ب- واللغة الإلصاقية: هي لغة وصلية تمتاز بالسوابق prefixes واللواحق Suffixes, التي تربط بالأصل فتغير معناه, وعلاقته بما عداه من أجزاء التركيب، وأشهر هذه اللغات: اليابانية والتركية وبعض اللغات البدائية.
ج- واللغة التحليلية: هي المصرفة التي تتغير أبنيتها بتغير المعاني وتحلل أجزاؤها المترابطة فيما بينها بروابط تدل على علاقاتها, ومن هذه اللغات: السامية، وفي طليعتها العربية، وأكثر اللغات الهندية، والأوربية.
وأصحاب هذه النظرية يستدلون على مراحل التطور فيها بلغة الطفل ولغات الأمم البدائية، ويرون أن مرحلة التصريف والتنظيم مرحلة متأخرة في اللغات الإنسانية, ولكن هذا خطأ، فجميع الظواهر "العزل والإلصاق والتصريف" موجودة في مختلف الألسنة، ومن العسير أن تتجرد منها لغة من اللغات١.
وقد حاول كثير من الباحثين أن يقارنوا بين الفصليتين الهامتين "السامية" و"الهندية والأوربية", والتوسع في هذا خارج عن نطاق بحثنا؛ فسنكتفي بإشارة عابرة إلى خصائص اللغات السامية تمهيدًا لبحث خصائص لغتنا العربية التي تفرعت عنها.
стр. 37
الفصل الثاني: لمحة تاريخية عن اللغات السامية
الساميون ومهدهم الأول:
يطلق العلماء اليوم على الشعوب الآرامية والفينيقيية والعبرية والعربية واليمنية والبابلية - الآشورية, لقب الساميين١, وكان العلامة الألماني شلوتزير Schlozer ٢ أول من استخدم هذا اللقب في إطلاقه على تلك الشعوب؛ وقد شاركه عالم ألماني آخر هو أيكهورن Eichhorn، في أو أوخر القرن الثامن عشر، بتسمية لغات هذه الشعوب "باللغات السامية٣".
والتسمية لم تخترع اختراعًا، فهي مقتبسة من الكتاب المقدس الذي ورد
стр. 38
فيه أن أبناء نوح هم سام وحام ويافث، وأن القبائل والشعوب تكونت من سلالتهم١.
ويبدو أن اللغات السامية قبل تفرقها كانت ترجع إلى أصل واحد، وتشكل شبه وحدة شعبية، إلّا أن من العسير جدًّا تعيين ذاك الأصل وتحديد هذه الوحدة؛ لأن المهد الأول للساميين ما يزال غامضًا مجهولًا، رغم أبحاث العلماء الكثيرة الواسعة الآفاق٢, وليس يعنينا هنا أن نعرض للآراء المتباينة بهذا الصدد، بل نتكفي بالإشارة إلى أن إرنست رينان الفرنسي٣ Ernest Renan, وبروكلمان الإلماني٤ Broc Kelmann, يرجحان أن الموطن الأول للشعب السامي هو القسم الجنوبي الغربي، من شبه الجريرة العربية٥.
وفي دائرة الدراسات السامية حظيت لغتنا العربية بكثير من العناية، فكانت في نظر بعض الباحثين، وفي طليعتهم العلامة أولسهوزن Oishausen، أقدم اللغات السامية٦، وإن كان كثير من الفقهاء اللغة وعلماء الاستشراق يرفضون هذا الرأي ولا يستسيغونه.
واللغات السامية -بوجه عام- تشترك في عدد من الخصائص الدالة على وحدة أصلها، فهي تمتاز عن سائر اللغات الأخرى بأن أصول كلماتها تتألف غالبًا من ثلاث أصوات ساكنة "ض ر ب" وإن كان بعض العلماء المحدثين يجنح إلى ثنائية الأصول السامية؛ كالأب مرمرجي الدمنيكي في
стр. 39
كتابه "هل العربية منطقية؟ أبحاث ثنائية ألسنية"١. والقائلون بثلاثية الأصول السامية يردون الرباعي منها إلى الثلاثي؛ فيردون دحرج مثلًا إلى دحر أو درج, لما فيهما من معنى الإبعاد والدفع, واللغات السامية تمتاز في دلالتها على المعنى الأصلي باعتمادها على حروف المباني، وفي تفرقتها بين المعاني المتكافئة باستخدامها حروف المعاني أو الحركات، نحو لفظ "م ل ك" فهو يدل على معنًى مشترك بين عدد من الكلمات التي تتألف من هذه الأصول الثلاثة، فمنه ملَكَ, مُلِكَ, مَلِكٌ, مُلْك, ملك, ... إلخ.
стр. 40
شجرة اللغات السامية:
وإذا أردنا أن نصف شجرة اللغات السامية لنرى كيف تفرعت عنها لغتنا العربية، وكيف امتازت عن أخواتها بخصائص مستقلة, وجدنا تلك اللغات في أصل نشأتها تنقسم إلى شرقية وغربية، فالشرقية هي اللغات البابلية - الآشورية, أو الأكادية, كمال يسميها المحدثون من فقهاء اللغة, نسبة إلى بلاد أكاد Akkad" وكان الأقدمون يسمونها: "الإسفينة أو المسمارية" لأن الناطقين بها أخذوا الخط المسماري ذا الزوايا ecriture cuneifrme عن الشعب السومري, حين تدفقوا إلى منطقته في القسم الجنوبي من بلاد العراق, ويظن أن المتدفقين على تلك المنطقة كانوا من القبائل العربية التي توالت هجراتها منذ الألف الثالث قبل الميلاد على وجه التقريب "٣٠٠٠ سنة ق. م"١.
стр. 41
والغربية: تنقسم هي الأخرى إلى شعبتين: شمالية وجنوبية, وفي الشمالية: الكنعانية والآرامية.
أما الكنعانية: فهي لغة القبائل العربية التي نزحت على الأرجح من القسم الجنوبي الغربي من بلاد العرب، واستوطنت فلسطين وسورية وبعض جزر البحر الأبيض المتوسط، وكان ذلك حوالي الألف الثاني قبل الميلاد "٢٠٠٠ ق. م" وهي تشمل اللهجات التالية:
١- الأجريتية: وهي أقدم لغات المجموعة الكنعانية وأشهرها، اكتشفت نقوشها سنة ١٩٢٦ في رأس شمراء على الساحل السوري للبحر المتوسط, ويرتدّ تاريخها إلى القرن ١٤ ق. م. وعن هذه الأجريتية أخذ العالم الكتابة الأبجدية.
٢- الكنعانية القديمة: وقد جاءنا بعض مفرداتها في رسائل تل العمارنة "عاصمة مصر في عهد إخناتون". كانت مدونة باللغة الأكادية، وقد تبودلت بين ولاة مصر على فلسطين, وبين فراعنة ذلك العهد "أمنوفيس الثالث, وأمنوفيس الرابع, وإخناتون" في أواخر القرن الخامس عشر, والنصف الأول من القرن الرابع عشر "١٤١١-١٣٥٨" ق. م".
٣- المؤابية١: وهي لهجة المؤالبين الذين كانوا من نسل لوط بن أخي إبراهيم الخليل، كما جاء في العهد القديم, وقد عثر على نقشٍ مدوَّن بهذه اللهجة, هو نقش ملك المؤابين ميشع٢ Mesa، وفيه يصف انتصاره على ملك إسرائيل, وتاريخ هذا النقش لا يجاوز سنة ٩٠٠ ق. م.
٤- الفينيقية: وقد وصلت إلينا عن طريق بعض النقوش، وقطع النقود التي عثر عليها في أقدام المواطن الفينيقية "صور، صيدا، جبيل Byblos", ولقد رحلت اللهجة الفينيقية مع أصحابها خارج الوطن الأصلي حتى استقرَّ في حوض البحر المتوسط، ولا سيما في قرطاجنة, وكانت
стр. 42
اللهجة الشائعة في قرطاجنة هي البونية punique، وهي متفرعة عن الفينيقية، غير أن البونية قُدِّرَ لها أن تبقى حتى القرن الخامس بعد الميلاد، فعاشت عمرًا أطول من عمر أمها الفينيقية الأصلية, وأقدم النقوش الفينيقية إنما يرجع تاريخه إلى القرنين التاسع والعاشر ق. م.
٥- العبرية: وهي أهم اللهجات الكنعانية على الإطلاق، وقد وصلت إلينا عن طريق أسفار العهد القديم، وفي ثنايا بعض النقوش واللوحات الصخرية، وأحيانًا عن طريق تلاوة اليهود لآيات التوراة وبعض الأوراد, ونحن نقصد بالعبرية طبعًا عبرية العهد القديم، وهي تختلف اختلافًا عظيمًا عن العبرية الحديثة التي أصبحت لغة الآداب اليهودية المستحدثة.
هذه هي لهجات الكنعانية: الأجريتية، والكنعانية القديمة، والمؤابية، والفينيقية، والعبرية١.
وأما الآرامية: فيؤخذ من بعض الآثار الآشورية - البابلية, أن قبائلها قد هاجرت من الجزيرة أيضًا إلى أرض بابل وآشور, فيما بين القرنين الرابع عشر والثاني عشر قبل الميلاد، وقد كانت الآرامية من العنفوان والقوة بحيث استطاعت أن تفرض نفسها على جميع أخواته الشرقية والشمالية، حتى أضحت لغة التخاطب السائدة في الشرق الأدنى. وفي المرحلة الزمنية المحصورة بين سنتي ٣٠٠ق. م و٦٥٠ بعد الميلاد, كانت هذه اللغة الآرامية قد بلغت ذورة مجدها في جميع بلاد العراق من جهة، وفي سورية وفلسطين وما يجاروهما من جهة أخرى, ويقدر بعض فقهاء اللغة مساحة البلاد الناطقة بتلك اللغة في المرحلة المذكورة زهاء٦٠٠ ألف كيلومتر مربع, ولم يكن بد من أن تتشعب هذه اللغة إلى مجموعة من اللهجات، فشملت المجموعة الشرقية منها اللهجات السائدة في بلاد العراق، وشملت المجموعة الغربية منها اللهجات الباقية المستخدمة في سورية وفلسطين وشبه جزيرة سيناء٢.
стр. 43
العربية الجنوبية والعربية الشمالية:
لاحظنا حتى الآن أن الشعبة الأساسية الشمالية في اللغات السامية الغربية اشتملت على الكنعانية بجميع لهجاتها، وعلى الآرامية بجميع لهجاتها أيضًا، وقد آن لنا أن نعرف أن الشعبة الأساسية الأخرى في اللغات السامية الغربية -وهي الجنوبية- هي التي تشتمل على اللغتين العربيتين العظيمتين اللتين تعنينا دراستهما بوجه خاص: وهما العربية الجنوبية والعربية الشمالية.
والعلماء يطلقون على العربية الجنوبية اسم: "اليمنية القديمة", أو "القحطانية"، ويلقبها بعضهم أحيانًا "بالسبئية" تسميةً لها بإحدى لهجاتها الشهيرة التي تغلب عليها جميعًا في صراعها معها, وإن كثيرًا من النقوش المدونة على التماثيل والقبور والأعمدة والصخور والمذابح وجدران الهياكل والنقود, قد هدتنا إلى أصول هذه العربية الجنوبية القديمة، وإلى طريقة رسمها وأسلوب تعبيرها، فعرفنا منها أن هذه اللغة بلهجاتها المتعددة تختلف عن اللغة العربية الشمالية "التي هي المقصودة بالعربية عند الإطلاق" اختلافًا جوهريًّا أساسيًّا في القواعد النحوية، والمظاهر الصوتية، والدلالات المعنوية.
وأهم اللهجات العربية الجنوبية أربع: المعينية، والسبئية، والحضرمية،
стр. 44
والقتبانية١, ومعها اللغات السامية في الحبشة, ولو تأثر معظمها باللهجات الحامية.
ويراد "بالمعينية" اللهجة المنسوبة إلى المعينين Mineens, الذين أسسوا في بلاد العرب، في القسم الجنوبي من اليمن، مملكة قديمة, لا يعرف على وجه التحديد متى كانت نشأتها، وإن كانت بعض الدلائل تشير إلى تكونها حوالي القرن الثامن ق. م.
والسبئية: هي اللهجة المنسوبة إلى السبئين الذين أقاموا مملكتهم على أنقاض المملكة المعينية, ومن المعروف أن مدينة "مأرب" كانت عاصمة المملكة السبئية التي كان لها في التاريخ شأن عظيم, وقد ظلت السبئية سائدة في بلاد اليمن خلال المدة الطويلة التي قبض فيها السبئيون على زمام الحكم؛ بل لدينا من الآثار والنقوش ما يؤكد بقاء هذه اللهجة حتى في أثناء الحكم الحبشي الأول لهذه البلاد "بين سنتي ٣٧٥-٤٠٠ بعد الميلاد".
والحضرمية: هي اللهجة المنسوبة إلى حضرموت, التي استمرت أمدًا غير قليل تنازل سبأ الحكم والسلطان, وكانت حضرموت مملكة عظيمة ذات حضارة زاهرة، ولكن سبأ كانت أقوى منها فغلبتها على أمرها وأزالتها من الوجود.
والقتبانية: هي اللهجة المنسوبة إلى قتبنا Quataban، وهي مملكة عظيمة أنشئت في المنطقة الساحلية الواقعة شمال عدن، وكُتِبَ عليها أن تنقرض في أواخر القرن الثاني ق. م., بعد الحروب الكثيرة التي نشبت بينها وبين سبأ، وكان من نتائج هذه الحروب أن اندمجت القبائل القتبانية في السبئية التي غلبتها على أمرها.
والحبشة السامية: لغات أهمها الجعزية، والأمهرية، والتيجرية, وأقدم هذه
стр. 45
اللغات هي الجعزية, أو الحبشية القديمة, التي يرتد تاريخ آثارها إلى سنة ٣٥٠م.
وهي في بعض خصائصها قريبة من العربية, حلت محلها الأمهرية سنة ١٢٧٠, ثم باتت منذ القرن التاسع عشر لغة الحبشة الرسمية. أما التيجرية فهي شديدة الشبه بالجعزية, وإن لم تتفرع منها.
من هذا العرض السريع للهجات العربية الجنوبية, يتضح أن السبئية هي التي غلبتها جميعًا في صراعها معها، فقوضت قبائلها ملك المعينين، وأزالت ملك الحضارمة والقتبانين، وظلت لها السيادة في بلاد اليمن القديمة. وأكثر النقوش التي عُثِرَ عليها مدونة بهذه السبئية المتغلبة وجدت في منطقة العلا في الواحات الواقعة شمال بلاد الحجاز، ومنها ما عُثِرَ عليه في المناطق الشمالية المتاخمة لبلاد كنعان, والخط الذي كانت تدون به هذه النقوش هو المعروف "بالمسند" الذي تستند أكثر حروفه إلى ما يشبه الأعمدة، وهو خط هندسي الشكل لطيف منسق. ونذكر على سبيل المثال سطرًا من أحد النقوش السبئية ندونه بحروفنا العربية، ونترجمه إلى لغتنا، ليظهر الفرق العظيم بين العربية الجنوبية القديمة بسائر لهجاتها, وبين العربية الشمالية التي ما نزال ننطق بإحدى لهجاتها إلى يومنا هذا.
النقش السبئي ١:
"بمقم مراهيمو عشتر شرقرن واشمسهو والال تهمو وباخيل ومقيمت خميس".
الترجمة العربية: بمجد سيدتهم عشتروت المشرقة, وآلهتهم الشموس, وسائر الآلهة وبحول وقوة الخميس "الجيش".
أما العربية الشمالية: فإننا لا نكاد نعرف شيئًا عن نشأتها, والمراحل التي اجتازتها في عصورها الأولى، وهي قسمان: العربية البائدة التي لا يتجاوز أقدم ما وصلنا من نقوشها القرن الأول ق. م., والعربية الباقية التي لا تجاوز آثارها القرن الخامس بعد الميلاد.
стр. 46
العربية البائدة وأهم لهجاتها:
وواضح أن المراد من العربية البائدة عربية النقوش التي بادت لهجاتها قبل الإسلام، وهي التي ظهر على آثارها الطابع الآرامي، لبعدها عن المراكز العربية الأصلية بنجد والحجاز١، على حين يقصد بالعربية الباقية هذه اللغة التي ما نزال نستخدمها في الكتابة والتأليف والأدب، وهي التي وصلت إلينا عن طريق القرآن الكريم والسنة النبيوة والشعر الجاهلي.
وأهم اللهجات العربية البائدة ثلاث: الثمودية، والصفودية، واللحيانية.
فالثمودية: هي اللهجة المنسوبة إلى قبائل ثمود, التي جاء في القرآن ذكرها وذكر مساكنها في مواضع كثيرة, وتاريخ معظم النقوش المدونة بهذه اللهجة يعود إلى القرنين الثالث والرابع بعد الميلاد, ويبلغ تعداد هذه النقوش ما يزيد عن ألف وسبعمائة عُثِرَ عليها فيما بين الحجاز ونجد وفي شبه جزيرة سيناء وبالقرب من دمشق، وقد دونت بخط جميل أنيق مشتق من "المسند", يتجه من أعلى إلى أسفل، ولا يثبت على حال واحدة, وإذا أمعنَّا النظر في النقوش الصفوية, وجدنا فيها كلمات غير مألوفة في العربية, أخذت من العبرية والسريانية٢.
والصفوية: هي اللهجة المنسوبة إلى منطقة الصفا، وإن كانت نقوشها قد عثر عليها في مواطن مختلفة في الحَرَّةِ الواقعة بين تلول الصفا وجبل الدروز, ويبلغ عدد هذه النقوش حتى هذا التاريخ ما يزيد على ألفين،
стр. 47
ولعل تاريخ تدوينها يرجع إلى ما بين القرنين الثالث والسادس الميلاديين.
وقد حل معظم رموزها واكتشف حروفها الأبجدية المستشرق الألماني إنّو ليمان Enno Litmann١، ولاحظ أن خطها قريب من الثمودي، ولا يبعد أن يكون مشتقًا منه، إلّا أنه شديد التغير والاختلاف، فما يكاد يستقر على حالٍ واحدة، فهو تارةً يقرأ من الشمال إلى اليمن، وتارةً أخرى من اليمين إلى الشمال. وهذا التشابه بين الخطين الثمودي والصفوي, جعل بعض العلماء يطلقون على الخط القديم الذي يبدو فيه أثر النوعين كليهما اسم: "الخط الثمودي الصفوي" فإذا أرادوا التمييز والتفرقة قالوا: هذا خط ثمودي فقط، وهذا خط صفوي فقط.
واللحيانية: هي اللهجة المنسوبة إلى قبائل لحيان, التي يرجح أنها كانت تسكن شمال الحجاز قبل الميلاد, وقد عُثِرَ على نقوش كثيرة تذكر أسماء ملوك لحيان، وأغلب الاحتمالات أن تاريخ هذه النقوش يعود إلى ما بين سنة ٤٠٠ وسنة ٢٠٠ قبل الميلاد, والخط الذي دونت به مشتَقٌّ كذلك من المسند، غير أنه آنق، وألطف وأثبت نظامًا, وأكثر رونقًا من الخطين الثمودي والصفوي، فهو يكتب مستعرضًا من اليمين إلى الشمال.
ومع أنهذ المجموعة من اللهجات الثلاث: الثمودية، والصفوية، واللحيانية، لم تصل إلينا إلّا عن طريق نقوش قليلة الأهمية على كثرتها، ضحلة المادة على تنوعها، وامتازت بأمرين، أحدهما: أنها أقرب لهجات العربية البائدة إلى الفصحى، والآخر: أن الخط الذي دونت به ينبغي أن يعتبر المرحلة الأولى في تطور الخط العربي وانتشاره٢٣.
وقد عُثِرَ على نقوش يُسْتَأنَسُ بها على وجود شيء من التقارب بين العريبة البائدة والعربية الباقية, ومن أهمها نقشان؛ أحدهما مدون على قبر
стр. 48
صنعه كعب بن حارثة للقيض بنت عبد مناة، وهو مؤرخ سنة ٢٦٢ بعد دمار مملكة النبط، وفقًا لتاريخ مدينة بصرى، أي: حوالي سنة ٣٦٨ ميلادية؛ لأن حادثة تدمير المملكة النبطية وقعت سنة ١٠٦ بعد الميلاد, وإذا رأيت صورة هذا النقش١ وحللت رموزه بالعربية, وألحقت به أصوات المد أصبحت عبارته: "ذين للقيض بنت عبد مناة"، أي: هذا القبر للقيض بنت عبد مناة.
والنقش الثاني هو نقش النمارة Nemar، وهو قصر صغير للروم في الحَرَّة الشرقية من جبال الدروز, وقد دُوِّنَ هذا النقش سنة ٢٢٨م, في مدفن امرئ القيس بن عمرو ملك العرب، وهو من ملوك الحيرة الذين انتشر نفوذهم حتى بادية الشام, وهذا النقش على جانب من الأهمية عظيم؛ لأنه مدوّن بالخط النبطي المتأخر الذي يرتبط بعضه ببعض -خلافًا للخط النبطي القديم- فيشبه ممن هذه الناحية كثيرًا الخط الكوفي، ولذلك يرى أكثر العلماء أن الخط الكوفي منحدر من القبطي, والنقش يشتمل على خمسة أسطر, نقل ولفنسون صورتها في "تاريخ اللغات السامية٢, ومن المفيد الاطلاع عليها، لتتبع المراحل التي مَرَّ بها الخط العربي حتى انتهى إلى رسمه الحديث.
وبعد أن رجعنا البصر في هذه اللمحة التاريخية عن اللغات السامية، لم يسعنا أن نتغافل عن أواصر القربى بين تلك اللغات، بل وجدناها جميعًا في مناطق متقاربة، لم يبدل توالي العصور من مناطقها شيئًَا، كأنما كتب عليها أن تخلد خلود الشرق مطبوعة بطابعه، محذوة على مثاله، منذ ظهرت في العراق الآشورية البابلية, حتى برزت في جزيرة العرب العربية الشمالية.
стр. 49
ولم ننس بعد أن الكنعانية والعبرية ظهرتا في فلسطين وسورية وبعض جزر البحر الأبيض، وأن الآرامية والسريانية عاشتا في العراق وسورية وفلسطين، وأن كثيرًا من الباحثين جعل المهد الأول لهذه الشعوب السامية جزيرة العرب١.
وإن هذ التقارب الزمانيّ المكانيّ ليدل دلالة قاطعة على أن العربية فرع في هذه الفصيلة السامية، ولا يفصم العرى بين الأصل والفرع إلّا باحث متسرع، أو مكابر جحود.
стр. 50
الفصل الثالث: العربية الباقية وأشهر لهجاتها
لقد أوضحنا أن اللغة العربية الباقية هي التي ما نزال نستخدمها في الكتابة والتأليف والأدب, وهي التي وصلتنا عن طريق الشعر الجاهلي والقرآن الكريم والسنة النبوية؛ لذلك تنصرف إليها "العربية" عند إطلاقها, والواقع أن الإسلام صادف -حين ظهوره- لغة مثالية مصطفاة موحدة, جديرة أن تكون أداة التعبير عند خاصة العرب لا عامتهم، فزاد من شمول تلك الوحدة وقوّى من أثرها بنزول قرآنه بلسان عربي مبين هو ذلك اللسان المثالي المصطفى١، وكان تحدّيه لخاصة العرب وبلغائهم أن يأتوا بمثله, أو بآية من مثله, أدعى إلى تثبيت تلك الوحدة اللغوية، على حين دعا العامة إلى تدبر آياته وفقهها وفهمها، وأعانهم على ذلك بالتوسعة في القراءات، ومراعاة اللهجات، في أحرفه السبعة المشهورة٢.
стр. 51
والوحدة اللغوية التي صادفها الإسلام حين ظهوره، وقوّاها قرآنه بعد نزوله، لا تنفي ظاهرة تعدد اللهجات عمليًّا قبل الإسلام وبقاءها بعده، بل من المؤكد أن عامة العرب لم يكونوا إذا عادوا إلى أقاليمهم يتحدثون بتلك اللغة المثالية الموحدة، وإنما كانوا يعبرون بلهجاتهم الخاصة، وتظهر على تعابيرهم صفات لهجاتهم، وخصائص ألحانهم, قال ابن هشام١: "كانت العرب ينشد بعضهم شعر بعض، وكلٌّ يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها, ومن ههنا كثرت الروايات في بعض الأبيات٢".
ويبدو أن اللغوين الأقدمين لم يعرضوا للهجات العربية القديمة في العصور المختلفة عرضًا مفصلًا يقفنا على الخصائص التعبيرية والصوتية لهاتيك اللهجات؛ لأنهم شغلوا عن ذلك باللغة الأدبية الفصحى التي نزل بها القرآن، وصيغت بها الآثار الأدبية في الجاهلية وصدر الإسلام٣.
وهم -لشعورهم بعدم توفرهم على دراسة هذا الموضوع دراسة دقيقة عميقة- كانوا يتخلصون من اختلاف اللهجات بالاعتراف بتساويها جميعًا في جواز الاحتجاج بها، بعد الاكتفاء بإشارات عابرة مبثوثة في كتب
стр. 52
الرواية واللغة, إلى بعض تلك اللهجات. فهذا ابن جني١ على عنايته بدقائق الدراسة اللغوية لا يتردد في "خصائصه" في عقد فصل خاص حول ما سماه: "اختلاف اللغات وكلها حجة", وهو يقصد باللغات لهجات العربية المختلفة، وينصّ على جواز الاحتجاج به جميعًا، ولو كانت خصائص بعضها أكثر شيوعًا من خصائص بعضها الآخر, فيقول: "إلّا أن إنسانًا لو استعملها لم يكن مخطئًا لكلام العرب، لكنه يكون مخطئًا لأجود اللغتين؛ فأما إن احتاج إلى ذلك في شعر أو سجع, فإنه مقبول منه غير منعي عليه، وكذلك أن يقول: على قياس مَنْ لغته كذا كذا، ويقول: على مذهب مَنْ قال كذا كذا؛ وكيف تصرفت الحال؛ فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، وإن كان غير ما جاء به خيرًا منه"٢.
ومن يعترف بأن اللغات كلها حجة، لا يتعذر عليه أن يتصور اجتماع لغتين فصاعدًا في كلام الفصيح، فحين قال الشاعر:
فَظَلْتُ لدي البيت العتيق أخيلهو ... ومِطْوايَ مشتاقانِ لَهْ أرقانِ
لم يكن عسيرًا على ابن جني أن يرى في إثبات الواو في "أخيلهو", وتسكين الهاء في قوله: "لَهْ" لغة جديدة انضمت إلى لغة الشاعر الفصيح، فليس إسكان الهاء في "لَهْ" عن حذفٍ لحق بالصنعة الكلمة،
стр. 53
لكن ذاك لغة! "١.
ومثل هذا الفصيح الذي يجتمع في كلامه لغتان فصاعدًا, ينصح ابن جني بتأمل كلامه، "فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال، كثرتهما واحدة، فإن أخلق الأمر به أن تكون قبيلته تواضعت في ذلك المعنى على تينك اللفظتين؛ لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليه في أوزان أشعارها، وسعة تصرف أقوالها"٢؛ وهكذا ينقل ابن جني تنوع الاستعمال من الفرد إلى القبيلة، أو قل: من الانحراف الشخصي إلى العرف الجماعي؛ تهربًا من الاعتراف بشذوذ الفرد، ما دام فصيحًا!!
وهذا التهرب واضح في دفاع ابن جني عن الفصيح, حين تكون إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من صاحبتها، فهو يرى حينئذ أن التي كانت أقلَّ استعمالًا "إنما قلَّت في استعماله لضعفها في نفسه, وشذوذها عن قياسه، وإن كانت جميعًا لغتين له ولقبيلته"٣؟. ويستشهد على ذلك بحكاية أبي العباس عن عمارة قراءته ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ بنصب النهارَ, وأن أبا العباس قال له: ما أردت؟ فقال: أردت سابقٌ النهارَ, فعجب أبو العباس لم لم يقرأه عمارة على ما أرداه فقال له: فهلّا قلته؟ فقال عمارة: لو قلته لكان أوزن: أي أقوى!
والنتيجة المنطقية لهذه المقدمات أن تتساوى اللغتان القوية والضغيفة في كلام الفصحاء، فهم "قد يتكلمون بما غيره عندهم أقوى منه، وذلك لاستخفافهم الأضعف؛ إذ لولا ذلك لكان الأقوى أحق وأحرى٤.
стр. 54
فلا ضير إذن أن يقول الشخص الواحد في المسمَّى الواحد: رُغوة اللبن, ورَغوته، ورِغوته، ورُغاوته، ورِغايته، ورُغايته, فـ "كلما كثرت الألفاظ على المعنى الواحد كان ذلك أولى بأن تكون لغات لجماعات اجتمعت لإنسان واحد، من هنا وهناك"١.
وأطرف من ذلك كله أنه يخلص ابن جني إلى تداخل اللغات وتركّبها، فيصم بضعف النظر وقلة الفهم كل من يفسر هذا التداخل بالشذوذ، أو ينسبه إلى الوضع في أصل اللغة٢، ولا يتردد في الاحتجاج لثبوت تركب اللغات بحكاية يرويها عن الأصمعي٣ أنه قال: "اختلف رجلان في الصقر، فقال أحدهما: "الصقر" بالصاد، وقال الآخر: "السقر" بالسين، فتراضيا بأول وراد عليهما، فحكيا له ما هما فيه، فقال: لا أقول كما قلتما, إنما هو "الزقر! ", ويعلق ابن جني على هذا بقوله: "أفلا ترى إلى كل واحد من الثلاثة، كيف أفاد في هذه الحالة، إلى لغته لغتين أخريين معها؟ وهكذا تتداخل اللغات! "٤.
وابن فارس٥ نظر إلى هذا الموضوع أيضًا من خلال المنظار نفسه،
стр. 55
فبعد أن ذكر صورًا متباينة من اختلاف لغات العرب، وصرَّح بأنها "كانت لقوم دون قوم" لم يرتب في تداولها على ألسنة العرب، على ما كان في بعضها من اللغات الضعيفة، "فإنها لما انتشرت تعاورها كلٌّ"١. فهل على أبي حيّان٢ من حرج بعد هذا إذا رأى أن "كل ما كان لغةً لقبيلة قيس عليه"؟ ٣.
وعلى هذا الأساس من تساوي جميع اللهجات العربية في جواز الاحتجاج بها، لم تكن ثمة بواعث قوية تحمل القدامى على العناية باللهجات عناية خاصة، فوقعوا في كثير من التناقص حين استنبطوا قواعدهم النحوية والصرفية من كل ما روي عن القبائل، وأقحموا على الفصحى خصائص اللهجات المتباينة بوجوهها المتعددة، ولم يصدروا -كما قال الأستاذ سعيد الأفغاني- في تنسيق شواهدهم عن خطة محكمة شاملة؛ فأنت تجد في البحث من بحوثهم قواعد عدة، هذه تستند إلى كلام رجل من قبيلة أسد، وتلك إلى كلام رجل من تميم، والثالثة إلى كلمة لقرشيّ, وتجد على القاعدة تفريعًا دعا إليه بيت لشاعر جاهلي، واستثناء مبنيًّا على شاهد واحد اضطر فيه الشاعر إلى أن يركب الوعر حتى يستقيم له وزن البيت!! "٤. ومنشأ هذا كله خلطهم بين اللغة الأدبية المثالية الموحدة, التي هي لغة الخاصة, وبين لهجات التخاطب العامة لدى القبائل الكثيرة المشهورة، على حين أنَّ شرط اللغة هو الاطراد والتوحيد في الخصائص٥.
стр. 56
ويزداد الأمر تعقيدًا بعد ذلك، فتدرس اللهجات في ضوء ما وضعه النحاة من القواعد والمقاييس، ويحكم عليها -مع تنوع أصولها- من وجهة نظر واحدة, هي مطابقتها أو مخالفتها لهاتيك القواعد، كما فعل الهمذاني "٣٣٤ " في "صفة جزيرة العرب١".
والحق أن العرب -ككل شعوب العالم- كانوا قبل الإسلام وبعده منقسمين إلى فئتين؛ فئة الخاصة التي كانت تتطلع إلى صقل لغتها وتحسينها، فتسمو في تعابيرها إلى مستوى أرفع من مستوى التخاطب العادي، وفئة العامة التي كانت تكتفي بحظ قليل من فصاحة القول وبلاغة اللتعبير، وتمضي تبعًا لتقاليدها الخاصة وبيئاتها الجغرافية الخاصة إلى الاستقلال في صياغة جملها وتركيب مفرداتها ولحن أصواتها٢. ومما لا ريب فيه أن البيئة الحضرية في مكة والمدينة كانت بضرورة الحال تختلف لهجاتها عن لهجات البيئات البدوية المنعزلة التي لا تكاد تستقر على حال, فمهما تكن اللغة العربية قد صُقِلَت وتوحدت قبل الإسلام، ومهما تكن وحدتها قد قويت وتمت بعد الإسلام، لا يسعنا أن نتصورها إذ ذاك إلّا مؤلفة من وحدات لغوية مستقلة منعزلة, متمثلة في قبائلها الكثيرة المتعددة٣. على أن الكتب التي عرضت لتلك اللهجات كثيرًا ما تغفل أسماء قبائل معينة تنسب إليها لهجةٌ ما، ومن خلال الكتب المذكورة -على ندرتها- نستنتج أن أشهر القبائل التي تورى لها لهجات خاصة تختلف عن اللغة الأدبية المثالية اختلافًا ذا بالٍ هي: تميم وطيئ وهذيل، وهي جميعًا قبائل معروفة بالفصاحة، بدوية ضاربة في أنحاء الصحراء.
стр. 57
ومع كثرة من ينتمي إلى هذه القبائل من الشعراء يلاحظ أن أحدًا من رجال الطبقة الأولى لم ينسب إليها، وإنما كان المنتسبون إليها من الجاهليين مقلِّين، لا يروى عنهم إلا النزر اليسير, فمن التميميين أوس بن حجر، وسلامة بن جندل، وعلقمة بن عبدة، وعديّ بن زيد، وعمرو بن الأهتم، والبرَّاق بن رَوْحَان، والأسود بن يعفر, ومن الطائيين حاتم الطائي، وأبو زبيد الطائي، وإياس بن قبيصة, ومن الهذليين: أبو ذؤيب الهذلي، وعامر بن حُلَيْس، وخويلد بن خالد.
وإذا آثرنا عدم التوسع في اللهجات -حتى لا يطول بنا البحث كثيرًا والمقام لا يسمح له- فإن أقصى ما يُغْتَفَرُ لنا الاقتصار عليه من لهجات العربية الباقية مجموعتان رئيستان عظيمتان، إحداهما حجازية غربية أو كما تُسَمَّى أحيانًا "قرشية", والأخرى نجدية شرقية, أو كما تدعى أحيانًا "تميمية"، فهذه القسمة الثنائية الرئيسة للهجات العربية الباقية, هي الحد الأدنى لتلك المجموعة الواسعة من الوحدات اللغوية المنعزلة المستقلة. وليستحيلنَّ علينا بدون هذه القسمة أن نعلل تعليلًا علميًّا صحيحًا وجود تِعْلم ونِعْلم بكسر حرف المضارعة إلى جانب تَعْلم ونَعْلم، ووجود حُمْر وجُمْعة إلى جانب حُمُر وجُمُعة، ووجود حَقِدَ يَحْقَدُ إلى جانب حَقَدَ يَحْقِدُ، ووجود مَدْيون إلى جانب مَدِين، ومُرْيَة ومِرْيَة، وهيهات وأيهات٢، وأمثال ذلك أكثر مما نتصور، والخلاف حوله في أصل لهجتي قريش وتميم أوسع نطاقًا مما نُقَدِّرُ أو نستشعر, وسنرى أن لهجة قريش، التي جعلتها العوامل السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية اللغة العربية الفصحى المقصودة عند
стр. 58
الإطلاق، لم تكن في جميع الحالات أقوى قياسًا من لهجة تميم؛ بل كثيرًا ما تفوقها في بعض ذلك تميم، ولكنها -أي القرشية- باعتراف من جميع القبائل وبطواعية واختيار من مخلتف لهجاتها، كانت أغزرها مادةً، وأروقها أسلوبًا، وأغناها ثروة، وأقدرها على التعبير الجميل الدقيق الأنيق في أفانين القول المختلفة؛ "فقد ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، وكشكشة ربيعة، وكسكسة هوازن، وتضجع قيس، وعجرفية ضبة، وتلتلة بهراء"١. ولقد أكد الفراء٢ صفاء لغة قريس, وأوضح أسرار ذلك الصفاء بقوله: "كانت العرب تحضر الموسم في كل عام، وتحج البيت في الجاهلية، وقريش يسمعون لغات العرب فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به، فصاروا أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ"٣, لذلك اصطنعت لغة قريش وحدها في الكتابة والتأليف والشعر والخطابة، فكان الشاعر من غير قريش يتحاشى خصائص لهجته، ويتجنب صفاتها الخاصة في بناء الكلمة وإخراج الحروف وتركيب الجملة، ليتدث إلى الناس بلغة ألفوها، وتواضعوا عليها، بعد أن أسهمت عوامل كثيرة في تهذيبها وصقلها.
وفي كتب اللغة إشارات إلى بعض المذموم من لهجات العرب؛ من ذلك الكشكشة, وهي في ربيعة ومضر، يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شيئًا، فيقولون: رأيتكش، وبكش وعليكش، فمنهم من يثبتها حالة الوقف فقط، وهو الأشهر، ومنهم من يثبتها في الوصل أيضًا، ومنهم من يجعلها مكان الكاف ويكسرها في الوصل ويسكّنها
стр. 59
في الوقف، فيقول: مِنْش وعَلَيْش١. وفي ذلك أنشد قائلهم:
فعيناشِ عيناها، وجيدشِ جيدُها ... ولونُشِ، إلا أنها غيرُ عاطلِ٢
ومن ذلك الفحفحة في لغة هذيل، يجعلون الحاء عينًا٣.
ومن ذلك الطُمْطُمانية في لغة حِمْيَر؛ كقولهم: طاب امهواء, أي: طاب الهواء٤.
ومن ذلك: العَجْعَجة في لغة قضاعة، يجعلون الياء المشددة جيمًا، يقولون، في تميميّ: تميمج٥, وقال أبو عمرو بن العلاء٦: قلت لرجل من بني حنظلة: ممن أنت! قال: فُقَيْمجّ, فقلت: من أيهم؟ قال: مُرِّج، أراد فُقَيْميّ ومُرّيّ٧, ولذلك اشتهر إبدال الياء جيمًا ملطقًا في لغة فقيم, حتى أنشد شاعرهم:
خالي عُوَيْفٌ وأبو عَلجِّ ... المطعمان اللحم بالعشجِّ
وبالغداة فلق البرنجّ٨
стр. 60
ومن ذلك شنشنة اليمن؛ تجعل الكاف شينًا مطلقًا كلبّيش اللهم لبَّيْشَ، أي: لبيك١.
ولخلخانيّة أعراب الشّحْر وعُمان، كقولهم: مشا الله كان, أي: ما شاء الله كان٢.
وعنعنة تميم، تقول في موضع أن: عن, أنشد ذو الرمة:
أعَنْ ترسّمت من خرقاء منزلة٣.
فلو أن شاعرًا ضمَّن شعره شيئًا من كشكشة ربيعة, أو طمطمانية حمير, أو عجعجة قضاعة، وغدا ينشده في بعض أسواق العرب لغلبوه على أمره بالمكاء والتصدية، ولصيروه أضحوكة من التهكم به والتندر عليه, ولكي تتصور مثل هذا الموقف تخيل رجلًا يكشكش الكافات في قول امرئ القيس من معلقته:
أغركِ مني أن حبكِ قاتلى ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
فهو سينشد البيت هكذا:
أغرَتَشْ مني أن حبتْشِ قاتلي ... وأنتشِ مهما تأمري القلب يفعل
وتخيل رجلًا آخر يطمطم لامات التعريف، فيسأل الرسول العربي ﷺ : هل من امبر امصيام في امسفر؟ يقصد: هل من البر الصيام في السفر، فيضطر ﵇ لاستخدام لغته ليفهمه الحكم الشرعي فيجيبه "ليس من امبر امصيام في امسفر"٤.
стр. 61
ثم تخيل رجلًا ثالثًا يجعجع الياءات المسبوقة بالعينات، فيقول: "الرّاعج خرج معج" بدلًا من "الراعي خرج معي".
فلا غرو بعد هذا كله إذا نزل القرآن بلغة العرب المثالية، وبارك توحّدها، وسما بها إلى الذروة العليا من الكمال, بعد أن كانت لهجة محدودة لإحدى قبائل العرب١، ولا عجب إذا اقتصر على تحدّي خاصة العرب القادرين على التعبير بتلك اللغة الموحدة، ثم لا غرابة أخيرًا إذا تعددت وجوه قراءاته تخفيفًا على القبائل، وحلًّا لمعضلة تباين اللهجات.
стр. 62
الفصل الرابع: لهجة تميم وخصائصها
لقد أتيح للغة قريش أن تتبوأ المكانة الأولى بين اللهجات العربية الشمالية، فأصبحت هي الفصحى المقصودة عند الإطلاق، وكان على اللغويين القدامى أن يعنوا بها عناية خاصة، ويفضلوا نطقها ورسمها وإعرابها ووضعها واشتقاقها، فلم تحظ اللهجات العربية الباقية منهم إلّا بالقليل من أبحاثهم. فلندع الحديث عن لهجة قريش جانبًا، فقد أشبعها علماؤنا بحثًا، وقد زادها نزول القرآن بها مكانة ومجدًا؛ ولندرس لهجة تميم بين مجموعة اللهجات النجدية الشرقية؛ لنحاول إلقاء بعض الأضواء عليها، وكشف الغموض الذي يكتنف بعض خصائصها ومزاياها.
إن في المصادر القديمة والمعجمات اللغوية ما يشير إلى أن كثيرًا من قواعد اللهجة التميمية أقوى قياسًا من بعض القواعد القرشية، بل فيها ما يكاد الباحث يستنتج منه باطمئنان أن لهجة تميم كانت في كثير من
стр. 63
مفرداتها وتراكبيها هي التبي ينطق بها غالبًا أبناء اللغة العربية, فهذا سيبويه١ يذكر كيف يراعي التميميون القياس في كسر أوائل الأفعال المضارعة، ويقرر بوضوح أن "ذلك في لغة جميع العرب إلّا أهل الحجاز"؛ ويؤكد ابن منظور٢ في "لسان العرب"٣ نسبة هذا القول إلى سيبويه في العبارة الآتية: "وزعم سيبويه أنهم يقولون: تَقَى الله رجلٌ فعل خيرًا، يريدون: اتَّقى الله رجل، فيحذفون ويخففون, وتقول أنت: تَتَّقِي الله، وتِتَّقى الله، على لغة من قال تَعْلم وتِعْلم.
وتِعْلم -بالكسر- لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وعامة العرب, وأما أهل الحجاز وقوم من أعجاز هوازن وأزد السراة وبعض هذيل فيقولون: تَعْلم, والقرآن عليها. قال: وزعم الأخفش٤ أن كل من ورد علينا
стр. 64
من الأعراب لم يقل إلّا تِعلم, قال: نقلته من نوادر أبي زيد"١.
وفي الباب الذي يعقده ابن جني في "خصائصه" لتعارض السماع والقياس، يعترف بأن التميمية أكثر مراعاة للقياس من القرشية، ويبين الفرق بين ما كان أقوى قياسًا وما كان أكثر استعمالًا، فيقول: "وإن شذَّ الشيء في الاستعمال وقوي في القياس, كان استعمال ما كثر استعماله أولى، وإن لم ينته قياسه إلى ما انتهى إليه استعماله". من ذلك اللغة التميمية في "ما", هي أقوى قياسًا وإن كانت الحجازية أيسر استعمالًا، وإنما كانت التميمية أقوى قياسًا؛ من حيث كانت عندهم كـ"هَلْ"، في دخولها على الكلام مباشرة، كل واحد من صدري الجملتين الفعل والمبتدأ، كما أن "هَلْ" كذلك إلّا أنك إذا استعملت أنت شيئًا من ذلك فالوجه أن تحمله على ما كثر استعماله، وهو اللغة الحجازية، ألا ترى أن القرآن بها نزل! وأيضًا فمتى رابك في الحجازية ريب من تقديم خبر, أونقضٍ لنفي، فزعت إذا ذاك إلى التميمية، فكأنك من الحجازية على حرد, وإن كثرت في النظم والنثر"٢.
وهذا الذي ذكره ابن جني عن "ما" التميمية, وكونها أقوى قياسًا من الحجازية، وهي فوارق ذات بال، يحسن أن تجمع وينبه عليها, فمن المعلوم أن النحاة يقسمون ما "النافية" إلى حجازية وتميمية، فالخبر في الحجازية منصوب، بينما هو في التميمية مرفوع، والقرآن في قوله "ما هذا بشرًا"٣ جاء طبعًا على لهجة الحجاز, ويقرب من هذا الخلاف
стр. 65
الإعرابي ما دار حول خبر ليس، إذا اقترن "بإلا"؛ فتميم ترفع هذا الخبر حملًا "لليس" على "ما النافية" على حين تنصبه قريش إطلاقًا، ويروون في هذا قصة لا ندري أصحيحة هي أم موضوعة, ولكنها على كل حال صورة واضحة للجدل العلمي حول بعض المعضلات اللغوية؛ ففي "أمالي" القالي١: "حدثنا أبو بكر بن دريد٢, حدثنا أبو حاتم٣ قال: سمعت الأصمعي يقول: جاء عيسى بن عمر الثقفي٤ ونحن عند أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو، ما شيء بلغني عنك تجيزه؟ قال: وما هو؟ قال: بلغني أنك تجيز "ليبس الطيب إلّا المسكُ" بالرفع, قال أبو عمر: ذهب بكم يا أبا عمرو! نمت وأدلج الناس، ليس في الأرض حجازيّ إلّا وهو ينصب، ولا في الأرض تميمي إلّا وهو يرفع, ثم قال أبو عمرو: قم يا يحيى -يعني اليزيدي- وأنت يا خلف -يعني: خلفًا الأحمر- فاذهبا إلى أبي المهديّ فلقناه الرفع, فإنه لا يرفع، واذهبا إلى أبي المنتجعه فلقناه النصب فإنه لا ينصب, قال: فذهبا فأتيا أبا المهديّ، فإذ هو يصلي؛ فلما قضى صلاته التفت إلينا وقال: ما خطبكما؟
стр. 66
قلنا: حئنا نسألك عن شيء من كلام العرب, قال: هاتيا، فقلنا: كيف تقول ليس الطيبُ إلّا المسكُ؟ فقال: أتأمراني بالكذب على كبرة سني؟ فأين الجادي١؟ وأين كذا؟ وأين بَنَّة٢ الإبل الصادرة؟ فقال له خلف: ليس الشرابُ إلا العسلُ٣، فقال: فما يصنع سودان هجر؟ ما لهم شراب غيرُ هذا التمر. قال اليزيدي: فلما رأيت ذلك منه قلت له: ليس ملاكُ الأمر إلّا طاعةُ الله والعمل بها، فقال: هذا كلام لا دخيل فيه، ليس ملاكُ الأمر إلا طاعةَ الله، فقال اليزيدي: ليس ملاكُ الأمر إلّا طاعةُ الله والعمل بها، فقال: ليس هذا لحني, ولا لحن قومي. فكتبنا ما سمعنا منه, ثم أتينا أبا المنتجع فأتينا رجلًا يعقل, فقال له خلف: ليس الطيبُ إلّا المسكَ، فلقناه النصب وجهدنا به فلم ينصب, وأبى إلّا الرفع، فأتينا أبا عمرو فأخبرناه وعنده عيسى بن عمر لم يبرح، فأخرج عيسى خاتمه من يده وقال: ولك الخاتم بهذا، والله فقت الناس! ".
وإن أقل ما ترمز إليه هذه القصة -سواء أصورت خقيقة ما حدث, أم لخصت الصراع اللغوي بين النحاة- أن لكل قبيلة عربية لحنًا خاصًّا لا تستطيع سواه، ويستحيل تلقينها غيره؛ لأن ألسنتها لا تجري إلّا به, ولقد آثر العلماء أن يعدوا الخلاف حول هذه القضايا منتهيًا، ويردوا بها التأويلات المتكلفة، فقال أبو حيان: "إنما يسوغ التأويل إذا كان الجادة على شيء، ثم جاء شيء يخالف الجادة فيتأول؛ أما إذا كان لغة طائفة من العرب لم يتكلم إلّا بها فلا تأويل, ومن ثَمَّ
стр. 67
رد تأويل أبي علي قولهم: "ليس الطيبُ إلا المسكُ" على أن فيها ضمير الشأن؛ لأن أبا عمرو نقل أن ذلك لغة بني تميم"١.
ولا مدافعة في أن اللحن الخاص يتعذر تركه في تمييز كم الخبرية، فإنه منصوب وجوبًا في لهجة تميم، فهي تقول: كم حربًا خضت، وكم فارسًا جندلت؛ بينما يقول الحجازيون: كم حربٍ وكم فارسٍ.
وهذا يفسر لنا ما دار من الجدل النحوي العقيم حول بيت الفرزدق -وهو كما نعلم تميمي:
كم عمة لك يا جرير وخالة.
فإن من رواه بالنصب لاحظ أن الفرزدق إنما لحن بلحن قومه, ومن رواه بالجر أراد أن يؤكد أن جميع الشعراء، من أية قبيلة كانوا، يلتزمون النطق بلهجة قريش؛ لإيمانهم بأنها أفصح اللهجات العربية٢.
على أننا -بلا ريب- ما كنا لنعرف بعض الفروق بين لهجتي الحجاز وتميم لولا التزام بعض التميمين لحنهم الخاص لدى نطقهم بألفاظ معينة.
من ذكل أن لهجة تميم تنبر الهمزة, أي: تحققها وتلتزم النطق بها -يشاركها في ذلك أكثر البدو- على حين يسهل الحجازيون الهمزة ولا ينبرونها إلّا إذا أرادوا محاكاة التميميين استلطافًا لهذه الصفة الحلوة من صفات لهجتهم, قال أبو زيد: "أهل الحجاز وهُذَيْل وأهل مكة والمدينة لا ينبرون، وقف عليها عيسى بن عمر فقال: ما آخذ من قول تميم إلّا بالنبر، وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا"٣.
стр. 68
ومعنى نبر الحجازين عند الاضطرار، خروجهم من سليقتهم في تسهيل الهمزة في غير لهجات خطابهم العادية، لشهورهم بأن تحقيق الهمزة في الأساليب الأدبية من شعر وخطابة أقرب إلى الفصاحة من تسهيلها, وجاء نزول القرآن بنبر الهمزة دليلًا على أن اللغة المثالية كانت قبل الإسلام قد استحسنت في هذا لحن تميم فاقتبسته واتخذته صفة من صفات نطقها الفصيح, ولكن الإسلام -جريًا على عادته في التخفيف على القبائل ومراعاة لهجاتها- لم يلزم أحدًا بتحقيق الهمزة, وإن التزمه في الوحي، فمالت قراءات أكثر الحجازيين إلى التسهيل لا النبر، كما هي الحال في قراءة نافع وأبي جعفر من أشهر قراء المدينة١، فإنهما يقرآن: "وَبِسَ الْمِهَادُ"٢, "وَأَصْبَحَ فُوادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا"٣, "خَاسِيًا وَهُوَ حَسِيرٌ"٤, "وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ ~لَهٍ"٥.
وفي بعض القراءات الشاذة غلو في نبر الهموزة في مثل "رَبِّ الْعَألَمِين"٦, بل تجاوز القراء الحدود حين قرءوا بهمزة مفتوحة مثل: "كَعَصْفٍ مَأكُول"٧، وبهمزة قبل الحرف المشدد في "وَلا الضَّألِّين"٨.
стр. 69
ولا ينقضي عجبك من قول العكبري١ في هذه القراءة الشاذة: "وهي لغة مسموعة من العرب! "٢.
والحق أن الذي سمع من العرب في باب الهمزة -على تنوعه تبعًا لتنوع القبائل ولهجاتها- لم يكن فيه مثل هاتيك الصورة الشاذة التي ذكرها العكبري وأضرابه على سبيل الإغراب حتى بالغوا فيها، وإلّا فكيف صحَّ لعماء اللغة أن يكشتفوا الفروق بين ما يهمز، فيكون له معنى، وما لا يهمز فيختلف معناه؟ ٣ وما الذي يسوغ لهم أن يحكموا بأن بعض ما همز ليس أصله الهمز؟ ٤ أو أن بعض ما تركت العرب همزه أصله الهمز؟ ٥.
стр. 70
أنهم بلا ريب -في باب الهمزة- قد بنوا قواعدهم على الاستقراء الدقيق، فتحدثوا عما همزه بعض العرب وترك همزه بعضهم، وإن كان الأكثر الهمز١ وعما يقال بالهمز مرة وبالواو أخرى٢, وذلك يؤكد انبناء مقاييسهم على نصوص ووثائق لا سبيل إلى مدافعتها, وأقل ما يستنتج من هذا أن الخلاف الذي قام حول النبر والتسهيل لم يذهب بحسنات النبر, ولو كان لهجة لتميم لا لقريش، بل فضل العلماء المحققون على تسهيل الحجازيين نبر التميميين، آخذين بالقرآن، متأثرين بصنيعه.
ويخل إلى الباحث أن لقب "أهل التحقيق" الذي أطلقه ابن سيده٣ على محققي الهمزة من بني تميم وأهل الحجاز، ليس مرادفًا للقب "أهل النبر" في نظره حين قال: "اعلم أن الهمزة التي يحقق أمثالها أهل التحقيق من بني تميم وأهل الحجاز, وتجعل في لغة أهل التخفيف بين بين قد يبدل مكانها الألف.."٤؛ بل يرادف هذا الاسم في نظره "أهل الصواب والحق"؛ لأنه لم يكن يجهل أن تحقيق الهمزة بمعنى "نبرها" لم يك شائعًا لدى الحجازين عامة، وإنما عرفه منهم المحققون الذين استلطفوا
стр. 71
فيه لهجة تميم١.
ومن الفروق بين تميم وقريش أن تميمًا تجنح كثيرًا إلى إدغام المثلين أو الحرفين المتجاورين المتقاربين، فالأمر من "غض" مثلًا في لغة أهل الحجاز "اغضض" بالفك، وفي التنزيل ﴿اغْضُضْ مِنْ صَوْتِك﴾ ٢ أي: اخفض الصوت.. وأهل نجد يقولون: "غض صوتك" بالإدغام, ومن ذلك قول جرير، وهو كما نعلم تميمي:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا٣
وتميم تقول: ﴿إِنْ تَمْسَّكُمْ حَسَنَة﴾ ٤، ﴿وَمَنْ يَحْلّ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾ ٥ ﴿ولا تمن تستكثر﴾ ٦، وهي جميعًا في القرآن بلهجة قريش مفكوكة الإدغام٧، ومن ذلك أن بني تميم لما أرداو إسكان عين معهم كرهوه٩، فأبدلوا الحرفين حائين وقالوا: "محم" وأصلها "مححم"، فرأوا ذلك أسهل من الحرفين المتقاربين٨.
وإذا كانت الأمثلة السابقة كلها مما اتحد فليه الحرفان وتماثلا, فلم يستغرب فيها الإدغام، ففي قول تميم "فُزْدُ" بالدال عوضًا عن
стр. 72
"فزت" بالتاء ظاهرة مدهشة تستحق الاهتمام، لأن تميمًا قد استعاضت بحرف مجهور هو الدال عن حرف مهموس هو التاء، بسبب التجاور الصوتي بين الحرفين، فكلاهما حرف نطعي؛ وشبيه بذلك قول التميميين: "وَدَّ" بدلًا من "وَتِد" فسكنوا التاء وأدغموها في الدال أيضًا؛ لأنهما من مخرج واحد٢.
كان طبيعيًّا إذن أن ينتهي ابنج جني إلى أن عملية الإدغام ليست أكثر من "تقريب صوت من صوت"٣، وأن يلاحظ في لمتقاربين ضرورة التقائهما "على الأحكام التي يسوغ معها الإدغام، فيقلب أحدهما إلى لفظ صاحبه فتدغمه فيه، وذلك مثل: وَدَّ في اللغة التميمية، وامَّحى, وامَّاز, واصَّبر, واثاقل عنه، والمعنى الجامع لهذا كله تقريب الصوت من الصوت! "٤.
وطريقة معالجة تميم لبعض الأفعال والأسماء والحروف والصيغ تختلف اختلافًا واضحًا عن طريقة قريش.
أ- فإذا فتحت قريش عين الفعل الماضي فقالت: زَهَد، حَقَد، كسرتها تميم غالبًا, فآثرت أن تقول: زَهِدَ، حَقِدَ٥. وإذا ضمت قريش عين المضارع فقالت: يَفْرُغُ فرُوغًا, إذا بتميم تفتحها وتقول: يَفْرَغُ فراغًا٦، ويلاحظ هنا أن مصدري الفعلين قد اختلفا باختلاف
стр. 73
اللهجتين, وهذا يفسر لنا الوجوه المتعددة في الفعل الثلاثي الواحد؛ من ناحية حركة عينه في صيغتي الماضي والمضارع, فسبب جواز أكثر من وجه في الفعل الواحد مرده في الأصل إلى اختلاف اللهجات١.
ومن الاختلاف في الفعل أن قريشًا تقول: برأت من المرض فأنا براء، وتميمًا تقول: برئت فأنا بريء, كما هي لغة سائر العرب، واللغتان في القرآن٢. أهل الحجاز: ذأى البقل يذأى, ولغة نجد ومنها تميم: ذوى يذوي. أهل الحجاز: قلوت البُرَّ وكل شيء يقلى فأنا أقلوه قلوًا، وتميم: قليت البُرَّ فأنا أقليه قليًا، وهذ إذا كانوا لا يريددون بمادة "ق ل ي" معنى البغض، أما إذا أرادوه فهم جميعًا في التعبير عنه سواء, فيقولون: قليت الرجل فأنا أقليه قِلىً٤.
والحجاز: لات الشيء يليته, إذا نقصه حقه، وتميم: ألاته يليته٥، واللغتان في القرآن، فمن الأول قوله تعالى: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ ٦, من الثانية قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٧.
والحجاز: تَخِذَت ووخِذَت، وتميم: اتخذت٨. والحجاز: أوصدت الباب، وتميم: آصدته. والحجاز: وكّدت توكيدًا، وتميم: أكدت تأكيدًا٩. وضللت -بكسر اللام- لغة تميم، ووَرِيَ الزند "بكسر
стр. 74
الراء" ومضارعهما يضل ويري١.
ب- ومن الاختلاف في الاسم أن الصيغة الدالة على أسماء الزراعة هي "فِعال" بكس الفاء على لغة الحجاز، فتقول: حِصاد وقِطاف، بينما هي "فَعال" بالفتح في لغة تميم٢. وقد جاءت بالفتح في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٣. والحجاز: حِجَّ بالكسر, وتميم: حَجَّ بالفتح. والحجاز: مِرية بالكسر، وتميم: مُرية بالضم.
والحجاز: كراهة، وتميم: كراهية. والحجاز: رِضوان بالكسر، وتميم: رُضوان بالضم. والحجاز: قلنْسُيَة, تميم قَلَنْسُوَة٤. وأهل الحجاز يخففون الهدي يجعلونه كالرمي، وتميم يشدونه فيقولون: الهديّ كالعشي. والحجاز: الوكاف، وتميم: الإكاف. والحجاز: الشفع والوَتر -بفتح الواو، تميم: الوِتر -بكسرها. والحجاز: إسوة وقِدوة بالكسر، وتميم: أُسوة وقُدوة بالضم٥. وصيغة الاسم المبني للمجهول من الأفعال التي عينها حرف علة هي الصيغة القوية عند تميم، الضعيفة عند الحجاز، فتميم: مبيوع ومديون، والحجاز مبيع ومدين.
واسم الفعل "هلُمَّ" عند الحجازيين يستوي فيه الواحد والجمع، والتذكير والتأنيث، أما تميم فتلحقه الضمائر وتصرف تصريف الأفعال:
"هلمَّ هلمَّا هلمِّي"٦ والحجاز: أيهات، وتميم: هيهات٧.
وصيغة "فَعالِ" منبية على الكسر في لغة الحجاز، ولكنها عند
стр. 75
تميم معربة ممنوعة من الصرف. قال الزمخشري١ في "المفصل": "والبناء في المعدولة لغة أهل الحجاز, وبنو تميم يعربونها ويمنعونها من الصرف إلّا ما كان آخره راء؛ كقوله: "حضار وجعار" فإنهم يوافقون فيه الحجازيين إلّا القليل".
واسم الإشارة عند الحجازيين ذلك وتلك، وهو عند تميم ذاك وتاك٢, وأولاء بالمد لغة الحجاز، وأولى بالقصر لغة تميم, وقد أشار إلى أصل هذا الخلاف ابن مالك في ألفيته:
وبأولى أشر لجمعٍ مطلقًا ... والمدّ أولى ولدى البعد انطقا
فقال ابن عقيل في شرحه: "وفيه لغتان: المد، وهي لغة أهل الحجاز، والقصر, وهي لغة تميم"٣، وعلى هذا الأساس يمد الضمير المتصل عند الحجازيين, بينما يقصر عند تميم، ومن السهل تطبيق ذلك نطقًا في مثل قوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ ٤, ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ٥, ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ .
والظرف "منذ" عند الحجازيين هو "مذ" عند تميم, يقول أهل الحجاز: ما رأيته منذ يومين ومنذ يومان، وتقول تميم: مذ يومين ومذ يومان، فيتفقون في الإعراب ويختلفون في مذ ومنذ٦.