← История

История · id 9999

أسواق العرب في الجاهلية والإسلام

سعيد الأفغاني

Полный текст (499 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمات: مقدمة الطبعة الثانية: بسم الله الرحمن الرحيم: أقدم الطبعة الثانية من كتابي "أسواق العرب في الجاهلية والإسلام" منقحة, مزيدا فيها فوائد عزيزة غزيرة، آملا أن يكون لي نصيب -ولو ضئيلا- في سدّ فجوة من الفجوات في تاريخنا الحبيب. والحق, إن الطبعة الأولى كأنها لم تكن؛ إذ لم يطبع للبيع إلا ثلاثمائة نسخة استنفدت دمشق حينئذ كلها تقريبا. ووددت لو استطعت الإشراف على هذه الطبعة، ولا أظن الدار التي ستنشر الكتاب إلا باذلة جهدها في أن تفضُل هذه الطبعة سابقتها صحة وجمالا. ولا يسعني -في هذه المناسبة- إلا شكر العلماء والأدباء من العرب والمستشرقين الذين استقبلوا الطبعة الأولى من الكتاب استقبالا ما كنت أطمع ببعضه، حامدا لهم عنايتهم ببحوثه وثناءهم على صاحبه، مقدرا حسن ظنهم واقتراحاتهم المشكورة أحسن تقدير، وأخص بالذكر صديقي العلامة المرحوم المستشرق سالم الكرنكوي "فريتز كرنكو" فقد لقيت من نبله في خدمة العلم ما أتمنى أن نتحلى به جميعا. هذا, وقد أبقيت المقدمة على حالها وإن رغب إليّ بعض المستشرقين في حذفها؛ لأنها تفتح العيون على حملة منظمة علينا, متعددة الميادين، ولهم هم أنفسهم دور ناجح في أحد ميادينها، أبقيتها لأنها تؤرخ نواحي اجتماعية

стр. 2

واقتصادية وسياسية في حياة الشام في غمرة من الغمرات، وتشير إلى ظاهرة روحية قلقة سادت البلد إِبَّان قيام "سوق دمشق ومعرضها عام ١٩٣٦م"، ثم هي في الوقت نفسه تاريخ "لظروف" تأليف الكتاب. والله أسأل أن يجعلنا أبدا مفيدين مستفيدين، ويرزقنا الإخلاص والسداد. دمشق ١٣٧٩هـ ١٩٦٠م سعيد الأفغاني

стр. 3

بين يدي الكتاب: سبق لمدينة دمشق، أن أقامت سنة ١٩٢٧م معرضا للثمار والفواكه, افتتح يوم الاثنين ثاني عشر تشرين الثاني، دام خمسة أيام واشترك فيه "١٥٠٠" عارض من مختلف بقاع الشام "سورية"، وكان أثره في نهضة الزراعة وانتعاشها مباركا محمودا: علَّم الزراع ما لم يكونوا يعلمون، وحمل إلى الناس ما تنتج أرض الوطن في مختلف البقاع من ثمار تتشابه في النوع وتتباين في الصفة، فأغنى الناس بعض الإغناء عن رحلة زراعية واسعة في البلاد السورية، ووفر عليهم زمنا ومشقة وأموالا، وخطا في سبيل تعليم الجمهور خطوة ميمونة العاقبة. ورأى فيه الزارعون من يعنى بهم ويريد لهم الخير واطراد الرقي، وتسابق فيه العارضون وفاز المعتنى بثماره منهم بجوائز المعرض، وزاره من الرجال والنساء والأطفال ما يزيد عددهم على الأحد عشر ألفا١. ثم أقامت معرضا ثانيا للصناعات الشرقية في المجمع العلمي العربي "المدرسة العادلية في باب البريد" افتتح يوم الثامن من آذار سنة ١٩٢٨م، فخصصت الردهة الكبرى للآثار الشرقية الحديثة، ولم يسعف الزمن القصير أن تشترك فيه مدن الشام فاقتصر على دمشق، وكان ما عرض فيه "٦٢٧" من القطع المنوعة من "السجاد والنحاس والأخشاب والأسلحة والمخطوطات والجلود والصور والأقمشة وكل ما هو

стр. 4

من الفنون الجميلة". و"كان الإقبال على معرض الصناعات فوق ما كان يرجى؛ وذلك لتعطش الجمهور لمثل هذه المظاهر الفنية والصناعية واهتمامه بالنهضة الاقتصادية. وقد زار المعرض نيف وأربعون ألفا خلال ثمانية الأيام "٨-١٥ حزيران" التي ظلت أبوابه مفتحة فيها، منهم ثلاثة عشر ألف سيدة". و"كانت نتائج المعرض مرضية محسوسة، شعر بها من عرضوا مصنوعاتهم في القاعتين الخاصتين بالنفائس والأعلاق النفيسة"١. والمعرض الشامي الثالث كان للصناعات الوطنية، أقيم في صرح الجامعة السورية، في شهر آب سنة ١٩٢٩, وعرض فيه مصنوعات المناسج على اختلافها والمصابغ والمطابع والمطاحن والمزايت والمصابن عدا النفائس الشامية من القطع الخشبية والنحاسية والمصوغات، هذا إلى ما اشتهرت به دمشق من عمل "السكاكر" والمربيات والزجاج ... إلخ. وكان الإقبال على هذا المعرض أكثر من سابقيه؛ لشموله أكثر صناعات الشام واشتراك مدن سورية الشمالية. وقد تجلت فيه مواهب العرب في سورية, واستعدادهم للإسهام في الصناعات العالمية. وقوي الأمل في أحفاد من أقاموا بأيديهم وفكرهم وجهودهم، المجد الصناعي لقرطبة وبغداد ودمشق ومصر، يوم لم تكن صناعة إلا صناعتنا ولا حضارة إلا ما تنعم به الإنسانية على يدنا وبمسعانا. وفي ربيع هذا العام "١٩٣٦م" قامت الاستعدادات على قدم وساق لإنشاء معرض عام يمثل ذكاء العربي وتقدمه في جميع المناحي. وقد وافق هذا التأهب كلبا من الزمان, وحربا من العدو، وفقرا

стр. 5

عاما, ومصيبة شاملة، فكان الناس مشغولين بذوات أنفسهم عما سواها، فالسماء شحيحة ما تبضّ بقطرة، والأرض مجدبة ما تهتزّ عن خضرة، والموارد ناضبة لا تسعف، وأجزاء البلاد يُرْجى فيها السموم وتبث بينها العقارب، حتى خبطتها فتنة عمياء تنكّر فيها الساحلي للداخلي، وتجهّم العربي للعربي، رغم الدم الصارخ في عروقهما من الفرقة, الداعي لهما إلى الألفة والاتحاد. وغذّى هذا الشر أناس أقيموا ليهدوا الناس إلى الخير والأخوة والمحبة والسلام، فكانوا دعاة للشر وعمالا على الإفساد والتفريق والشفاء. وجعلوا من الدين الذي أنزله الله ليزيد الأواصر قوة والوشائج لحمة، ويفيض على القربى والرحم محبة ورحمة، وتعاونا وعطفا ... جعلوا من هذا الدين وسائل سافلة تستغل سذاجة العامي الغفل، وتموّه عليه السم بالدسم؛ ليسعى إلى حتفه بظلفه, ويقتل نفسه وأخاه معا. بهذا اشتغل الناس يومئذ وحق لهم الشغل والتفكير في هذه القطيعة المجرمة، إذ متى عاش رأس بلا جسم وهل استغنى قلب عن وريد وشريان، وأين شرع الله للجارين من جنس واحد أن يعملا على شقائهما معا، ويسعيا إلى التعس السعي الحثيث، ويزجا بأعقابهما وذراريهما من بعدهما في العذاب الأليم والانقراض المحتم؟ ثم يعملان في أبدانهما سلاحا دسه العدو في أيديهما, وهو يتربص بكليهما الشر ليسود دارهما وحده لا شريك له١. في غمرة هذه النزوات الطائشة، وفي شدة مقاومة المقيد الذي شعر أنه إنما يساق إلى الموت, وهو أشد ما يكون تعشقا للحياة وتمسكا

стр. 6

بحبالها، قام "معرض دمشق وسوقها" وأعلن في أقطار الشرق موعد افتتاحه! فاعجب إن كنت عاجبا لهذه الأمة الكريمة التي تنبض عروقها قوة غريبة وحيوية عنيفة، إنها لم تشغلها مصيبة عن واجب؛ فما أهاب بها الداعي حتى هبت هبة واحدة تنظم معرضها وتمده بكل ما في بقاع الوطن من تحفة فريدة في بابها. وزحفت صناعات الشام تتمثل في المعرض للعالمين، وازدهى هذا المعرض بعبقرية الوطن تتجلى في الفكر الخصب, واليد الصناعة. افتتح المعرض مساء الأحد الحادي والثلاثين من حزيران سنة ١٩٣٦م، في مدرسة التجهيز الجديدة، حيث أجمل بقعة في دمشق وأنزهها وأحفلها بآثار العرب في القديم والحديث. فصروح الجامعة السورية الحديثة وبناء دار الآثار ونزل "خوام" عن يمين بردى ... إلى جانب القباب الأثرية والمآذن الشاهقة، تلك تقفك على نشاط العربي ابن العصر العشرين, وهذه تذكرك بعنفوان مجده في القديم. ومن غريب الاتفاق أن تقوم معارض دمشق الثلاثة، في المجمع العلمي العربي "كان", والجامعة السورية, ومدرسة التجهيز؛ أكبر المعاهد العلمية وأعودها بالخير على البلاد، لتثير في الناس أثرين مزدوجين، يرتبطان أشد الارتباط ولا ينفكان, مرتبطين أبدا أو يفنيان معا: عبقرية الفكر وعبقرية اليد. لا تقوم حضارة على علم وحده ولا على صناعة وحدها، ولا بد من الاثنين معا. وقد فهمنا هذه الظاهرة وأخذنا في العمل لتحقيقها، وقطعنا في هذا أشواطا نسأل الله أن يرعاها بعنايته حتى نبلغ بها الغاية.

стр. 7

وهناك اتفاق آخر فطن له كثيرون، وعجبوا له العجب كله, وهو افتتاح المعرض في ليلة ذكرى المولد النبوي، في الليلة التي يستعيد فيها المسلمون ذكرى ما قدموا للإنسانية من نظم وحضارة وعدل وسعادة، في الليلة التي ولد في مثلها قبل أربعة عشر قرنا، خير طفل حملته الأرض، وكان له يد ومنة على كل من نعم بسعادة وشمل برحمة وتمتع بعدل واغتبط بعرفان. افتتح معرض دمشق وسوقها في مساء الليلة التي يقول فيها المسلم والعربي غير المسلم: كان منا هادٍ أفاض الرحمة على الإنسان والحيوان والجماد ... فتفاءل الناس خيرا, وأيقنوا أنهم لا بد بادئون تاريخهم من جديد وقد ولد ليلة المولد هذا المعرض، وهو فاتحة مباركة في تاريخ بعثنا الحديث إن شاء الله. فإنا كما شرعنا نصل حلقات السلسلة التي انقطعت، بجهادنا للحرية والحق، والعدل والنور، افتتحنا ليلتنا هذه بوصل حلقة مجدنا الصناعي والتجاري. وإن الإنسانية لتنتظر على أحر من الجمر، وبفارغ الصبر, الشعب الذي نعمت في ظلاله ليتبوأ مكانه من جديد, ويقوم برسالته في هذا العالم الذي ملئ اليوم رذيلة وعسفا ومادية. وإن انتعاش الشعب العربي انتعاش للخير والإنسانية، ونصرته نصرة للعدل والعمران، وما كانت الإنسانية لتنسى الذين كانت على عهدهم حقائق ملموسة فأصبحت اليوم طلاء ودهانا، بل الإنسانية اليوم -إذا دققنا في حقيقة أعمال من يدّعون حمايتها- شقاء باسم السعادة، وظلم باسم الرحمة، ووحشية باسم الحضارة، ولصوصية باسم الحق، ودناءة وحطة وإماتة ضمير وخذلان خلق وبهيمية.. باسم التمدين..

стр. 8

كنت في هذا الجو من الغبطة والذكرى والتأثر، لما عرضت في ذهني حلقات تاريخنا وأين انقطعت كل حلقة ومتى عهدنا بوصلها, فكان أول ما جال في خاطري وأنا في معرض دمشق وسوقها: أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، وكيف كانت تزخر بالناس من تجار وصناع، وأدباء وشعراء وخطباء، وساسة وأشراف ... عجبت لهذه الذكرى وقد أعاد هذا المعرض لنا أسواقنا -مع مراعاة الفارق بين الزمانين- وذكرت أن المجمع العلمي بدمشق -وكان إذ ذاك اسما على مسمى- سيقوم بمهرجان للمتنبي في آخر أسبوع من تموز، وقد اختار لهذا المهرجان مكان المعرض وزمانه، لتتم لنا صورة عن أسواق العرب ومحافلهم فيها. فكملت بهذا أداة هذه السوق العربية الكبرى بما سيلقى فيها من أدب وشعر وعلم، وبمن سيؤمها من العلماء والأدباء من المشرق والمغرب؛ عربا وأجانب ومستشرقين. وأصبح من كان يتمنى أن ينعم بمرأى عكاظ في الجاهلية, يستطيع أن يشهد عكاظ العرب في القرن العشرين، فينظر كيف انقلب الزمن وكم قطعت الحضارة بين العكاظين من أشواط. ولعل القارئ أحس مما قدمت مقدار الحاجة إلى بحث يعرض لأسواق العرب وما كانت عليه في الجاهلية والإسلام، وما قامت به من عمل في خير العرب ولغتهم؛ ليقف على شأنها في تاريخنا ويستطيع أن يفاضل بين رسالتها قديما ورسالة المعارض حديثا. وما زالت هذه الأسواق تقتعد الذروة من اهتمام الأمم مذ كان اليونان وأولمبياهم وأعيادهم. وقد رغب إلي من أرضى رأيه أن أسد هذه الثلمة في المكتبة العربية, فعكفت على أمهات المصادر -وهي في موضوعنا هذا جد شحيحة- أنقب فيها وأفليها لأخلص منها بكل ما يفيدني في بحثي, حتى تمت لي مادة

стр. 9

هذا الكتاب الذي تنحصر بحوثه بين عهد الجاهلية والقرن الثاني للهجرة. ولعل الله ييسر لي في المستقبل أن أصل هذا البحث عصرا فعصرا في أمصار العرب حتى عصرنا الحاضر. ومن مارس التنقيب في مصادرنا العربية، القديمة منها خاصة، واطلع على ما تزخر به من كنوز مبعثرة هنا وهناك، لا تجمعها جامعة ما، عرف مقدار العنت والنصب اللذين يتعرض لهما الباحث، ولا سيما في موضوع كهذا لم يعالج بعد. وأنا أعفي القارئ من وصف ما لقيت من عناء, فما أريد أن أمن عليه وحسبي أن أكون في وجداني قد أبلغت نفسي عذرها. وقد مهدت للكلام على الأسواق ببحوث رأيتها لازمة، وثيقة العلاقة بموضوعي كبيوع الجاهلية ورباها, وأسهبت في الكلام على قريش؛ لأنهم في الحقيقة هم عنوان الفريق التاجر من العرب, وحرصت كل الحرص أن أنقل القارئ إلى جو تلك الأسواق فيراها كما هي. سيكون في هذه البحوث أدب جم, وتاريخ كثير كما فيها صناعة وتجارة، وستعرض فيها عادات العرب في أسواقها ومجالسها الأدبية وبلاغتها النثرية والشعرية، حتى النحو سيكون له بعض النصيب لأن إحدى الأسواق كانت تقصد من أجل مادة يستعين بها النحو في تنظيم قواعده وتبويب فصوله. وبعض هذه الحوادث والأخبار والأشعار التي سأعرضها -وإن كان مظنة أنه مصنوع- قد اجتهد صانعه أن يقلد فيحسن التقليد ويحاكي الأصل فيحكم الحكاية، فإن شككنا في نسبة الخبر لم نشك أبدا فيما يدل عليه أو يستخلص منه. وذكرت من هذه الأحداث هنات جوزت لنفسي نقلها في هذا الكتاب مع تصريحها بما يحتشم منه؛ لأنها لا تتم الصورة

стр. 10

إلا بها, ولأني أحرص على أن يتمثل القارئ حالة الأسواق تمثلا صادقا صحيحا كاملا على قدر الإمكان. وقد عنيت بشرح ما يشكل من غريب أو معنى مغلق؛ لأكون قد بلغت جهدي واستفرغت وسعي في الاجتهاد لأن يكون هذا العمل أقرب من كمال وأبعد من نقص. وأنا أشكر لمن أطلعني على عيب أو نبهني لإصلاح، فما يزال الإنسان بحاجة إلى من ينبهه ويصلح عمله. والله المستعان ومنه الرضى والمثوبة. غرة ربيع الثاني سنة ١٣٥٥هـ و٢ حزيران سنة ١٩٣٦م. سعيد الأفغاني

стр. 11

الباب الأول: شؤون العرب التجارية بين الجاهلية والإسلام تجارة العرب: لبلاد العرب موقع جغرافي متوسط، بين بلاد أعظم الدول وأقدم الحضارات. فإلى شمالها الشرقي بلاد فارس وإلى شمالها الغربي بلاد الروم ومصر، وإلى غربها الجنوبي وراء البحر بلاد الحبشة, وفي جنوبها البحر الهندي الذي يفصلها عن بلاد الهند. ولا نكون إلى الغلو إذا قلنا: إن معظم تجارات العالم منذ القديم حتى القرون الوسطى هي بين هذه البلاد التي عددنا. فالدولتان العظيمتان اللتان تنازعتا النفوذ والسيادة في العالم، وهما فارس والروم، كانتا على علاقات تجارية وسياسية مع بلاد العرب في الشمال والجنوب. وقل نحوا من ذلك في علاقة الحبشة والهند مع اليمن وعمان والبحرين، وإن كانت علاقة أضيق حدودا. وكان للمواصلات التجارية في جزيرة العرب طريقان, أحدهما شرقي يصل عمان بالعراق وينقل بضائع اليمن والهند وفارس برا ثم يجوز غرب العراق إلى البادية حتى ينتهي به المطاف في أسواق الشام،

стр. 12

يمر التجار فيه على أسواق اليمن والعراق وتدمر وسورية, ويبيعون في كل قطر ما لا يكون فيه, ويأخذون منه إلى غيره ما يروج فيه. والطريق الثاني وهو الأهم غربي يصل اليمن بالشام, مجتازا بلاد اليمن والحجاز, ناقلا أيضا بضائع اليمن والحبشة والهند إلى الشام وبضائع الشام إلى اليمن حيث تصدر إلى الحبشة, وإلى الهند في البحر. وقد أطمع هذا الموقع الجغرافي لبلاد العرب كثيرا من الفاتحين, فغزاها الإسكندر فارتد عنها في غير طائل، وطمع فيها قديما ملوك الفرس وبابل ونينوى ومصر. والغريب أنها احتفظت بمكانتها هذه حتى العصر الأخير, إذ بسط سلطتهم شرقي الجزيرة وغربيها فملكوا "عدن" ميناء اليمن الطبيعي١ حيث ترسو السفن من الحبشة ومن الهند, وملكوا العقبة٢ "أيلة" محط رحال القوافل العربية في القديم وأول الثغور الرومانية التي يحلها تجار العرب، ففازت إنجلترا بمناطق نفوذ على هذين الخطين التجاريين ضمانا لطريق الهند وتجارتها. كان من المعقول أن يمارس الكثير من العرب التجارة رجالا

стр. 13

ونساء، وخاصة الذين تقع بلادهم قريبة من إحدى هاتين الطريقين، ومن لم يتاجر منهم أفاد من التجارة بالواسطة فعمل في هذه القوافل إما دليلا وإما سائقا وإما منتظما في جملة حماتها الذين يؤجرون أنفسهم وسلاحهم ودوابهم فيها. ولم يبعد إسطرابون حين قال: "العرب تجار وسماسرة" و"قوم تجارة وبيع وشراء؛ ولذلك لم يكونوا أمة حرب لا بالبر ولا بالبحر"١. وقد شغلت دول العرب القديمة كتدمر وسبأ والمعينيين، المراكز الممتازة في تجارة الشرق حتى ذكرتهم التوراة ووصفت ثروتهم وتجارتهم. وحمل أهل تدمر في القديم إلى مصر وجنوب أوروبا صادرات بلاد العرب والعراق والهند, وكانت النفائس التي يحملها التدمريون من بلاد الشرق أثمن ما يتغالى به الملوك القياصرة. توسط تدمر بين الدولتين الفارسية والرومانية، بين العراق والشام وجزيرة العرب, جعلها محط القوافل جميعا بين هذه الأقطار منذ أقدم العصور، فازدهرت تجارتها وعظم غناها واشتهرت أسواقها

стр. 14

حتى أصبحت "قبلة التجار من الهند والفرس "وجزيرة العرب" والعراق وسورية وفلسطين ومصر وأوروبا ... وكانت روما التي خضع لنيرها أغلب العالم القديم تهاب قبائل تدمر وتتودد إليها وتقدم لها الهدايا وتوفد إليها الوفود ... وعرفت تدمر كيف تستثمر في ظروف كثيرة منافسة الدولة الفارسية والدولة الرومانية لمصلحتها التجارية"١. ولما ازدهرت الدولة المعينية في اليمن تعاطى أهلها التجارة, وساعدهم عليها امتداد نفوذهم حتى شواطئ البحر المتوسط وموانئ خليج العجم. أما سبأ فليس مكان غناها وتجارتها بالمجهول, فقد ذكرت التوراة أن ملكة سبأ "قدمت إلى سليمان "١٢٠" وزنة ذهب وأطيابا كثيرة جدا وحجارة كريمة"٢ وحسبك هذا دليلا على وفرة مالها وخيراتها. والسبئيون قديما أغنى العرب ثروة وأوسعهم تجارة، يحملون ما يأتيهم من بضائع الحبشة والهند إلى مصر والشام والعراق فبسطوا بذلك

стр. 15

نفوذهم التجاري واستأثروا بالتجارة بين تلك الأقطار المذكورة. جاء في تاريخ العرب الأدبي لـ "نيكلسون"١: "قال مولر: قامت السفن منذ زمن بعيد تمخر عباب المياه بين موانئ بلاد العرب الشرقية والهند، محملة بالبضائع وكانت منتجاتها الأخيرة وخاصة الطيب والبخور والحيوانات النادرة "كالقردة والطواويس" تنقل إلى ساحل عمان، ومنذ القرن العاشر قبل الميلاد كانت لهم دراية بالخليج الفارسي حيث كانوا ييممون شطر مصر يبيعون فراعنتها وأمراءها بضائعهم، وقد كانت صعوبة الملاحة في البحر الأحمر سببا في تفضيل الطريق البري للتجارة بين اليمن وسورية، وكانت القوافل تقوم من "شبوت" في حضرموت وتذهب إلى مأرب عاصمة سبأ، ثم تتجه شمالا إلى مكربة "مكة فيما بعد" وتظل في طريقها من بترا حتى غزة المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وظل رخاء السبئيين قائما حتى أخذت التجارة الهندية تهجر البر وتسلك عبر البحر على طول شواطئ حضرموت وخلال مضيق باب المندب. وكانت نتيجة هذا التغير -الذي يظهر أنه حدث في القرن الأول

стр. 16

للميلاد- أن أخذت قوتهم تتضعضع شيئا فشيئا". وحل محل هؤلاء الحميريون الذين جعلوا عرب الحجاز تحت سيطرتهم, فاستخدموهم في نقل تجاراتهم إلى أن تخلص الحجازيون منهم, وصاروا هم نقلة التجارة في الجزيرة قبيل البعثة. قام اليمنيون في القديم إذًا بنقل المتاجر بين بلاد العرب والبلاد المجاورة, وظل ذلك دأبهم على اختلاف دولهم في الأزمان التي تقدمت القرن السادس الميلادي، فاستأثروا بتجارة الجزيرة مع غيرها من الممالك، يحملون التمر والزبيب والأدم والبخور والحجارة الكريمة والمنسوجات من مواطنها ثم يستبدلون بها بضائع أخرى، مع ما يصنعون هم أنفسهم من الأطياب والعطور التي يتخذونها في بلادهم ويبيعونها في أسواق العالم القديم: آسيا وإفريقيا وأوروبا. فكانوا حينا غير قصير مشرفين على تجارة العالم كله. وقد نشأت مع الزمن -وسط هذه الطريق التي كثيرا ما سلكوها قبل الميلاد- محطتان تجاريتان عظيمتان هما: مكة والمدينة١, وعظم

стр. 17

أمرهما وصار أهلهما يشاركون في الاتجار قبائل اليمن. فلما كان القرن السادس انتقلت التجارة من أيدي اليمنيين بالتدريج، إلى قريش القبيلة المكية التي ارتفع أمرها وقويت ونشطت, وبدأت تحل محل الأولين في الاستئثار بتجارة جزيرة العرب، ولا سيما عند اضطراب الأمن وتعذر المرور على الأحباش والأنباط، وكان وقوع الحروب والأزمات والمنافسات بين فارس والروم من أعظم العوامل في نشأة التجارة المكية وازدهارها, إلا ما كان من تجارة فارس, فإنها بقيت في أيدي عرب الحيرة وهم يمانيون. كانت أقطار العرب غير متساوية في الخصائص والمرافق, فبينا نجد نجدا أرضا قاحلة رملية لا زراعة لأهلها، نجد في اليمن مزارع خصيبة تفيض بالخير الواسع. ونجد بعض مدن الحجاز كمكة تشبه نجدا في جدبها وبعضا آخر فيه مزارع ونخيل كالمدينة والطائف وإن لم تكونا بدرجة اليمن. قال الألوسي: "وأما أهل اليمن وعمان والبحرين وهجر فكانت تجاراتهم كثيرة ومعايشهم وافرة؛ لما في بلادهم من الخصب والرخاء والذخائر المتنوعة والمعادن الجيدة وغير ذلك من أسباب الثروة والغنى. وأما أهل نجد فكانوا دون غيرهم في الثروة والتجارة؛ لما أن الغالب على أرضهم الرمال فكانت بلادهم دون

стр. 18

سائر بلاد العرب في رفاهية العيش ورواج التجارة". على أن لطيء ومنازلها أواسط نجد شهرة في الاتجار شمالي جزيرة العرب, هذا عدا أخلاطا من أمم شتى تتسرب تجارهم إلى الجزيرة، وأكثر هؤلاء هم الأنباط فقد بقوا حتى بعد ظهور الإسلام يجلبون الزيت من الشام إلى المدينة. ولا بد لنا من التنبيه على حدة, إلى العنصرين التجاريين اللذين عملا في بلاد العرب, وهما الأنباط واليهود، فقد كان الأولون يختلفون بين بلاد الشام والحجاز والعراق في الجاهلية، وكان أكثر ما يحملون من بضائع على ما علمت الزيت والدرمك "دقيق الحوارى"١ يحملونهما من الشام إلى الحجاز وإلى العراق ويرجعون من هذين القطرين بالأدم والتمر وغيرهما من الحاصلات، فكانوا يشاركون القوافل العربية في تجاراتها ويقيمون لأنفسهم أسواقا في البلاد العربية ذاتها، فابن سعد يذكر أن هاشما في بعض أسفاره إلى المدينة "نزل بسوق النبط, فصادف سوقا تقوم بها في السنة يحتشدون لها"٢. ولما

стр. 19

كانت الفتوحات والغزوات, قام الأنباط التجار بمهمة نقل الأخبار بين الشام والحجاز١. وأما اليهود فقد "كانت التجارة بنوع خاص من أهم مرافق الحياة عند يهود الحجاز, حتى صار لبعضهم فيها شهرة عظيمة وصيت بعيد كأبي رافع الخيبري الذي أرسل بضاعته بوساطة القوافل إلى الشام, واستورد منها الأقمشة المختلفة. ويمكن أن يقال: إن تجارة البلح والشعير والقمح كانت خاصة بهم في شمال الحجاز"٢. لكن شأن اليهود فاق شأن الأنباط؛ لاستيطانهم في جزيرة العرب فاستفحل أمرهم, وزاحموا السكان الأصليين على مرافقهم وكانت لهم خبرة في الزراعة والتجارة وتنمية المال, فاستغنوا وبنوا لأنفسهم القرى والمزارع والحصون, وأشهر مراكزهم العامة في المدينة وخيبر. ومما تجدر ملاحظته أنهم بعد أن شاركهم في مغانمهم التجارية

стр. 20

أهل يثرب وخاف اليهود هذه المزاحمة, وكانوا عاجزين عن التغلب على اليثربيين قوة وعنوة، لجئوا إلى الإيقاع بين الحيين الأوس والخزرج, فلما وقعت العداوة واتصلت الحروب جعل اليهود يضرمون نارها كلما خمدت، فشغلوا بعضا ببعض وانصرفوا هم إلى تجاراتهم وإنماء ثرواتهم. فلما هاجر المسلمون إلى المدينة وأسلم أهلها، بغى اليهود الغوائل لهم وصاروا يحرضون عليهم المشركين من قبائل العرب وينقضون عهودهم للنبي، ويطعنون المسلمين من خلفهم. إزاء ذلك رأى النبي ضرورة التخلص منهم, فأجلى بني قينقاع ثم بني النضير فحطوا بأذرعات من أرض الشام, ثم تخلص من بني قريظة١ أيضا، فخلت المدينة وما حولها من جماعاتهم وتحولت تجاراتها إلى أيدي أهلها من العرب. لا بدع في أن تكون التجارة من أول أسباب المعاش للحجازيين فعكفوا عليها, وتمادحوا بكسب المال, وأخذوا يضربون في الأرض يبتغون الرزق من هذه المهنة، فعرفوا قبل الإسلام بكثير، كثيرا من مدن الشام كبصرى وغزة وأيلة والمشارف، ومدن العراق

стр. 21

واليمن وحتى مصر, فقد رووا أن نفرا من بني مالك أجمعوا على الوفود إلى المقوقس وأهدوا له هدايا١, وذكروا أن ابن جدعان أتى مصر ببضاعة فباعها ورجع إلى عكاظ. ولم يحاول انتزاع تجارتهم هذه منهم أحد، إلا ما ذكروا من أمر الحبشة التي أرادت الاستيلاء على مكة نفسها، المركز التجاري العظيم في جزيرة العرب. وقدّر بعضهم ما يشتريه العالم الروماني من طيوب بلاد العرب والفرس والصين بقيمة مائة مليون من الدراهم ... وكانت صيدون "صيدا" من أشهر الأسواق العطرية٢. ووصل المكيون قبيل الإسلام -عندما كان العداء بين الفرس والروم بالغا منتهاه- إلى درجة عظيمة في التجارة، وكان على تجارة مكة اعتماد الروم في كثير من شئونهم، حتى فيما يترفهون به -كالحرير- وحتى استظهر بعض مؤرخي الإفرنج أنه كان في مكة نفسها بيوت تجارية رومانية يستخدمها الرومانيون للشئون التجارية والتجسس على أحوال العرب، كذلك كان فيها أحابيش ينظرون في مصالح قومهم التجارية٣.

стр. 22

واشتهر كل قطر بما يصنع أو يصدر من متاع، فالسيوف والبرود لليمن. قال الأصمعي: "أربعة قد ملأت الدنيا, ولا تكون إلا في اليمن: الورس والكندر والخطر١ والعقيق" وقالوا: "برود اليمن ورِيَط الشام وأردية مصر"٢. ولعل ما ذكر الثعالبي من غنى الحجاز في الإسلام، صحيح إلى حد بعيد فيما كان عليه من قبل، قال٣: "وكان يحمل من مكة والمدينة والحجاز كل عام إلى السلطان من العنبر٤ ثمانون رطلا ومن المتاع أربعة آلاف ثوب ومن الزبيب ثلاثمائة راحلة" وكان من أعجب ما يأتي النجاشي من مكة الأدم٥.

стр. 23

ويذكر آخرون أن مكة أصبحت أكبر سوق للرقيق١. هذا, وهناك أيضا بلدان اختصت بضرب من العروض, أو الصناعة فتقصد لما عرفت به كالطائف, فإنه يحمل إليها الأدم فيدبغ فيها, قال الهمداني: "الطائف مدينة قديمة جاهلية وهي بلد الدباغ، يدبغ بها الأهب الطائفية المعروكة٣" ثم يصدر عنها إلى الحبشة وغيرها، وكهجر والبحرين حيث التمر الجيد المنقطع النظير، وكالشام ومشارفها حيث يحمل الزيت والزبيب والخمر وغيرها. ومما ضمن استمرار الحركة التجارية الداخلية والخارجية في جزيرة العرب، اختلاف أقطارها هذا الاختلاف في المحصول الصادر والوارد, وما أحسن قول الهمداني في ذلك: "ولولا أن الله خص بلطفه كل بلد من البلدان, وأعطى كل إقليم من الأقاليم بشيء منعه غيرهم، لبطلت التجارات وذهبت الصناعات، ولما تغرب أحد ولا سافر رجل, ولتركوا التهادي وذهب الشراء والبيع والأخذ والعطاء. إلا أن الله أعطى كل صقع في كل حين نوعا من الخيرات ومنع الآخرين ليسافر هذا إلى بلد هذا,

стр. 24

ويستمتع قوم بأمتعة قوم ليعتدل القسم وينتظم التدبير. قال الله : ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ ١, وقال الله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ٢" ا. هـ. ومما يجب أن يقف عليه النظر والتأمل إشارات عارضة في صدد جدل القرآن الكريم لمشركي مكة، فإن المتأمل ليجد فيها دلالات بعيدة على عظم ما شغلت أمور التجارة من أفكارهم وخواطرهم، وذلك عند مثل قول الله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣ فالمفسرون يذكرون في سبب نزول الآية أن المشركين قالوا: "لم لا يوحي إليه ربه أثمان السلع فنشتريها حين ترخص ونبيعها حين تغلو, فتزداد أموالنا؟ ".

стр. 25

هذا, ولم يخفف الإسلام كثيرا من شغف العرب بالتجارة١, فقد استمروا فيه على ما كانوا عليه في الجاهلية، وإذا استثنينا فترة الفتوح التي شغلتهم كانت أحداثهم التجارية في الإسلام امتدادا لأحداثهم في الجاهلية, مع مراعاة الظروف التي تغيرت كل التغير, وشغل القرشيون بالجهاد فكان منهم عمال ومنهم قواد ومنهم قضاة ... إلخ. وخير ما يدلنا على بقاء ولوع القوم بالتجارة آية الجمعة. كان المسلمون يجهزون العير إلى الشام -كما في الجاهلية- فتذهب بأموالهم ومتاعهم فتباع هناك, ثم تحمل إلى الحجاز فتأتي المدينة، وكانوا يستقبلونها بالطبل والتصفيق فرحا بها، فذكر المفسرون أن دحية بن خليفة الكلبي رجع مرة بتجارة زيت وطعام من الشام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة على منبر مسجد المدينة، فاستقبلها الناس كعادتهم

стр. 26

بالفرح والطبول والتصفيق، وخشي المصلون أن يُسبَقوا إلى العير فيفوتهم الربح, فتركوا الرسول يخطب وبادروا إليها في البقيع ولم يبق مع الرسول إلا اثنا عشر رجلا, فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ ١. وفي القرآن الكريم إشارة إلى فاصل تاريخي في حياة مكة التجارية, وذلك حين نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢. فلما حرم دخول مكة على المشركين سنة تسع للهجرة خشي الناس الفقر بسبب انقطاع تجارة المشركين عنهم في المواسم، فوعدهم الله بغنى عن غير طريق التجارة، فكان العوض -على ما ذكر المفسرون- في المغانم والفتوح العاجلة.

стр. 27

كان لا بد من أن تدخل أحوال العرب التجارية في طور جديد, فاهتمّ الإسلام بأمر تجارتها وشرع لهم فيها ما يحتاجون إليه، وطفح الحديث الشريف بأحكام البيع والشراء والاحتكار والديون والربا ... إلخ. وعني الخلفاء بعد الرسول عناية خاصة بالتجارة بعد أن هدأت مشاغل الفتوح أيام أبي بكر وعمر وعثمان، ولنلاحظ أن فترة الفتوح نفسها لم تكن لتخلو من الاتجار حتى من عمال الخليفة أنفسهم، وهذا خير ما يفسر لنا حرص القوم على حرفتهم، واشتد عمر على عماله فلم يقبل منهم الاشتغال بالتجارة أبدا, وصار يؤاخذ كل من فشا لهم غنى في قومهم فيدقق عليهم, فإن اعتذروا بتجارة تجروها فربحوا منها صادرهم ولم يلق لعذرهم بالا، وكأنه يقول لهم: بعثتكم عمالا ولم أبعثكم تجارا. ومن حسن الاتفاق أن الخلفاء الثلاثة الأولين كانوا تجارا، فأبو بكر وعثمان كانا بزازين، وعمر تجر في الجاهلية واستغنى في غزة، وكان مبرطشا "يكتري للناس الإبل والحمير يأخذ عليها جُعْلا"١ أما علي فلم نعرف أنه تجر, وقد ظهر الإسلام وهو صبي, ومع هذا فقد

стр. 28

كان على علم من التجارة وأحوالها؛ لأنها مهنة قومه جميعا, ولما ولي الخلافة لم يكن يجهل خطر التجارة وقيمتها. ومن الطريف حقا أن ننقل بهذه المناسبة مرسوما أصدره إلى عامله الأشتر في التجار والصناع, فإنه يدل على إحاطته بأسرار التجار وأخلاقهم, ويعلمنا من جهة ثانية منزلة هذه الطبقة بين بقية الطبقات وما كان يعلق عليها من مهام، قال من كلام له للأشتر: "ثم استوصِ بالتجار وذوي الصناعات وأوصِ بهم خيرا، المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه، فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح، في برك وبحرك، وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها. فإنهم سِلْم لا تخاف بائقته وصلح لا تخشى غائلته. وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك، واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع وتحكما في البياعات, وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار؛ فإن رسول الله ﷺ منع منه. وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع, فمن قارف

стр. 29

حُكْرَة بعد نهيك إياه فنكِّلْ به, وعاقبه من غير إسراف"١. ولنا أن نستأنس بشيء آخر له خطره في الدلالة على ما شغلت التجارة من حياة العرب وأفكارهم واهتمامهم، وذلك هو اللغة والأشعار والأمثال, فإنها تكشف لنا إلى حد بعيد ما كان عليه القوم من عادات وأحوال. وأول ما نلاحظ في هذا الباب غنى اللغة بالألفاظ التي تتعلق بالأسفار وما إليها من حط وترحال ونزول على الماء ووصف لدواب السفر وضروب سيرها, ولسنا مبالغين إذا قلنا: إن أكثر القصائد في الجاهلية والإسلام يفتتحها صاحبها بذكر رحلته وما لاقى فيها هو وراحلته من التعب والشقاء والضيق والعطش والجوع، عدا ما هناك من ألفاظ كثيرة تتعلق بالبيع والشراء والصفقة الرابحة والخاسرة. ولما كانت الخلافة، لم يجد العرب لفظا يدلون به على بذل الطاعة للخليفة غير المبايعة٢, فاشتقوا لهذه الحال المستجدة

стр. 30

كلمة من كلمات التجارة التي كانت الشغل الشاغل لهم. ونظرة واحدة إلى مادة "باع" مثلا في اللسان أو التاج توضح لنا المواضع التي استعيرت لها هذه الكلمة لتشبه أحوالا مختلفة بحال من حالات البيع والشراء, فقالوا مثلا: "بايعه بالخلافة، وأخذ منه البيعة، وباعه من السلطان إذا سعى به إليه ... إلخ". وكذلك إذا نظرنا إلى مادتي "سام" و"سوق" وأمثال قولهم: نفقت السوق إذا راجت، وانحمقت إذا كسدت. وبعته ناجزا بناجز ويدا بيد, عدا ألفاظ أخرى سيمر بعضها بك حين الكلام على بيوع الجاهلية. وهذا القالي قد عقد في أماليه فصلا في "ما يقال في وصف الرجل لا يملك شيئا"١ من مثل قولهم: ما له سَبَد ولا لَبَد، ومطلبا

стр. 31

آخر فيما يقال "لمن يصلح المال على يديه"١ كقولهم: هو ترعية مال، محجن مال ... إلخ. واقرأ إن شئت الفصل الذي كتبه في "دعاء العرب"٢ فستجد جملا كثيرة في حرمان من يدعون عليه من ضروب المال. أما الأمثال التي تتعلق بأمورهم التجارية وأحوالهم فيها فكثيرة, وإليك طائفة منها تمثل لنا شيئا من تجاربهم وأحوالهم في أسفارهم: عند الصباح يحمد القوم السُّرى, لا تدرك الراحة إلا بالتعب, قتل أرضا عالمها وقتلت أرض جاهلها, إن ترد الماء بماء أكيس, لا يرحل رحلك من ليس معك, إن يدم أظلك فقد نقب٣ خفي, إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى٤ ... إلخ. وأكثر من هذا ما أرسلوه في المال نفسه وفي السعي للرزق وفي الربح والخسارة والبيع والشراء, فإنهم يستعيرون ألفاظها لكثير من أحوالهم كما في هذه الأمثلة: الحمد مغنم والذم مغرم, خير مالك ما نفعك, لم يضع من مالك

стр. 32

ما وعظك, خير المال عين ساهرة لعين نائمة, من العجز نُتجت الفاقة, كلب طواف خير من أسد رابض, حظ جزيل بين شدقي ضيغم, افتح صدرك تعلم عُجرك١, لا ترسل الساق إلا ممسكا ساقا, كمستبضع التمر إلى هجر, ما عنده خير ولا مَيْر, سواء هو والعدم, البضاعة تيسر الحاجة ومن اشترى فقد اشتوى, إن الجواد عينه فراره, أعطاه اللقاء غير الوفاء, أحشفا وسوء كيلة, أخسر صفقة من شيخ مهو٢, صفقة لم يشهدها حاطب ... إلخ٣. أما الحث على السفر في طلب المال, فقد استفاض في أشعارهم جاهليين وإسلاميين, ولست بحاجة إلى أن أشير إلى ما قالوا في فوائد المال من حِكَم وما يصون المال من حسب ويجلب من هيبة فأمره معروف، وما أكثر ما قالوا في هذا الموضوع من مثل قول عروة بن الورد:

стр. 33

ذريني للغني أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير وقوله: دعيني أطوّف في البلاد لعلني ... أفيد غنى فيه لذي الحق محمل وقول الآخرين: سأُعمل نص العيس حتى يكفني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان سأكسب مالا أو أموت ببلدة ... يقل بها قطر الدموع على قبري ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا ... إلخ ويذكر المشتغلون باللغات القديمة السامية, وغيرها قضية الكلمات الأجنبية الأصل في اللغة العربية، وقد أداهم بحثهم إلى أن اللغة الفارسية والحبشية والآرامية "كانت لغات العلائق التجارية أيضا, فإن تجار مكة مثلا كانوا يتجرون مع الآراميين في دمشق، ومع الفرس في الحيرة والمدائن، ومع سبأ وحمير في اليمن، وقوافل هذه الأقوام كانت تجتاز جزيرة العرب من جهة إلى أخرى"١ ويعدد

стр. 34

هؤلاء الباحثون هذه الكلمات, فإذ في أولها كلمات تجارية وهي أسماء البضائع التي يجلبها التجار من بلاد الفرس من مثل: "الصنج والصولجان والفيل والجاموس والمسك, وخصوصا أنواع النسائج كالديباج والإستبرق والإبريسم والطيلسان ... إلخ"١. ولا ريب في أن اختلاط القوافل والتجار العرب منذ الزمن الأقدم بعرب الشام وغيرهم سرّب إلى اللغة العربية كثيرا من الكلمات اليونانية التجارية والحضارية، حتى أتى عهد الجاهلية وكانت هذه الكلمات قد تعربت وصقلها الاستعمال الطويل، وقد عد أحد الباحثين عشرات منها لا يظن لأول نظرة عجمتها, مثل: إقليد "مفتاح" وإقليم وإكسير وبرج وبيطار وبوص "حرير أبيض" وترف وجزية ودرهم ودكان ودمقس ودينار وزبرجد وزنار وسرَق "شقة حرير" وسفود وسفين وسندس وسير "قدة جلد" وسيمياء وطاوس وفرصة وفص وفندق وقارب وقالب وقربوس وقرنفل وقصدير وقلس "حبل السفينة" وقمقم وقميص وقنب وقنينة وكركي وكوب وكورة وكيس ولص ومرجان ومصطبة ومنجنيق ومنديل ونافورة وناموس ونقرس ونوتي وياقوت ويانسون "آنسون"٢.

стр. 35

بل ما لنا لا نعمد إلى القرآن الكريم نفسه, وفيه على ذلك أوضح الأدلة: يقرب لهم المعاني بما تفيض به حياتهم ويضرب لهم الأمثال على الضلالة والهدى والمؤمنين والكافرين من التجارة نفسها، فهو يقول في المؤمنين المطيعين الذين أقاموا الصلاة وآتو الزكاة: إنهم ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ١ ويشبه الذين شغلتهم الضلالة عن الهدى بالخاسر في تجارته فيقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ٢, ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ٣، ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ ٤. ومدح آخرين سعوا في مرضاة الله فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ ٥، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا

стр. 36

بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١. ولأن التجارة والبيع أهم ما يشغل العرب, لم يذكر الله غيرهما من المشاغل حين أثنى على أناس لا يغفلون عن ذكره فقال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٢. وقال في تأنيب الذين اشتغلوا بالتجارة عن الصلاة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ ٣. ولما أراد تشويق قوم إلى الإيمان قال: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ ٤. وكثيرا ما تتكرر كلمات التجارة والربح والخسران في القرآن. وأحسب أن هذا القدر كافٍ في بيان الحيز الذي شغلته التجارة من حياة العرب في جاهليتهم وإسلامهم, حتى إن صعصعة بن صوحان لم يذكر للعرب من الحرف غيرها. جاء في أمالي القالي: "قال معاوية لصعصعة بن صوحان: "صف لي الناس" فقال: "خلق الناس

стр. 37

أخيافا: فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنجدة، ورِجْرِجة بين ذلك يكدرون الماء ويغلون السعر ويضيقون الطريق""١. ولعلك تتساءل بعد هذا قائلا: إن التجارة تستلزم إلماما بقيود وحسابات, والعرب أمة أمية لا تقرأ ولا تحسب فكيف كان ذلك؟ والجواب: إن هذا الحكم على العرب حكم على مجموعهم, لا على جميعهم٢؛

стр. 38

فمنهم من كان يقرأ ويكتب ويحسب، وقد تعلم القرشيون الكتابة منذ القديم في الحيرة والأنبار، وكذلك فعل أهل الطائف. وسترى في أحداث عكاظ أن عمرو بن الشريد دعا فيها بصحيفة وكاتب وسجل على نفسه صكا أشبه بسند التمليك "طابو" الذي نألفه اليوم. كان هناك إذن صحف وكتاب وصكوك عند العرب وعند اليهود، بل إنا لنجد في آيات سورة البقرة الأخيرة ما يجعلنا نذهب إلى معرفة العرب بتقييد المعاملات التجارية، وليس من المعقول أن يخاطبهم الله بشيء لا يألفونه من الإملاء والكتابة بالعدل وإشهاد الشهود في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ١.

стр. 39

وفوق هذا كله كان لهؤلاء العرب ذوي الملكة التجارية الراقية اهتمام بما حولهم من الأقطار التي يتاجرون فيها, ومراقبة لما يجري هناك من أحداث، دفعهم إلى ذلك طبيعة التجارة وما تتطلب من درس وإلمام بالأسواق وأمنها وأحوال المسيطرين على شعوبها, وأنت تعرف ذلك من الحرب التي كانت بين الفرس والروم في مشارف الشام قبل الهجرة بست سنين, وكيف كان مشركو مكة فرحين بانتصار الفرس إذ كانوا مثلهم غير ذوي كتاب، وقد شمتوا بهزيمة الروم إذ كانوا كالمسلمين أتباع كتاب سماوي. وقد سجل القرآن الكريم هذه الظاهرة ظاهرة اهتمام المكيين بما يجري حولهم من شئون الفرس والروم في الآية الكريم, أول سورة الروم: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . و"أدنى الأرض": بصرى وأذرعات, وهما سوقان من أسواق العرب. والتجار منذ القديم نقلة ثقافة من حيث لا يشعرون١, فيجب

стр. 40

أن يحسب حسابهم فيما يكون بين الشعوب من تمازج وتفاعل، وليس العرب ببدع بين الشعوب، فقد أفادوا من اتجارهم واختلاطهم بالرومان والفرس وخضعوا لما يخضع له غيرهم من آثار الاختلاط وكثرة العلائق حتى إنا لنرى أسماء رومانية١ وفارسية تخللت لغتهم. ولنا أن نعد انتشار النصرانية في الشام والمجوسية في العراق واليمن أثرا من آثار التجارة, فقد ذكروا أن "تنصر العباد بالحيرة؛ لكثرة ترددهم إلى بلاد الروم للتجارة"٢. وستعلم بعد قليل أن العرب -وقريشا خاصة- أحسنوا العلائق مع دولتي فارس والروم, إذ كانت تجاراتهم إلى بلاد تحت سيطرة هاتين الدولتين أو نفوذهما، فالشام ومصر ولايتان رومانيتان، والحبشة على علائق خاصة بالرومان والعراق واليمن تحت سيطرة الفرس, والعرب تتاجر صيفا إلى مصر والشام والعراق وشتاء إلى اليمن والحبشة. هذا مجمل ما أردت أن أعرض له من بيان اهتمام العرب في التجارة
следующие страницы →