عاشرًا: النثر الجاهلي
١- أحمد خطّاب العمر: الكتابة العربية من العصر الجاهلي.
٢- جورج صدقني: في سيكولوجية الأمثال العربية. مجلة المعرفة السورية، دمشق، الأعداد ٢١٩ "١٩٨٠"، ٢٠٤ "١٩٧٩"، ٢٠٠ "١٩٧٨"، ٢٠٢ "١٩٧٨"، ١٩٩ "١٩٧٨"، ٢١٠ "١٩٧٩".
٣- رئيف خوري: أكثم بن صيفي حكيم العرب. الضاد، بيروت، السنة ٧، العدد ٢٠٧، والعدد ٢٣٧.
٤- عبد الكريم اليافي: الأمثال: حقيقتها، مكانتها، منشؤها، صلتها بالحياة. مجلة التراث العربي، العدد الثاني "١٩٨٥".
٥، ٦، ٧، ٨، ٩، ١٠- عفيف عبد الرحمن: الأمثال العربية القديمة. مجلة العلوم الإنسانية، جامعة الكويت، ١٩٨٣م.
- الأمثال الشعرية.
- صورة الحيوان في الأمثال العربية القديمة. مجلة العلوم الإنسانية، جامعة الكويت، ٢١ "١٩٨٦"، ٤٠- ٨٦.
- صيغة أفعل في الأمثال العربية القديمة. مجلة العلوم الإنسانية، جامعة الكويت، ١٩ "١٩٨٥"، ٤٤-٨١.
- الأمثال: دراسة لغوية.
- القيم والأخلاق في الأمثال.
стр. 142
حادي عشر: موضوعات أخرى
١- إبراهيم اللبان: الطريقة الحديثة لعرض الأدب. محاضرات مجمع اللغة العربية، القاهرة، مجلد٢، جزء٢، ص٧٣-٨٦.
٢- جميل سعيد: الشعر والإنشاد. مجلة المجتمع العلمي العراقي، العدد١٤، ١٩٧٦م"، ص٥٦-٧٦.
٣- حمادي حمود: ملاحظات حول مفهوم الشعر عن العرب، مجلة الموقف الأدبي، دمشق، العدد ٧١، آذار١٩٧٧م، ص٧١-٩١.
٤- ديتربيلمان: صورة ألمانية للأدب العربي للعهد القديم المعاصر، مجلة المعرفة، دمشق، العدد ١٨٤، ١٩٧٧م"، ص١٧٥-١٨١.
٥- رزق فرج رزق: اسكندر أباكوريوس: من روّاد مؤرخي الأدب الجاهلي في
стр. 143
العصر الحديث، مجلة كلية الآداب، جامعة بغداد، العدد١٦، ١٩٧٣م، ص٧٤-٩١.
٦- الطيب البكوش: عرض كتاب أندرية ميكال الأدب العربي. حوليات الجامعة التونسية، العدد ٦ "١٩٦٩م"، ص٢٠٣-٢١٣.
٧- نوري حمودي القيسي: التمام على ما جاء في معجم شعراء اللسان من أوهام. مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد ٣٢ وما قبله ١٩٨١م.
٨- وليم زلزال: تخميس حكم زهير في معلقته. مجلة المقتطف، القاهرة، العدد ٣١، ص٣٩٧ وما بعدها.
стр. 144
خلاصة الدراسات الحديثة:
قبل الخوض في قضيتين أساسيتين ينبغي علينا أن نشكّل صورةً للواقع الجاهلي، وأعني بالقضيتين مناهج دراسة المحدثين للشعر الجاهلي، وموقف هذه المناهج من قضايا أساسية في الشعر الجاهلي، وسأحاول أن أرسم صورة توضح المعالم البارزة في المجتمع الجاهلي التي كان لها حضور شبه دائم في الشعر الجاهلي.
يشكل الرباعي التالي المحور الأساسي الذي تدور حوله باقي المحاور، وأعني به الفرد "الأنا", والقبيلة "نحن"، والصعلوك "الفرد المتمرد على القبيلة وتقاليدها"، والملك أو الكاهن أو رئيس القبيلة، وهذه العناصر الأربعة المكونة لهذا المحور قد تتفق وقد تتنافر، وقد تتحد.
والمجموعة الثانية أو المحور الثاني: الصحراء، والطلل، والمطر، والسيل، والرحلة، والظعينة، والوشم، وهذه تربطها بالإنسان الجاهلي علاقات قد تكون إيجابية، وقد تكون سلبية، قد ينفر منها العربي ويخشاها، وقد يلوذ بها لتحميه, أو ليجد عندها الأمن والطمأنينة، يرهبها لأنه يرى فيها مستقبله الآيل إلى فناء، أو سعادته الآيلة إلى فراق، أو القبر الذي يطويه، فعلاقته بها ذات وجهين متضادين.
فهي تختزن جزءًا من ماضيه أو كله, وتصور حاضره، وتخبئ مستقبله المجهول الذي لا يدري كنهه.
والمحور الثالث: يمثل الحيوان، ولكن لا يكون حضوره وفاعليته في القصيدة الجاهلية بالكثافة نفسها. وتطالعنا الحيوانات التالية ممثّلة في الشعر بصورة ملفتة وهي: الناقة والفرس وحمار الوحش والكلاب. وهذا المحور أيضًا يدور في فلك
стр. 145
المحور الأول لا يفارقه، ولكن يظهر هذا ويختفي ذاك، والمحرك لأدواره فاعلية خفية اختلفت المناهج في تفسيرها وتأويلها, ويوصف كل حيوان بصفات تختلف من شاعر إلى آخر, بل من قصيدة إلى آخرى للشاعر نفسه, وهذا المحور أيضًا في علاقاته مع المحور الأول ينتقل من طور إلى طور مضاد وفقًا لمعطيات وعوامل أخرى.
أما المحور الرابع فيتمثل في الزمن، الموت والفناء، وانتهاب اللذات من خمر ونساء، وصيد وعقر، والمرأة، والحروب "الأيام"، والصراع بمظاهره المختلفة، والخمر، والمحبوبة، والكرم. وهذه المجموعة تأتي، أو يأتي بعضها نتيجة لتصارع المحاور السابقة لتشكل فلسفة الشاعر الجاهلي المعبِّر عن مشكلاته ومشكلات أقرانه من الجاهليين الذين يعانون مثل ما يعاني، ويرغبون مثل ما يرغب، ويرهبون ما يرهب، ولا أريد أن أستبق الأمور؛ لأن ذلك سيعرض بالتفصيل عند دراسة المناهج، لكنني أستطيع أن أزعم أن المحور الرابع يقتسمه قطبان متضادان: رغبة في الخلود يرافقها رهبة من الموت وهلع وجزع، والقطب الآخر اندفاع في اتجاه مضاد يتمثل في انتهاب اللذات وتخليد النفس بعد الفناء بأعمال تبقى خالدة ما دام غير قادر على تحقيق الخلود, والاحتمالات والاختيارات هنا كثيرة، يجد الشاعر وفقًا لظرفه والمؤثرات التي تضغط عليه وسيلة للرد أو الهروب أو التصدي، أو التهلي والتناسي.
وهذا المحور لا يتعامل، فيؤثر ويتأثر، بالمحور الأول فحسب، بل تتداخل المحاور الأخرى لتشكل بنية متشابكة معقَّدة, حار الباحثون أحيانًا واختلفوا في تفسيرها، وتناقضت تفسيراتهم وتأويلاتهم وفقًا لمنطلقاتهم المنهجية.
وهكذا فإنني أزعم أن هذه المحاور الأربعة تشكِّل أساسيات في النص الشعري، ولكن هذا لا يعني أن كل عنصر فيها قد يكون محورًا ثانويًّا تتنامى حوله الصورة أو النص الشعري.
وهكذا نتصور أن من يتصدَّى لدراسة الشعر الجاهلي ينبغي أن يضع نصب عينيه هذه الحقائق، فأين كان النقد القديم من هذا؟
لن نكرر ما أوردناه في موضع آخر من هذا البحث من أن الناقد القديم، أو
стр. 146
دراس الشعر الجاهلي لم يكن من أهدافه ما نحن بصدده، بل كانت له أهداف أخرى.
يذهب الدكتور إبراهيم عبد الرحمن في دراسة له إلى قصور النقد القديم في جوانب أهمها: إنه قصر في فهم شعرنا القديم في سياقه الأدبي ودلالاته الحضارة١.
وتقول بنت الشاطئ محددة منهجها: "أريد أن أستخلص لأدبنا العربي قيمًا جديدة نابعة من تراثنا الأصيل, دون التزام بالقيم وبالأحكام التي ذهب إليها من نظروا في هذا التراث بذوق عصرهم، وحكموا عليه بعقلية زمانهم, وقوموه بموازين بيئاتهم ومجتمعهم ... "٢.
ويرى صلاح عبد الصبور أن مقياس دراسة الشعر تقدير النفس والحياة، ولذا فقد قصرت معظم الدراسات التراثية لعدم تعمقها لهذا الغرض الجوهري٣.
أما الدكتور كمال أبو ديب فيرى أن القراءة السائدة للشعر الجاهلي قراءة صلة تفقده التحليل، بل تفقده خصيصة الشعر الأولي، وهي كونه تجسيدًا لاستجابة إنسانية، ورؤيا للعالم جماعية وفردية في آنٍ واحد٤.
ولا نريد أن نسترسل في إيراد آراء الباحثين؛ لأن من عرضنا لهم يمثلون اتجاهات مختلفة، وكلهم أجمعوا على قصور النقد القديم عن سبر أغوار الشعر الجاهلي، أو لنقل: إن ذلك لم يكن من أهدافهم لأسباب معلنة، وأخرى غير معلنة.
ولم يتوقف رفضهم لمنهج القدماء في نقد الشعر الجاهلي وتحليله, بل رفض بعضهم أيضًا منهج المستشرقين في دارسات الشعر الجاهلي، وقد سقنا بعضه في حديثنا عن جهود المستشرقين.
وبالرغم من تلك الدراسات الكثيرة حول الأدب الجاهلي بعامّة والشعر
стр. 147
بخاصة، إلّا أن قضايا كثيرة تبرز في المقدمة، وقد أثارت هذه القضايا جدلًا كبيرًا، وتباينت الآراء حوله. ولا نرى بأسًا من ذكر أهمها:
١- عمر الشعر الجاهلي الذي وصل إلينا، وهي قضية متفرعة عن أولية الشعر نفسه، ويعدُّ "جويدي" المستشرق قصائد القرن السادس الميلادي الجديرة بالإعجاب التي تنبيء بأنها ثمرة صناعة طويلة١.
٢- شعراء الجاهلية المعروفون، وما انتهى إلينا من أشعارهم، وحجم هذا الشعر.
٣- وضع الشعر ونحله شعراء الجاهلية أهي صحيحة أم باطلة؟ فإن صحَّت فأين هذا المنحول فيما وصلنا عن العلماء الرواة من أشعارهم٢؟
٤- صورة الشعر الجاهلي الحقيقي: ويرى الدكتور البهبيتي أن كثيرًا من الشعر الجاهلي الصحيح النسبة إلى أصحابه، أو إلى العهد الجاهلي قائم في الكتب الباقية بين أيدينا الآن، لكن ليس في مجاميع الشعر الجاهلي الذائعة الصيت، وإنما يقع في كتب تدخل عندنا، وفي اعتبارنا في مجال القصص المصنوع؛ لأن القدامى وضعوها في قالب متحجر من تصور الشعر الجاهلي والتاريخ الجاهلي، بحيث أصبح التاريخ الحيّ عندنا قصصًا, وما اندرج خلاله من الشعر مصنوعًا. وهكذا لم يبق من هذا البناء الشامخ العتيد إلّا قطعًا متناثرة هنا وهناك٣.
ويرى الدكتور عادل البياتي أن ملاحم الأيام وما تضمنته من فكر وثني دخلت في صدام مع الإسلام, انتهت به إلى أن يتمكَّن من تغطية جميع الملاحم الوثنية، ونزعها من الصدور بأناشيدها، بالرغم من أن كانت متمكِّنة من نفوس العرب الوثنيين يومئذ٤. وهو بهذا الرأي يلتقي مع البهبيتي، من أن صورة الشعر التي نتعامل معها ليست الصورة الحقيقية الكاملة للشعر الجاهلي.
стр. 148
٥- أيام العرب: والجدل الذي يثور حولها ليس حدوثها أو عدمه، بل طبيعتها وما حملته من قيم ومعتقدات، ونتائجها، وطبيعة شعرها هل ينتمي إلى الملاحم أم لا؟ وهل كانت شرًّا ووبالًا على المجتمع الجاهلي أم خيرًا؟ ولم تعمد الضمير العربي طمسها فضاع مصدرها الأساسي وهو كتاب أبي عبيدة؟ هل بسبب خوفهم من أن تثير العصبية القبلية؟ أم لما تحمله من فكر وثني؟ أم بسببهما معًا؟ واختلفوا كذلك في أسباب حدوثها وكثرتها، بل ذهب بعضهم إلى أنها لا تعني حربًا فحسب، بل تعني مأثرة أو غير ذلك١, ولا أرى بأسًا من إيراد بعض آراء الباحثين فيها.
فالدكتور أحمد كمال زكي يراها تراثًا نبع من الضمير الجاهلي في شتَّى تكويناته الاجتماعية، وامتلأ بالمحتوى الفكري الذي يتشكّل تشكلًا قوميًّا لم تشاركه فيه الأمم المجاورة, مع تسليمه بوجود تأثيرات متبادلة بينهما. وهي تتضمن خلاصة الثقافة العربية الأولى ممتزجة بالأساطير والقصص والخرافي، وكان المحدثون منذ العصر الأموي قد دأبوا على طمسها؛ لأن فيها إيقاظًا للشعر الجاهلي الذي أساسه العصبية٢.
ويرى الدكتور البهبيتي رأيًا مغايرًا للرأي السابق فهو يقول: "إنهم لم يذكروا من شعرهم إلّا ذلك الشعر الذي قاله شعراؤهم في عهدٍ لا يزيد على القرنين قبل الإسلام، بل إنهم لم يستبقوا من ذلك كله إلّا ما قيل من هذا الشعر، وكان متصلًا بتلك الحروب الأهلية، وبحركات تحرير الجزيرة"٣.
والأيام في رأي الدكتور عادل البياتي ليست وثيقة تاريخية، وإنما عالم ينبض بالأساطير التي تصور حياة الأمة العربية في شبه الجزيرة العربية٤.
ويرى الدكتور الطاهر مكي أن "الأيام موغلة في القدم، ولعلها أقدم مما تشير إليه كتب التاريخ، وإن الشعر والقصص لم يكونا بمعزل أحدهما عن الآخر"٥.
стр. 149
ولسنا في مجال استقراء ما كُتِبَ حول الأيام، فالمصادر والمراجع مثبتة في هذا البحث، ولكن خلاصة ما أراه أن صورة الأيام الحقيقة ستظل ناقصة بسبب فقدان مصادرها الأساسية، فما تبقَّى منها نتف مبثوثة هنا وهناك، وبالرغم من محاولتي جمع الأيام وشعرها وأخبارها إلّا أنني لم أظفر إلّا بأقل من أربعمائة يوم١, وأزعم كذلك أن التاريخ في هذه الأيام اختلط بالأساطير، وليس أدل على ذلك من صورتي عنترة والمهلهل وما نسج حولهما، وقل مثل ذلك في غيرهما من الفرسان والأبطال والحكماء والكهان الذين كان لهم دور بارز في تلك الأيام.
٦- طبيعة الشعر الجاهلي: وتلك قضية خاض فيها الدراسون، وذهبوا مذاهب شتى, وبرزت في تبريرات أوردوها لاصطناع هذا المنهج أو ذاك؛ فبعهضم رأى أن مصدر الشعر الجاهلي هو "الإلهام"، ولكن من سوء حظه أن نظرية الإلهام لم تكد تثبت في الوجدان العربي حتى زاحمتها نظرية الصنعة في الشعر، وإن هذا الشعر نشأ من منبع متعالٍِ عن البشر، فقُرِنَ الشعراء أنفسهم بالجن٢.
ويذهب الدكتور مصطفى ناصف إلى أن الشاعر الجاهلي لا يتصور الفن عملًا فرديًّا، بل يتصوره نوعًا من النبوغ في تمثل أحلام المجتمع ومخاوفه وآماله، ويرى أنه ينافس أي شعر آخر إذا أحسنّا قراءته٣.
واختلف أيضًا في نسبة هذا الشعر إلى نوع من أنواع الشعر الثلاثة: الغنائي والملحمي والمسرحي، فرأيُ الدكتور شوقي ضيف بأن الشعر العربي نشأ نشأة غنائية٤.
٧- تطور الشعر الجاهلي: وتتصل هذه القضية بسابقتها، يقول الدكتور شوقي ضيف: "ومن الخطأ أن نظن أن الحياة الأدبية في العصر الجاهلي كانت ساذجة بسيطة، فقد كانت معقَّدة ملتوية شديدة الالتواء ... وكان كل شيء في العصر الجاهلي يعد لظهور هذا التكلف في الشعر أو ظهور الصنعة ... ويدلل على صحة رأيه
стр. 150
بأسماء بعض الشعراء كالمهلهل والمحبر النابغة والمرقش وغيرهم"١ وهو بذلك يخالف الجاحظ في مقولته٢ ويرى أن الجاحظ قد بالغ ليرد على الشعوبية٣.
أما غرنباوم٤ فقد حاول أن يؤسس مدارس فنية في الشعر الجاهلي تضم الشعراء الذين ولدوا بين ٤٤٠م -٥٣٠م على وجه التقريب، وقسَّمهم إلى المدارس التالية:
١- المدرسة الأولى: في قبيلة قيس بن ثعلبة, تبدأ بسعد بن مالك وتنتهي بالأعشى.
٢- المدرسة الثانية: وزعيمها عبيد بن الأبرص.
٣- المدرسة الثالثة: وزعيمها امرؤ القيس.
٤- المدرسة الرابعة: وهم وصَّافو الخيول ومنهم: زيد الخيل والطفيل والغنوي.
٥- المدرسة الخامسة: وهم عبيد الشعر أوس بن حجر وزهير وأتباعهما.
٦- المدرسة السادسة: أبو دؤاد الأيادي وأتباعه طرفة وعدي والمثقب والأعشى.
ويقسِّم الدكتور يوسف خليف٥ العصر الجاهلي إلى ثلاثة عصور أدبية:
١- عصر البسوس: ويمثله امرؤ القيس.
٢- عصر داحس والغبراء: وطلائعه الطفيل الغنوي وأوس بن حجر، ومن هذه المدرسة زهير وعنترة والنابغة.
٣- عصر ذي قار: ويمثله حسان ولبيد والأعشى.
أما الدكتور سيد حنفي حسنين٦ فيرى أن الشعر الجاهلي مرَّ بثلاث مراحل هي:
١- مرحلة الطبع والتلقائية, أو شعر ما قبل الاحتراف, ويمثلها أبو دؤاد وعبيد وامرؤ القيس والصعاليك.
стр. 151
٢- مرحلة الصنعة والاحتراف, أو احتراف الشعر: ويمثلها زهير وأوس وبشامة الغدير وكعب والحطيئة والنابغة والأعشى.
٣- مرحلة الجمو: ويمثلها لبيد.
ويحاول الدكتور بهي الدين زيان١ أن يرصد عوامل التطور قبل أن يتحدث عن التطور نفسه، فيرد هذا التطور إلى العوامل التالية: طبيعة الحياة الاجتماعية، وشخصية الشاعر ومكانته في المجتمع، والمؤثرات الفكرية والثقافية التي استهدفت تغيير الحياة في المجتمع, وينتقل بعد ذلك ليتحدث عن مجالات التطور، فيراها أولًا في تطور لغة هذا الشعر، وفي وسائل البيان، وأوزان الشعر، وفي القصيدة الجاهلية نفسها، وفي موضوعات الشعر، وتطور الاتجاهات الفنية عند بعض الشعراء، والاتجاهات الموضوعية عند الآخرين.
وعندما يحاول تقييم هذا التطور فإنه يقرر أنَّ الشعر قد قطع مرحلة طويلة في تطوره، ومن ثَمَّ فإن القصائد الطويلة التي ترجع إلى حوالي مائة وخمسين سنة قبل الإسلام، ليست إلّا تطورًا أخيرًا أو صورة كاملة لهذا الشعر، وإن الشعر الجاهلي أقدم وأبعد زمنًا من تاريخ هذه القصائد.
وهكذا فإن خلاصة رأيه هي أن مظاهر هذا التطور تشمل: اللغة، وصور التعبير، والشكل، والمضمون، والاتجاهات.
٨- هل العرب بدائيون؟ وهذا التساؤل مثير للجدل والاستغراب، وقلَّمَا خلا بحث في الشعر الجاهلي من ذكر هذه القضية, بل نجد الباحث نفسه يتحدث في اتجاهين متضادين، يصف العرب بالبدائيين ليصل إلى نتيجة تمكنه من تطبيق منهجٍ ما على شعرهم، وفي الوقت نفسه ينفي عنهم التهمة عندما يحاول أن يبين خصائص ذلك الشعر, ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا أن الملابسات التالية قد أحاطت بالقضية فألبستها ثوبًا من الغموض، وحتى لا نطيل نكتفي بسردها هنا وهي:
١- تأثر واضح بالمستشرقين ومناهجهم حينما بحثوا في أولية الشعر عدوا العرب في جاهليتهم بدائيين، وقاسوا عليهم الأحكام نفسها التي قاسوها وطبقوها على
стр. 152
الشعوب البدائية والقبائل الإفريقية البدائية، كربطهم الهجاء والرثاء بالطقوس السحرية أو الدينية.
٢- الخط بين البداوة والبدائية, وهما لفظتان مختلفتان معنًى على الأقل.
٣- الغموض الذي اكتنف حياتهم الدينية في الجاهلية.
٤- الغموض الذي اكتنف حياتهم الثقافية أيضًا.
٥- خلطوا بين فترتين مَرَّ بهما العرب قبل الإسلام، الجاهلية الأولى والجاهلية الثانية, أو العرب البائدة، وعرب قبيل الإسلام، ونسوا أن الشعر الذي ندرسه ينتمي إلى فترة قبيل الإسلام، ومما دعا جويدي المستشرق وغيره إلى القول بأن الشعر الذي ندرسه ينبئ عن أنه ثمرة صناعة طويلة.
٦- رغب بعض الدراسين في دراسة الشعر الجاهلي دراسة أسطورية, ووجدوا أن الأسطورة مما يخص الأمم البدائية، فذهبوا إلى نسبة العرب إلى الأمم البدائية.
وصفوة القول في هذه القضية أن العرب في جاهليتهم التي بين أيدينا شعرها أو بعضه لم تكن بدائية, لأن ما وردنا من فكرها وجدلها مع المسلمين ومعتقداتها وحضارتها ينفي ذلك، بل إن الجاهلية الأولى كانت معاصرة لحضارات وادي النيل وما بين النهرين وغيرهما، ولم تكن بدائية بالمصطلح المتعارف عليه. وإذًا فنستطيع الاطمئنان إلى أنَّ جاهلية قبيل الإسلام وأهلها قد تجاوزوا الحياة البدائية بجوها الأسطوري منذ آماد طويلة١، وإذا كانت أساطير وظَّفها الشعراء الجاهليون في شعرهم, فإنما انحدرت إليهم من أسلافهم، أو من أمم أخرى وثقافات أخرى أثَّرت فيهم وتاثروا بها.
٩- أثر الحضارة الأجنبية في الشعر الجاهلي: ويمكن أن نقول أيضًا عن هذه القضية "ثقافة الشاعر" أو "البنية الثقافية", وهي قضية كثر فيها القول وتضارب، فالمتعصبون للجنس العربي يرفضون الاعتراف بأي تأثر بالحضارات الأجنبية، وهم ممتدون على مدى عصور الأمة العربية، فقد رفضوا قول من قال أن القرآن الكريم تضمن ألفاظًا غير عربية دخلت العربية قبل الإسلام، بل كفَّروا القائل، وهم يرون في هذا التأثر نقيصة وسبَّة وعارًا. وفي المحدثين نسمع أصواتًا
стр. 153
ترفض الاعتراف بهذا التأثير الأجنبي، يقول الدكتور محمد التونجي١: "أغلب الصور جاء وصفًا للمظاهر الخارجية شكلًا ولونًا نابعًا من معطيات فكرهم، ولا وجود فيه للتأثير بأية صورة أجنبية عن الجزيرة العربية".
وثمة رأي وسط يقول: "إن التأثير كان محدودًا وضئيلًا، ولم يظهر بوضوح إلّا في شعر بعض الشعراء الذين احتكّوا بغيرهم"٢ ويتفق معه في الرأي بالدكتور عثمان موافي٣, فيرى بأن سبل التأثير محدودة وهي تتمثَّل في: بعض الأمثال والحكم وبعض الحوادث التاريخية، وبعض الألفاظ.
ولا نجد من قال أن أبواب التأثر كانت مفتوحة على مصاريعها، وإنما وجدنا من العصر العباسي من قال بالتأثر، فقد ذكر الجاحظ٤ أن أهل المدينة قد تأثروا بالفارسية بسبب استقرار بعض الجاهليات الفارسية منذ زمن سحيق.
ولم أورد هذه النماذج من الآراء المتناقضة إلّا على سبيل الاستشهاد، فلم تخل دراسة إلّا وعرضت لهذه القضية. وهي متصلة بالخشية من الانتقاض من الأصالة الكمال في الوقت نفسه، ودليل ذلك أنها قديمة. ولكن المستشرقين الذين ذكرنا طرفًا من آرائهم قتلوا هذه القضية بحثًا، وكان لديهم شبه إجماع على تاكيد هذا التأثر، وقد برّروه بوجود الديانتين السماويتين في الجزيرة، ويدين بهما بعض العرب، وكذلك بوجود إمارتي المناذرة والغساسنة على الحدود, ونفوذهما السياسي والاقتصادي، وكذا وجود طرق القوافل التجارية مع وسط آسيا. ونجد بحوثًا عديدة منها مكتوبة بلغاتهم المختلفة, وربما كان لكتاباتهم ردة فعل لدى العرب، فاعتقدوا بأن المستشرقين قصدوا بيان اعتماد العرب على غيرهم، والانتقاص من عزتهم القومية، فتصدو لهم.
ونتوقف قليلًا لنناقش هذه القضية، فأوّل ما نقرره أن عزلة أمة من الأمم، أو شعب من الشعوب ليس مجال فخر له، وإن عدم أخذه عن غيره أو إعطاء غيره ليس
стр. 154
مزية تحسب له, ولقد ثبت بالدليل القاطع بما ورد في كتب التاريخ والسير والتفسير والحديث الشريف وكتاب الله أن العرب اتصلوا بغيرهم، حتى أن بعضهم أصنامهم جلبت من البلقاء، كما ثبت أن كثيرين منهم عرفوا اللغة الفارسية والحبشية وغيرهما، وثبت أيضًا أنهم كانوا يتاجرون مع غيرهم من خارج الجزيرة العربية.
وإذن فقضية الاتصال بغيرهم واضحة كل الوضوح، والاتصال يعني تأثرًا وتاثيرًا حسب الحاجة وحسب المستوى الثقافي والحضاري للشعبين المتصلين ببعضهما بعضًا.
والأدب بشعره ونثره من نتاج نفرٍ من أهله يعبر عن أحاسيسهم، ومشكلاتهم، وتناقضات مجعتمهم، وأحلامهم، وهمومهم، واللغة أداته، فكيف بعد هذا كله ننكر الاتصال والتأثر والتأثير؟ كيف ننكره والمنطق السليم والشواهد والأدلة المادية تؤكده؟
ويبقى بعد ذلك فيم كان التأثر؟ ذلك سؤال لا نستطيع الإجابة عنه بجملة أو سطر أو صفحة، لأن ذلك يتطلب ما يلي:
١- يتطلب أولًا معرفة بلغة وحضارة الأمم التي اتصل بها العرب، وبعضها قد طمس.
٢- ويتطلب ثانيًا مسحًا لشعر الجاهليين ونثرهم والتقاط شواهد على هذا التأثر.
ولا أعتقد أن باحثًا قد قام بمثل هذا العمل بعد، ولكن ما نجده إما إشارات لدى القدماء نستدل منها على وجود تأثر، أو نستقرئ ديوانًا أو نصًّا فنستنتج التأثر.
تلك هي القضايا الشائكة التي لم يتفق الباحثون على رأي موحَّد بشأنها، وإن تقاربت وجهات نظر بعضهم، لكن فجوة كبيرة تفصل بين فريقين منهم على الأقل: أحدهما في أقصى اليمين، والآخر في أقصى اليسار، ولكنها قضايا كان لها أثر فعال في تنويع دراسة الأدب الجاهلي وتعدد مناهجه، ولم تكن عاملًا معوقًا في تقدم درس الأدب الجاهلي, وبعض هذه القضايا أصبح الآن قضية ندرسها لتأريخ ذلك الأدب؛ كقضية الانتحال وعمر الشعر الجاهلي، ولكن القضايا الأخرى ما زال الجدل محتدمًا لتأييد وجهة النظر هذه أو تلك.
ولكن ثمة قضايا نستطيع أن نسميها بالمصطلح المعاصر قضايا ساخنة؛ لأنها تؤثِّر في دراسة وتحليل النص الشعري الجاهلي، وتفرز نتائج تقود إلى حل كثير
стр. 155
من القضايا السابقة التي ذكرناها، ولكن من وجهة نظر منهج معين، وهذه المناهج التي تحل رموز هذه القضايا هي محور بحثنا هذا كله وزبدته، وهي قضية الساعة الملحة، وعلى فهمها والتعمق في تعليلها يتوقف سبر أغوار النص الجاهلي، والوصول إلى أقرب صورة من عصره وقائله.
فهدفنا الأساسي إذًا فهم النص الشعري فهمًا مغايرًا لما قصد إليه شراح الأدب القدامى من شرحه شرحًا لغويًّا، والتعريج على بعض صور التشبيه والمجاز وغيرهما من ضروب البلاغة.
وفي ظنِّي أن الظواهر والقضايا التي استقطبت اهتمام الباحثين والنقاد هي: الطلل، والصعلكة، والمعلقات، وأولية الشعر الجاهلية، ومشكلة المصير "الحياة والموت"، وأيام العرب، والأمثال، والرحلة، والوحدة في القصيدة الجاهلية، ولغة الشعر، والصورة الفنية، وخصائص الشعر الجاهلي، والأسطورة، والرمز.
وسنعرض لأهم الآراء التي قيلت في كل قضية أو ظاهرة، وندلي بدلونا؛ لأنها ستمهد الطريق أمام عرض مناهج دراسة الشعر الجاهلي.
ولقد كان للدارسين المحدثين مآخذ على مَنْ درسوا الشعر الجاهلي؛ بعضها على الأقدمين, وبعضها على بعضهم بعضًا، وقد يكن من المفيد حقًّا أن نعرض لهذه المآخذ، حتى إذا ما عرضنا للمناهج في نهاية البحث ندرك من تجنب هذه المآخذ، ومن تناقض مع نفسه فوقع فيها, ونؤثر عرضها بغير ترتيب زمني لأسباب أهمها أن الذي يعنينا هو المآخذ، ولعدم معرفتنا أسبابهم العلمية.
فطه حسين١ في معرض حديثه عن الوحدة المعنوية للقصيدة القديمة يرى أن الذين ينكرونها إنما ينكرونها لسببين هما: لعدم دراستهم الشعر القديم دراسة يتعمقون فيها أسراره ومعانيه، ويصدقون ما يقال فيه من الكلام، ولأنهم يقبلون ما يقوله الرواة في غير تحفظ ولا تحقيق، وينسون أن الشعر القديم نقل مذاكرة، فضاع ما ضاع، ولم تحسن الرواية، فكثر فيه الاضطراب، وظنَّ المحدثون أن هذا صفة الشعر القديم.
ونجيب البهبيتي٢ يقرر بأن جميع الفنون التي عالجها الشاعر الإغريقي
стр. 156
القديم عالجها الشاعر الجاهلي، غير أن اليونان وجدوا طريق الملائمة بين هذه الفنون بوضعها في إطار من القصة، ولم نجد بين أيدينا في شعر الجاهلية الباقي هذا الإطار، وهو نفسه قد رفضته الأمة العربية في عهد نضجها المتأخر ولم تقبله، لما وصلت إليه من إحساس بالواقع، يتنافى مع صياغة القصة شعرًا.
ويقرّر مصطفى ناصف١ في مقدمة كتاب القيم، بأن معظم الدراسات متشابهة في بنيتها العقلية غير متعمقة في القراءة، وهناك كثير جدًّا من الحواجز القائمة بيننا وبين تراثنا القديم.
أما النويهي٢ فيعزو قصور النقد القديم عن فهم الشعر الجاهلي لأنه قام على أساس من علوم البلاغة التقليدية التي قصرت عن أن تلفتنا إلى الجمال الحقيقي في الأدب القديم، وإنما فعلوا ذلك لأنهم لم يفهموا ما الأدب؟ ولأنهم لم يستفيدوا مما نبه إليه اللغويون كابن جني في باب "إمساس الألفاظ أشباه المعاني". ويحاول في موضع آخر٣ أن يعلل عجزنا اليوم عن فهم الأصالة عند الشعراء بأننا لم نستثر خيالنا إلى أوسع مدى حتى نحقق الصورة الكاملة الحسية والفكرية والعاطفية التي يريد الشاعر بناءها، والتي يكتفي منها بلمسات مختارة يترك لنا تتبعها واستفياءها؛ لأن الشعر الصحيح يقوم على اللغة الموجزة المكثفة والمشحونة.
ويرى أحمد كمال زكي٤ بأن دراساتنا التاريخية المصتلة بالشعر تعاني من النقص، وسببه قصور في القوانين الفنية التي ارتضينا حتى الآن أن نحكمه بها, لذا فإن على المؤرخ الجديد للأدب العربي أن يتحرك في إطار مفهوم يحقق التكامل الفني بين أشكال التعبير في الأدب العربي، مع الحرص على تقديم الخلفية الجاهلية بالوضوح الذي رفضه الشراح الأقدمون، وتصحيح المفاهيم التي راجت نتيجة لاستبعاد بعض الأنواع الأدبية.
ويذهب عز الدين إسماعيل٥ إلى أن النشاط النقدي في مجمله نقد معياري،
стр. 157
وإذا كان قد تخللته حالات قليلة من العمل الوصفي فإنها لم تعد أن تكون نشاطًا جزئيًّا لا يكاد يفضي إلى نظرية متكاملة.
والفرق فيما بين النقد المعياري والنقد الوصفي أنَّ الأول هو النقد الذي يصدر فيه الناقد عن مجموعة من المعايير التي يستند إليها ما ينتهي إليه من أحكام، وهي إما أن تكون متصلة بالنص الأدبي نفسه، وهي المعايير الجمالية، وإما أن تكون مستندة إلى الواقع مشتقة منه، أي: من الأعراف والتقاليد والقيم العامة السائدة, وقد كان النقد العربي القديم في تخليه عن المعيار الأخلاقي, وأحيانًا إنما كان في حقيقته تخليًّا عن المستوى السلوكي أساسًا.
ويعيب إبراهيم عبد الرحمن١ على أكثر الدراسين انصرافهم إلى العناية بالجوانب التاريخية والموضوعية وحدها دون أن يفطنوا إلى حقيقة هامة، وهي أن شروح اللغويين القدامى للشعر الجاهلي هي ثمرة عقلية إسلامية شرحته من خلال دراسات لغوية معاصرة لتلك الفترة، وحرصت على الاحتفاظ له بشيء غير قليل من القداسة اللغوية والفنية, وتجلى اتجاههم هذا بوضوح في مفهومهم البلاغي للصورة في الشعر الجاهلي، فأغفلوا الحديث عن أصولها الدينية القديمة، وألحوا لطمس هذه الأصول على خلق وجوه شبه مادية وحسية بين عناصر هذه الصور، أو قل: بين أطرافها المتنافرة.
ويؤكد ذلك ثانية حينما يقرر في دراسة أخرى٢ أن الهدف منها الكشف عن جوانب القصور في فهم الشعر القديم في سياقه الأدبي ودلالته الحضارية، ويخصصها لفحص أصلين من أصول الشعر القديم هما: الأغراض والموسيقى, حيث تمثل الأغراض الجانب الموضوعي من أصل القصيدة القديمة، بينما تمثل الموسيقى أحد الجوانب الشكلية فيها.
وينعي الدكتور لطفي بعد البديع٣ على الدراسين بأن كتبهم قد طفحت بكل شيء إلّا الشعر والأدب، فقد توارى الشعر بين ركام الأخبار، وتراجم الشعراء، والأحكام التي يتناقلها الخلف عن السلف، ثم لا يكون من وراء ذلك شيء، كما
стр. 158
اعتدت طائفة بأطراف من نظرية "تين"، وجعلت من الثالوث الذي ركبه من الجنس والبيئة والعصر عصاً سحرية تلقف ما عداها.
وأما الدكتور عبد الجبَّار المطلبي١ فتحدث ناقدًا طريقة دراسة الشعر الجاهلي في معرض دراسة حول "قصة ثور الوحش وتفسير وجودها في القصيدة الجاهلية" فيقول: "يبدو أن طريقة التسليم التي تفضي إلى قبول الأشياء كما هي من غير تساؤلٍ قاصد في أسباب وجودها، قد أغرت مؤرخي الأدب الجاهلي في البلاد العربية بسلوكها، فجاءت معالجتهم لشعر هذه الحقبة معالجة وصفية، وإن عرضت أحيانًا تحت تأثير المعنيين بالشعر الجاهلي من المستشرقين, وشكهم في صحة بعضه، لتساؤل ليست وراءه تطلعات أصيلة".
يحصر الدكتور سيد حنفي حسنين٢ مآخذ على الدراسات السابقة بواحد من الاحتمالات التالية.
إما طغيان الجانب التاريخي على المقومات الفنية، أو وقوف الباحث عند المنهج دون التعرض للتطبيق، أو يتناول موضوعًا محددًا طرحه الشعراء كالغزال أو المرأة أو الطبيعة يستقرءونه من المادة الفنية وكأنها وثيقة تاريخية، أو اجتماعية, دون الاهتمام ببيان الطبيعة الفنية لهذا الشعر، أو لأن الدراسين نظروا إلى العصر نظرة شاملة، واعتبروه مرحلة فنية واحدة، وإن وقفوا عند بعض الظواهر الفنية المتفردة كمدرسة زهير أو شعر الصعاليك.
ويحدد يوسف اليوسف٣ عيب الدراسات المعاصرة بأنها لم تحل الظاهر على باطنٍ يسكنه بعمق، أي: هي لم تتعامل مع الأشكال الفنية الجاهلية من حيث هي رموز تضمِر ما لا يتبدَّى على سطحها, لذا فهي لم تشكّل قفزة في تاريخ النقد المعاصر.
ويرى مطاع صفدي٤ بأن من الغريب حقًّا أن يكون الشعر الجاهلي هو مصدر
стр. 159
علوم اللغة والتاريخية والآثار أحيانًا، وعلوم البلاغة والبديع وغيرها، ولا يكون مصدرًا للكشف عن مقوماته الداخلية، وإذا كان النقّاد القدامى، وقد حاولوا أن يغطوا هذا النقص الذي لم يعوه بأساليبهم القاصرة؛ كالبحث عن سرقات الشاعر ومقارنته بمن سبقه أو عاصره من الشعراء، وبمواجهات تقتصر على النقد اللغوي، فإن النقاد المحدثين لم يتقدموا إلّا قليلًا عمَّا توقف عند حدوده النقد التقليدي القديم. ويصل إلى نتيجة بأن الشعر الجاهلي وتجربته كفنٍّ ومعاناة، وثقافة تكوينية وجودية، ولغة من الرموز الكثيفة عن الحياة، ومواقف العربي من مشكلاتها المختلفة ما زال مجهولًا، وعالمًا مغلقًا بكرًا لما تتناوله أقلام النقاد الجدد إلّا للمحات عابرة لا تستوعب شموله ولا تسبر أغواره.
ويتهم أدونيس١ النقد العربي القديم ومعظم النقد الحديث بأنهما يقدمان صورة تفتقر إلى الدقة عن الشعر الجاهلي، فقي الشعر الجاهلي نفسه نجد بذورًا قوية لحركة إبداعية خرجت على القبيلة وقيمها السائدة "الصعاليك"، وكذلك امرؤ القيس وطرفة.. وكانت هذه الحركة تحاول أن تطرح بديلًا جديدًا.
ويتهم إيليا حاوي٢ النقد الأدبي الحديث أنه جرى منذ مطلع القرن على أسلوب متدنٍ متخاذلٍ يقف عند حدود النص, يتلقف منه ما يعطيه على هون ويسر، وقلَّمَا يفطن الناقد إلى أن التجربة الفنية هي تجربة ما ورائية، فالشاعر يعبر بالمعاناة والرؤيا حين تقدر له، والناقد يستنبطها ويتقصّى فيها، ويجلو ضمير هذا المكتوم والمختفي، ويكمل أحدهما الآخر.
ويجد إحسان سركيس٣ مصيبة التراث ببعض من تناوله من أبنائه، فهذا النفر لم يفرق بين الأوراق التي ينبغي لها أن ترث في الأرض, وبين النسغ الذي يمد الشجرة بأسباب الغذاء والنماء، فارتضى المركب السهل في ترديد ما قاله الباحثون القدامى، أو التزم تجديدًا سطحيًّا يغلب عليه التبسيط أو قصور الرؤية، حتى كاد الكثيرون أن يستشعروا نحو ذلك التراث غربة المرء في وطنه.
ويقرر أحمد سويلم٤ أن الشعر الجاهلي قد ظلم في نظر الكثيرين فأغفلوا
стр. 160
نماذجه الواقعية الثورية. ويتَّهم صلاح عبد الصبور١ معظم دراساتنا لتراثنا العربي بأنها دراسات قاصرة؛ لأنها لم تعمد لغرض الشعر الجوهري، وهو اكتشاف الجانب الجمالي والوجداني من الحياة والتعبير عنه بالكلمات المموسقة، فالشاعر العظيم مكتشف عظيم في عالم الجمال والوجدان؛ لأنه يرى الأشياء والأحاسيس رؤية طازجة، فنظرته ليست وليدة المنطق، وإنما وليدة الحدس، وأدواته هي الخيال الخصيب.
ويعترف الدكتور يوسف خليف٢ بوجود جوانب من الشعر الجاهلي ما زالت في حاجة إلى مزيد من الدراسة للكشف عمَّا يكتنفها من غموض بالرغم من كثرة الدراسات التي قامت حول الشعر الجاهلي، وبالرغم من اهتمام الباحثين بهذا الشعر.
وماذا بعد؟
وإذا كان هذا العدد الكثير من الدراسين والنقَّاد قد أوردوا هذه المآخذ، وعدُّوها سبب التعثر والتخبط في دراسة الشعر الجاهلي، فما البديل الذي طرحوه أولًا؟ وبعد ذلك ما المناهج التي بلوروها وعدوها صالحة للكشف عن حقيقة الشعر الجاهلي؟ وللإجابة عن السؤال الأول سنعرض لآرائهم المختلفة في هذا الأمر.
فالدكتور أحمد كمال زكي٣ يرى أن المؤرخ الجديد ينبغي له أن يتحرك في إطار مفهوم يحقق التكامل الفني بين أشكال التعبير المختلفة في الأدب العربي, مع الحرص على تقديم الخلفية الجاهلية بالوضوح الذي رفضه الشراح القدامى، وتصحيح المفاهيم الرائجة نتيجة استعباد بعض الأنواع الأدبية، كما يجب عليهم أن يستغلوا الرمز في إعطاء البناء الحقيقي لحضارتنا العربية القديمة؛ لأن عدم استغلاله أفقدنا أعرافًا ومجموعات كبيرة من السلوك، واستغلق عنَّا معنى ما أبدعته الجاهلية من فنٍّ شعري عظيم. وخلاصة رأيه أنه معالجة المضمون في المحل الأول بالرغم من تقديره كل ما قدمته التشكيلات الشعرية من قيم جمالية.
стр. 161
ويطالب الدكتور إبراهيم عبد الرحمن١ الباحثين والنقاد بأن يلتفتوا إلى العناصر المتقابلة التي يجمع بينها الشاعر في الصورة المركَّزة والمتراكمة عناصر البقاء والفناء، وما يتصل بها من صور الصيد، والضوء والمطر، والحمل والولادة، مما يقودنا، لو أحسنَّا فهمها، إلى الكشف من عوالم الشعر وتفسيرها، وذلك يكشف عن أصولها الميثولوجية التي انبعثت منها. مما يبرز العلاقات الخفية التي كان يقيمها الشاعر الجاهلي بين عناصر الصورة ومكوناتها المختلفة، وبين مواقفه أو فلسفته في الحياة وظواهرها المتناقضة في بيته,
ويعتقد الدكتور مصطفى ناصف٢ بأن التطور هو إعادة تشكيل الماضي، وليس الماضي إلّا الأدب الجاهلي، ومن ثَمَّ كان خطر الدراسة الأدبية للعصر الجاهلي؛ لأننا ندرس منابع الأدب العربي ومقوماته جميعًا، وفكر الشاعر وثقافته في أي عصر لا يمكن أن تتضحا إلّا إذا رجعنا إلى ثقافة الشاعر الجاهلي، وثقافة الشاعر الجاهلي والنهضة الثقافية في ذلك العصر لم تدرسا حتى الآن دراسة كافية.
ويعقد الدكتور النويهي٣ تمهيدًا في كتاب يخصصه لكيفية دراسة الشعر العربي فيقرر فيه أن كل دراسة صحيحة للشعر العربي في أيّ عصر من عصوره يجب أن تبني على علم وثيق دقيق بطبيعة الشعر الجاهلي الذي يمثل المرحلة الأولى، ويقرر في موضع الآخر مجيبًا عن سؤالٍ: كيف نفهم الأصالة؟ بقوله: نفهمها ونحكمها بمقياسين: هل حدثت هذه التجربة لهذا الشاعر حقًّا؟ وهل تناولها الشاعر تناولًا فيه شيء جديد من نفسه، بأن عرضها من زواية مختلفة بعض الاختلاف، أو لفتنا إلى تفاصيل لم نلفت إليها من قبل؟ ويقرر بعدها حقيقة أننا عجزنا عن فهم الأصالة عن الشعراء الجاهليين، ويبرر عجزنا لعدم تبين تفاصيل التجربة الذاتية التي صوَّرها الشاعر بأصالة لبعد العهد، واختلاف الظروف وصعوبة اللغة، وموت الكثير من ألفاظها وتراكيبها، وفقدانها الكثير من ظلالها الفكرية ونبراتها العاطفية التي كان يسمعها أهلها في ذلك العصر السحيق.
وأخيرًا يقرر كفية فهم الشعر الجاهلي بتضافر العوامل التالية معًا: جهد في
стр. 162
التعاطف والمشاركة الخيالية، وتشغيل المخيلة البصرية، وتتبع التفاصيل الحركية، وأن ينشط القارئ وجدانه الكامل حتى يعايش تجربة الشاعر القديم بفكره وعقله كاملين، والإنصات إلى الشعر القديم بآذان أهله، وبذل الجهد في تعرية الألفاظ من ارتباطاتها الحديثة حتى تكون أقدر على أن نسمع فيها ما كان يسمع فيها القدامى من موسيقى، وعلى أن نتابع ما كانت تثير فيهم من معانٍ ثانية واستدعاءات فكرية وعاطفية وجمالية.
أما يوسف اليوسف١ فإن يرى أن تقوم الدرسات حول الشعر الجاهلي على الإيمان بوحدة القصيدة الجاهلية، وليس هذا فحسب، بل بإحالة الظاهر على الباطن, وتوثيق الصلة بين الظواهر نفسها، ويرى فيها أشكالًا فنية لمعانٍ مترابطة من الداخل, ويقرر في كتاب آخر٢ أن الشعر إفرازي اجتماعي، إضافة إلى أن القصيدة تبدعها نفس معينة لها أحوالها المعينة وحاجاتها الشخصية.
ويحدد الدكتور لطفي عبد البديع٣ همه وهدفه في كتابه "الشعر واللغة" قائلًا: "ونحن إذ نبحث عن اللغة في القصائد التي نعرض لها في هذه الفصول لا نبحث عمَّا فيها من لفظ مستعارٍ أو وجه من وجوه التشبيه، بل همنا الوقوف على الوجود الشعري الذي يتحقق في اللغة باعتبارها فكرًا للشعر لا يلبث الشاعر معه أن يجد نفسه وقد أحاطت به الكمات من كل جانب.
أما الدكتور سيد حنفي٤ فقد رأى أن يفيد مما درسه من سبقوه، ويتجنب في الوقت نفسه ما درسوه تجنبًا للتكرار، وبعد ذلك كله يتجه إلى الشعر مباشرة.
ويحدد الدكتور فتحي أبو عيسى٥ إطارًا عامًّا يتبناه ويدعو غيره إلى تبنيه، وهو يستند إلى منطلقين أساسين؛ أولهما: إن اهتمامنا بالشعر القديم يعني اعترافًا منا بأنه النموذج الأمثل, وثانيهما: أن هذا الإعجاب والاهتمام وإيثاره على سواه يجب ألَّا يمنعنا من الكشف عمَّا فيه من هنات. وبعد ذلك يقرر أن منظوره في القصائد يتكئ على دعامتين: الرجوع إلى المعاجم لاستخراج المعاني للألفاظ، والاستعانة
стр. 163
بالدراسة التحليلية, والاتكاء فيها على بعض النظرات مما عسى أن يكون مفتاحًا إلى العالم الشعري في القصيدة.
أما نقطة الانطلاق عند بنت الشاطئ١ فهي التفرقة بين تراثنا الأدبي وبين أحكام مؤرخيه وآراء ناقديه.
وفي "قراءة جديدة لشعرنا القديم" لصلاح عبد الصبور٢, يعرض لنا تجربة قارئ للشعر العربي يحب هذا الشعر؛ لأنه جذوره الممدودة في الأرض، ويصدر عنه فيما يكتب، يطمع أيضًا أن ينظر في هذا التراث نظرة بريئة جديدة ترى الجمال حيثما وجد بمقياسها العصري، فلا يأسرها حكم سابق، وتحاول أن تستشف ما وراء هذا الجمال من ظاهرة اجتماعية، أو تيارٍ نفسي، أو إحساس عام.
ويرى الدكتور محمود الجادر٣ أن المنهج المؤهل لفهم القصيدة الجاهلية باستلهام خصوصية الظرف الذي انبثقت عنه، واستقصاء الأرضية الفكرية الثقافية التي ظلَّت ترفد الأعمال الإبداعية ببعض مقوماتها، فضلًَا عن دراسة آفاق الطموح التي ظلَّ العمل الإبداعي مشدودًا إليها, فمن خلال المنافذ وحدها نستطيع أن نطل على عالم فسيح يحدد أبعاد هذه الأنماط الخالدة من الأعمال الإبداعية الملهمة في تراثنا الفكري الأصيل.
وأما الدكتور كمال أبو ديب٤ فقد رفد المكتبة الجاهلية ببحوث كثيرة درات كلها حول منهجه الذي ارتاده في الشعر العربي, وهو المنهج البنيوي, سنعرض له بالتفصيل في موضعه من مناهج دراسة الأدب الجاهلي, ولكنه يرى وجوب اكتناه القصيدة من حيث هي بنية كلية دالة، تفعل وحداتها المكونة بطرق يمكن اكتشافها مجسَّدة طريقة فردية في معاينة الواقع، وصورةً للعالم قائم في لحظة الخلق في وعي الشاعر.
стр. 164
وفي دراسة أخرى١ يذكر في المقدمة أن البحث يحاول أن يموضع دراسة الشعر الجاهلي على مستوى من التحليل يرتفع عن المستويات التاريخية والتعليمية والتوثيقية, أو اللغوية والبلاغية والانطباعية التي تتم عليها معظم الدراسات له الآن. ويهدف الباحث من خلال ذلك كله إلى تطوير منهج تناول لهذا الشعر يغذيه وعي نظري عميق بالأسس التحليلية التي تطرحها الدراسات المعاصرة, وبالتصوّرات التي تنطلق منها, والإشكاليات التي تثيرها، كما يرى أن الذي يسهم في تشكيل المنظور الذي يعاني منه الشعر الجاهلي في بحثه هو تلك الإنجازات التي تحقق في خمسة تيارات بحثية متميزة في هذا القرن هي:
١- التحليل البنيوي للأسطورة كما طوره كلودليفي- شتراوس في الأنثروبولوجيا البنيوية.
٢- التحليل التشكيلي للحكاية كما طوره فلاديمير بروب في دراسته للتركيب التشكيلي لحكاية الحوريات.
٣- مناهج تحليل الآداب المتشكلة في إطار معطيات التحليل اللغوي والدراسات اللسانية والسيميائية وبشكل خاصٍّ عمل رومان ياكوبس والبنيويين الفرنسيين.
٤- المنهج النابع من معطيات أساسية في الفكر الماركسي, والذي أولى عناية خاصة لاكتناه العلاقة بين بنية العمل الأدبي وبين البنى الاجتماعية "الاقتصادية والسياسية والفكرية", ولعل لوسيان غولديان أن يكون أبرز النقاد الذين اسهموا في تطوير هذا التناول.
٥- تحليل عملية التحليل الشفهي في الشعر السردي, ودور الصيغة في آلية الخلق، كما طوره ملمان باري وألبرت لورد.
أما الدكتور عبد القادر الرباعي فله دراسات عدة في الشعر الجاهلي، منها دراسة أقرب ما تكون عامة ليست مقتصرة على الشعر الجاهلي, موضوعها "الصورة في النقد الأوربي: محاولة تطبيقها على شعرنا القديم"٢, وفي هذه الدراسة يقرر بأنه ملزم بالاعتماد على منهج تكاملي، ويعلل ذلك بأن البحث في الصورة معقَّد لكثرة الآراء المتضاربة حولها، وذلك ليتمكن من الانتخاب من الآراء الكثيرة المتعددة آراء صائبة، أو يعتقد صوابها.
стр. 165
وتكشف بحوثه التي نشرها أنه التزم بالمنهج التكاملي، ولكنه أفاد من المناهج كلها بنسب متفاوتة, ففي بحث له موضوعه: "مدخل إلى دراسة المعنى بالصورة في الشعر الجاهلي، بحث في التفسير الأسطوري"١ يصرح في بحثه هذا بأنه تجاوز الحسية والغرض ووحدة البيت الجزئية التي ما زالت الدراسات التقليدية تتابعها، وطرح بدائل لها أكثر شمولية, فربط الشعر الجاهلي بالتجربة الوجدانية للإنسان العربي القديم, حتى أصبح الحس روحًا، والغرض حدثًا, والوحدة الجزئية بناءً دراميًّا تتفاعل على داخله المتشابهات والمتنافرات لتشكل وحدة نموذجية جذرية, يلتقى فيها الواحد بالمتعدد, والذات بالمجموع، والخاص بالعام، ويقرر بأن الصورة الشعرية الجاهلية هي ابنة العقلية الجاهلية ذات الاستراتيجية الروحية في تعاملها مع الأشياء، لذا كانت منابعها هي المنابع الجاهلية التي شكَّلت الأصنام الوثنية والشعائر الدينية, ثم الممارسات السحرية والحكايات الخرافية.
ولإحسان سركيس٢ سبيل أخرى لدراسة الأدب الجاهلي, فهو يقول: "وسبيلنا المضي مع الباحثين الجادّين في ماضيهم عن قوام الذات، وعن تعبيرٍ مطابق للمرحلة التي يعيشونها, وذلك بأن تنتخل في ضوء مفاهيم العصر من تراثنا ما يعبِّر عن حقيقة حضارتنا, وما يزال يحتفظ بغنى التعبير المطابق لحقيقة ذلك الماضي والمسعف في استمراريته، وأن نضعه في إطاره التاريخي بوعي وشعور جديدين من خلاف موقف يقدر المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الماضي والعدسة الكبيرة التي تقربنا منه.. ولا يتم ذلك إلّا بمعايشة وتحسّن عمق التجربة الحضارية والإنسانية التي رافقت المجتمعات العربية, والروح التي كانت تعمرها من خلال التعبير الأدبي الذي كان أوضح في مجاله من دنيا الفكر، وهي روح عربية كانت تعيش مخاضًا مستمرًّا لتعبر عن ذاتها اجتماعيًّا".
стр. 166
الأدب الجاهلي والمناهج الحديثة
مدخل
...
الأدب الجاهلي والمناهج الحديثة:
عرفنا في الصفحات السابقة منزلة الأدب الجاهلي بعامَّة والشعر بخاصة، وأنه يمثل بؤرة الشعر على مَرِّ العصور، ولقد بدأ الاهتمام به في عصر النهضة العربية في وقت مبكر، ولكن هذا الاهتمام، كما أسلفنا، مَرَّ بمراحل مختلفة, ولكن الاهتمام بتحليل نصوصه ومحاولة الدراسة الرأسية بدلًا من الأفقية بدأ منذ أواخر الستينات، ونزعم أنه اتضح في السبعينات، ومن المتوقع أن يبلغ أشدَّه وينضج في هذا العقد، بل إن بعض الباحثين اصطنع منهجًا أسماه "منجهًا عربيًّا في دراسة القصيدة الجاهلية"١.
ويبدو أن بعض الباحثين قد أحسَّ بقصور المنهج القديم في استيعاب مضامين النصِّ وتحليلها ونقدها، ولذا أطلقوا على مؤلفاتهم أو بحوثهم "قراءة جديدة" أو "قراءة ثانية" أو "قيم جديدة" أو "رؤية عصرية", ونجد هذا الاتفاق عند معظمهم، واعترفوا به في اختيار عناوين مؤلفاتهم في مقدمة بحوثهم، ولكنهم اختلفوا بعد ذلك, وقد عرضنا لذلك الاختلاف أو لجزءٍ منه عند حديثنا عن المآخذ أو ملاحظاتهم على دراسة الشعر الجاهلي، ولم يتوقف الأمر عند حد اختلافهم فحسب، بل راح كل فريق ينعي على الفريق الآخر تقصيره، ويزعم أن منهجه هو المناسب لدراسة ذلك الشعر والكشف عن كنهه ومعدنه الأصيل. ولعلي لا أكون مبالغًا إذا قلت أن واحدًا منهم لم يمتدح غير منهجه، ورأى فيه المنهج الوحيد لدراسة ذلك الشعر.
ونستطيع أن نلحظ اتجاهين رئيسين للمتحدثين في الدراسة، ويتفرع منهما
стр. 167
اتجاهات ومناهج فرعية كثيرة لها مسمياتها، وهذان الاتجاهان هما:
١- اتجاه الاستقراء الموضوعي لذلك الشعر.
٢- اتجاه التفسير الرمزي له.
أما القضية الكبرى التي شغلت كثيرًا من الباحثين فهي محاولة الإجابة عن السؤال التالي:
هل نخضع الأدب الجاهلي لمناهج ومذاهب النقد الغربي الحديث؟ ولا ضير في عرض بعض آرائهم علَّها تفيدنا في بلورة التيار العام للباحثين.
فالنويهي١ يحذر من تطبيقها قائلًا: "يجب أن نحذر أقوى الحذر من تطبيق مقايس النقد الغربي, وألا نندفع إلى إقحامها على أدبنا العربي", ولكنه في الوقت نفسه لا يرى ضررًا من دراسة الآداب الأجنبية, فهي تزيدنا فهمًا لترثنا الأدبي، وتمدنا بمفاهيم جديدة نستخدمها في تطوير أدبنا المعاصر.
ويرى أحمد كمال زكي٢ أن "تفتح المحثين على آداب الغرب وإغفالهم أحيانًا الفروق الجوهرية بين أدبنا وغيره من الآداب العالمية, مع وجود الكلاسيكيين الذين يريدون ان يستمرَّ الناقد في الخط الذي رسمه البلاغيون, قد دفع بالنقد الأدبي إلى حالٍ من القلق شكَّكت في كثير من القيم.
وإذا كان في رأيه هذا متحفظًا, فإنه في بحث آخر٣ يتوجَّس شرًّا من الاستقصاء الجزئي لأي نص أدبي يقع في أيدي البنيويين؛ لأن ذلك قد يعطّل دور النص المعرفي، كما يلغي قيمته التاريخية إلغاءه لقيمته المضمونية، وأكثر من هذا ربما طولبنا ونحن نقرأه بأن نكون أصحابه المبدعين أولًا وآخرًا، فتغيب إلى الأبد ذات صاحبه بكل حدسها وتفكيرها، ولكنه يستطرد فيرى في بعض إنجازات البنيويين ما يدعم التفسير الأسطوري للشعر.
ويخشى الدكتور إبراهيم عبد الرحمن٤ من أن تكون الدراسات الحديثة
стр. 168
للصورة الشعرية وآراؤهم المختلفة فيها خطورة تورطنا في فرض منهج وذوق حديثين على الصورة الشعرية القديمة.
ويعترف في مقدمة بحث آخر١ بأنَّ محاولته المقترحة لقراءة الشعر الجاهلي في ٢ضوء المنهج الأسطوري ليست سوى خطوة على طريق الدراسات الخصبة التي ظفر بها هذا الشعرعلى أيدي القدامى والمحدثين من النقاد، وأن عمله هو إعادة تركيب هذه العناصر وتأليفها لخلق ما يصحّ أن يسمَّى منهجًا جديدًا لدراسة الشعر الجاهلي, يفك مغاليقه، ويكشف عن كنوزه التي ظلّت خافية على الدراسين القدامى، كما لا تزال خافية على الدراسين المحدثين، على الرغم من تنوّع مناهجهم واتساع ثقافاتهم.
وينعي الدكتور لطفي عبد البديع٢ على طائفة من الباحثين اعتدت بأطراف من نظرية النقاد "تين"، وجعلت من الثالوث الذي ركَّبه من "الجنس والبيئة والعصر" عصًا سحرية تلقف ما عداها.
أما الدكتور مصطفى ناصف٣ فيشكك في مزاعم الباحثين المحدثين، فهو لا يوافقهم على أن يكون الشعر القديم انعكاسًا مباشرًا لفكرة البداوة، فهو ليس شعرًا حسيًّا غليظًا يُعْنَى بوصف المحسوسات التي يراها الشعراء أمامهم في الصحراء المفتوحة، لا أثر من أثار الفكر والعقل فيه، وفي نهاية المطاف يدعو إلى قراءة الشعر الجاهلي قراءة ممعنة لنلحظ بوضوح أنه وافر الحظ من العمق والثراء.
والحقيقة أن المذاهب النقدية الغربية ليست ضررًا كلها ولا خيرًا كلها إذا أردنا وضعها في أحد القطبين، فهي قد نشأت بفعل تحولات فكرية واجتماعية وسياسية، فكل مذاهب نشأ عقب تغيير أو أكثر في المجتمع الأوروبي، وقد نشأ تعبيرًا عن ذلك الاتجاه, وليلبي حاجات جدت، وهي -أي المذاهب- لها مصطلحات نقدية وأدبية لها مدلولاتها وشحناتها الفكرية، والأدب الذي ينتج لم ينشأ من فراغ، فقد أنتجه وأبدعه أصحابه ليلبي حاجات معينة. فإذا حاولنا تطبيق هذه المناهج والمذاهب فينبغي أن نكون واعين لما نفعل، ولما نصطنع من مصلطحات.
стр. 169
أما الأدوات، أدوات التحليل والتذوق والنقد وإصدار الحكم على العمل الأدبي، فتلك ستكون نافعة لأدبنا، وإنني أظن أننا نظلم أدبنا العربي القديم بعامة, والجاهلي بخاصة, إن نحن أخضعناه إخضاعًا أعمى بلا قيد أو شرط وبلا تحفظ لهذه المناهج والمذاهب؛ لأننا عندئذ سنتمحك ونحاول أن نحشره أحيانًا في قوالب لا يدخل فيها ولا تناسبه، قد يفقد نكهته الخاصة المميزة.
وثَمَّة أمور ينبغي للنقد الحديث والناقد أيضًا أن يتنبه إليها عند دراسة الشعر الجاهلي:
١- إن الشعر الجاهلي عميق الصلة ببنية اللغة.
٢- أن يقرأ الشعر قراءة مسموعة منغمة حسب إيقاعها.
٣- أن يلاحظ الرمز عند الشعراء الكبار.
٤- إن الشعر هو ميثولوجيا الجاهلية.
٥- أن يلاحظ الملاحم فيه.
٦- أن يلاحظ الصراع الميتافيزيقي بين الإنسان والطبيعة الصحراوية.
٧- أن يلاحظ معركة الشاعر مع الدهر, وأن الحماسة توكيد لا شعوري ضد الدهر.
٨- أن يلاحظ التطرف في الكرم والفخر.
٩- إن المبالغة هي بلاغة المعاناة الجدية.
١٠- الفتوة هي السبب الناتج عن هدم فتوة الإنسان بالعدم.
ويخلص الدكتور عفت الشرقاوي١ القضايا التي تثار في الدراسات النقدية الحديثة بأنها: إما قضايا تتصل بقضايا الثقافة العربية التي نشأ فيها هذا الأدب, وإما قضايا متصلة بتوثيق نصوص هذا الأدب وتفسيرها تفسيرًا أدبيًّا حديثًا.
وفي ندوة عدقتها مجلة "فصول"٢ بعنوان: "مشكلة المنهج في النقد العربي المعاصر" اشترك فيها كلٌّ من الأساتذة: شكري عياد، وعبد المحسن بدر، وبدر الديب، وصبري حافظ، وعز الدين إسماعيل، وجابر عصفور، ومن الآراء التي طرحهات المشتركون فيها:
١ إعادة تقييم المسلمات الأدبية السائدة في فترة معينة، بحيث تتوافر لكل فترة
стр. 170
من تاريخنا الأدبي عملية بناء لا ترتكز على ما هو قائم فقط، ولكنها تتضمَّن أيضًا إعادة تقييم لسلم القيم الأدبية السائدة في لحظة تاريخية معينة.
٢- من روافد عملية إرساء القيم أن يخلق النقد تيارًا من الأفكار والرؤى الجديدة، بإقامة حوار مع الثقافات الأخرى، ولا يقتصر على التراث الثقافي, بل يمتد إلى الثقافات الإنسانية، والاتجاهات النقدية المختلفة.
٣- إذا كان المنهج النقدي جزءًا من واقع أدبي معين, فكيف يمكن فرضه على واقع أدبي آخر كالأدب العربي الذي له مشكلاته الخاصة؟
٤- يقف الناقد العربي موقفًا بالغ الحرج، فالصورة الغربية الملاحظة الآن أنَّ كل ناقد يقف عند المدرسة التي درسها وقت إن كان في البعثة مثلًا، ولا يستطيع بعد ذلك التعامل مع بقية المناهج المطروحة الأكثر حداثة, فمتى يتوقف الناقد, وتتكون لديه رؤية للعالم، فيعكف في وعي على تراثه، ويفحص في الوقت نفسه وبوعي أيضًا، وانطلاقًا من أرض ثابتة تلك المناهج، وأن يختار ما يجده أفضل وأكثر ملائمة لحل مشكلات الواقع الأدبي والنقدي كخطوة نحو حلّ مشكلات المجتمع بشكل عام.
٥- هل يكتسب أي منهج من المناهج الأوربية طابعًا محليًّا نشأ نتيجة ظهوره استجابة لمقتضيات واقع أدبي بعينه في بيئة بعينها؟ أم أنه في اللحظة التي أصبح فيها منهجًا خرج عن حدود محلية، فأصبح أداة صالحة للاستخدام والتعامل مع أيّ أدب, في أي عصر, لدى أي شعب من الشعوب؟
٦- يعاني النقد من عدم الاستمرارية والتراكم، فكل باحث لا يحاول أن يتجاوز جهود من سبقه من الباحثين فحسب، بل إنه يسقط هذه الجهود كلية باعتبار أن الحلول التي يطرحها الواقع ومساهمات مثقفي هذا الواقع، هي أصلًا ظل للثقافة الأجنبية، فيحاول أن يأتي هو الآخر بحلول خارجية أكثر حداثة.
٧- لم يحقق النقد حتى الآن متابعة جزئية للأعمال التي تصدر، ولم نستطع تحقيق ذلك خلال الخمسة والعشرين عامًا الماضية، فنحن نعاني أزمة نقد.
٨- الناقد ينقل فهمه لمنهجٍِ ما من خلال ثقافته الخاصة، ومن خلال رؤيته الخاصة, فإذن ليس لدينا منهج بنيوي مثلًا، وإنما عندنا فهم مصري للبنيوية
стр. 171
وغيرها من المناهج الحديثة، وهذا الفهم يأتي من خلال تصوره لاحتياجات واقعه الثقافي ودوره فيه. وهذه الرؤيا لا تتكون بمعزل عن الأيديولوجيات والفلسفات الإنسانية المختلفة.
٩- أَقرَّ المجتمعون أننا نعاني مشكلة منهج، ونعاني أيضًا من مشكلة الخوف من تعدد المناهج، والخوف من عدم التمثل، والخوف من عدم التكامل بين النظرية والتطبيق.
١٠- المثقف العربي جزء من الأزمة التي يعانيها النقد.
١١- ليس هناك خوف, وإنما هناك إحساس بأزمة حضارية، وانجراف في اتجاه معين أكثر مما ينبغي، وهذا الانجراف يكاد يصل إلى حد الجذور.
١٢- هناك شيء ينقصنا, وهو ما يسمَّى بتاريخ الأفكار، أي: التاريخ الثقافي في الأدب العربي كله.
١٣- لا بُدَّ أن يكون عندي الشجاعة لأن أكون "أنا" عندما أتعلم من الغرب، أو عندما أفكر في تراثي.
١٤- المنهج هو الرؤية للحياة التي تجعل هذا التحلل أو ذاك صالحًا للواقع الذي نعيشه، أو يجيب عن أسئلة مطروحة في الواقع الذي نعيش فيه، أو أنه لا يجيب عن مثل هذه الأسئلة.
стр. 172
المنهج الأسطوري:
ترتبط الأسطورة دائمًا ببداية الإنسانية، حينما كانوا يمارسون السحر ويؤدون الطقوس الدينية، وذلك سعيًا وراء تفسير ظوهر الطبيعة، ولكن "ليفي برول" ينفي ذلك, ويرى أنها نشأت استجابة لعواطف الجماعة القاهرة١.
والأسطورة أنواع, منها: الأسطورة الطقوسية التي ارتبطت أساسًا بعمليات العبادة، ومنها الأسطورة التعليلية, والأسطورة الرمزية، والأسطورة التاريخية٢.
والأسطورة ليست خيالًا كما يظن البعض, فهي واقع، وهي عقيدة تتمثل في شعائر معيشة يرتبط بها قصص مقدَّس يقوم بعملية توضيح هذه الشعائر وربطها بالاعتقاد، أما حينما يتصور إنسان ما أن الأسطورة خيال, فهذا يعني أنه اتخذ موقفًا منها هو الكفر بها ورفضها، وتحويلها إلى مجرّد قصة خيالية تستند إلى الوهم، وبذلك تخرج عن دائرة الدين المعتقد٣. ولقد حدَّد لويس سبنس علم الأساطير بأنه "دراسة الدين البدائي أو شكل من أشكاله الأولى عندما كان حقيقة معيشة"٤.
وقد كانت الأسطورة في بدايتها الأولى أم الفنون، كما كانت بداية الشعر مع الأسطورة، وكانت علاقة الكلمة بالأسطورة شيئًا مهمًّا في دراستها، لهذا فسَّرها "رجلان" بأنها ليست شيئًا أكثر من كونها صيغة من الكلمات المرتبطة بالشعيرة"٥.
стр. 173
بل إن أحمد شمس الدين حجاجي يذهب إلى أبعد من ذلك, فيقرر أن "الكلمة" هي نفسها الأسطورة في حالة ارتباطها بالعقيدة، وحينما تطور تفكير الإنسان ليحدد معنى الألوهية ظلّت الكلمة الصادرة عن الإله لها قداستها، ولهذا فإن كلمة أسطورة مشتقة من لفظ "Mythos" التي كانت تعني المنطوق عند اليونان.
ويحدد "لويس سبنس" العلاقة بين الأسطورة والشعر بأن "بعض أشكال الشعر الأولى، وربما أنقاها، نتاج مباشر لحلقات من الانطباعات الطبيعية في ذهن الإنسان، وعلى هذا فإن الشعر والأسطورة انبثاق من الطبيعة"١, ويخالف "بريسكوت" هذا الرأي, ويرى أن الأسطورة "أدركت العقل أولًا، ثم جسّدت وعبّر عنها في النحت والشعر والملحمة والمسرحية، ومن الخطأ اعتبار هذه الفنون على أنها ذات أصل ديني فقط"٢.
ولقد احتفظ الشعر حين انسلخ عن المعبد، في مرحلةٍ ما من مراحل الفكر الإنساني، بعلاقته بالأسطورة، ولم يكن الشعر العربي بدعًا بين الفنون الشعرية الإنسانية، فقد ارتبط بالأسطورة أيضًا إلى حد كبير، ونحن نعلم بأن الذي بين أيدينا من الشعر الجاهلي مكتمل, ولا تعرف بداياته على وجه التحديد، كما أن هذا الشعر قد تَمَّ الفصل فيه بين كلٍّ من الكاهن والساحر والشاعر، نجد هذا واضحًا في الأخبار وفي كتب السيرة أيضًا وكتب التفسير، بل إننا نجد أن وظيفة كلٍّ منهم قد تحدَّدت، وانفصلت عن بعضها بعضًا٣, ومع هذا الانفصال في وظائفهم بقيت الكلمة هي أداتهم، وهي التي ارتبطت بالأسطورة ارتباطًا تامًّا.
ولقد حدَّثنا الرواة عن شياطين الشعراء، كما حدثونا عن وادي عبقر الذي يسكن فيه الجن، كما أخبرنا الشعراء أنفسهم في أشعارهم عن أسماء شياطينهم، "فلاحظ بن لاحظ" شيطان امرئ القيس، و"أبو مسحل" شيطان الأعشى، و"هبيد" شيطان عبيد بن الأبرص, "وهارد" شيطان النابغة.
وبعد هذه العجالة نود أن نعرض للمنهج الأسطوري في دراسة الشعر الجاهلي ورواده، ومسوغاتهم، وكيفية الإفادة منه، وما يؤخذ عليه.
стр. 174
لقد نهج هذا المنهج في دراسة الشعر الجاهلي كلٍّ من الأساتذة: أحمد كمال زكي، وإبراهيم عبد الرحمن، مصطفى ناصف، وعبد الجبار المطلبي، ونصرت عبد الرحمن، وعلي البطل، وسنحاول أن نعرض لأعمال كلٍّ منهم في إيجاز.
أما الدكتور أحمد كمال زكي فأعماله: "تراثنا الشعري والتاريخ الناقص"١ و"التفسير الأسطوري للشعر القديم"٢ و"التشكيل الخرافي في شعرنا القديم"٣.
وفي بحثه الأوّل يقرر وجود نقص في دراساتنا التاريخية المتصلة بالشعر, وهذا أدَّى إلى قصور في القوانين التي ارتضينا أن نحكمه بها، ويحدد المعوقات التي حالت دون وصول الشعر الجاهلي كاملًا في ثلاثة محاور أو أربعة، ويزعم بأن شعرنا لو كان أخذ الأخذ الموضوعي، ثم نوقش المناقشات التي تخرجه عن جهد الشراح اللغويين, لعرفناه خيرًا مما عرف به، وأما المحاور فهي: إعراض أغلب الذين أرَّخوا لأدبنا عن تناول جزء من هذا الشعر تناولًا غير تقليدي، أو إعراض عن قسم من هذا الشعر متصل بالأساطير وأيام العرب، وكانت النتيجة عصفًا عاتيًا بقصائد كاملة ومقطوعات ومطولات جاهلية تدرج في سلك الشعر الأسطوري، وجاء اللغويون الرواة فبدّلوا بعض الكلمات ذات الدلالة في الشعر، وأما المحور الثاني: فتلك الأحكام الجزافية التي أطلقت على ذلك الشعر، مما ترك أثره في تصورنا المبتور لتاريخ الأدب العربي، ويرى سبل تصويب الخطأ في إطلاق النصّ الشعري من أمر الشاهد اللغوي الذي قيد النظر القديم في الشعر، وكذلك ألّا نعد أيام العرب تاريخًا, بل أدبًا جاهليًّا فيه الشعر والنثر، وأخطرها تطبيق مقاييسنا الخلقية في إطارها الإسلامي على ما أبقى عليه العلماء المتقدمون من شعر بعد تصيفيته أو تطهيره من الوثنيات.
وأما المحور الثالث: فمتعلق بالمنهج وهو إبقاء الشعر، وهو الناقص كما بينا، على السطح واختفاء ما عداه، ويقرر بعد ذلك جملة حقائق هي:
١- إن مدار فكرة أي موضوع من تلك الموضوعات الوثنية كان من أهم أسباب تحول بعضها إلى الخرافات والحكايات التي تضمنتها السير الشعبية.
стр. 175
٢- وعلى ذلك يمكن أن تكون أيام العرب البداية الطبيعية والصحيحة لتاريخ أدبنا.
٣- إن الشعر الجاهلي لم يكن شعرًا غنائيًّا كما زعم الكثيرون.
٤- أسجاع الكهان هي من أساطير الأولين، ولا بُدَّ أن تكون من فنون الشعر الملحمي الذي عرفه العرب.
٥- إن العقلية العربية التي أبدعت السير هي نفسها التي أبدعت أساطير الأولين، وما رضيت الأثبات الرسمية أن تحفظه من شعر قديم.
ويطرح سؤالًا في نهاية البحث: لماذا ظلَّ شعرنا إلى عهد قريب رافضًا بشكله الخليلي وبنبرته الحماسية ما يمت بصلة إلى التراث الشعبي، وما يخرج به إلى دفع ما اتهمنا به "رينان" وغيره؟ ويجيب بأن ليست للغة ولا البلاغة, وإنما لأن كتابنا ظلوا وسيظلون وراء المؤلف، وفي البحث عنه يجدون عادةً شيئًا رواغًا، حتى ليؤخذ بقاعدة الإسناد الموروثة فيرفض, وهو يرى إننا إذا عنَّ لنا تلافي هذا السوء المعياري، فلا بُدَّ من مراجعة تراثنا الأدبي التاريخي تلك المراجعات التي تجد ضالتها دائمًا في أساطير الأولين وأيام العرب.
ولا نقنع بما أورده الجاحظ وابن المعتز والقزويني، فكله مبتور جاء من مبتور، ويقرر أخيرًا أنه يصبح على المؤرخ الجديد لأدبنا أن يحقق التكامل الفني بين أشكال تعبيراتنا الأدبية، من ملاحم وخرافات وقصص وأمثال، بشرط أن يقدم الخلفية الجاهلية بالوضوح الذي رفضه الشراح الأقدمون، وبالتصحيح العلمي للمفاهيم القيمة التي استفحلت في بعض الأنواع الأدبية.
وفي بحثه الثاني "التفسير الأسطوري للشعر القديم" يطرح هذا التساؤل بادئ ذي بدء: أترانا نحتاج إلى التفسير الأسطوري للأدب؟ وإذا كنا نحتاج، فهل يصبح من مهمة الناقد تصور كيفية ما صدر عنه الأديب بكل تعقيداته ليطرح للفهم والتعليق، أو ليرسم الطريق الذي قطعه الأديب في الضباب الكثيف حتى طلع به علينا؟ وما قيمة الأدب في هذه الحالة, وهي جمالية في الجملة بالرغم من أنها تنطلق من المحيطين الاجتماعي والتاريخي؟
ويجيب الباحث بأن الأدب تفسير فني للكون، ومن حق الناقد أن يلجأ إلى كلِّ السبل لتحديد ذلك التفسير, بشرط ألّا يتجاوز طرفي البداية والنهاية، فيقع في سوءة الضلالة والتضليل.
стр. 176
وربما كان للرومانسية فضل التوجيه إلى حصر البنيات الأسطورية والمختفية دائمًا وراء الشكل العام للتعبير. ولوحظ أن لبعض كُتّاب لبنان ممارسات مبكرة للأسطورة داخل محيط الرمز الشعري، وفي معرض حديثه عن البنائية وتوجسه من خشية تعطيل دور الشعر المعرفي, يعترف بأن في بعض إنجازاتهم ما يدعم التفسير الأسطوري للشعر.
إن الشاعر يملك القدرة الجبارة على تشكيل الصورة الشعرية من فتات التصور القديم للوجود الأول، وكلما كان الشاعر قريبًا من عصر الفطرة الجاهلية أحد أشكالها، سيطرت عليه القوة الميتافيزيقية التي تصوغ قصيدته, أو تتحكم في صياغته بنحو أو آخر.
وفي رأيه أن الأسطورة ليست أدبًا، ولا يمكن أن تكون، وهي عندما ينتهي دورها في تفسير علاقة الآلهة بالموجودات، وفي إماطة اللثام عن بعض أسرار الكون والحياة، تتفتت في حكايات خرافية، وبعضها يقتحمه الخيال في الملاحم الشعبية، ثم يستغل استغلالًا أدبيًّا تتفاوت مستوياته الفنية بمقدار بما يوحي ويثير. ولكن الجزء الطقسي من الأسطورة يظل في ضمير الجماعة حيًّا ما امتد الزمن وتعاقبت آلاف السنين.
ويحدد لنا بعد ذلك الأسطورة التي عناها، وهي الأسطورة التي توزَّعت في أعمال إبداعية، بعضها شعبي، واستخدمت بطريقة تبدو للنظر العادي كما لو كانت ضربًا من المجاز أو التصوير الأدبي الشائع، وعنده أن الصورة الشعرية المبتكرة ترجع من حيث هي مجاز أو كناية أو علامة سيميوطيقية إلى قدرة الشاعر على الخروج من الفكرة المتسلطة بشيء يقول شيئًا يحاور الضمير العام بكل ميتافيزيقائه.
ويؤيد ما يذهب إليه بأمثلة من الشعر الجاهلي تتعلق بألفاظٍ لها دلالات أسطورية وخرافية موغلة في القدم، وقيم حضارية، ويشير في جزء من بحثه إلى أنّ الأسطورة تعني أحيانًا "الطوطمية" بكل ملابساتها، وبكل ما يوحي به اعتقاد بوجود وحدة كونية بين أنواع الزواحف والأشجار والهوام والحيوان والصخور والنجوم، ويشهد على هذا حضور ما سبق جميعًا في سلاسل النسب العربية، وهو يرى أن الحيوان عنصر وراءه رصيد هائل من الأفكار الأسطورية، ويسوق لمقولته نماذج من الشعر الجاهلي، ويختتم بحثه بأن التفسير الأسطوري للأدب، وللشعر خاصة، ما
стр. 177
زالت جوانب كثيرة لم يكشف عنها بعد، وإنَّ ما قدَّمه الرواد فيه شعراء ونقادًا وأنثروبولوجيين يوحي بأنّ للأسطورة اليوم دورًا قد يقلب أنواع التقويم الأدبي رأسًا على عقب.
ويعقِد فصلًَا خاصًّا في كتابه "دراسات في النقد الأدبي", يتحدث فيه عن التشكيل الخرافي للشعر القديم، وهو يحدد أن ما يعنيه أولًا هو المضمون مقدرًا كل ما قدمته التشكيلات الشعرية من قيم جمالية, ويقرر بأن للأشطورة صلة بالدين, ولهذا فقد أثر تقصي المحتوى، من منطلق الخرافة التي قد تكون أساسًا للدين، وقد تكون أساسًا للأسطورة، إلّا أنها فيما يعرض بمعنى يبتعد عن المعنى الذي الذي قصد إليه. وهو يختار شعر الأيام ميدانًا لبحثه؛ لأنها وحدها تفي بأغلب ما صدر عن العصر الجاهلي، فهي تراث نبع من ضمير الجاهلي في شتَّى تكويناته الاجتماعية، وامتلأ بالمحتوى الفكري الذي يتشكّل تشكلًا قوميًّا لم تشاركه فيه الأمم المجاورة مع التسليم بوجود تأثير متبادل. والسبب الثاني: لأختيار شعر الأيام أنها تتضمن خلاصة الثقافة العربية الأولى ممتزجة بالأساطير والقصص الخرافي، لكن المحدثين منذ العصر الأموي دأبوا على طمسها, لما فيها من إيقاظ للشعور الجاهلي الذي أساسه العصبية، والسبب الثالث: لأن ملاحم الأيام زاخرة بإشارات ورموز حول آثار الشخوص الأسطورية المنقرضة والبلدان الطامسة, ثم عماليق يوم القيامة، ومعمري حرب البسوس، وأبنية يوم المشقر.
ويرى الباحث أن الكاهن والإبل والثور والغزال والحيات درات حول كل منها طقوس أو خرافات، ويقرر بأن عيون الشعر القديم كأنها كانت أصداء للتكوين الشعري للأيام.
أما الدكتور إبراهيم عبد الرحمن فله أعمال ثلاثة في هذا المجال هي: "الشعر الجاهلي: قضاياه الفنية والموضعية"١ و"التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي"٢ و"من أصول الشعر العربي القديم"٣.
وفي البحث الأول الذي يتناول قضايا كثيرة متصلة بالشعر الجاهلي، ومنها
стр. 178
الصورة, يرى أن الاقتصاد في اللغة ألفاظًا وأساليب قد حمل الشعراء على إيثار الأسلوب التصويري في التعبير عن معانيهم؛ بحيث صارت الصورة الشعرية أصلًا من أصول الشعر الجاهلي، وكان هدف الشاعر من بناء هذه الصورة التعبير من خلالها عن قضاياه وأحاسيسه ومواقفه من الحياة والناس من حوله، لذا فقد غلب التعبير الرمزي على التعبير المباشر، وعلا الشعر الجاهلي على الواقع الحقيقي, ليصبح من خلال هذه الصورة بناءً لغويًّا حافلًا بالرموز والمعاني، ويستشهد بمعلقة أمرئ القيس وحائية عبيد بن الأبرص.
ويعتقد الباحث أننا لو أحسنّا الالتفات إلى العناصر المتقابلة التي يجمع بينها الشاعر في هذه الصور المركزة والمتراكمة: عناصر البقاء والفناء، وما يتصل بها من صور الصيد والضوء والمطر والحمل والولادة، فإن ذلك يقودنا إلى الكشف عن عوالم الشعروتفسيرها، وإن فهم الشعر الجاهلي لا يتأتى إلّا بفهم هذا الأسلوب التصويري, وتحليل صوره المركزة تحليلًا يكشف عن أمرين: أولهما: الأصول الميثولوجية التي نبعت منها، وثانيهما: يبرز تلك العلاقات الخفية التي كان يقيمها الشاعر الجاهلي بين عناصر الصورة ومكوناتها المختلفة، وبين مواقفه أو فلسفته في الحياة وظواهرها المتناقضة في بيئته.
ولتحقيق الغاية من الفهم والتفسير يرى أنه ينبغي أن ندخل إلى دراسة الشعر الجاهلي خاصَّة بهذه الملاحظات العامَّة على طبيعة الأسلوب التصويري:
١- غلبة الأسلوب التصويري على موضوعاتٍ بعينها تردد في قصائده على اختلاف أغراضها.
٢- في جميع صور الشعر على كثرتها تردد أو تتكرر عناصر لغوية موضوعية وروحية واحدة، كأنها كانت لدى الشعراء بمثابة الشعائر المقدَّسة التي وكِّل إليهم تلاوتها.
٣- إن أطراف هذه الصورة وعناصرها المتقابلة تتداخل في الموضوعات المختلفة فيما بينها تداخلًا شديدًا.
٤- هذه الموضوعات المختلفة التي استأثرت بالأسلوب التصويري هي التي تشكِّل عناصر الهيكل العام الذي حققته القصيدة الجاهلية، ومن ثَمَّ فقد جعلت من هذا الهيكل بناءً رمزيًّا متكاملًا متنوع الأدوات والوسائل والغايات.
стр. 179
وحين نضم هذه الملاحظات نحقق أمرين هما:
١- تحليل هذه الصور في ذاتها تحليلًا موضوعيًّا وفنيًّا يشكف عن هذا الجانب من الإبداع الفني الذي حققه الشعراء.
٢- البحث عن رموز هذه الصور بردها إلى أصولها الميثولوجية التي صدرت عنها.
وإن مثل هذا التحليل الميثولوجي يحتاج إلى معرفة واسعة وعميقة بحضارة الجاهليين، وثقافاتهم، وفلسفتهم في الحياة والموت, وتحديد تلك الروافد الثقافية والدينية والميثولوجية التي انتقلت إليهم من الحضارات المجاورة.
ويقسّم هذه الصور إلى صور جزئية وصور كلية أو لوحات، ويرى أن عناصر الصورة هي: العنصر الزمني, وقد اتخذوه أصلًا، والمقابلة، والحركة.
وفي عمله الثاني "التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي"، يعترف منذ البداية بأن البحث محاولة مقترحة "لقراءة الشعر الجاهلي في ضوء المنهج الأسطوري ليست سوى خطوة عن طريق الدراسات الخصبة التي ظفر به الشعر على أيدي القدامى والمحدثين من النقاد، وهي دراسات تنوعت مناهجها، واختلفت نتائجها، ولذا فإن عمله في هذه القراءة الجديدة يتلخص في تجميع أفكارها، والربط بين عناصرها المختلفة، وباختصارٍ, فما يقوم به إنما هو إعادة تركيب هذه العناصر وتأليفها بضمِّ ما تفرق منها, لنخلق منها ما يصح أن يسمَّى منهجًا جديدًا يفك مغاليقه، ويكشف عن كنزه التي ظلت خافية على الدارسين القدامى والمحدثين أيضًا.
وعندما يشرع في تحديد خطوات المنهج الأولية يراها في ضرورة تحديد المدلولات اللغوية بعامة والشعرية بخاصة تحديدًا تاريخيًّا دقيقًا، أي: نحن بحاجة إلى معجم لغوي تاريخي، يطلب ذلك لنضع أيدينا على طبيعة الفكر العربي في صورته الصحيحة، وبذا يمكننا أن ندلف إلى حل مشكلات الشعر الجاهلي الأخرى؛ من تفسير الصورة الشعرية بالكشف عن أصولها الميثولوجية والشعبية القديمة، وفهم مغزى هذه التركيبة الموضوعية الغريبة المعروفة بالأغراض الشعرية، كما يمكننا بحل المعضلة اللغوية أيضًا الكشف عن منابع الفن والإبداع في الشعر الجاهلي، كما تعيننا أيضًا على الفصل في القضية المزمنة، قضية توثيق الشعر الجاهلي.
ويؤكد الباحث وجود التخلّف اللغوي الذي لا يزال يجثم بكلكله على الدراسات اللغوية المعاصرة على المستويين العام أو الأكاديمي، ويؤكِّد أن تحليل
стр. 180
التركيبة اللغوية للشعر الجاهلي في جوانبها الدلالية والنحوية والإشارية لا يتأتى للدارس إلّا بتطبيق منهجين معروفين في الدراسات اللغوية والنحوية تطبيقًا صارمًا, وهما: المنهج اللغوي المقارن، والكشف عن خبايا هذا العالم الأسطوري الذي انبثقت منه الميثولوجيا الدينية عند العرب، وهو لا يخوض في المنهج الأول لعدم الدراية الواسعة.
أما المنهج الثاني: هو "الميثولوجيا الوثنية الجاهلية", فإنه يرى أننا نواجه ظلامًا دامسًا حرص القدامى جميعًا على طمسه طمسًا كاملًا، ولم يشذّ عن هذا السلوك سوى: "عبيد بن شريه" و"ابن الكلبي", ومن ثَمَّ فإنه يتجه إلى النقوش العربية القديمة التي ظفرت بعناية الدراسين الأوربيين منذ القرن التاسع عشر. وتتميّز فترتان دينيتان في الجاهلية: مرحلة الشرك، أو مرحلة عبادة الظواهر والكائنات، والثانية مرحلة التجريد, أو الاتجاه إلى التوحيد. وقد رمزوا لآلهتهم في المرحلتين بالأوثان التي تعددت واختلفت من قبيلة إلى أخرى, وعبادة الأوثان هذه انتقلت إلى العرب من الأمم المجاورة, مما يؤكد تأثرهم في عبادتهم بديانات الأمم الأخرى المجاورة.
ويؤكد أن الميل إلى التوحيد أخذ يغزو العقلية العربية في أواخر العصر الجاهلي، ودليله أن نصوص الشعر الجاهلي في الفترة المتأخرة القريبة من الإسلام "عن زهير والأعشى" زخرت بعقيدة الإله الواحد، مما حدا بالرواة إلى التشكيك في صحة هذا الشعر، وعزوا ذلك إلى عمل الرواة المسلمين في تنقية الشعر من آثار الوثنية القديمة. وأما المكان الذي ظهرت فيه مثل هذه النصوص التوحيدية فهو جنوب الجزيرة العربية.
وقد اتخذت عبادات الجاهليين في هذا الطور شكلًا بعينه, هو شكل ديانات الشعوب المجاورة، وهو عبادة الكواكب التي تتألف من ثالوث سماوي: القمر، الشمس، الزهرة، وقد رمز الجاهليون للقمر بالثور، وللشمس بالمرأة العارية الفرس والغزالة والمهاة والنخلة، وللزهرة بالعزى، وقد خلص الباحث إلى أن هذا العالم الأسطوري بحيوانه ونباته وإنسانه وتماثيله قد اتخذ في هذا العصر من خلال التصور الديني ثلاثة مستويات منفصلة ماديًا, ومتصلة اتصالًا وثيقًا من الناحيتين الأسطورية والروحية.
١- المستوى الأول: مادي، هو عالم النجوم البعيد، حيث تعيش هذه الآلهة التي تعبد إلهًا في أطوار مختلفة من الحياة الجاهلية الدينية.