سنذكر بعد.
فمنه نعرف مثلا:
١- أن العرب توجز إذ شكرت أو اعتذرت.
٢- أن العرب تطنب إذا مدحت.
٣- أن الجملة الاسمية تأتي لإفادة الثبات بمقتضى المقام.
فمتى وضع المتكلم تلك القواعد نصب عينيه لم يزغ عن أساليبهم ونهج تراكيبهم وجاء كلامه مطابقا لمقتضى الحال التي يورد فيها، فالشكر حال يقتضي الإيجاز وإيراد الكلام على هذه الصورة مطابقة لمقتضى الحال.
واضعه: أول من بسط قواعده الإمام عبد القاهرة الجرجني المتوفى سنة ٤٧١هـ فهو الذي هذب مسائله وأوضح قواعده، وقد وضع فيه الأئمة قبله نتفا كالجاحظ وأبي هلال العسكري، إلا أنهم لم يوفقوا إلى مثل ما وفق إليه ذلكم الحبر الجليل.
стр. 43
فائدته:
١- الوقوف على أسرار البلاغة في منثور الكلام ومنظومه، فنحتذي حذوهما، وننسج عل منوالهما، ونعرف السر في افتخار النبي ﵇ بقوله: $"أنا أفصح من نطق بالضاد". وقوله: "أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا". ونفهم وجه تعجب الصحابة من فصاحته ﵇، فقد روي أن أبا بكر ﵁ قال له: ما بالك يا رسول الله أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟.
٢- معرفة وجه إعجاز القرآن من وجهة ما خصه الله به من حسن التأليف وبراعة التركيب، وما اشتمل عليه من عذوبة وجزالة وسهولة وسلاسة، فنقتنع ببلاغته وندرك السر في فصاحته، وكيف كان معجزة خالدة على وجه الدهر لا يبليها كر الجديدين ولا مرور الملوين.
وقد رتبنا الكلام في هذا الفن على اثني عشر بابا.
стр. 44
الباب الأول: الخبر
المبحث الأول في تعريف الخبر
...
الباب الأول: في الخبر
وفيه خمسة مباحث.
المبحث الأول: في تعريف الخبر
الخبر ما احتمل الصدق والكذب لذاته، قولنا ليدخل فيه الأخبار الواجبة الصدق، كأخبار الله وأخبار رسله، والواجبة الكذب كأخبار المتنبئين في دعوى النبوة، والبديهيات المقطوع بصدقها أو كذبها، فكل هذه إذا نظر إليها لذاتها دون اعتبارات أخرى احتملت أحد الأمرين، أما إذا نظر فيها إلى خصوصية في المخبر، أو في الخبر تكون متعينة لأحدهما، وإن شئت قلت الخبر ما لا تتوقف تحقق مدلوله على النطق به نحو: الصدق فضيلة، وإنفاق المال في سبيل الخير محمود. وبضد هذين التعريفين الإنشاء.
صدق الخبر:
لكل خبر تتلفظ به نسبتان:
١- نسبة تفهم من الخبر، ويدل عليها الكلام، وتسمى النسبة الكلامية.
٢- نسبة أخرى تعرف من الخارج والواقع بقطع النظر عن الخبر, وتسمى بالنسبة الخارجية، فإن طابقت النسبة الكلامية النسبة الخارجية في الإيجاب أو في النفي كان الكلام صدقا، وإلا كان كذبا. مثلا إذا قلنا: "الشمس طالعة" وكانت هي في الواقع والخارج كذلك سمي الكلام صدقا، وإن لم تكن طالعة سمي الكلام كذبا، فصدق الخبر إذًا مطابقته الواقع والخارج، وكذبه عدمها.
تنبيه:
ما تقدم من انحصار الخبر في الصادق والكاذب، ومن تعريف الصدق والكذب بما ذكر هو مذهب الجمهور الذي عليه المعول.
стр. 45
ويرى إبراهيم النظام ومن تابعه أن صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر به، ولو كان خطأ غير مطابق للواقع، وكذبه عدمها، فإذا قال قائل: الشمس أصغر حجما من الأرض، معتقدا ذلك، كاد صدقا، وإذا قال: الشمس أكبر من الأرض، وكان غير معتقد ذلك، كان كذبا.
واحتج لذلك بوجهين:
١- أن من اعتقد أمرا فأخبر به، ثم ظهر خبره مخالفا للواقع فإنه يقال: ما كذب ولكنه أخطأ، كما روي أن عائشة قالت فيمن شأنه كذلك: ما كذب ولكنه وهم، ورد بأن المنفي تعمد الكذب لا الكذب، بدليل تكذيبنا اليهودي إذا قال: الإسلام باطل، وتصديقنا إياه إذا قال: الإسلام حق.
٢- قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ١، فقد كذبهم في قولهم: إنك لرسول الله، وإن كان مطابقا للواقع؛ لأنهم لم يعتقدوه. وأجيب عن ذلك بوجوه.
أ- أن المعنى نشهد شهادة وافقت فيها قلوبنا ألسنتنا كما يرشد إلى ذلك التأكيد بأن واللام والجملة الاسمية في قولهم: إنك لرسول الله، فالتكذيب راجع إلى الشهادة باعتبار تضمنها خبرا كاذبا، وهو أنها من صميم القلب، وخلوص الاعتقاد.
ب- أن التكذيب متجه إلى تسمية إخبارهم شهادة؛ لأن الإخبار إذا خلا عن المواطأة للاعتقاد لم يكن شهادة في الحقيقة.
جـ- أن المراد لكاذبون في قولهم: إنك لرسول الله، لا في الواقع، بل في زعمهم واعتقادهم؛ لأنهم يعتقدون أنه غير مطابق للواقع، فيكون كذبا باعتبار اعتقادهم، وإن كان صادقا في الواقع والحقيقة، فكأنه قيل إنهم يزعمون أنهم كاذبون في هذا الخبر الصادق.
ويرى تلميذه الجاحظ أن الخبر غير منحصر في القسمين الصادق والكاذب، بل الأقسام الثلاثة: صادق وكاذب وواسطة بينهما؛ لأن الحكم إن طابق الواقع مع اعتقاد المخبر أنه مطابق فهو صدق، وإن لم يطابق الواقع مع اعتقاده أنه
стр. 46
غير مطابق، فهو كذب، وغير هذين١ ليس بصدق ولا كذب.
واحتج لذلك بقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ٢، فقد حصر المشركون إخبار النبي بالحشر والنشر في الافتراء، والإخبار حال الجنون على طريق منع الخلو والاجتماع معا. ولا شك أن إخباره حال الجنون ليس كذبا لجعلهم الافتراء٣ في مقابلته, ولا صدقا؛ لأنهم اعتقدوا عدم صدقه.
وقد رد هذا المعنى قولهم: "أم به جنة" أم لم يفتر فيكون مرادهم أن إخباره ﵇ إما مخلفة قصدا أو مختلقة بلا قصد, فعبروا عن الأول بالافتراء وعن الثاني بوجود الجنة لاستلزامه٤ عدم الافتراء، وعلى هذا يكون حصر الإخبار في الافتراء وعدمه من قبيل حصر الكذب في نوعية العمد وغيره لا حصر الخبر مطلقا.
стр. 47
المبحث الثاني: في تأليف الجمل
لكل جملة ركنان أساسيان لا بد منهما في تكوينهما "وهما المسند إليه" وهو المبتدأ ونحوه "والمسند" الخبر ونحوه، وما زاد عليهما من مفعول وحال وتمييز فهو قيد زائد إلا صلة الموصول والمضاف إليه:
стр. 48
المبحث الثالث: في الغرض من إلقاء الخبر
الأصل في الخبر أن يلقى لأحد غرضين:
١- إفادة المخاطب الحكم الذي تضمنته الجملة، ويسمى ذلك فائدة الخبر، نحو: حروب المستقبل جوية.
٢- إفادة المخاطب أن المتكلم عالم بهذا الحكم، ويسمى ذلك لازم الفائدة، كما تقول لشخص أخفى عليك سفره فعلمته من طريق آخر: أنت سافرت أمس.
وربما لا يقصد من إلقاء الخبر أحد ذينك الغرضين، بل يلقى لأغراض أخرى تستفاد من سياق الكلام، أهمها:
أ- إظهار الأسف والحسرة على فائت نحو:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ب- إظهار الضعف نحو:
فقد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي
جـ- الاسترحام والاستعطاف نحو:
رب إني لا أستطيع اصطبارا ... فاعف عني يا من يقيل العثارا
د- التوبيخ كما تقول للطالب المهمل الذي رسب في الامتحان: "أنت رسبت في الامتحان".
هـ- إظهار الفرح، كما يقول من نجح في الامتحان لمن يعرف ذلك: "فزت في الامتحان".
و التنشيط وتحريك الهمة لنيل ما يلزم تحصيله نحو: الناس يشكرون المحسن.
ز- التذكير بما بين المراتب من التفاوت نحو: لا يستوي كسلان ونشيط.
ح- الوعظ والإرشاد نحو: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ١.
стр. 49
نموذج أول:
اذكر ما يستفاد من هذه الأخبار:
١-
هناء مح ذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما
٢-
أصبت بسادة كانوا عيونا ... بهم نسقي إذا انقطع الغمام١
٣-
إلهي عبدك العاصي أتاكا ... مقرا بالذنوب وقد دعاكا
٤-
أنا القائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
٥- تقلو للعاثر: المصباح في يدك.
٦- الحياة كطيف الخيال
الإجابة:
١- الفرح بالمقبل ونسيان الأحزان المدبرة.
٢- الأسف والحزن على فقدان أولئك السادة الأمجاد.
٣- الخشوع والضعف.
٤- الفخر والشجاعة والحمية.
٥- التوبيخ والتأنيب لوجود حال تقتضي ضد ما حصل.
٦- العظة والاعتبار.
نموذج ثان:
١-
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعا ... والحظ عني بالجهال في شغل
٢-
ذهب الشباب فما له من عودة ... وأتى المشيب فأين منه المهرب
٣- ما أنت بالذي يعول عليه
٤- قيمة كل امرئ ما يحسنه
٥- ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين﴾ .
٦- تقول لضيف زارنا الغيث.
стр. 50
الإجابة:
١- الأسف والحسرة على فوات ما كان مرجوا.
٢- الأسف والحسرة على ما فات.
٣- التوبيخ وإغاظة المخاطب.
٤- تنشيط السامع، وحثه على صالح العمل.
٥- الحث والتنشيط على العمل.
٦- الفرح والسرور بمقدمه.
تمرين١:
ماذا يراد من هذه الأخبار:
١- ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ١.
٢-
وأنت الذي ربيت ذا الملك مرضعا ... وليس له أم سواك ولا أب
٣-
ذل من يغبط الذليل يعيش ... رب عيش أخف منه الحمام
٤- تقول لمن يحث على الحرب: الحرب متلفلة للعباد. ذهابة بالطارف والنلاد.
٥- يقول الطالب لأهله: نلت الجائزة الأولى.
٦- يقول التاجر الذي خسر: ضاعت أتعابي سدى.
٧- أودى الشباب فما له منقفر
وفقدت أترابي فأين المغبر٢
تمرين٢:
١- ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ .
٢- ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ .
٣- "الظلم ظلمات يوم القيامة".
٤- من حفر حفرة لأخيه المؤمن وقع فيها.
٥-
مررت على أبيات آل محمد ... فلم أرها أمثالها يوم حلت
٦-
رزئنا أبا عمرو ولا حي مثله ... فلله ريب الحادثات بمن وقع
٧-
دفعنا بك الأيام حتى إذ أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا٣
стр. 51
المبحث الرابع: في طريق إلقاء الخبر
من مزايا اللغة العربية دقة التعبير واختلاف الأساليب، بتنوع الأغراض والمقاصد، فمن الخطل عند ذوي المعرفة البسط والإطناب، إذا لم تكن الحاجة ماسة إليه، والإيجاز حيث تطلب الزيادة، وقد خفيت هذه الدقائق عل الخاصة بلغة العامة, ويرشد إلى ذلك ما رواه الثقات من أن المتفلسف الكندي ركب إلى أبي العباس المبرد، وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشوا، فقال أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: عبد الله قائم، ويقولون إأن عبد الله قائم، ثم يقولون إن عبد الله لقائم، فالألفاظ متكررة والمعنى واحد. فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فالأول إخباره عن قيامه, والثاني جواب عن سؤال سائل, والثالث جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني، فما أحار المتفلسف جوابا.
ومن هذا تعلم أن العرب لاحظت أن يكون الكلام بمقدار الحاجة لا زائدا عليها، وإلا كان عبثا, ولا ناقصا وإلا أخل بالغرض، وهو الإفصاح والبيان، وتعلم أيضا أن المخاطب لا يخلو من أن يكون واحدا من ثلاثة:
١- خالي الذهن من الحكم، ومن التردد فيه فيلقى إليه الكلام ساذجا غفلا من أدوات التوكيد التي سترد عليك، ويسمى هذا الضرب ابتدائيا، نحو: محمد سافر.
٢- المتردد في ثبوت الحكم وعدمه بألا يترجح عنده هذا على ذلك، وحينئذ يحسن تقوية الحكم بمؤكد ليزيل ذلك التردد، ويسمى هذا الضرب طلبيا.
ويرى عبد القاهر أنه إنما يحسن التوكيد إذا كان الملخاطب ظن على خلاف حكمك، وله تشوف إلى الوقوف على الحقيقة, فيحسن تقوية الحكم له بأن ونحوها ليتمكن المعنى المراد في نفسه ويطرح الخلاف وراء ظهره.
ثم قال: ومن ثم يحسن موقع إن إذا كان الخبر بأمر يبعد في الظن مثله؛ لأن العادة جرت بخلافه كقول أبي نواس:
عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في اليأس
لما كان في مجرى العرف والعادة ألا يدع الناس الطمع والرجاء ويحملوا أنفسهم على اليأس ويجعلوا فيه الغنى كما ادعى، أكده بأن.
стр. 52
٣- المنكر للحكم, وهذا يجب أن يؤكد له الكلام بقدر إنكاره، قوة وضعفا، ذاك أن المتكلم أحوج ما يكون إلى الزيادة في تثبيت خبره إذا كان هناك من ينكره ويدفع صحته، فهو حينئذ يبالغ في تأكيده حتى يزيل إنكاره، يدل على ذلك ما قصه الله تعالى علينا حكاية عن رسل عيسى ﵇ حين بعثهم إلى أهل أنطاكية فكذبوهم فقالوا لهم في المرة الأولى: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ ١ وفي الثانية: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ ٢ فأكدوا لهم أولا بأن واسمية الجملة، وثانيا بالقسم "إذ ربنا يعلم في حكم، علم الله وشهد الله" وأن اللام والجملة الاسمية لما رأوا من شديد إنكارهم، ويسمى هذا الضرب إنكاريا٣.
والجري على هذا المنهج والسير على تلك الطريق في الأضرب الثلاثة يسمى: إخراج الكلام على مقتضى الظاهر.
وقد يلاحظ المتكلم اعتبارات أخرى خفية، فيخرج كلامه على اعتبارها، ويسمى ذلك إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، ولذلك صور كثيرة، منها:
١- أن ينزل غير السائل منزلة السائل، فيؤكد له الكلام إذا تقدم ما يشير إلى حكم الخبر فتستشرف نفسه وتتطلع إليه استشراف الطالب المتردد، وذلك كثير في القرآن الكريم وكلام العرب، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ ٤ فحين تقدم قوله: واصنع الفلك بأعيننا، وقوله: ولا تخاطبني، صار المقام مقام تردد بأن القوم هل حكم عليهم بالإغراق؟ فقيل: إنهم مغرقون، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ٥ وقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ٦.
стр. 53
وقول بعض العرب:
فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء
وقول بشار:
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التكبير
٢- أن ينزل من لا ينكر الخبر منزلة من ينكره تهكما به إذا لاح عليه شيء من أمارات الإنكار كقول حجل بن نضلة القيسي، وهو من أولاد عم شقيق:
جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
فمجيء شقيق هكذا مدلا بنفسه معجبا بشجاعته, واضعا رمحه عرضا١، دليل على صلفه وزهوه ببسالته، واعتقاده أنه لن يجد مقاوما من بني عمه، حتى كأنهم عزل ليس معهم ما يدافعون به، ومن ثم نزله منزلة المنكر، وخاطبه بالشطر الثاني خطاب التفات بعد غيبة، تهكما به، ورميا له بالنزق، وخرق الرأي.
٣- أن يجعل المنكر كأنهم غير منكر، فلا يعتد بإنكاره؛ لأن أمامه من الدلائل الساطعة والبراهين القاطعة، ما فيه مقنع له لو أزال تلك الغشاوة عن عينيه والتفت إلى ما يحيط به، وعليه قوله تعالى خطابا لمنكري الوحدانية: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢ إذ العقل قاض بأن تعدد الآلهة يقتضي تخالف أفعالهم لاختلاف علومهم وإرادتهم، وكل منهم له التصرف في السموات والأرض، والقدرة على إيجاد الممكنات فتتضارت أفعالهم ويفسد نظام الكون، والمشاهد أنه على أتم نظام، فهو الواحد لا شريك له.
٤- أن ينزل العالم بالفائدة ولازمها منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم "وهل العمل به" كما تقول لمن يسيء إلى أبيه ويقسو عليه: هذا أبوك فأحسن إليه. فكأنك تقول له: إن هذه المعاملة لتدل على أنك تجهل أبوته لك.
وهذا كله اعتبارات الإثبات، وقس عليه اعتبارات النفي كقولك: ليس زيد منطلقا وبمنطلق، ووالله ليس على المنطلق، وهكذا.
стр. 54
تنبيهات:
١- التوكيد تمكين الشيء في النفس وتقويته، لإزالة الشكوك وإماطة الشبهات عما أنت بصدد الإخبار عنه, والمراد به في هذا الباب تأكيد الحكم، لا تأكيد المسند إليه، ولا تأكيد المسند، فلو قلت: علي نفسه قائم، أو جاء علي، لا يكون مما نحن فيه.
٢- التوكيد في الجمل الاسمية يكون بأن، أو بأن واللام، أو بأن واللام والقسم كما عرفت، وفي الجمل الفعلية يكون بقد، أو بقد والقسم، كقول العباس بن مرداس:
لقد عظم البعير بغير لب ... فلن يستغن بالعظم البعير
٣- المؤكدات المشهورة هي: إن، أن، لام الابتداء، نونا التوكيد، القسم، أما الشرطية، أحرف التنبيه، أحرف الزيادة، ضمير الفصل، تقديم الفاعل في المعنى، نحو: محمد يقوم، السين وسوف الداخلتان على فعل دال على وعد، أو وعيد، نحو: سأمنح المجتهد جائزة، وسأعاقب المسيء، قد التي للتحقيق، تكرير النفي، إنما.
٤- الخطاب بالجملة الاسمية وحدها آكد من الخطاب بالجلمة الفعلية، فإذا أريد مجرد الإخبار فقط أتى بالفعلية، وإن أريد التأكيد فبالاسمية وحدها، أو بها مع إن أو بهما وباللام ثم بالثلاثة والقسم.
هذا والتأكيد كما يأتي في الخبر يأتي في الإنشاء كقول الشاعر:
هلا تمنن بوعد غير مخلفة ... كما عهدتك في أيام ذي سلم
ولكنه لا يكون فيه لدفع التردد، أو الإنكار، لكن لدلالته على استبعاد الحكم من المخبر، كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ١.
٥- من فوائد إن غير التوكيد:
أ- ربط الجملة بما قبلها، كما تقدم في قوله: إن غناء الإبل الحداء، فلو أسقطت إن، لم يقل إلا بالفاء، فيقال: فغناء الإبل الحداء.
стр. 55
ب- تهيئة النكرة وصلاحيتها؛ لأن تكون مسندا إليه كقوله:
إن دهرا يلف شملي بسعدي ... لزمان يهم بالإحسان
جـ- غناؤها عن الخبر في بعض المواضع كقولهم: إن مالا، وإن ولدا، وإن عددا يريدون إن لهم مالا، وإن لهم عددا، وعليه قول الأعشى:
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا١
د- الدلالة على أن الظن كان من المتكلم في الذي كان أنه لا يكون كقولك للشيء هو بمرأى ومسمع من المخاطب: إنه كان من الأمر ما ترى، وأحسنت إلى فلان ثم إنه جعل جزائي ما ترى، وعليه قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ ٢. ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ٣. قاله عبد القاهر في "دلائل الإعجاز".
هـ- أن لضمير الشأن معها حسنا لا يكون بدونها، نحو: أنه من يتق ويصبر. أنه من يعمل سوءا يجز به. أنه لا يفلح الكافرون.
تدريب أول:
اذكر أضرب الخبر فيما يلي, وبين المؤكدات التي في كل جملة:
١-
ما أن ندمت على سكوتي مرة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا
٢-
وإني لصبار على ما ينوبني ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر
٣-
فما الحداثة عن حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب
٤-
ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... والنصح أغلى ما يباع ويوهب
٥-
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
٦-
وإني لحلو تعتريني مرارة ... وإني لتراك لما لم أعود
стр. 56
تدريب ثان:
١-
إن الحياة لثوب سوف نخلعه ... وكل ثوب إذا ما رث ينخلع
٢-
أتتك الخلافة منقادة ... إليك تجرر أذيالها
٣- "إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة".
٤- قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه خلق.
٥-
ألا إن أخلاق الفتى كزمانه ... منهن بيض في العيون وسود
الإجابة:
стр. 57
تمرين١:
من أي الأضرب الجمل الآتية، وأيها جرى على خلاف مقتضى الظاهر؟
١- ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ ١.
٢- ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢.
٣- قال أبو بكر ﵁: إن البلاء موكل بالمنطق.
٣- ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٣.
٥- الإسلام حق.
٦- ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ٤.
تمرين٢:
١
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
٢- ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٥.
٣-
إن على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا تعرفه أو تحمله
٤-
ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها
٥-
إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع
٦-
هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان
стр. 58
المبحث الخامس: في الجملة الاسمية والفعلية
مما تمس الحاجة إلى معرفته، الفرق بين الجملة الاسمية والفعلية في الاستعمال، لوعورة المسلك ودقة الصنع، إذ قلما يفطن له الفصحاء ذوو الدراية في المنطق، وبيان ذلك أن الجملة قسمان:
١- اسمية وتفيد بأصل وضعها ثبوت الحكم فحسب، بلا نظر إلى تجدد ولا استمرار، فلا يستفاد من قولنا: علي مسافر، سوى ثبوت السفر فعلا لعلي دون نظر إلى تجدد ولا حدوث، فالمعنى فيه شبيه بالمعنى في قولنا: محمد طويل ومحمود قصير، فكما لا يقصدها هنا إلى أن يجعل الطول والقصر يتجدد ويحدث، بل يقصد إيجابهما وثبوتهما فقط، كذلك لا يتعرض في قولنا: علي مسافر لأكثر من إثبات السفر فعلا لعلي.
ولكن قد تحف بها قرائن أخرى تستفاد من سياق الكلام، كأن يكون في معرض مدح أو ذم أو حكمة، أو نحو ذلك، فتفيد لدوام والاستمرار حينئذ، وعليه قول النضر بن جويرية يتمدح بالغنى والكرم:
لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق١
فهو يريد أن دراهمهم دائمة الانطلاق تمرق من الكيس مروق السهام من قسيها لتوزع على المعوزين وأرباب الحاجات، كما يرشد إلى ذلك ما قبله:
إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظلت إلى طرق المعروف تستبق
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٢، فسياق الحديث في معرض المدح دال على إفادة الاستمرار والدوام.
٢- فعلية، وتدل بأصل وضعها على التجدد في زمن معين مع الاختصار، فلا يستفاد من نحو: طلعت الشمس، إلا إثبات الطلوع فعلا للشمس في زمن مضى.
تفسير هذا أن الفعل يدل على أحد الأزمنة الثلاثة بذاته لا بقرينة٣ خارجة عنه، وهذا الزمن الذي هو أحد مدلوليه "مدلوله الثاني الحدث" لا تجتمع أجزاؤه في الخارج، بل تتصرم وتنقضي شيئا فشيئا، ومن ثم كان الفعل مع إفادته الزمن يفيد أيضا تجدد الحدث وحصوله بعد أن لم يكن، بخلاف الاسم، فإنه إنما يدل على الزمن المعين بقرينة أخرى، كأن يقال: أمس أو الآن أو غدا.
стр. 59
وقد تفيد الاستمرار التجددي شيئا فشيئا بمعونة القرائن إذا كان الفعل مضارعا، ومن البين في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ ١، فالقصد الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال آنا إثر آن، وحالا بعد حال. ونحوه قول طريف بن تميم العنبري يتمدح بجرأته وشجاعته:
أوكلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم٢
إذ يريد أن كل قبيلة ترد سوق عكاظ تبعث عريفها ليتفرس في وجوه القوم مرة بعد أخرى، ويتوسمها وقتا بعد وقت، لعله يهتدي إلى معرفتي. وقول المتنبي:
تدبر شرق الأرض والغرب كفه ... وليس لها يوما عن الجود شاغل
فقرينة المدح تدل على أن تدبير الملك ديدنه وحاله المستمرة التي لا يحيد عنها.
تنبيهات:
١- الجملة الاسمية إنما تفيد الدوام والثبات بقرينة المقام إذا كان خبرها مفردا أو جملة اسمية، نحو: محمد كريم، علي أبوه جواد. أما إذا كان خبرها فعلية فإنها تفيد التجدد.
٢- المسند تارة يكون مفردا فعلا كان أو اسما، وطورا يكون ظرفا للاختصار، نحو: البركة في البكور. وحينا يكون جملة للأسباب الآتية:
أ- إذا قصد تقوية الحكم بتكرير الإسناد، نحو قول المتنبي:
والله يسعد كل يوم جده ... ويزيد من أعدائه في آله
ب- إذا قصد قصر الحكم وتخصصه بالمسند، نحو: أنا سعيت في حاجتك، أي: لا غيري.
جـ- إذا كان سببيا أي: جملة معلقة على مبتدأ بعائد لا يكون مسندا إليه في تلك الجملة، نحو: محمد أخوه نبيه, إبراهيم نجح ابنه.
стр. 60
نماذج وتمارين:
تدريب أول:
بين فائدة التعبير بالجملة الاسمية أو الفعلية في التراكيب الآتية:
١- قال تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ١.
٢-
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي
٣-
وعلى إثرهم تساقط نفسي ... حسرات وذكرهم لي سقام
٤- الحلف منفعة للسلعة ممحقة للبركة٢.
٥- يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام
٦-
وتحيي له المال الصوارم والقنا ... ويقتل ما تحيي التبسم والجدا٣
стр. 61
تدريب ثان:
١-
سلام على القبر الذي لا يجيبنا ... ونحن نحيي تربه ونخاطبه
٢-
لا خير في ود امرئ متملق ... حلو اللسان وقلبه يتلهب
٣- ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ١.
٤- ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة.
٥-
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار باليفاع تحرق
٦-
الأرض مظلمة والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار
تمرين١:
بين ما يستفاد من الجمل فيما يلي واذكر أضرب الخبر:
١-
فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء
٢- ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا، الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ ٢.
٣-
يهوى الثناء مبرز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان
стр. 62
٤-
بك اجتمع الملك المبدد شمله ... وضمت قواص منه بعد قواصي
٥- ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
٦- العين ترى كل شيء، ولا ترى نفسها إلا بمرآة.
تمرين٢:
١-
يكفكف غيلة إحدى يديه ... ويبسط للوثوب على أخرى
٢-
المجد عوفي إذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك السقم
٣-
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
٤-
ليس الزمان وإن حرصت مسالما ... خلق الزمان عداوة الأحرار
٥-
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يواري في ثرى رمسه
٦-
هناء محا ذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما
стр. 63
الباب الثاني: في الإنشاء
المبحث الأول: في تعريف الإنشاء
...
الباب الثاني: في الإنشاء
وفيه ستة مباحث
المبحث الأول: في تعريف الإنشاء
الإنشاء في اللغة الإيجاد والاختراع في الاصطلاح يطلق بأحد إطلاقين:
١- المعنى المصدري وهو إلقاء الكلام الذي ليس لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه.
٢- المعنى الاسمي وهو نفس الكلام الملقى الذي له الصفة المتقدمة.
وينقسم بالاعتبار الأول إلى:
١- طلبي وهو خمسة١ أنواع: الأمر والنهي والتمني والاستفهام والنداء، ويعرف بأنه ما يستدعي مطلوبا غير حاصل في اعتقاد المتكلم وقت الطلب.
٢- غير طلبي وهو ما يستدعي مطلوبا حاصلا.
وأنواعه كثيرة، منها صيغ المدح والذم، نحو: نعم الخليقة عمر، وبئس الظالم الحجاج، والعقود كبعت واشتريت ووهبت، والقسم نحو: تالله لأصدقنك، والتعجب نحو: ما أجمل الصدق، والرجاء بعسى ولعل ونحوهما, نحو: لعل الله يأتي بالفرج، ورب وكم الخبرية.
والذي يهتم البليغ بالبحث عنه هو القسم الأول٢؛ لأن فيه من المزايا واللطائف ما ليس في القسم الثاني.
стр. 64
المبحث الثاني في التمني:
هو طلب حصول شيء محبوب لا يرجى حصوله، إما لكونه مستحيلا، كقول المتنبي:
فليت وقارك فرقته ... وحملت أرضك ما تحمل
وإما لكونه بعيد التحقق والحصول نحو: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ١، فإن كان منتظر الحصول قريب الوجود كان ترجيا ويعبر فيه بعسى ولعل. كقوله:
عسى الله أن يجري المودة بيننا ... ويوصل حبلا منكمو بحباليا
وقوله:
تأن ولا تعجل بلومك صاحبا ... لعل له عذار وأنت تلوم
وقد يعبر فيه بليت كقول قريط من بَلْعنبر يهجو قومه:
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شدو الإغارة فرسانا وركبانا
وألفاظ التمني أربعة: واحدة أصلية، وهي ليت، وثلاثة نائبة عنها، وهي:
١- "هل" نحو: ﴿فَهَلْ ٢ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ ٣ ويبرز بها التمني في شكل المستفهم عنه الذي لا يجزم بانتفائه، إظهارا لكمال العناية به حتى لا يستطاع الإتيان به إلا في صورة الممكن المطموع في وقوعه.
٢- "لو" نحو: ﴿لَوْ ٤ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥، ويتمنى بها إشعارا يعزه التمني حيث أبرز في صورة ما لا يوجد٦.
٣- "لعل" ويتمنى بها إذا كان المرجو بعيدا ميئوسا من حصوله، فصار شبيها بالمحالات والممكنات التي لا طماعية في حصولها، نحو:
أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير
стр. 65
"تنبيه" يتمنى بهلا وألا ولولا ولو ما، وهي ألفاظ مركبة من هل ولو مع لا وما، والشرط ألا هلا، قلبت الهاء همزة، لتتبين دلالتها على التمني، ويزول احتمال الاستفهام والشرط، ويتولد من التمني معنى التنديم في الماضي، نحو: هلا١ سافرت، ومعنى التحضيض في المستقبل، نحو: هلا تخلص في عملك٢.
ولاستعمال هذه الأدوات في التمني ينصب المضارع في جوابها.
تمرين:
بين الأدوات التي تفيد التمني والتي تفيد الترجي في التراكيب الآتية:
١-
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول
٢-
لعل رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم
٣-
فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب
٤-
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل
٥-
لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل
٦-
فيا ليتني من بعد موتي ومبعثي ... أكون رفاقا لا علي ولا ليا
٧-
فلو نشر المقابر عن كليب ... فيخبر بالذنائب أي زير٣
٨- ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ٤.
стр. 66
المبحث الثالث: في الاستفهام
الاستفهام هو طلب فهم شيء لم يتقدم لك علم به، بأداة من إحدى أدواته وهي: الهمزة وهل ومن ومتى وأيان وأين وأني وكيف وكم وأي.
وتنقسم بحسب الطلب ثلاثة أقسام:
١- ما يطلب به التصور تارة، والتصديق أخرى، وهو الهمزة.
٢- ما يطلب به التصديق فحسب وهو هل.
٣- ما يطلب به التصور فحسب، وهو الباقي.
الكلام على الهمزة:
للهمزة حالتان:
١- أن تكون لطلب تصور المفرد ومعرفته، كطلب معرفة المسند إليه، أو المسند أو غيرهما فتقول: أمحمد مسافر أم محمود، إذا كنت تعتقد أن أحدهما مسافر، ولا تعلم عينه فتطلب تعيينه فتجاب بأنه محمود مثلا، وتقول: أمسافر محمود، أم مقيم؟ فتجاب بأنه مقيم مثلا. وهذه الهمزة لا يليها إلا المسئول سواء أكان:
أ- مسندا كما تقول: أبنيت الدار التي كنت أزمعت أن تبنيها؟ أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ تبدأ في مثل هذا بالفعل؛ لأنك متردد بين وجوده وانتفائه.
ب- أم مسند إليه نحو: أأنت ابتكرت هذه الخطبة؟ أأنت بنيت هذه الدار؟ تبدأ في هذا بالفاعل؛ لأنك لم تشك في الفعل أنه كان، وكيف يجول الشك بخاطرك وأنت ترى دارا مبنية، وتشير إلى خطبة مكتوبة، وإنما أنت تشك في الفاعل من هو، فلو قلت: أأنت أنشأت الخطبة التي كان في نفسك أن تكتمها، خرجت عن سنن التخاطب، وكذا لو قلت: أبنيت هذه الدار، أقلت هذا الشعر، تكون قد قلت ما لا يصح أن يقال لفساد أن تقول في شيء مشاهد نصب عينيك أموجود أم لا.
جـ- أم مفعولا نحو: أإياي تريد؟
د- أم حالا نحو: أمستبشرا جاء علي.
هـ- أم ظرفا نحو:
أبعد بني عمرو أسرّ بمقبل ... من العيش أو آسي على إثر مدبر
وهكذا قياس سائر المتعلقات.
стр. 67
"تنبيه" يجوز أن يذكر مع همزة التصور معادل بعد لفظ أم كما تقدم، ويجوز حذفه، نحو: أراغب أنت في إنجاز حاجتي، إذ تقديره: أم راغب عنها وكاره إنجازها.
٢- أن يطلب بها التصديق أي: إدراك نسبة يتردد العقل بين ثبوتها ونفيها، والكثير أن يكون ذلك بجملة فعلية نحو: أقدم صديقك؟ ١ ويقل أن يكون بجملة اسمية نحو: أقادم صديقك؟ ويجاب في هذين بلا أو بنعم.
ويمتنع أن يذكر مع هذه معادل، فإن جاءت أم بعدها قدرت منقطعة بمعنى بل٢.
اللام في هل:
هل حرف لطلب التصديق فحسب أي: معرفة وقوع النسبة أم عدم وقوعها فتقول: هل قدم أخوك من السفر؟ فتجاب بنعم أو بلا.
ولأجل اختصاصها بالتصديق لأصل الوضع:
١- امتنع أن يذكر معها معادل بعد أم؛ لأن ذلك يؤدي إلى التناقض، فإن هل تفيد أن المسائل جاهل بالحكم؛ لأنها لطلبه، وأم المتصلة تفيد أن السامع عالم به، وإنما يطلب تعيين أحد الأمرين، فإن جاءت بعدها أم كانت منقطعة بمعنى بل التي تفيد الإضراب كقول قتيلة ترثي أباها النضر:
هل يسمن النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق
٢- وقبح استعمالها في التراكيب التي هي مظنة العالم بمضمون الحكم، نحو: هل محمدًا كلمت؟ إذ تقديم المعمول على الفعل يكون للتخصيص غالبا٣، وهذا يفيد علم المتكلم بالحكم، وإنما يطلب المخصص فحسب، وحينئذ تكون هل لطلب تحصيل ما هو حاصل وهو عبث.
стр. 68
تنبيهات:
١- هل كالسين وسوف تخلص المضارع للاستقبال، فلا تستعمل فيما هو للحال فلا يقال: هل تنهر هذا وهو أبوك، بل يقال: أتنهر هذا وهو أبوك.
٢- الراجح أن توصل هل بفعل لفظا أو تقديرا نحو: هل يقدم هاشم من السفر؟ وهل هاشم يقدم من السفر؟ وذلك لاختصاصها بالتصديق وتخليصها المضارع للاستقبال، فإن عدل عنها إلى الاسمية كان ذلك لنكتة تلاحظ لدى البلغاء "وهي جعل ما سيحصل كأنه حاصل موجود اهتماما بشأنه" ومن ثم كان قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ ١ أدل على طلب شكر العباد من: "أفأنتم شاكرون٢ فهل تشكرون، فهل أنتم تشكرون٣".
٣- هل نوعان:
أ- بسيطة٤ وهي ما يستفهم بها عن وجود الشيء أو عدم وجوده نحو: هل الخلق الوفي موجود؟
ب- مركبة، وهي ما يستفهم بها عن وجود شيء لشيء، نحو: هل المريخ مسكون؟
٤- علم مما سبق أن همزة التصور يليها المسئول عنه، وليس كذلك همزة التصديق وهل؛ لأن السؤال بهما إنما يكون عن النسبة.
٥- بين الهمزة وهل الفروق الآتية:
لا تدخل هل على:
أ- النفي فيمتنع هل لم يسافر علي.
ب- المضارع الذي للحال فيمتنع هل تحتقر عليا وهو مؤدب؟
جـ- الشرط فيمتنع هل إن نجحت أكافأ.
стр. 69
د- إن فيمتنع هل إنك مسافر.
هـ- حرف العطف فيمتنع هل فيتقدم بعد ذلك وتدخل الهمزة على جميع ما ذكر.
من وما:
"من" يطلب بها تعيين أحد العقلاء، نحو: من شيد الهرم الأكبر.
"ما" للاستفهام عن غير العقلاء، وهي أقسام:
أ- ما يطلب بها إيضاح الاسم وشرحه، نحو: ما اللجين؟ فيجاب بأنه الفضة.
ب- ما يطلب بها بيان حقيقة١ المسمى نحو: ما الحسد؟ فيجاب: بأنه تمني زوال نعمة المحسود.
جـ- ما يطلب بها بيان حال الشيء نحو قولك لقادم عليك وأنت لا تعرفه: ما أنت؟ وقول المتنبي:
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول
متى وأيان وأين وأنى:
"متى" يطلب بها تعيين الزمان ماضيا كان أو مستقبلا، نحو: متى قدمت؟ ومتى تسافر؟
"أيان" يطلب بها تعيين الزمان المستقبل خاصة، وتكون في مقام التفخيم والتهويل، نحو: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ ٢.
"أين" يطلب بها تعيين المكان نحو: أين تسافر؟
"أنى" تكون:
أ- بمعنى كيف، نحو: أنى تتقدم الصناعة، ولم تعرها الأمة عناية؟
ب- بمعنى من أين نحو: أنى لك هذا المال، وقد عهدتك معدما؟
جـ- بمعنى متى، نحو: أنى يفيض نهر النيل؟
стр. 70
كيف كم وأي:
"كيف" يطلب بها تعيين الحال، نحو: كيف التعليم بمصر؟
"كم" يطلب بها تعيين عدد منهم، نحو: كم مملكة اشتركت في الحرب العظمى؟
"أي" يطلب بها تعيين أحد المشاركين في شيء يعمهما نحو: أي البلدين أدفأ جو القاهرة أم الإسكندرية؟ وهي بحسب ما تضاف إليه فيسأل بها عن الزمان والمكان والحال والعدد، إلى غير ذلك، في أي يوم تسافر؟ في أي مكان تقيم؟ أي صاحبيك أحسن خلقا أمحمد أم علي؟ بأي ذنب قتلت؟
"تنبيه" قد تخرج ألفاظ الاستفهام عن أصل وضعها فيستفهم بها عن الشيء مع العلم به لأغراض تستفاد من سياق الحديث ودلالة الكلام، أهمها:
١- الاستبطاء، نحو قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ١. وقول أبي العلاء:
إلام وفيم تنقلنا ركاب ... وتأمل أن يكون لا أوان٢
٢- التعجب، نحو: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ ٣، وقول الآخر:
أنشأ يمزق أثوابي يؤدبني ... أبعد شيبي عندي الأدباء
٣- التنبيه على ضلال المخاطب، نحو: فأين تذهبون٤؟
٤- الوعيد والتخويف، نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ ٥.
٥- الأمر، نحو: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرْ﴾ ، ونحو: أتصون يديك عن الأذى؟
стр. 71
٦- النهي، نحو: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ ١.
٧- التقرير يحمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه وإلجائه إليه.
وحكم الهمزة فيه حكمها في همزة الاستفهام من إيلاء المقربة الهمزة، فإذا قلت: أفعلت هذا؟ كان غرضك أن تقرره بأن الفعل كان منه، وإذا قلت: أأنت فعلت هذا؟ كان غرضك أن تقرره بأنه هو الفاعل، وعليه قوله تعالى حكاية عن قوم نمرود: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ٢، إذ غرضهم أن يقر لهم بأنه قد كسر أصنامهم لا أن يقر لهم بأنه هل حصل كسر، يدل على ذلك جواب إبراهيم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ٣، ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب فعلت أم لم أفعل.
٨- الإنكار، ويشترط فيه أن يلي المنكر الهمزة، ويكون:
أ- إما للتوبيخ على الفعل بمعنى ما كان ينبغي أن يكون كقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٤، وأما بمعنى لا ينبغي أن يكون كقولك للرجل يضيع الحق: أتنسى قديم إحسان فلان إليك؟ وقولك للرجل يركب الخطر: أتخرج في هذا الوقت؟ والغرض في مثل هذا تنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع عن فعل ما هم به.
ب- وإما للتكذيب في الماضي بمعنى لم يكن، نحو: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ ٥: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ٦ أو في المستقبل بمعنى لا يكون نحو: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ ٧.
وقول امرئ القيس:
стр. 72
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال١
وقول الآخر:
أأترك أن قلت درهم خالد ... زيارته إني إذا للئيم
ومن مجيء الهمزة للإنكار قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٢.
وقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح٣
إذ المعنى: الله بكاف عبده، وأنتم خير من ركب المطايا؛ لأن نفي النفي إثبات، وهذا مراد من قال: إن الهمزة فيه للتقرير، أي: للتقرير بما دخله النفي، لا للتقرير بالانتفاء.
٩- التهكم، نحو: أرأيك يرشدك إلى ما تقول؟ وعليه قوله تعالى: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٤. وقوله:
وما أدري ولست إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
١٠- الاستبعاد، نحو: أنى يرى ذلك وهو أكمه، وعليه قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ ٥.
١١- التهويل، نحو: ﴿الْقَارِعَةُ، مَا الْقَارِعَةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ ٦.
١٢- التحقير، نحو: أهذا الذي كنت تطنب في مدحه، أهذا الذي كنت تركن إليه.
١٣- التعظيم، نحو قول أبي نواس:
стр. 73
إذا لم تطأ أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخصيب تزور١
١٤- النفي:
هل الدهر إلا ساعة ثم تنقضي ... بما كان فيها من بلاء ومن خفض
١٥- التمني، نحو:
هل بالطول لسائل رد ... أم هل لها بتكلم عهد
١٦- التشويق، نحو: ﴿أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٢.
١٧- التكثير، نحو قول أبي العلاء المعري:
صاح هذي قبورنا تملأ الرحـ ... ـب فأين القبور من عهد عاد
١٨- التسوية، نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ٣.
تدريب أول:
١-
أتلهو وأيامنا تذهب ... ونلعب والموت لا يعلب
٢-
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
٣-
فعلام يلتمس العدو مساءتي ... من بعد ما عرف الخلائق شأني
٤-
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل
٥-
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب
٦-
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
٧-
ومن مثل كافور إذ الخيل أحجمت ... وكان قليلا من يقول لها اقدمي
٨-
متى يستقيم الظل والمود أعوج ... وهل ذهب الإبريز يحكيه بهرج
стр. 74
الإجابة:
١- التوبيخ بمعنى لا ينبغي أن يكون.
٢- النفي أي: لا يبلغ التمام مطلقا.
٣- الاستبعاد.
٤- النفي أي: لا أخاف الفقر.
٥- النفي.
٦- التعظيم لشأنه.
٧- التعظيم لشأن الممدوح.
٨- النفي.
تدريب ثان:
١-
أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعرا ... ويحرم ما دون الرضا شاعر مثلي
٢-
أعندي وقد مارست كل خفية ... يصدق واش أو يخيب سائل
٣-
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير١
٤-
ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت٢
٥-
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
٦-
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
الإجابة:
١- الإنكار وبيان أن ذلك ما كان ينبغي أن يكون.
٢- التهكم أو الإنكار لا ينبغي أن يكون.
٣- التحقير لشأن المخاطب بضرب المثل.
٤- التعظيم لشأن ذلك الموقف.
٥- التعظيم لشأن ذلك الجامع الجميل الخصال.
٦- التقرير وبيان أنه قد أعطى البطش والقوة.
стр. 75
تدريب ثالث:
سل عما يأتي:
١- حال الزراعة بالسودان.
٢- مكان اصطياد الحيوانات المفترسة.
٣- معنى القند.
٤- مخترع البرق الأثيري "التلغراف اللاسلكي".
٥- مدخل زراعة القطن بمصر.
٦- موسم الحج وإقامة شعائره.
٧- عدد الناجحين في الامتحان.
٨- ترددت في مجيء علي في عربة أو سيارة.
٩- ترددت في زرع القطن في يناير أو فبراير.
١٠- الفائز في لعب الكرة الخديوية، أو التوفيقية.
الإجابة:
١- كيف الزراعة بالسودان؟
٢- أين تصطاد الحيوانات المفترسة بالسودان؟
٣- ما القند "عسل السكر"؟
٤- من اخترع البرق الأثيري؟
٥- من أدخل زراعة القطن بمصر؟
٦- متى موسم الحج؟
٧- كم الناجحون في الامتحان؟
٨- أفي عربة جاء علي أم في سيارة؟
٩- أفي يناير أم فبراير يزرع القطن؟
١٠- الخديوية فازت أم التوفيقية؟
تمرين أول:
بين المعاني التي تستفاد من الاستفهام في الجمل الآتية:
١ قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ ١.