سلافة راح ... إلخ.
وتنسب إليها فيقال: خمر أذرعية.
كان يحكمها في الجاهلية عمال للروم, فلما جاء الإسلام صُولح أهلها ونالوا عهدا لأنفسهم وبلدهم, فلما كانت جيئة عمر إلى الشام استقبلوه. قال عبد الله بن قيس:
كنت ممن لقي عمر مع أبي عبيدة مقدمه الشام، فبينما عمر يسير إذ لقيه المقلسون١ من أهل أذرعات بالسيوف والريحان فقال عمر: "مه، امنعوهم" فقال أبو عبيدة: "يا أمير المؤمنين, هذه سنتهم، وإنك إن منعتهم منها يروا أن في نفسك نقضا لعهدهم" فقال عمر: "دعوهم".
تقوم هذه السوق بعد سوق بصرى بسبعين ليلة٢. ويطول أمدها, والغالب أنهم يقيمونها مدى الصيف. وبقيت هذه السوق قائمة بعد الإسلام بكثير، فقد أدركها المرزوقي ووصف طول قيامها بقوله: "وسوق أذرعات اليوم أطولها قياما, وربما لقيت الناس صادرين منها وأنا وارد".
стр. 352
سوق الحيرة:
لم يذكر هذه السوق أحد ممن تعرض لذكر أسواق العرب مع عظم شأنها, وقصد تجار العرب إليها. وليس من المعقول أن تقصد قريش وأهل الطائف، فارس للتجارة فيها ولا يكون لهم أسواق موسمية في العراق وهي طريقهم وأهلها عرب.
إلا أن في الأغاني ما يدلنا على أن بها سوقا عظيمة موسمية، قال أبو الفرج:
"خرج الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليه الناس كل سنة"١.
وبلدة كالحيرة بعيدة الصيت في جزيرة العرب، يتحدثون بخصبها وعظمتها ومنازهها ... وأحداث ملوكها بني نصر، وعلائقهم مع من جاورهم من العرب، ويتحدثون عن الشعراء العظام الذين قصدوا ملوكها للنوال والهبات كالنابغة الذبياني والأعشى وحسان بن ثابت وغيرهم ... بلد كهذا لا بد أن يكون مرتبطا بما جاوره من الأقاليم
стр. 353
ارتباطا تجاريا وثيقا، وهي أولى من بصرى وأذرعات بأن يكون فيها للعرب أسواق عامة.
ويطلعنا التعمق في التنقيب على أسواق ثانية تقام في أماكن من العراق ولا تقتصر على العرب وبضائعهم، بل يخالطهم فيها أجانب من فرس وغيرهم, ويحمل إليها متاع الهند وفارس كما يحمل إليها أمتعة الشام واليمن والبحرين. فقد جاء في الطبري عند كلامه على فتوح العراق:
سوق الخَنَافس سوق يتوافى إليها الناس ويجتمع بها ربيعة وقضاعة يخفرونهم ... قال رجل من أهل الحيرة للمثنى: "ألا ندلك على قرية يأتيها تجار مدائن كسرى والسواد وتجتمع بها في كل سنة مرة، ومعهم فيها الأموال كبيت المال؟ وهذه أيام سوقهم ... " فصبحهم في أسواقهم فوضع فيهم السيف ... وأخذوا ما شاءوا. وقال المثنى: "لا تأخذوا إلا الذهب والفضة، ولا تأخذوا من المتاع إلا ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابته. وهرب أهل الأسواق وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء والحر من كل شيء ... "١.
стр. 354
الحيرة مدينة واسعة الشهرة منذ القديم. ذكروا أن بانيها بختنصر، وأنه بناها لتجار العرب الذين وجدوا بحضرته ثم صارت من بعده عاصمة ملوك العراق, حتى إن الطبري ليذكر أن لها قبل الإسلام أكثر من خمسة قرون١. وموضعها إلى شمال الكوفة على ثلاثة أميال منها. طيبة الهواء كثيرة البساتين. ردد ذكرها الشعراء منذ الجاهلية وفتنوا بها وبخمرها وحاناتها وأديارها, فكانت بحق مقصف العرب عامة. ونسبوا إليها فقالوا: "حاري" على غير القياس، وقالوا: "حيري" على القياس؛ فمن الأول قول عمرو بن معديكرب:
كأن الإثمد الحاريّ منها ... يسف بحيث تبتدر الدموع٢
ومن الثاني قول بعضهم:
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاريّ قشيب مشطب٣
ولها تاريخ طويل يدل على قدمها وشهرتها قبل الإسلام, وأنها كانت ميدانا لحوادث جسام ليس هذا مقام سردها, فليرجع إليها في مظانّها.
стр. 355
وذكر ياقوت في سبب بنائها أن: "بختنصر قد جمع من كان في بلاده من العرب بها فسمتها النبط أنبار العرب ... فصار في الحيرة من جميع القبائل من مذحج وحمير وطيء وكلب وتميم وتنوخ ... فأهل الحيرة ثلاثة أصناف: فثلث: تنوخ وهم كانوا أصحاب المظال وبيوت الشعر, ينزلون غربي الفرات بين الحيرة والأنبار فما فوقها. والثلث الثاني: العِباد وهم الذين سكنوا الحيرة وابتنوا فيها، وهم قبائل شتى تعبّدوا لملوكها وأقاموا هناك. وثلث: الأحلاف وهم الذين لحقوا بأهل الحيرة ونزلوا فيها". وأشار إلى بعض هؤلاء الشاعر:
وغزا تبع في حمير حتى ... نزل الحيرة من أهل عدن
واشتهر في ظاهر الحيرة بناءان عظيمان هما: قصر الخورنق وقصر السدير. وبقيت مسكن ملوك العرب من بني نصر ولخم حتى كان آخرهم المناذرة الذين انقضى ملكهم بالإسلام.
ارتباط هذه البلدة بفارس وخضوع أمرائها لهم وكثرة العلائق بين البلدين، وسّع أفقها التجاري, وأكثر فيها الغنى والترف, وأحدث فيها نوعا من الثقافة ليس في غيرها. فقد مر بك أن قريشا تعلمت الكتابة من أهل الحيرة, وأن الذي قرأ صحيفة المتلمس غلام حيري، وأن النضر بن الحارث شيطان قريش تعلم من الحيرة أخبار ملوك
стр. 356
فارس وأحاديث دياناتهم وأساطيرهم, فكان إذا جلس رسول الله يدعو قريشا إلى الإسلام ويحذرهم، خلفه في مجلسه فقص عليهم من أحاديثه التي نقلها من الحيرة، وعلمت أن لقريش رحلات وقوافل تجارية إلى الحيرة، وأن للنعمان ملك الحيرة لطائم يجهزها إلى عكاظ كل سنة. وهذا الاختلاط الشديد بين أهلها والفرس والأنباط جعل أنساب الحيريين في منزلة دون منزلة بقية أنساب العرب، حتى إن من العرب من يعير بالنسب إلى الحيرة. وانظر -إن شئت- ما كان بين قيس بن عاصم وعمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله ﷺ فقد جاء في الأغاني أن قيس بن عاصم قال في عمرو: "والله يا رسول الله ما هم منا، وإنهم لمن أهل الحيرة!! " وقال فيه:
لولا دفاعي كنتمُ أعبدا ... مسكنها الحيرة فالسيلحون
فقال عمرو بن الأهتم متأثرا بهذا التعبير الذي لم يجد له ما يفي به, إلا أن ينسب خصمه إلى الروم: "بل هو يا رسول الله من الروم, وليس منا". ثم قال:
إن تبغضونا فإن الروم أصلكم ... والروم لا تملك البغضاء للعرب١
هذا, وإن نحن استرشدنا بنتف من الأخبار تأتي عرضا في
стр. 357
مطاوي الكلام، عرفنا أن للحيرة شأنا تجاريا ممتازا، وأن عادة العرب جرت منذ القديم بالمتاجرة إلى الحيرة، وأنها كانت تؤمها القوافل الكبرى التي تقصد البر حاملة متاجر الهند من عمان إلى الشام، فكانت الحيرة محطة كبرى لتلك القوافل المحمّلة, وكان أكثر الطُّرَّاء عليها تجارا يختلفون إليها١.
ولما قتل الشيظم بن الحارث الغساني رجلا من قومه, وهرب إلى الحيرة تظاهر بأنه "رجل من خيبر أقبل إلى هذه البلدة بتجارة"٢.
وخرج خمسة نفر من طيء من ذوي الحجا والرأي يريدون سواد بن قارب الدوسي ليمتحنوا علمه ... "فأهدوا إليه طرفا من طرف الحيرة, فضرب عليهم قبة ونحر لهم ... "٣.
ويذكر أبو الفرج الأصفهاني أن الأعشى باع في سوق الحيرة "كرشا مدبوغة مملوءة عنبرا بثلاثمائة ناقة حمراء"٤.
مما تقدم, ومما سنذكره بعد قليل، يتبين أن للحيرة مع شأنها التجاري شأنا صناعيا راقيا حتى صارت طرفها مما يتهادى به، وليس
стр. 358
هذا بغريب؛ فإن اختلاطها الواسع بفارس جعل أهلها يحذقون صناعات كثيرة مما أفادوه من الإيرانيين "والمعروف أن سجاجيد ذات زخارف حيوانية كانت تصنع في الحيرة قبيل الإسلام"١.
يعرض في هذه السوق الأدم والعطر والبرود والجواهر والخيل والأموال, وسائر ما يعرض في بقية أسواق العرب مما يحمل من الشام أو اليمن أو عمان أو الحجاز أو البحرين أو الهند وفارس,
عدا ما يحمل الأعراب إليها من إبل وشياه وقرود أحيانا٢.
وفيها أيضا إلى هذا، أدب وشعر وخطابة ومنافرات ومماجدة كما يكون في غيرها من الأسواق، وسنعرض لبعض ما يجري فيها بعد قليل.
فلما كان الإسلام تضاءل شأنها التجاري، وانصرف الناس إلى الفتوحات فلم يمض القرن الأول للهجرة حتى صارت الحيرة ذات لون أخّاذ يفتن الشبان وأهل اللهو والمجون. فطار لها صيت بعيد ساحر في منازهها وخمرها وحاناتها٣ وأديارها، وصرنا بعد هذا
стр. 359
الزمن لا نجد ذكرا للحيرة إلا حيث مجلس شراب، وجماعة قصف وبذخ، وخليفة يخرج للترويح عن النفس، وفتيان سئموا حياة الجد فخرجوا إلى الحيرة فنزلوا أحد أديرتها أو إحدى حاناتها, فذبحوا وطعموا وشربوا وغنوا وأنشدوا. وأثري أصحاب الحانات من وراء ذلك إثراء عظيما, فصاروا يتنافسون بتجويد الخمر، وجذب الزائرين حتى كثر الذين ذهبت ثرواتهم وفدحهم الدين من جراء خمرة الحيرة.
"ولما حرّم بعض أمراء الكوفة بيع الخمر على خماري الحيرة وركب فكسر نبيذهم, جاء بكر بن خارجة يشرب عندهم على عادته، فرأى الخمر مصبوبة في الرحاب والطرق، فبكى طويلا وقال شعرا١. ويظهر أن الأمراء لم يشددوا على الخمارين حتى رأوا من إقبال الفتيان عليهم الشر المستطير، وحتى كان رجال كأبي حية النميري يشربونها في الحيرة بنسيئة، وصارت السكرة في الحيرة إحدى المنى الغالية:
هل إلى سكرة بناحية الحيـ ... ـرة يوما قبل الممات سبيل؟!
أما بساتين الحيرة فحدث ولا حرج عما فيها من منازه نضرة وفتنة تحير اللب وتأسر العقل، وحسبك أن تعلم أن إبراهيم الموصلي
стр. 360
خرج في ركب الرشيد إلى الحيرة، فلما نام الرشيد اغتنم غفلته فركب يدور في ظهر الحيرة, فنظر إلى بستان فقصده, فإذا على بابه شاب حسن الوجه ... وإذا جنة من الجنان في أحسن تربة وأغزرها ماء.. فقال فيه:
جنان شمارى ليس مثلك منظر ... لذي رمد أعيا عليه طبيب
ترابك كافور ونورك زهرة ... لها أرج بعد الهدو يطيب
ثم صنع فيه لحنا وغناه الرشيد، فأعطاه ثمن البستان أربعة عشر ألف دينار.
لم نهتد إلى الزمن الذي تقوم فيه هذه السوق. أما ريع الطريق فقد جعله النعمان طعمة لبني لام من طيء؛ لأنهم أصهاره١. ونظرا لوقوع هذه السوق في سلطة المناذرة كانت عشورها إليهم لأنهم هم المسيطرون عليها. والأمر فيها على كل حال أكمل وأتم من بقية الأسواق من حيث النظام والأمن؛ لأنها في أرض مملكة.
وإليك الآن مشاهد مما كان يجري في تلك السوق على سبيل المثال، ولا تعجب إذا كان أكثرها في الخمرة؛ لأن الخمرة والنضرة والعزف والشعر والغناء هن الطابع الخاص للحيرة:
стр. 361
١- منافرة حامية:
خرج الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليها العرب كل سنة. فمر بحاتم بن عبد الله الطائي، فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره. ثم أمر حاتم بجزور فنحرت, وطبخت أعضاء فأكلوا.
ومر حاتم بسعد بن حارثة بن لام "وكان النعمان جعل ريع الطريق لبني لام؛ لأنهم أصهاره" وليس من بني أبيه غير ابن عمه ملحان، فوضع حاتم سُفْرَته وقال: "اطعموا حياكم الله" فقالوا: "من هؤلاء معك يا حاتم؟ " قال: "هؤلاء جيراني" قال له سعد: "أفأنت تجير علينا في بلادنا؟ " قال له: "أنا ابن عمكم وأحق من لا تخفرون ذمته" فقالوا: "لست هذاك" وأرادوا أن يفضحوه كما فُضح عامر بن جوين قبله، فوثبوا إليه، فتناول أحدهم حاتما فأهوى له حاتم بالسيف فأطار أرنبة أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا، فقال حاتم:
رددت -وبيت الله- لو أن أنفه ... هواء كما مت المخاط عن العظم
ولكنما لاقاه سيف ابن عمه ... فآب ومر السيف منه على الخطم١
فقالوا لحاتم: "بيننا وبينك سوق الحيرة, فنماجدك ونضع الرهن".
ثم نفذوا ما قالوا, فوضعوا تسعة أفراس رهنا على يد رجل من كلب, ووضع حاتم فرسه ثم خرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة.
وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي، فخاف أن يعينهم النعمان ويقويهم بماله وسلطانه للصهر الذي بينهم وبينه، فجمع إياس رهطه من بني حية وقال:
стр. 362
"يا بني حية, إن هؤلاء القوم أرادوا أن يفضحوا ابن عمكم في مجاده" فقال رجل منهم: "عندي مائة ناقة سوداء، ومائة ناقة حمراء أدْماء" وقام آخر فقال: "عندي عشرة حصن، على كل حصان منها فارس مدجج, لا يرى منه إلا عيناه".
وقال حسان بن جبلة الخير:
"قد علمتم أن أبي قد مات وترك مالا كثيرا، فعلي كل تمر أو لحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة! ".
ثم قام إياس فقال: "علي جميع ما أعطيتم كلكم".
وكان حاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا, فذهب إلى مالك بن جبار ابن عم له بالحيرة كان كثير المال، فقال: "يابن عم, أعنِّي على مخايلتي "مفاخرتي"" فقال مالك: "ما كنت لأخرب نفسي ولا عيالي وأعطيك" فانصرف عنه.
ثم أتى حاتم ابن عم له يقال له: وهم بن عمرو، وكان حاتم يومئذ مصارما له لا يكلمه، فقالت له امرأته:"أَيْ وهم! هذار الله أبو سَفَّانة حاتم، قد طلع" فقال: "ما لنا ولحاتم، أثني النظر" فقالت: "حاتم! " قال: "ويحك, هو لا يكلمني، فما جاء به إلي؟! " فنزل حتى سلّم عليه فرد سلامه وحياه ثم قال: "خاطرت على حسبك وحسبي" قال: "في الرحب والسعة، هذا مالي "وعِدّته يومئذ تسعمائة بعير" تأخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل, أو تصيب ما تريد".
فقالت له امرأته: "أنت تخرجنا عن مالنا وتفضح صاحبنا "تعني زوجها"؟ " قال:
"اذهبي عني, فوالله ما كان الذي غمّك ليردني عما قبلي".
ثم إن إياس بن قبيصة قال: "احملوني إلى الملك" وكان به نقرس، فحمل حتى أدخل عليه فقال: "أنعم صباحا أبيت اللعن" فقال النعمان: "وحياك إلهك" فقال إياس:
"أتمد أختانك بالمال والخيل, وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة؟ ١ أظن
стр. 363
أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين، ولم يشعروا أن بني حية بالبلد؟! فإن شئت والله ناجزناك حتى يسفح الوادي دما، فليحضروا لمجادهم غدا مجمع العرب".
فعرف النعمان الغضب في وجهه, وقال له:
"يا أحلمنا لا تغضب, فإني سأكفيك".
وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه: "انظروا ابن عمكم حاتما فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه، وما أطيق بني حية".
فخرج بنو لام إلى حاتم فقالوا له: "أعرض عن هذا المجاد" وتركوا أرش أنف صاحبهم وأفراسهم وقالوا:
"قبحها الله وأبعدها، فإنما هي مقاذيف".
فغدا إليها حاتم فعقرها, وأطعمها الناس١.
٢- حرمة شاعر في ولده:
قدم لبطة بن الفرزدق الحيرة, فمر بقوم من بني تغلب فاستقراهم فقروه, ثم قالوا له: "من أنت؟ " قال: "ابن شاعركم ومادحكم، أنا ابن الذي يقول:
أضحى لتغلب من تميم شاعر ... يرمي الأعادي بالقريض الأثفل٢
стр. 364
إن غاب كعب بني جعيل عنهم ... وتنمّر الشعراء بعد الأخطل
يتباشرون بموته ووراءهم ... من لهم قطع العذاب المرسل"
فقالوا له: "أنت ابن الفرزدق إذن؟ " قال: "أنا هو" فتنادوا: "يا آل تغلب، اقضوا حق شاعركم والذائد عنكم في ابنه".
فجعلوا له مائة ناقة وساقوها إليه, فانصرف بها١.
٣- حلق لمة:
شرب طخيم الأسدي بالحيرة، فأخذه العباس بن معبد المري وكان على شُرَط يوسف بن عمر، فحلق رأسه، فقال:
وبالحيرة البيضاء شيخ مسلط ... إذا حلف الأيمان بالله برت
لقد حلقوا منا غدافا كأنها ... عناقيد كرم أينعت فاسبطرّت٢
يظل العذارى حين تحلق لمتي ... على عجل يلقطنها حين جزت٣
٤- خمارة وشرطي:
كان الأقيشر الشاعر يكتري بغلة أبي المضاء المكاري فيركبها إلى الخمارين بالحيرة, وكان لا يسأل أحدا أكثر من خمسة دراهم؛ يجعل درهمين في كري بغل إلى الحيرة ودرهمين للشراب ودرهما للطعام ... فيقال: إنه دفع ثمن البغل في الكراء٤.
стр. 365
شرب يوما في بيت خمار بالحيرة, فجاء شرطي من شرط الأمير ليدخل عليه، فغلّق الباب دونه، فناداه الشرطي: "اسقني نبيذا وأنت آمن" فقال: "والله ما آمنك، ولكن هذا ثقب في الباب فاجلس عنده، وأنا أسقيك منه". ثم وضع أنبوبا من قَصَب في الثقب وصب فيه نبيذا من داخل، والشرطي يشرب من خارج الباب حتى سكر، فقال الأقيشر:
سألني الشرطي أن نسقيه ... فسقيناه بأنبوب القصب
إنما نشرب من أموالنا ... فسلوا الشرطي ما هذا الغضب١
٥- مسخ:
قد جرت الطير أيامنينا
قالت, وكنت رجلا فطينا:
هذا ورب البيت إسرائينا٢
قال أبو بكر في كتاب المتناهي في اللغة: "هذا أعرابي أدخل قردا إلى سوق الحيرة ليبيعه، فنظرت إليه امرأة فقالت: "مسخ" فقال هذه الأبيات".
стр. 366
٦- وطنية صادقة:
أختم الكلام عن الحيرة بهذا الدرس البليغ الذي ألقاه علينا أحد فتيان الحيرة منذ ثلاثة عشر قرنا في حب الوطن ونصرته. وهو درس عملي يخلق بقادة الفكر وزعماء العرب أن يستفيدوا منه فيكونوا قدوة في الوطنية العملية الحقيقية.
بلغ العرب في الاعتماد على أنفسهم والاقتصار على صناعاتهم في جميع شئونهم أمرا عجيبا، حتى إن بلدة كالحيرة ليست من البلدان الكبرى حينئذ في الأقطار الإسلامية، استطاع أهلها أن يعتمدوا على محصول بلدتهم ويكتفوا به في كل حاجاتهم حتى الكمالية منها. نرى ذلك في هذا الخبر الطريف الذي سنرويه لك عن الأغاني, ونود لو جرؤنا على تقليد أسلافنا في مكرمتهم تلك، إذًا لكنا حذفنا درسا في الإخلاص الصادق للوطن، ولما استعبدتنا أموال الغرب وشركاته، ولما كنا جميعا رجالا ونساء وأطفالا، جنودا لهم -على رغم أنوفنا- نوطد أقدامهم في بلادنا بما نتهافت على استهلاكه من بضائعهم، وبما يطير من جيوبنا إلى خزائنهم ومصانع أسلحتهم من أموال باهظة، لا داعي إلى تبذيرها إلا التقليد الأعمى وقشور التمدن السخيف والترف الكاذب, وإليك هذه الطرفة الثمينة.
كان بعض ولاة الكوفة يذم الحيرة أيام بني أمية، فقال له رجل من أهلها وكان عاقلا ظريفا: "أتعيب بلدة بها يضرب المثل في الجاهلية والإسلام؟! ".
قال: "وبماذا تمدح؟ " قال: "بصحة هوائها وطيب مائها ونزهة ظاهرها, تصلح للخف والظلف. سهل وجبل، وبادية وبستان، وبر
стр. 367
وبحر. محل الملوك ومزارهم ومسكنهم ومثواهم، وقد قدمتها -أصلحك الله- مخفا فرجعت مثقلا وزرتها مقلا فأصارتك مكثرا" قال: "فكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل؟ " قال: "بأن تصير إلي ثم ادع ما شئت من لذائذ العيش, فوالله لا أجوز بك الحيرة فيه! ".
قال: "فاصنع لنا صنيعا واخرج من قولك" قال: "أفعل".
فصنع لهم طعاما وأطعمهم من خبزها وسمكها، وما صِيد من وحشها؛ من ظباء ونعام وأرانب وحبارى، وسقاهم ماءها في قلالها، وخمرها في آنيتها، وأجلسهم على رقمها "وكان يتخذ بها من الفرش أشياء ظريفة". ولم يستخدم لهم حرا ولا عبدا إلا من مولديها ومولداتها من خدم ووصائف كأنهم اللؤلؤ، لغتهم لغة أهلها. ثم غناهم حنين "الحيري" وأصحابه في شعر عدي بن زيد شاعرهم وأعشى همدان، لم يتجاوزهما، وحياهم برياحينها، ونقلهم على خمرها، وقد شربوا بفواكهها. ثم قال له: "هل رأيتني استعنت على شيء مما رأيت وأكلت وشربت وافترشت وشممت وسمعت بغير ما في الحيرة؟ ".
قال: "لا والله، ولقد أحسنت صفة بلدك ونصرته فأحسنت نصرته والخروج مما تضمنته، فبارك الله لكم في بلدكم"١.
стр. 368
في الإسلام
مدخل
...
في الإسلام:
لم يعد -وقد تحضر العرب- من حاجة إلى مواسم وأسواق على ما كان عليه الحال في الجاهلية؛ لأن العرب سكنت المدن الكبار من بلاد الشام والعراق ومصر وفارس والروم، ومصرت هي لأنفسها أمصارا عظم شأنها مع الزمن كالكوفة والبصرة وبغداد والقيروان....
فصارت تستغني كل مدينة بأسواقها الدائمة عن أسواق المواسم، وكفى الله العرب مئونة الترحال بين أسواق الجزيرة، بما فتح عليهم وسهّل من تجارات تأتيهم إلى مدنهم، بحيث يجدون في كل بلد عروض كثير من البلدان. وعدل الذين يعانون التجارة منهم عن أسفار البوادي إلى أسفار البحار. وأصبح من المنتظر تضاؤل الأسواق الجاهلية بتضاؤل آثار البداوة من حياة العرب، وانتقلوا إلى حضارة وارفة الظلال ريانة الجنبات يأتيهم فيها رزقهم رغدا من كل مكان، فامّحت أسواق الجاهلية قبل انقضاء القرن الثاني للهجرة ورسخت أقدام التجارة في المدن والثغور.
стр. 369
ولكن سوقا واحدة نشأت في الإسلام احتفظت بكثير من خصائص أسواق الجاهلية، وزادت عليها بميزات واسعة أسبغتها الحضارة الجديدة واقتضتها حاجات الرقي الحديث. تلك هي سوق المربد في البصرة، السوق التي استطاعت أن تكون مرآة تعكس حياة العرب في الجاهلية كما تصور حضارتهم في الإسلام. وسنرى كيف استطاعت هذه السوق أن تصهر الحياتين معا في بوتقة واحدة، لتصوغ منهما هذه الحلية العجيبة التي نعرضها عليك الآن:
стр. 370
البصرة - المربد:
يتقاضانا الكلام على المربد أن نصف البصرة، المدينة التي كان المربد سوقها العامة؛ نظرا لمكانتها التجارية، إذ إنها ثغر العراق في الإسلام. وليس من المستطاع أن نفهم المربد على حقه إذا لم نعرف أحوال بلده البصرة، وسيغنينا هذا التمهيد عن شروح وحواشٍ كثيرة عند كلامنا على المربد نفسه.
مصرت البصرة سنة "١٧" أيام عمر بن الخطاب "في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم كما أمر الخليفة عمر ﵀" وكانت في الجاهلية من ثغور العراق، فيها خليط من أمم شتى؛ فرس ويونان أحلهم فيها الإسكندر، وهنود انتشروا في بطائحها، وقد نزلها العرب منذ القديم، كما فيها أنباط غير قليلين. وكانت هي والأبلة مركزين للتجارة الداخلية والخارجية، وكان يرتادها تجار العرب، وتردد عليها أبو بكر الصديق في الجاهلية مرات.
ولم تكن على عهد الراشدين بالمدينة الكبيرة؛ لحداثة نشأتها العربية، وكانت مستوخمة رديئة الهواء والماء، ليست بالخصبة ولا الغنية،
стр. 371
حتى اضطر عمر إلى أن ينظر إلى أهلها نظر رحمة، حينما شكوا إليه أمرهم، فقد جاء في فتوح البلدان١:
"قدم الأحنف بن قيس على عمر في أهل البصرة, فجعل يسألهم رجلا رجلا والأحنف في ناحية البيت" في بت٢ لا يتكلم, فقال له عمر: "أما لك حاجة؟ " قال:
"بلى يا أمير المؤمنين. إن مفاتح الخير بيد الله، إن إخواننا من أهل الأمصار نزلوا منازل الأمم الخالية بين المياه العذبة والجنان الملتفّة، وإنا نزلنا سبخة بشاشة لا يجف نداها ولا ينبت مرعاها، ناحيتها من قبل المشرق البحر الأجاج، ومن قبل المغرب الفلاة، فليس لنا زرع ولا ضرع، يأتينا منافعنا وميرتنا في مثل مريء النعامة، يخرج الرجل الضعيف فيستعذب الماء من فرسخين, وتخرج المرأة لذلك فتربق٣ ولدها كما تربق العنز يخاف بادرة العدو وأكل السبع، فإلا ترفع خسيستنا وتجبر فاقتنا نكن كقوم هلكوا".
стр. 372
فألحق عمر ذراري أهل البصرة في العطاء, وكتب إلى أبي موسى يأمره أن يحتفر لهم نهرا.
هذه بداية أمر البصرة وقد ظلت على حالها، لم تترقّ منها إلى خير منها، حتى صدرا من أيام الأمويين. ومضت خلافة معاوية ولم ينفرج ضيق أهلها تمام الانفراج, فقد قدم الأحنف أيضا على معاوية وافدا لأهل البصرة يستعطفه لهم، وكان فيما وصف به أهلها قوله: "أهل البصرة عدد يسير وعظم كسير مع تتابع من المحول واتصال من الذحول، فالمكثر فيها قد أطرق، والمقل قد أملق، وبلغ منه المخنق"١.
وبانقضاء عهد الفتن فيها واستقرار الأمر بمثل زياد وابنه والحجاج، انصرف أهلها لشئونهم فعكفوا على الزراعة والتجارة, وانتعشوا واستفاض لهم زرع ونخيل وتجارات، فمن ثم عدت البصرة من أكبر ثغور الإسلام قاطبة.
أما الهواء فيها فرديء, وكذلك الماء فهو غير عذب، حتى إنهم
стр. 373
ليجلبونه من المسافات البعيدة. وقد حفرت فيها أقنية وجداول كثيرة تتشعب عن النهر الأعظم، ووصف الأقدمون كثرتها وصفا نكاد لا نصدقه. جاء في مسالك الممالك للإصطخري:
"البصرة مدينة عظيمة لم تكن في أيام العجم، وإنما اختطّها المسلمون أيام عمر، ومصّرها عتبة بن غزوان وهي خطط وقبائل كلها. ويحيط بغربيّها البادية، وليس فيها إلا أنهار. وذكر بعض أهل الأخبار أن أنهار البصرة عدت أيام بلال بن أبي بردة فزادت على "١٢٠٠٠٠" نهر "كذا!! " تجري فيها الزوارق. وقد كنت أنكر ما ذكر من عدد هذه الأنهار في أيام بلال, حتى رأيت كثيرا من تلك البقاع، فربما رأيت في مقدار رمية سهم عددا من الأنهار صغارا تجري في كلها زواريق صغار، ولكل نهر اسم ينسب إلى صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي يصب فيها وأشباه ذلك من الأسامي، فجوزت أن يكون ذلك في طول هذه المسافة وعرضها. وأكثر أبنيتها بالآجر "هذا على عهد الإصطخري في القرن الرابع الهجري" وهي من بين سائر العراق مدينة عُشْرية، ولها نخيل متصلة من عبدس إلى عبادان نيفا وخمسين فرسخا متصلا, لا يكون الإنسان منه في مكان إلا
стр. 374
بحيث نهر ونخيل أو يكون بحيث يراهما, وهي في مستوى لا جبال فيه ولا بحيث يقع البصر على جبال ... وبها نهر يعرف بنهر الأبلة, طوله أربعة فراسخ ما بين البصرة والأبلة١، وعلى حافتي هذا النهر قصور وبساتين متصلة كأنها بستان واحد قد مدت على خيط واحد. ويتشعب هذا النهر إلى أنهار كثيرة، فمنها ما يقارب هذا النهر في الكبر ... وهذه الأنهار كلها مخترقة بعضها إلى بعض وكذلك عامة أنهار البصرة حتى إذا جاءهم مد البحر تراجع الماء في كل نهر حتى يدخل نخيلهم وحيطانهم وجميع أنهارهم من غير تكلف، فإذا جزر الماء انحط حتى تخلو منه البساتين والنخيل ويبقى في الأنهار، إلا أن الغالب على مائهم الملوحة وإنما يستقون إذا جزر الماء إلى حد نهر معقل ثم يعذب فلا يضره ماء البحر".
ونحن معنيون بأن نعرف عن البصرة ميناء العراق الأكبر تفاصيل مسهبة؛ لأنها سوق العراق العامة يومئذ، فلا غنى لنا عمن شاهدها ونعتها لنقف على مكانتها وسعة غناها. ولولا هذه الصفات
стр. 375
التي وصلتنا عن الأقدمين في مختلف حالاتها، لما استطعنا أن نعلم التدرج الذي ترقّت فيه البصرة من الإملاق إلى الثروة. ثم صار لهذه الأرض السبخة القفرة على عهد عمر، الشأن العظيم والمكانة البعيدة في نفوس الكبار, حتى قال زياد: "لو أضللت البصرة لجعلت الكوفة لمن دلني عليها! "١.
والذين نعتوها متفقون على رداءة هوائها مع سعة عيشها، فقد روى ابن عبد ربه عن أبي العباس أنه قال: "إنما مثل الكوفة مثل اللهاة من البدن، يأتيها الماء ببرده وعذوبته، ومثل البصرة مثل المثانة, يأتيها الماء بعد تغيّر وفساد". وقال الحجاج: "الكوفة
стр. 376
بكر حسناء, والبصرة عجوز بخراء أوتيت من كل حلي وزينة"١.
وسماها الناس لتقلب هوائها بالرعناء. قال الفرزدق:
لولا أبو مالك المرجو نائله ... ما كانت البصرة الرعناء لي وطنا
والرعونة: الحمق والاسترخاء.
إلا أن وخامتها لم تمنع أن يتكاثف فيها السكان ويطّرد لها النمو، حتى أصبحت كما وصفها جعفر بن سليمان بقوله: "العراق عين الدنيا, والبصرة عين العراق".
انقضى القرن الهجري الأول والبصرة قد قطعت شوطا بعيدا في الازدهار، ولم تستقر الأمور لبني العباس في عهد المهدي ومن بعده, حتى صارت البصرة باب٢ بغداد الكبير ومدخل دجلتها المتدفق بضروب المتاع وأنواع السلع المجلوبة من أطراف الدنيا، نظير مرسيليا اليوم بالنسبة إلى فرنسا، أو جنوة لإيطاليا، أو ليفربول لبلاد الإنجليز. بل امتازت البصرة على تلك المراسي بنصيب أوفر وحظ أكبر؛ إذ كانت مقصد القوافل الواردة من كل حدب وصوب، ومحط رحال الشرق والغرب، من مجاهل
стр. 377
الصين إلى مفاوز الصحراء الكبرى؛ ولذلك استفحل بها العمران وكثرت فيها المصانع والصناعات، وصارت واسطة العرب والعجم, وحُق لها أن تتلقب "بقبة الإسلام" كما سماها عمر بن الخطاب. ناهيك ببلد جمع لحسن الموقع أضداد الأشياء وأشتات الأرزاق ومختلف المكاسب والمطالب ...
اشتهر أهل البصرة من قديم بالتطوّح في الآفاق والترامي على الأسفار البعيدة والضرب في مناكب الأرض طلبا للرزق والتماسا للثراء "اشتهارا" جعل الجاحظ يصرح: "بأنه ليس في الأرض بلدة واسطة ولا بادية شاسعة ولا طرف من أطراف الدنيا إلا وأنت واجد به البصري والمدني"١. وقد اتفقت كلمة السائحين وأصحاب الرحلات على بعد همة البصريين في الترحال وغَوْرهم في الاغتراب حتى قال أبو بكر الهمذاني -وناهيك به من خبير-: "وأبعد الناس نجعة في الكسب بصري وحميري، ومن دخل فرغانة القصوى "شرقا" والسوس الأقصى "غربا" فلا بد أن يرى فيهما بصريا أو حميريا"٢. ا. هـ ملخصا.
стр. 378
وكثرت الأصناف المجلوبة إلى البصرة من عامة الأقطار حتى لقبت بحق بـ "خزانة العرب"١ واستطاع أحد أبنائها وهو الجاحظ، أن يؤلف في بضائع البصرة كتابا مستقلا, يذكر فيه الأحجار الثمينة كالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت والزبرجد.. إلخ والطيب والعطر والروائح الطيبة والوشي والفرش, وما يجلب من البلدان من طرائف السلع والأمتعة والجواري, وما يختار من البزاة والشواهين والبواشق والصقور ... يبتدئ بصفة النوع وما يستجاد منه ومن أين يجلب وأين أحسنه. والجاحظ كما نعلم لم يرحل إلى الهند ولا إلى فارس, ولكن عنده في بلده تجارات تلك الأمم كلها. ولا نكون إلى الغلوّ إذا قلنا: إن البصرة في عصر العباسيين الذهبي كانت سوق العالم قاطبة.
ولم يقصّر البصريون في الزراعة, بل عكفوا عليها وجوّدوها حتى اختُصوا بمعرفة النخيل وضروبه وأصول غراسه اختصاصا فاقوا به كل أحد. قال الهمذاني في كتابه البلدان: "ولأهل البصرة من النخيل وأنواع التمور ما عدم مثله في جميع كور النخيل، وذكر الجاحظ أنهم أحصوا أصناف نخيل البصرة دون نخل المدينة ودون مصر واليمامة والبحرين وعمان وفارس وكرمان
стр. 379
ودون الكوفة وسوادها وخيبر وذواتها والأهواز وما بها، أيام المعتصم، وإذا ثلاثمائة وستون ضربا من مُغَلّ معروف وخارجي موصوف وبديع غريب مع طيب عجيب".
وهذا افتنان غير قليل في إجادة الزراعة يدل على حذق بها ورقي بالغ. وذلك عدا ما شهرت به من الأسماك وأنواع اللحوم والألبان والأقطان وسائر التجارات.
ولها إلى ذلك شهرة أخرى تعنينا هنا في بحثنا كثيرا، وهي ما استفاض فيها من علوم ولغة وأدب وشعر حتى صارت تقصد لذلك دون سائر البلاد، وكثر فيها العلماء والشعراء والأدباء والكتاب والفقهاء والقراء ... كثرة تستعصي على الإحصاء، وسنلمّ بذلك في كلامنا على سوقها الكبرى: المربد.
ولم تخل إبان ازدهارها من أن تكون متعة للناظرين ومنازه للمتفرجين، واشتهر فيها وادي القصر الذي قال فيه الجاحظ:
"ومن أتى وادي القصر بالبصرة رأى أرضا كالكافور، ورأى ضبابا تُحْتَرش، وغزلانا وسمكا وصيادا، وسمع غناء ملاح في سفينته، وحُداء جمّال خلف بعيره".
وكأن هذه الجملة الموجزة, نثر ما كان الخليل بن أحمد قاله قبله:
زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... في منزل حاضر إن شئت أو بادي
стр. 380
ترى به السفن والظلمان حاضرة ... والضب والنون والملاح والحادي
وليس في أيدينا نعت للبصرة أبلغ ولا أكثر إحاطة, ولا أصدق ولا أدق مما قاله خالد بن صفوان لعبد الملك بن مروان، فقد جمع لنا فيه من صفات البصرة وخصائصها ما لم نجده عند غيره، ولا ريب فهو ابن البصرة وأحد بلغاء الناس, وكل من أراد معرفة البصرة في القرن الأول الهجري فهو عيال على صفة خالد هذه، قال:
"يغدو قانصنا فيجيء هذا بالشبوط والشيم ويجيء هذا بالظبي والظليم، ونحن أكثر الناس عاجا وساجا، وخزا وديباجا، وبرذونا هملاجا، وخريدة مغناجا. بيوتنا الذهب، ونهرنا العجب، أوله الرطب، وأوسطه العنب، وآخره القصب:
فأما الرطب عندنا فمن النخل في مباركه، كالزيتون عندكم في منابته، هذا على أفنانه، كذاك على أغصانه، هذا في زمانه، كذاك في إبّانه، من الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، الملقحات بالفحل، يخرجن أسفاطا عظاما، وأوساطا ضخاما كأنما ملئت رباطا. ثم ينفلقن عن قضبان الفضة منظومة باللؤلؤ الأبيض، ثم تتبدل قضبان الذهب منظومة بالزبرجد الأخضر، ثم تصير ياقوتا أحمر وأصفر، ثم تصير عسلا في شنة من سحاء
стр. 381
ليست بقربة ولا إناء، حولها المذابّ، ودونها الحراب، لا يقربها الذباب، مرفوعة عن التراب. ثم تصير ذهبا في كِيَسة الرجال، يستعان به على العيال١.
وأما نهرنا العجب فإن الماء يقبل عنقا، فيفيض مندفقا، فيغسل غثها، ويبدي مبثها، يأتينا في أوان عطشنا، ويذهب في زمان رِيّنا, فنأخذ منه حاجتنا، ونحن نيام على فرشنا، فيقبل الماء وله عُباب وازدياد، ولا يحجبنا عنه حجاب، ولا نغلق دونه الأبواب، ولا يتنافس فيه من قلة، ولا يحبس عنا من علة٢.
وأما بيوتنا الذهب، فإن لنا عليهم خرجا في السنين والشهور، نأخذه في أوقاته، ويسلمه الله تعالى من آفاته، وننفقه في مرضاته".
هذا ولم تحظ -فيما نعلم- بلدة من بلاد الإسلام بمثل ما حظيت به البصرة، فقد تشارك في صفتها ثلاثة من فرسان البلاغة والعبقرية: خالد بن صفوان، والخليل بن أحمد، والجاحظ.
стр. 382
سوق المربد:
ننتقل من أسواق العرب في الجاهلية إلى أسواقها في الإسلام. ونلاحظ أننا لا نرى في هذه الأسواق الشأن الكبير الذي كان لأسواق الجاهلية؛ لأن العرب -كما تقدم- تحضّرت وسكنت الأمصار وكثرت فيها الأسواق الدائمة تحوي كل نوع من أنواع البضائع المعروفة لهم. فلم تستجد في الإسلام سوق لم تكن في الجاهلية، إلا ما كان من أمر المربد١ الذي ورث عكاظ، وقضى على ما كانت تتمتع به من ميزات، منذ عصر الراشدين، وأخذ أمر المربد "عكاظ الإسلام" بالازدياد حين بدأ شأن عكاظ "الجاهلية" بالخمول فالانتقاص فالموت.
نزلت العرب البصرة سنة أربع عشرة, ومصّرتها سنة سبع عشرة على تخطيط وضعه عمر وأرسل من يقف على تنفيذه. وكان المربد على الجهة الغربية من البصرة إلى البادية, ليكون أول ما ينزلون إذا قصدوا البصرة، وآخر ما يتركون إذا رحلوا عنها؛ ليقضوا فيه متاعا لهم ومرافق يتبلّغون بها في ظعنهم وإقامتهم.
стр. 383
معنى المِرْبَد: محبِس الإبل ومربطها. والمربد أيضا: بيدر التمر؛ لأنه يربد فيه فيشمس. والرُّبدة: لون إلى الغبرة.
ومربد البصرة هذا متسع للإبل تربد فيه للبيع. وكان في الأصل سوقا للإبل، حتى إذا كان عهد الأمويين صار سوقا عامة تتخذ فيه المجالس ويخرج إليها الناس كل يوم، كل إلى فريقه وحلقته وشاعره، وتتعدد فيه الحلقات يتوسطها الشعراء والرجاز ويؤمها الأشراف, وسائر الناس يتناشدون ويتفاخرون ويتهاجون ويتشاورون, وقد وجدوا فيه مستجما لأبدانهم وأرواحهم التي نهكتها الفتوحات، وحنت إلى سابق عهدها في عكاظ فجددت منه ما سمح به الدين الجديد. بل غضت النظر فتسامحت أحيانا وأحيت ما أمات الإسلام من حمية جاهلية وإحن وثارات وأثارت عداوات. كان يبعثها الناس من تلقاء أنفسهم، أو بتشجيع خفي من بعض خلفاء الأمويين؛ ليشغلوا الناس بعضهم ببعض عن الخلافة وما يأتي الخلفاء من هنوات.
فالمربد معرض لكل قبيلة تعرض فيه شعرها ومفاخرها كما تعرض عروضها. وهو مجتمع العرب ومتحدثهم ومتنزه البصريين، يؤمه منهم من عاف رخاوة المدن. وما زال يعلو شأنه وتستجيب له أسباب الكمال, حتى اشتد ولوع الناس به وارتيادهم له. ويظهر أن الأمر
стр. 384
زاد على ما نعرف للمنازه اليوم من خطر، فقد بنيت فيه الدور الجميلة, وتفاقم أمره حتى صار من الضروري لكل أحد في عصر العباسيين أن يغشى المربد، إن لم يكن لحاجة فلترويح النفس وتمتيع البصر وترويض البدن، وحتى قال جعفر بن سليمان الهاشمي جملته المشهورة:
"العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق, والمربد عين البصرة، وداري عين المربد"١. وما زال في مجده هذا حتى خرب وخربت البصرة وتقلص العمران بينهما إلى أن صار بين المربد والبصرة ثلاثة أميال خراب على عهد ياقوت٢ الذي ذكره في معجمه, فقال:
"مربد البصرة من أشهر محالها. وكان يكون سوق الإبل فيه قديما ثم صار محلة عظيمة سكنها الناس، وبه كانت مفاخرات الشعراء والخطباء. وهو الآن بائن عن البصرة نحو ثلاثة أميال وكان ما بين ذلك كله عامرا وهو الآن خراب, فصار المربد كالبلدة المنفردة في وسط البرية".
نقلت قول ياقوت هذا في البصرة ومربدها؛ لأقول: إن الذي طرأ عليها من الخراب والتأخر طرأ على العراق كله؛ فمن يقرأ وصف العراق وبلدانه وجنانه ونعيمه وسكانه وعمرانه وخيراته ... في كتب
стр. 385
الأدب، وخاصة في المائة الثانية والثالثة والرابعة للهجرة، ثم يرحل إليه أول هذا القرن، لا يجد وصفا للعراق أصدق من قول ياقوت في تلك الأميال الثلاثة التي كانت عمرانا متصلا بين البصرة ومربدها, وأصبحت على عهده خرابا يبابا أفرد المربد من أمه وكان سوقا من أسواقها، وجعله قرية بائنة لا خطر لها.
ولئن كان لعكاظ ذلك الأثر في اللغة العربية: ألفاظها وأساليبها، فإن المربد كان له أيضا في اللغة أثر بعيد يختلف بعض الاختلاف عن أثر عكاظ؛ لما بين الزمانين والمكانين من التباين، فعكاظ في قلب الجزيرة العربية يحج إليها أشراف العرب وفصحاؤها، لا عجمة فيها ولا أثر لأعجميين البتة. والأمر في المربد على العكس: هو في طرف الجزيرة على الخليج الفارسي, وبينه وبين الفرس قرب قريب. وزاد الإسلام والفتوح اختلاط العرب بالعجم فتطرق إلى اللغة الفساد والعجمة واللحن وغشي هذا الضعف مجالس الخاصة من العرب, وأزرى بلهجات الفصحاء حتى صرت تسمع الأمير على المنبر في المواسم يلحن على ملأ من الأعراب والبلغاء والأشراف، فعِيب على الحجاج لحن وأُثر عن عبيد الله بن زياد مثله، وكذلك نقلت لحنات
стр. 386
عن أشراف العرب١. فكان المربد يعجّ بأعلام اللغة والأدب والشعر والنحو، معهم محابرهم ودفاترهم يكتبون عن فصحاء الأعراب فيه، وهذه الظاهرة لم تكن في عكاظ قط، فهذا أبو عمرو بن العلاء يسأل الأصمعي: "من أين أقبلت؟ " فيجيبه: "جئت من المربد" فيقول: "هات ما معك"، فيقرأ عليه الأصمعي ما كتب في ألواحه، فإذا ستة أحرف "كلمات" لم يعرفها أبو عمرو، فيخرج يعدو في الدرجة ويقول للأصمعي: "شمّرت في الغريب" أي: غلبتني٢.
ويشبه المربد عكاظ في أمر الشعر وحلقاته، بل يزيد عليه, فلكل شاعر حلقة، ولكل متهاجيين مجلس، ولكل قبيلة نادٍ وشاعر يذود عنها, ويرد عدوان قريعه من القبيلة الثانية. فللعجاج ولرؤبة حلقة، ولأبي النجم العجلي حلقة، ولجرير والفرزدق وراعي الإبل وذي الرمة، لكل منهم حلقة. وكثر هذا المحصول من الرجز والشعر والنكات الأدبية كثرة ملأت أمهات كتب الأدب بأخبارها، ولا شك في أن المربد في هذا فاق عكاظ مراحل واسعة, وفاته بعدد الشعراء والرجّاز وكثرة الروّاد وطلاب الأدب. وفي المربد أطفئت ثالثة
стр. 387
جمرات العرب، أطفأها جرير بقصيدته الدمّاغة. كان لكل من الشعراء رواة ينقلون له ما قاله خصمه وينشرون في الناس جواب شاعرهم عليه، وكان اهتمام الناس بالشعر والأدب من أقوى الأسباب العاملة في غزارته, وكثرة المقبلين على تعلمه وروايته.
ويتفرد المربد بأمر علمي محض لم يكن له في عكاظ من أثر، وهو أنه أرفد اللغة بمادة كثيرة، عليها أسس النحاة قواعدهم وأصلحوها، وذلك بما كانوا يقصدون له فصحاء الأعراب يسألونهم فيما فيه يختلفون، ويأخذون عنهم مستفيدين ومتعلمين. وحسبك أن تقرأ أيا شئت من كتب الأدب الأصول كالأغاني والأمالي والبيان والتبيين والكامل و ... لتجد أن أكثر مادتها فيما يتعلق بالعصر الأول والثاني للهجرة، كان المربد ميدانه وينبوعه. وخذ إن أردت كتب التاريخ الكبرى كالطبري مثلا ثم أبلغ في فهرس أماكنه إلى المربد، يأخذك العجب من كثرة المواطن التي ورد ذكر المربد فيها مع أن الكتاب كتاب سياسة وأخبار ملوك لا كتاب عامة وأدب.
فمن المربد, وعلى هامشه غُذِّي الأدب بقصص وأساطير كما غذي التاريخ بالأخبار الواقعة، ووضع من وضع من الرواة والأخباريين أحاديث حاكوا بها ما وقع. وفي حلقاته اصطرعت الأهواء المتباينة
стр. 388
والنزعات المتضاربة، استغلها الشعوبيون والمنافحون عن الحقائق على السواء، وشهدت هجوما من أولئك ودفاعا من هؤلاء.
والغريب أن هذا المربد لم يكتف بأن يستأثر بكل ميزة كانت لعكاظ، بل جمعها وضم إليها ميزات جديدة أفادها من خصائص عصره وطبيعة اجتماعه، فإن كانت في عكاظ حروب موضعية بين قبيلتين, فإن المربد كان ميدانا لأكبر فتنة وأشد حرب داخلية وقف فيها المسلم أمام المسلم يكافحه بسيفه ويشرع إليه رمحه. كان المربد ميدانا لإحدى مواقع الجمل، أول حرب فرقت كلمة هذه الأمة المخيفة وجعلت بأسها بينها، وكانت حلقة أولى في هذه السلسلة الطويلة التي نخرت الجسم الإسلامي ومكنت عدوه منه, وكانت أفتك به من كل حرب صليبية وغارة تترية ووحشية أوروبية.
فلأعرض على القارئ مشهدا صغيرا مما جرى في المربد من هذه الحرب, ليحمل باقي المشاهد عليه:
خرجت السيدة عائشة مطالبة بدم عثمان، ناقمة على خلافة علي، ومعها مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ مهاجرين وأنصارا، منهم الزبير وابنه، وطلحة وابنه، ونفر من بني أمية فيهم مروان بن الحكم، وآخرون غير هؤلاء، فقصدت البصرة لأن لها فيها نفرا على رأيها.
стр. 389
وكان على البصرة عثمان بن حنيف واليا لعلي، وقد مهدت لأمرها بكتب أرسلتها إلى رؤساء البصرة وساداتها, فأجابها قليل ورد عليها قوم وحايد قوم. بعد هذا التمهيد القصير أنقل وصف هذا المشهد, معتمدا على ما جاء في تاريخ الطبري:
"أقبلت عائشة فيمن معها حتى إذا انتهوا إلى المربد ودخلوا من أعلاه، أمسكوا ووقفوا وتلقاهم الناس حتى لو رموا بحجر ما وقع إلا على رأس إنسان. وخرج عثمان أمير البصرة لعلي فيمن معه، ولحق بعائشة من أهل البصرة من شاء حتى غصّ المربد بالناس واحتلّ طلحة والزبير وجموعهما ميمنة المربد واحتل عثمان بمن معه ميسرته، فوقف طلحة يتكلم فأنصتوا له:
فحمد الله وأثنى عليه وذكر عثمان ﵁ وفضله والبلد وما استحل منه بقتل عثمان الخليفة، وعظم ما أُتي إليه. ودعا إلى الطلب بدمه وقال: إن في ذلك إعزازا لدين الله وسلطانه، وأما الطلب بدم الخليفة المظلوم فإنه من حدود الله، وإنكم إن فعلتم أصبتم وعاد أمركم إليكم, وإن تركتم لم يقم لكم سلطان ولم يكن لكم نظام. وتكلم الزبير بمثل ذلك، فقال من بميمنة المربد وكانوا يحطبون في حبل الخارجين على عليٍّ: "صدقا وبرا وقالا الحق وأمرا
стр. 390
بالحق". وقال من في ميسرته: "فجرا وغدرا وقالا الباطل وأمرا به، قد بايعا ثم جاءا يقولان ما يقولان" وتحاثى الفريقان وتحاصبوا وأرهجوا١.
فتكلمت عائشة وكانت جهورية يعلو صوتها كثرة كأنه صوت امرأة جليلة, فحمدت الله وأثنت عليه وقالت: "كان الناس يتجنون على عثمان ﵁ ويُزرون على عماله ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم ويرون حسنا من كلامنا في صلاح بينهم، فننظر في ذلك فنجده بريئا تقيا وفيا ونجدهم فَجَرَة غَدَرَة كَذَبَة، يحاولون غير ما يظهرون. فلما قووا على المكاثرة كاثروا، فاقتحموا عليه داره واستحلوا الدم الحرام والمال الحرام والبلد الحرام بلا ترة ولا عذر.
ألا إن مما ينبغي -ولا ينبغي لكم غيره- أخذ قتلة عثمان ﵁ وإقامة كتاب الله وتلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٢".