← Адаб

Адаб · id 10000

الأدب الجاهلي في آثار الدارسين قديما وحديثا

عفيف عبد الرحمن

Полный текст (328 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وربما كان للرومانسية فضل التوجيه إلى حصر البنيات الأسطورية والمختفية دائمًا وراء الشكل العام للتعبير. ولوحظ أن لبعض كُتّاب لبنان ممارسات مبكرة للأسطورة داخل محيط الرمز الشعري، وفي معرض حديثه عن البنائية وتوجسه من خشية تعطيل دور الشعر المعرفي, يعترف بأن في بعض إنجازاتهم ما يدعم التفسير الأسطوري للشعر. إن الشاعر يملك القدرة الجبارة على تشكيل الصورة الشعرية من فتات التصور القديم للوجود الأول، وكلما كان الشاعر قريبًا من عصر الفطرة الجاهلية أحد أشكالها، سيطرت عليه القوة الميتافيزيقية التي تصوغ قصيدته, أو تتحكم في صياغته بنحو أو آخر. وفي رأيه أن الأسطورة ليست أدبًا، ولا يمكن أن تكون، وهي عندما ينتهي دورها في تفسير علاقة الآلهة بالموجودات، وفي إماطة اللثام عن بعض أسرار الكون والحياة، تتفتت في حكايات خرافية، وبعضها يقتحمه الخيال في الملاحم الشعبية، ثم يستغل استغلالًا أدبيًّا تتفاوت مستوياته الفنية بمقدار بما يوحي ويثير. ولكن الجزء الطقسي من الأسطورة يظل في ضمير الجماعة حيًّا ما امتد الزمن وتعاقبت آلاف السنين. ويحدد لنا بعد ذلك الأسطورة التي عناها، وهي الأسطورة التي توزَّعت في أعمال إبداعية، بعضها شعبي، واستخدمت بطريقة تبدو للنظر العادي كما لو كانت ضربًا من المجاز أو التصوير الأدبي الشائع، وعنده أن الصورة الشعرية المبتكرة ترجع من حيث هي مجاز أو كناية أو علامة سيميوطيقية إلى قدرة الشاعر على الخروج من الفكرة المتسلطة بشيء يقول شيئًا يحاور الضمير العام بكل ميتافيزيقائه. ويؤيد ما يذهب إليه بأمثلة من الشعر الجاهلي تتعلق بألفاظٍ لها دلالات أسطورية وخرافية موغلة في القدم، وقيم حضارية، ويشير في جزء من بحثه إلى أنّ الأسطورة تعني أحيانًا "الطوطمية" بكل ملابساتها، وبكل ما يوحي به اعتقاد بوجود وحدة كونية بين أنواع الزواحف والأشجار والهوام والحيوان والصخور والنجوم، ويشهد على هذا حضور ما سبق جميعًا في سلاسل النسب العربية، وهو يرى أن الحيوان عنصر وراءه رصيد هائل من الأفكار الأسطورية، ويسوق لمقولته نماذج من الشعر الجاهلي، ويختتم بحثه بأن التفسير الأسطوري للأدب، وللشعر خاصة، ما

стр. 177

زالت جوانب كثيرة لم يكشف عنها بعد، وإنَّ ما قدَّمه الرواد فيه شعراء ونقادًا وأنثروبولوجيين يوحي بأنّ للأسطورة اليوم دورًا قد يقلب أنواع التقويم الأدبي رأسًا على عقب. ويعقِد فصلًَا خاصًّا في كتابه "دراسات في النقد الأدبي", يتحدث فيه عن التشكيل الخرافي للشعر القديم، وهو يحدد أن ما يعنيه أولًا هو المضمون مقدرًا كل ما قدمته التشكيلات الشعرية من قيم جمالية, ويقرر بأن للأشطورة صلة بالدين, ولهذا فقد أثر تقصي المحتوى، من منطلق الخرافة التي قد تكون أساسًا للدين، وقد تكون أساسًا للأسطورة، إلّا أنها فيما يعرض بمعنى يبتعد عن المعنى الذي الذي قصد إليه. وهو يختار شعر الأيام ميدانًا لبحثه؛ لأنها وحدها تفي بأغلب ما صدر عن العصر الجاهلي، فهي تراث نبع من ضمير الجاهلي في شتَّى تكويناته الاجتماعية، وامتلأ بالمحتوى الفكري الذي يتشكّل تشكلًا قوميًّا لم تشاركه فيه الأمم المجاورة مع التسليم بوجود تأثير متبادل. والسبب الثاني: لأختيار شعر الأيام أنها تتضمن خلاصة الثقافة العربية الأولى ممتزجة بالأساطير والقصص الخرافي، لكن المحدثين منذ العصر الأموي دأبوا على طمسها, لما فيها من إيقاظ للشعور الجاهلي الذي أساسه العصبية، والسبب الثالث: لأن ملاحم الأيام زاخرة بإشارات ورموز حول آثار الشخوص الأسطورية المنقرضة والبلدان الطامسة, ثم عماليق يوم القيامة، ومعمري حرب البسوس، وأبنية يوم المشقر. ويرى الباحث أن الكاهن والإبل والثور والغزال والحيات درات حول كل منها طقوس أو خرافات، ويقرر بأن عيون الشعر القديم كأنها كانت أصداء للتكوين الشعري للأيام. أما الدكتور إبراهيم عبد الرحمن فله أعمال ثلاثة في هذا المجال هي: "الشعر الجاهلي: قضاياه الفنية والموضعية"١ و"التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي"٢ و"من أصول الشعر العربي القديم"٣. وفي البحث الأول الذي يتناول قضايا كثيرة متصلة بالشعر الجاهلي، ومنها

стр. 178

الصورة, يرى أن الاقتصاد في اللغة ألفاظًا وأساليب قد حمل الشعراء على إيثار الأسلوب التصويري في التعبير عن معانيهم؛ بحيث صارت الصورة الشعرية أصلًا من أصول الشعر الجاهلي، وكان هدف الشاعر من بناء هذه الصورة التعبير من خلالها عن قضاياه وأحاسيسه ومواقفه من الحياة والناس من حوله، لذا فقد غلب التعبير الرمزي على التعبير المباشر، وعلا الشعر الجاهلي على الواقع الحقيقي, ليصبح من خلال هذه الصورة بناءً لغويًّا حافلًا بالرموز والمعاني، ويستشهد بمعلقة أمرئ القيس وحائية عبيد بن الأبرص. ويعتقد الباحث أننا لو أحسنّا الالتفات إلى العناصر المتقابلة التي يجمع بينها الشاعر في هذه الصور المركزة والمتراكمة: عناصر البقاء والفناء، وما يتصل بها من صور الصيد والضوء والمطر والحمل والولادة، فإن ذلك يقودنا إلى الكشف عن عوالم الشعروتفسيرها، وإن فهم الشعر الجاهلي لا يتأتى إلّا بفهم هذا الأسلوب التصويري, وتحليل صوره المركزة تحليلًا يكشف عن أمرين: أولهما: الأصول الميثولوجية التي نبعت منها، وثانيهما: يبرز تلك العلاقات الخفية التي كان يقيمها الشاعر الجاهلي بين عناصر الصورة ومكوناتها المختلفة، وبين مواقفه أو فلسفته في الحياة وظواهرها المتناقضة في بيئته. ولتحقيق الغاية من الفهم والتفسير يرى أنه ينبغي أن ندخل إلى دراسة الشعر الجاهلي خاصَّة بهذه الملاحظات العامَّة على طبيعة الأسلوب التصويري: ١- غلبة الأسلوب التصويري على موضوعاتٍ بعينها تردد في قصائده على اختلاف أغراضها. ٢- في جميع صور الشعر على كثرتها تردد أو تتكرر عناصر لغوية موضوعية وروحية واحدة، كأنها كانت لدى الشعراء بمثابة الشعائر المقدَّسة التي وكِّل إليهم تلاوتها. ٣- إن أطراف هذه الصورة وعناصرها المتقابلة تتداخل في الموضوعات المختلفة فيما بينها تداخلًا شديدًا. ٤- هذه الموضوعات المختلفة التي استأثرت بالأسلوب التصويري هي التي تشكِّل عناصر الهيكل العام الذي حققته القصيدة الجاهلية، ومن ثَمَّ فقد جعلت من هذا الهيكل بناءً رمزيًّا متكاملًا متنوع الأدوات والوسائل والغايات.

стр. 179

وحين نضم هذه الملاحظات نحقق أمرين هما: ١- تحليل هذه الصور في ذاتها تحليلًا موضوعيًّا وفنيًّا يشكف عن هذا الجانب من الإبداع الفني الذي حققه الشعراء. ٢- البحث عن رموز هذه الصور بردها إلى أصولها الميثولوجية التي صدرت عنها. وإن مثل هذا التحليل الميثولوجي يحتاج إلى معرفة واسعة وعميقة بحضارة الجاهليين، وثقافاتهم، وفلسفتهم في الحياة والموت, وتحديد تلك الروافد الثقافية والدينية والميثولوجية التي انتقلت إليهم من الحضارات المجاورة. ويقسّم هذه الصور إلى صور جزئية وصور كلية أو لوحات، ويرى أن عناصر الصورة هي: العنصر الزمني, وقد اتخذوه أصلًا، والمقابلة، والحركة. وفي عمله الثاني "التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي"، يعترف منذ البداية بأن البحث محاولة مقترحة "لقراءة الشعر الجاهلي في ضوء المنهج الأسطوري ليست سوى خطوة عن طريق الدراسات الخصبة التي ظفر به الشعر على أيدي القدامى والمحدثين من النقاد، وهي دراسات تنوعت مناهجها، واختلفت نتائجها، ولذا فإن عمله في هذه القراءة الجديدة يتلخص في تجميع أفكارها، والربط بين عناصرها المختلفة، وباختصارٍ, فما يقوم به إنما هو إعادة تركيب هذه العناصر وتأليفها بضمِّ ما تفرق منها, لنخلق منها ما يصح أن يسمَّى منهجًا جديدًا يفك مغاليقه، ويكشف عن كنزه التي ظلت خافية على الدارسين القدامى والمحدثين أيضًا. وعندما يشرع في تحديد خطوات المنهج الأولية يراها في ضرورة تحديد المدلولات اللغوية بعامة والشعرية بخاصة تحديدًا تاريخيًّا دقيقًا، أي: نحن بحاجة إلى معجم لغوي تاريخي، يطلب ذلك لنضع أيدينا على طبيعة الفكر العربي في صورته الصحيحة، وبذا يمكننا أن ندلف إلى حل مشكلات الشعر الجاهلي الأخرى؛ من تفسير الصورة الشعرية بالكشف عن أصولها الميثولوجية والشعبية القديمة، وفهم مغزى هذه التركيبة الموضوعية الغريبة المعروفة بالأغراض الشعرية، كما يمكننا بحل المعضلة اللغوية أيضًا الكشف عن منابع الفن والإبداع في الشعر الجاهلي، كما تعيننا أيضًا على الفصل في القضية المزمنة، قضية توثيق الشعر الجاهلي. ويؤكد الباحث وجود التخلّف اللغوي الذي لا يزال يجثم بكلكله على الدراسات اللغوية المعاصرة على المستويين العام أو الأكاديمي، ويؤكِّد أن تحليل

стр. 180

التركيبة اللغوية للشعر الجاهلي في جوانبها الدلالية والنحوية والإشارية لا يتأتى للدارس إلّا بتطبيق منهجين معروفين في الدراسات اللغوية والنحوية تطبيقًا صارمًا, وهما: المنهج اللغوي المقارن، والكشف عن خبايا هذا العالم الأسطوري الذي انبثقت منه الميثولوجيا الدينية عند العرب، وهو لا يخوض في المنهج الأول لعدم الدراية الواسعة. أما المنهج الثاني: هو "الميثولوجيا الوثنية الجاهلية", فإنه يرى أننا نواجه ظلامًا دامسًا حرص القدامى جميعًا على طمسه طمسًا كاملًا، ولم يشذّ عن هذا السلوك سوى: "عبيد بن شريه" و"ابن الكلبي", ومن ثَمَّ فإنه يتجه إلى النقوش العربية القديمة التي ظفرت بعناية الدراسين الأوربيين منذ القرن التاسع عشر. وتتميّز فترتان دينيتان في الجاهلية: مرحلة الشرك، أو مرحلة عبادة الظواهر والكائنات، والثانية مرحلة التجريد, أو الاتجاه إلى التوحيد. وقد رمزوا لآلهتهم في المرحلتين بالأوثان التي تعددت واختلفت من قبيلة إلى أخرى, وعبادة الأوثان هذه انتقلت إلى العرب من الأمم المجاورة, مما يؤكد تأثرهم في عبادتهم بديانات الأمم الأخرى المجاورة. ويؤكد أن الميل إلى التوحيد أخذ يغزو العقلية العربية في أواخر العصر الجاهلي، ودليله أن نصوص الشعر الجاهلي في الفترة المتأخرة القريبة من الإسلام "عن زهير والأعشى" زخرت بعقيدة الإله الواحد، مما حدا بالرواة إلى التشكيك في صحة هذا الشعر، وعزوا ذلك إلى عمل الرواة المسلمين في تنقية الشعر من آثار الوثنية القديمة. وأما المكان الذي ظهرت فيه مثل هذه النصوص التوحيدية فهو جنوب الجزيرة العربية. وقد اتخذت عبادات الجاهليين في هذا الطور شكلًا بعينه, هو شكل ديانات الشعوب المجاورة، وهو عبادة الكواكب التي تتألف من ثالوث سماوي: القمر، الشمس، الزهرة، وقد رمز الجاهليون للقمر بالثور، وللشمس بالمرأة العارية الفرس والغزالة والمهاة والنخلة، وللزهرة بالعزى، وقد خلص الباحث إلى أن هذا العالم الأسطوري بحيوانه ونباته وإنسانه وتماثيله قد اتخذ في هذا العصر من خلال التصور الديني ثلاثة مستويات منفصلة ماديًا, ومتصلة اتصالًا وثيقًا من الناحيتين الأسطورية والروحية. ١- المستوى الأول: مادي، هو عالم النجوم البعيد، حيث تعيش هذه الآلهة التي تعبد إلهًا في أطوار مختلفة من الحياة الجاهلية الدينية.

стр. 181

٢- المستوى الثاني: إشاري، يتمثّل في هذه العلاقات الروحية التي كانوا يقيمونها, أو يرونها بين هذه الحيوانات والنباتات وغيرها على الأرض وبين عالم النجوم في السماء. ٣- المستوى الثالث: ذلك الوجود الأدبي في شعر الجاهليين، وقد اتخذ نزعة تصويرية غالبة. وقد اتخذت هذه الزعة التصويرية لعالم الكواكب الميثولوجي في الشعر مظهرين واضحين: الأول: لوحات متكاملة في وصف الطلل، والظعائن، والرحلة على الناقة، وصراع الحيوان والطير، وهي لوحات تضج بالحركة والحياة والصراع، وينبت من خلالها فيها هذه العقائد الميثولوجية. ومن أبرز هذه اللوحات وأخطرها لوحة الطلل، ولوحة الظعائن، ولوحة الصيد. والثاني: الصور الجزئية التي يؤلفها الشعراء عادة من التشبيهات، وأحيانًا من الاستعارات والكنايات، يصفون فيها جمال المرأة وصفًا مفصلًا وغامضًا، أو يشخِّصون قوة الفرس والناقة، وسرعة الظبي والظليم والحمار الوحشي، وإلى غير ذلك من صور الحيوان والطير والنبات التي حققت وجودًا فنيًّا رائعًا له أصوله ورموزه الميثولوجية والإنسانية المبثوثة فيه. ويقرر أننا نجد تطابقًا ماديًّا كاملًا بين صور الشعر الجاهلي القصصية على وجه الخصوص، وبين عالم الكوكب في صورته الجغرافية التي انطبقت في أذهان الجاهليين عنه. وهكذا فإن فهم الشعر الجاهلي لا يتأتّى، في نظره إلّا بفهم طبيعة الأسلوب التصويري فهمًا لغويًّا صحيحًا، وتحليل صوره المركَّزة، ولوحاته المركبة، تحليلًا يكشف أولًا عن أصولها الميثولوجية والشعبية التي نبعت منها، ويبرز ثانيًا تلك العلاقات الخفية التي كان الشاعر يقيمها بين عناصر الصورة، وبين مواقفه أو فلسفته في الحياة وظواهرها المتناقضة في بيئته. ١- يشكل الحديث عن المرأة العنصر الأصلي الذي تأتلف حوله وتخرج منه بقية

стр. 182

عناصر القصيدة الأخرى، فهي التي توقف الشاعر على الأطلال ... ٢- إن الأسلوب التصويري يغلب على موضوعات بعينها, هي تلك الأغراض النمطية التي تؤلف البناء الشكلي والموضوعي للقصيدة الجاهلية, وإن الشعراء درجوا على أن يضفوا على صورهم طابعًا مثاليًّا يجعل من الأطلال نموذجًا للخراب والموت اللذين ينزلان بحياة الإنسان، ومن الحيوان على اختلاف أنواعه، حيوانًا أسطوريًّا في جماله وحركته وقوته, ومن السحاب وما يسقطه من أمطار رمزًا على ازدهار الحياة وخصوبتها. ٣- إن الشعراء حرصوا على أن يستمدوا هذه الصور من العالم الميثولوجي، عالم الكواكب على النحو الذي تصوروه وطبعوه في أذهانهم, وما كان يقابله في عالمهم المادي من حيوان ونبات وطير. وفي محاولة لتطبيق هذه المنهج فإنه يأخذ "المرأة والشاعر", وذلك لتبين تلك الصلة "الميثولوجية الوثيقة التي كانت تقوم بينها"، أو بين الحب وأغراض القصيدة الأخرى، وذلك من خلال نصوص تتوافر فيها الصور الكلية أو الصور الجزئية، وفي مجال الصور الكلية يدرس "عينية الحادرة" التي مطلعها: بكرت سمية بكرة فتمتع ... وغدت غدو مفارق لم يربع وبائية الأعشى التي مطلعها: وأصلت صرم الحبل من ... سلمى لطول جنابها؟ ويأتي بحث الدكتور عبد الرحمن الثالث "من أصول الشعر العربي القديم: الأغراض والموسيقى دراسة نصية", فيرى الباحث في مقدمة بحثه أن حرص النقاد المحدثين على تقويم التطور الذي حققه هذا الشعر بارتباطه بالشعر الإنجليزي الحديث من جهة، واتجاهات النقد الأدبي الحديث في أوربا من جهة ثانية، ويرى أن في هذه المحاولة الخصبة من التأصيل الفنِّي فائدة وخطورة في آنٍ واحد؛ لأنها ضخَّمت الدور الغربي في تطوير الشعر العربي الحديث, وقد نبعت أراؤهم من مقولة تتلخص في أن الشعر العربي القديم ظلَّ أربعة عشر قرنًا أسير صيغة تقليدية ثابتة تحقق لها شكلها وبناؤها ومقوماتها الفنية والموضوعية في العصر الجاهلي، وهي صيغة قد غلب عليها "عنصر الوحدة", الأمر الذي جعل من القصيدة في صيغتها

стр. 183

التقليدية الثابتة أداة فنية عاجزة عن مواكبة التطور الذي أخذ يَجِدُّ على الحياة العربية عبر عصورها المختلفة والتعبير عنه. وقد نجمت عن ذلك آثار خطيرة تمثَّلت في ظاهرتين غلبتا على حركة نقد الشعر في الأدب العربي الحديث: انصراف الدارسين المحدثين عن ملاحظة ظواهر التطور المختلفة التي أخذ الشعر القديم يحققها في مسيرته التاريخية والفنية الطويلة، والثانية: التفاتهم إلى الآداب الغربية وحدها لتفسير ما أخذ يجد على الشعر الحديث. وقد دعا هذا كله الباحث إلى العودة إلى عالم الشعر القديم للكشف عن أصوله الشكلية والفنية، ولرصد ظواهر التطور البارزة التي أخذ يحققها تباعًا بفضل ظهور الإسلام، وهو يرى أنها أصول ظلت موصولة بين القديم والحديث في حياة الشعر العربي منذ العصر الجاهلي حتى الآن، على نحوٍ يؤكد استمرار الصلة الفنية الوثيقة بين قديم هذا الشعر وحديثه، ويجعل من الصيغة الشعرية الجديدة نتاجًا حتميًّا لهذا التطور الدائب، وتلك الصلة المستمرة، بالإضافة إلى المؤثرات الأجنبية الأخرى. وينتهي إلى أن الشعراء الجاهليين، على الرغم من أنهم درجوا على بناء قصائدهم من أغراض وصور وأوزان واحدة، وقد نجحوا في أن يؤلفوا منها قصائد متنوعة الرموز والقضايا، على نحوٍ يعكس قدرة إبداعية خاصة لم يفطن إليها هؤلاء الدراسون الذين يلحون على ثبات الصيغة الشعرية القديمة وتقليديتها. وفي الجانب التطبيقي يكتفي في دراسته هذه بالوقوف عند عنصرين من عناصر القصيدة يعدهما النقاد من أصولها الشكلية والفنية الكبيرة، واستغلّ الشاعر موهبته وقدرته الإبداعية في تنويعها بغية توظيفها في الرمز، والعنصران هما: الأغراض والموسيقى، وبالنسبة للأغراض يتناول المرأة كما في بحثه السابق، ولكن من خلال "معلقة امرئ القيس", وينفذ إلى أعماق تصوره للمرأة، يرى أن التشابه بين الشخصيات الثلاث؛ لأن الأساطير القديمة يتداخل بعضها في بعض، ويخلص إلى أن شخصية الشاعر، امرئ القيس، وغيره من الشعراء، كما يستخلصها الرواة من أشعارهم، شخصيات أسطورية، وهذا يؤيد أن الأغراض الشعرية ليست أكثر من صيغ فنية خالصة يوظفها الشعراء في قصائدهم.

стр. 184

ويتناول كذلك "الصيد" وأداته حصانه الأسطوري، من خلال معلقة "امرئ القيس"، ويتناول كذلك "المطر"، ويجعل منه مطر أسطوريًّا. ويرى الباحث أن كل شاعر من شعراء الجاهلية لديه "مقولته" التي تختلف عن مقولات غيره، وذلك بالرغم من أن الأغراض التي تتألف منها هذه القصائد لم تختلف كثيرًا في قصيدة عنها في الأخرى، وسبب ذلك أنها استحالت إلى "وسائل فنية"، يعبّر الشعراء من خلالها عن أفكارهم المختلفة. ويخصص بقية بحثه للحديث عن "الموسيقى" في الشعر, وخلاصة رأيه: ١- إن القدامى قد خلطوا بين الوزن والموسيقى من ناحية، والقافية من الناحية الأخرى, وأكدوا بما أخذوه على بعض الشعراء من أخطاء في الأوزان والقوافي، ثبات النظام الموسيقى في صورته التي استخلصها الخليل بن أحمد من ناحية أخرى, ومن ثَمَّ أخذت تتردد في كتاباتهم كلمات: الوزن والنظم والقافية دون كلمة "الموسيقى" أو "الإيقاع". ٢- إن المحدثين قد اتخذوا من عيوب "علم العروض" وقصور مقاييسه عن الكشف عن أسرار الشعر الموسيقية، عيوبًا للنظام الموسيقي للشعر القديم نفسه. لقد أخذ الاتجاه النقدي الذي يربط بين الأوزان والمعنى يغزو النقد العربي الحديث منذ وقت مبكر، في كتابات المرصفي والبستاني والرافعي والنهويهي وغيرهم, وقد بالغ النويهي في تأكيد هذه الصلة بين بحر القصيدة وموضوعها في كتبه ودراساته التي خصَّصَها لتحليل نماذج من الشعر القديم، مبالغة وجعلت لكل بحر وظيفة بعينها. أما الدكتور عبد الرحمن فيرى بأنَّ اتساع الوزن الواحد لأغراض القصيدة المختلفة، وتنوع موسيقى هذه الأغراض واستجابة هذا الوزن لمذاهب الملحنين وأداتهم، وأصوات المغنيين وإمكاناتهم، وأذواق المستمعين وعواطفهم المتباينة، يؤكد ما يذهب إليه من قدرة هذه الأوزان على مواجهة عواطف الشعراء المتغيرة مواجهة موسيقية خصبة ومتغيرة أيضًا، وذلك بخلق ألوان من الموسيقى الشعرية في القصيدة الواحدة، لها القدرة على إحداث تأثيرات متباينة في قراء هذا الشعر ومستمعيه ... كما يؤكِّد زيف هذه الآراء التي تربط بين الأوزان نفسها ومعاني القصائد وأغراضها، وهو زعم يبطله تنوع أغراض القصيدة واختلاف معانيها، وتباين

стр. 185

مواقف الشعراء النفسية فيها، وصياغة هذا كله في بحر واحد ينتظم القصيدة من أولها إلى آخرها. ويعترف الباحث بأن دراسته نظرية لم تعتمد على أية تجارب معملية أو مقارنات لغوية سامية، إلّا في حدود ما استقاه من بعض المصارد الحديثة, أما المطلوب فهو التدليل على وجود نظام موسيقي معقَّد للشعر القديم غير نظام الخليل العروضي، وإنه قد آن الأوان لأن يأخذ اللغويون العرب المحدثون زمام المبادرة في الحثِّ عن هذا النظام, ولا يكون ذلك إلّا بالتحليلات المعملية والمقارنات السامية, ولا يفوت الباحث أن يعترف بمحاولة جادَّة قام بها المرحوم الدكتور محمد مندور لتحليل موسيقى الشعر العربي القديم ورصد مقوماتها، عن طريق سلسلة من التجارب المعملية الدقيقة, قام بها في فرنسا في الفترة "١٩٣٠-١٩٣٩" ونشر مخلصًا لهذا البحث الذي لازال مخطوطًا، في مجلة كلية الآداب بجامعة الإسكندرية "العدد الأول ١٩٤٣"، ثم عاد فأشار إلى النتائج في مجلة الرسالة, وفي كتابه "في الميزان الجديد". وقد تأثَّر كثيرون بهذه الدراسة, لكنهم لم يشيروا إلى صاحبها، لكن الباحث يرى أن هذه الدراسة الخصبة لم تقدِّم لنا وصفًا صوتيًّا دقيقًا كاملًا إلّا لوجه واحد من موسيقى الشعر العربي القديم هو "الموسيقى الخارجية", أما "الموسيقى الداخلية" فلم يثر اهتمام الدراسين القدامى والمحدثين إلّا في إطار بعض الملاحظات الذوقية العامة التي نقع عليها في كتاباتهم. والباحث الثالث الذي ينهج هذا النهج هو الدكتور نصرت عبد الرحمن, فينطلق في كتابه "الصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث"١ من الصورة لتطبيق المنهج الميثولوجي أو الأسطوري. ويقرر في مقدمة بحثه أن الصورة من أشد القضايا خطورة في النقد الحديث, وذلك لاتصالها اتصالًا مباشرًا بنظرية المعرفة في الفلسفة، أو لارتباطها بنظرة الإنسان إلى الكون, واقتناص الحقيقة الشعرية في الصورة مطلب عسير, وبخاصة في الشعر الجاهلي, لأننا لا نعرف كثيرًا عن صانع الصورة، ولا نعرف من أمر نظرته إلى الكون إلّا أشتاتًا من المعلومات. ويقرر أيضًا أن الفصل بين صور الشعر الجاهلي والمعتقد كالفصل بين الصور

стр. 186

التي تملأ المعابد الفرعونية والمعتقد الفرعوني القديم، وأما منهجه في دراسة الصورة الجاهلية فيقوم على الأسس التالية: ١- إطراح شعر المخضرمين, فقد يكون هؤلاء قد غيَّروا شعرهم الجاهلي بعد إسلامهم وأدخلوا فيه نظرات إسلامية. ٢- إطراح شعر الجاهليين الذي شك الباحثون فيه, مثل: شعر أمية بن أبي الصلت وعنترة والمهلهل. ٣- الاعتماد كثيرًا على شعر أصحاب الدواوين. ويخصص الباحث الباب الثاني من كتابه للحديث عن الصورة في الإطار الرمزي، وفي هذا الإطار نبلغ الوجود الشعري للصورة الجاهلية, أو الدلالة الباطنية لها، ولا بُدَّ من الربط في هذا الباب بين الموجود والمعتقد الجاهلي, معتمدًا في دراسة المعتقد على كتب الميثولوجيا الحديثة، والربط كذلك بين الموجود وعبادة الأجرام السماوية, والرجوع إلى كتب الفلك؛ لأن في هذه الروابط ظهورًا للمثالية الجاهلية. ويخصص الباب الثالث لدراسة الصورة في إطارها الشكلي، ويبني هذا على نتائج الدراسة الرمزية، ويدرس الصورة في بنائها الخاص, وفي البناء الهيكلي للقصيدة الجاهلية. وتقوم دراسة كلها على ثلاث أعمدة رئيسية. ١- عدم انفصال الدراسات النقدية عن الإطار الفلسفي العام. ٢- الشعر ينطلق من فلسفة وجدانية عُلْيَا، والشاعر يعبِّر عن روح الأمة. ٣- ينطلق النقد من دراسة "الموجود", كي يصل إلى "الوجود الشعري". ومن النتائج التي توصَّلت إليه الدراسة أن الإنسان الجاهلي مفترى عليه في الدراسات، وأن الصور الجاهلية تزيح الظلمات التي ادلهمت الإنسان الجاهلي. ومن النتائج أيضًا أن بعض الشعراء الجاهليين شغفوا ببعض الصور دون غيرها، وقد عمَّ الباحث وجهة نظره هذه بجداول إحصائية ورسوم بيانية لموضوعات الصورة عند ثمانية شعراء جاهليين "النابغة، وامرئ القيس، زهير، الأعشى، طرفة, عبيد، أوس بن حجر، قيس بن الحطيم", ومن هذا الموجود، ومن ربطه بالديانة الوثنية يتفتَّح الوجود الشعري الديني.

стр. 187

ويتفق مع الدكتور إبراهيم عبد الرحمن في أنه عدَّ المرأة مفتاحًا لمغاليق القصيدة الجاهلية، ويقرِّر أن المرأة كانت رمزًا للآلهة الشمس. وعندما تحدّث عن المقدمة الطللية ألفى أنها ترمز في عمومها إلى ما تخلفه الشمس الراحلة على الخصب الزراعي، كما وجد رابطة بين صور الحيوانات "الظليم والفرس والناقة" وصور نجوم السماء, مما يدل على أن الشاعر كان يتطلع إلى هذه النماذج الحيوانية بأنها مثل موجودة في السماء, وربط بين قصة الثور الوحشي والكلاب، ومجموعة النجوم التي تسمَّى الثور والكلب الأكبر والكلب الأصغر والجبار. ويضع الباحث احتمالًا لأن تكون الرموز الدينية رموزًا وجودية؛ فالطلل يرمز إلى اليأس الوجودي، والمرأة ترمز إلى الأمل، ورحلة الصحراء ترمز إلى العمل، والناقة إلى القوة, وقصة الصراع الحيواني رمز للصراع الإنساني من أجل تحقيق آماله، وهو لا يجد بعدًا شديدًا بين الرموز الدينية والرموز الوجودية. ويرى الباحث أن الشكل تتجلى فيه الفلسفة الجاهلية الأيقونية التي تعد الزمان غير النهائي، وتعد المكان نهائيا، أما المكان فيحفظ الشاعر الجاهلي له وحدته، ويحطم الزمان، وتتجمع الأزمنة الثلاثة فيه: الماضي والحاضر والمستقبل, كما تظهر تلك الفلسفة أيضًا في التشبيه الذي يترابط فيه الحسّ والمعنى، وتتجلى أيضًا في بناء القصيدة الجاهلية العضوي، فالبناء العضوي في الشعر الذي ينبع من النظرية "الأيستمولوجية" من عامل الوحدة التي تربط بين الموجودات، وهي الرابطة العظمى في الشعر. ويرى أيضًا أن الشاعر الجاهلي لم يكن يحلل كما تقول المثالية، ولم يكن يركب كما تقول التجريبية، بل كان يحلل ويركب معًا: يحلل المثال ويركب من المادة, ولعل هذا التناقص الناتج من التقاء التحليل والتركيب نوع من التفرد امتاز به الشاعر الجاهلي والقصيدة الجاهلية. أما الدكتور علي البطل: فقد ذكر في مقدمة كتابه "الصورة في الشعر العربي حتى أواخر القرن الثاني الهجري" دراسة في أصولها وتطورها١, أن منهجه أسطوري؛ لأن بحثه "يحاول أن يكشف عن وجه للشعر العربي كان محتجبًا طيلة هذه الحقبة الطويلة من عمره, وهو وجه ارتباطه الوثيق بالحياة الدينية والأساطير القديمة التي

стр. 188

تسرب منها إليه الكثير من الصور، وكان الشعراء يحرصون على ترديدها، وكان الدارسون يرون فيها دليلًا على مادية الشعراء, وخواء الجانب الروحي في حياتهم، وساعدهم على ذلك مصطلح الجاهلية". ومحور دراسته الصورة التي أخذت تشد الباحثين في الصنف الثاني من العقد السابع من هذا القرن, ويعترف بأن دراسته هذه امتداد وتطوير من بعض الوجوه لدراسة أستاذه الدكتور إبراهيم عبد الرحمن، ويعترف أيضًا أن الدراسات التي سبقته تقترب بدرجة وبأخرى من المنابع الأسطورية؛ كدراستي الدكتور ناصف "قراءة ثانية لشعرنا القديم" و"دراسة الأدب العربي", إلّا أن الدراستين ينزع بهما صاحبها منزعًا نفسيًّا تشوبه الانطباعية, وتحفلان بالتجاوزات، ويعترف بأن أقرب الدراسات إلى منهجه دراسة الدكتور نصرت عبد الرحمن التي سبقت، ولكنه يأخذ عليها أنها اعتمدت على الأفكار الشائعة عن المعبودات المعروفة بالأصنام فقط، وأنه يلتوي أيضًا بالصور إلى الرمز الذي يفسره تفسيرًا انطباعيًّا لا يعتمد على أرض الأساطير التي يشير إليها، كما يتَّجه في بحثه عن الأساطير إلى السماء أساسًا، ويطرح بعد ذلك أسئلة لا يجيب البحث عنها. ونظرًا لانصراف الدراسات السابقة عن الصورة إلى الشكل, فقد اهتم هو بالموضوع في الغالب دون إغفال الجانب الفني، كما انصبَّ اهتمامه على بحث الأصل الديني للصورة أساسًا, ثم المضي عنها متابعين تطورها الفني والتاريخي للوصول إلى ما وصلت إليه ملامحها بتاثير التغيرات الحضارية المتتابعة للهجرة, حتى قرب نهاية العصر العباسي الأول. وقد قسَّم الباحث بحثه إلى أقسام أربعة: الأول: يتناول الجانب النظري، درس فيه مفهوم مصطلح الصورة الفنية ومنطلق الدراسة التطبيقية، ودرس أيضًا الأصول الدينية والأسطورية التي تستمد منها الصور الفنية في الشعر العربي جذورها. والثاني: يدرس صورة المرأة منذ بداية شكلها المثالي في العقيدة الدينية, إلى ما وصل إليه هذا الشكل من تطورٍ نحو الواقعية بتأثير التطورات الحضارية. والثالث: يعالج صورة الحيوان التي تنبيئ بأصولٍ أسطورية كالثور الوحشي

стр. 189

وحمار الوحش والظليم والناقة والحصان، وهي من المعبودات الأساسية القديمة. والرابع: يدرس عددًا من الصور في شعر المدح والفخر والرثاء والهجاء والوصف مبينًا جذورها الأسطورية من خلال الشعر، وما بقي من الممارسات الشعائرية من روايات الإخباريين التي لم تلفت الانتباه إلى دلالاتها الطقوسية. ومن الأساسيات التي ارتكز عليها الباحث في بحثه أنه يتبنَّى المفهوم الجديد للصورة, الذي يعتبر الصورة عبارات حقيقية الاستعمال, ومع ذلك فهي تشكل صورة دالة على خيال خصب, ويستخلص من الاتحاهات الحديثة المتعددة نظرة متكاملة للمفهوم الجديد يتبناه، فالصورة تشكيل لغوي، يكوّنها خيال الفنان من معطيات متعددة، يقف العالم المحسوس في مقدمتها. ومن الأساسيات أن الصور الرمزية، أو الأنماط المتكررة من الصور، وما وراءها من ارتباطات النماذج العليا في الشعائر والأساطير هي مدار الاهتمام في بحثه. ومن النتائج التي يخلص إليها الباحث: ١- إذا كنَّا قد فقدنا الشعر فليس معنى ذلك أنه لم يوجد على الإطلاق دور للشعر في طقوس عباداتهم، وإنما علينا التماس آثاره وتقاليده الفنية التي عاشت في شعر المراحل التي وصلتنا آثارها؛ حيث تركزت الآثار في الصور الفنية. ٢- لقد جمع العرب الصور المختلفة للأمومة أو الخصوبة كالمهاة والغزالة والحصان من الحيوان، والنخلة السمرة من النبات، والمرأة من الإنسان، فجعلوها رموزًا مقدَّسة للشمس - الأم. ٣- لقد تخلَّفت عن عبادة المرأة - الأم, وعن ربطها بالشمس، الأم المعبودة, وجعلها نظيرًا للرموز المتعددة التي رمزوا بها للشمس كالنخلة والغزالة والمهاة، تخلفت عن ذلك صورة يمكن أن نطلق عليها: المرأة المثال أو الصورة المثالية للمرأة، وهي صورة لا تتعلق بالمرأة بعينها. ٤- قد يعمد الشاعر إلى فصل عنصر من عناصر صورة المرأة، مكونًا به صورة جزئية موسَّعة تضاف إلى الصورة العامة، مثل عنصر: الدرة أو البيضة أو القطاة أو الحمامة، وهي أيضًا عناصر مستمدَّة من صور دينية قديمة، إلى جانب صور

стр. 190

خاصة المرأة تصور علاقة أسطورية قديمة بين المرأة والحرب. ٥- لكن الباحث يعترف بأن ليس كل تصوير شعراء ما قبل الإسلام للمرأة مقصورًا على صور المرأة المثال، فهناك صورة المرأة الواقعية, وهي القينة أو المغنية أو المهجوّة من نساء الأعداء ... إلخ, ولكن المرأة الغالبة -كما يرى- هي المرأة المثال. ٦- الحيوان من بين الصور المهمة لمعبودات الإنسان القديم، فهو إما طوطم الجماعة وحدّها الأعلى، وإما معبودها الممثَّل والرمز للإله السماوي: الكوكب الذي تتوجه إليه الجماعة في صلواتها, والباحث يتناول من الحيوان الثور الوحشي وهو رمز الإله القمر، والحمار الوحشي، والظليم. ٧- يرى أن ارتباط الرجل -المثال- بالقمر, شكل من أشكال التقديس التي يخلعها الذهن البدائي على العظماء، فلقد عبدت الملوك والأبطال في الديانات القديمة نتيجة وضعهم المتميز في المجتمع، لذا فقط شبه الممدوح بالبدر، وإن موقف الرجل المثال في الحرب -البطل، وهو الرمز لصورة الإله "ود" المحارب, أما الرجل المثال في السلم فهو الكريم، ولذا فإن شعر المديح يربط بين صورة الرجل المثال وبين صورتي القمر والثور الوحشي المقدستين، ويأتي هذا الربط في حالة السلم بصفة الكرم, وفي حالة الحرب بصفة البطولة، وهما صفتان ملازمتان للمدح في الشعر الجاهلي. وأما الباحث الرابع الذي نرى أنه يسلك هذا المنهج ولو جزئيًّا الدكتور مصطفى ناصف في كتابه "قراءة ثانية لشعرنا القديم"١, وخلاصة رأيه في النقد العربي القديم أنه أحسَّ بشدة بنقاء الأدب العربي، وحرص على تشخيصه جيلًا بعد جيل، فقد شخَّصه برسم الصورة المثلى للغة العربية ممثَّلة في القرآن الكريم، وثانيًا: بإصراره على أن الأدب العربي صورة ناضجة كاملة النضج قبل اتصال الثقافة العربية بغيرها من الثقافات. وفي معرض حديثه عن النهضة الثقافية في العصر الجاهلي رأى أنها لم تدرس بعد دراسة كافية، وإن فكرة شعب عربي لم تكن من الأفكار البعيدة عن

стр. 191

أذهان القبائل؛ لأن اللغة الأدبية الموحدة لم تكن لتنمو إلّا بفضل نمو الترابط الاجتماعي, ويرفض فكرة أن يكون الشعر القديم انعكاسًا مباشرًا لفكرة البداوة, بل إننا أمام مجتمع تشغله أسئلة أساسية شاقة عن مبدأ الإنسان ومنتهاه ومصيره وشقائه وعلاقته بالكون. وخلاصة رأيه في الشعر الجاهلي أنه ينافس أي شعر آخر شريطة أن نحسن قراءته، ومن أجل إثبات ذلك درس المقدمات الطللية لكلٍّ من زهير وطرفة، وقد رأى فيها ضربًا الطقوس أو الشعائر التي يؤديها المجتمع, أو تصدر عن عقل جماعي لا عن عقل ذاتي أو حالة ذاتية, فالشاعر الجاهلي لا يتصور الفن عملًا فرديًّا, بل يتصوره نوعًا من النبوغ في تمثُّل أحلام المجتمع ومخاوفه وآماله، وإنَّ كل شاعر جاهلي لا يبدأ الحديث ولا يخاطب المجتمع الذي ينتمي إليه إلّا عن طريق بعث الماضي. والشاعر الجاهلي يتخير العناصر التي لا تقبل الزوال, ويرى أن الطلل رمز الزمن الذي يتسم بالإيجابية الواضحة، والطلل يبدو وكأنه منبت ثقافة، وفكرة السفن تمضي في الماء تتعلق بفكرة الرحلة البعيدة التي تحقق المغانم, وفكرة النخيل مرتبطة بفكرة الظعائن. وهو يرى أن موضوعات الشعر الجاهلي كثيرة, ولكنها قابلة للترابط, فالشعراء أعجبوا بالربط بين السيل والفرس، والفرس والمطر جزءان مترابطان من تفكير واحد، والفرس مرسل الغيث الذي يتوقعه الشاعر دون قنوط "مفهوم الخير"، والكرم جرى العرف على اعتباره معادلًا لفكرة الماء والبحر، والناقة هي التعبير الصالح عن فكرة الثبات والقهر والصمود, والناقة أشبه بالأمومة القوية، وقد اقترنت بالنخلة في أذهان العرب، وأمومتها صابرة قادرة راغبة في استمرار الحياة، وأخيرًا هي ليست مجرد حيوان، إنها حيوان مقدَّس أحيانًا. ويربط الباحث بين فكرة الراهب وفكرة المطر، فالمطر في شعر امرئ القيس قيامة غير عادية، أو هو هزة كبرى تنسخ التجارب اليومية المألوفة، وتفصل بين جزءين من الحياة، والمطر يسوقنا إلى فكرة الكرم، وفكرة الماء الذي يهبط من السماء وثيق الصلة بفكرة المحبوبة، كما أن ثَمَّة صلة بين فكرة المطر وفكرة الناقة. أما الوشم فهو تعويذة ضد الطلل، والتشابه بينهما لا يمنع من ملاحظة

стр. 192

المفارقة والتضاد. والوشم هو الجهد العقلي الذي ينتجه الإنسان في سبيل الإبقاء على الطلل والتغلب عليه أيضًا, فإذا استحالت مادة الحياة إلى وشمٍ كان في هذا بكاء للحياة وإبقاء عليها, وتعويذة الوشم هي الخطوة الأولى في سبيل الصراع ضد الطلل الشاخص. ويرى الباحث أنه يجب التفكير في: ١- الصراع بين الطلل والوشم. ٢- الصراع بين الطلل والناقة. ٣- الصراع بين الخمر والطلل. ٤- الصراع بين المغامرة المسمَّاة بالفخر والطلل. وأما الدكتور نصرت عبد الرحمن فله البحوث التالية: "الصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث"١, و"المطر: مواضع وروده في جانب من الشعر الجاهلي"٢, و"حول دلالة عمرو في القسم والدعاء في الشعر الجاهلي"٢. والمبحث الأول هو الذي يتصل بموضوع هذه الدراسة، وهو يقرر منذ البداية وفي مقدمة البحث أن "قضية الصورة تتصل اتصالًا مباشرًا بنظرية المعرفة في الفلسفة, أو ترتبط بنظرة الإنسان إلى الكون، وإنها تحمل في حناياها حقائق شعرية تنأى بها عن الزخرف الشعري، وصندوق الأصباغ، والبلاغة"٤. وقد قسَّم بحثه إلى تمهيدٍ وأبواب ثلاثة: ففي التمهيد كان الأساس النظري الذي أقام عليه البحث، حيث حدَّد مفهوم الصورة، ووضع خطًّا أساسيًّا، وهو أن الشعر تعبير عن الوجدان الجماعي. وكان الباب الأول١ للصورة في إطار الموضوع, وفي الفصل الأول: صورة الإنسان في الشعر الجاهلي: الصورة والدين، الصورة والكتابة، الصورة والفنون

стр. 193

الصورة والإنسان الصائد، الصورة والإنسان الزارع، الصورة والصانع، الصورة والتجارة، الصورة والبيت، الرجل والمرأة، الصورة والطعام، والشراب، الصورة والعطور، الصورة والألعاب، الصورة والمرض. وفي الفصل الثاني تحدث عن صورة العالم الطبيعي في الشعر الجاهلي "السماء والرياح والمطر والماء والفصول والحيوان والنبات". وفي الفصل الثالث تحدَّث عن موضوعات الصورة عند كلٍّ من: امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة والأعشى وعبيد وأوس وقيس بن الخطيم. وجاء الباب الثاني١ للصورة الجاهلية في الإطار الرمزي، وقد قسَّمَه إلى فصلين هما: الأول: الصورة والرمز الديني "المرأة والطلل والرحلة للمرأة وللشاعر، وأسماء النساء والرمز، والمطر والتصور". والثاني: الصورة والرمز الوجودي "اليأس والأمل والعمل". وخصص الباب الثالث للصورة في الإطار الشكلي، وجاء في فصلين: الأول: الصورة الجاهلية والشكل "المكان والزمان، والصورة والتشبيه، والشكل والحس، والتشبيه والمثل". الثاني: الصورة وبناء القصيدة الجاهلية البناء التوافقي، والبناء المفارق، والبناء المتقطع. وذلك هو بناء الكتاب آثرنا إيراده كاملًا لما فيه فائدة للباحثين والدراسين، وسنحاول إلقاء بعض الأضواء على المنهج الذي تبناه الباحث. تتصور المعاني الشعرية في عدة أنواع من الصور٢ هي: أولها: التقريرية, وهي تلك لا تحوي تشبيهًا أو مجازًا. وثانيها: التشبيهية, وهي التي يتجسَّم فيها المعنى على هيئة علاقة بين حدين. وثالثها: الرمز الأيقوني, وهو الصورة التي تدل على صورة مادية بينهما علاقة تشابه، وتحمل الصورة المادية معنى.

стр. 194

ورابعها: الاستعارة. وخامسها: الرمز غير الأيقوني, وهو عندما يتجسَّم التصوّر في مادة دون أن يكون في المادة علاقة تشبيهية أو استعارية، وهو علاقة باطنية خارجية "رموز الصوفية". وسادسها: الكتابة وهي ضرب من الإشارة. ويرى الباحث أن دراسة الشعر ينبغي أن تسير جنبًا إلى جنب مع دراسة الفكر، ولم يضر الشعر العربي غير الفصل الحادّ بينه وبين الفكر١. كما يرى أن علماء الأنثروبولوجيا لم يكتبوا عن الإنسان البدائي أسوأ مما كتبنا عن الإنسان الجاهلي، وإن النظر إلى بدائية الجاهليين قد طاردتهم حتى في فهم أشعارهم٢. ومن القضايا التي يتبناها الباحث في بحثه: ١- أن تكون كثرة الحديث عن النار في الشعر الجاهلي وشدة الاعتزاز بها، وإن تبدَّت في معرض الكرم، مظهرًا من مظاهر الديانة الفارسية "المجوسية". ٢- إن دراسة الصورة الوثنية في الشعر الجاهلي تحتاج إلى منهج وصفي؛ لأن وراء هذه الصورة حياة مييثولوجية كاملة، وتختفي في ثناياها رموز ترتد إلى نظرة عرب الجاهلية إلى الكون والخلق والحياة والموت. ٣- لا ترد الغزالة في شعر الصيد، وعدم صيدها له دلالة هامة. ٤- الرجل في الشعر الجاهلي معنًى والمرأة صفة. ٥- للقمر والشمس وللشعر قداسة عند عرب الجاهلية, لكن هذه القداسة تبدو شاحبة في الشعر الجاهلي. ٦- في صورة الشمس بضعة عناصر: العنصر الزماني، والعنصر المكاني، والعنصر الجمالي، والعنصر الحيواني، والعنصر الإنساني، والعنصر الإلهي. ٧- أكثر الرياح في الشعر الجاهلي هي ريح الشمال وتليها الصبا, ثم الجنوب فالدبور فالنكباء. ٨- قلَّمَا نرى الشعراء يصوّرن البعير في أسفارهم. ٩- ثَمَّة أمران أضرَّا بالشعر الجاهلي: القول بحسيته، والقول بوضوحه وسذاجته.

стр. 195

وعلة ذلك هو الفصل البنَّاء بين ذاك الشعر والمعتقدات الجاهلية. ١٠- إن دراسة الصور الجاهلية في ضوء الدين من أشق الأمور وأشدها عسرًا بسبب غموض الحياة الدينية. ١١- التشبيه بالغزالة كثير جدًّا في الشعر الجاهلي. ١٢- نلاحظ في الظعائن أمورًا عدة: أ- أن المرأة فيها تخرج بأبهى حللها وكامل زينتها. ب- أن المرأة ترحل عادة إلى الأنهار والينابيع, فتطوف ما تطوف في الصحراء، ثم تحط رحالها بجانب الماء. ج- أن للرحلة صورتين تكادان تتكرران عند الجميع: تشبيه الظعائن بالسفن وبالنخيل. ويقوده هذا كله إلى الاعتقاد بأن رحلة الشمس كل يومٍ ورحلتها في الصيف والخريف والشتاء والربيع هي رحلة المرأة١. ١٣- يربط الباحث بين رحلة الشعراء الجاهليين وملحمة جلجامش البابلية, ففي كل ثور وحشي، وتجواب طويل، ولكن الملحمة تحدد هدف الرحلة, وهو الوصول إلى الشمس لنيل الخلود, فهل كان الشاعر الجاهلي يطمع في الوصول إلى الشمس أيضًا لنيل الخلود٢؟ ١٤- يخلص إلى القول بأن الحصان وحمار الوحش وغيرهما من الحيوانات لها مثيل في السماء٣. ١٥- تبدو الشمس "اللات الجاهلية" الإطار العام لرمز المرأة في الشعر الجاهلي، ويبدو أن هذا الرمز الديني العام يحوي رموزًا خاصَّة لكلّ اسم من أسماء النساء اللائي وردن في الشعر الجاهلي. ويبرر هذا كله بتكرار بعض الأسماء، وتشابه الصفات التي يسبغها الشعراء عليهن٤. ١٦- جعل الباحث الطلل رمزًا لليأس، والمرأة رمزًا للأمل، ورحلة الصحراء رمزًا للعمل. ١٧- يعترف الباحث بأن الدراسات لا تخلو من تعميم يبدو منافيًا لروح النقد

стр. 196

الحديث الذي يعدُّ الشعر غير خاضع لقانون, وبعد كل قصيدة ذات حياة تتميز بالتفرد والخصوص. ١٨- ينظر إلى الصورة على أنها من فعل التصور، فإن تشابهت الصور دلَّ ذلك على حدة التصور، وفي ظل الدين يتحد التصور. وفي معرض حديثه عن الصورة الجاهلية في الإطار الشكلي١ يؤكد على الربط بين شكل الصورة الجاهلية وبنائها ومعتقد الجاهليين، فالشكل ليس قالبًا تُصَبُّ فيه الأفكار كما يصبّ الشراب في الأكواب على حد تعبيره. ويذهب إلى أن الشعر فنّ زماني مكاني، وأن قضية المكان والزمان من أخطر القضايا في الفكر الأيقوني, إلّا أنها منبثقة عن الفكرة الثنائية التي تعتقد أن المكان محدود مادي والزمان غير محدود. والشعر الجاهلي مبني على فكرة أيقوني: فالمعبود مادي يحده المكان ولا يحده الزمان, وقد خلفت هذه النظرة آثارها في شكل الصورة الجاهلية ووسمته بميسمها٢. وفي الفكر الأيقوني يكون التشبيه عمدة الصورة الفنية؛ لأنه فكر يقوم أساسًا على التشابه، ولكن الباحث يبرهن على أن الشعر الجاهلي برئ من تهمة الحسية التي رمي بها٣. ويذهب الباحث إلى أن الثنائية الأيقونية تفسّر حسية الصورة الجاهلية، ففي هذه الثنائية يتداخل المثال بالواقع؛ كالتداخل الذي نراه في التصاوير النصرانية مثلًَا، حيث تبدو العذراء بالغة الحسن، ولكنه حسن مأخوذ من دنيا الواقع، ولكننا نرى مثالًا معنويًّا فوق هذه الواقعية٤. ويعدد بعد ذلك الأشكال الحسية للصورة٥، فأولها: الصورة البصرية، وتشكل الكثرة الغالبة من الصور الجاهلية، وأبرز سمات الصورة البصرية الحركية. ويلي الصورة البصرية في الكثرة الصورة اللمسية، وبخاصة الناعمة فيما

стр. 197

يلمس من الأشياء, ويلي ذلك الصورة الشمية، وقد يمزج الشاعر بين الصورتين اللمسية والشمية، ويلي ذلك الصورة السمعية فالذوقية. أما "الصورة وبناء القصيدة الجاهلية"١: فيتناول قضية خطيرة في النقد الحديث, وهي الوحدة في الشعر الجاهلي، وهو يرى أن العلاقة بين الذات والموضوع لم تكن موجودة وحدها في العصر الجاهلي, بل وجدت علاقة أخرى هي علاقة بالآلهة، ونتيجة لهذه العلاقة قد يتحدد الموضوع، فالفكر الجاهلي يمكن تصوره على صورة مثلث رأسه الآلهة وأحد طرفيه الإنسان والآخر عالم الأعيان, وهكذا فالفكر الجاهلي هو العلاقة بين ذات وموضوع وآلهة. وتتبدى هذه الوحدة في مواقف القصيدة الجاهلية، وهذه المواقف تتعدد وتتكون من ثلاث علاقات: علاقة الذات بالآلهة، وعلاقة الآلهة بالموضوع، وعلاقة الذات بالموضوع. وبناء القصيدة الجاهلية في رأي الباحث، بناء توافقي٢ كمعلقة زهير؛ حيث كان الموضوع هو إحلال السلام بين القبيلتين، وهذا السلام جاء نتيجة لحكمة من سَعَيَا إلى دفع الديات. وثمة نوع آخر هو البناء المفارق٣, وهو الذي يتعارض فيه موقف الآلهة من الموضوع مع موقف الشاعر منه. ويتبدى هذا البناء في الموضوعات القدرية التي لا يملك الإنسان دفعها كالموت والشيب والجدب, أو فيما يمكن رده إلى الآلهة، ومثاله: عينية الحادرة. والنوع الثالث: هو البناء المتطقع٤، وهو أن تكون القصيدة مكونة من موقفين هما: الذات والآلهة، والذات والموضوع، ولا يظهر الشاعر موقف الآلهة من الموضوع، ومثاله: قصيدة بشر بن أبي خازم "البائية" التي مطلعها: تنعاك نصب من أميمة منصب ... كذي الشوق لما يله وسيذهب وتبدو الأبنية الثلاثة السالفة الذكر منبثقة من النظرة الجاهلية الأنتولوجية،

стр. 198

فالشاعر الجاهلي لم يكن يعتقد أنه الموجود الوحيد في هذا العالم، بل يشركه في هذا الوجود آلهة أقوى منه وأعظم، وكان عليه أن يبني شعره على وجوده١. والشاعر الجاهلي كان يحلل الصورة ويركِّبها في وقت واحد, يحللها كما نلاحظ في "المرأة والناقة والفرس"، ولكنه إلى جانب هذا التحليل كان يركب صورًا تأخذ كل واحدة منها برقاب الأخرى، ويتكون منها معنى عام، كما فعل طرفة مثلًا عندما اجتمعت صوره جميعًا لتدل على القوة, لقد كان الشاعر يحلل المثال ويركّب من المادة، ولعل التحليل والتركيب بما في التقائهما من تناقض نوعٍ من التفرد, وتمتاز به القصيدة الجاهلية٢.

стр. 199

المنهج البنيوي: يضطر الباحث في البنائية والمنهج البنيوي إلى الكشف عن معالمها التاريخية، على الرغم من أن البنيوية نفسها تسعى لمقاومة فكرة التاريخ في حد ذاتها؛ لأنها قامت "لترد المنظور الذي تطلق عليه الرؤية المنبثقة والذي يقوم على دراسة الأشياء في ذاتها قبل التطرق إلى أحداثها وتاريخها"١. وحجر الزاوية في النظرية البنائية مجموعة من المبادئ اللغوية الأولية لعالم سويسري هو "فرديناند دي سوسير", استطاع أن يؤسِّسَ مدرسة لغوية حديثة أصبحت تعد رائدًا للعلوم الإنسانية وقدرتها على أن تصبح علومًا دقيقة تضارع العلوم الطبيعية والرياضية في خضوعها للمنهج العلمي المضبوط، وتبلورت هذه المدرسة في العقد الأول من هذا القرن. والمبدأ الأساسي في تيار الفكر البنائي هو الرؤية الثنائية المزدوجة للظواهر، فهو من جهةٍ يعارض النزعة الجزئية الانفصالية التي تدعو إلى عزل الأشياء عن مجالها، ومن جهة أخرى يدعو إلى إدراج هذه الظواهر في سلسلة من المقابلات الثنائية للكشف عن علاقاتها التي تحدد طبيعة تكوينها، وأهم هذه المقابلات: - ثنائية اللغة والكلام. - ثنائية المحور التوقيتي الثابت والزمني المتطور. - ثنائية النموذج القياسي والسياقي. - ثنائية الصوت والمعنى.

стр. 200

وكان الرافد الثاني من روافد البنائية "مدرسة الشكلية الروسية", التي ازدهرت في العقدين الثاني والثالث، وكان انطلاقها من مجموعة من طلبة الدراسات العليا بجامعة موسكو ١٩١٥, وشكلت "حلقة موسكو اللغوية", وقد أقاموا نظرياتهم الجمالية على أساس كفاية الأثر الفني في حدّ ذاته وقابليته لأن يشرح نفسه، والبحث عن لغة جديدة للفن. وقد اتضح اتجاهان في البنائية فيما بعد: البنائية التحليلية التي يتزعمها "جاكوبسون", والبنائية التركيبية التي يتزعمها وينتهجها "شومسكي". ويصف أحد زعمائها البنائية بأنها حل الشيء لاكتشاف أجزائه، والوصول من خلال تحديد الفروق بينها إلى معناها، ثم تركيبه مرة أخرى حفاظًا على خصائصه التي توضِّح لنا أن أيَّ تعديل في الجزء يؤدي إلى تعديل في الكل. وفي عام ١٩٢٨م، قامت طائفة من علماء اللغة في تشكوسلوفاكيا بتكوين حلقة دراسية ضمت في صفوفها عددًا من الباحثين الذين ينتمون إلى بلدان أخرى، وصاغوا جملة من المبادئ تقدموا بها إلى المؤتمر الدولي الأول لعلماء اللغة الذي عُقِدَ في لاهاي ١٩٢٨م, تحت عنوان: "النصوص الأساسية لحلقة براغ اللغوية". وفي عام ١٩٣٠ ظهرت أول دراسة منهجية في تاريخ علم الأصوات اللغوية بإعداد "جاكوبسون"، وتبلورت أعمال حلقة براغ في ثمانية أجزاء ظلّت تصدر تباعًا حتى ١٩٣٨م. وعلم اللغة البنائي عند حلقة براغ يتصوّر الواقع اللغوي على أنه نظام سيميولوجي رمزي، ويحلل عملية الكلام قبل أن تصل إلى التعبير الواقعي بتتبّع مراحلها المختلفة، فيميز بين إجراءين مختلفين وإن اختلط أحدهما بالآخر في عملية الكلام البشرية, وأولهما: هو التقاط العناصر الواقعية المحددة, أو الذهنية المجردة, التي تلفت انتباه الفرد الذي سيتحدث, وإدراك إمكانية التعبير عنها بكلمات من اللغة التي يستخدمها. أما الإجراء الثاني: فيتمثل في وضع العلاقة المتبادلة بينهما وبين الرمز اللغوي الذي يشير إلى العناصر المختارة بطريقة تشكل كلًّا عضويًّا وهو الجملة. وقد كان لحلقة براغ دراسات وبحوث موسَّعة في لغة الشعر والأدب بصفة عامة، وتنمي في كثير من جوانبها الخطوط المنهجية الأولى للمدرسة الشكلية, ولا بأس من ذكر أهم معالمها:

стр. 201

١- تتميز اللغة الشعرية بأنها غالبًا ما تكتسب صفة الكلام من حيث إنها تعتبر عملًا فرديًّا يعتمد على الخلق والإبداع, ويرتكز على أساسين: التقاليد الشرعية الراسخة، ولغة الحياة المعاصرة. ٢- من خواص اللغة الشعرية أنها تبرز عنصر الصراع والتعديل بدرجات متفاوتة، وكلما اقتربت لغة الشعر من لغة التفاهم تعارضت مع التقاليد الشعرية. ٣- المستويات اللغوية المختلفة للغة الشعر؛ من صوتية وصرفية ونحوية وبلاغية, ذات صلات حميمة فيما بينها؛ بحيث يستحيل عزل أحدها عمَّا سواه. ٤- تختلف درجة معاصرة العناصر المختلفة في اللغة والتقاليد الشعرية من حالةٍ لأخرى، فالعمل الشعري إنما هو بنية وظيفية لا يمكن فهم عناصره المختلفة خارج نطاق علائقها المشتركة، ويمكن لهذه العناصر نفسها أن تلعب دورًا مغايرًا تمامًا, ووظيفة عكسية في بنية أخرى. ٥- نقطة الانطلاق في وصف البنية الشعرية هي القيم الصوتية، وتشمل مقارنة استخدام الحروف المعنية بلغة التفاهم ومبادئ تجميع الحروف وتكرارها, ومشاكل الإيقاع والنغم. ٦- تتميز لغة الشعر بوضوح مراتب قيمها، والإيقاع هو المبدأ المنظّم للعناصر الصوتية الأخرى, وهي بنية النغم وتشكيلات الحروف في مقامات موسيقية. ٧- الوسيلة الوحيدة لدراسة جميع مستويات لغة الشعر بطريقةٍ فعَّالة تتمثَّل في رسم شبكة توازي أبنيتها المختلفة، وهو توازٍ متداخل متفاعل. ٨- ينبغي بحث المعاصرة في لغة الشعر بدراسة العلاقة بين معجمه والتقاليد الشعرية ولغة التفاهم. ٩- إن المبدأ الأساسي في فنِّ الشعر والذي يميزه عن أنظمة اللغة الأخرى, هو أن القصد فيه يتركز لا على الدلالة وإنما على الرمز في نفسه، على التعبير في ذاته. وقد استطاعت حلقة براغ أن تتفادى بعض نواحي القصور في النظرية الشكلية بمراجعة أهم المبادئ وتعديلها, وإنضاجها على ضوء التجربة الفكرية المثمرة، فبدلًا من قصر العمل الأدبي على جانبه اللغوي البحت, وعدم الاعتراف بأنه عنصر خارج "أدبية الأديب", أعلن "جاكوبسون" أن الاتجاه المنهجي الجديد في مدرسة براغ يدعو إلى استقلال الوظيفة الجمالية لا إلى انعزالية الأدب. وهكذا نصل إلى البنائية، فالمفهوم الاصطلاحي لكلمة البنية يؤكّد أنها تتميز

стр. 202

بثلاث خصائص هي: تعدد المعنى والتوقف على السياق والمرونة١, ويقول أحد كبار البنائيين: "نظرًا لأن البنائية ليست مدرسة ولا مذهبًا أدبيًّا, فإنه لا مبرر لقصرها مقدمًا على التفكير العلمي، بل لا بُدَّ من وصفها بأكبر قدر من السعة والمرونة، على إننا لا بُدَّ أن نعترف بأن هناك بعض الكُتَّاب والفنانين ممن يمارسون البنائية، لا كمجرد موضوع للتفكير، وإنما كتجربة متميزة على مستوى الخلق تتعدى مجرد التحليل الذهني، ولهذا يمكن أن نطلق اسم الإنسان البنائي على الإنسان الذي لا نعرفه بأفكاره ولا بلغته, وإنما بخياله, أو طريقة تصوره للأشياء, ولهذا فإن البنائية بالنسبة لمن يستفيد منها إنما هي نشاط إنساني قبل كل شيء٢. ويتفق الباحثون على أن البنية عبارة عن مجموعة متشابكة من العلاقات، وأن هذه العلاقات تتوقف فيها الأجزاء أو العناصر على بعضها من ناحية, وعلى علاقتها بالكلّ من ناحية أخرى, ولكن النشاط البنائي لا يعتمد على مجرَّد العمل بهذه الإيحاءات، ويؤكد "ليفي شتراوس" أن محاولات البنائية لاكتشاف النظام في الظواهر لا ينبغي أن تصبح إدخالًا للواقع في نظام جاهز مسبَّق، وإنما تقتضي إعادة إنتاج هذا الواقع وبنائه وصياغة نماذجه هو لا بأشكال تفرض عليه٣. ويبحث البنائيون في الواقع الإنساني عن مظاهر الثبات والاستقرار التي يمكن أن ترتكز عليها المعرفة العلمية الحقيقية؛ فهي ليست فكرة تجريدية بالمعنى العام لهذا المصطلح الخالي من الخصائص الفردية الدقيقة، ولكنها موضوع للدراسة مستخلص من الوقائع القريبة المعقدة. يؤكد أصحاب النظرية البنائية أنها ليست مدرسة مذهبية ولا حركة فكرية, ولا ينبغي حصرها في مجرد نزعة علمية بحتة، وإنما هي نشاط قبل أي شيء آخر, أي تتابع منتظم لعدد من العلميات العقلية الدقيقة٤. أما الهدف الجوهري من هذا النشام البنائي فهو إعادة تكوين الشيء بطريقة تبرز قوانين قيامه بوظائفه، فالبنية إذن في نهاية الأمر هي صورية الشيء التي تسمح

стр. 203

بفهمه وإدراك تكوينه وطريقة تشغيله، والإنسان البنائي يتناول الواقع ويفكه ويحلله, ثم يقوم بتركيبه مرة أخرى، مما قد يبدو للوهلة الأولى عملًا تافهًا لا أهمية له، ولكنه في حقيقة الأمر شيء حاسم؛ إذ إنه من خلال هاتين اللحظتين في النشاط البنائي ينتج لنا شيء جديد هو قابلية الفهم"١. أما البنيوية التوليدية أو البنائية التوليدية٢ فمؤسسه "لوسيان غولدمان" "١٩١٣-١٩٧٠م:" وقد طوَّر الأصول التي ثقفها من "جورج لوكاش", وعمَّق دراسة أبعاد العلاقة بين الأدب والمجتمع, ومفهوم "رؤية العالم" باعتبارها بنية تتوسَّط ما بين الأساس الاجتماعي الطبقي الذي تصدر عنه، وبين الأنساق الأدبية والفنية والفكرية، فهي "كمية متجانسة" تكمن وراء الخلق الثقافي وتحكمه مثلما تتجلَّى فيه وتنكشف بواسطته. وإن الحديث عن العلاقة بين "رؤية العالم" و"عوالم الأعمال الأدبية" يعني حديثًا عن علميات بنائية تتولّد فيها أبنية أدبية هي "الأعمال الأدبية", عن أبنية فكرية هي "رؤية العالم, أو رؤى العالم" عند مجموعة اجتماعية أو طبقية. وتتجلّى منهجية البنيوية التوليدية في عملياتها الإجرائية التي تتراوح بين تفسير العمل "فهم العلاقات بين العناصر المكونة لبنيته", وشرح العمل "فهم بنيته باعتبارها وظيفة لبنية أشمل" تقع خارج العمل وتتجلى في الوقت نفسه فيه". والبنائية في حركتها المتطورة حريصة على ربط العمل الأدبي بحركة التطور في الحياة, وأما الذات التي تبحث عنها البنائية فهي ليست الذات التي يبحث عنها علم التحليل النفسي، وإنما هي ذات اجتماعية, وهي ذات قديمة وحديثة، ولا يمكن أن تعيش إلّا مع الجماعة أو من خلال الجماعة، والبنائية لا تبحث عن المحتوى أو الشكل، أو عن المحتوى في إطار الشكل، بل تبحث عن الحقيقة التي تختفي وراء الظاهر من خلال العمل نفسه, وليس من خلال أي شيء خارج عنه. وهي تُعْنَى بتوجيه العناصر نحو كلية العمل أو نظامه، وليس نظام العمل أو الشيء سوى حقيقته٣. وفي معرض موقف النقاد والباحثين من البنيوية نسوق آراء ثلاثة، فالدكتور

стр. 204

شكري عياد موقفه ليس موقف المعارض المحايد أو الرافض سلفًا، وإنما موقف الذي يحاول أن يختبر السلامة النظرية لما يقدمه منهج البنيوية, وخلاصة ما يراه: ١- إن الحديث عن البنية -أي: البناء- يصاحب كل حركة نقدية, فالكلمة ليست جديدة على النقد الأدبي. ٢- إن الشبه واضح بين النقد الجديد في أمريكا في الأربعينات والخمسينات, والنقد البنيوي الذي انطلق من فرنسا في الستينات، لكن الفرق بينهما أن الاتجاه البنيوي اتجاه عقلاني يهتم بالأفكار قبل اهتمامه بالوقائع الموضوعية، بينما الآخر اتجاه تجريبي وظيفي يعتمد على الملاحظة المباشرة للعلاقات المتبادلة بين أعيان الموجودات. ٣- أساس البنيوية أن موضوع الأدب هو الأدب ذاته، ومن ثَمَّ يتحول الأدب مثلما تتحول عملية القراءة, فيصبح الكل مجموعة من الموضوعات يحاور النص ذاته، وهذا يقودنا إلى خارج البنيوية، ومن ثَمَّ يربطها بوجوه الحداثة الأدبية والفنية من ناحية, وبتغيير النظرة المعرفية والأنطولوجية إلى العالم من ناحية أخرى، فنصل إلى مفهوم "الأدب-الفعل" بالذي يسعى إلى تحرير الكتابة من كل المواضعات, والعودة إلى لغة بريئة هي بثمابة اللحظة الأولى للخلق، وهو مفهوم يشف عن نزعة اشتراكية إنسانية طوبوية, تؤكد تمامًا ما اشتهر عن البنيوية بأنها معادية للتاريخ، وأنها ترفض اعتبار الإنسان محور الكون، وصانع القيم، وهو يرى أخيرًا ردَّ فعل للمذاهب الفلسفية السابقة, لكن لها جذورًا في هذه المذاهب١. أما تطبيق المنهج البنيوي على الشعر الجاهلي فقد قام به الباحثون: الدكتور كمال أبو ديب، والدكتور عدنان حيدر, والدكتور يورسلاف سسكوفتش, والدكتورة ماري كاترين باستون, وعدنان مكارم. أما الدكتور كمال أبو ديب: فقد نشر البحوث التالية ملتزمًا المنهج البنيوي: ١- Towards A Stuctureal Analysis of Pre- Islamic Poetry٢ قد قدَّم في هذه

стр. 205

الدراسة باكورة نتاجه البنيوي, وهو دراسة معلقة لبيد بن أبي ربيعة, وسماها: "القصيدة المفتاح". ٢- نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي١, وهو ترجمة للبحث الأول المنشور باللغة الإنجليزية. ٣- نحو منهج بنيوي في تحليل الشعر الجاهلي "معلقة امرئ القيس" "الرؤية الشبقية"٢. ٤- كان قد نشر هذه الدراسة في مجلة "أدبيات" Edebiyat. Vol, No١, ١٩٧٦ p.٣٠-٦٩. ٥- الرؤى المقنعة: نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي، وهو كتاب تحت الطبع في "الهيئة المصرية العام للكتاب" يصدر هذا العام. ولست هنا, كما فعلت سابقًا، بمهاجم أو مدافع أو محلل للعمل، ولكنني أحاول أن أعرض المنهج كما تبناه أصحابه، ثم أبدي ملاحظات انطباعية حول تطبيقه على الشعر الجاهلي. وبادئ ذي بدء يقرر الباحث أن الآراء الحديثة قد صيغت في قوالب أقل مرونة, كما أنها تشي بميل أكثر حدة إلى التعميم، كما أنها أيضًا أقلّ حساسية وتبصرًا من آراء النقاد الأوائل، وهي تصدر عن درجة من المعرفة والألفة بالشعر الجاهلي أدنى من معرفة الأوائل، ويبقى مقطع ابن قتيبة المشهور الذي حاول أن يصف فيه العملية التي طوّر بها الشاعر الجاهلي قصيدته, أحد أعمق المقاطع النقدية المتعلقة بالشعر الجاهلي حساسية وتبصرًا٣, ويستطرد الباحث فيرى أن التفسير المتضمّن في مقطع ابن قتيبة تفسير وظيفي أيضًا، وتكمن وظيفته في أنه يؤكد أن عملية نمو القصيدة ليست اعتباطية أو خيالية من منطق داخلي، بل عملية هادفة واعية، ترتبط بالبنية الكلية للقصيدة، وهو يرى أنها بهذا المعنى بنيوية، لأنها تعاين بنية القصيدة المفردة لا في عزلة عن, بل في إطار من, علاقتها ببنى قصائد أخرى في التراث. ويعترف بأن محاولته الأولى "دراسة معلقة لبيد" هي محاولة اقتراح الخطوط

стр. 206

العامة لمنهج نقدي جديد يكون أغنى مردودًا، وأعمق قدرة على إضاءة بنية القصيدة من المناهج السابقة، وهذا المنهج يفيد من النظريات النقدية الحديثة ومن البنيوية، وبشكل خاصٍّ من منهج التحلل البنيوي للأسطورة كما طوره واستخدمه كلود ليفي شتراوس. يلي ذلك تحليل تطبيقي يمثل نموذجًا لاستخدام المنهج المطوّر لواحدة من القصائد الرئيسية في التراث هي معلقة لبيد, ويؤكد من جديد بأن التحليل الذي يقدمه يمثل عملًا في طريق الإنجاز قد يستغرق تبلور نتائجه النائية عددًا من السنين، لا آراء نهائية في صياغتها. وقد اختار معلقة لبيد لاعتقاده بأن رؤياها الأساسية للوجود تحتل مكانًا مركزيًّا في الشعر الجاهلي كله، ولكونها بينويًّا، إحدى أكثر قصائد التراث تشابكًا وتعقيدًا أو غنًى، ويعد بأنه لن يتبع منهج ليفي شتراوس بشكل أعمى، بل إنه يتبنى بعض مبادئه النظرية الجوهرية، وبعض المصطلحات، وتعدل أحيانًا تعديلًا طفيفًا, وعلى العكس من شتراوس فإن الباحث يميل إلى الاعتقاد بأن عدد كبيرًا من القصائد يمتلك وحدة خبيئة تبقى لتدرك عبر عمليات تحليل تختلف درجة عمقها، ولذا فإن ذلك يعني أن تعاين كل قصيدة مفردة معاينة مستقلة متعمقة. وفي هذه الدراسة، معلقة لبيد، يصوغ نظرية حول بنية القصيدة الجاهلية, وتوصل إليها بعد تحليل مائة وخمسين قصيدة جاهلية، وملخص هذه النظرية: إن تيارين من التجارب الجذرية يشكلان ثنائية ضدية: أ- التيار الأول: وحيد البعد, يتدفق من الذات في مسار لا يتغير، مجسدًا انفجارًا انفعاليًّا يكاد أن يكون لا زمنيًّا أو خارجًا عن السيطرة لا يكبح. ب- التيار الثاني: تيار متعدد الأبعاد, أو هو بالأحرى نقطة التقاء ومصبٍّ لروافد متعددة، لتيارت تتفاعل وتتواشج, ويكتمل التبلور النهائي لهذا النمط في سياق زمني, ويجسد عملية خلق للفاعليات المعاكسة، وتحقيق التوازن بين الأضداد في الوعي. أما التيار الأول: فيجسد في سيطرة نبض واحد وحالة انفعالية مفردة, هما خصيصتان مميزتان لأنماط شعرية مثل: الهجاء، وشعر الحب، وبعض الخمريات، والقطع الوصفية الصغيرة. وأما الثاني: فيمثل مستوى من التجربة أكثر جذرية وعمقًا في دلالاته الوجودية

стр. 207

من النمط الأول، وهو مستوى الكينونة على شفار السيف التي عاناها الإنسان الجاهلي. وهنا يتواشج الاحتفاء بالحياة ويلتحم مع إحساس مأساوي بحتمية الموت, والطبيعة اللا نهائية للحياة نفسها، والعكس بالعكس، ويسمّي هذه الازدواجية بين الإيجابي والسلبي بزمن التوتر الأبدي القائم كل لحظة. ويميل التيار وحيد البعد إلى التبلور في إحدى البنيتين: بنية وحيدة الشريحة، وبينة متعددة الشرائح، أما التيار متعدد الأبعاد فيتبلور دائمًا في بنية متعدد الشرائح. ومن أجل إضاءة منهج التحليل الذي يعتبر مهمًّا في هذه الدراسة كلها, فإنه يقتصر على اكتناه وحدة الأطلال في المعلقة اكتناهًا دقيقًا, ويعلل اختياره وحدة الأطلال بعاملين هما: ١- لأنه يعتمد تصورًا مغايرًا للطرق التقليدية في تحديد القيمة الدلالية للوحدات المشكلة للقصيدة, وفي تأويل خصائصها البنيوية. ٢- لأن الشروح والتعليقات على القصيدة، بل على الشعر الجاهلي كله، قاصرة قصورًا مدهشًا؛ لأنها تتحرك على المستوى اللغوي السطحي للقصيدة، وهذه طريقة ليس في مقدروها النفاذ إلى البنية العميقة للقصيدة المفتاح بشكل خاص, أو إلى بنية الشعر الجاهلي بشكل عام. والقصيدة الأساسية التي تدور حولها الدراسة هي بنية القصيدة في القصيدة الجاهلية, لإبراز التنوع في الخطوط المضمونية بروزًا واضحًا, وليتميز مشكلًا ملمحًا يسهل إدراك كونه أحد الملامح الأساسية للقصيدة، وإن أحد المنطلقات الأساسية للتأويل المقدَّم في هذه الدراسة هو التشابه المثير الذي يمكن رصده في بنية الأسطورة, وبين بنية التيار المتعددة الأبعاد, ويطرح سؤالين؛ أولهما: هل يمكن على أساس هذا التشابه أن نتحدث عن البنية الأسطورية للتيار المتعدد الأبعاد؟ والثاني: ما النتائج التي يقود إليها تطبيق منهج لفي شتراوس في تحليل الأسطورة على التيار المتعدد الأبعاد؟ ويعترف الباحث بأن هذه المرحلة الأولى من الدراسة لا تمثّل منهجًا بنيويًّا محكمًا حرفيًّا، بل منهجًا طوره خصيصًا من أجل تحليل القصيدة؛ من حيث هي نتاج لخيال خلاق يفعل ويحقق ذاته عبر اللغة، التي يختلف دورها في الشعر اختلافًا جوهريًّا عن دورها في الأسطورة. وهذا المنهج يحتاج إلى تنقية وصقل, وقد يحتاج إلى تعديل.

стр. 208

ويطبق منهجه على ثلاث مراحل: أولها: على وحدة الأطلال، ثم على القصيدة المفتاح كلها، ثم بطريقة مقارنة على قصيدة أخرى ذات البنية متعددة الشرائح, وهو يختار "عينية أبي ذؤيب". ونستطيع أن نستخلص بعض ملاحظاته واستنتاجاته من تلك الدراسة: ١- يرفض التفسير بأن الأطلال المدمرة تعبير عن شعور عميق بالأسى والفقدان يعانيه الشاعر عندما يرى الأطلال دارسة مدمرة. ٢- يتميز قسم الأطلال بالغياب المطلق لأيّ تعبير مشحون انفعاليًّا، وتبرز الكلمة الانفعالية الأولى في نهاية هذا القسم. ٣- إن الحياة موجودة في ذلك المكان المهجور إلّا أنها اتخذت صورة حيوانية لا إنسانية، وهذه الحيوانات ليست وحشية بل مسالمة "الظباء والنعام". ٤- تنمو القصيدة كلها وتتقدَّم عبر ثنائيات ضدية ولفظية تنتشر خلال نسيجها كله. ٥- إن القصيدة متعددة الشرائح يمكن أن تقوم على إحدى الطريقتين التاليتين من التفاعل بين شرائحها المشكلة: أ- يمكن أن ترتبط الشرائح ارتباط ثنائيات ضدية خلال القصيدة كلها. ب- يمكن أن ترتبط الشرائح ارتباط بنى مفتوحة متوازية في جوهرها ذات طبيعة تكرارية، لا لغويًّا، وإنما على مستوى العلاقات التي تتألّف منها الشرائح. ٦- هنالك وفرة في المزدوجات والثنائيات الضدية على مستوى البنية اللغوية السطحية الصرف للقصيدة، "محلها ومقامها، حلالها وحرامها، جودها ورهامها، ظباؤها ونعامها، نؤيها وثمامها ... إلخ". ٧- يشكل عالم الحيوان في القصيدة سلسلة من الثنائيات الضدية بين طرفي اثنتين؛ منها ما يمثل "حيوان دون أجنحة، طائر أجنحة"، "البري المتوحش: يفترس البري المسالم: يفترس", وهذه الدوائر تشير إلى: "الرحلة والبحث عن تحقيق الذات بكل أشكالها, يرافقان بالمشقات والألم والخطر والصراع ضد قوى الدمار الطبيعية والحيوانية والإنسانية، وثَمَّة ملمح مدهش هو أنها جميعًا تبدأ الرحلة, وهي تعاني من نوعٍ ما من العاهات أو النقصان أو التشويه.

стр. 209

فالقبيلة تبدأ بالرحلة حين يموت الخصب، والمرأة تفارق الشاعر في حالة من التوتر والصد، وحمار الوحش يرحل وقد ضرب ولطم ودكم من قبل الحمر الأخرى. ٨- يقترح الباحث تطبيق الطريقة التالية على قصيدة واحدة يفترض أنها تمتلك "بنية أسطورية", وتسجل بعد ذلك في المخطط جميع اللوحات الأولية المميزة في كل وحدة مشكلة، ثم تنظم أعمدة ملائمة، خالقة هكذا "بوصفها حزمًا في العلاقات" الوحدات المكونة الإجمالية للقصيدة, وبعد ذلك ينبغي أن تحلل الوحدات الأولية وتكتنه اكتناهًا متقصيًا حذرًا من أجل أن يكشف كون أيٍّ منها تحولات لعلاقات أخرى أكثر حسية، من بين العلاقات المتعددة في القصيدة. ٩- في رأي الباحث أن ثَمَّةَ مثلين واضحين على التحولات التي تطرأ في الشعر الجاهلي؛ هما موضوعا الفخر والمديح اللذان يبدوان تحولين للقوة الخالقة للحياة في التصور الجاهلي للكون, هذه القوة التي تنسب إلى عناصر أخرى في الطبيعة. ١٠- حينما يقارن بين معلقة لبيد وعينية أبي ذؤيب يرى أن ثَمَّة فروقًا جوهرية بينهما في الرؤيا للوجود، وللثنائية الضدية الأساسية: الحياة/ الموت, ورؤيا لبيد للحياة والموت أكثر كثافة وتشابكًا وتعقيدًا, ولبيد يرى قوى معينة تشكل توسطًا بين الحياة والموت، فالتوالد يؤكد الحياة في قلب الموت, وقد ينفي الموت ويتجاوزه عبر التناغم والحب اللذين يمكن أن يوجدا، إلّا أنه نفي مؤقت. ويتساءل الباحث: هل يمكن عزو الفرق في الرؤيا بينهما إلى السياق الثقافي والفكري والاجتماعي الذي كتبت فيه كلّ من القصيدتين وكيف؟ فهما مخضرمان، لكن لبيد نظم معلقة في الجاهلية، وأبو ذؤيب نظمها في الإسلام. أيمكن أن يفسِّر الغياب المفاجئ من قصيدة أبي ذؤيب لأي إشارات إلى وحدات أكثر من وحدة الذكر -الأنثى, والأب - الابن، وتفسر حقيقة كونه لا يتصور القبيلة أو الذات الجماعية بوصفها قوة من قوى الحفاظ على الحياة, والاستمرارية في إطار انهيار القبيلة وتفككها من حيث هي وحدة للتفاعل الجماعي، والولادات، وأنظمة الإيمان، والتصورات, والحماية المتبادلة في السنين الأولى، بعد ظهور الإسلام؟

стр. 210

١١- لا يستعبد الباحث أنه بسبب إساءة تفسير مقطع ابن قتيبة قد اعتُبِرَت القصيدة وجودًا مفككًا لا يمتلك الوحدة, وأنَّها مؤلفة من جسم هو موضوعها الحقيقي، أو غرضها, ومن أجزاء خارجية يفرضها تراث شعري تقليدي صارم. ويرى أنه يجب اكتناه القصيدة من حيث هي بنية كلية دالة، تفعل وحداتها المكونة بطرقٍ يمكن اكتشافها مجسّدة طريقة فردية في معاينة الواقع, وصورة للعالم القائم في لحظة الخلق في وعي الشاعر. ١٢- يرى الباحث أن القصيدة -معلقة لبيد- لا تتحرك حركة تطور وتقدم، بل حركة تنامي عبر الانفساح والاتساع والتوازي. ١٣- يقرِّر الباحث بناء على استقراء للشعر الجاهلي أن القصيدة متعددة الأبعاد تتحرك دائمًا من اللحظة الأولى، أي: القبيلة أو الماضي إلى اللحظة الثانية، أي: الحاضر أو الأطلال، وهذا يقوده إلى تقرير أن البنية الكلية للقصيدة تقع بين قطبين من التطورات: التغير "تدبير الحياة والطبيعة، والقبيلة التي تشكل الحركة المعاكسة فتحفظ الحياة". وفي دراسته الثانية التي خصصها لمعلقة أمرئ القيس وسمَّاه: "ألرؤية الشبقية", يذكر في مقدمتها أنه حاول في بحث سابق نشره في "مجلة المعرفة، دمشق ١٩٧٨م" أن يكتنه تطبيق التحليل البنيوي على قصائد معينة, وكانت وسيلته فصل وحدات أساسية محدّدة لأكثر من قصيدة، ونظمها في جداول على حدة، ثم حلل تلك الجداول، وساعد تحليلها أولًا في تفسير وظائف الوحدات الأساسية بوصفها عناصرللبنية، وثانيًا في تقديم بعض الصياغات النظرية عن طبيعة بناء أية قصيدة تتناولها الدراسة، كما ساعد على رؤية واقع الإنسان وعالمه الذي خلق القصيدة، وخلال البحث السابق تمت دراسة متعمقة للعلاقات الجدلية بين العناصر الأساسية للبنية، والبنية نفسها، رؤية المبدع ذاته. ويربط الباحث بين الدراستين "قصيدة المفتاح", وهذه الدراسة "الرؤية الشقبية", ويؤكد على ضرورة قراءة هذا التحليل مقرونًا بالتحليل السابق، لأن قراءته منفصلًا ستؤدي إلى فهم قاصر. وتُعَدّ معلقة امرئ القيس في نظره أشهر المعلقات وأكثرها تلقيًا للإطراء، بل أكثرها إثارة للحيرة، على الأقل فيما يتعلق بخصائصها البنيوية.

стр. 211

ويحدد هدفًا مزدوجًا للدراسة, فهو من جهة يحاول أن يطبِّق على قصيدة الشبق منهجه البنيوي، بل تطويعه للتوصل إلى فهم القصيدة على نحوٍ أفضل، ومن جهة ثانية يقدم البحث بعض الصياغات النظرية لطبيعة جوانب معينة للشعر الجاهلي عمومًا، والمعلقات على وجه الخصوص. وفي معرض المقارنة بين القصيدتين يرى أنهما تجسدان اختلافًا في الرؤية؛ رؤية الواقع والإنسان والكون، حيث تقدمان لنا إجابات مختلفة عن الأسئلة الرئيسية التي واجهت الإنسان في العصر الجاهلي. والقصيدة "الشبقية" تعد مثالًا آخر على البنية المتعددة الأبعاد، كما يسميها Multi dimensional structure، وبنيتها إنما تتولّد عن التفاعل بين حركتين رئيسيتين يمكن أن يطلق عليها الكليتان الأساسيتان، وتتكون كلّ منهما من عدد من الوحدات التكوينية التي يتكوّن كل منها بدوره من عدد من الوحدات الأولية, أما الوحدة الكلية الأساسية الأولى "الحركة الأولى" فتنتظمها الأبيات "١-٤٣" في القصيدة, والوحدة الكلية الثانية "الحركة الثانية" تشتمل عليها الأبيات من "٤٤-٨٢". وتجنبًا للإطالة سنسوق بعض الملاحظ والاستنتاجات التي تضمنتها الدراسة: ١- إن الخاصية الرئيسية لبناء القصيدة، وهي أنها بنية تتولّد من جدل الثنائيات: الموت/ الحياة، الجفاف/ الطراوة، الصمت/ الضجة ... إلخ، ظلت دون ملاحظة عند الدراسين ولم يتطرقوا إلى مغزاها؛ فالقصيدة تقع وتتحرك داخل ثنائية ضدية لها أهمية جوهرية بالنسبة لمعناها، وبخاصة ثنائية سكون الأطلال واندثارها، في مقابل الحيوية الغامرة والجارفة في عاصفة المطر والسيل. ٢- يعقد مقارنة بين خصائص وحدات الأطلال في كلتا المعلقتين, وهو يأمل أن تلقي هذه المقارنة الضوء على العلاقة بين "الرؤى الجماعية والفردية" و"بين التراث والموهبة الفردية", ويوصف ذلك كله تطبيقًا ضروريًّا على مشكلات الشفهية والتأليف بالصيغ في الشعر الجاهلي. ٣- إن بدء القصيدة بفعل أمر في صيغ المثنى "قفا" إنما يحدد النغمة العاطفية في القصيدة، ويكشف عن درجة من حدة الشعور والتأكيد "للأنا" على نحو لا نجده في قصيدة "المفتاح".

стр. 212

٤- تدور القصيدة بين عناصر تعارض رئيسي: الزمن الحاضر مقابل الزمن المنقضي، وكل ما يتبقى من هذا الزمن المنقضي إنما هو مجرد ذكرى، هي افتراضًا ذكرى زمن السرور واللقيا، أما الزمن الحاضر فهو وقت النحيب والوحدة. ٥- التعارضات والثنائيات تشكل الأوتاد التي تَشُد إليها نسيج الحركة الافتتاحية في المعلقة, فثنائية حبيب/ منزل, تعكس طبيعة العلاقات بين ثنائيةٍ من أكثر الثنائيات جوهرية في المعلقة، هي بالتحديد ثنائية الحصان/ السيل، التي تشكل تعارضًا ليس على المستوى الدلالي، أو الوظيفي, بل على مستوى حي/ غير حي. ٦- ثَمَّةَ جانب يتمثَّل في أربعة تعارضات تشتمل على اتجاهات: جنوب/ شمال، شرق/ غرب, ومرتفع/ منخفض، وكلها توحي بمكان مغلق، والمعلقة تطور إلى درجة مدهشة الصور والأحاسيس ذات الطبيعة المماثلة لما تثيره فينا تلك التعارضات في الحركة الافتتاحية في المعلقة. ٧- عندما يقارن بين القصيدتين يلاحظ أن إحدى الخاصيات المحلة هي: الغياب اللافت للنظر, وهو الذي يمثل اتجاه التغيير - الحياة, لأية وحدات أساسية مهمة تنتمي إلى القصيدة الشبقية. ٨- إن وحدة الأطلال في هذه القصيدة محكومة بالموت والتغيير والجفاف والزوال أكثر من الوحدة المناظرة لها في القصيدة المفتاح. ٩- إن رؤية الحيوان في القصيدة الشبق ليست تجسيدًا لقوى التناسل واستمرارية البقاء, بل على إنها استحضار يخلق استجابة عاطفية ذات كثافة هائلة. ١٠- إن الفاعلية السابقة التي تكتسبها الحياة العاطفية والحدة الشهوانية إنما تولدان الحركة الثانية للقصيدة بأكملها, تلك الحركة التي تجسّد محاولة يائسة لاستحضار لحظات أكثر حدة للزمن المنقضي، هي لحظات تشكّل الموجة المضادة أو القوة المضادة للحياة التي يمكن أن تعمل بطريقة معاكسة عند الإحساس بالفقدان والتغيير والزوال "تجربة الشاعر مع فاطمة"، وبهذا تكون الحركة الثانية في جوهرها "بحثًا عن الزمن الضائع", وهي محاولة يائسة لنفي انقضاء الزمن وطبيعته الزائلة، والطبيعة الهشَّة للعلاقات البشرية، وللتلاقي،

стр. 213

وللعالم المستقر، وللتواصل العاطفي الحميم، وذلك عن طريق بعث تجارب الماضي الذي تبدو علاقته بالحاضر غامضة. ١١- تبدو القصيدة كما لو كانت تتألف من موضوعات مبعثرة لا علاقة بينها، يظهر قسم يصف الليل، وقسم آخر يصف الذئب، وقسم ثالث يصف الحصان, وقسم أخير يصف السيل. فكيف نربط هذه الجملة الأصلية، النموذج؟ ١٢- إن الزمن الماضي غير المتجانس، فهو ليس زمن سعادة كما نتوقعه أن يكون، والباحث يقسمه إلى "الماضي١" و"الماضي٢" و"الماضي٣" و"الماضي٤" و"الماضي٥". ١٣- يرى خاصية مهمة من الخصائص الأساسية المحيرة في الشعر الجاهلي كله، تلك هي: خلق الثوابت، وهو يرى أن "المرأة" و"الحصان" من الثوابت في قصيدة الشبق، فالمرأة هي القوة الرئيسية التي تحدث توازنًا مضادًا للعلاقات الهشَّة الموصوفة في الحركة السابقة في القصيدة, والحصان يشكل قوة توازن للوحدتين السابقتين, وهما حدة الليل ووحدة الذئب. ومن جهة نظر الباحث يكون بناء الثوابت تجليًّا أخاذًا للحنين اليائس الذي يتوق إلى إيقاف حشاشة حياة الإنسان, وعبث ما يقوم به الإنسان من سعي وجهد. ١٤- لقد ولد مرور الزمن في اللا وعي عند الشاعر الجاهلي رغبة حارقة لتجميد الزمن، وتثبته ليصبح له حضور لا ينقضي أبدًا, وإن تحويل الأشياء إلى "حجر" يعد واحدًا من أهم التحولات وأكثرها تأثيرًا في خلق الحياة, وتجسيد القوة القادرة على إنكار حتمية الموت في الشعر الجاهلي. ١٥- يكثر ظهور الثوابت كلما لجأ الشاعر إلى تصوير طبيعة الحياة الهشَّة كما تتجسد في وحدة الأطلال. ١٦- إن الشاعر حينما يصوّر المرأة والحصان على أنهما من الثوابت اللازمنية يؤكد أبدية الحافز الجنسي الذي تمثله المرأة, وأما الحصان فإنه يؤكد اللازمنية الحيوية والنشاط والإثارة التي تتولد عن "مشهد الصيد", ويجسد الحصان نوعًا من التضاد الثنائي, أي: الحيوية/ السكون, الذي يتحقق على مستويين: مستوى بنية الخصائص, ومستوى لغوي خالص.

стр. 214

١٧- حينما يحلل الباحث بنية القصيدة على المستوى الشكلي يرى أنها تتولّد عن طريق ثابتين لغويين يشكلان تعارضًا ثنائيًّا يظهر في الأمر أو النداء والأداة "وربَّ", ويرى أن القصيدة كلها تقع من الناحية اللغوية بين جملتين تتضمنان فعل أمر/ منادى، تكونان الجمل التي تتولد عنهما الوحدتان التكوينيتان الأطلال/ السيل. وهو يرى أن القصيدة جملة تتألف من أربع وحدات: أ- وحدة تتحرك على مستوى الزمن الحاضر وتصف الأطلال وانحسار الحياة فيها، وتقابل بين وحدة الاستجابات العاطفية للـ "أنا" وبين المجال الوسيط، وهي استجابة تعبر عن البعد الأخلاقي للذات الجماعية "لأبيات ١-٩", وتظهر لغويًّا في أفعال الأمر والنهي. ب- الوحدتان الثانية والثالثة تشكلان حجة مضادة, أي: موجة وموجة مضادة, وتكشف الواقع ومعارضاته، وتصعد جوهر الحدة، والمغامرة، والجنس، ولحظات مجابهة الموت، وتأسيس المطلقات، وتكون بهذا محاولة لإنقاذ الحياة من هشاشتها, والزمن من زواليته, وتتتماثل الوحدتان من حيث البنية النحوية الأساسية. ج- الوحدة الرابعة هي كالوحدة الأولى "خيالية من "ورب يوم" أو "بيت". ١٨- تتكشف في القصيدة مفارقة ضدية, هي أنه في حين أن الحدة وروح المغامرة يواجهان الهشاشة والموت ويتجاوازنهما، إلّا أنهما يحطمان الحياة، ويزيدان إبراز هشاشتها. وهذه المفارقة الضدية تتخلل القصيدة كلها وتصل إلى نقاطها الذروية في كل موضع فيها حيث تسيطر الحيوية والحدة. ١٩- في قصيدة الشبق تتحرك البنية المفتوحة بطريقة دائرية، فيتولد عن كل دائرة دائرة أخرى. ٢٠- ويحلل الباحث "بنية الصور" في القصيدة, ويحاول تحديد أنواعها وهي: الجفاف/ الطراوة، الإحساس الموجي، صورة الاختراق، الإحساس بالانغلاق "الحصار"، والإحساس بالتداخل، الإحساس بالملامسة, الصور القوسية.

стр. 215

٢١- ويلاحظ أن الرؤية الشبقية تؤكد طغيانها في القصيدة كلها من طريق بثها في القصيدة نبضًا هادرًا للقوة الحيوانية في شكل صور تستمد بشكل عام من حياة الحيوان، أو تستمد من حيوانات بعينها بصورة واضحة تغني عن فحص مفصل, أما الصور المستمدة من عالم النباتات فلا تسيطر على القصيدة. ٢٢- ويولي الباحث عنايةً للبحث في جوانب البنية الصوتية في القصيدة, ويرى أن ضدية المد/ الجزر تظهر على مستوى البنية/ الصوتية. ويذكر ملمحًا صوتيًّا يظهر في شكل "التضعيف" أو "تكرار فعلي للمصوتات, أي: الفونيمات", ويرى أن التشديد يسيطر على القصيدة سيطرة لافتة. ٣٢- ويتناول أيضًا تحليل نظام القافية في القصيدة الشبقية لارتباطها بطريقة مباشرة بالتشديد والتكرار. ويقرر أن له مغزى بنيويًّا محددًا حيث يعكس البنية الدلالية للقصيدة, ويجسد الحالة النفسية للوجود. كما يتناول جوانب من البنية الإيقاعية, ويدلل من القصيدة بوحدتي "السيل" و"الليل", ويرى تعارضًا بين هاتين الوحدتين ملحوظًا, واختلافات دقيقة بين التأليف العروضي في كلٍّ منها بالرغم من أن البحر واحد. ٢٤- ويلاحظ الباحث أساسيًّا آخرًا تدور حوله القصيدة, هو محور اللغة الزمن؛ حيث تكشف القصيدة على قدرة اللغة على تجاوز الزمن والهشاشة وحتمية اللا معنى, ويلخص العلاقة في وحدات القصيدة حيث تظهر على النحور التالي لغة الحوار: وحدة الأطلال: هشاشة وموت - توتر وحزن - لغة. وحدة عنيزة: صدّ - توتر - لغة. وحدة الليل: حزن أبدي - توتر - لغة. وحدة الذئب: ضياع وخمود الحيوية - توتر لغة. بينما لا تظهر في الوحدات التالية, وتغيب لغة الحوار: في يوم رحيل القبيلة ورحيل المرأة, وفي صورة الأطلال، وفي الوحدة الفرعية لأم الرباب وأم الحويرث، وفي يوم دراة جلجل، وفي زمن مع المرأة الحامل والمرضع، وفي وحدة "بيضة خدر", وفي وحدة الحصان، وفي وحدة السيل. ٢٥- تمثل القصيدة الشبقية مهرجانًا للحيوية والحدة الشعورية قصيدة مأساوية
следующие страницы →