← Язык

Язык · id 9998

دراسات في فقه اللغة

صبحي الصالح

Полный текст (387 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمات كلمة المؤلف في الطبعة الثالثة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة المؤلف في الطبعة الثالثة: حين صدرت عن "مطبعة جامعة دمشق" الطبعة الأول لهذا الكتاب, طننت أن سيطول عليه الأمد قبل أن يشق طريقه إلى كليات العالم العربي ومعاهده العلمية العاية، على الرغم من استيفائه أهم المناهج المقررة لتدريس "فقه اللغه" على المستوى الجامعي، ولم يكن يطوف بخلدي آنذاك أن تنفذ هذه الدراسات بعد أشهر معدودة من تاريخ صدروها. فعهدنا بالمؤلفات العمية الرصينة أن يتراكم عليها الغبار قبل أن تحظى بشيء من اهتمام القراء! ولو سارعت إلى تلبية رغبات الزملاء من العلماء الباحثين والأساتذة الجامعيين لصدرت حينئذ الطبعة الثانية خلال العام الذي ظهرت فيه الطبعة الأولى، فقد أحسن هؤلاء الظن بالكتاب، وعدّوه أجود ما ألف في بابه، وبذلوا له من الدعاوة فوق ما يستحق، وأغراني كثير منهم في بيروت ودمشق وبغداد بإعادة نشره في أقرب فرصة ممكنة. والآن أرى لزامًا عليّ -وقد منّ الله علي بهذه الطبعة الثالثة- أن

стр. 2

أنقح في هذه "الدراسات" ما تنبهت إليه بنفسي, وما نبهني إليه الأصدقاء، وأن أزيدها بحثين بدا لي أنهما ينقصانها، أحدهما عن "الصيغ والأوزان"، أوضحت فيه ظاهرة الصياغة القالبية فيما تسبكه اللغة وتبنيه، بعد تفصيل الحركة الاشتقاقية فيما تلده اللغة وتحييه. أما الآخر فعرضت خلاله "للعربية في العصر الحديث", وفندت الشبهات التي يلقيها بعض الباحثين المتسرعين جزافًا، كلما رموا الفصحى بالعقم، ووصموها بالتخلف عن مجارة الحضارة في عصر العلم والنور, وقدمت في الفصل ما بدا لي مناسبًا من الاقتراحات والتوصيات. وكدت أغْنِي فصل "الأصوات العربية وثبات أصولها" بمباحث جديدة في علم الأصوات اللغوية، وأشبع القول في تطور الدلالة وعوامل هذا التطور، وأضيف بحثًا مسهبًا عن نشأة الكتابة العربية ونمائها وطرق إصلاحها، ثم آثرت أن أفرد لهذه الإضافات كتابًا مستقلًّا مفصلًا، مكتفيًا اليوم بما زدته عن "الصيغ والأوزان", و"العربية في العصر الحديث". وإني لأسدي الشكر خالصًا لكل من عمل على نشر هذه "الدراسات" في الجامعات والكليات، وأخص بالذكر زملائي في كليتي الآداب والشريعة في جامعتي دمشق وبغداد, وكلية الآداب في الجامعة اللبنانية، وإلى هؤلاء الأصدقاء الغُيُر أهدي كتابي في طبعته الثالثة, شاكرًا لدار العلم للملايين إخراجه بأبهى حلة في ثوبه الجديد. بيروت, غرة ربيع الثاني ١٣٨٨. صبحي الصالح.

стр. 3

مقمة الطبعة الأولى ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى: خلال السنوات المتعاقبات التي نهضت فيها بتدريس فقه اللغة، كثيرًا ما كان الطلاب في بغداد ثم في دمشق يسألونني سؤالًا متشابهًا, أمسى على تعاقب الأيام تقليديًّا: هل لنا من كتاب جامع في فقه اللغة نتخذه عُدَّةً لنا في الدراسة, وإمامًا هاديًا إلى ينابيع العربية الصافية؟ وكانت الحيرة تدركني كلما ألقي عليّ هذا السؤال، فأنا لا أعرف كتابًا جامعًا في هذا العلم، لا قديمًا ولا حديثًا، وإن في كل كتاب أنصح به لعيبًا أو عيوبًا، وإن كانت مواطن الضعف تتفاوت بين كتاب وكتاب، وبين باحث وآخر، وبين جيل وجيل؛ في الكتب القديمة نقل أمين، واستقصاء دقيق، وعلم غزير، تفرض بها القواعد فرضًا، ولا توصف بها الحقائق وصفًا، وفي الكتب العصرية تجديد في مناهج البحث يغضّ من قيمته وَلوعُ الباحثين العرب بتقليد الأعاجم و"المستعجمين" في دراسة اللغات الإنسانية.

стр. 4

ولم يكن ينقذني من هذه الحيرة إلّا أن أقول للسائلين: من أفض الكتب القديمة إن التمستم كثرة النصوص وسعة المعلومات "المزهر" للسيوطي، ومن أجود الكتب العصرية إن رغبتم في تبويب اللغة على المنهج الحديث "فقه اللغة" و"علم اللغة" للدكتور علي عبد الواحد وافي. لكن الطالب الذكيّ لم يكن يخفى عليه أن جوابي إلى التهرب أقرب, فمن أراد أن يتذوق فقه اللغة علمًا مستقلًّا قائمًا برأسه, لن يجد طلبته في "المزهر" مهما يجمع من أبواب اللغة، ولن يشفي غلته ما جمعه الدكتور وافي ونسقه منذ أكثر من عشرين عامًا، وإن أطرى مجمع القاهرة يؤمئذ كتابيه. إن كتبًا حديثة أخرى تتناول أبحاثًا لغوية عميقة، قد ظهرت في العواصم العربية، ولا سيما في القاهرة، فهلّا أحلنا الدارسين على أحدها، وارتضيناه كتابًا جامعًا، وإمامًا هاديًا؟ تلك أبحاث الأستاذ المحقق الدكتور إبراهيم أنيس؛ أليس فيها كتاب واحد جامع مستوفٍ للشروط؟ إن يك في كتابه عن "اللهجات", أو في مؤلفه عن "الأصوات اللغوية", أو عن "دلالة الألفاظ", أو عن "موسيقى الشعر" ضرب من الاختصاص في عرض لونٍ معين من موضوعات اللغة، فما بالنا لا نعد كتابه القيم "من أسرار اللغة" بحثًا في خصائص العربية، والخصائص -كما يعلم كل لغوي- أهم مباحث فقه اللغة. إنني -على إجلاللي للدكتور إبراهيم أنيس، وتطلعي إلى الإفادة من كتبه، كما تَنمُّ عن ذلك "دراساتي" هذه، أرى في جُلِّ مباحثه عيبًا

стр. 5

لا أطيق الإغضاء عنه أو السكوت عليه، وأرجو مخلصًا أن يتداركه بنفسه في الطبعات المقبلة, وإن هذا العيب ليتمثل في تهاونه بأقول المتقدمين، وندرة عزوه الآراء إلى أصحابها، واستخفافه برد الشواهد إلى مراجعها ومظانها، كأن كتبه محاضرات عجلى لا مباحث مدروسة، أو كأنها مجموعة ملاحظات, ليس فيها تحقيق للنصوص، ونقد للوثائق، وموازنة بين المذاهب، مع أن اللغة، ولا سيما العربية، لا تدرس إلّا من خلال النصوص، فهي أصوات تسمع ثم تحفظ، ثم تنقد، وهي بذلك -كعلوم الدين- لا ينقل شيء بغير دليل يثبته، أو رواية تشهد له، أو برهان يقوم عليه. ولو صبر الدكتور أنيس على كتبه هذه صبرًا أجمل، ومنحها وقتًا أطول، ثم لمَّ شتاتها بنفسه في كتاب واحد جامع منقح غني بالمصادر الأصلية الأساسية، لأدى في هذا العصر أجلَّ خدمة لعلماء العربية، فما من شك في انطواء بحوثه على آراء أصيلة, إن فاتها الصواب أحيانًا لم تفتها الجراءة، وإن أهملت فيها النصوص غالبًا, عوض إهمالها صلاح المنهج الذي أشهد بحرارة أنه دفع الدرسات اللغوية إلى الأمام قرونًا وأجيالًا. وفي كتاب الزميل الفاضل الأستاذ المبارك "فقه اللغة", الذي تمَّ طبعه خلال هذا العام في مطبعة جامعة دمشق، نظرات ثاقبة، وآراء في العربية ناضجة, حرصنا على الإفادة منها أيضًا في "دراساتنا" هذه، لكنها لم تبرأ مما يؤخذ على مؤلفات الدكتور أنيس, فلقد يخيل إلى القارئ أن الأستاذ المبارك لا يبالي بالنصوص القديمة كثيرًا، فما يذكرها إلّا قليلًا, ونادرًا ما يعزوها في الحواشي إلى أصحابها، مع أن الأستاذ

стр. 6

المبارك -كما يعلم إخوانه وصحبه- من أوثق الناس صلة بالقديم، وحسبه فخرًا أنه في هذا الباب تلميذ أبيه المرحوم العلامة عبد القادر المبارك, على أن الزميل الكريم قد أوضح في مطلع كتابه أنه: "لم يعمد إلى حشد الشواهد الكثيرة من المصادر العربية القديمة، ولم يأخذ منها إلّا ما احتاج إليه للاستشهاد, أو لبيان ما سبق إليه علماؤنا من نظرات نافذة, أو إبداع في البحث", فكان منه هذا أشبه بالاعتذار عما لم يحبه لنفسه من إغفال النصوص، وكاد هذا منه يشي بما آمن به في قرارة نفسه من وجوب الاستشهاد بتلك النصوص. ولو وضعنا في ميزان النقد مقدمة العلايلي لدراسة لغة العرب لألفيناها -رغم تعاقب الأعوام عليها- ما تنفك تغني المبحث اللغوية بمدد غير ممنون، إلّا أن العلايلي حاول أحيانًا أن يجدد وهو في عالم خلقه لنفسه بمعزل عن القدامى والمحدثين، فنمَّ تجديده عن فكره الثاقب, ونظره البعيد، ولو تجافى عنه لسان العرب المبين! أما كتاب الدكتور تمام حسان "مناهج البحث في اللغة"، وكتابه الآخر "اللغة بين المعيارية والوصفية"، فقد جاءا آيتين في الدقة والتقصي فيما صورا من المذاهب الحديثة في بحوث اللغة، وإن فيهما لجهدًا مشكورًا في رد طائفة من تلك المذاهب إلى مبتدعيها, ومحاولة ناجحة أحيانًا في المقارنة بين العربية واللغات الحية من خلال ما استحدث العلماء من مناهج، ولكن في الكتابين عيبًا أجسم من عيوب الكتب العصرية السابقة، فكثيرًا ما يدخل الدكتور حسان الضيم على العربية وهو يطبق عليها ما أتقنه من المناهج الغربية، ماسحًا بذلك أصوات العرب في رموز وطلاسم "اسشراقية", فيها من عجمة الدخيل ما لا يطاق!

стр. 7

وقد كان سبقه إلى إدخال الضيم على العربية, واستعجال المقارنة بينها وبين اللغات الحية، جرجي زيدان في كتابه "الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية" وكان في زيدان عيب أقبح, يتمثل في "سطحية" علمه بهذه الأمور -إن صح هذا التعبير- وفي تطفله على ميدان اللغة، كما كان شأنه في أكثر الميادين، فما من بحث إلّا خاض فيه، ولم يكن في واحد منها من أهليه ... وكتيّب الأستاذ عبد المجيد عابدين "المدخل إلى دراسة النحو العربي على ضوء اللغات السامية" قد حوى -على إيجازه- آراء مستطرفة سديدة في أصول النحو, التي هي في نظرنا أجدر أن تسمى: أصول اللغة، ولكنها آراء منبثة متفرقة طال انتظارها لليد الرفيقة الأمينة التي تلمّ شعثها وتنسقها, وتستخرج منها أكرم جواهرها. ويطيب لي -بهذه المناسبة- أن أشيد بكتابٍ قيّمٍ للزميل الكبير الأستاذ سعيد الأفغاني, سماه: "في أصول النحو" ففي مباحثه الدقيقة عن القياس والاحتجاج والاشتقاق التفاتة رشيقة لطيفة أراد بها الزميل الجليل أن يسمو بدرس النحو من الفروع إلى الأصول، وينتقل به من فرض القواعد إلى وصف الحقائق، أو من عمل النحاة في أفقهم الضيق المحدود، إلى عمل اللغويين في أفقهم الرحب الطليق, وليت الأستاذ الأفغاني استكمل دراسة أبواب اللغة كلها بهذا الأسلوب الفذ، إذن لكان كتابه أجدر التصانيف العصرية أن يسمى: "فقه العربية". ولا يسعنا في هذه "الدراسات" إلّا أن نكبر جهود العاملين الخالدين في تنمية العربية؛ كالشيخ عبد القادر المغربي في "الاشتقاق والتعريب", والأب أنستاس ماري الكرملي في "نشوء العربية ونموها واكتهالها".

стр. 8

والأب مرمرجي الدومينيكي في أبحاثه حول "الثنائية" في العربية والساميات، والأستاذ عبد الله أمين في "الاشتقاق"، والدكتور مصطفى جواد في تحقيقاته الدقيقة التي ذكر طرفًا منها في كتيّبه "المباحث اللغوية في العراق"، والأمير مصطفى الشهابي في "المصطلحات العلمية", وفي معجمه القيم للألفاظ الزراعية. ولكن هؤلاء العلماء الأعلام كانوا يتناولون بالدراسة بعض الموضوعات الخاصة ولم يتصدوا -فيما نعلم- لتأليف كتابٍ جامعٍ مدروس في فقه الللغة، أو ربما فكّرَ بعضهم بذلك، غير أننا لم نجد لهم في المكتبة العربية كتابًا مطبوعًا منشورًا١. وإن في تفرق المباحث اللغوية على هذا النحو، وقلة التأليف في موضوعها العام الشامل، وتهاون أكثر المؤلفين فيها بأقوال المتقدمين، وإدخال بعضهم الضيم على العربية فيما كتبوه، ونكوص آخرين منهم عن مجاراة ما يجدّ كل يوم من ألوان البحث في فقه اللغة العام, وفقه اللغة المقارن، إن في هذا كله لما يهيب بالغيور على هذه اللغة الذي يريدها لتسابق اللغات الحية في مضمار الحضارة، إلى الأدلاء بدلوه، في وضع كتاب جامع يحاول به أن يلمّ شتات الآراء السديدة، قديمة وحديثة، حتى لتشمل فصول الكتاب على أفضل ما يتمنى أستاذ فقه اللغة, أو دراسه, أو الناشيء فيه, أن يجده من المباحث الأساسية الهامة.

стр. 9

ومن الغرور أن أزعم أني بكتابي هذا جئت أملأ ذاك الفراغ، وأسد تلك الثغرات، وأحقق أمنية الدارسين، فما عانيت تدريس فقه اللغة إلّا ست سنين, ليست في حساب الزمن شيئًا مذكورًا، ولكن الله وحده يعلم أيّ جهد بذلت، وكأيٍّ من ليل سهرت، وكم من كتابٍ قرأت، حتى أخرجت للناقدين قبل المادحين "دراساتي" هذه في أسلوب علميٍّ بسيط, توخيت أن يكون بالغ الحيطة شديد الحذر، لا يفرط ولا يفرّط، ولا يبالغ ولا يقصر, ينقل من النصوص القديمة, ويعزو كل نص إلى قائله، وينقب عن المخطوطات النفيسة ويستشهد بها، ثم يوازن بينها, ولا يقنع بالجمع والتنسيق، ويقبس من آراء المحدثين، شرقيين وغربيين، ومستشرقين ومستعجمين، ثم يمحص آرءهم ويزنها بميزان النقد النزيه الدقيق. وإن من ذكرت أسماءهم آنفًا من المؤلفين والعلماء ليجنون الآن معي كلهم ثمار هذا الكتاب، فإن تك ثمارًا يانعة طيبة، فبهم طابت، ومنهم أينعت، ولأردنّ إليهم كل رأي مبتكر أخذته عنهم، وكل فكرة أصلية اقتبستها منهم. ففي فصل الاشتقاق أعجبت بتفرقة الدكتور إبراهيم أنيس بين الدلالة المكتسبة المتطورة والدلالة الوضعية الأصلية, وعن الأستاذ المبارك اقتبست فكره ثبات الأصوات في العربية, ومع الدكتور تمام حسان سرت أشواطًا في الدعوة إلى المنهج الاستقرائي الوصفي في أبحاث اللغة, ومع عبد المجيد عابدين ناديت بدراسة النحو العربي في ضوء اللغات السامية, ومن الأبوين أنستاس الكرملي ومرمرجي الدومينيكي أخذت القول بالثنئاية التاريخية في اللفظ العربي, وعلى هَدْي أسطر قليلة جامعة للأستاذ سعيد الأفغاني

стр. 10

بنيت فكرة الانتقال من الثنائية التاريخية إلى الثنائية المعجمية١, وتابعت الشيخ المغربي على رأيه في تنزيل المعرّب منزلة العربي, وأيدت عبد الله أمين في اشتقاق العرب الفصحاء من الجواهر قبل المصادر, ومضيت مع الدكتور مصطفى جواج أقيّد النحت بالضرورة القصوى, وأخذت عن الأمير مصطفى الشهابي شروط النقل والتعريب لمصطلحات العلوم والفنون. ومع أن هذه الآراء ليس وقفًا على أولئك العلماء المحققين، إذ يجدها الباحث في مظانها الكثيرة، قديمة وحديثة، آثرنا أن ننسبها إلى مستنبطيها قبلنا؛ لأن الأمانة العلمية تفرض علينا إبراز ما لهؤلاء من فضلٍ طوقوا به جيد العرب والعربية! وبين هذه الغمرة من النظرات العلمية الجديدة المبتكرة؛ جلنا على استحياء جولات متواضعة قطعنا مراحلها الأولى على هدى أولئك العلماء، ثم وجدنا أنفسنا بغتةً تلقاء الينبوع الصافي: ينبوع هذه اللغة, فغرفنا منه غرفًا، وعببنا منه عبًّا، وذقنا من حلاوة العربية ما يظن الصوفي أنه ذاقه بعد رياضة روحية شاقة مضنية. وما لنا ألَّا تقودنا خطانا إلى ينبوع العربية الصافي وقد سلكنا إليه صراطه المستقيم؟ أليس الطريق الموصل إلى العربية مرسوم الخطوط، محدد المعالم، في

стр. 11

النصوص القديمة التي أورثنا إياها سلفنا الصالح، وصانها من عبث الأيدي علماؤنا الأبرار؟ أولم نعش في ظلال تلك النصوص؟ أولم نحمل طلابنا على أن يعيشوا في ظلالها آمنين؟ ألم نطبق عمليًّا على كتب المتقدمين ما هدتنا إليه نظرات العلماء المحدثين؟ فهل من عجب إذا سودت شواهد الأقدمين بياض كتابنا، وهذبت فيه مناهج المحدثين مقاييس أسلافنا، حتى جاء كالمرآة لملامح العربية في نشأتها وشبابها وكهولتها، وجاء معه الكثير من القديم الأصيل، والكثير من المبتكر الجديد! ولن يفوتني في ختام هذه الكلمة أن أثني أطيب الثناء وأزكاه على إدارة مطبعة جامعة دمشق وموظفيها ومستخدميها وعمالها، لما بذلوه جميعًا من عناية بهذا الكتاب حتى أخرجوه بهذه الحلّة الجميلة، وزينوه بهذه الطباعة الرشيقة، وحرصوا على الدقة في ضبط ما ورد فيه من النصوص القديمة، فلم يقع فيه من سهو التطبيع إلّا القليل النادر، وهذا النادر نفسه صححناه، في "التصويبات" ونرجو القارئ الكريم ألّا يمضي في القراءة قبل أن يصحح ما ندَّ من هذه الكلمات. وبعد ... فإنا نسأل الله أن يجعل هذا الكتاب خالصًا لوجهه الكريم، ونرجو لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد, أن يجد فيه -بعد الفراغ من قراءته- تلك المرآة التي أردناها صافية، تنطبع فيها ملامح الوجه العربيّ الأصيل، وتنمحي منها قسمات الشعوبيّ الدخيل. دمشق في١٧ رمضان سنة ١٣٧٩هـ-١٩٦٠م. صبحي الصالح.

стр. 12

الباب الأول: فقه اللغة "نشأته وتطوره " الفصل الأول: بين فقه اللغة وعلم اللغة فقه اللغة وعلم اللغة: من العسير تحديد الفروق الدقيقة بين علم اللغة وفقه اللغة؛ لأن جل مباحثهما متداخل لدى طائفة من العلماء في الشرق والغرب، قديمًا وحديثًا, وقد سمح هذا التداخل أحيانًا بإطلاق كل من التسميتين على الأخرى، حتى غدا العلماء يسردون البحوث اللغوية التي تسلك عادة في علم اللغة, ثم يقولون: وفقه اللغة يشمل معظم البحوث السابقة، ولا سيما إذا قورنت هذه البحوث بين لغتين أو لغات متعددة١. وإذا التمسنا التفرقة بين هذين الضربين من ضروب الدراسة اللغوية، من خلال التسميتين المختلفتين اللتين تطلقان عليهما، وجدناها تافهة لا

стр. 13

وزن لها، فاسم على اللغة عند الفرنجة: Linguistiqus ou Science Du Langage, أي: العلم المختص بالكلام أو اللغة؛ واسم فقه اللغة عندهم: "philologie", وهي كلمة مركبة من لفظين إغريقيين أحدهما philos بمعنى الصديق، والثاني Logos بمعنى الخطبة أو الكلام، فكأن واضع التسمية لاحظ أن فقه اللغة يقوم على حب الكلام, للتعمق في دراسته من حيث قواعده وأصوله وتاريخه. وعلى هذا النحو كان العلماء في عصر إحياء العلوم يفهمون "فقه اللغة"، بل كان هذا الاسم إذا أطلقوه لا ينصرف إلّا إلى دراسة اللغتين الإغريقية واللاتينية؛ من حيث قواعدهما, وتاريخ أدبها, ونقد نصوصها، وأصبحنا اليوم نعد هذه الدراسة متحفية، ونسميها: "فقه اللغة الاتباعي" philologie classique وربما لا يكون مفهوم علمائنا القدامى لـ"فقه اللغة" شديد الاختلاف عما أصبحنا نسميه: "فقه اللغة الاتباعي" إلّا في مواطن قليلة؛ فسنرى أن كثيرًا من مباحث القوم في اللغة كان يتناول العربية الفصحى؛ من حيث قواعدها, وتاريخ أبدبها, ونقد نصوصها، فقابلت الفصحى عندهم الإغريقية واللاتينية الفرنجة. ومع أن دراساتنا هذه اشتملت على طائفة من المباحث خرجت عن النطاق الاتباعي التقليدي، آثرنا عندها ملحقة بفقه اللغة؛ لأنها قصرت على إبراز خصائص لغاتنا العربية، فكانت أجدر أن تسمى بالاسم الشائع عند العرب حين ألفوا في هذه الموضوعات, وإنه ليحلو لنا أن نقترح على الباحثين المعاصرين ألَّا يستبدلوا بهذه التسمية القديمة شيئًا، وأن يعمموها على جميع البحوث اللغوية؛ لأن كل علم لشيء فهو فقه، فما أجدر هذه الدراسات جميعًا أن تسمى فقهًا!

стр. 14

منهج فقه اللغة واستقلاله: وحين نأخذ بهذا الاصطلاح، يسهل علينا أن نحدد نطاق فقه اللغة، سواء أتعلق بعرض المباحث القديمة عرضًا جديدًا, أم يقوانين علم اللغة في العصر الحديث، فليس شرطًا لازمًا أن يتحدث العالم اللغوي بعدة لغات؛ لأن كثيرًا من علماء اللغة وفقهائها المشاهير لم يكونوا قادرين على الاستخدام العمليّ لأية لغة غير لغتهم القومية١. على أننا لا نجحد الثمرات التي يجنيها فقه اللغة إذا أجاد تلك اللغات قراءة وكتابة وحديثًا، فلا ريب أنها توطئ لمباحثه، وترفده بالدقة فيما يستخلصه من الأحكام. وفي دراسة لغتنا العربية, بخاصة أعظم بالباحث إذا كان ملمًّا ببعض اللغات السامية؛ كالسريانية والعبرية! فبهذا الإلمام يلاحظ مواطن التقارب والاختلاف، والأخذ والاقتباس. ومنهج فقه اللغة في البحث مستقلٌّ كل الاستقلال عن مناهج العلوم الأخرى، فيجب إقصاء التفكير الفلسفي عنه، لئلَّا تجيء الأحكام فيه مطبوعة بالطابع الغيبي أو "ما وراء الطبيعة"، أو المنطق الصوري. ولعل فقه اللغة في آثار علمائنا القدامى لم يأت بالكثير من الآراء الأصلية؛ لأنهم عدوه جزءًا لا يتجزأ من التفكير الفلسفي القديم، ولا سيما التفكير اليوناني الذي كان يرى أن "دراسة اللغة اليونانية في تراكيبها وأساليبها تصدق على جميع لغات العالم؛ إذ لا مناص من أن تجري تلك اللغات على مقياس اليونانية٢". وعندما نطرح جانبًا كل أثر للمباحث التي لا تتعلق باللغة تعلقًا وثيقًا، نستطيع أن نعرف فقه اللغة بأنه "منهج للبحث استقرائي وصفي

стр. 15

يُعرَف به موطن اللغة الأول وفصليتها وعلاقتها باللغات المجاورة أو البعيدة، الشقيقة أو الأجنبية، وخصائص أصواتها، وأبنية مفرداتها وتراكيبها، وعناصر لهجاتها، وتطور دلالتها، ومدى نمائها قراءة وكتابة". والبحوث الأساسية المذكورة في التعريف تتعلق بعلوم ثلاثة: ١- التاريخ: لمعرفة موطن اللغة الأول، وروابط القربى بينها وبين اللغات الإنسانية الأخرى، وتنوع لهجاتها، وتطور خطها وكتابتها. ٢- علم الصوت: لبحث لهجات اللغة وأصواتها، ومعرفة أنواع التطور الصوتي فيها. ٣- علم الدلالة: لبحث تطور ألفاظها وما تفيده من المعاني. ولقد انحصرت مناهج العلماء في القرن التاسع عشر في دراسة اللغة من وجهة النظر التاريخية١، فأعلن كبارهم: "أن علم اللغة تاريخي٢". وأضاف كثير منهم إلى الناحية التاريخية معرفة التطور الذي أصاب اللغات في مخلتف العصور. أما القرن العشرون فقد طبع بطابع الوصفية، وتناول العلماء فيه اللغات بدراسة خصائصه الصوتية والتعبيرية، فكانت مباحثهم مجموعة مستقلة من المواد المتداخلة؛ كالأصوات والتشكيلات والمعجمات والدلالات وما يمكن أن يسمى: "علم الاجتماع اللغوي"٣. في ضوء هذه الدراسة الوصفية، انطلقوا يعالجون الأصوات الإنسانية بالبحث العميق، فقارنوا بين الحروف وصفاتها، ودرسوا أعضاء جهاز النطق, وأخضعوا ذلك كله للملاحظة المباشرة, وسنرى أن العرب برزوا في ذلك منذ قرون في علمي التجويد والصرف. وبحثوا في اشتقاق الكلمات، وأصولها، وصيغها، وأبنيتها، وسمعاها, وقياسها. ثم عنوا بدراسة معاني الألفاظ ودلالاتها, ملاحظين ما بينها وبين الاشتقاق من اتصال وثيق.

стр. 16

تطور التأليف في فقه اللغة عند العرب: إن التأليف في فقه اللغة قد مَرَّ بأدوار جديرة أن تسجل، تقف الباحث على نشأة هذا العلم وتطوره, وإن من العسير استيعاب جميع الكتب المتعلقة بفقه اللغة تعلقًا غير مباشر؛ كالمصنفات النحوية والصرفية، والمباحث البلاغية, ووجوه القراءات المتواترة والشاذة, فلا بد لنا أن نقصر حديثنا على التآليف التي توفر أصحابها على دارسة ما يرتبط ارتباطًا قويًّا بفقه اللغة علمًا مستقلًّا قائمًا بنفسه، لا يناقض التعريف الذي قدمناه له. لعل أقدم ما وصلنا من هذه الدراسات مباحث الأصمعي "أبي سعيد عبد الملك بن قُرَيْب", المتوفي سنة ٢١٥هـ, عن الاشتقاق في العربية، وفي تسمتيتها فقه اللغة كثير من للتجوز؛ لأنها لا تعدو ملاحظات عامة اتسع القول فيها فيما بعد، وأوضحت جزءًا هامًّا من هذا العلم العظيم. ثم أنشأ ابن جني "أبو الفتح عثمان" المتوفي سنة ٣٩٢هـ, الفقيه اللغوي العبقري كتابه "الخصائص", وراح يناقش فيه بفكره الثاقب ومنطقه السليم أبحاثًا خطيرة في أصل اللغة "أإلهام هي أم اصطلاح" وفي مقاييس العربية، واطرادها وشذوذها، وتصاقب ألفاظها لتصاقب معانيها، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، والاشتقاق الأكبر، وتركب اللغات، واختلاف اللهجات, ومع أن "خصائص" ابن جني أجدر الكتب أن تسمى بفقه اللغة، ضنَّ عليها مؤلفها بهذا الاسم!

стр. 17

أما أحمد بن فارس "أبو الحسين القزويني" المتوفي سنة ٣٩٥هـ, وهو أستاذ الصاحب بن عباد, المتوفي سنة ٣٨٥هـ, فقد خلع على مباحثه في نشأة العربية اسم: "الصاحبي في فقه اللغة, وسنن العرب في كلامها"، وذهب إلى أن اللغة إلهام وتوقيف، مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ . على أنه ضمَّن كتابه هذا بعض المباحث الهامة حقًّا في فقه العربية؛ كخصائص هذه اللغة، واشتقاقها, وقياسها، ومترادفها, ومجازها, واشتراكها, ونحتها، واختلاف لغاته ولهجاتها. ونرى الثعالبي "أبا منصور عبد الملك بن محمد", المتوفى سنة ٤٢٩هـ, ينشئ بعد ذلك كتابه "فقه اللغة" الذي لا تجد اسمه إلّا كالثوب الفضفاض عليه، فإنه لم يضمنه إلّا بعض المباحث القليلة التي يمكن أن تتعلق بهذا العلم، كإيراده بعض الألفاظ العربية التي نسبها أئمة اللغة إلى الرومية، أو بعض الأسماء القائمة في لغة العرب والفرس على لفظ واحد، أو الأسماء التي تفردت بها الفرس دون العرب, فاضطرت العرب إلى تعريبها أو تركها كما هي، أو الأسماء التي ماتت فارسيتها, مع أن عربيتها ما تزال مستعملة محكية؛ وهذه المباحث مبثوثة في الباب التاسع والعشرين من كتابه، ولا تشغل أكثر من خمس عشرة صفحة. أما ابن سيده "أبو الحسن علي بن إسماعيل الأندلسي", المتوفى سنة ٤٥٨هـ, فقد عرض في كتابه "المخصص" لبعض البحوث المتعلقة بنشأة اللغة العربية، وبالترادف والتضاد والاشتراك والاشتقاق، وتعريب الألفاظ الأعجمية، ونحو ذلك, والمخصص يقع في سبعة عشر جزءًا، وهو حسن التنسيق دقيق. ويتوفر الجواليقي "أبو منصور، موهوب بن أحمد"، من علماء القرن السادس الهجري، بوجه خاص على دراسة "المعرب من الكلام الأعجمي", وكتابه مرتب على حروف المعجم, ويتلوه البشبيشي المتوفى سنة ٨٢٠هـ بكتابه "التذليل والتكميل" لما استعمل من اللفظ الدخيل".

стр. 18

ثم يجمع جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١, من علماء القرن التاسع الهجري, كتابه العظيم "المزهر في علوم اللغة وأنواعها" من أكثر الكتب المتقدمة، ويزيد عليها بعض الأبحاث الجديدة, ولعل كتابه -بتنوع أبوابه، واتساع أغراضه- ألصق المؤلفات بفقه اللغة؛ ففيه تقرأ عن نشأة اللغات، وتداخلها, وتوافقها، والمصنوع والفصيح، والمستعمل والمهمل، والحوشي والغريب، والمعَرَّب والمولَّد، والاشتقاق والاشتراك، والترادف والتضاد، والنحت، والتصحيف، والتحريف، والشوارد والنوادر، وما اختلفت فيه لغة الحجاز ولغة تميم، ويقع في جزئين كبيرين. وفي القرن الحادي عشر يعنى شهاب الدين الخفاجي خاصة بالألفاظ الدخيلة على العربية، فيؤلف في ذلك كتابه "شفاء الغليل، فيما ورد في كلام العرب من الدخيل".

стр. 19

الفصل الثاني: فقه اللغة في كتبنا العربية القديمة من وصف الحقائق إلى فرض القواعد: لقد انتهى فقهاء اللغة اليوم إلى أن "وظيفة اللغويّ هي وصف الحقائق لا فرض القواعد١"، وتلك وظيفة لم يفهما على حقيقتها أحد مثلما فهمها وطبقها سلفنا الصالح من علمائنا الأولين؛ إذ أنشأوا في فجر الإسلام يجمعون اللغة ورواياتها، ويمحصون نصوصها كل التمحيص، ويخضعونها لطرائق الاستقراء، ليخرجوا منها بما يسمونه "سنن العرب في كلامها"٢. يمكننا القول إذن: إن منهج فقه اللغة عند العرب بدأ وصفيًّا استقرائيًّا، تقرر فيه الوقائع في ضوء النصوص، لا تفرض على أحد ولا

стр. 20

يُقْضَى بها على أحد, ولكن هذا المنهج السليم سرعان ما انحرف واعتوره الضعف، منذ أن استبدل العرب القواعد بالحقائق, والمعايير بالوقائع، والإلزام المتسلط بالوصف الدقيق الأمين، وبدأ الناس يسمعون من اللغويين مثل هذه اللهجة الجازمة الحاسمة: "وليس لنا اليوم أن نخترع، ولا أن نقول غير ما قالوه، ولا أن نقيس قياسًا لم يقيسوه؛ لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائها, ونكتة الباب أن اللغة لا تؤخذ قياسًا نقيسه الآن نحن"١. عوَّلوا أول الأمر على سليقة الأعرابي، وظنوا أنه "إذا قويت فصاحته, وسمت طبيعته, تصرَّف وارتجل ما لم يسبقه أحد قبله به"٢، واقتنعوا بأن الأعراب، "قد يلاحظون بالمُنَّة والطباع ما لا نلاحظه نحن على طول المباحثة والسماع"٣، ومع احتمالهم أن العربي الفصيح ينتقل لسانه٤ إذا فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها٥، ومنع رغبتهم حينئذ في رفض لغته، وترك تلقي ما يرد عنه، ورأيناهم يجنحون إلى تقييد الباحثين بما قاسه أولئك الأعراب، وقالوه، فلا يجرؤ أحد على قياس ما لم يقيسوه. وغَلَوْا في سليقة الأعرابي غلوًّا فاحشًا, حين نسبوا إليه العجز عن نطق كلمة قرآنية بغير لهجته ولحنه، فقرأ أعرابيّ بالحرم على أبي حاتم السجستاني: "طيبى لهم وحسن مآب" فقال له: "طوبى، فقال: طيبى، فعاد أبوحاتم يصلحها له مرة أخرى قائلًا: طوبى، فقال:

стр. 21

الأعرابي: طيبى، فأصرَّ أبو حاتم على إصلاحها بالواو، والأعرابي يمتنع عن نطقها كما هي في القرآن, ويستمر على لحنه، طي، طي، فلم يؤثر فيه التلقين، ولا ثنى طبعه عن التماس الخفة هزٌّ ولا تمرين١. وكان من أثر غلوهم هذا في سلائق الأعراب التي طبعوا عليها، أن ضيقوا على أنفسهم المنافذ والمسالك في أخذ اللغة وتلقيها, إلا ممن تتوافر فيهم شروط هذا الطبع السيلقي، فانحصر الأخذ والتلقي في قيس وتميم وأسد وهذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين"، عنهم نقلت العربية، وبهم اقتُدِي، وعليهم اتُّكِلَ في الغريب، وفي الإعراب، والتصريف٢. وكان عليهم أن يحددوا موقفهم من قريش بوضوح، فلم تزل العرب تعرف لقريش فضلها عليهم وتسميها: "أهل الله"٣، فرأوا أنها كانت "مع فصاحتها وحسن لغاتها، ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب"٤. هنا وقعوا على الخطأ المنهجي الأول؛ إذ جعلوا سنن العرب في كلامها ما سنته قريش أو تمثلته، وأخذوا مقاييسهم لما سمعوه من ألفاظها وتراكيبها، ثم فرضوا على أنفسهم وعلى الناس هاتيك المقاييس، فقال قائلهم: "وعلم مقاييس كلام العرب هو النحو....."٥. ولو وقفوا عند هذا الحد لهان الأمر، ولكنهم ألحقوا به خطأ منهجيًّا

стр. 22

آخر حين قطعوا ما بين العربية وأخواتها السامية من صلات، فرأوا خصائص العربية من خلال الزاوية التي أعجبتهم؛ لأنها أوسع اللغات وأشرفها وأفضلها١؛ لا من خلال مقارنتها باللغات التي تربطها بها أواصر القربى, وأنكروا أن يكون لغير العرب من البيان أو الشعر أو الاستعارة ما للعرب: "بلى الشعر شعر العرب، ديوانهم وحافظ مآثرهم، ومقيّد أحسابهم"٢. وخصائص العربية نفسها لم تكتشف على حقيقتها فيما كتبوه؛ إذ كان المؤلفون في هذه الخصائص يبحثون عنها متأثرين بالمنطق الأرسطي الذي لم تقف عدواه عند حد، فكان لها أثر في علم الكلام والفقه، مثلما كان لها أبلغ الأثار في دراسة اللغة٣, والأدلة على هذا التأثر لا تحصى عددًا, وأوضح مثال لذلك: تعليلهم مقاييس العربية، وأنها على وجه الحكمة كيف وقعت، وأنها أقرب إلى علل المتكملين منها إلى علل المتفقهين ... وذلك أنها إنما هي أعلام وأمارات لوقوع الأحكام. ووجوه الحكمة فيها خفية عنا غير بادية الصفحة لنا٤، لذلك نادى ابن مضاء بسقوط كثير من هذه العلل التي لا يراد بها إلّا إثبات الحكمة والمنطق التعليلي للعرب، فقال: "وما يجب أن يسقط من النحو العلل الثواني والثوالث، وذلك مثل سؤال السائل عن "زيد" من قولنا: "قام زيد"، لم رُفِعَ؟ فيقال: لأنه فاعل، وكل فاعل مرفوع، فيقول: ولم رُفِعَ الفاعل؟ فالصواب أنه يقال له: كذا نطقت العرب. ثبت ذلك بالاستقراء من الكلام المتواتر, ولا فرق بين ذلك وبين من

стр. 23

عرف أن شيئًا ما حرام بالنص، ولا يحتاج فيه إلى استنباط علة، لينقل حكمه إلى غيره، فسأل لم حُرِّمَ؟ فإن الجواب على ذلك غير واجب على الفقيه"١. وانتقلت عدوى المنطق الأرسطي أيضًا إلى العربية عند تطبيق المقولات العشر على أبوب النحو ومباحثه، ومن المعلوم أن هذه المقولات هي: الجوهر والكم والكيف والزمان والمكان والإضافة والوضع والملك والفاعلية والقابلية٢, ومن السهل أن نقارن بين الدراسات النحوية العربية وتلك المقولات إذا تجردنا في نظرتنا إلى بحوث بعض العلماء المعاصريين٣. أما مباحث القوم حول أصل اللغة، إلهام هي أم اصطلاح، فكانت ذات وجهين، كلاهما يخرج عن المنهج اللغوي الوصفي, ثم يتلون باللون المناسب له، أما أحدهما فغيبيّ "ميتافيزيقي" لا يخلو من سذاجة، كقول ابن فارس: "إن لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله جل ثناؤه: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ، فكان ابن عباس يقول: "علمه الأسماء كلها، وهي هذه التي يتعارفها الناس من دابة وأرض وسهل وجبل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها ... "٤. وأما الآخر فمنطقيٌّ في تعابيره واستنتاجاته، لتأثره بالمناسبة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله، ولا سيما إذا وصفت هذه المناسبة بأنها ذاتية موجبة لا يجوز أن تتخلف، كما كان يرى عباد بن سليمان الصيمري من المعتزلة٥. ولا يبتعد عن هذه الميدان المنطقي تساؤل ابن جني عن اللغة: أمواضعة هي أم إلهام؟ ٦

стр. 24

ففي المواضعة تبرز تلك المناسبة الطبيعية بين اللفظ ومدلوله، ويتبين مدى التأثير المنطقي. من هنا كان علينا أن نُقَصِّيَ جانبًا جميع المباحث التي لا تتعلق بفقه اللغة تعلقًا وثيقًا، فالمنطق الصوري وتعليلاته وأقيسته، وما وراء الطبيعة من الغيبيات، وفرض القواعد والمعايير كما تفرض أحكام القانون، كل هذه ليس من المنهج اللغوي في شيء، فلا مناص من تجديد البحث في فقه اللعة إذا أردنا للغتنا الحياة والخلود.

стр. 25

الفصل الثالث: تجديد البحث في فقه اللغة إن المنهج الصالح في دراسة فقه اللغة هو المنهج الاسقرائي الوصفي الذي يعترف بأن اللغة ظاهرة إنسانية اجتماعية؛ كالعادات والتقاليد والأزياء ومرافق العيش، بل هي بين الظواهر الاجتماعية كلها دليل نشاطها، ووعاء تجاربها، وبها تستقصى الملامح المميزة لكل مجتمع١. لا شيء في الحياة يؤكد خصائص المجتمع، ويبرزها على وجهها الحقيقي؛ كاللغة المرنة المطواع التي تعبر بألفاظها الدقيقة الموحية عن حاجات البشر مهما تتشعب، حتى تصبح الرمز الذي به يعرفون، والنسب الذي إليه ينتسبون٢! هذا المسلك الاجتماعي الذي لا تزال اللغة الإنسانية تسلكه في أرقى المجتمعات وأبسطها, يسمح لنا بتوسيع المجال أمام العرف لتحديد مقاييس

стр. 26

اللغة ومعايير استعمالها فلا قيمة للأصوات والكلمات والصيغ والتراكيب إلّا بمقدار ما يتعارف المجتمع على أنها رموز للدلالة١. "أليست هذه الألفاظ العامة التي نستعملها؛ كالشجرة، والإنسان, والبشرية، والحرية، أشبه بالرموز الرياضية؟ أليست أشبه بالنقود التي يرمز بها إلى القيم؟ أولم تكن الرموز الرياضية والاقتصادية وسيلة للرقيّ في الميدانين الفكريّ والاقصادي؟ وكذلك اللغة، فهي لم تقتصر على كونها معبرة عن التفكير، بل كان كذلك أداة نمائه وارتقائه ... "٢. لقد ظلَّ العالم غافلًا عن تلك الرموز اللغوية حتى أواخر القرن السابع عشر، فكان يحاول تأويل نشأة اللغات في سذاجة عجيبة، حتى أوشك كثير من العلماء أن يجزموا بأن العبرية، لغة الوحي، هي لغة الإنسانية الأولى التي تشعبت منها لغات العالم المعروفة كلها٣. وكان على آباء الكنسية أن يستندوا إلى الكتاب المقدس لتأييد هذا الرأي، وقد وجدوه في سفر التكوين: "والله خلق من الطين جميع حيوانات الحقول وجميع طيور السماء، ثم عرضها على آدم ليرى كيف يسميها، وليحمل كل منها الاسم الذي يضعه له الإنسان, فوضع آدم أسماء لجميع الحيوانات المستأنسة ولطيور السماء ودواب الحقول"٤. وكذلك استند العرب من قبل إلى آية قرآنية حين مال كثير منهم إلى أن لغة العرب توقيف لا اصطلاح، واضطر ابن جني إلى تأويل تلك الآية على غير ما فهمها عليه أشياخه، فنسب إلى أكثر أهل النظر القول بأن أصل اللغة تواضع واصطلاح لا وحي ولا توقيف، ثم قال: "ألا إن أبا عليّ ﵀ قال لي يومًا: هي من عند الله؛ واحتج بقوله : ﴿وَعَلَّم

стр. 27

آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ، وهذا لا يتناوله موضع الخلاف، وذلك أنه قد يجوز أن تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها"١. فإذا استثنينا رأي هذا العبقري ابن جني الذي سبق إلى القول بوضع اللغة، وبأن وضعها لم يكن في وقت واحد، بل على دفعات؛ إذ تلاحق تابع منها بفارط٢، وأنها بدأت بصورتها الصوتية السمعية, فكانت أصل اللغات كلها الأصوات المسموعة٣، واستثنينا أيضًا آراء من تابع ابن جني على هذا المذهب السديد، وجدنا أئمة العربية الباقين يكادون يطبقون على أن اللغة إلهام وتوقيف، ويكادون لا يختلفون في تصورهم نشأة اللغة الإنسانية عَمَّا ظلَّ سائدًا في الغرب حتى أواخر القرن السابع عشر في الأوساط الكنسية, إلّا في فرق ضئيل لا يؤبه له: أن لغة الوحي في نظر الإسلام كانت لغة القرآن، علي حين كانت في نظر آباء الكنسية لغة الكتاب المقدس! ومن أعجب صور التلاقي على صعيد الفكر أن العرب حين غَلَوْا في لغتهم؛ لأنها لغة الوحي، فخصوها بالمناسبة الطبيعية بين ألفاظها ومدلولاتها، نافسهم الغربيون بتخصيص هذه المناسبة بالعبرية؛ لأنها لغة الوحي كذلك، فهبَّ كيشارد E. Giichrd, في مطلع القرن السابع عشر يبرز فكرة التناسق الصوتي في اللغات المتفرعة من العبرية٤. وكان لـ "ليبنز Leibiz" الفضل في مقاومة هذا التفكير الأسطوري الذي يبدأ بافتراض الرأي, وينتهي سريعًا إلى التسليم به، ثم إلى فرضه

стр. 28

على الناس١، ورأينا كثيرًا من الباحثين -بعد ليبنز- ينكرون القول بأصل اللغات، وينادون باستحالة الوصول إلى نتيجة قطعية تبين الصورة التي بدأ الإنسان يتكلم عليها؛ فهناك لغات تنتسب إلى تواريخ منها القديم، ومنها الأقدم, ونحن نعرف بعض لغاتنا الحديثة في صور قديمة ترجع إلى أكثر من عشرين قرنًا, ولكن أقدم اللغات المعروفة، اللغات الأمهات كما تسمى أحيانًا، لا شيء فيها من البدائية، ومهما اختلفت عن لغاتنا الحديثة فإنها لا تفيدنا علمًا بالتغيرات التي طرأت على الكلام، ولا تدلنا على شيء من كيفية نشوئها"٢. لقد بات لزامًا علينا تجديد البحث في فقه اللغة، فليس يعنينا أن نتقصى أصل اللغة الغامض المجهول، وليس علينا أن نعلل كل صوت لغوي, أو رمز دلالي, أنه على وجه الحكمة كيف وقع، وبأي لغة ينطق، بل يعنينا أن نتابع التطور اللغوي كيف حدث؟ بعد إحصائه واستقرائه وملاحظته, ومقارنة بعض مظاهره ببعض، وعلينا أن نبدأ بجمع ما يمكننا من المعلومات عن اللغات الإنسانية المختلفة لنخرج أخيرًا بالسنن العامة والقوانين الثابتة في علم اللغة العام؛٣ وفي ضوئها نحدد خصائص لغتنا المدروسة بطريقة وصفية استقرائية؛ كصنيعنا هنا في فقه اللغة العربية. وإنّ هذه الطريقة الوصفية لتفرض علينا الاعتراف بحقيقةٍ لا يمكن نكرانها: وهي أنه لم يعثر قط على قبيلة لا لغة لها، "وأن المتوحشين أنفسهم ليسوا بدائيين، رغم الإسراف في تسميتهم بهذا الاسم في غالب

стр. 29

الأحيان، فهم يتكلمون أحيانًا لغات على درجة من التعقيد لا تقل عما في أكثر لغاتنا تعقيدًا، ولكن منهم من يتكلم على درجة من البساطة تحسدهم عليها أكثر لغاتنا بساطة, فهذه وتلك ليست إلّا نتيجة تغيرات تغيب عنا نقطة البدء التي صدرت عنها"١. ومن يقرر هذه الحقيقة المتلعقة بلغات المتوحشين، ولا يستبعد أن يكون لتلك اللغات وخصائصها بساطة أو تعقيدًا، وتطورًا أوجمودًا، ولا يسعه أن يغض النظر في دراسة فقه العربية عن أخواتها من اللغات السامية؛ لأنها -فضلًا على أنها كانت رموزًا لحضارات سابقة- لم تنفصم العرى الوثيقة التي ظلت آمادًا طوالًا تربط بين بعضها وبعض في أغمض ظروف التاريخ. وإن تعجب فعجبٌ تغافلُ علمائنا القدامى عن هذ القضية البديهية، مع أن كثيرًا منهم أشاروا في مواطن مختلفة إلى بعض اللغات السامية؛ كالعبرية والسريانية، بل عرف بعضهم اليهود والسريان واتصلوا بهم، وأفادوا إفادة خاصة من نقل السريان فلسفة اليونان إلى العربية. ولعل للعصبية العمياء دخلًا في هذه النظرة العجلى إلى الحقائق والأشياء، فهم لا يريدون أن يقارنوا لغة القرآن بأية لغة أتيح لهم أن يلموا بها؛ لأن لغة العرب بزعمهم أشرف اللغات؛ ولو أرادوا ذلك ما استطاعوا إليه سبيلًا، فما تيسّر للباحثين في العصور الوسطى أن يتناولوا اللغات بالدراسة التاريخية المقارنة، وإنما ظهرت تلك الدراسات بعد عشرة قرون أو أكثر. أنّى لهم إذن أن يكتشفوا خصائص العربية على حقيقتها؟ أنّى لهم أن يروا رأي العين أن العربية هي "أشد اللغات السامية احتفاظًا بمقومات اللسان السامي الأول، فقد نشأت غالبًا في موطنها القديم، لم تحل محل لغة أخرى غير سامية, كما حدث لسائر اللغات السامية

стр. 30

النازحة، وموقعها الجغرافي ساعدها على الاستقلال بعيدة عن المؤثرات الأجنبية؟! ١". إن علينا الآن -وقد ارتضينا الاستقراء والوصف طريقة ومنهاجًا- ألَّا نكتفي بتصوير وشائج القربى بين العربية والساميات، بل نلم فوق ذلك بفصائل اللغات الإنسانية لنعرف السر في إطلاق السامية على لغتنا، ثم نضيف إلى هذا كله لونًا من المقارنة بين بعض اللهجات العربية القديمة، لنصل منها آخر الأمر إلى لغتنا العربية الفصحى بخصائصها الفذة وأسلوبها المبين.

стр. 31

الباب الثاني: العربية بين أخواتها السامية الفصل الأول: أشهر فضائل اللغات ... الباب الثاني: العربية بين أخواتها السامية الفصل الأول: أشهر فصائل اللغات ١ لعل أفضل النظريات في تقسيم اللغات هي التي تعوّل على صلات القرابة اللغوية، فتنشيء من كل مجموعة مماثلة أو متشابهة في الكلمات وقواعد البنية والتراكيب فصيلة من الفصائل, تؤلف بينها غالبًا روابط جغرافية وتاريخية واجتماعية. وعلى هذا الأساس لاحظ العلماء مجموعتين هامتين متميزتين، سموا إحداهما: الفصيلة الهندية - الأوربية lndo - Europeenne، والأخرى الحامية - السامية Chamito - Samitiques، وتنبهوا إلى صلات القرابة بين اللغات الداخلة تحت كلٍّ منهما على حدة، وإلى الصفات المشتركة

стр. 32

بين الفصيلتين كلتيهمتا، ثم جاء ماكس مولر Max Moller بتقسيمه الثلاثي للغات، حين سمى طائفة من اللغات الأسيوية والأوربية التي لا تدخل تحت الفصيلتين السابقتين باسم اصطلاحي هو الفصيلة الطورانية Touranienne. وإنما كان الاسم اصطلاحيًّا؛ لأن أفراد الفصيلة الأخيرة متنوعة جدًّا، ومتباعدة جدًّا، وليس بينها روابط لغوية واضحة, وهذا ما دعا المحدثين من علماء اللغة إلى تقسيم ما بقي من اللغات الإنسانبة إلى تسع عشرة فصيلة، تنفرد كل فصيل منها بروابط من القرابة اللغوية في الأصول والقواعد والتراكيب، وبذلك أصبحت فصائل اللغات الإنسانية إحدى وعشرين؛ أهمها الأوليان، والباقية ثانوية متفرقة في أنحاءٍ مختلفة من العالم, ولا بد من كلمة عجلى حول الفصيلتين الهامتين. أ- الفصيلة الهندية - الأوربية: وهي أكثر اللغات الإنسانية انتشارًا، والشعوب الناطقة بها جليلة الأثر في الحضارة الإنسانية الحديثة, ومن العسير تحديد موطنها الأصلي, فمن ذاهب إلى نشأتها في آسية بمنطقة التركستان، ومن قائل بنشأتها في المناطق الروسية بأوروبة الشرقية، ومن أنها في مناطق بحر البلطيق. وهي تشتمل على ثمانٍ من طوائف اللغات: ١- اللغات الآرية: بفرعيها الهندي والإيراني. ٢- اللغات اليونانية: وتشمل اليونانية القديمة، واليونانية الحديثة التي قامت على أنقاض القديمة في القرون السابقة للميلاد، ولغة اليونان في العصر الحديث. ٣- اللغات الإيطالية، وأهم فروعها: اللاتينية التي تشعبت منها الفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية ولغة رومانية.

стр. 33

٤- اللغات الجرمانية، وأهمها شعبتان: شعبة اللغات الجرمانية الغربية، وفيها الإنجليزية -السكسونية، والإنجليزية الحديثة، والهولاندية والألمانية, وشعبة اللغات الجرمانية الشمالية, وهي لغات الدانيمرك والسويد والنرويج. ٥- اللغات السلافية: وهي شعبتان صقلبية وبلطيقية؛ فمن الصقلبية الروسية، والتشيكية، والبولونية، والبلغارية الحديثة, ومن البلطيقية: الليتوانية، والبروسية القديمة. ٦- اللغات الأرمنية. ٧- اللغات الألبانية. ٨- اللغات الكلتية التي كان ينطق بها شعوب الكلت Les Cletes, وقد غلبتها الآن اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وإن بقيت ظواهر منها في لهجات إيرلندا ومنطقة البريتون Bretagne غربي فرنسا,. ب- الفصيلة الحامية - السامية: وليست المناطق التي تشغلها هذه الفصيلة شديدة الاتساع كالمناطق التي تشغلها الفصيلة الأولى "الهندية - الأوربية" فلا يعدو ما تشغله بلاد العرب وشمال إفريقية وجزءًا من شرقي إفريقية، غير أن مناطقها تكاد تشكل منطقة واحدة متماسكة الأجزاء، مستقلة ليس فيها عنصر دخيل, وتلك مزية كبيرة من مزاياها, وهي ذات مجموعتين: أ- مجموعة اللغات الحامية، وفيها المصرية والبربرية والكوشيتية. وقد اصطلح على إدخالها في مجموعة واحدة، مع أن صلات القرابة بينها ضعيفة، ولذلك يعد بعضهم كل فرعٍ منها مستقلًّا برأسه على حدة. واللغة المصرية تشمل المصرية القديمة والقبطية, أما البربرية فهي لغة السكان الأصليين لشمال أفريقية "تونس ومراكش

стр. 34

والجزائر وطرابلس والصحراء والجزر المتاخمة لها", وأهمها اللغة القبيلية Kbyle, والتماشكية Temachek وهي لغة قبائل التوارج Touareg "الطوارق". وأما الكوشيتية فهي لغة السكان الأصليين للقسم الشرقي من إفريقية، وبها يتكلم نحو ثلث سكان الحبشة. وهنالك مناطق في الحبشة تتكلم بلغة سامية. ب- مجموعة اللغات السامية, وسنتكم عنها بتفصيل بعد قليل؛ لأن لغتنا العربية تفرعت منها. ج- فصائل اللغات الإنسانية الأخرى: أما بقية اللغات الإنسانية الأخرى فقد ذهبت جمعية علم اللغة بباريس إلى قسمتها إلى تسع عشرة فصيلة أهمها: ١- فصيلة اللغات الطورانية؛ كالتركية والمغولية والمنشورية، وبها سمَّى ماكس مولر جميع الفصائل الباقية على سبيل الاصطلاح الخاص. ٢- فصيلة اللغات اليابانية. ٣- فصيلة اللغات الصينية - التيبيتية "ومنها لغة سيام". ٤- فصيلة اللغات الكورية "لسكان شبه جزيرة كورية". ٥- فصيلة اللغات القوقازية "ويستثنى منها اللغات القوقازية السامية، والهندية الأوروبية". ٦- لغات الهنود الحمر في أمريكا، وهم سكانها الأصليون. ٧- لغات السودان وغانة، وقد قسَّمَها العلامة Maurice Delafosse إلى ٤٣٥ لغة, ترجع إلى ست عشرة شعبة, أهمها الشعبة النيلية، والشعبة النوبية، والشعبة الاستوائية، والشعبة الكونغوية. ٨- اللغات الملايوية البولينزية Malayo - Polynesiennes ومنها الأندونيسية والميلانيزية "جزر سليمان، وسانت كروز، وتوريس".

стр. 35

وقد عرضت جمعية علم اللغة بباريس Societe de linguistique paeis بحثًا موجزًا في دراسة هذه الفصائل التسع عشرة, بإشراف الأستاذين Meillet ومارسل كوهين Marcel Cohen, فجاء البحث في نحو ست مئة صفحة من القطع الكبير "من ١٥٣-٧١٣"، وذلك في الكتاب الضخم الشهير "لغات العالم" "Les langues du Monde". طريقة أخرى لتقسيم اللغات إلى فصائل: هناك طريقة أخرى لا تعول في تقسيم اللغات على صلات القرابة اللغوية، بل تستند في هذه القسمة إلى قوانين التطور والارتقاء المتعلقة بقواعد الصرف والتنظيم. وأشهر نظرية في هذه الطريقة هي نظرية العلامة شليجل Schlegel, التي اتبعه عليها كثير من الباحثين. في ضوء هذه النظرية ثلاث فصائل: ١- اللغات التحليلية Analytiques. ٢- اللغات الإلصاقية Agglomerantes. ٣- اللغات العازلة isolantes. ويرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة الإنسانية نشأت عازلة، ثم تطورت فأصبحت إلصاقية، ثم ارتقت أخيرًا إلى التحليلية. أ- واللغة العازلة هي غير المتصرفة؛ فبنية الكلمات فيها لا تتغير، وأصولها لا تلصق بها حروف زائدة لا قبلها ولا بعدها، وليس بين أجزاء تراكبيها روابط وصلات, ويدخل في هذه اللغة الصينية, وكثير من اللغات البدائية.

стр. 36

ب- واللغة الإلصاقية: هي لغة وصلية تمتاز بالسوابق prefixes واللواحق Suffixes, التي تربط بالأصل فتغير معناه, وعلاقته بما عداه من أجزاء التركيب، وأشهر هذه اللغات: اليابانية والتركية وبعض اللغات البدائية. ج- واللغة التحليلية: هي المصرفة التي تتغير أبنيتها بتغير المعاني وتحلل أجزاؤها المترابطة فيما بينها بروابط تدل على علاقاتها, ومن هذه اللغات: السامية، وفي طليعتها العربية، وأكثر اللغات الهندية، والأوربية. وأصحاب هذه النظرية يستدلون على مراحل التطور فيها بلغة الطفل ولغات الأمم البدائية، ويرون أن مرحلة التصريف والتنظيم مرحلة متأخرة في اللغات الإنسانية, ولكن هذا خطأ، فجميع الظواهر "العزل والإلصاق والتصريف" موجودة في مختلف الألسنة، ومن العسير أن تتجرد منها لغة من اللغات١. وقد حاول كثير من الباحثين أن يقارنوا بين الفصليتين الهامتين "السامية" و"الهندية والأوربية", والتوسع في هذا خارج عن نطاق بحثنا؛ فسنكتفي بإشارة عابرة إلى خصائص اللغات السامية تمهيدًا لبحث خصائص لغتنا العربية التي تفرعت عنها.

стр. 37

الفصل الثاني: لمحة تاريخية عن اللغات السامية الساميون ومهدهم الأول: يطلق العلماء اليوم على الشعوب الآرامية والفينيقيية والعبرية والعربية واليمنية والبابلية - الآشورية, لقب الساميين١, وكان العلامة الألماني شلوتزير Schlozer ٢ أول من استخدم هذا اللقب في إطلاقه على تلك الشعوب؛ وقد شاركه عالم ألماني آخر هو أيكهورن Eichhorn، في أو أوخر القرن الثامن عشر، بتسمية لغات هذه الشعوب "باللغات السامية٣". والتسمية لم تخترع اختراعًا، فهي مقتبسة من الكتاب المقدس الذي ورد

стр. 38

فيه أن أبناء نوح هم سام وحام ويافث، وأن القبائل والشعوب تكونت من سلالتهم١. ويبدو أن اللغات السامية قبل تفرقها كانت ترجع إلى أصل واحد، وتشكل شبه وحدة شعبية، إلّا أن من العسير جدًّا تعيين ذاك الأصل وتحديد هذه الوحدة؛ لأن المهد الأول للساميين ما يزال غامضًا مجهولًا، رغم أبحاث العلماء الكثيرة الواسعة الآفاق٢, وليس يعنينا هنا أن نعرض للآراء المتباينة بهذا الصدد، بل نتكفي بالإشارة إلى أن إرنست رينان الفرنسي٣ Ernest Renan, وبروكلمان الإلماني٤ Broc Kelmann, يرجحان أن الموطن الأول للشعب السامي هو القسم الجنوبي الغربي، من شبه الجريرة العربية٥. وفي دائرة الدراسات السامية حظيت لغتنا العربية بكثير من العناية، فكانت في نظر بعض الباحثين، وفي طليعتهم العلامة أولسهوزن Oishausen، أقدم اللغات السامية٦، وإن كان كثير من الفقهاء اللغة وعلماء الاستشراق يرفضون هذا الرأي ولا يستسيغونه. واللغات السامية -بوجه عام- تشترك في عدد من الخصائص الدالة على وحدة أصلها، فهي تمتاز عن سائر اللغات الأخرى بأن أصول كلماتها تتألف غالبًا من ثلاث أصوات ساكنة "ض ر ب" وإن كان بعض العلماء المحدثين يجنح إلى ثنائية الأصول السامية؛ كالأب مرمرجي الدمنيكي في

стр. 39

كتابه "هل العربية منطقية؟ أبحاث ثنائية ألسنية"١. والقائلون بثلاثية الأصول السامية يردون الرباعي منها إلى الثلاثي؛ فيردون دحرج مثلًا إلى دحر أو درج, لما فيهما من معنى الإبعاد والدفع, واللغات السامية تمتاز في دلالتها على المعنى الأصلي باعتمادها على حروف المباني، وفي تفرقتها بين المعاني المتكافئة باستخدامها حروف المعاني أو الحركات، نحو لفظ "م ل ك" فهو يدل على معنًى مشترك بين عدد من الكلمات التي تتألف من هذه الأصول الثلاثة، فمنه ملَكَ, مُلِكَ, مَلِكٌ, مُلْك, ملك, ... إلخ.

стр. 40

شجرة اللغات السامية: وإذا أردنا أن نصف شجرة اللغات السامية لنرى كيف تفرعت عنها لغتنا العربية، وكيف امتازت عن أخواتها بخصائص مستقلة, وجدنا تلك اللغات في أصل نشأتها تنقسم إلى شرقية وغربية، فالشرقية هي اللغات البابلية - الآشورية, أو الأكادية, كمال يسميها المحدثون من فقهاء اللغة, نسبة إلى بلاد أكاد Akkad" وكان الأقدمون يسمونها: "الإسفينة أو المسمارية" لأن الناطقين بها أخذوا الخط المسماري ذا الزوايا ecriture cuneifrme عن الشعب السومري, حين تدفقوا إلى منطقته في القسم الجنوبي من بلاد العراق, ويظن أن المتدفقين على تلك المنطقة كانوا من القبائل العربية التي توالت هجراتها منذ الألف الثالث قبل الميلاد على وجه التقريب "٣٠٠٠ سنة ق. م"١.
следующие страницы →