الآن وقد استعرضت هذه المشاهد، وذكّرتك هذه الفقرات جوا خاصا تتصوره لعكاظ كلما مرت بك في نقلة من نقل الأدب أو التاريخ، الآن تستطيع أن تفهم: لم يعد مؤرخو الأدب عكاظ في أول ما وحّد لهجات القبائل العربية قبل نزول القرآن الكريم بأكثر من قرن، وهيأ لقريش خاصة تلك الزعامة والتحكم في اللغة والانتقاء, فسلمت من عيوب اللهجات؟ وعرفت أيضا أن عكاظ دنيا تعج بالقاصدين من كل فج عميق، وأن فيها الخطباء المصاقع يخطبون، والشعراء الفحول ينشدون، والأعزة والأشراف يتفاخرون
стр. 317
ويتنافرون ويتسابقون١، والموتورين يؤمونها للبحث عن واتريهم، ومن له أسير سعى إلى عكاظ في فكاكه، ومن أراد أن يأتي عملا تعرفه له العرب عامة أتاه في عكاظ، ومن أتى مكرمة في قطر فأحب أن تخلد جاء إلى عكاظ, فشهر فيها أمره.
قال أبو ذؤيب:
إذ بني القباب على عكاظ ... وقام البيع واجتمع الألوف
وقال آخر يضرب بها المثل:
فإنك ضحاك إلى كل صاحب ... وأنطق من قس غداة عكاظها
وهجا أمية بن خلف الخزاعي حسان وأراد إيلامه, فعنونها إلى عكاظ فقال:
ألا من مبلغ حسان عني ... مغلغلة تدب إلى عكاظ
стр. 318
أليس أبوك فينا كان قينا ... لدى القينات فسلا في الحفاظ
يمانيا يظل يشد كيرا ... وينفخ دائما لهب الشواظ١ ... إلخ.
فيجيبه حسان:
أتاني عن أمية زور قول ... وما هو بالمغيب بذي حفاظ
سأنشر ما حييت لهم كلاما ... ينشّر بالمجامع من عكاظ٢
فأنت إذ تجول في عكاظ, يتقسّم سمعك خطب وقصائد ومفاخرات ومنافرات وخصومات وأنماط من البيع لا تتشابه، وأزياء في اللبس والتكلم والمراكب ... تجمعت من كل صوب.
ولما قال عمرو بن كلثوم قصيدته:
ألا هي بصحنك فاصبحينا ...
في العراق، أحب أن تسير في الناس ويكتب لها الخلود، فسعى إلى عكاظ في الموسم، فقام بهذه القصيدة خطيبا ثم قام بها أيضا في موسم مكة.
وكذلك قل في بقية القصائد الطوال التي يسمونها "المعلقات",
стр. 319
فما كان الإجماع ليعقد على أنها أجود الشعر لولا أن المحكّمين في عكاظ شهدوا لها بذلك, وأقر السامعون بتفوقها.
تلك مشاهد عامة مما كان يجري في عكاظ، وكأن العرب الذين عرضوا في هذه السوق متاجرهم وأموالهم وأنعامهم، وعرضوا فيها أدبهم وشعرهم، أبوا إلا أن يعرضوا بقية مقوماتهم, فرأينا مشاهد عن سياستهم وصلحهم وحربهم. ولو كان لعربي أن يصبر على ضيم قريب أو بعيد لصبر هؤلاء الجيران في هذه السوق العامة، ولكن طرح الخسف ورد الضيم في نفس العربي هو قبل التجارة والأدب، ورفع الذل عنده أهون وسائله إهراق الدماء وقطع وريد الحياة؛ لأنه لا يفقه عيشا بقيد ولا يتصور حياة بذل.
والظاهر أن احتفال الناس بعكاظ لم يكن واحدا دائما، فقد كان في بعض السنين يربي على الغاية في الازدحام والحركة، حتى تضيق السوق بمن فيها, وحتى يربح التاجر والجالب إليه ربحا عظيما لا يتأتى إلا في الفرط النادر. قال المرزوقي: "فلما دخلت سنة خمس وثلاثين من عام الفيل, حضر السوق من نزار واليمن ما لم يروا أنه حضر مثله في سائر السنين، فباع الناس ما كان معهم من إبل وبقر ونقد, وابتاعوا أمتعة مصر والعراق والشام ... ".
стр. 320
هي إذًا معرض عام للجزيرة العربية: فيها عرض لتجارات جميع الأقطار وعرض للبيوع وعرض للعادات والأديان واللغات والآداب، وللسياسة ... وفيها لجان رسمية على نحو ما نألف في معارضنا اليوم، تحكم للمتفوق بتفوقه حكما نافذا من أقصى الجزيرة إلى أقصاها. وتزيد على معارضنا بميزة جليلة، وهي صهرها لعادات القبائل ولغاتها ومواضعاتها لتنتقي منها أحسنها وأخلقها بالبقاء.
لسنا نعلم لهذه السوق بداية محدودة إلا أنا نرجح وجودها قبل القرن السادس الميلادي١، ولما جاء الإسلام وتوطدت أركانه في
стр. 321
الجزيرة والعراق والشام بدأ شأنها يضؤل، ولم تزل قائمة إلى أن خرجت الخوارج الحرورية مع المختار بن عوف بمكة سنة "١٢٩" للهجرة, فنهبوها فتركت إلى الآن.
وعلى هذا, تكون هذه السوق قد عمرت أكثر من قرنين ونصف القرن.
стр. 322
سوق مجنة:
مجنة موضع "وقيل: بلد" قرب مكة على أميال منها، تقع بمر الظهران، قرب جبل يقال له: الأسفل, وهو بأسفل مكة على قدر بريد منها، ميمها بالفتح وتكسر١. والظاهر أنها من المواطن التي لا ينساها أهل مكة لبعض جمال فيها, ولأنها ذات مياه، فقد جاء في في كتب السيرة: أن بلالا لما هاجر إلى المدينة وأصيب بالحمى، تشوق إلى مكة ومواطنها وتغنى بقوله:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفخ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل٢
стр. 323
هذه السوق لكنانة وأرضها من أرض كنانة، تقوم في العشر الأخير من ذي القعدة١ ويقصدها العرب بقضّهم وقضيضهم بعد أن تنفضّ سوق عكاظ، يتممون فيها ما قصدوا له من تجارة وفداء وتفاخر و ... على شبه التفصيل المتقدم في عكاظ, ويجلب إليها ما يجلب إلى تلك من متاع وعروض. ولم تكن الخمر لتقل فيها شأنا عن بقية الأسواق, فقد كانت تحمل إليها من معادنها من الشام، ومن بصرى وغزة حتى صار يشيد بذكرها الشعراء. قال أبو ذؤيب الهذلي:
سلافة راح ضمنتها إداوة ... مقيَّرة ردف لمؤخرة الرحل
تزوّدها من أهل بصرى وغزة ... على جسرة مرفوعة الذيل والكفل
فوافى بها عسفان ثم أتى بها ... "مجنة" تصفو في القلال ولا تغلي٢
ومجنة وعكاظ وذو المجاز تستوي في نظر المحرمين من العرب
стр. 324
وتتمتع منهم جميعا باحترام واحد, حتى إن بعضهم لا يردها إلا محرما.
قال الأزرقي:
"كانت قريش وغيرها من العرب تقول: "لا تحضروا سوق عكاظ ومجنة وذي المجاز إلا محرمين بالحج". وكانوا يعظمون أن يأتوا شيئا من المحارم, أو يعدو بعضهم على بعض في الأشهر الحرم وفي الحرم"١.
ومجنة -وإن قرنت في أغلب الأحيان مع عكاظ وذي المجاز- دون هاتين السوقين شأنا, حتى إن المرزوقي لم يذكرها مستقلة كما ذكر غيرها, بل اكتفى بقوله: "وزاد بعضهم في الأسواق المجنة, وهو قريب من ذي المجاز".
стр. 325
سوق ذي المجاز:
لهم في تحديدها قولان: أحدهما أنها على فرسخ من عرفة بناحية كبكب، وكبكب جبل بعرفات خلف ظهر الإمام إذا وقف. ذكره ياقوت وغيره, وهو أحد قولين نقلهما الزبيدي. والثاني: أنها موضع بمنى، ومنى بين مكة وعرفات في نصف الطريق تقريبا، والذين نقلوا الأول أكثر عددا وإن كان القول الثاني أدنى إلى القبول.
وسمي ذا المجاز؛ لأن إجازة الحاج كانت منه، ولعل السوق أحيانا تمتد أو يتنقل الناس فيها: يقتربون ويبتعدون حتى تشغل هذه المسافة١. وذو المجاز من ديار هذيل، هم أهلها وجيرانها الأدنون.
يكثر ورود ذي المجاز في شعر العرب, ولا سيما شعراء هذيل؛ لأنها من أسواقهم الكبرى، ومن المواسم أيضا. قال أبو ذؤيب الهذلي:
وراح بها من ذي المجاز عشية ... يبادر أولى السابقات إلى الحبل
وقال الليثي:
стр. 326
للغانيات بذي المجاز رسوم ... في بطن مكة عهدهن قديم
أما التي ذكرها الحارث بن حلزة في معلقته:
واذكروا حلف ذي المجاز وما ... قدم فيه العهود والكفلاء
فالغالب أنها التي في شمال الجزيرة؛ لأن مقام قبيلته يشكر والأحداث بينها وبين غيرها كانت هناك.
إذا انقشع الناس عن مجنة حين يهل ذو الحجة, ساروا بأجمعهم إلى هذه السوق, وأقاموا بها حتى اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية، سمي بذلك لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء ويملئون أوعيتهم لما بعده, إذ لا ماء بعرفة. وإلى هذه السوق تتقاطر وفود الحجاج من سائر العرب ممن شهد الأسواق قبلها، أو لم يشهدها وأتى للحج خاصة، إذ إن ذا المجاز من مواسم الحج عندهم.
تحفل١ ذو المجاز لوقوعها أيام الحج بجموع العرب وتجارهم
стр. 327
وأشرافهم، وهي تلي عكاظ في الشأن، ويجري فيها ما يجري في هذه من تبايع وتناشد وتفاخر وفداء أسرى وطلب ثأر ... إلخ، يقصدها صاحب الثأر ليتعرّف فيها واتره، فيتربص به انقضاء الشهر الحرام إن كان من المحرمين, وإلا عاجله فأخذ بثأره, وإليك بعض أحداثها:
"١"
روى الأصفهاني: "أن قيس بن الخطيم لم يزل يلتمس غرة من قاتل أبيه وجده في المواسم, حتى ظفر بقاتل أبيه بيثرب فقتله، وظفر بقاتل جده بذي المجاز، فلما أصابه وجده في ركب عظيم من قومه، ولم يكن معه إلا رهط من الأوس، فخرج حتى أتى حذيفة بن بدر الفزاري فاستنجده فلم ينجده، فأتى خداش بن زهير فنهض معه ببني عامر حتى أتوا قاتل عدي "جد القيس" فإذا هو واقف على راحلته في السوق، فطعنه قيس بحربة فقتله ثم استمر. فأراده رهط الرجل فحالت بنو عامر دونه ... إلخ".
стр. 328
"٢"
حالف أبو الأزيهر الدوسي -وكان عظيم الشأن في الأزد- أبا سفيان بن حرب عظيم بني أمية، وكان بين أبي الأزيهر هذا وبني الوليد بن المغيرة محاكمة في مصاهرة، فإن أبا الأزيهر لقاعد في مقعد أبي سفيان بسوق ذي المجاز, إذ جاء هشام بن الوليد فضرب عنقه في مقعده ذاك بذي المجاز, وانتظر الناس أن يأخذ أبو سفيان بثأر حليفه من هشام فلم يفعل ولم يدرك به عقلا ولا قودا من بني المغيرة، وتحدث بذلك أهل السوق من قبائل العرب وراجت في الناس حتى عيروا بها أبا سفيان, وحتى قال حسان بن ثابت فيها:
غدا أهل حضني ذي المجاز بسحرة ... وجار ابن حرب لا يروح ولا يغدو
كساك هشام بن الوليد ثيابه ... فأبلِ وأخلق مثلها جددا بعد١
"٣"
كثيرا ما يغير قوم على قوم فيسبون من ذراريهم فيستعبدونهم؛ فينشأ هؤلاء الذراري أرقاء في غير قومهم، فيباعون في الأسواق أيام المواسم، فكانت الجواري والأطفال من جملة العروض التي
стр. 329
يقتنيها العربي في الجاهلية ويبيعها ويشتريها كما يفعل بالتمر والثياب والسلاح, حتى جاء الإسلام فأبطل سبي العربي. جاء في الأغاني "١١/ ٧٥":
"أن أبا وجزة لحق أباه عبيدا -وهو صبي- سباء في الجاهلية، فبيع بسوق ذي المجاز, فابتاعه رجل من سعد واستعبده، فضرب عبيد هذا يوما ضرع ناقة لمولاة فأدماه, فلطم المولى وجه العبد، فخرج عبيد إلى عمر مستعديا فلما قدم عليه قال: "يا أمير المؤمنين! أنا رجل من بني سليم ثم من بني ظفر أصابني سباء في الجاهلية كما يصيب العرب بعضها من بعض، وأنا معروف النسب، وقد كان رجل من بني سعد ابتاعني فأساء إلي وضرب وجهي، وقد بلغني أن لا سباء في الإسلام" فما فرغ من كلامه, حتى كان مولاه قد أتى عمر على أثره فقال: "يا أمير المؤمنين! هذا غلام قد ابتعته بذي المجاز، وقد كان يقوم في مالي فأساء, فضربته ضربة والله ما أعلمني ضربته غيرها قط، وإن الرجل ليضرب ابنه أشد منها فكيف بعبده، وأنا أشهدك أنه حر لوجه الله" فقال عمر لعبيد: "إنه لا سباء على عربي، وإن هذا الرجل قد امتن عليك، وقطع عنك مئونة البينة، فإن أحببت فأقم
стр. 330
معه فله عليك منة، وإن أحببت فالحق بقومك". فأقام عبيد مع السعدي وانتسب في بني سعد بن بكر بن هوازن" ا. هـ.
وعمر نفسه اشترى خادمه "أسلم" من سوق ذي المجاز، وكان أسلم هذا حبشيا أسود مشرطا١.
هذه الأسواق الثلاث: عكاظ ومجنة وذو المجاز التي كانت تقوم في أيام الحج ويؤمها العرب قاطبة من كل حدب وصوب، شهدت إلى جانب مناظر البيع والشراء، والمفاخرة والإنشاد، مشهدا من أفظع مشاهد الجفاء والتنكر والأذى لصاحب الشريعة الإسلامية ﷺ وابتلعت تلك الأسواق بضجيجها وما كانت تعج به من حوادث، صوت الدعوة الإسلامية فيما ابتلعت من دعوات، وغاب صوت صاحبها في ذلك الرُّغاء والصخب والزحام. فلقد مكث الرسول بمكة مستخفيا ثلاث سنين ثم أعلن في الرابعة, ودعا الناس إلى الإسلام عشر سنين يوافي فيهن المواسم كل عام؛ يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ ومجنة وذي المجاز،
стр. 331
يدعوهم أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه، فلا يجد أحدا ينصره أو يجيبه، حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة فيردّون عليه أقبح الرد, ويؤذونه ويقولون له: "قومك أعلم بك"١.
كان قاصد هذه الأسواق أيام الحج، موزع السمع بين داعٍ إلى ثأر وناشد ضالة، ومنشد قصيدة، وخطيب، وعارض بضاعة، وحامل مال لفك أسير، وقاصد شريف لإجازة أو حمالة، وداعٍ إلى عصبية، وآمر بمنكر ... فيجد شيئا معروفا قد ألفه منذ عقل وأبصر الدنيا. لكنه بعد عام الفيل بثلاث وأربعين سنة يجد أمرا لم يألفه قط، ولا سمع بمثله: رجلا كهلا وضيئا عليه سمات الوقار والخير، يسأل عن منازل القبائل قبيلة قبيلة؛ هذه بنو عامر بن صعصعة، وهذه محارب، وتلك فزارة، والرابعة غسان، وهناك مرة وحنيفة، وسليم وعبس، وهنا بنو نصر, وكندة، وكعب، وعذرة، وهؤلاء الحارث بن كعب وأولئك الحضارمة ... إلخ.
يؤم منازل كل قبيلة، ويقصد إلى شريفها يدعوه بالرفق إلى الله،
стр. 332
وفعل الخير، فيتجهم له هذا، ويعبس ذاك، ويجبهه ذلك ويحقره آخر ... فيلقى من الصد ألوانا يضيق ببعضها صدر الحليم، فلا يؤيسه ما لقي، ولا يكفه ما أوذي، فيمضي متئدا حزينا إلى قبيلة أخرى وشريف آخر, يعرض نفسه عليهم ويقول: "هل من رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي" فلا يجد مجيبا، حتى تدارك الله نبيه بوفد الأنصار.
هذا ما حفظته لنا كتب السير والأدب من مشاهد مؤثرة، فرأينا أن تلك الأسواق لم تخل من دعوة إلى خير؛ فقد تردد في أجوائها الصوت الضعيف الخافت، يطلب حماية وإجابة. ولئن صدف عنه الناس وازورّوا في أسواق الجاهلية فلقد ملأ هذا الصوت فيما بعد ما بين المشرق والمغرب، وطبق الخافقين بآثاره التي بثها في العالمين رحمة وعدلا وعلما وإنسانية وسعادة ومُثُلا عليا. وما زال يستجيب لهذا الصوت كل يوم، أفواج من أمم الحضارة والعرفان، في آسيا وأوروبا وأمريكا, وصد عنه قديما أجلاف البادين، وهرع إليه اليوم زمر المتحضرين من كل عالم ومخترع ومصلح وأديب وسياسي ومفكر يستضيء بعلمه وفكره الملايين من الخلائق.
стр. 333
فلنأخذ من هذه الأسواق العبرة، ولنحتفظ بهذا الدرس، فإن الحق مهما بدا ضعيفا وبدا خصيمه الباطل قويا صائلا، لا بد أنه ظافر في النهاية عليه. ولنعلم أن اليأس لا ينبغي أن يجد سبيلا إلى قلب المؤمن، وأنه:
﴿لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ .
стр. 334
سوق نطاة خيبر:
خيبر قرية شمالي المدينة، بينها وبين تبوك, وهي عدة حصون لليهود وفيها مياه ومزارع. ونطاة اسم حصن بها واسم عين أيضا, وقيل: هي خيبر نفسها. وحول القرية نخيل كثير يسقى بعين فيها, والبلدة وبئة معروفة في العرب بحمَّاها.
أهلها يهود استوطنوا الحجاز منذ القديم, واشتغلوا بالزراعة والتجارة١.
ونظرا لوقوع هذه القرية على الطريق التجارية الكبرى بين اليمن والشام, أسهم أهلها بتجارة الجزيرة، وكانت إحدى محطات القوافل التجارية في سفرها إلى الشام. ونجح أهلها في متاجرهم حتى أفادوا منها غنى واسعا واستفاضت لهم ثروات طائلة, ونشأت فيهم رءوس الأموال الضخمة, ولا نبعد إذا قلنا: إن خيبر مصرف الجزيرة المالي. ولما فتحها الرسول ﷺ صالح أهلها على الشطر من الثمر والحب. ويذكر أصحاب السيرة غنائم خيبر وما وجدوا فيها من
стр. 335
كنوز، فيذكرون أموالا جمة ودنيا عريضة. بنى اليهود فيها حصونا عديدة جعلوا فيها أموالهم وميرتهم من طعام وحب وثمر. وهم في الجملة أهل بأس وشكيمة, قاوموا كثيرا قبل أن يفتح المسلمون حصونهم، ثم غلبوا على أمرهم فافتتح المسلمون حصن ناعم ثم القموص ثم حصن الصعب بن معاذ وهو أعظم حصونها غناء وأكثرها طعاما وودكا، ثم الوطيح، ثم السلالم, ثم الشق. وكان في الغنائم ذهب كثير وفضة كثيرة، فجعل الصحابة يتبادلونهما حتى نهى الرسول ﷺ أن يبتاع الذهب بالذهب والفضة بالفضة. بين تلك الحصون حصن الشق وحصن نطاة وحصن الكتيبة, وكان لكل حصن خازن يخبئ أموال أهله, وكان كنانة بن الربيع عنده كنز بني النضير فلما أسر سئل عنه فأنكر, فاهتدى الفاتحون إليه فوجدوا أموالا طائلة.
اتسعت تجارات اليهود في خيبر وغيرها حتى استطاع الرجل الواحد منهم كأبي رافع الخيبري أن يسيّر قوافل تجارية لحسابه إلى الشام. وهم نشروا في الجزيرة التعامل بالربا كما تقدم في أول الكتاب, وأثروا إثراء ضخما. وكلما مرت عير لقريش أو لطيمة من لطائم النعمان قامت لها سوق في خيبر. وقد جعل المرزوقي زمنها بعد زمن سوق ذي المجاز, أي: بعد أشهر الحج وقبل أن تبتدئ سوق حجر.
стр. 336
سوق حجر:
تقع بلاد اليمامة إلى غربي البحرين وجنوبي العراق, والطريق إليها من العراق وغيره طويلة شاقة. وقصبتها وأم قراها "حَجْر" وذكر اللسان أنها "الحَجْر" بالتعريف, وحكى فيها الكسر أيضا.
ينزل أمراء اليمامة وولاتها في حجر، حيث السوق وحيث تجلب إليها الأشياء، إذ هي مصر اليمامة عامة وفي وسطها، وهي في قاع فيه نخيل وماء وكان به قصور في القديم حين كانت البلدة ذات شأن. وأصلها لبني حنيفة إلا أنها شركة كالبصرة والكوفة, لكل قوم فيها خطة. لكن العدد فيها لبني عبيد من بني حنيفة وكان قد تحصن فيها مسيلمة الكذاب لما تبعته سجاح المتنبئة قبل أن يتزوجها ويقتسما الأرض بينهما. وهي ذات شهرة في العرب، اشتهرت منها زرقاء اليمامة التي ضرب المثل بحدة بصرها, واشتهر أيضا منها عرّافها الذي كان يقصد من بعيد، والذي روي فيه بيت عروة بن حزام:
جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني
حجر من الأسواق المتوسطة، يقصدها العرب لما يقصدون إليه بقية الأسواق من بيع وشراء وتناشد. ثم صار لها في الإسلام
стр. 337
ذكر مكرر في أحاديث الأدب والأخبار؛ لأنها دار جرير بن الخطفي الشاعر، وكثيرا ما كان ينزلها أيضا ذو الرمة، وكانت في مأمن من السلطان لبعدها. وبقيت سوقها حتى آخر العصر الأموي، وذكروا أن عمران بن حطان هرب من الحجاج إلى اليمامة فنزل بحجر. كان يجري في هذه السوق قريب مما يجري في عكاظ من المفاخرة.
١- منافرة:
قال علي بن شفيع: إني لواقف بسوق حجر، إذ أنا برجل عليه مقطعات خز وهو على نجيب مهري، رجل من هيئته وحالته ... لم أر قط أحسن منه وهو يقول: "من يفاخرني؟ من ينافرني ببني عامر بن صعصعة، فرسانا وشعراء وعددا وفعالا؟ " قلت: "أنا" قال: "بمن؟ " قلت: "ببني ثعلبة بن ... بن بكر بن وائل" فقال: "أما بلغك أن رسول الله ﷺ نهى عن المنافرة؟ " ثم ولى هاربا. فقلت: من هذا؟ فقيل: "عبد العزيز الكلابي".
стр. 338
٢- جرير يبكي الفرزدق:
ولعل أفحل من بها "وبغيرها" من الشعراء في الإسلام جرير, كان إذا انتهى من أحداثه الشعرية في العراق أو الشام وملأ الأجواء بهجائه وفخره، أوى إلى بلده وقومه الذين ينافح عنهم، فأكرموا مثواه وطاروا بأشعاره، وإن مجلس جرير ليعد أحد المشاهد في سوق حجر:
"كان يوما جالسا بفناء داره في حجر, فإذا راكب أقبل فقال له جرير: "من أين وضح الراكب؟ " قال: "من البصرة" فسأله عن الخبر, فأخبره بموت الفرزدق، فقال:
هلك الفرزدق بعدما جدعته١ ... ليت الفرزدق كان عاش قليلا
فقال له المهاجر: "بئس ما قلت، أتهجو ابن عمك بعدما مات؟! لو رثيته كان أحسن بك! ". ففكر قليلا ثم قال: "والله إني لأعلم أن بقائي بعده لقليل، وإن كان نجمي ليوافق نجمه، أفلا أرثيه ... " فقيل له: "لو كنت بكيته ما نسيتك العرب".
ثم قال جرير من أبيات يرثيه:
стр. 339
فلا ولدت بعد الفرزدق حامل ... ولا ذات بعل من نفاس تبلت١
هو الوافد المأمون والواثق الرضى ... إذا النعل يوما بالعشيرة زلت"
٣- شاعر يطاف به مجلودا:
هجا البعيث بطنا من باهلة يقال لهم: بنو أصخب، فاستعدوا عليه إبراهيم بن عدي عامل الوليد بن عبد الملك، فضربه بالسياط وأمر فطِيف به في سوق حجر. ويراه جرير فيقول:
لئن هجوت "بني صخب" لقد تركوا ... للأصبحية في جنبيك آثارا
قوم هم القوم لو عاد الزبير بهم ... لم يسلموه وزادوا الحبل إمرارا٢
وهكذا كانت سوق حجر خاتمة المطاف لهذه النقائض الممتعة والحرب السجال الطويلة بين فحلين من أفحل شعراء العرب، استأثر سوق المربد بالبصرة بأكثرها وختمت هنا في حجر.
ففي هذه السوق إذًا, أثارات مما كان يكون في عكاظ من بيع وشراء ومفاخرة ومجالس أدب.
كانت تقوم هذه السوق بين عاشوراء وآخر المحرم.
стр. 340
سوق دير أيوب:
دير أيوب قرية بحوران من نواحي دمشق, يزعمون أنها مسكن أيوب النبي ﵇ وأن الله ابتلاه فيها, ويزعمون أيضا أن العين فيها هي التي ركضها برجله.
هذا ما ذكره ياقوت. أما القرية فهي إلى شمال بصرى وغرب أذرعات "درعا" وتعرف اليوم باسم "شيخ سعد"١, ولا يزال إلى اليوم فيها مقام للنبي أيوب, وفيها العين التي أشار إليها ياقوت وهي من القرى الصغيرة في حوران، قليلة النفوس والشأن.
ويظهر أن لها في القديم خطرا كبيرا يقارب ما لبصرى؛ فقد هبطتها منذ سنين بعثة أثرية "تشيكوسلوفاكية" ونقّبت في تربتها فعثرت على آثار رومانية قديمة، حملت منها إلى بلادها قسما مهما, وكان في جملة ما عثرت عليه آثار حثية ومصرية, وأبقت منها نصبا في دار العظم بدمشق.
стр. 341
فالبلدة إذن ذات مكانة قديمة لعهد الجاهلية وصدر الإسلام. ويذكر الطبري١ أنه لما "انصرف مروان "الجعدي" منهزما، جمع قومه وجنده، ومضى إليه أبو الورد فهزمه ثانية وتفرق من معه وأسر ثلاثة رجال من ولده وهم: نعيم، وبكر، وعمران, فبعث بهم إلى مروان ... وهو بدير أيوب فأمر بمداواة جراحاتهم". ثم ذكر ما يفيد أن مروان جعلها قاعدة حربية لتجهيز جنده وبعثهم إلى الأطراف المنتقضة فيقول: "فأقبل نحو من عشرة آلاف ممن كان مروان قطع عليه البعث بدير أيوب لغزو العراق مع قوادهم, حتى حلوا بالرصافة"٢.
وبقيت دير أيوب من القرى المهمة في حوران, حتى ضؤل شأنها كما ضؤل شأن بصرى وأذرعات وسائر حوران.
وهذه السوق أول أسواق الشام قياما. فكان العرب وقريش إذا انتهوا من أسواقهم الموسمية: عكاظ ومجنة وذي المجاز، وأنهوا حجهم ورجعت وفود البلدان، نظّموا عيرهم وتهيئوا للسفر إلى الشام فأقاموا تجاراتهم فيها, وبدءوا بسوق دير أيوب هذه.
ومتى انتهوا منها, وانتقضت اعتدوا سبعين يوما٣ ثم أقاموا سوق بصرى.
стр. 342
سوق بصرى:
بصرى من مشارف الشام وهي عاصمة حوران, ومن كبار مدن الشام منذ الزمن الأطول قبل الإسلام، حتى إن اسمها ليتردد في كثير من أشعار العرب. وكان أهل الشام عامة على علاقات متواصلة مع سكان الحجاز؛ لكثرة أسفار هؤلاء إلى الشام, وكان النبط كثيرا ما يحملون تجاراتهم بين الحجاز والشام وينقلون الأخبار بين البلدين.
بل إنا لنجد لبصرى من الشهرة في الجاهلية ما لا نجد لدمشق نفسها؛ لأنها كانت محط رحال تجار العرب من بلاد الشام يقدمون إليها بحاصلات الحبشة والهند واليمن, فكانت هذه العلائق سببا في جريان الألسنة بذكرها دون دمشق التي لا نكاد نعثر على ذكر لها في الأشعار القديمة.
كانت بصرى أيام الرومان على جانب من العظمة والمكانة, وقد أنجبت أحد أباطرة الرومان "فيليبس" الذي نصب إمبراطورا سنة "٢٤٤" من الميلاد, فقد كان عربيا من بصرى حوران. جاء في خطط
стр. 343
الشام١ في صدد الكلام على حوران وعمرانها:
"ولا تزال خرائب بصرى عاصمة حوران وأحصن مدن "باشان" ومعقل الرومان، شاهدة بما كان في بلاد تلك المدينة من الفخامة والعظمة. وكان طولها داخل السور -كما قال بورتر- ميلا وربع ميل وعرضها ميلا. ويحيط بالسور ربَض كثير المباني، ومحيطها خمسة أميال، لها سور عالي الجدران وثيق البنيان، وقلعة لا أحصن منها في عامة بلاد الشام. ويقطع المدينة شارع كبير على طولها يمر في وسطها له بابان جميلان على طرفه، وشوارع رحبة، وفيها ما يفوق الوصف من غرائب الصناعة, وبدائع البناء، وأساليب النقش في الهياكل والكنائس والقبور والمذابح، ورُكام الأنقاض, وبيوت الأقدمين. وقوس نصر أقيم للقائد فيليبس الذي صار إمبراطورا وهو من أهالي بصرى. والمشهد نصف دائرة قطره "٢٧١" قدما وهو مكشوف من الأعلى مثل كل المشاهد الرومانية. وفيها مشهدان وستة هياكل وعشر كنائس, عدا القصور والحمامات والسبل والقنوات وأقواس النصر وغير ذلك من المباني الكثيرة. وبعضها ما يصلح أن تزدان به أعظم عواصم أوروبا الآن" ا. هـ.
стр. 344
ونظرا لمركزها التجاري المهم وكونها سوقا عامة للقوافل الآتية من جزيرة العرب وتوسطها بين أماكن قبائل النبط والبدو وغيرهم, حصنها الرومانيون وعنوا بها عناية فائقة, وجعلوا فيها الحاميات القوية لمراقبة قبائل الصحراء وحركاتهم، فهي قلعة الرومان في وجه البادية والصحراء، ومعقلهم يصدون منها ما قد تتعرض له الشام من هجمات القبائل.
انتظم سير القوافل التجارية العربية إلى بصرى قبل الإسلام بزمن طويل. وكان رحل إلى الشام فسكنها وما حولها, عرب من اليمن بعد حادث سيل العرم, وكانت تزعم لها الشهرة قبل هذا الحادث أيضا. فقد جاء في الأغاني:
لما أرسل الله سيل العرم على أهل مأرب قام رائدهم فقال: من كان يريد الخمر والخمير، والأمر والتأمير، والديباج والحرير، فليلحق ببصرى والحفير، وهي من أرض الشام فكان الذين سكنوه غسان. ا. هـ.
ولما عظم أمر قريش صارت عيرهم ترد بصرى في مقدمة ما ترد من مدن الشام وتعددت أسفارهم إليها، وليس في قريش تاجر إلا رحل إليها مرارا وعرفها حق المعرفة، كما عرف أغلب مدن الشام، فاستفادوا من خبرتهم بهذه
стр. 345
الديار فوائد جلّى لما بدأت الفتوحات بعد الإسلام. وفيما يذكر رواة الأخبار دليل على احتفال العرب ببصرى وسوقها؛ فيروي الحافظ ابن عساكر مثلا عن الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله أحد العشرة أنه قال: "كنت في سوق بصرى، فإذا راهب في صومعته يقول: "سلوا أهل هذا الموسم: أفيهم أحد من أهل الحرم؟ " فقال طلحة: "نعم أنا" فقال: "هل ظهر أحمد بعد؟ " ... إلخ"١ فالموسم جامع للناس من أقطار شتى وأهل الحرم ممن يرد.
وكتب السيرة تذكر أن رسول الله ﷺ سافر إليها مرتين: مرة طفلا ومرة تاجرا ابن خمس وعشرين سنة٢, وتزعم اجتماعه بأحد الرهبان في دير٣ هناك، وأن الراهب دعا إلى وليمته جميع من في العير ... مما يدل على
стр. 346
وجود العلائق بين الفريقين وتفاهمهم معا باللغة العربية, بحيث يجوز لنا أن نعد كورة بصرى قطرا عربيا في الجاهلية. وقد راسل رسول الله ملك بصرى عاصمة حوران, فأرسل إليه كتابا مع الحارث بن عمير كما بعث إلى غيره من الملوك. ولما كانت خلافة أبي بكر لم يفت المسلمين شأن بصرى وعظمتها، فكانت أول ما فتحت صلحا بعد حصار قليل؛ لما سار خالد بن الوليد من العراق لمدد أهل الشام وقدم على المسلمين وهم نزول ببصرى، وضايقوا أهلها فصالحوهم، على أن يؤدوا عن كل حاكم دينارا وجريب حنطة, ثم افتتح المسلمون حوران جميعها وقد تم ذلك سنة ١٣ للهجرة. قال القعقاع بن عمرو يذكر أمر بصرى هذا, وقد كان في الجيش المحاصر:
بدأنا بجمع الصفرين فلم ندع ... لغسان أنفا فوق تلك المناخر
стр. 347
صبيحة صاح الحارثان ومن به ... سوى نفر نجتذّهم بالبواتر
وجئنا إلى بصرى وبصرى مقيمة ... فألقت إلينا بالحشا والمعاذر
فضضنا بها أبوابها ثم قابلت ... بنا العيس في اليرموك جمع العشائر
ونحن -وإن لم يكن في يدنا نص عربي قديم يشير إلى غناها, وكثرة أرزاقها- نجد في شروط الصلح ما يدل على وفرة خيراتها، حتى لقد ادعى صاحب بصرى مرة أنه صالح المسلمين على طعام وخل وزيت فكذبه أبو عبيدة١. كما أن في كثرة ورودها على ألسنة الشعراء ما يدل على شأنها، فإنا إذا أردنا التقصي تعذّر علينا إحصاء ما في الشعر القديم من مثل:
أيا رفقة من آل بصرى تحملوا ... رسالتنا لقيت من رفقة رشدا
وقول الصمة بن عبد الله القشيري:
نظرت وطرف العين يتبع الهوى ... بشرقي بصرى نظرة المتطاول
وقول المتلمس "وهذا كان له ولد يقال له: عبيد المنان, هلك ببصرى ولا عقب له":
لم تدر بصرى بما آليت من قسم ... ولا دمشق إذا ديس الكراديس
стр. 348
وقول الآخر:
ولو أعطيت من بلاد بصرى ... وقنسرين من عرب وعجم
وورد في كتب السيرة ذكر لقصور بصرى هذه.
لم ينقطع قيام سوق بصرى بعد الإسلام بل زاد أمد قيامها, وكان العرب في جاهليتهم إذا انتهوا من سوق دير أيوب أقاموا سوق بصرى, حيث كان يشرف عمال الرومان. وتطول مدة هذه السوق طولا يتناسب هو وما قطعوا في سفرهم إليها من زمن. وقد بقيت تلك السوق حتى زمن المرزوقي "القرن الخامس الهجري", إذ ذكر أنه أدركها تقوم خمسا وعشرين ليلة، ونقل أنها كانت تقوم بولاية بني أمية من ثلاثين ليلة إلى أربعين, وهي مدة طويلة ليس للعرب مثلها في عامة أسواقهم.
اشتهر لبصرى نوعان من البضاعة اختصت بهما؛ أما الأول فالخمر لأنها كانت من مدن الشام التي يحمل منها الخمر١ ويتبجح العرب بذكرها. قال أبو ذؤيب الهذلي يذكر خمرتها:
سلافة راح ضمنتها إداوة ... مقيرة ردف لمؤخرة الرحل
стр. 349
تزودها من أهل بصرى وغزة ... على جسرة مرفوعة الذيل والكفل١
وأما الثاني فالسيوف, وقد اشتهرت بصنعها بصرى كما اشتهر كثير غيرها من قرى الشام التي تدنو من الريف, حتى قيل للسيف: "مشرفي" نسبة إلى مشارف الشام وبصرى أحدها فتنتسب إليها السيوف البصرية. قال الشاعر:
يعلون بالقلع والبصريّ هامهم٢
وقال الحصين بن حمام المري, يصف خيل الغارة:
عليهن فتيان كساها محرق ... وكان إذا يكسو أجاد وأنعما
صفائح بصرى أخلصتها قيونها ... ومطردا من نسج داود معلما٣
وأمر هذه السوق من إشراف ومكس إلى عمال الروم عليها, وكثيرا ما يكونون عربا من غسان.
стр. 350
سوق أذرعات:
أذرعات بلد بالشام قرب البلقاء "وهي اليوم تعرف بدرعا" أمرها قريب من أمر بصرى وتليها في الشأن، وعلائق العرب التجارية بها في الجاهلية كعلائقهم ببصرى، واستفاضتها على ألسن شعرائهم تشبه ما لبصرى، من مثل قول امرئ القيس:
تنوّرتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي١
وقول الآخر:
وهيجتني من أذرعات وما أرى ... بنجد على ذي حاجة طربا بعدا؟
واشتهرت بخمرها في الشعر, فقال أبو ذؤيب الهذلي:
فما إن رحيق سبتها التجا ... ر من أذرعات فوادي جدر
وقال:
فما فضلة من أذرعات هوت بها ... مذكرة عنس كهادية الضحل١
стр. 351
سلافة راح ... إلخ.
وتنسب إليها فيقال: خمر أذرعية.
كان يحكمها في الجاهلية عمال للروم, فلما جاء الإسلام صُولح أهلها ونالوا عهدا لأنفسهم وبلدهم, فلما كانت جيئة عمر إلى الشام استقبلوه. قال عبد الله بن قيس:
كنت ممن لقي عمر مع أبي عبيدة مقدمه الشام، فبينما عمر يسير إذ لقيه المقلسون١ من أهل أذرعات بالسيوف والريحان فقال عمر: "مه، امنعوهم" فقال أبو عبيدة: "يا أمير المؤمنين, هذه سنتهم، وإنك إن منعتهم منها يروا أن في نفسك نقضا لعهدهم" فقال عمر: "دعوهم".
تقوم هذه السوق بعد سوق بصرى بسبعين ليلة٢. ويطول أمدها, والغالب أنهم يقيمونها مدى الصيف. وبقيت هذه السوق قائمة بعد الإسلام بكثير، فقد أدركها المرزوقي ووصف طول قيامها بقوله: "وسوق أذرعات اليوم أطولها قياما, وربما لقيت الناس صادرين منها وأنا وارد".
стр. 352
سوق الحيرة:
لم يذكر هذه السوق أحد ممن تعرض لذكر أسواق العرب مع عظم شأنها, وقصد تجار العرب إليها. وليس من المعقول أن تقصد قريش وأهل الطائف، فارس للتجارة فيها ولا يكون لهم أسواق موسمية في العراق وهي طريقهم وأهلها عرب.
إلا أن في الأغاني ما يدلنا على أن بها سوقا عظيمة موسمية، قال أبو الفرج:
"خرج الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليه الناس كل سنة"١.
وبلدة كالحيرة بعيدة الصيت في جزيرة العرب، يتحدثون بخصبها وعظمتها ومنازهها ... وأحداث ملوكها بني نصر، وعلائقهم مع من جاورهم من العرب، ويتحدثون عن الشعراء العظام الذين قصدوا ملوكها للنوال والهبات كالنابغة الذبياني والأعشى وحسان بن ثابت وغيرهم ... بلد كهذا لا بد أن يكون مرتبطا بما جاوره من الأقاليم
стр. 353
ارتباطا تجاريا وثيقا، وهي أولى من بصرى وأذرعات بأن يكون فيها للعرب أسواق عامة.
ويطلعنا التعمق في التنقيب على أسواق ثانية تقام في أماكن من العراق ولا تقتصر على العرب وبضائعهم، بل يخالطهم فيها أجانب من فرس وغيرهم, ويحمل إليها متاع الهند وفارس كما يحمل إليها أمتعة الشام واليمن والبحرين. فقد جاء في الطبري عند كلامه على فتوح العراق:
سوق الخَنَافس سوق يتوافى إليها الناس ويجتمع بها ربيعة وقضاعة يخفرونهم ... قال رجل من أهل الحيرة للمثنى: "ألا ندلك على قرية يأتيها تجار مدائن كسرى والسواد وتجتمع بها في كل سنة مرة، ومعهم فيها الأموال كبيت المال؟ وهذه أيام سوقهم ... " فصبحهم في أسواقهم فوضع فيهم السيف ... وأخذوا ما شاءوا. وقال المثنى: "لا تأخذوا إلا الذهب والفضة، ولا تأخذوا من المتاع إلا ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابته. وهرب أهل الأسواق وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء والحر من كل شيء ... "١.
стр. 354
الحيرة مدينة واسعة الشهرة منذ القديم. ذكروا أن بانيها بختنصر، وأنه بناها لتجار العرب الذين وجدوا بحضرته ثم صارت من بعده عاصمة ملوك العراق, حتى إن الطبري ليذكر أن لها قبل الإسلام أكثر من خمسة قرون١. وموضعها إلى شمال الكوفة على ثلاثة أميال منها. طيبة الهواء كثيرة البساتين. ردد ذكرها الشعراء منذ الجاهلية وفتنوا بها وبخمرها وحاناتها وأديارها, فكانت بحق مقصف العرب عامة. ونسبوا إليها فقالوا: "حاري" على غير القياس، وقالوا: "حيري" على القياس؛ فمن الأول قول عمرو بن معديكرب:
كأن الإثمد الحاريّ منها ... يسف بحيث تبتدر الدموع٢
ومن الثاني قول بعضهم:
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاريّ قشيب مشطب٣
ولها تاريخ طويل يدل على قدمها وشهرتها قبل الإسلام, وأنها كانت ميدانا لحوادث جسام ليس هذا مقام سردها, فليرجع إليها في مظانّها.
стр. 355
وذكر ياقوت في سبب بنائها أن: "بختنصر قد جمع من كان في بلاده من العرب بها فسمتها النبط أنبار العرب ... فصار في الحيرة من جميع القبائل من مذحج وحمير وطيء وكلب وتميم وتنوخ ... فأهل الحيرة ثلاثة أصناف: فثلث: تنوخ وهم كانوا أصحاب المظال وبيوت الشعر, ينزلون غربي الفرات بين الحيرة والأنبار فما فوقها. والثلث الثاني: العِباد وهم الذين سكنوا الحيرة وابتنوا فيها، وهم قبائل شتى تعبّدوا لملوكها وأقاموا هناك. وثلث: الأحلاف وهم الذين لحقوا بأهل الحيرة ونزلوا فيها". وأشار إلى بعض هؤلاء الشاعر:
وغزا تبع في حمير حتى ... نزل الحيرة من أهل عدن
واشتهر في ظاهر الحيرة بناءان عظيمان هما: قصر الخورنق وقصر السدير. وبقيت مسكن ملوك العرب من بني نصر ولخم حتى كان آخرهم المناذرة الذين انقضى ملكهم بالإسلام.
ارتباط هذه البلدة بفارس وخضوع أمرائها لهم وكثرة العلائق بين البلدين، وسّع أفقها التجاري, وأكثر فيها الغنى والترف, وأحدث فيها نوعا من الثقافة ليس في غيرها. فقد مر بك أن قريشا تعلمت الكتابة من أهل الحيرة, وأن الذي قرأ صحيفة المتلمس غلام حيري، وأن النضر بن الحارث شيطان قريش تعلم من الحيرة أخبار ملوك