← История

История · id 9999

أسواق العرب في الجاهلية والإسلام

سعيد الأفغاني

Полный текст (499 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١. ولأن التجارة والبيع أهم ما يشغل العرب, لم يذكر الله غيرهما من المشاغل حين أثنى على أناس لا يغفلون عن ذكره فقال: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٢. وقال في تأنيب الذين اشتغلوا بالتجارة عن الصلاة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ ٣. ولما أراد تشويق قوم إلى الإيمان قال: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ ٤. وكثيرا ما تتكرر كلمات التجارة والربح والخسران في القرآن. وأحسب أن هذا القدر كافٍ في بيان الحيز الذي شغلته التجارة من حياة العرب في جاهليتهم وإسلامهم, حتى إن صعصعة بن صوحان لم يذكر للعرب من الحرف غيرها. جاء في أمالي القالي: "قال معاوية لصعصعة بن صوحان: "صف لي الناس" فقال: "خلق الناس

стр. 37

أخيافا: فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنجدة، ورِجْرِجة بين ذلك يكدرون الماء ويغلون السعر ويضيقون الطريق""١. ولعلك تتساءل بعد هذا قائلا: إن التجارة تستلزم إلماما بقيود وحسابات, والعرب أمة أمية لا تقرأ ولا تحسب فكيف كان ذلك؟ والجواب: إن هذا الحكم على العرب حكم على مجموعهم, لا على جميعهم٢؛

стр. 38

فمنهم من كان يقرأ ويكتب ويحسب، وقد تعلم القرشيون الكتابة منذ القديم في الحيرة والأنبار، وكذلك فعل أهل الطائف. وسترى في أحداث عكاظ أن عمرو بن الشريد دعا فيها بصحيفة وكاتب وسجل على نفسه صكا أشبه بسند التمليك "طابو" الذي نألفه اليوم. كان هناك إذن صحف وكتاب وصكوك عند العرب وعند اليهود، بل إنا لنجد في آيات سورة البقرة الأخيرة ما يجعلنا نذهب إلى معرفة العرب بتقييد المعاملات التجارية، وليس من المعقول أن يخاطبهم الله بشيء لا يألفونه من الإملاء والكتابة بالعدل وإشهاد الشهود في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ١.

стр. 39

وفوق هذا كله كان لهؤلاء العرب ذوي الملكة التجارية الراقية اهتمام بما حولهم من الأقطار التي يتاجرون فيها, ومراقبة لما يجري هناك من أحداث، دفعهم إلى ذلك طبيعة التجارة وما تتطلب من درس وإلمام بالأسواق وأمنها وأحوال المسيطرين على شعوبها, وأنت تعرف ذلك من الحرب التي كانت بين الفرس والروم في مشارف الشام قبل الهجرة بست سنين, وكيف كان مشركو مكة فرحين بانتصار الفرس إذ كانوا مثلهم غير ذوي كتاب، وقد شمتوا بهزيمة الروم إذ كانوا كالمسلمين أتباع كتاب سماوي. وقد سجل القرآن الكريم هذه الظاهرة ظاهرة اهتمام المكيين بما يجري حولهم من شئون الفرس والروم في الآية الكريم, أول سورة الروم: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . و"أدنى الأرض": بصرى وأذرعات, وهما سوقان من أسواق العرب. والتجار منذ القديم نقلة ثقافة من حيث لا يشعرون١, فيجب

стр. 40

أن يحسب حسابهم فيما يكون بين الشعوب من تمازج وتفاعل، وليس العرب ببدع بين الشعوب، فقد أفادوا من اتجارهم واختلاطهم بالرومان والفرس وخضعوا لما يخضع له غيرهم من آثار الاختلاط وكثرة العلائق حتى إنا لنرى أسماء رومانية١ وفارسية تخللت لغتهم. ولنا أن نعد انتشار النصرانية في الشام والمجوسية في العراق واليمن أثرا من آثار التجارة, فقد ذكروا أن "تنصر العباد بالحيرة؛ لكثرة ترددهم إلى بلاد الروم للتجارة"٢. وستعلم بعد قليل أن العرب -وقريشا خاصة- أحسنوا العلائق مع دولتي فارس والروم, إذ كانت تجاراتهم إلى بلاد تحت سيطرة هاتين الدولتين أو نفوذهما، فالشام ومصر ولايتان رومانيتان، والحبشة على علائق خاصة بالرومان والعراق واليمن تحت سيطرة الفرس, والعرب تتاجر صيفا إلى مصر والشام والعراق وشتاء إلى اليمن والحبشة. هذا مجمل ما أردت أن أعرض له من بيان اهتمام العرب في التجارة

стр. 41

ولم أقصد فيه إلى شيء من التطويل؛ لأن الكتاب ليس في تاريخ تجارة العرب, وإنما هو في أسواقها والتجارة أحد مواضيع الأسواق، وحسبنا هذه الإلمامة الموجزة نمهد بها قبل الشروع في الموضوع لتتم لنا الصورة التي نريد أن يتمثلها القارئ مستوفاة في غير نقص ولا زيادة.

стр. 42

بيوع الجاهلية: ألف العرب في جاهليتهم أنماطا خاصة من البيع يتخذونها في أسواقهم، وهي في جملتها مما يثير استغرابنا ودهشتنا؛ لأن أكثرها مما يُغبن فيه البائع أو المبتاع. وتصور لنا تلك البيوع ما كان عليه تفكير فريق منهم. ولا بد من التنبيه إلى أنها لم تكن تتخذ في جميع الأسواق, بل منها ما تمتاز به سوق من سوق وجماعة من جماعة، وإليك ما عثرت عليه من بيوعهم: ١- الرمي بالحصاة "أو إلقاء الحجارة": ذكروا لهذا البيع صورا كثيرة تجري في سوق دومة الجندل, منها: ١- أن يقول أحد المتبايعين للآخر: "ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم"١. ٢- أن يقول البائع: "إذا رميت هذا الثوب بالحصاة فهو مبيع منك بكذا, فيجعل الرمي بالحصاة نفسه بيعا"٢، أو يعترض القطيع من الغنم فيأخذ حصاة ويقول "أي شاة أصابتها فهي لك بكذا".

стр. 43

٣- أن يقول: "بعتك من السلع ما تقع عليه حصاتك، أو: "بعتك من الأرض إلى حيث تنتهي حصاتك"١. ٤- أن يقبض المشتري على كف من حصا, ويقول: "لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع"٢. ٥- أن يبيعه سلعة ويقبض على كف من حصا, ويقول: "لي بكل حصاة درهم"٢. ٦- أن يقول للمشتري: "بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة, فإذا نبذتها وجب البيع"٣. ٧- "أن يجتمع النفر منهم على السلعة يساومون بها صاحبها, فأيهم رضي ألقى حجره. وربما اتفق في السلعة الرهط فلا يجدون بدا من أن يشتركوا وهم كارهون، وربما "اتفقوا"٤ فألقوا الحجارة جميعا "إذا كانوا عددا على أمر بينهم"٤ فيوكسون صاحب السلعة إذا تظاهروا عليه".

стр. 44

انفرد بهذه الصورة الأخيرة المرزوقي في كتابه "الأزمنة والأمكنة" "٢/ ١٦٢" نقلا عن محمد بن حبيب فيما أظن، وسماها إلقاء الحجارة بدلا من رمي الحصاة, ونص على شيوعها في سوق دومة الجندل. أقرب هذه الصور إلى الرضى أن يكون رمي الحصاة إيذانا بوجوب البيع وانقطاع الخيار. أما بقية الصور فهي من بيع الغَرَر وهي إلى القمار أقرب وبه أشبه, وقد عد الإسلام هذه البيوع فاسدة كلها لما فيها من الجهالة والضرر بالبائع أو المشتري. ٢- المنابذة: ولهم في هذا النوع من البيوع ثلاث صور: ١- أن تقول: "انبذ إلي الثوب أو أنبذه إليك, وقد وجب البيع بكذا وكذا"١ فيكون النبذ إيذانا بالبيع وقطعا للخيار. ٢- أن يرمي الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه, ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه, فيكون ذلك بيعهما عن غير نظر ولا تراضٍ٢.

стр. 45

٣- نبذ الحصاة وقد تقدم. يقال في هذا البيع ما قيل في رمي الحصاة, وقد نهى الإسلام عنه وأبطله. ٣- الملامسة: وهي على أوجه ثلاثة: ١- أن يأتي البائع بثوب مطويّ، أو في ظلمة فيلمسه المستام, فيقول له صاحب الثوب: "بعتكه بكذا بشرط أن يقوم المسك مقام نظرك, ولا خيار لك إذا رأيته"١ فلا يقلب المشتري الثوب لا ليلا, ولا نهارا. ٢- أن يجعل المتبايعان اللمس نفسه بيعا بغير صيغة، كما تقدم في المنابذة ورمي الحصاة. ٣- أن يجعلا اللمس شرطا في قطع خيار المجلس وغيره. وقد ألحق الإسلام هذه الصور بسابقتها وأبطلها ونهى عنها؛ فقد جاء في صحيح مسلم: "نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين: الملامسة والمنابذة"٢.

стр. 46

وذكر الألوسي مع الملامسة الإيماء والهمهمة "وهي الكلام الخفي, وكل كلام معه بحح" وعلل اتخاذهم لهما بخوف الحلف والكذب, وهو طريف في الأقوال غريب. ثم اطلعنا في كتاب المحبر لمحمد بن حبيب على هذا النص في الكلام على سوق المشقر: "وكان بيعهم فيها الملامسة والهمهمة. أما الملامسة "فهي" الإيماء: يومئ بعضهم إلى بعض فيتبايعون ولا يتكلمون حتى يتراضوا إيماء، وأما الهمهمة فكيلا يحلف أحدهم على كذب إن زعم المشتري أنه قد بدا له١. ٤- المعاومة أو بيع السنين: وهو أن يبيع ثمر الشجرة عامين أو ثلاثة أو أكثر. وقد أبطله الإسلام؛ لأنه من الغرر فهو بيع معدوم ومجهول, وغير مقدور على تسليمه وغير مملوك٢. ٥- المزابنة: هي بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر كيلا. وكذا كل

стр. 47

ثمر بيع على شجر بثمر كيلا, وقد روى صاحب القاموس: "إنه كل جزاف لا يعلم كيله ولا عدده ولا وزنه, بيع بمسمى من مكيل وموزون ومعدود، أو بيع معلوم بمجهول من جنسه، أو بيع مجهول بمجهول من جنسه، أو هي بيع المغابنة في الجنس الذي لا يجوز فيه الغبن" ا. هـ. والمزابنة: المدافعة, وسمي هذا البيع مزابنة؛ لأن أحد المتبايعين إذا ندم زبن صاحبه عما عقد عليه. وسبيله في نهي الإسلام عنه سبيل ما تقدمه؛ لما فيه من الغرر١. ٦- المحاقلة: هي في الزرع على نحو المزابنة في التمر؛ فيباع الزرع القائم بالحب كيلا. وقد نهى الرسول عن المحاقلة كما نهى عن المزابنة١. ٧- المخابرة: وهي -وإن كانت بالزراعة ألصق؛ لأنها معاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع كالثلث ونحوه من الأجزاء المعلومة- تتعلق بموضوعنا؛ لأن أحد أعلام العربية فسّرها تفسيرا يجعلها بهذا الباب أشبه. جاء في شرح مسلم للنووي: قيل: إن المخابرة مشتقة من الخُبْرة وهي النصيب, وقال أبو عبيدة: هي النصيب من سمك أو لحم

стр. 48

يقال: تخبروا خبرة, إذا اشتروا شاة فذبحوها وتقاسموا لحمها. وقال ابن الأعرابي: هي مأخوذة من "خيبر"؛ لأن أول هذه المعاملة كان فيها ا. هـ. والذي يظهر أن ابن الأعرابي يشير إلى المزارعة لا إلى الاشتراك بالشاة الذي فسر المخابرة به أبو عبيدة؛ لأن لأهل خيبر أرضين وعلما بالزراعة. ٨- حبل الحبلة: كان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية: كان الرجل منهم يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة, وأحيانا إلى أن تنتج التي في بطنها فإذا نتجت حملها. فالحبل الأول يراد به ما في بطن النوق من الحمل، والثاني حبل الذي في بطون النوق. فنهى رسول الله ﷺ عن هذا البيع. "وإنما نهى عنه لمعنيين: "أحدهما": أنه غرور وبيع شيء لم يخلق بعد، وهو أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أن تكون أنثى, فهو بيع نتاج النتاج. "والثاني": أن يبيعه إلى أجل ينتج فيه الحمل الذي في بطن الناقة, وهو أجل مجهول ولا يصح"١ والحَبَلة بالتحريك: جمع حابل.

стр. 49

٩- التصرية: كان من عادة بعض العرب إذا أراد بيع شاة, أو ناقة امتنع من حلبها أياما فيحتفل اللبن في ضرعها فيعظم. فإذا كان ذلك منها عرضها للبيع, فيظن المشتري أن كثرة لبنها واحتفال ضرعها عادة مستمرة لها, فلا يلبث أن يتبين خطأه بعد شرائها. والتصرية: الجمع، يقال: صرّى الماء في الحوض, إذا جمعه. جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ : "لا تصرّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردّها وصاعا من تمر" ١. ١٠- السرار: لم أجد هذا الضرب من البيع في جميع المصادر التي بيدي، لم يذكره أحد غير محمد بن حبيب بقوله: "وكان بيعهم بها "أي: بعكاظ" السرار، فإذا وجب البيع وعند التاجر ألف رجل ممن يريد الشراء ولا يريده, فله الشركة في الربح"٢. وقد رجعت في هذه الكلمة إلى المعاجم التي في يدي, وهي:

стр. 50

الصحاح، تاج العروس "شرح القاموس"، لسان العرب، المجمل لابن فارس "نسخة مخطوطة كاملة في المكتبة الظاهرية", الجمهرة لابن دريد، الفائق، أساس البلاغة، النهاية لابن الاثير، المصباح، فلم أجد أحدا تعرض لهذا الضرب من البيوع. ثم تحريت في شروح الحديث وكتب الفقه مظنة أن أجد فيها تعرضا له في صدد كلامهم عن البيوع الفاسدة أو المنهي عنها فلم أظفر. إلا ما وجدت في كتاب "المغرب في ترتيب المعرب" للمطرزي، وعنه نقل صاحب محيط المحيط١. قال المطرزي: "وفي المنتقى: بيع السرار أن تقول: "أخرج يدي ويدك، فإن أخرجت خاتمي قبلك فهو بيع بكذا، وإن أخرجت خاتمك قبلي فبكذا، فإن أخرجا معا أو لم يخرجا جميعا عادا في الإخراج! "٢.

стр. 51

١١- الناجز: وهو البيع العام المعروف لجميع الناس بادين وحاضرين، وذلك إذا كانت المبادلة يدا بيد وقالوا: بيع السوق ناجزا بناجز أي: حاضرا بحاضر. ١٢- الجس: نص عليه محمد بن حبيب في كتابه المحبر "ص٢٦٦" فقال في الكلام على سوق صنعاء: "وكان بيعهم بها الجس, جس الأيدي" ولعله نوع من بيع الملامسة المتقدم. جرى العرب في جاهليتهم على ما علمت من أنواع البيع التي تعرض أحد المتبايعين للغبن والضرر بلا مسوغ، فلما أكرمهم الله بالإسلام رفع عنهم ضيم الجاهلية ونهاهم عن بيع الغرر بجيمع صوره وأشكاله؛ ليكون لكل من المتبايعين محض الاختيار, فلا يتم بيع إلا إذا كان واضحا معلوما للمتبايعين، وبالرضى الكامل. ولقد تتبع الإسلام معاملات الجاهليين فأبطل كل ما فيه غش وضرر كما في بيع حبل الحبلة وفي التصرية, وشرع لهم في التجارة والبيوع ما ضمن خير الناس جميعا بائعهم ومشتريهم, ورفع عنهم الحيف الذي كان يحيق بهم مما اعتادوه في جاهليتهم.

стр. 52

لم يقتصر الجاهليون في تجارتهم على ما قدمنا من بيوع فاسدة وعادات ضارة, فلهم إلى ذلك مساوئ لا تقل قبحا عما تقدمها؛ فمنها النجش, وهو أن تواطئ رجلا إذا أراد بيعا أن تمدحه، أو أن يريد الإنسان أن يبيع بياعة فتساومه بها بثمن كثير لينظر إليك ناظر فيقع فيها, وكذلك في الأشياء كلها١. ومن عاداتهم المكس, وهي دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في أسواق الجاهلية, ويقال للعشّار أيضا صاحب المكس. والمكس لغة: النقص، والمماكسة في البيع: انتقاص الثمن وانحطاطه٢. ولعل ذلك يكون بعد الاتفاق على ثمن معين, قال الشاعر: أفي كل أسواق العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم وظاهر أن المقصود بالمكس أشبه بالضرائب التي تجبيها حكومات اليوم على البضائع. وقد امتد تحكم تجار العرب إلى القوت الضروري, فكانوا يحتكرونه على الفقراء فيتلقون الركبان ويشترون منهم الطعام, وربما باعوه في مكانه قبل أن يبلغ السوق وقبل أن ينقلوه. ومنهم من كان يشتري ويبيع لحساب أهل البادية, فيلحق بهؤلاء الضرر البالغ لجهلهم أمور التجارة, ولأنهم في كل حال مغلوبون على أمرهم، بعيدون عما

стр. 53

يباع ويشترى لهم، ولعلهم إن حضروا البيع رفعوا عن أنفسهم بعض الحيف. فلما كان الإسلام نهى عن جميع هذه المفاسد جملة, فقد جاء في صحيح البخاري١: قال رسول الله, ﷺ : "لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لبادٍ ٢ , ولا تصروا الغنم. ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر". وقد فسر ابن عباس قوله: "لا يبع حاضر لباد" بقوله: لا يكن له سمسارا. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه, ويقبضه" قال ابن عمر: "وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافا "أي: بلا كيل ولا وزن ولا تقدير" فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه". ثم شرع لهم السهولة في المعاملة, والتبيين في البيع كما في حديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما, وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما". وهناك مبيعات خاصة لأهل الجاهلية حرّمها الإسلام وحرّم

стр. 54

ثمنها، أهمها الخمر، فسيأتي أن الخمر من أهم ما كان يتجر به العرب, وقد اشتهرت مدن معينة في الجاهلية بخمرها الطيب اللذيذ، ولا مندوحة عن ذكر غزة وأذرعات وأندرين وهجر والحيرة, وغيرها من البلدان التي تحمل خمرها قوافل العرب التجارية, وقد قال الشاعر: إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة ... معتقة مما يجيء به التجر١ وهى مورد تجاري عظيم لم يكن يستغني عنه العرب، فلما حرم الله على المسلمين الخمرة حرم أيضا ثمنها حسما للداء, فلا يجوز بيعها ولا شراؤها كما نهى عن ثمن بقية المحرمات, ففي صحيح البخاري: "نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب, ومهر البغي, وحلوان الكاهن". و"أن رسول الله ﷺ حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"٢, وعن عائشة قالت: "لما نزلت آخر البقرة قرأهن النبي في المسجد, ثم حرّم التجارة في الخمر". لكن التجارة الممقوتة جدا، التي يصم عارها بعض أهل الجاهلية هي البغاء؛ كانوا يؤجرون إماءهم للرجال ويأخذون هم ما يكتسب لهم جواريهم من هذا الكسب المرذول. واستمرت هذه العادة حتى

стр. 55

جاء الإسلام وكانت الهجرة. ذكر المفسرون أن لعبد الله بن أبي بن سلول جاريتين يقال لهما: مسيكة ومعاذة، وكان يُكرههما على الزنى لضريبة يأخذها منهما "وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية", فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: "إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين: فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرا فقد آن لنا أن ندعه" لكن عبد الله هذا قال لهما: "ارجعا فازنيا" فقالتا: "والله لا نفعل، قد جاء الإسلام وحرم الزنى". فأتتا رسول الله ﷺ وشكتا إليه أمرهما, فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.

стр. 56

ربا الجاهلية: لست هنا بصدد بيان الربا وأنواعه ومضارّه على التجارة والعمران والأخلاق، وما يعقب من خراب البيوت وتقويض الأسر وفقدان الثروة والشقاء والدمار، فذلك معروف أمره، مستوفًى شرحه في مظانه من كتب الحديث والتفاسير، عدا ما يعاين الناس في حياتهم من شروره على المرابين أنفسهم قبل غيرهم، فحوادثه نشاهدها في كل يوم بالعشرات. وإنما أريد الإشارة إلى ما استفاض منه في الجاهلية, حتى أتى الإسلام فاجتثّه من جذوره. يرجح أن الذي أشاع الربا في جزيرة العرب هم اليهود الطارئون عليها، الذين اتخذوا من بعض قراها ومدنها مستعمرات عالجوا فيها الزراعة فأصابوا منها الغنى, ولم يكن لعرب الحجاز فيها كبير نصيب. فكان العربي إذا أعوزه المال اقترض ورهن عند دائنه درعه أو ثيابه أو سلاحه، وأحيانا تشتد به الحاجة ويشتط الدائن فيرهن ولده. إلا أن الربا لم يقتصر على اليهود، بل ما زال ينتشر في مكة والطائف وخيبر ووادي القرى ويثرب حتى ألفه الناس, وصاروا يأخذون به ويعطون.

стр. 57

اشتهرت الطائف برباها, ولعل هذه الشهرة كانت لمكان اليهود منها فقد جاء في فتوح البلدان للبلاذري "ص٥٦" أنه: "كان بمخلاف الطائف قوم من اليهود طردوا من اليمن ويثرب, فأقاموا بها للتجارة, فوضعت عليهم الجزية ... ". ويذكر المفسرون "أن أربعة إخوة من ثقيف كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد الله بن عمير بن عوف الثقفي، وكانوا يرابون، فلما ظهر النبي ﷺ على الطائف أسلم هؤلاء الإخوة بنو عمرو الثقفي, وطلبوا رباهم من بني المغيرة. فقال بنو المغيرة: "والله ما نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله عن المؤمنين! ". فاختصموا إلى عتاب بن أسيد وكان عامل رسول الله ﷺ على مكة, فكتب إلى النبي بقضية الفريقين وكان ذلك مالا عظيما, فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ... ﴾ ١". هذا, وقد كانت ثقيف صالحت النبي ﷺ على أن ما لهم من ربا على الناس وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع، وثقيف هم أهل الطائف. ولم تقتصر علائق أهل مكة مع أهل الطائف على المراباة والتجارة, بل كان لأهل مكة أملاك بالطائف يصلحونها ويستغلونها, فقد "كان

стр. 58

للعباس أرض بالطائف وكان الزبيب يحمل منها فينبذ بالسقاية للحاج, وكانت لعامة قريش أموال بالطائف يأتونها من مكة فيصلحونها ... وصارت أرض الطائف مخلافا من مخاليف مكة"١. وكان بالمدينة -وفيها كثير من اليهود- ربا منتشر، وعرف من مرابيها من أصبح ذا غنى فاحش: جاء في خزانة الأدب: "كان أُحَيْحة بن الجلاح كثير المال شحيحا عليه، يبيع بيع الربا بالمدينة، حتى كاد يحيط بأموالهم، وكان له تسع وتسعون بئرا كلها ينضح عليها, وكان له ... إلخ"٢. ومن مراجعة كتاب الصلح الذي كتبه رسول الله ﷺ لأهل نجران نعلم أن غير اليهود لهم نصيب يحملونه من أمر الربا هذا، فقد شرط عليهم ألا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به "ومن أكل منهم ربا من ذي قِبَل, فذمتي منه بريئة". ولعل نصارى نجران كانوا قد بلغوا من التعامل به مبلغا صعب عليهم فيه تنفيذ هذا الشرط؛ لما تأصل فيهم من اعتياده، حتى استفحل أمره فيهم أيام خلافة عمر بن الخطاب وشاعت لهم أموال أفادوها منه, وخاف عمر العاقبة فأجلاهم٣.

стр. 59

تسرب الربا إلى أهل مكة وتعاملوا به, وعُرف رجال منهم من أهل الشرف والرئاسة بتعاطيه كالعباس بن عبد المطلب وخالد بن الوليد وعثمان بن عفان١ وغيرهم. ومتى انتشرت عادة قبيحة ستر فشوّها قبحها لم يترفع عنها أحد، وكانت الضرورة والحاجة شر معوان على تعاطيه, وبذلك انحصر الغنى في طائفة معينة وعم الفقر من عداهم. بلغ اليهود في هذا الميدان شوطا لم يلحقهم فيه لاحق قط؛ لما تركز فيهم من الثراء وما حذقوا من حسن التأتي في تثمير أموالهم، واستغلال الفقر والسذاجة في العرب، فاعتقدوا الأرضين وبنوا الحصون ثم دأبوا في جمع المال وتنميته وإدانته حتى كثرت الرهائن عندهم واشتطوا في طلبها وافتنوا في تنويعها افتنانا شائنا، فصاروا يرتهنون الأولاد ويطلبون النساء أيضا, ولا يرعون في سبيل المادة حلفا ولا آصرة. جاء في سيرة ابن هشام "٢/ ٣٤١" أن أبا نائلة سلكان بن سلامة أتى أحد أشراف اليهود وأغنيائهم كعب بن الأشرف, وكان أخاه من الرضاعة فقال له: "إني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك". فقال كعب: "أترهنونني نساءكم؟! "

стр. 60

قال: "كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم؟ ". قال كعب: "أترهنونني أبناءكم؟ " قال: "لقد أردت أن تفضحنا، إن معي أصحابا لي على مثل رأيي, وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك, ونرهنك من الحلقة ما فيه الوفاء". يريد أبو نائلة بقوله: "على مثل رأيي": تضايقهم من مجيء الرسول والمسلمين ومزاحمتهم في بلدهم "المدينة" على العيش, فلينظر امرؤ كيف لم يشفع شيء عند كعب في سبيل المادة، لا مشايعة القوم له "ظاهرا" في هواه وعداوته لرسول الله، ولا أخوة الرضاعة، لا شيء إلا المال والربح، المال وحده هو معبود اليهود منذ خُلقوا إلى يوم يبعثون. هذا الغلو من اليهود في الربا, وتعاطيه منذ القديم هو السبب في تشنيع القرآن الكريم لفعلتهم, وتعنيفهم عليها حين يقول: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١.

стр. 61

أتى الإسلام وطعمة كثير من الجاهليين ومأكلهم من الربا, فامتنع قسم منهم من الاتجار؛ لأن الربح قد حصل لهم بأخف مئونة وأيسر مشقة؛ فلا أسفار ولا تعرض لأخطار ولا جهد ولا سعى. وكف أكثرهم بطبيعة الحال عن الإقراض بلا فائدة واعتاد المدين إعطاء الربا راضيا، غير واجد فيه غبنا ولا شناعة, وقال كثير منهم: "سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند المحل لأجل التأخير", هوّنوا بذلك على أنفسهم, ورأوا البيع والربا سواء في الزيادة حتى أكذبهم الله, وعنفهم أشد تعنيف بقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ١. ولما حرم الإسلام الربا جملة واحدة كان لا بد من تشريع حاسم للعلاقات التي سبقت إسلام المتعاملين به, والتي كانت لا يخلو من الارتباط بها من كان يتعاطى التجارة وغيرها من شئون الكسب ووقف الناس إزاء مشكلة جديدة: هل يمضون عقودهم على ما عقدوا قبل الإسلام إذا حل الأجل, أم يتقيدون بتعاليمه فيهملون ما كان منها فاسدا حسب هذه التعاليم؟ وإذا كان الأمر الثاني فلا بد حينئذ من

стр. 62

غبن -في زعمهم- يلحق الدائن. وقد عرضت قضية من هذا الشكل, فنزل الوحي بالحل القاطع: ذكر الطبري في تفسيره: أن العباس ورجلا من بني المغيرة "لعله خالد بن الوليد المصرح به في تفسير الخازن" كانا شريكين في الجاهلية، سلّفا في الربا إلى أناس من ثقيف وهم بنو عمرو بن عمير, فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا. وذكر الخازن أن عثمان بن عفان والعباس بن عبد المطلب كان أسلفا في التمر, فلما كان وقت الجُذاذ قال صاحب التمر لهما: "إن أنتما أخذتما حقكما لم يبق لي ما يكفي عيالي، فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف, وأضعف لكما؟ " ففعلا، فلما حل الأجل طلبا منه الزيادة, فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنهاهما. وسواء أكانت الحادثة الأولى أم الثانية سببا في نزول الآية، فإن من المعقول أن تتعدد الحوادث على هذا النسق لتفشي المعاملات فيما سبق على الربا، وحلول الآجال أجلا بعد أجل، وتحير الدائن والمدين معا بين إمضاء التعاقد السابق للتحريم، والإذعان والكف عما نهى الله عنه، أيا كان, فقد نزل قول الله فاصلا في هذه المسائل وأشباهها بهذا التشريع الحاسم, الذي لا هوادة فيه:

стр. 63

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ١. فسمع العباس وخالد وعثمان وغيرهم, وأطاعوا وأخذوا رءوس أموالهم. وكتب رسول الله يجيب عَتَّابا عامله على مكة بهذه الآية, وقال له في آخرها: "إن رضوا, وإلا فآذنهم بحرب"٢. هذا ما كان من الربا في الجاهلية عامة: يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى, فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخّر عنه. إلا أن هناك ربا خاصا كان من أثقل الأعباء على المعسرين, وهو ربا بالأضعاف الذي أشار القرآن الكريم إليه بقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ٣ وذلك أن الرجل منهم في الجاهلية يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حل الأجل وكان الذي عليه الدين ضائقا لا يجد ما يؤدي به دينه, قال صاحب المال: "زدني في المال حتى أزيدك في الأجل" فيقول الآخر: "أخِّر عني دينك, وأزيدك على مالك كذا" فيفعلان ويكون الدين

стр. 64

مائة فيصير إلى قابل مائتين مثلا، وربما حل الأجل الثاني والذي عليه الدين في إعساره ذاك، لم يتخلص منه، فيؤجله الدائن أجلا ثالثا، ويزيد المال عليه, وربما فعلوا ذلك مرارا حتى تصير المائة بعد سنين مئات. وذكر ابن حجر في الزواجر ما يفيد أن ربا الجاهلية كان الإنساء فيه بالشهور، وعلى ذلك يسهل علينا إدراك هذا التضعيف فيه, قال: "وربا النسيئة الذي كان مشهورا في الجاهلية؛ لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل، على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا ورأس المال باقٍ بحاله، فإذا حل الأجل طالب برأس ماله، فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل". ذلك تضعيفهم في العين "النقود", وأما تضعيفهم في السن ففي الإبل, وقد شرحوا ذلك بما يأتي: "إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن: يكون للرجل فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول: "تقضيني أو تزيدني؟ " فإذا كان عنده شيء يقضيه قضى, وإلا حوّله إلى السن التي فوق ذلك: إن كانت ابنة مخاض "وهي التي دخلت في السنة الثانية" يجعلها ابنة لبون "وهي التي دخلت في الثالثة" في السنة التالية، ثم حِقة "وهي التي أتت عليها الرابعة", ثم جذعة "وهي التي أتت عليها الخامسة" ثم رباعيا ثم هكذا ... إلى فوق".

стр. 65

بدأت العلائق التي نشأت عن تعامل الجاهلية تضمحل بقاياها مع الزمن. وقد تشدد الإسلام بما يرتبط منها بالربا تشددا حازما، وورد فيها من الوعيد والتهديد ما لا مجال لبسطه هنا. وكان خاتمتها ما جهر به رسول الله ﷺ في حجة الوداع، في خطبته البليغة المأثورة التي كانت فاصلة بين آثار الجاهلية وعهد جديد، والتي بيَّن فيها أهم الأمور الجسام التي يريد من أمته التمسك بها, وكان في طليعتها -دون شك- الربا, فقال فيه: "ألا, وإن كل ربا الجاهلية موضوع كله، وأول ربا أبتدئ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب "لكم رءوس أموالكم, لا تَظلمون ولا تُظلمون""١.

стр. 66

المحلون والمحرمون والحمس: كان العرب يعظمون أمكنة خاصة وشهورا معينة، لا يسفكون فيها دما، ولا يتجاوز بعضهم على بعض حتى يزايلوا المكان الحرام، أو ينقضي الشهر الحرام. وكان من بعد النظر أن جعلوا أكبر أسواقهم يقام في الأشهر الحرم، فكانت سوق حُباشة وسوق صُحار في رجب، وحضرموت في ذي القعدة، وعكاظ ومجنة وذو المجاز في ذي القعدة وذي الحجة، ومعلوم أن الأشهر الحرم أربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، تضع فيهن العرب سلاحها, فلو لقي المرء قاتل أبيه ما وسعه التعرض له بسوء، حتى إن تلقيبهم رجبا بالأصم، كان لأنه لا ينادى فيه: "يا صباحاه"١, ولا "يا لَفلان" فينقطع فيه صوت الأسلحة. وكان من أعظم العار أن يتعدى المرء حدود الشهر الحرام والبلد الحرام. ولهذا سمت العرب حروب قريش وهوازن في عكاظ بحروب الفجار؛ لفجورهم باقتتالهم في الشهر الحرام.

стр. 67

ولما ترصدت سرية عبد الله بن جحش عير قريش, وكانت تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارتهم فيها عمرو بن الحضرمي، بنخلة بين مكة والطائف، وظفرت بالعير وقتلت ابن الحضرمي بعد أن هاب قوم الإقدام على القتل؛ لأنهم كانوا في آخر يوم من رجب، وأقبلوا على رسول الله ﷺ بالعير وبأسيرين؛ امتنع رسول الله ﷺ عن أخذ الخمس, وقال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام" ١. وسُقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وأيقنت قريش أنها وقعت على ما تعيب به محمدا وأصحابه عند العرب عامة؛ لما انتهكوا من حرمة الشهر, فجعلت تشيع قولها: "قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام, وسفكوا فيه الدم, وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال". وأكثروا من ذلك لما فيه من تهييج العرب وتغيير قلوبها على صاحب الدعوة وتصويرها له في صورة المستحل الذي لا يرعى حرمة للشهر المحرم كما لم يرع من قبل حرمة آلهتهم. وتناست قريش ما كانت صنعت مع النبي وأصحابه من إيذاء وتعنيف, حتى اضطروهم إلى الهجرة إلى الحبشة ثم

стр. 68

إلى المدينة. ثم تناست ما عاملت به المستضعفين من المسلمين من إقامة في الهاجرة تصهرهم الشمس، ومن إلقاء الصخور عليهم، وتهافتهم على هؤلاء ضربا وإيلاما حتى يفتنوهم عن دينهم, ثم تنويعهم أساليب العذاب لهم ولأهليهم. فلما أشفق المسلمون من صنيع سرية عبد الله بن جحش, واستطالة ألسنة قريش فيهم أنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ١. وقال عبد الله بن جحش يرد على قريش: تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به، والله راءٍ وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد دما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غل من القد عاند٢

стр. 69

قال المرزوقي: "كانت هذه الأسواق منها ما يقوم في الأشهر الحرم ولا يقوم في غيرها، ومنها ما لا يقوم في الأشهر الحرم ويقوم في غيرها، لكنه لا يصل إليها أحد إلا بخفير ولا يرجع إلا بخفير". ولا يخفى أن الأمن من أوكد الأسباب في انتظام أمور التجارة، فلولاه ما أخرج بائع بضاعة، ولا تظاهر مشترٍ بملك نقود. ومن هنا كان لقريش تلك الزعامة التجارية؛ لأنها تسكن الحرم حيث الأمن والسلم، وحيث لا تحدث أحدا نفسه بالبغي والعدوان. فكانت تجارات العرب أروج ما تكون حيث يستتب الأمن وتعم الثقة. رعاية هذه الحرم على ما تقدم ليست مطردة على إطلاقها، بل هي كذلك في الأعم الأغلب، إذ إن هناك قبائل معدودة لا تعرف لهذه المحرمات حقا، فكانت تسفك الدم ولو في الشهر الحرام أو البلد الحرام. علمت قريش أمر هذه القبائل, فكانت تسلك في طريقها على القبائل التي تحفظ لها حرمتها, فإذا وردت على من لا يرعاها تخفّرت بخفير. ونحن مدينون للمرزوقي الذي له الفضل بإطلاعنا على ما لقريش من منزلة سامية في نفوس قبائل العرب, وخاصة الذين يكونون على

стр. 70

طريقها، كما علمنا من القبائل التي لا تجتاز بها قريش إلا متخفرة. كانت قريش في خروجها من مكة قاصدة دومة الجندل إذا "أخذت على الحزن لم تنخفر بأحد من العرب حتى ترجع؛ وذلك أن مضر عامتهم لا تتعرض لتجار قريش ولا يتهجمهم حليف لمضري، مع تعظيمها لقريش ومكانهم من البيت. وكانت مضر تقول: قد قضت عنا قريش مذمة ما أورثنا أبونا إسماعيل من الدين. وكانوا إذا خرجوا من الحزن أو على الحزن وردوا مياه كلب، وكانت كلب حلفاء بني تميم. فإذا سفلوا عن ذلك أخذوا في بني أسد, حتى يخرجوا على طيء فتعطيهم وتدلهم على ما أرادوا؛ لأن طيئا حلفاء بني أسد. فإذا أخذوا طريق العراق تخفروا ببني عمرو بن مرثد من بني قيس بن ثعلبة, فيجيز لهم ذلك ربيعة كلها". هذا هو نظر أغلب العرب إلى قريش: تعظيم لهم احترام؛ لمكانهم من البيت, ولأنهم سدنته والقائمون بأمور الحاجّ أيام الحج. أذعنت لهم بذلك العرب وعرفوا لهم حقوقهم؛ لأنهم قوام الدين الذي دان به العرب قبل الإسلام وهم لهم تبع. وقد استغل القرشيون هذه المكانة القدسية، فضربوا في جزيرة العرب شمالا وجنوبا متاجرين لا يعرض لهم, ولا لأموالهم أحد.

стр. 71

وكانوا بطبيعة الأمر مسيطرين على الأسواق الثلاث الكبرى التي تقوم قريبا من مكة, وهي: عكاظ ومجنة وذو المجاز, وفيها يجتمع أكبر حفل من بلاد العرب من جميع أطرافها لوقوع هذه الأسواق في أيام الحج, وقريبا من أمكنته. ويظهر أن قريشا لم تكتف بما لها من نفوذ في قبائل العرب, بل أرادت أن تصبغ نفسها صبغة تمتاز بها منهم في الدين نفسه، كأنهم طبقة خاصة تتمتع بحقوق ليس لغيرهم أن يتمتع بها، ورمت من وراء ذلك إلى أن تمكن هيبتها في نفوس الأعراب الغفل, أقصد بذلك ما يعرف في كتب السير بحديث "الحُمْس": مادة "حمس" في اللغة تفيد الشدة والصلابة في الدين والقتال. تلقبت قريش بالحمس هي وأحلافها من كنانة، وخزاعة، وجديلة، وكلاب, وكعب, وعامر, بنو ربيعة بن عامر بن صعصعة١, ومن تبعهم في الجاهلية، وخلاصة هذا الحديث في بدعتهم تلك أنهم قالوا فيما بينهم: "نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقطّان مكة، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له

стр. 72

العرب مثل ما تعرف لنا. فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم, فإنكم إن فعلتم ذلك استخف العرب بحرمتكم وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم". فأجمعوا على هذا الرأي وتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها كما يفعل سائر العرب. وهم مع إقرارهم أن الوقوف بعرفة من مشاعر الحج ودين إبراهيم، ومع أنهم يأمرون العرب عامة بالوقوف والإفاضة، ابتدعوا لأنفسهم البقاء في الحرم واعتذروا لذلك بقولهم: "نحن أهل الحرم, فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرم, ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس". فـ "لا نفيض إلا من الحرم، نحن قطين الله فلا نخرج من حرمه"١ وجعلوا لأنفسهم حق تمييز غيرهم بما ميزوا به أنفسهم. ثم ترقوا في الامتياز فحرموا على أنفسهم ائتقاط الأقط وسَلْء٢ السمن ما داموا حرما، كما حرموا الاستظلال بغير بيوت الأدم محرمين، وكما حرموا على أنفسهم أن يدخلوا بيتا ما داموا محرمين. ثم حظروا على غيرهم الأكل من غير طعام الحرم, فمن جاء بطعام من غير الحرم، وكان حاجا أو معتمرا حرم عليه الأكل منه. ولم يقتصر تحكمهم بغيرهم على هذا،

стр. 73

بل تعداه إلى الثياب فحجروا على كل إنسان من غيرهم الطواف بالبيت أول ما يقدمون إلا بثياب الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا عراة ومن طاف في غير ثياب الحمس حرمت عليه بعد الطواف فألقاها ولم يُنتفع بها قط١. وكانت العرب إذا أحرمت لم تدخل البيوت من أبوابها, وإنما تنقب في ظهورها نقبا فتدخل منه وتخرج ويزعمون أن ذلك من البر، إلا الحمس فإنهم امتازوا من بين سائر العرب بدخول البيوت من أبوابها وهم محرمون، وجروا على ذلك حتى في الإسلام وكانوا يستنكرون من غير الحمس أن يدخل أحد بيته محرما من بابه، فيذكرون أنه "بينما رسول الله ﷺ في بستان, إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري, فقالوا: يا رسول الله, إن قطبة رجل فاجر وإنه خرج معك من الباب!! " فقال له: "ما حملك على ما فعلت"؟ قال: "رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت" قال: "إني رجل أحمسي" قال له: "فإن ديني دينك"٢. ورووا مثل هذا الحادث لصحابي اسمه رفاعة, فلما خرج مع النبي من الباب قالوا: "يا رسول الله نافق رفاعة! "٢.

стр. 74

استغلوا سذاجة من حولهم من الأعراب؛ لينفردوا بالحرمة والتقديس فيأمنوا بعدها على تجارتهم, ويستفيدوا من هذا التمويه ثراء وبسطة عيش. فلما جاء الإسلام دكت الامتيازات كلها جملة واحدة, ونزل قول الله لقريش: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ١ كما نزل قوله تعالى في نسخ إتيان البيوت من ظهورها: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ ٢, فشعائر الدين بعد هذه الآية يذعن لها الناس جميعا بلا تمييز. واستوى في الحج القرشي وغيره بعد أن كانت قريش تنفرد دون جميع الحجاج إذا خرجوا من مكة يوم التروية وترووا من الماء, فتنزل الحمس أطراف الحرم من نمرة يوم عرفة، وتنزل الحلة عرفة. وقد أجمع أصحاب السير أن رسول الله ﷺ وقف مع الناس بعرفة في سنته التي دعا فيها قبل الهجرة ولم يقف مع الحمس في طرف الحرم, فكان هذا مما جلب نظر الناس. وروى ابن هشام عن جبير٣ بن

стр. 75

مطعم أنه قال: "أضللت بعيرا في يوم عرفة, فخرجت أقصه وأتبعه بعرفة, إذ أبصرت محمدا بعرفة! فقلت: هذا من الحمس، فما يقفه ههنا؟! فعجبت له"١. تزيُّد قريش في دينها أو في ابتداعها على الأصح، علّم بعض الاحتيال، وما زال الدين -كما عليه الوطنية في أيامنا- مبتلى بمكر المرتكبين والمحتالين ورواد المنافع. فكان إذا أحدث أحد العرب حدثا وخاف على نفسه وجد في حرمة الشهر وحرمة الحرم خير معاذ يعتصم به من أن يناله القصاص. والظاهر أن أمثال هذه الحوادث تكررت حتى حلت من حياة العرب الاجتماعية محل العادات المستحكمة, فقد ذكر الأزرقي أنه كان من سنتهم أن الرجل يحدث الحدث: يقتل الرجل أو يلطمه أو يضربه, فيربط لحاء من لحاء٢ الحرم قلادة في رقبته ويقول: "أنا ضرورة" فيقال: "دعوا الضرورة بجهله, وإن رمى بجعره٣ في رحله" فلا يعرض له أحد, فقال النبي
следующие страницы →