٦- النهي، نحو: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ ١.
٧- التقرير يحمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه وإلجائه إليه.
وحكم الهمزة فيه حكمها في همزة الاستفهام من إيلاء المقربة الهمزة، فإذا قلت: أفعلت هذا؟ كان غرضك أن تقرره بأن الفعل كان منه، وإذا قلت: أأنت فعلت هذا؟ كان غرضك أن تقرره بأنه هو الفاعل، وعليه قوله تعالى حكاية عن قوم نمرود: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ٢، إذ غرضهم أن يقر لهم بأنه قد كسر أصنامهم لا أن يقر لهم بأنه هل حصل كسر، يدل على ذلك جواب إبراهيم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ٣، ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب فعلت أم لم أفعل.
٨- الإنكار، ويشترط فيه أن يلي المنكر الهمزة، ويكون:
أ- إما للتوبيخ على الفعل بمعنى ما كان ينبغي أن يكون كقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٤، وأما بمعنى لا ينبغي أن يكون كقولك للرجل يضيع الحق: أتنسى قديم إحسان فلان إليك؟ وقولك للرجل يركب الخطر: أتخرج في هذا الوقت؟ والغرض في مثل هذا تنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع عن فعل ما هم به.
ب- وإما للتكذيب في الماضي بمعنى لم يكن، نحو: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ ٥: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ ٦ أو في المستقبل بمعنى لا يكون نحو: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ ٧.
وقول امرئ القيس:
стр. 72
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال١
وقول الآخر:
أأترك أن قلت درهم خالد ... زيارته إني إذا للئيم
ومن مجيء الهمزة للإنكار قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٢.
وقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح٣
إذ المعنى: الله بكاف عبده، وأنتم خير من ركب المطايا؛ لأن نفي النفي إثبات، وهذا مراد من قال: إن الهمزة فيه للتقرير، أي: للتقرير بما دخله النفي، لا للتقرير بالانتفاء.
٩- التهكم، نحو: أرأيك يرشدك إلى ما تقول؟ وعليه قوله تعالى: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٤. وقوله:
وما أدري ولست إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
١٠- الاستبعاد، نحو: أنى يرى ذلك وهو أكمه، وعليه قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ ٥.
١١- التهويل، نحو: ﴿الْقَارِعَةُ، مَا الْقَارِعَةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ ٦.
١٢- التحقير، نحو: أهذا الذي كنت تطنب في مدحه، أهذا الذي كنت تركن إليه.
١٣- التعظيم، نحو قول أبي نواس:
стр. 73
إذا لم تطأ أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخصيب تزور١
١٤- النفي:
هل الدهر إلا ساعة ثم تنقضي ... بما كان فيها من بلاء ومن خفض
١٥- التمني، نحو:
هل بالطول لسائل رد ... أم هل لها بتكلم عهد
١٦- التشويق، نحو: ﴿أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٢.
١٧- التكثير، نحو قول أبي العلاء المعري:
صاح هذي قبورنا تملأ الرحـ ... ـب فأين القبور من عهد عاد
١٨- التسوية، نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ٣.
تدريب أول:
١-
أتلهو وأيامنا تذهب ... ونلعب والموت لا يعلب
٢-
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
٣-
فعلام يلتمس العدو مساءتي ... من بعد ما عرف الخلائق شأني
٤-
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل
٥-
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب
٦-
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
٧-
ومن مثل كافور إذ الخيل أحجمت ... وكان قليلا من يقول لها اقدمي
٨-
متى يستقيم الظل والمود أعوج ... وهل ذهب الإبريز يحكيه بهرج
стр. 74
الإجابة:
١- التوبيخ بمعنى لا ينبغي أن يكون.
٢- النفي أي: لا يبلغ التمام مطلقا.
٣- الاستبعاد.
٤- النفي أي: لا أخاف الفقر.
٥- النفي.
٦- التعظيم لشأنه.
٧- التعظيم لشأن الممدوح.
٨- النفي.
تدريب ثان:
١-
أفي الحق أن يعطى ثلاثون شاعرا ... ويحرم ما دون الرضا شاعر مثلي
٢-
أعندي وقد مارست كل خفية ... يصدق واش أو يخيب سائل
٣-
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير١
٤-
ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت٢
٥-
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
٦-
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
الإجابة:
١- الإنكار وبيان أن ذلك ما كان ينبغي أن يكون.
٢- التهكم أو الإنكار لا ينبغي أن يكون.
٣- التحقير لشأن المخاطب بضرب المثل.
٤- التعظيم لشأن ذلك الموقف.
٥- التعظيم لشأن ذلك الجامع الجميل الخصال.
٦- التقرير وبيان أنه قد أعطى البطش والقوة.
стр. 75
تدريب ثالث:
سل عما يأتي:
١- حال الزراعة بالسودان.
٢- مكان اصطياد الحيوانات المفترسة.
٣- معنى القند.
٤- مخترع البرق الأثيري "التلغراف اللاسلكي".
٥- مدخل زراعة القطن بمصر.
٦- موسم الحج وإقامة شعائره.
٧- عدد الناجحين في الامتحان.
٨- ترددت في مجيء علي في عربة أو سيارة.
٩- ترددت في زرع القطن في يناير أو فبراير.
١٠- الفائز في لعب الكرة الخديوية، أو التوفيقية.
الإجابة:
١- كيف الزراعة بالسودان؟
٢- أين تصطاد الحيوانات المفترسة بالسودان؟
٣- ما القند "عسل السكر"؟
٤- من اخترع البرق الأثيري؟
٥- من أدخل زراعة القطن بمصر؟
٦- متى موسم الحج؟
٧- كم الناجحون في الامتحان؟
٨- أفي عربة جاء علي أم في سيارة؟
٩- أفي يناير أم فبراير يزرع القطن؟
١٠- الخديوية فازت أم التوفيقية؟
تمرين أول:
بين المعاني التي تستفاد من الاستفهام في الجمل الآتية:
١ قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ ١.
стр. 76
٢- ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ١.
٣- ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ٢.
٤- ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ .
٥- ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ .
٦- ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ .
٧- ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ .
٨- ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ .
تمرين ثان:
١-
أتراني وقد طويت حياتي ... في مراس لم أبلغ اليوم رشدي
٢-
من ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عينا للبكاء تعار
٣-
كيف ترقى رقيك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء
٤-
شرف العصامين صنع نفوسهم ... من ذا يقيس بهم بني الأشراف
٥-
ما لي أراكم تنكرون مكانتي ... الشمس لا تخفى مع الإشراق
٦-
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع
٧-
أعندكم نبأ عن أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان
٨-
ما أنت يا دنيا أرؤيا نائم ... أم ليل عرس أم بساط سلاف
تمرين ثالث:
سل عما يأتي:
١- إقامة مهرجان المولد النبوي.
٢- شككت في اسم المأمون.
٣- حال المعادن بمصر.
٤- فاكهة على المائدة لا تعرف اسمها.
٥- عن الوقت لتضبط ساعتك.
٦- نزل مطر لا تعلم زمن نزوله.
٧- بدء نزول الأمطار بالسودان.
٨- قدم أحد أخويك ولا تدري من هو.
٩- عدد صفحات الكتاب.
١٠- وقت دخول المجلس النيابي بمصر.
١١- مكان المدرسة.
١٢- مستقبل مصر.
стр. 77
المبحث الرابع: في الأمر
هو طلب حصول الفعل على جهة الاستعلاء١ وله صيغ أربع:
١- فعل الأمر كقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ ٢.
٢- المضارع المقترن بلام الأمر نحو: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ ٣.
٣- اسم فعلي الأمر، نحو:
وحذار أن ترضى مودة من ... يقلي المقل ويعشق المثري
٤- المصدر النائب عن فعله، نحو:
فصبرا معين الملك إن عن حادث ... فعاقبة الصبر الجميل جميل
والأصل في صيغة الأمر أن تفيد الإيجاب أي: طلب٤ الفعل على وجه اللزوم, وهذا هو المفهوم منها عند الإطلاق، نحو: قم وسافر. وما عداه يحتاج إلى قرائن أخرى تستفاد من سياق الحديث، وأهمها ما يأتي:
١- الدعاء، نحو:
فأسلم أمير المؤمنين ولا تزل ... مستعليا بالنصر والتأييد
стр. 78
٢- الالتماس: كما تقول لمن هو في منزلتك: أعطني كتابك.
٣- الإرشاد، نحو: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ١.
٤- التعجيز كقول الفرزدق يخاطب جريرا:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
٥- الإهانة والتحقير، كقول أبي العلاء المعري في الفخر:
أرى النقاء تكبر أن تصطادا ... فعائد من تطيق له عنادا٢
٦- التهديد، نحو:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء
٧- الاعتبار، نحو: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ ٣.
٨- التمني، نحو:
يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي٤
٩- التخيير، نحو:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود٥
١٠- الإباحة، نحو: اختر ما تشاء.
١١- الدوام، نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٦.
١٢- التأديب، وهو ما يكون لتهذيب الأخلاق والعادات نحو: كل مما يليك.
١٣- التعجب، نحو: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ ٧.
стр. 79
نموذج أول:
بين ما يراد بصيغ الأمر في التراكيب الآتية:
١- قال ﵇: "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".
٢-
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تفلت
٣-
عش ما بدا لك سالما ... في ظل شاهقة لقصور
٤- ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١.
٥-
قف بتلك القصور في اليم غرقى ... ممسكا بعضها من الذعر بعضا
٦-
انظر إلى القبة الغراء مذهبة ... كأنما الشمس أعطتها محياها
الإجابة:
نموذج ثان:
١-
أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا
٢- قال تعالى: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
٣-
قد رشحوك لأمر إن فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
٤- ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ ٣.
٥- ليس هذا بعثك فادرجي.
٦- اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.
стр. 80
تمرين ١:
بين ما يستفاد من صيغ الأمر فيما يلي:
١- ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ .
٢- ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ .
٣- ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ .
٤- ﴿تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ .
٥- ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ .
٦- ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ﴾ .
تمرين ٢:
١-
فانهض إلى صهوات المجد معتليا ... فالباز لم يأو إلا عالي القلل
٢-
الما على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا
٣-
حاول جسيمات الأمور ولا تقل ... إن المحامد والعلا أرزاق
٤-
فيا موت زر إن الحياة كريهة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل
٥-
ليدع المدعون العلم والأدبا ... فقد تغيب عبد الله واحتجبا
٦-
أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
стр. 81
المبحث الخامس: في النهي
هو طلب الكف عن الفعل على وجه الاستعلاء، وليس له إلا صيغة واحدة، هي: المضارع، مع لا الناهية، نحو: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ ١.
ومدلوله طلب الكف عن الفعل فورا كما يستفاد من تتبع فصيح التراكيب، وقد يستعمل منه معان أخرى تفهم بالقرائن من سياق الحديث تجوزا واتساعا في الاستعمال، وأهمها:
١- الدعاء، نحو: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ٢.
٢- الإرشاد، نحو:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت
٣- التهديد، نحو: لا تنته عن غيك.
٤- التيئيس، نحو:
فلا يخدعنك لموع السراب ... ولا تأت أمرا إذا ما اشتبه
٥- الالتماس، نحو:
لا تطويا السر عني يوم ... نائبة فإن ذلك ذنب غير مغتفر
٦- التمني، نحو:
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى
٧- التوبيخ، نحو:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
٨- التسلية والصبر، نحو: ولا تجزع فإن الله رحيم بعباده.
نموذج:
اذكر ما يراد بصيغ النهي الآتية:
١- ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
стр. 82
٢- لا تكن رطبا فتعصر، ولا يابسا فتكسر.
٣- ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ .
٤-
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
٥- لا تحتجب عن العيون أيها القمر.
٦-
لا تعرضن لجعفر متشبها ... بندى يديه فلست من أنداده
الإجابة:
١- التوبيخ لهم على خلطهم الحق بالباطل
٢- الإرشاد إلى حسن الخلق.
٣ التيئيس.
٤- التوبيخ والتقريع.
٥- التمني.
٦- التوبيخ والتأنيب.
تمرين "١":
ماذا يراد بصيغ النهي الآتية:
١- ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ .
٢- ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ .
٣- ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ .
٤- ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ .
٥- ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ .
٦- ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ .
تمرين "٢":
١-
ولا يغرنك بشر من أخي ملق ... فرونق الآل لا يشفي من الغلل
٢-
لا تلهينك عن معادك لذة ... تفني وتورث دائم الحسرات
٣-
لا تودع السر مشاء به مذلا ... فما رعى غنما في الدو سرحان١
٤- لا تلتمس من عيوب الناس ما ستروا.
٥- لا تحسبن سرورا دائما أبدا.
٦- لا تعاد الناس في أوطانهم.
стр. 83
المبحث السادس: في النداء
هو دعوة المخاطب بحرف نائب مناب فعل كأدعو ونحوه، وأدواته ثمان: يا والهمزة وأي وآي وآ وأيا وهيا ووا.
وهي في الاستعمال قسمان:
١- الهمزة وأي للقريب.
٢- باقي الأدوات للبعيد.
وقد ينزل البعيد منزلة القريب فينادى بالهمزة أو أي تنبيها على أنه لا يغيب عن القلب، بل هو مالك الفؤاد واللب، فكأنه حاضر الجثمان، ليس بناء عن العميان، كقول الضبي في رثاء ابنه:
أأبي لا تبعد وليس بخالد ... حي ومن تصب المنون بعيد
كما قد يعكس فينزل القريب منزلة البعيد فينادى بإحدى أدواته إما:
أ- للدلالة على أن المنادى رفيع القدر عظيم الشأن فيجعل بعد المنزلة كأنه بعد في المكان كقول أبي بكر بن النطاح في مدح أبي دلف العجلي:
أبا دلف بوركت في كل بلدة ... كما بوركت في شهرها ليلة القدر١
ب- للإشارة إلى أنه وضيع، منحط الدرجة، وعليه قول الفرزدق يهجو جريرا:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
جـ- للإشعار بأن السامع غافل لاه، فتعتبره كأنه غير حاضر في مجلسك، وعليه قول البارودي:
يأيها السادر المزور من صلف ... مهلا فإنك بالأيام منخدع٢
стр. 84
وقد تخرج ألفاظ النداء إلى معان أخرى تستفاد من القرائن، ومن ذلك:
١- التحسر والتوجع، كقول حافظ في الرثاء:
يا درة نزعت من تاج والدها ... فأصبحت حلية في تاج رضوان
وقول من رثى معن بن زائدة:
فيا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا١
٢- التعجب، كقول طرفة:
يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري٢
٣- الاختصاص، كقوله:
إنا بني نهشل لا ندعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشربنا
٤- الندبة، كقول أبي العلاء:
فواعجبا كم يدعى الفضل ناقص ... وواأسفا كم يظهر النقص فاضل
٥- الإغراء، كقولك للجندي المتردد في الدفاع: يا شجاع تقدم.
٦- الزجر والملامة، نحو:
أفؤادي متى المتاب ألما ... تصح والشيب فوق رأسي ألما٣
٧ الاستغاثة، نحو:
يا للرجال ذوي الألباب من نفر ... لا يبرح السفيه المردي لهم دينا٤
٨- التحير والتذكر، وقد كثر ذلك في نداء الأطلال والمنازل والمطايا، كقوله:
أيا منازل سلمى أين سلماك ... من أجل هذا بكيناها بكيناك٥
стр. 85
وقول أبي العلاء:
يا ناق جدي فقد أفنت أناتك بي ... صبري وعمري وأحلاسي وأنساعي١
تنبيه:
الأكثر أن يصحب النداء أمر أو نهي، نحو: يأيها الناس اعبدوا ربكم. يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله٢.
ويقل أن تصحبه الجملة الخبرية، نحو: يا عباد لا خوف عليكم اليوم.
أو الاستفهامية، نحو: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر.
نموذج:
بيّن المعاني التي تستفاد من النداء:
١-
يا ليل قد طلت فهل مات السحر ... أم استحالت شمسه إلى القمر
٢-
يا راحلا أخلي الديا ... ر وفضله أم يرحل
٣-
صادح الشرق قد سكت طويلا ... وعزيز عليه ألا تقولا
٤-
أبا الهول طال عليك العصر ... وبلغت في الأرض أقصى العمر
٥-
يابن أمي ويا حبيب نفسي ... أنت خلفتني لدهر شديد
٦-
يا أيها القمر المباهي وجهه ... لا تكذبن فلست من أشكاله
الإجابة:
١- المراد بالنداء التحير والتضجر.
٢- يراد به التحسر.
٣- التذكر والتضجر.
٤- التعجب.
٥- التحسر والتأسف.
٦- الزجر والملامة.
стр. 86
تمرين:
بين المعاني المستفادة من النداء فيما يلي:
١-
ويك يا قبر صرت للفضل مثوى ... لا يسامى وللنبوغ مقيلا
٢-
أحجاج لا يقلل سلاحك إنما ... المنايا بكف الله حيث يراها
٣-
أمحمد والجود فيك سجية ... يهنيك طيب ذكرها يهنيكا
٤-
فيصاحبي رحلي دنا الموت فانزلا ... برابية إني مقيم لياليا
٥-
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
٦-
يا موته لو أقلت عثرته ... يا يومه لو تركه لغد
стр. 87
الباب الثالث: في الذكر
لم يتعرض لهذا الباب كثير من أئمة هذا الفن كأبي هلال العسكري والإمام عبد القاهر، وكأنهم لم يروا فيه من اللطائف والمزايا ما يسيغ البحث عنه في علوم الفصاحة إذ هو بمباحث علم النحو أشبه.
ولكن المتأخرين كالسكاكي وشيعته ذكروا فيه نكات ومزايا لم يستطيعوا أن يردفوها بآي من التنزيل، أو بشواهد من كلام ذوي اللسن والفصاحة، وقصارى ما قالوه إن المسند إليه يذكر وجوبا إذا لم تقم قرينة تدل عليه كان الكلام معمى لا يستبين المراد منه، ويترجح إذا وجدت القرينة لمزية من المزايا الآتية:
١- أنه الأصل وليس هناك ما يقتضي العدول عنه، كما تقول: هذا أخي وذلك صديقي.
٢- زيادة الكشف والإيضاح، كما تقول: اللبيب من فكر في العواقب، اللبيب من خالف نفسه الأمارة بالسوء.
وعليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١. ففي تكرير اسم الإشارة تنبيه إلى أنهم كما ثبت لهم الأثرة بالهدى فهي ثابتة لهم بالفلاح أيضا، فجعلت كل واحدة منهما في تمييزهم بها عن غيرهم بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حيالها، قاله في "الكشاف".
بسط الكلام في مقام الافتخار، كقول سامي البارودي:
أنا مصدر الكلم البوادي ... بين المحاضر والنوادي
أنا فارس أنا شاعر ... في كل ملحمة ونادي
стр. 88
٤- التسجيل على السامع حتى لا يتأتى له الإنكار، كقول الفرزدق يمدح زين العابدين:
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
٥- الاستلذاذ بذكر الاسم المحبوب، كما يكرر المادحون ذكر ممدوحيهم، كقوله:
فعباس يصد الخطب عنا ... وعباس يجير من استجارا
٦- التهويل، كما تقول: ملك البلاد يأمرك بكذا.
٧- التعظيم، إذا كان اللفظ يفيد ذلك، كما يقال في جواب أحضر الملك؟ حضر سيف الدولة.
٨- التحقير، إذا كان اللفظ يشعر بالإهانة، نحو: حضر المجرم في جواب: هل حضر فلان؟
٩- التعجب، إذا كان الحكم غريبا في مجرى الإلف والعادة، نحو: علي يصرع الأسد في جواب: هل يصرع علي الأسد؟
١٠- ضعف القرينة، فتقل الثقة بها فلا يعتمد عليها، نحو: أول الإنسان نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة.
ويذكر المسند اللطائف ومزايا تشبه ما ذكر في المسند إليه، أهمها:
١- كون الذكر هو الأصل ولا داعي للعدول عنه، نحو: الأدب خير من العلم.
٢ الرد على المخاطب، إذا كان ينكر صحة ما يقال له كقوله تعالى: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بعد قوله: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ١.
٣- الاحتياط لضعف التعويل على القرينة نحو: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٢.
٤- التعريض بغباوة المخاطب، نحو: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ بعد قوله: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ ٣.
стр. 89
٥- إفادة أنه فعل فيفيد التجدد والحدوث مقيدا بأحد الأزمنة على أخصر طريق أو اسم فيفيد الثبوت مطلقا مثل: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ١، فإن يخادعون يفيد التجدد حينا بعد آخر مقيدا بالزمان بدون حاجة إلى قرينة تدل عليه، وقوله: وهو خادعهم، يفيد الثبوت مطلقا من غير نظير إلى زمان مخصوص.
نموذج:
بين السر في ذكر المسند إليه أو المسند، فيم يلي:
١-
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنا المطعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا ابتلينا
٢- اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.
٣-
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجواد الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا
٤- قال الحافظ في وصف الشمس:
هي أم الأرض في نسبتها ... هي أم الكون والكون جنين
هي أم النار والنور معا ... هي أم الريح والماء المعين
٥- "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
٦- الرجال المخلصون هم الذين يذودون عن الوطن، الرجال المخلصون هم الذين يظهرون عند الشدائد.
٧- مليك البلاد يأمر بالعدل والإنصاف.
الإجابة:
١- ذكر المسند إليه لبسط الكلام في معرض الفخر.
٢- ذكر المسند إليه لزيادة التقرير والإيضاح.
стр. 90
٣- ذكر المسند لإفادة التجدد بالجملة الفعلية.
٤- ذكر المسند إليه؛ لأن المقام مقام تعظيم وتفخيم.
٥- ذكر المسند إليه؛ لأن المقام للافتخار.
٦- ذكر المسند إليه لتعظيم شأن الرجال العاملين.
٧- ذكر المسند إليه للتهويل.
تمرين:
بين أسباب ذكر المسند إليه أو المسند، فيما يلي:
١-
إن حل في روم ففيها قيصر ... أو حل في عرب ففيها تبع
٢-
ونحن النار كون لما سخطنا ... ونحن الآخذون لما رضينا
٣-
وإني لحلو تعتريني مرارة ... وإني لتراك لما لم أعود
٤- إلهي نصيري، يحفظني شر الهمازين المشائين بنميم.
٥- أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين.
٦- ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ ١.
٧-
إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
стр. 91
الباب الرابع: في الحذف
المبحث الأول: في مزايا الحذف وشروطه
...
الباب الرابع: في الحذف وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: في مزايا الحذف وشروطه
من دقائق اللغة، وعجيب سرها، وبديع أساليبها، أنك قد ترى الجمال والروعة تتجلى في الكلام إذا أنت حذفت أحد ركني الجملة أو شيئا من متعلقاتها، فإن أنت قدرت ذلك المحذوف وأبرزته صار الكلام إلى غث سفساف ونازل ركيك لا صلة بينه وبين ما كان عليه أولا.
ومن ثم قال في "دلائل الإعجاز": هذا باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبين، وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر ا. هـ.
ومن شرط الحذف أن يكون في الكلام ما يدل على المحذوف، وإلا كان تعمية وإلغازا، ومن شرط حسنه أنه متى أظهر المحذوف زال ما كان في الكلام من البهجة والطلاوة، وهو على ضربين:
١- ضرب يظهر فيه المحذوف عند الإعراب كقولهم: أهلا وسهلا, فإن نصب الأهل والسهل يدل على ناصب محذوف يقدر بنحو: جئت أهلا ونزلت مكانا سهلا، وليس لهذا الحذف من الحسن والأريحية ما تجده في قسميه الثاني.
٢- ضرب لا يظهر بالإعراب، وإنما تعلم مكانه إذا أنت تصفحت المعنى ووجدته لايتم إذا لم يراع ذلك المحذوف كما يقال: فلان يحل ويعقد، ويعطي ويمنع، إذ من البين أن المعنى يحل الأمور ويعقدها، ويعطي ما يشاء ويمنع ما يشاء، ولكن لا سبيل إلى إظهار ذلك المحذوف، ولو أظهرته زالت تلك البهجة وضاع ما تشعر به من رواء وجمال.
стр. 92
المبحث الثاني: في حذف المسند إليه
يحذف المسند إليه لأغراض، أهمها:
١- ظهوره بدلالة القرائن عليه، فذكره يعد حينئذ عبثا في الظاهر١ كقوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ٢ أي: أنا.
٢- ضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب التوجع والتضجر، نحو:
قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل
٣- إخفاء الأمر عن غير المخاطب، كما تقول: "انتهت"، أي: المسألة المعهودة بينكما.
٤- خوف فوات فرصة سانحة، كقول من رأى طيارا مقبلا: طيار.
٥- المحافظة على سجع أو قافية، فالأول نحو: من طابت سريرته حمدت سيرته، أي: حمد الناس سيرته. والثاني نحو:
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع٣
٦- اتباع الاستعمال الوارد بالحذف كقولهم في المثل: رمية من غير رام٤، أي: هذه رمية، أو الوارد على ترك نظائره، كما في الرفع على المدح، أو الذم أو الترحم، فإن المسند إليه لا يكاد يذكر في هذه المواضع، فيقولون بعد أن يذكروا٥ الممدوح: غلام من شأنه كذا وكذا، وفتى من شأنه كيت وكيت، كما قال ابن عنقاء الفزاري يمدح عميلة، وقد شاطره ماله لما رآه معوزا:
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
غلام رماه الله بالخير يافعا ... له سيمياء لا تشق على البصر٦
стр. 93
وكما قال عبد الله الأسدي يمدح عمرو بن عثمان بن عفان:
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت١
وبعد أن يذكروا الديار والمنازل ربع كذا وكذا كما قال:
اعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل
ربع قراء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل٢
٧- تعيينه وعدم احتمال غيره، إما بحسب الحقيقة والواقع، كما تقول: خلاق لما يشاء، أي: الله تعالى، وإما بحسب المبالغة والادعاء، كما يقول المادح وهاب الألوف أي: الممدوح.
٨- تكثير الفائدة باحتمال أمرين عند الحذف، نحو قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيل﴾ ٣، أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل بي وأولى.
٩- تأتي الإنكار عند الحاجة إلى ذلك، كما يقال: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ٤ إذا قامت القرينة على أن المراد خالد مثلا.
١٠- إيهام العدول إلى أقوى الدليلين، وهو الدليل العقلي دون اللفظي، فإن الاعتماد عند الذكر على دلالة اللفظ وعند الحذف على دلالة العقل, وهي أقوى وإنما قيل لإيهام؛ لأن الدال في الحقيقة عند الحذف هو اللفظ المدلول عليه بالقرينة ويحتمله "قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل".
ومن حذف المسند إليه ما إذا أسند الفعل إلى نائب الفاعل لاعتبارات، منها:
١- جهل الفاعل، كقول المرقش الأكبر:
إن تبتدر غاية يوما لمكرمة ... تلق السوابق منا والمصلينا
стр. 94
٢- الخوف عليه، كقول النابغة يعتذر إلى النعمان:
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد١
٣- العلم به، كقول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج:
أحجاج لا يقلل سلاحك إنما الـ ... منايا بكف الله حيث يراها
٤- احتقاره، كقول النابغة:
لئن كنت قد بلغت عني وشاية ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
٥- الخوف منه، كما تقول: صودرت أموال فلان، إذا كان ظالم ذو سطوة. قد أخذها.
стр. 95
المبحث الثالث: في حذف المسند
يحذف المسند لأغراض منها:
١- قصد الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر مع ضيق المقام بسبب التحسر والتوجع كقول ضابئ البرجمي من أبيات قالها في الحبس:
ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب١
تقديره فإني لغريب وقيار كذلك، والباعث على تقديم قيار على خبر إن قصد التسوية بينهما في التحسر على الاغتراب, حتى كأن قيار تأثر بما تأثر هو به أيضا، وعليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ٢ تقديره والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك.
٢- الثقة بشهادة العقل دون الاعتماد على اللفظ كما تجيب من قال: هل لك أحد؟ إن الناس إلب٤ عليك "إن محمدًا وإن عليا" أي: إن لي محمدا، وإن لي عليا، وعليه قول الأعشى:
إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا
يريد أن لنا محلا في الدنيا، وإن لنا مرتحلا عنها إلى الآخرة.
стр. 96
٣- الدلالة على الاختصاص، نحو: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ .
تقديره لو تملكون تملكون بالتكرار للتوكيد، ثم حذف الفعل فانفصل الضمير وأفاد الاختصاص، وأن الناس هم المختصون بالشح المتناهي، ونظيره قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني١.
ولا بد للحذف من قرينة دالة على المحذوف ليفهم المعنى كوقوع الكلام جوابا عن سؤال محقق نحو: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢. أو مقدر، نحو: يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال، في قراءة من بنى الفعل للمجهول، كأنه قيل: من يسبح؟ فقيل: يسبحه رجال، ونحو قول ضرار بن نهشل يرثي يزيد أخاه:
لبيك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطبح الطوائح٣
كأنه قيل: من يبكيه؟ فقال: ضارع ذليل لخصومة إذ هو ملجأ الأذلاء وعون الضعفاء.
стр. 97
المبحث الرابع: في حذف المفعول
للفعل رابطة بكل من الفاعل والمفعول، وإن تنوعت جهتها، فارتباطه بالفاعل لإفادة وقوعه منه لا إفادة وجوده في نفسه فحسب، وارتباطه بالمفعول لبيان وقوعه عليه.
ولاختلاف نوع الارتباط اختلف العمل، فعمل الفعل في الفاعل الرفع، وفي المفعول النصب، أما إذا أريد الإخبار بوقوع الفعل في ذاته من غير إرادة أن يعمل ممن وقع، أو على من وقع، فالعبارة التي تدل على ذلك أن يقال: كان ضرب، أو وقع أو وجد أو نحو ذلك من الألفاظ التي تدل على الوجود المجرد.
إذا علمت ذلك نقول: الفعل المتعدي إذا أسند إلى فاعله ولم يذكر له مفعول فهو على ضربين:
стр. 98
١- أن يكون الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل من غير اعتبار عمومه وخصوصه ولا اعتبار تعلقه بمن وقع عليه، وحينئذ يكون المتعدي بمنزلة اللازم فلا يذكر له مفعول لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار به، باعتبار تعلقه بالمفعول، ألا ترى أنك إذا قلت: فلان يعطي الدنانير, كان المقصد بيان جنس المعطي لا بيان كونه معطيا، ويكون كلاما مع من أثبت له إعطاء، ولا يدري ما معطاه، كما لا يقدر له مفعول أيضا؛ لأن المقدر في حكم المذكور، وهذا الضرب نوعان:
أ- أن يجعل الفعل حال كونه مطلقا عن اعتبار العموم والخصوص كناية١ عنه متعلقا بمفعول مخصوص, بدلالة سبق ذكرا أو دليل حال إلا أنك تنسيه نفسك, وتوهم أنك لم تذكر الفعل إلا لأن تثبت معناه من غير أن تقصد تعديته إلى مفعول مخصوص، وعليه قول البحتري يمدح المعتز بالله ويعرض بالمستعين بالله:
شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع٢
فالمعنى المراد أن يرى مبصر آثاره ويسمع واع أخباره، ولكنه أغفل هذين المفعولين وأبعدهما عن وهمه٣ ليتسنى له أن يبين أن محاسن الممدوح قد ذاع صيتها واشتهر أمرها فلا تخفى على ذي بصر وسمع، فيكفي في معرفة أنها سبب في استحقاقه الإمامة دون غيره أن يقع عليها بصر ويعيها سمع حتى يعلم الرائي والسامع أنه لا يليق لمقام الخلافة غيره، ومن ثم ترى الحساد والعدا يتمنون ألا توجد عين تبصر ولا أذن تسمع لنخفي هذه الفضائل فيجدوا إلى منازعته فيها سبيلا.
стр. 99
ب- ألا يجعل كناية عن مفعول مخصوص، بل يقصد إثبات المعنى في نفسه من غير تعرض لمفعول كقولهم: فلان يحل ويعقد ويأمر وينهى ويضر وينفع، فالمقصود أن له حلا وعقدا وأمرا ونهيا وضرا ونفعا، وعليه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ١ فالمعنى: هل يستوي من له علم ومن لا علم له، وقوله عز اسمه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ٢.
٢- أن يكون الغرض إفادة تعلقه بمفعول، ويجب تقديره بحسب القرائن، ويحذف حينئذ لداع من الدواعي الآتية، وهي:
١- البيان بعد الإبهام ليكون أوقع في النفس كما فعل في المشيئة إذا لم يكن في تعلقه بمفعوله غرابة، فتقول: لو شئت جئت ولو شئت لم أجئ، علم السامع أن ههنا شيئا تعلقت المشيئة بوجوده أو عدمه، فإذا قلت: جئت أو لم أجئ عرف ذلك الشيء، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣، وقول البحتري:
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد
فإن كان تعلق الفعل به غرابة ذكر المفعول ليتقرر في نفس السامع ويأنس به كما يقول الرجل مخبرا عن عزه: لو شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيته، وعليه قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ﴾ ٤، وقول إسحاق الخزيمي يرثي حفيده:
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
لأنه لما كان من البدع العجيب أن يقابل أحد الخليفة كل يوم، وأن يريد رب العالمين ولدا، وأن يشاء الإنسان بكاء الدم صرح فيها بذكر المفعول.
٢- دفع توهم السامع من أول وهلة إرادة شيء غير ما هو مراد، كقول البحتري يذكر ذود الممدوح ومساعدته إياه:
стр. 100
وكم ذدت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم
إذ لو قال: حززن اللحم، لجاز أن يدور في خلد السامع قبل ذكر ما بعده أن الحز كان في بعض اللحم ولم يصل إلى العظام، فترك ذكر اللحم لينفي عن فكره ما ربما يختلج في خاطره بادئ ذي بداءة.
٣- إرادة ذكره ثانيا على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه لكمال البناية به والاهتمام بوقوعه, كقول البحتري:
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا
إذ تقديره طلبنا لك مثلا فلم نجده، لكن حذف المثل ليوقع نفي الوجود على لفظ المثل صراحة.
"الملاحظة" مثل هذا الغرض عكس ذو الرمة في قوله:
ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما أن يكون أصاب مالا
فأعمل الفعل الأول وهو أمدح في لفظ اللئيم, وأعمل أرض في ضميره، لما كان غرضه إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا دون الإرضاء، ولو عكس لأبهم الأمر فيما هو الأصل وأبانه فيما ليس بأصل.
٤- قصد التعميم مع الاختصار١، كما تقول: قد كان منك ما يؤلم، أي: ما الشأن في مثله أن يؤلم كل أحد، وعليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ ٢، أي: جميع عباده.
٥- رعاية السجع وروي الفاصلة كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٣، أي: ما قلاك وأبغضك.
ويرى صاحب "الكشاف" أن حذف المفعول في مثل هذا الاختصار اللفظي لعلم به.
٦- استهجان ذكره، كقول عائشة ﵂: ما رأيت منه ولا رأى مني "تعني العورة".
стр. 101
٧- مجرد الاختصار كقولك: أصغيت إليه أذني وأغضيت عليه أي: بصري ومنه قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ١، أي: بعثه الله.
٨- تعينه، كقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ ٢، أي: لينذر الذين كفروا.
وكثير من الأغراض السابقة تجري هنا كإخفائه على غير السامع أو التمكن من إنكاره عند الحاجة أو ادعاء تعينه أو نحو ذلك.
تدريب:
بين أسباب حذف المسند إليه أو المسند أو المفعول، فيما يلي:
١-
برد حشاي إن استطعت بلفظة ... فلقد تضر إذا تشاء وتنفع
٢- قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ٣.
٣-
لسن إذا صعد المنابر أو نضا ... قلما شأي الخطباء والكتابا٤
٤- ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ ٥.
٥-
حريص على الدنيا مضيع لدينه ... وليس لما في بيته بمضيع
٦- ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ٦.
٧-
خليل لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
٨-
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
الإجابة:
١- حذف المفعول، أي: تضرني وتنفعني لتنزيل الفعل منزلة اللام، إذ المراد أنه يحصل منك نفع وضرر.
٢ حذف المفعول رعاية لحسن الكلام، وتجانس الفواصل، وتقديره: آواك وهداك.
стр. 102
٣- حذف المسند إليه أي: هو لسن لا دعاء العلم به.
٤- حذف المسند إليه وهو الله تعالى للعلم به في باب المدح.
٥- حذف المسند إليه لا دعاء العلم به في باب الذم.
٦- حذف المسند إليه للعلم به وهو الله تعالى.
٧- حذف المسند إليه للعلم به ادعاء في باب المدح.
٨- حذف المسند إليه للجهل به.
تدريب ثان:
١-
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخرج منه لا علي ولا ليا
٢- وعد بالحضور ليلا "تقصد شخصا معهودا".
٣- يقول مبصر اللص: لص.
٤- شرير غبي مشاء بنميم.
٥- أرني أنظر إليك.
٦- ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ١.
٧- ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ ٢.
٨-
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
الإجابة:
١- حذف المسند للمحافظة على الوزن والأصل: لا علي شي ولا لي شيء.
٢- حذف المسند إليه لإخفاء الأمر على غير المخاطب.
٣- حذف المسند إليه لانتهاز الفرصة والأصل: هذا لص.
٤- حذف المسند إليه لتأتي الإنكار عند الحاجة.
٥- حذف المفعول للاختصار والأصل: أرني ذاتك.
стр. 103
٦- حذف المفعول هنا في مواضع، فحذف مفاعيل: يسقون وتذودان ونسقي، لتنزيل الفعلة منزلة اللازم؛ لأنه إنما رحمهما؛ لأنهما كانتا على الزياد وهم على السقي ولم يرحمهما؛ لأن مذودهما غنم ومستقيمهم إبل مثلا، وكذلك قولهما: لا نسقي، المقصود منه السقي لا المسقي.
٧- حذف المفعول في باب المشيئة للبيان بعد الإبهام.
٨- حذف المفعول هنا لجعل الفعل المطلق كناية عن الفعل متعلقا بمفعول معين؛ لأن غرضه أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس للألسن عن مدحهم والافتخار بهم ليتوصل إلى مطلوبه وهو أنها أجرته.
تمرين:
بين أسباب الحذف فيما يلي:
١-
جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت١
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لاقوه منا لملت
خم خلطونا بالنفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت
٢-
فإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوى من القد مخصد٢
٣-
قوم إذا أكلوا أخفوا حديثهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار
٤- وما أدراك ما هي نار حامية.
٥- ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ٣.
٦-
كل عذر من كل ذنب ولكن ... أعوز العذر من بياض العذار٤
٧-
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطوي رماني٥
٨-
قد قال عزولي مناك أتى ... فأجبت وقلت كذبت متى
فقال حبيبك ذو خفر ... وكبير السن قلت فتى
стр. 104
الباب الخامس: في التقديم
المبحث الأول: في مزايا التقديم وأقسامه
...
الباب الخامس: في التقديم
وفيه أربعة مباحث
المبحث الأول: في مزايا التقديم وأقسامه
الألفاظ قوالب المعاني، فيجب أن يكون ترتيبها الوضعي بحسب ترتيبها الطبيعي، ومن البين أن رتبة المسند إليه التقديم؛ لأنه المحكوم عليه، ورتبة المسند التأخير، إذ هو المحكوم به، وما عداهما فتوابع ومتعلقات تأتي تالية لهما في الرتبة.
ولكن قد يعرض لبعض الكلم من المزايا ما يدعو إلى تقديمه، وإن كان حقه التأخير، فيكون من الحسن تغيير هذا النظام ليكون المقدم مشيرا إلى الغرض الذي يراد، ومترجما عما يقصد به. ومن ثم قال في "دلائل الإعجاز": إن هذا التقديم كثير الفوائد، جم المحاسن، لا يزال يفتر لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعرا يروقك سجعه، ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك، إن قدم فيه شيء وحول اللفظ من مكان إلى مكان. ا. هـ.
وللتقدم أحوال أربع:
١- ما يفيد زيادة في المعنى مع تحسين في اللفظ، وذلك هو الغاية القصوى، وإليه المرجع في فنون البلاغة، والعمدة في هذا هو الكتاب الكريم انظر قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١ تجد أن تقديم الجار والمجرور في هذا قد أفاد التخصيص، وأن النظر لا يكون إلا لله، مع جودة الصياغة وتناسق السجع.
стр. 105
٢- ما يفيد زيادة في المعنى فحسب نحو: بل الله فاعبد وكن من الشاكرين، فتقديم المفعول في هذا لتخصيصه بالعبادة دون سواه، ولو أخر لم يفد الكلام ذلك.
٣- ما يتكافأ فيه التقديم والتأخير، وليس لهذا الضرب شيء من الملاحة، نحو:
وكانت يدي ملأى به ثم أصبحت ... "بحمد إلهي" وهي منه سليب١
فتقديره: ثم أصبحت وهي منه سليب بحمد الله.
٤- ما يختل به المعنى ويضطرب، وذلك هو التعقيد اللفظي، أو المعاظلة التي تقدمت كتقديم الصفة على الموصوف، والصلة على الموصول، ونحو ذلك، كقول الفرزدق:
إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب تصاهره
إذ تقديره إلى ملك أبوه ما أمه من محارب، أي: ما أم أبيه منهم، ولا شك أن هذا لا يفهم من كلامه للنظرة الأولى، بل يحتاج إلى تأمل ورفق حتى يفهم المراد منه.
стр. 106
المبحث الثاني: في تقديم المسند إليه
يقدم المسند إليه لأغراض، منها:
١- أنه الأصل إذ هو المحكوم عليه ولا مقتضى للعدول عنه، نحو: العدل أساس الملك.
٢- ليتمكن الخبر في ذهن السامع؛ لأن في المبتدأ تشويقا إليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ١ وقول أبي العلاء:
والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد
يريد أن الخلائق تحيرت في المعاد الجسماني، كما يرشد إلى ذلك ما قبله:
بأن أمر الإله واختلف الناس ... فداع إلى ضلال وهادي
فإتيانه بالمسند إليه على تلك الشاكلة موصوفا بحيرة البرية فيه، يستدعي تشوق السامع إلى أن يعرف ما حكم به عليه، فإذا جاء الخبر تمكن في النفس لما تقدمه من التوطئة له.
стр. 107
٣- تعجيل المسرة للتفاؤل؛ لأن السامع إذا قرع سمعه في ابتداء الكلام ما يشعر بالسرور هش وفرح به، نحو: الهدى في قلوب المخلصين.
٤- تعجيل المساءة ليتطير السامع ويتبادر إلى ذهنه حصول الشر بادئ ذي بدء، نحو: السجن على جهة التأييد حكم به عليك اليوم.
٥- التبرك به نحو: اسم الله اهتديت به.
٦- إيهام أنه لا يزول عن البال لكونه مطلوبا، نحو: رحمة الله ترجى، نصر الله قريب.
٧- إفادة التخصيص إذا كان الخبر فعلا وولي المسند إليه حرف النفي، نحو: ما أنا قلت هذا، أي: لم أقله وهو مقول لغيري. لا تقول ذلك إلا في شيء ثبت أنه مقول، لكن تريد أن تنفي كونك قائلا له. ومنه قول المتنبي:
وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارا
إذ المعنى: ما أنا الجالب لهذا السقم الموجود والضرم الثابت، ولأجل هذا لا تقول: ما أنا قلت هذا ولا أحد غيري للتناقض بين أول الكلام وآخره، ولا ما أنا رأيت كل أحد؛ لأنه يفيد أن غيرك رأى كل أحد، ولا ما أنا كلمت إلا محمدا؛ لأنه يقتضي أن يكون إنسان غيرك قد كلم كل أحد سوى محمد١.
فإن لم يل المسند إليه حرف النفي٢، فإم أن يكون معرفة أو نكرة، فإن كان كان معرفة أفاد تقديمه أحد أمرين:
أ- تخصيصه بالمسند ردا على من زعم انفراد غيره به أو مشاركته فيه، كما تقول: أنا سعيت في حاجة فلان، وعلى الأول يؤكد بنحو: لا غيري، وعلى الثاني بنحو: وحدي. ومن الواضح في ذلك قولهم في المثل: أتعلمني بضب أنا حرشته٣.
стр. 108
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا ١ عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ٢، أي: لا يعلم أسرارهم ولا يطلع على دخائل ما أبطنوا من الكفر إلا نحن.
ب- تقوية٣ الحكم وتقريره لدى السامع بدون تخصيص، كقولك: هو يعطي الجزيل، وهو يحب الثناء. ألا ترى أنك لا تريد أن غيره لا يعطي الجزيل ولا يحب الثناء.
يرشد إلى ذلك أن هذا الضرب يجيء فيما سبق فيه إنكار منكر، نحو أن يقول الرجل: ليس لي علم بالذي تقول، فتقول له: أنت تعلم أن الأمر على ما أقول ولكنك تميل إلى خصمي، وعليه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٤، والفعل المنفي كالمثبت في ذلك، فتارة يفيد التخصيص، كما تقول: أنت ما سعيت في حاجتي، وتارة يفيد التقوية نحو: أنت لا تكذب، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ ٥.
وإن كان نكرة أخبر عنه بفعل أفاد تخصيص الجنس أو الواحد به، نحو: رجل جاءني أي: لا امرأة ولا رجلان، ذاك أن أصل النكرة أن تكون لواحد من الجنس فيقع القصد بها تارة إلى الجنس فحسب، كما إذا كان المخاطب بهذا الكلام قد عرف أن قد أتاك آت من هو جنس الرجال ولم يدر أرجل هو أم رجلان أو اعتقد أنه رجلان.
"تنبيه": مما رأت العرب تقديمه كاللازم لفظ "مثل": إذا استعمل كناية من غير تعريض، نحو: مثلك لا يبخل، ومثلك رعى الحق والحرمة، ونحو قول ابن القبعثري٦، مجيبا الحجاج، على سبيل المغالطة، حينما توعده، بقوله:
стр. 109
لأحملنك على الأدهم، مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب. ونحو قول المتنبي يعزي عضد الدولة بعمته:
مثلك يثني المزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه١
فلا يقصد في كل هذا وأشباهه بمثل إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه، بل يريدون أن كل من كان هذا شأنه وتلك حاله كان من موجب العرف والعادة أن يفعل أو لا يفعل، ولأجل إفادتها ذلك المعنى قال المتنبي في تلك القصيدة:
ولم أقل مثلك أعني به ... سواك يا فردا بلا مشبه
وكمثل "غير" إذا سلك بها هذا المسلك تقول: غيري يفعل كذا، على معنى أنك لا تفعله، لا أن تعرض بإنسان آخر، وعليه قول أبي تمام:
وغيري يأكل المعروف سحتا ... وتشحب عنده بيض الأيادي٢
فهو لم يرد أن يعرض بشاعر سواه فيزعم أن الذي اتهم به من هجو الممدوح كان من ذلك الشاعر، لا منه، بل أراد أن ينفي عن نفسه كفران النعمة وجحدها، لا غير.
واستعمال "مثل وغير" على تلك الشاكلة مما ركز في الطباع وجرى على جميع الألسن، فمن نحا بهما غير هذا النحو، فقد قلب الكلام عن جهته، وغيره عن صورته، وما ذاك إلا لأنه قد غفل عن سر تقدمهما، وهو إفادة تقوية الحكم وتأكيده.
٨- إفادة التعميم والنص على شمول النفي "عموم السلب" وذلك حين تتقدم أداة العموم ككل وجميع ونحوهما على أداة النفي، وهي غير معمولة للفعل المنفي فيتوجه النفي إذ ذاك إلى أصل الفعل، ويعم كل فرد من أفراد ما أضيف إليه كل، نحو: كل ظالم لا يفلح، فالمعنى: لا يفلح أحد من الظلمة. وعليه قول أبي النجم:
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله أصنع
стр. 110
وعلة ذلك أنك إذا بدأت بكل كنت قد بنيت النفي عليه، وسلطت الكلية على النفي وأعملتها فيه, وذلك يقتضي ألا يشذ عنه شيء.
أما إن قدم النفي على أداة العموم لفظا، كقول أبي الطيب:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن١
أو تقديرا بأن قدمت أداة العموم على الفعل المنفي وأعمل فيها، كقولك: كل الدراهم لم آخذ، توجه النفي إلى الشمول خاصة دون أصل الفعل، وأفاد الكلام نفي المجموع "سلب العموم" فيحتمل ثبوت البعض، كما يحتمل نفي كل فرد، يدل على ذلك الذوق والاستعمال، وهذا الحكم أكثري، وليس بكلي، بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ٢، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ ٣ فَخُورٍ﴾ ٤، ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ ٥. إلى غير ذلك.