← Адаб

Адаб · id 10000

الأدب الجاهلي في آثار الدارسين قديما وحديثا

عفيف عبد الرحمن

Полный текст (328 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ويحدد هدفًا مزدوجًا للدراسة, فهو من جهة يحاول أن يطبِّق على قصيدة الشبق منهجه البنيوي، بل تطويعه للتوصل إلى فهم القصيدة على نحوٍ أفضل، ومن جهة ثانية يقدم البحث بعض الصياغات النظرية لطبيعة جوانب معينة للشعر الجاهلي عمومًا، والمعلقات على وجه الخصوص. وفي معرض المقارنة بين القصيدتين يرى أنهما تجسدان اختلافًا في الرؤية؛ رؤية الواقع والإنسان والكون، حيث تقدمان لنا إجابات مختلفة عن الأسئلة الرئيسية التي واجهت الإنسان في العصر الجاهلي. والقصيدة "الشبقية" تعد مثالًا آخر على البنية المتعددة الأبعاد، كما يسميها Multi dimensional structure، وبنيتها إنما تتولّد عن التفاعل بين حركتين رئيسيتين يمكن أن يطلق عليها الكليتان الأساسيتان، وتتكون كلّ منهما من عدد من الوحدات التكوينية التي يتكوّن كل منها بدوره من عدد من الوحدات الأولية, أما الوحدة الكلية الأساسية الأولى "الحركة الأولى" فتنتظمها الأبيات "١-٤٣" في القصيدة, والوحدة الكلية الثانية "الحركة الثانية" تشتمل عليها الأبيات من "٤٤-٨٢". وتجنبًا للإطالة سنسوق بعض الملاحظ والاستنتاجات التي تضمنتها الدراسة: ١- إن الخاصية الرئيسية لبناء القصيدة، وهي أنها بنية تتولّد من جدل الثنائيات: الموت/ الحياة، الجفاف/ الطراوة، الصمت/ الضجة ... إلخ، ظلت دون ملاحظة عند الدراسين ولم يتطرقوا إلى مغزاها؛ فالقصيدة تقع وتتحرك داخل ثنائية ضدية لها أهمية جوهرية بالنسبة لمعناها، وبخاصة ثنائية سكون الأطلال واندثارها، في مقابل الحيوية الغامرة والجارفة في عاصفة المطر والسيل. ٢- يعقد مقارنة بين خصائص وحدات الأطلال في كلتا المعلقتين, وهو يأمل أن تلقي هذه المقارنة الضوء على العلاقة بين "الرؤى الجماعية والفردية" و"بين التراث والموهبة الفردية", ويوصف ذلك كله تطبيقًا ضروريًّا على مشكلات الشفهية والتأليف بالصيغ في الشعر الجاهلي. ٣- إن بدء القصيدة بفعل أمر في صيغ المثنى "قفا" إنما يحدد النغمة العاطفية في القصيدة، ويكشف عن درجة من حدة الشعور والتأكيد "للأنا" على نحو لا نجده في قصيدة "المفتاح".

стр. 212

٤- تدور القصيدة بين عناصر تعارض رئيسي: الزمن الحاضر مقابل الزمن المنقضي، وكل ما يتبقى من هذا الزمن المنقضي إنما هو مجرد ذكرى، هي افتراضًا ذكرى زمن السرور واللقيا، أما الزمن الحاضر فهو وقت النحيب والوحدة. ٥- التعارضات والثنائيات تشكل الأوتاد التي تَشُد إليها نسيج الحركة الافتتاحية في المعلقة, فثنائية حبيب/ منزل, تعكس طبيعة العلاقات بين ثنائيةٍ من أكثر الثنائيات جوهرية في المعلقة، هي بالتحديد ثنائية الحصان/ السيل، التي تشكل تعارضًا ليس على المستوى الدلالي، أو الوظيفي, بل على مستوى حي/ غير حي. ٦- ثَمَّةَ جانب يتمثَّل في أربعة تعارضات تشتمل على اتجاهات: جنوب/ شمال، شرق/ غرب, ومرتفع/ منخفض، وكلها توحي بمكان مغلق، والمعلقة تطور إلى درجة مدهشة الصور والأحاسيس ذات الطبيعة المماثلة لما تثيره فينا تلك التعارضات في الحركة الافتتاحية في المعلقة. ٧- عندما يقارن بين القصيدتين يلاحظ أن إحدى الخاصيات المحلة هي: الغياب اللافت للنظر, وهو الذي يمثل اتجاه التغيير - الحياة, لأية وحدات أساسية مهمة تنتمي إلى القصيدة الشبقية. ٨- إن وحدة الأطلال في هذه القصيدة محكومة بالموت والتغيير والجفاف والزوال أكثر من الوحدة المناظرة لها في القصيدة المفتاح. ٩- إن رؤية الحيوان في القصيدة الشبق ليست تجسيدًا لقوى التناسل واستمرارية البقاء, بل على إنها استحضار يخلق استجابة عاطفية ذات كثافة هائلة. ١٠- إن الفاعلية السابقة التي تكتسبها الحياة العاطفية والحدة الشهوانية إنما تولدان الحركة الثانية للقصيدة بأكملها, تلك الحركة التي تجسّد محاولة يائسة لاستحضار لحظات أكثر حدة للزمن المنقضي، هي لحظات تشكّل الموجة المضادة أو القوة المضادة للحياة التي يمكن أن تعمل بطريقة معاكسة عند الإحساس بالفقدان والتغيير والزوال "تجربة الشاعر مع فاطمة"، وبهذا تكون الحركة الثانية في جوهرها "بحثًا عن الزمن الضائع", وهي محاولة يائسة لنفي انقضاء الزمن وطبيعته الزائلة، والطبيعة الهشَّة للعلاقات البشرية، وللتلاقي،

стр. 213

وللعالم المستقر، وللتواصل العاطفي الحميم، وذلك عن طريق بعث تجارب الماضي الذي تبدو علاقته بالحاضر غامضة. ١١- تبدو القصيدة كما لو كانت تتألف من موضوعات مبعثرة لا علاقة بينها، يظهر قسم يصف الليل، وقسم آخر يصف الذئب، وقسم ثالث يصف الحصان, وقسم أخير يصف السيل. فكيف نربط هذه الجملة الأصلية، النموذج؟ ١٢- إن الزمن الماضي غير المتجانس، فهو ليس زمن سعادة كما نتوقعه أن يكون، والباحث يقسمه إلى "الماضي١" و"الماضي٢" و"الماضي٣" و"الماضي٤" و"الماضي٥". ١٣- يرى خاصية مهمة من الخصائص الأساسية المحيرة في الشعر الجاهلي كله، تلك هي: خلق الثوابت، وهو يرى أن "المرأة" و"الحصان" من الثوابت في قصيدة الشبق، فالمرأة هي القوة الرئيسية التي تحدث توازنًا مضادًا للعلاقات الهشَّة الموصوفة في الحركة السابقة في القصيدة, والحصان يشكل قوة توازن للوحدتين السابقتين, وهما حدة الليل ووحدة الذئب. ومن جهة نظر الباحث يكون بناء الثوابت تجليًّا أخاذًا للحنين اليائس الذي يتوق إلى إيقاف حشاشة حياة الإنسان, وعبث ما يقوم به الإنسان من سعي وجهد. ١٤- لقد ولد مرور الزمن في اللا وعي عند الشاعر الجاهلي رغبة حارقة لتجميد الزمن، وتثبته ليصبح له حضور لا ينقضي أبدًا, وإن تحويل الأشياء إلى "حجر" يعد واحدًا من أهم التحولات وأكثرها تأثيرًا في خلق الحياة, وتجسيد القوة القادرة على إنكار حتمية الموت في الشعر الجاهلي. ١٥- يكثر ظهور الثوابت كلما لجأ الشاعر إلى تصوير طبيعة الحياة الهشَّة كما تتجسد في وحدة الأطلال. ١٦- إن الشاعر حينما يصوّر المرأة والحصان على أنهما من الثوابت اللازمنية يؤكد أبدية الحافز الجنسي الذي تمثله المرأة, وأما الحصان فإنه يؤكد اللازمنية الحيوية والنشاط والإثارة التي تتولد عن "مشهد الصيد", ويجسد الحصان نوعًا من التضاد الثنائي, أي: الحيوية/ السكون, الذي يتحقق على مستويين: مستوى بنية الخصائص, ومستوى لغوي خالص.

стр. 214

١٧- حينما يحلل الباحث بنية القصيدة على المستوى الشكلي يرى أنها تتولّد عن طريق ثابتين لغويين يشكلان تعارضًا ثنائيًّا يظهر في الأمر أو النداء والأداة "وربَّ", ويرى أن القصيدة كلها تقع من الناحية اللغوية بين جملتين تتضمنان فعل أمر/ منادى، تكونان الجمل التي تتولد عنهما الوحدتان التكوينيتان الأطلال/ السيل. وهو يرى أن القصيدة جملة تتألف من أربع وحدات: أ- وحدة تتحرك على مستوى الزمن الحاضر وتصف الأطلال وانحسار الحياة فيها، وتقابل بين وحدة الاستجابات العاطفية للـ "أنا" وبين المجال الوسيط، وهي استجابة تعبر عن البعد الأخلاقي للذات الجماعية "لأبيات ١-٩", وتظهر لغويًّا في أفعال الأمر والنهي. ب- الوحدتان الثانية والثالثة تشكلان حجة مضادة, أي: موجة وموجة مضادة, وتكشف الواقع ومعارضاته، وتصعد جوهر الحدة، والمغامرة، والجنس، ولحظات مجابهة الموت، وتأسيس المطلقات، وتكون بهذا محاولة لإنقاذ الحياة من هشاشتها, والزمن من زواليته, وتتتماثل الوحدتان من حيث البنية النحوية الأساسية. ج- الوحدة الرابعة هي كالوحدة الأولى "خيالية من "ورب يوم" أو "بيت". ١٨- تتكشف في القصيدة مفارقة ضدية, هي أنه في حين أن الحدة وروح المغامرة يواجهان الهشاشة والموت ويتجاوازنهما، إلّا أنهما يحطمان الحياة، ويزيدان إبراز هشاشتها. وهذه المفارقة الضدية تتخلل القصيدة كلها وتصل إلى نقاطها الذروية في كل موضع فيها حيث تسيطر الحيوية والحدة. ١٩- في قصيدة الشبق تتحرك البنية المفتوحة بطريقة دائرية، فيتولد عن كل دائرة دائرة أخرى. ٢٠- ويحلل الباحث "بنية الصور" في القصيدة, ويحاول تحديد أنواعها وهي: الجفاف/ الطراوة، الإحساس الموجي، صورة الاختراق، الإحساس بالانغلاق "الحصار"، والإحساس بالتداخل، الإحساس بالملامسة, الصور القوسية.

стр. 215

٢١- ويلاحظ أن الرؤية الشبقية تؤكد طغيانها في القصيدة كلها من طريق بثها في القصيدة نبضًا هادرًا للقوة الحيوانية في شكل صور تستمد بشكل عام من حياة الحيوان، أو تستمد من حيوانات بعينها بصورة واضحة تغني عن فحص مفصل, أما الصور المستمدة من عالم النباتات فلا تسيطر على القصيدة. ٢٢- ويولي الباحث عنايةً للبحث في جوانب البنية الصوتية في القصيدة, ويرى أن ضدية المد/ الجزر تظهر على مستوى البنية/ الصوتية. ويذكر ملمحًا صوتيًّا يظهر في شكل "التضعيف" أو "تكرار فعلي للمصوتات, أي: الفونيمات", ويرى أن التشديد يسيطر على القصيدة سيطرة لافتة. ٣٢- ويتناول أيضًا تحليل نظام القافية في القصيدة الشبقية لارتباطها بطريقة مباشرة بالتشديد والتكرار. ويقرر أن له مغزى بنيويًّا محددًا حيث يعكس البنية الدلالية للقصيدة, ويجسد الحالة النفسية للوجود. كما يتناول جوانب من البنية الإيقاعية, ويدلل من القصيدة بوحدتي "السيل" و"الليل", ويرى تعارضًا بين هاتين الوحدتين ملحوظًا, واختلافات دقيقة بين التأليف العروضي في كلٍّ منها بالرغم من أن البحر واحد. ٢٤- ويلاحظ الباحث أساسيًّا آخرًا تدور حوله القصيدة, هو محور اللغة الزمن؛ حيث تكشف القصيدة على قدرة اللغة على تجاوز الزمن والهشاشة وحتمية اللا معنى, ويلخص العلاقة في وحدات القصيدة حيث تظهر على النحور التالي لغة الحوار: وحدة الأطلال: هشاشة وموت - توتر وحزن - لغة. وحدة عنيزة: صدّ - توتر - لغة. وحدة الليل: حزن أبدي - توتر - لغة. وحدة الذئب: ضياع وخمود الحيوية - توتر لغة. بينما لا تظهر في الوحدات التالية, وتغيب لغة الحوار: في يوم رحيل القبيلة ورحيل المرأة, وفي صورة الأطلال، وفي الوحدة الفرعية لأم الرباب وأم الحويرث، وفي يوم دراة جلجل، وفي زمن مع المرأة الحامل والمرضع، وفي وحدة "بيضة خدر", وفي وحدة الحصان، وفي وحدة السيل. ٢٥- تمثل القصيدة الشبقية مهرجانًا للحيوية والحدة الشعورية قصيدة مأساوية

стр. 216

تتشكل في لحظة توتر مهيمن, وتكمن هذه الطبيعة المسأوية في رؤيتها للقوة المضادة القادرة على مجاوزة الموت والتغير, ولكن هذه القدرة لا تتحقق إلّا عن طريق حدَّة العاطفة والاستجابة الحسية, فبواسطتها يستطيع الإنسان التغلب على قدره، ويستطيع بواسطة الحيوية التي تحققها الذاكرة أن يتخطَّى هشاشة التجربة. ٢٦- أما الإنسان في القصيدة الشبقية فلا يرتبط بالإنسان عمومًا، ولا بعالم الحيوان، والحيوان رمز للحيوية المجرَّدة من أي تعاطف نحو الشاعر, أما النبات فيستخدم لتجسيد أشكال الجمال وللتعبير عن القيم الجمالية الجذابة، أو أنها تستخدم كشيء يدرك بالحواس، ويشكل عناصر تساعد على الحدة الحسية، لهذا السبب لا يصبح لها وظيفة رمزية. ٢٧- وفي معرض المقارنة بين القصيدة الشبقية والقصيدة المفتاح من حيث مستوى التعارضات التي تتولّد عنها الرؤية المجردة في كل منهما, إلى جانب مستوى الوحدات التكوينية والبنى التي تسجد هذه الرؤية, فالمفتاح يتحرك في إطار تعارضات هي: الموت/ الحياة، الجفاف/ الطراوة، الجذب/ الخصب، العرضي/ الدائم، والانقطاع/ الاستمرارية. وتهتم القصيدة بالخصب والتناسل؛ لأنهما قوى الاستمرار والبقاء، ومن ثَمَّ اهتمَّت بالذرية القبيلة وقيمها, أما القصيدة الشبقية فعلى النقيض, فتعارضاتها: الهشاشة/ الصلابة، ما هو معرض للزمن/ لا زمني، خمود الحيوية/ الحيوية، النسبي/ المطلق, السكون/ الحركة، التأملي/ العاطفي. ولهذا السبب تغيب الذرية والقبيلة وقيمها، وتظهر الرؤية فردية إلى حد كبير. ٢٨- والخلاصة أن القصيدتين تجسدان رؤيتين متضادتين للواقع ومتمايزتين. أما العمل البنيوي الثالث للدكتور كمال أبو ديب فهو دراسة موسَّعة شملت أكثر من ستمائة وخمسين نصًّا شعريًّا وردت في جمهرة أشعارة العرب والمفضليات والأصمعيات ودواوين الشعراء: امرئ القيس، وزهير، وطرفة، والأعشى، وعروة، وعامر بن الطفيل، وعنترة. أما مسوغاغ عمله الموسع هذا فهي: ١- ضمور العمل التحليلي في دراسة الشعر الجاهلي ومحدودية المادة التي

стр. 217

استندت إليها الأحكام التي أطلقت عليه منذ ابن قتيبة حتى اليوم, فوصف ابن قتيبة لبنية القصيدة لا يصدق إلّا على عدد ضئيل من النصوص الجاهلية, وإن التصور الشائع لطغيان الأطلال في الشعر الجاهلي لا أساس له من الصحة. ٢- استمرار تكرارنا أحكامًا قاصرة ورثناها عن دارسين ورثوها بدورهم في صيغتها القاصرة هذه عن أسلافهم. ويحاول الباحث في مقدمة دراسته الشاملة أن يحدد أهدافه, فيذكر أن البحث يحاول أن يموضع دراسة الشعر الجاهلي على مستوى من التحليل يرتفع عن المستويات التارخية والتعليقية والتوثيقية أو اللغوية والبلاغة والانطباعية التي تتم عليها معظم الدراسات له الآن. يهدف البحث من خلال ذلك كله إلى تطوير منهج تناول لهذا الشعر يغذيه وعي نظري عميق بالأسئلة التحليلة التي تطرحها الدراسات المعاصرة، وبالتصورات التي تنطلق منها, والإشكاليات التي تثيرها. أما الذي يسهم في تشكيل المنظور الذي يعاين منه الشعر الجاهلي في هذا البحث فهو الإنجازات التي تحققت في خمسة تيارات بحثية متميزة في هذا القرن: ١- التحليل البنيوي للأسطورة كما طوره كلود ليفي - شتراوس, في الأنثروبولوجيا البنيوية. ٢- مناهج تحليل الأدب المتشكلة في إطار معطيات التحليل اللغوي والدراسات اللسانية والسيميائية وبشكل خاص عمل ردمان ياكوببس والبنيويين الفرنسيين. ٤- المنهج النابع من معطيات أساسية في الفكر الماركسي الذي أولى عناية خاصة لاكتناه العلاقة بين العمل الأدبي والبنى الاجتماعية، ولعل لوسيان غلودمان أن يكون أبرز النقاد الذين أسمهوا في تطوير هذا التناول. ٥- تحليل عملية التحليل الشفهي في الشعر السردي، ودور الصيغة Formula في آلية الخلق كما طوَّر ملمان باري وألبرت لوردز. ويحذر الباحث من الظن أن بحثه تطبيق لمناهج جاهز, بل إنه لا يتبنى الأطروحات النظرية لهذه المناهج جميعًا, وكل ما يعنيه أن البحث يتمّ في إطار تاريخي من الوعي النظري الدقيق لهذه المناهج بما تثيره من إشكاليات, وما تحققه

стр. 218

من إنجازات, وهذه التيارات جميعًا تظل ذات حضور فعلي على مستوى الوعي النقدي في عملية التحليل التي يؤديها, وفيما يبلوره من أطروحاتٍ إما بصفة تكوينية إيجابية أو بصفة تعارضيه. ويعترف الباحث بأنعمل ليفي - شتراوس, هو الألصق بالمشروع الذي ينميه؛ لأن معطياته التحليلية ومصطلحاته قد لعبت دورًا تأسيسيًّا في تطويره للمنهج البنيوي، بالرغم من أن دراسة الباحث للشعر ودراسة شتراوس للأسطورة على درجة من التمايز تجعل المقارنة بينهما أمرًا ضروريًّا، أما عمل "بروب" فإن أهميته تنبع من إسهامه في بلورة مفهومي البنية والتحولات إسهامًا متميزًا. ويرجع الباحث صلته بالمنهج في النصف الثاني من الستينات، ثم مرت سنوات من التأمل والتطوير البطيء إلى أن تبلورت صيغة أولية للمنهج؛ حيث درس معلقتي لبيد وأمرئ القيس اللتين عرضنا لهما، ولكن العمل بدا أنه بحاجة إلى سنوات أخرى من العمل قبل أن يصل إلى صيغة مكتملة. وفي الوقت الذي يكشف عن إشكاليات في الشعر الجاهلي لم تتميزها المناهج الأخري، ويقترح حلولًا لها، فإنه يثير إشكاليات جديدة لا يسعى دائمًا إلى حلها, بل يكتفي ببلوراتها تاركًا لأبحاث أخرى في المستقبل مهمة معالجتها. والبحث بهذه الصفة مشروع مستمر لا يستعجل الوصول إلى نهاية, بل يسعى إلى تطوير وسائل التحليل وزيادتها رهافة ودقة وكفاءة, واستكمال العمل الضروري الجاد لتطوير المنهج، ولتحقيق فهم أعمق غورًا وأكثر شمولية للشعر الجاهلي, وللشرط الإنساني في الحياة الجاهلية. وهو يرفض التفكير الجزئي القاصر، والعمل الانطباعي المتعجل, والمعالجة التقليدية المتجمدة عند حدود ما قدَّمه المعلقون والشراح وغيرهم. ويبدو من استعراض فهرس موضوعات الكتاب، موضوع الدراسة هنا، أن الباحث قد ضمنه دراستيه السابقتين، وأنهما كانا كما ذكر محاولات أولية لاكتناه المنهج، وتطويره قد تَمَّ في هذا العمل الأخير. ولا أرى ضيرًا في ذكر موضوعات الكتاب؛ لأنها تلقي ضوءًا ساطعًا على منهج الباحث، وتوضح الخطوط العريضة للمنهج البنيوي الذي يتبناه.

стр. 219

الرؤى المقنعة "نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي" البنية والرؤيا: ١- مقدمة. ٢- تمهيد لدراسة الأطر التصويرية والمنهجية: فلاديمير بروب وبنية حكايات الروايات. ٣- الفصل الأول: أبعاد أولى للتحليل البنيوي. القصيدة المفتاح: ٤- الفصل الثاني: الرؤية الشبقية: معلقة امرئ القيس. ٥- الفصل الثالث: البنية متعددة الشرائح ذات التيار وحيد البعد, عينية أبي ذؤيب: رعب اليقين. ٦- الفصل الرابع: البنية وحيدة الشريحة ذات التيار وحيد البعد. امرئ القيس: عبثية الفعل ونعمة الإياب. ٧- الفصل الخامس: أن وأن لا: ١- معلقة عنترة: شرخ البطولة والجريح. ٢- معلقة طرفة: السهم في لحظة الفزع. ٨- الفصل السادس: تأملات في المنابع التصويرية. عينية أبي ذؤيب. قصيدة أبي زبيد الطائي " ... طول الخلود". عميرة بن جعل "المفضلية ٦٤". ٩- الفصل السابع: استجابات جذرية. ١- الفصل الثامن: البنى المولدة ومفهوم التحولات I. البنى المولدة ومفهوم التحولات II. قصيدة المدح: اكتناه أولى.

стр. 220

١١- الفصل التاسع: البنية المضادة. البنية المضادة I: بنية الحصار الزمني. البنية المضادة II: القصيدة خارج الزمن. البنية المضادة III: التجربة الانفجارية. ١٢- الفصل العاشر: البنية والزمن. زمن النص. ١٣- الفصل الحادي عشر: آفاق للارتياد. في مكونات النص: الصورة الشعرية. ١٤- الفصل الثاني عشر: إشارات ختامية: النصوص المدروسة. ملحق: الأصمعيات. المفضليات. الجمهرة، ديوان الأعشى. أما المحاولة فهي محاولة لتأسيس نمط من البحث في الشعر الجاهلي, يمكن الوثوق بالنتائج التي يصلها علميًّا والاستناد إلى ما تبلوره من معطيات, وذلك بتوسيع نطاق المادة المدروسة وإخضاعها لمنهج يجمع بين العمل الإحصائي الشامل وبين العمل التحليلي الدقيق. أما النتائج فكانت تجاوز الأحكام التقليدية التي نبعت من مادة محدودة جدًا لا تتجاوز في كثير من الأحيان المعلقات وعددًا من القصائد المشهورة للشعراء البارزين. ومن النتائج أيضًا مفهوم البنى التوليدية وعملية التحولات التي تخضع لها, ومنها التصور الجديد لوجود دائرتين متعارضتين في الشعر الجاهلي هما: دائرة الثقافة المركزية والثقافة المضادة. ولكن أهم النتائج أحداثًا للمفاجأة, ففي الوهم الذي علق بأذهاننا قرونًا طوالًا عن طغيان الأطلال في الشعر الجاهلي. وكذلك أن ثَمَّة دلالات عقائدية "أيديولوجية" وفنية لورود مثل هذه النصوص في مجموعات معينة دون أخرى, ولدى بعض الشعراء دون غيرهم. أما الدكتور عدنان حيدر فقد نشر دراسة في جزئين في مجلة Edebiyat the Mu'allaqa of Imru' al - Qays: Its Structure and Meaning في العدد

стр. 221

الثاني ١٩٧٧, ص٢٢٧-٢٦١, وفي العدد الثالث ص٥١-٨١, وهي محاولة بنيوية جادة. وأما الباحث الثالث فهو Mary Catherine Balteson التي نشرت كتابًا بعنوان: Structural Continuity In Poetry: Alinguistic study of Five Mouton and Co the Hague, ١٩٧٠. وهي دراسة غلب عليها الجانب التاريخي والتقليدي، ولم تستطع الباحثة أن تنفذ إلى العمق, بل ظلت الدراسة أقرب إلى السطحية، وربما كان ذلك بسبب عدم فهم طبيعة العقلية العربية التي أنتجت هذا الشعر، والذي أدى إلى عدم فهم العلاقات داخل النص الشعري.

стр. 222

المنهج الاجتماعي: إن دراسة العلاقة بين الأدب والمجتمع قديمة قدم فكرة المحاكاة عند اليونان "أفلاطون وأرسطو", لكنها دخلت في القرن العشرين آفاقًا جديدة جعلتها مدار بحثٍ بين كثير من المهتمين بالأدب ودارسيه من الذين لم يرضوا عمَّا قيل في هذا المضمار منذ أفلاطون حتى أساطين النقد الاجتماعي، بحيث التقى الناقد الخلاق بمنهجه وبصيرته وحساسيته الأدبية، بدارس التاريخ الأدبي بمعرفته الوضعية وأساليبه التصنيفية، بعالم الاجتماع بعمليته والمعايرية ودراساته الميدانية. وكان التقاؤهم ينطوي على محاولة جادة للوصول إلى فهم أعمق وأخصب للظاهرة الأدبية المعقدة بأبعادها الذاتية والمجتمعية. وإن أقدم تناول مباشر حاول رسم بناء نظري وفلسفي للعلاقة بين الأدب والمجتمع يعود إلى الفكر الإيطالي فيكون "١٦٦٨-١٧٧٤م" في كتابه المشهور "مبادئ العلم الجديد", الذي ضمَّنه نظريته الفلسفية والحضارية المعروفة بنظرية الدورة التاريخية، وبلوْرَ فيها فهمه النابع لدور الإنسان في خلق عالمه الاجتماعي وعلاقاته ومؤسساته, ومن ثَمَّ فنونه الإبداعية، وضرورة تحليل هذا كله بمصطلح علمي مادي وليس بمصطلح لاهوتي أو كنسي, وأقام "فيكو" على هذه الأرضية العلمية أوّل محاولة منظمة للربط بين أشكال التعبير الأدبي وطبيعة الواقع الاجتماعي. وجاءت بعده مدام دي شتال "١٧٦٦-١٨١٧" فألفت كتابًا بعنوان: "تناغم الأدب مع المؤسسات الاجتماعية":١٨٠٠م" استعانت فيه بمفاهيم مونتسيكو "١٦٨٩-١٧٥٥" الاجتماعية, وببعض آراء معاصرها الألماني هيردر "١٧٤٤-١٨٠٣م" التي تقول بأن "كل عمل أدبي يتغلغل في بيئة اجتماعية

стр. 223

وجغرافية ما، حيث يؤدي وظائف محددة بها، ومن ثَمَّ لا حاجة إلى أيّ حكم قيمي، فكل شيء وجد لأنه يجب أن يوجد". وجاء هيبوليت تين "١٨٢٨-١٨٩٣" ليطوّر هذه الفكرة من بعدها ويستفيد من التقدم الذي أحرزته النظرية الاجتماعية منذ مونتسكيو حتى أوجست كنت "١٧٩٨-١٨٥٧م". وقد جهد تين ليطور نظرية علمية كاملة للأدب، وليخضع الأدب والفن لطرائق البحث التي وظَّفت في العلوم الطبيعية حتى دفعت الكثيرين إلى اعتباره المؤسس الأول لعلم اجتماع الأدب، قد أضاف إلى بعدي العصر والواقع الاجتماعي بعدًا جديدًا هو الجنس أو العرق، وأصبح الثالوث "البيئة والجنس واللحظة التاريخية" هو الذي يفهم العمل الأدبي على أساسها فهمًا كاملًا. ويمكن تلخيص العوامل الثلاثة في عنصر جوهري واحد هو "البيئة الفاعلة المتحركة المشروطة بالزمن من ناحية, وبالطبيعة الذاتية للمبدع من ناحية ثانية". وفي الوقت نفسه كان معاصره كارل ماركس "١٨١٨-١٨٨٣م" يحاول صياغة فلسفة كاملة لمفهوم البيئة، ولعلاقة الإنسان بها وموقفه منها، من منطلق مادي جدلي, وكان من الطبيعي أن تؤدي هذه الثورة الفلسفية إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الأدب والواقع الاجتماعي من خلال منهجها الجديد في الدرس والتحليل, وكان لإعادة النظر تلك فضل كبير في صياغة الكثير من التساؤلات الجوهرية الهامة التي لا تزال حتى اليوم مدار بحث بين كثير من كُتَّاب هذه الثورة الفلسفية الجديدة، ومن المعادين لها على السواء، والتي فتحت آفاقًا ثرية من البحث والاستقراء. ومن أهم هذه التساؤلات: ما طبيعة العلاقة بين البنى الاجتماعية والاقتصادية التحتية والبنى الفكرية والإبداعية الفوقية؟ ثم حوّر التساؤل إلى: ما دور الوجود الاجتماعية في تحديد الوعي؟ وما فاعلية الوعي في عملية التغيير الاجتماعي؟ وإذا كانت معظم المحاولات المبكرة لاستكناه أبعاد العلاقة بين الأدب والمجتمع تنطلق من افتراضين أساسيين هما: أن هناك علاقة حقًّا, وأن المطلوب هو تحديد طبيعتها، وأن الأدب يزودنا بنوع معين من المعرفة أو البصيرة بالواقع الذي صدر عنه, ويركز اهتمامه على علاقة هذه المعرفة بالصور الأخرى التي تقدمها مختلف المعارف الإنسانية عن المجتمع، فإن الشكلية في جوهرها نقص لهذا

стр. 224

المنطلق، ورفض لأن تحكم الفرضيات المسبَّقة عملية الاستقراء النقدية المهمة تلك, فقد بدأت المدرسة الشكلية الروسية في أوائل هذا القرن بتركيز عنيد على الجوهر الداخلي للعمل الأدبي. وقد بدأ الشكليون بعزل الجوهر نفسه, وبتخليص موضوع دراستهم الخاص من مختلف الموضوعات والمناهج الأخرى، وذلك من خلال دراسة منظمة لما يدعوه جاكوبسون بالأدبية, أي: العناصر المميزة للأدب نفسه. إن علاقة الأدب بالمجتمع أكثر تعقيدًا وتركيبًا مما صورتها به التناولات التقليدية التي درات في فلك الرؤى الاجتماعية المختلفة؛ لأنها ليست علاقة قائمة على أن الأدب يعكس أو يعلق على الواقع، أو حتى بين عناصره غير المتجانسة أو المتضادة، ولكن على أن الأدب يستهدف خلق علاقة مغايرة كيفيًّا للعلاقات المألوفة بين الإنسان والعالم، علاقة تسمح بتجديد إدراك الإنسان الحسي أو الكلي لنفسه وللعالم على السواء. وهذا لا يتأتَّى دون علاقة عميقة مرهفة ومعقَّدة معًا بين الأدب والمجتمع، علاقة من نوع خاص جدًّا، يهتك ألفة الإنسان بالعالم دون أن يفقده اتساقه, أو يشعره بالغربة فيه, أو العجز من فهمه, والتعامل معه, ولكن هذه العلاقة الجديدة لم يفد منها إلّا دعاة البنائية. وقد أضاءت اكتشافات العالم اللغوي "سوسير" الكثير من الموضوعات والنشاطات الإنسانية, وتقوم على فكرة أنّ علم اللغة مفيد في الظواهر الثقافية الأخرى على مفهومين جوهريين: أولهما: أن الظواهر الاجتماعية والثقافية ليست مجرد مدركات وأحداث ذات معنى ودلالة، ليست إشارات، وثانيهما: أنه ليس ثمة جوهر لهذه الظواهر؛ لأن ما يحددها هو شبكة دقيقة من العلاقات ذات الدلالة بصورة تمكن الناقد من البعد عن التهويمات الانطباعية. وقد خلص أحد الباحثين١ إلى مفاهيم أساسية في النقد الأدبي الاجتماعي هي: ١- التعامل مع الأدب بوصفه نظامًا اجتماعيًّا. ٢- جدلية العلاقة بين العمل الأدبي والواقع الاجتماعي من حيث التأثير والتأثر.

стр. 225

٣- إفساح المجال للأدب الشعبي لما يتضمنه من أبعاد اجتماعية وبواعث جماعية. ٤- إقامة توازن بين الذاتي والموضوعي في النظر إلى الواقعية الأدبية. وقاده هذا إلى تحديد المداخل النظرية التالية للنقد الاجتماعي: ١- المدخل الأميريغي: ويستهدف دراسة الواقعة الأدبية بما تشتمل عليه من جوانب إنتاجية، يدخل فيها العمل الأدبي والناشر وجمهور القراء. ٢- المدخل الجدلي: ويدخل من فكرة أن عملية الإنتاج الأدبي والأيديولوجي هي جزء لا يتجزأ من العملية الاجتماعية العامة. ٣- المدخل البنائي التوليدي: ويتعلق بكيّف أن العناصر التاريخية والخصائص الفردية تشكل في تفاعلها وجدلها جوهر المنهج الإيجابي لدراسة الأدب والتاريخ. ٤- المدخل السيميولوجي: ويقوم في إطار الحركة البنائية, فيزودها بالأسس التي يمكن عن طريقها عد العمل الأدبي محققًا لنظام من الرموز الإشارية. ٥- المدخل الوظيفي: وينحو إلى تعيين العناصر الاجتماعية في العمل الأدبي على أساس مفاهيم علم الاجتماع، كما يحصر على إظهار دلالات مواقف الشخصيات وربطها بالظروف الاجتماعية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا إلى أي حد يستوعب المنهج الاجتماعي في النقد الظاهرة الأدبية؟ ويجيب الباحث نفسه بأن المنهج متمم لمناهج أخرى وليس بديلًا لها، بل هو أداة تعين على منهج نقدي أدبي متكامل. وأما مجاله فقد اتجه هذا المنهج في الأغلب الأعم إلى دراسة الأعمال الروائية, وهو يركز على محتوى الأعمال، وقد لا يتعمَّق في دراسة العلاقات اللغوية المكونة للعمل الأدبي. ومن الباحثين الذين نهجوا هذا المنهج أو قاربوه في دراستهم للشعر الجاهلي: أحمد سويلم في كتابه "شعرنا القديم: رؤية عرية"١، وإحسان سركيس في كتابه "مدخل إلى الأدب الجاهلي"٢ وحسين مروة في "النزعات المادية في

стр. 226

الفلسفة العربية الإسلامية ج١، ص١٧٥-٣٢٦"١, ويوسف اليوسف في عملين: "مقالات في الشعر الجاهلي"٢, و"بحوث في المعلقات"٣. ويقرر أحمد سويلم في مدخل بحثه بأن الشعر نشاط اجتماعي بالدرجة الأولى، والشاعر بشر يعيش مع البشر، يؤثر ويتأثر بالمجتمع، ومن ثَمَّ فإن ظروف نشأة القصيدة ظروف اجتماعية، وتحمل الخبرة السابقة، وتبعث خبرة جديدة, ويكنّ الحس الاجتماعي العام في أدق الصور الذاتية للشعر٤, وينعي على الباحثين أنهم جهدوا أنفسهم في تصيّد أخطاء الشعراء بدلًا من استخراج كنوز الشعر العربي الذي يتجلّى فيه الإبداع بأبعاده الاجتماعية والجمالية والتنبؤية٥. ونتيجة لذلك حبس الشعر العربي في قفص الرؤية النقدية القاصرة، وحرم النظرة العادلة, وإن نظرة عادلة متأنية إلى شعرنا القديم كفيلة بتصحيح تلك المفاهيم القاصرة, ورده إلى إطارات الإبداع الفني الأصيلة، ونقله إلينا وجهًا يحمل نداء الحياة المعاندة في لهب الصحراء، مؤكدًا واقعيته الواعية والتزامه الفني المحض، ودوره الأصيل في المجتمع في مواجهته رتابة الحياة٦. ويقرر هدفه من محاولته هذه ودراسته, إنما هو اكتشاف جوانب تراثنا الحقيقية المعبرة عن موقفه الفني والاجتماعي, ومجاله هو أقدم عصرين عرفهما الشرع العربي: العصر الجاهلي والعصر الإسلامي، اختار العصر الجاهلي لأنه يمثل بداية الشعر العربي، وأما العصر الإسلامي فلأنَّ النقاد أو بعضهم جعلوا منه امتدادًا للعصر الجاهلي دونما اعتراف بالتطوّر الذي طرأ عليه بسبب تغير الواقع الاجتماعي٧. أما مجال دراسته: فقد كان امرأ القيس وعنترة "الشعر بين السادة والعبيد", وقد رأى أن بكاء امرئ القيس أمام الديار لم يكن بكاء يأس وموت, وإنما هو حزن

стр. 227

شفاف تتجلى فيه الحياة بآلامها وآمالها، بواقعها المرير وأحلامها المنتظرة، فهو حزن مرهف مبدع عميق يهز الوجدان ويسموا بالعواطف في بيئة قلوبها صخر، ووجدانها موت وصلابة١. وأما عنترة فلم ينس أنه كان يومًا عبدًا في مجتمع السادة، ولكنه لم يترجمها عدوانًا على الذين سلبوه حريته زمانًا طويلًا، ولا حوَّلها سلبًا ونهبًا مستندًا إلى قوته، لكنه ضرب المثل للسادة أنفسهم كيف يكون السيد، وانعكس ذلك في شعره بأبيات تؤكد ذلك المسلك الكريم٢. وأما المجال الثاني الذي فيه تطبيق على منهجه فهُمْ الصعاليك "شعراء متمردون"، فقد واكب الشعر تلك الأحداث الاجتماعية الكبيرة، بل عدَّه الكثيرون ثورة الفن الدائمة في مواجهة التخلف، والسجل الباقي للوعي البشري, ولم يكن الشعر العربي غريبًا عن الواقع العربي، ولم يتخاذل، ولم يعتزل متواريًا هاربًا، بل واكب عصره حساسية ونبضًا، مرتبطًا بواقعه وقضاياه، ومكثفًا الخبرة الشعورية والفنية بما بلغ التجربة الإنسانية, وأصلها في صورتها الحقيقية المؤثرة. وكان الصعاليك أول ثورة واقعية متمردة في الشعر العربي، وقد اتخذ الصعلوك الإغارة والغزو شعارًا له، غير أن هذا الشعار قد اتخذ وجهين في التطبيق، فمنهم من طبقه بهدف التغلب على واقع اقتصادي قاسٍ ساد المجتمع، ومنهم من طبَّقه بقصد السلب والنهب، والصعاليك يشتركون في دوافهم: الفقر والإحساس بالظلم وفقدان المساواة والحرية، وإن اختلفوا في الوسائل، ويتحدون في نتائج تلك الدوافع وهو رفع الظلم والانتقام من الأثرياء والمستعبدين, ويبدو أنهم أرادوا أن يشذوا عن ذلك الواقع ما داموا يرفضونه، فأحدثوا أول صدع فني قوي الأثر تجلى في ملامح شعرهم الخاصة، واتسمت قصائدهم بالقصر, وتتناول موقفًا واحدًا، فاتسمت بالوحدة الموضوعية، وجاء شعرًا واقعيًّا التزم أصحاب به٣. وأما إحسان سركيس فقد قرَّرَ منذ البداية أنه لا بُدَّ من فهم تراثنا وإفهامه من مناحٍ جديدة، ولا بُدَّ من رؤيته بأعين جديدة، وذلك من أجل أن يتَّصل خيط الرسالة الحضارية والاستمرارية التاريخية، ويرى أن مصيبة تراثنا تكمن في بعض مَنْ تناوله

стр. 228

من أبنائه؛ لأنهم لم يفرقوا بين الأوراق التي ينبغي لها أن ترث في الأرض وبين النسغ الذي يمد الشجرة بأسباب الغذاء والنماء١، أما دراسة المستشرقين لتراثنا فتسودها خرافات تبسيطية يمليها الشعور بالتفوق وتأكيد خصوصية حضارية معينة، مضافًا إلى ذلك أحيانًا نزعية معاكسة تميل إلى تجميد مبالغ فيه لخصوصيات الحضارة غير العربية لأهداف معينة وفق مستهدف دراساتهم بتحويل الاستشراق لديهم إلى اختصاص نوعي ينتهي أحيانًا إلى أبحاث نعيه في عمومية الإنسان٢. ويبرر الباحث قصور دراسات المستشرقين عمَّا يروم أبناء العربية بعدم الشعور بالانتماء الحضاري إلى تراثنا, وعدم الشعور بالتبعية تجاهه. ويقارن بين الباحث العربي والمستشرق بأن الباحث العربي يتناول حضارته وتراثه لتكون جوابًا عن حاجة أساسية في حياته يقتضيها سياق تطوره كما تقتضيها رغبته في إيجاد مرتكز لشخصيته ووجوده كسبيل لاستعادة جوهره٣. ولقد أحدث الفكر الأوربي صدمة عندما اتصل المثقفون العرب به؛ لأن الفكر العربي لم يكن يقوم على أرضية صلبة، ولذا فقد انقسم المثقفون إلى فئتين: فئة أمعنت في الاسترسال مع الفكر الأوربي التماسًا للتغلُّب على الشعور بالنقص واستعجالًا للنتائج، وفئة حاولت التغلب على ذلك الشعور بالنقص بأخذ حقنة اعتزاز تعلل النفس بها, وهذه الفئة الثانية لجأت إلى أسلحة كان لها خطرها على تراثنا؛ لأنها لجأت إلى التقريظ المفرط الذي كان له أثر في غربة الماضي عن الحاضر والمستقبل. أو تجميده في مقولة صوورية محددة سلفًا. وهكذا "ضاعت الحقيقة التي ينبغي الوقوف عندها؛ إذ لا يمكن لمجتمع أن يتجاوز تخلفه بذكر أمجاد ماضيه, بل بتحليل واعٍ لتلك الأمجاد كيف عاشت وارتقت, وكيف دبَّ الوهن فيها فتوقفت عن العطاء"٤. وهكذا يحدد الباحث قصده من دراسته, فهو محاولة لتجديد الأفكار، أما السبيل فهو "المضي مع الباحثين الجادّين في ماضيهم عن قوام للذات وعن تعبير مطابق للمرحلة التي يعيشونها، وذلك بالتنخل في ضوء مفاهيم العصر من تراثنا ما

стр. 229

يعبر عن حقيقة حضارتنا, والذي ما زال محتفظًا بغنى التعبير المطابق لحقيقة ذلك الماضي والمسعف على استمراريته، ومن ثَمَّ وضعه في إطاره التاريخي بوعي وشعور جديدين, من خلال موقف يقدر المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الماضي ... لا لنتأمل حدود الزمن, بل لندخله في بناء المستقبل, ولا يتم ذلك إلّا بمعايشة وتحسس عمق التجربة الحضارية والإنسانية التي رافقت المجتمعات العربية والروح التي كانت تعمرها من خلال التعبير الأدبي الذي كان أوضح في مجاله من دنيا الفكر، وهي روح عربية كانت تعيش مخاضًا مستمرًا لتعبِّر عن ذاتها اجتماعيًّا، أي: سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا"١. ويكشف الباحث عن منهجه النظري في الفصل الثاني "سبيل هذه الدراسة"٢, وخلاصته أن يربط الظاهرة الأدبية بالظاهرات الاجتماعية ربطًا غير آلي, بل يكون استجلاء للعلاقة الجدلية بين الأدب والمجتمع, ويعترف بأن للآداب والفنون قوانينها الخاصة التي تعمل جنبًا إلى جنب مع القوانين العامة عمل تكامل وتمايز؛ لأن الآداب والفنون ليست بمثابة الظلال والتوابع, وإنما هي بمثابة وجه من وجوه وعي الواقع والتعبير عنه, فهي منظومة اجتماعية كبقية المنظومات, تحدد صفاتها وسماتها تبعًا للدور المنوط بها في جملة الأدوار الاجتماعية المختلفة المتمايزة هي الأخرى، والمتكاملة. ويرى أن للأدب أكثر من تاريخ تبعًا للضوء الكاشف الذي يوجهه الباحث، ولكنه في تناوله الظاهرة الاجتماعية سيعتمد الظاهرة الأدبية من خلال التناظر بين البنيتين التحتية والفوقية، منوهًا أنه ليس ثمة تساوق تام بينهما. وفي معرض حديثه عن المناهج الأخرى والدراسات الجديدة التي تناولت التراث يقول: إنه يلتقي معها لقاء تكامل لا لقاء تنافي، ويمضي كلٍّ منهما في طريق موازٍ للآخر دون أن يلتقيا, ومبتغاه التقاط المتميز من الأعمال الأدبية لا المتشابه، وذي الرنة الجديدة والإيقاع المحدث, أما عيار الاختيار هو استهداء الأديب بما يمثله أدبه أو شعره من وعي أو إحساس مطابق للواقع المتحول. ويفرض موضوع الدراسة عليه أن يلتزم المقارنة بين واقع الأدب والأشكال الاجتماعية التي عايشها أو عاش في كنفها, واستخلاص العلائق المتبادلة فيما بينها.

стр. 230

ويقرر في ختام الفصل أنه إذا استطاع أن يؤكِّد على وجود الشعر الجاهلي وصدق تمثيله للحياة الاجتماعية والسياسية والروحية لذلك الزمن، فمن المؤكَّد أيضًا أن هذه الشجر الباسقة لم تنبت في أرض عراء، ولا بُدَّ أن يكون قد سبقها مخاض طويل تجاوز ألف عام. وفي سبيل التمهيد لمنهجه ودراسته يرفض فكرة البداوة المطلقة في المجتمع الجاهلي, ويرى أنه كانت قواعد حضارية ترسى، وقد تتوارى بين الحين والحين، وتتمثّل في تطلع سياسي إلى قيام مجتمع ودولة، يعبِّر عنهما بمحاولات دائبة, أو بمجرد الشوق المنعكس في الكلمة والطباع والمواقف١. أما اللغة وهي ظاهرة رئيسية في حضارة الإنسان تقوم على الاجتماع البشري والعمران، ولا يمكن أن يكتب لها الذيوع والاستمرار إلّا إذا كانت مواطنها بؤرة الالتقاء للتحركات المختلفة, والقطب الذي يدور حوله تجمع الناس وتلاقيهم ومبادلاتهم في إطار الأمن والاستقراء النسبي، والتي تقوم في النهاية على علاقات مادية وثقافية وروحية٢. والآداب الجاهلية في نظر الباحث مرحلة انتقالية، فالشعب العربي في جاهليته كان يمر عبر جدلية المد والجزر، فيه تتبدّل بين البوادي والقرى دون أن تتمكّن واحدة منها من أن تكون محورًا لكيان واحد. وكانت بداية يقظة الذات استيعاب الموضوع من خلال اقتحام الذات لمجال موضوع وجذبه إليها؛ لأن الموضوعات بذاتها مستقلة عن الذات العارفة, وإن في وسع الذات حينما تأخذ وجهة موضوعات بعينها أن تلتزم مواقف مختلفة من خلال الأداة التي تصطعنها. وإذا كان الموضوع من خلال الموقف العملي متعذرًا في رأد يقظة الذات، فيمكن التعبير بالوسائل المتاحة لها كالوسائل الجمالية مثلًا؛ حيث تستطيع إبداع صور جديدة تحمل طابع ذاتيتها. ويزعم الباحث أن الحياة كانت ترهص للجديد الذي يترقّب اللحظة المناسبة ليخرج من القوة إلى الفعل، وهذه الحياة نفسها هي التي تفسِّر اختيار العرب للشعر كأداة تعبيرٍ عن عبقريتهم في واقع وفترة محددين، كما تفسِّر كيف أن هذه العبقرية

стр. 231

تلونت بمقومات وسمات أخرى عندما أصبح بالإمكان بعد الانطلاقة العربية الإسلامية١. وفي رأيه أن الشعر كان مرحلة في تكامل الشعب العربي, قامت قدرته على ما كان له من تأثير عام في بلورة وعي الشعب وتلاحمه، وإن كثيرًا من الباحثين لم يجدوا تعليلًا كافيًا للتأثير الذي يخلفه الشعر في نفس العربي٢, ويعترف الباحث في الوقت نفسه أن الشعر لم يبلغ مبلغًا كبيرًا في الانطلاق الفكري وراء تصور الحياة وتولينها بألوانٍ من الوهم لا يكون لها وجود في الواقع كالخرافات والأساطير التي هي ثمرة من ثمار العقل الحائر ومن عجزه، لأن الحياة نفسها هي التي كانت تتحرك ضمن نطاق الدورة المغلقة. وهكذا ركز العربي دائمًا وجوده في كلمته؛ لأنها أكثر ديمومة من الصروح ومظاهر الحياة الأخرى التي تشوبها الهشاشة وعدم الثبات، وأضحى الأدب الجاهلي هو التعبير الأدبي عن نقطة التوازن الجديد بين انكفاء قسري إلى حياة القبيلة, وبين تطلع إلى كيان سياسي واجتماعي أبعد شوطًا في مطمار الحضارة, وهو صراع متوازن ومتداخل، صراع داخلي ضد الحياة القبلية دون التفريط بها, لانعدام البدليل المتحقق في الفعل, والمستقر المستمر خارج حدود الصحراء في عملية التخطي إلى عالم أرحب يمكن أن تقوم فيه الحضارة وتنمو وتزدهر. وبدون هذا التصور يظل الأدب الجاهلي في مجال التقييم يبدو أرفع مستوى مما يمكن أن تعكسه حياة قبيلة بدوية، مما يجعله قيد الشبهة الوضع اللاحق بعد قرن أو قرنين من ظهور الإسلام٣. وخلاصة القول: إن الأدب الجاهلي قد عكس لنا "تأرجح العربي في تلك الفترة بين قطبين مكملين لموقفه من الحياة القبلية والحضارية, فقد كان طوع فردية تحاول أن تدفعه إلى رفع كل ضغط, وتثبيت الحقوق الدائمة للأنا الذاتية تجاه الحقوق الجماعية، وتعلق من ناحية أخرى بجماعته بصورة عميقة وذاتية، قد تصل إلى حد التضحية بالنفس"٤.

стр. 232

والشعر الجاهلي يمثل شعر شهادة على عصره، فغايته التحدّث عن الواقع ووصفه والشهادة عليه أو له، ولا يحاول الشاعر أن يرى في الواقع أكثر مما فيه, وإنما يحاول أن يراه بكل ما فيه. وهذا الشعر هو جزء هام من الأيديولوجية١, وهو يصدر عن واقع القبيلة ومناقبها وإنسانيتها في حلة شاعرية نستطيع أن نقدِّر أنها كانت مجافية لذلك الواقع رغم البرود الإشراقية التي تتلبسها, والتي تجعل الحاجة إلى الشعر أبدًا مردها أن الخليقة لم تبلغ الكمال في أي عصر. وأن شعرًا هذا شأنه "هو صنيع الإخلاص للحياة، تحدده رؤية واقعية في التماس المباشر بالعالم والإنسان على قدر ما تطيقه الحياة في تلك الحقبة التاريخية، ومن هذا التماس أخذ الواقع المأساوي شكلًا شاعريًّا ملحميًّا أو مسرحيًّا؛ لأن الحياة الصحراوية لا تستقر على حال"٢. ويذهب إلى أن محاولات قد جرت لتطوير المفهوم القبلي من خلال القبيلة, والخروج على الحياة القبيلة, وأهم هذه الظواهر الدعوة إلى السلم بين القبائل المتنازعة، وكراهية الحرب الداخلية، والرضى بالتحيكم فيما يشجر من خلاف, واستشعار كل قبيلة قدرًا من التعاطف مع القبائل الأخرى. وربما كان الإحساس بضرورة الخروج من أسار مؤسسة الثأر كان يشكّل حاجة نفسية بقدر ما كان يمثل حاجة اجتماعية٣. والظاهرة الثانية: هي الشعور بالحاجة إلى حكومة تسوس الناس وتمكِّن الفرد من التزام موقف شخصي لا يتضامن مع القبيلة في كل ما ترتكبه مما قد يخالف صوت الضمير أو العقل، وهذا دليل على أن حياة العرب بدأت تتطور، ولو ببطء، في مكوناتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية٤. ويرى الباحث في تردد الشعراء بين القبائل أو رحلة الشاعر الضرورية إشكالية انتقالية، ويفسر ذلك بأن الشاعر المداح يبقى في نظر حاميه الدافع عن مصلحة إخوانه، ولا ينفصل عن قبيلته، ولكن الجديد أن الشاعر أخذ يخدم سيدًا ترتبط فيه بالأفضلية مصلحته وثروته٥.

стр. 233

وحينما يحاول الباحث تعليل هذه الظاهر وإرجاعها دواعٍ، وبواعث فإنه يراها فيما يلي١: ١- الشعور بشيء من الوحدة الفكرية أو الروحية, وبقدر من الانتساب إلى رهط أو شعب واحد, أي: الشعور بوجود رابط يسمو على الروابط القبلية أو يتعايش معها. ٢- شيوع اللغة الواحدة واستقرارها كأداة للتواصل. ٣- التخمر الاجتماعي والسياسي والمحاولات القائمة والمستهدفة الخروج من الحياة القبلية إلى حياة اجتماعية وسياسية متقدمة. ٤- الإحساس بالانتماء إلى ما هو أكثر, أو أكثر من القبيلة. ٥- نقل الصور الحضارية التي تتلامح لهم في تجوالهم وترددهم على مواطن أخذت بنصيب من التقدم والعمران. ٦- قيام الشاعر برحلة ضرورية تخرجه من إطار حياة ضيقة للقاء عالم أرحب. ٧- نمو فردية جديدة لدى هؤلاء الشعراء تختلف عن فردية القبيلة، وهي فردية ترهص لمجتمع جديد أو تتطلع إليه. ويختار الباحث نماذج للدراسة والتحليل والتدليل على منطلقاته، وهذه النماذج هي: الأعشى والنابغة وحسان٢, وهؤلاء الثلاثة الذين اختارهم اتفقوا في أمور واختلفوا في أمور، فهم قد تجاوزوا القبيلة ورئيسها إلى مديح ملوك أو رؤساء آخرين, وهم تنقَّلوا في مناطق مختلفة وبعيدة عن مواطنهم، وهم تمثلوا خلائق وعادات ومذاهب غريبة عن محيطهم، وهم طوَّعوا أساليب خاصة بهم مختلفة عمَّا ألفه الشعر الجاهلي. وفي معرض حديثه عن "الخارجين عن القبيلة أو على تقاليدها"٣ يرى أن الخروج يأخذ معنيين: معنى فردي يلتزم به فرد أوفر إحساسًا بضيق الحياة ولا معناها, فينعكس ذلك في سلوكه وشعره على شكل من الاستبطان والمشاقة اللذين يعبران عن حدَّة التشوق مع استشعار العجز عن تبديل الواقع أو تطويره، فلا يجد صاحبها

стр. 234

سوى عدم الانتماء المتمثّل في الموقف السلبي أو اللامبالي. وأما أن يتحسس المشكلة بإحساس أو بوعي، فيلمس ما بدأ يظهر من تناقض بين ظاهر تلك التقاليد وبين ممارساتها في الواقع النامي, فيدرك أن إنسانية القبيلة بدأت تخلي المكان لأشكالٍ من التمايز أو التفاوت، ويبدأ هذا الإحساس بوطأة هذه الظاهرة يقترن بوعي جديد لمشكلة تباين الناس من حيث الفقر والغنى، الوفرة والحرمان، ومن حيث تمركز السلطة أو الزعامة، وفي أيدي الأثرياء على حساب المحرومين, فيمضي في أول سعيه لإقامة حوار مع المجتمع المتمثل في القبيلة, يبدؤه بالكلام وقد ينتهي به إلى امتشاق السيف ليبتّ حبل الصلة التي ترطبه بهذا الكيان المرافق لأزلية الصحراء، وإن الخارج على القبيلة من منطلق اجتماعي لا يتمثّل نفسه منفصلًا عن واقع القبيلة فحسب، وإنما يتصور مجتمعًا آخر لا بُدّ أن تقوم به جماعة من الناس, ويظل هذا تعبيرًا عن الحلم بمكمن ما. ومن النماذج التي اختارها معبرة عن هذين النمطين من الخارجين: طرقه بن العبد، وعنترة بن شداد، وبعض شعراء الصعاليك. أما طرفة فيرى في معلقته أمرين يستحقان التوقف عندهما: شكواه من ابن عمه الذي لم يدفع إليه وإلى أخيه حقوقهما, والتشهير بالبخلاء وتحذيرهم من أن الموت إذا اصطفى الكرام فإنه يصطفي أموال البخلاء, وهو أيضًا يحاول عن طريق الحس الجمالي أن يعبر عن حقيقتين متعارضتين، الأولى: ما في إنسانية القبيلة من سجايا، والثانية: ما في الحضارة من مناعم ورفاه ومتع وتفتح فردي, ولكن الجمع بينهما مستحيل، فلدخول الناس عتبة التقسم الطبقي لا بُدّ من ثمن تؤديه أكثرية الناس١. وأما عنترة فيرى الباحث أنه يوافق طرفة من جانب ويباينه من جانب آخر، كما يرى أن الظروف قد طبعته بطابع فريد, فهو يحمل أفضل خلال القبيلة: الشجاعة وكبر النفس والعفة ورحابة الصدر، حدبًا على أمه وعطفًا عليها، فضلًا عن رقة في الطباع بالرغم من شدة بأسه، ولكن عنترة وإن ظل في رحاب القبيلة، فقد يسر له لونه إمكان الإنفكاك عنها، كما هيأ له بعدًا ذاتيًّا منها, جعله ينظر إلى نفسه ووالدته

стр. 235

من خلال طبقة كبيرة من الناس تستحق الرفق بها، وهو مطالب بالذود عنها وعن أصولها بالمفخارة والاعتداد بالنفس. وأما موقفه من وضعه ولونه فقد كان فيه كبرياء الرجولة والإيمان بحقيقة إنسانية سامية، ولذا كان يرد على التعريض واللمز بمزيد من الاعتزاز والفخر بهذا اللون، منطلقًا من فردية متكاملة، ومن موقف فيه رفض التقاليد التي تجعل ابن الأمة الأسود اللون دون غيره من الناس. وكانت هذه الفردية تحمل خلال القبيلة كما تحمل شوقًا إلى وضعٍ إنساني أرفع يقاس المرء فيه بمزاياه وصفاته لا بنسبه ولونه، ولكنه بالرغم من سورة التمرد المتمثلة في موقف الإباء والرجولة كان يحس إحساسًا خفيًّا بأن على المرء أن يكون بطلًا، ولكن ذلك قد جعل نفسه تنطوي على قدر كبير من المرارة إزاء يأسه من تبديل الناس ومفاهيم المجتمع، لهذا قد ينفع التحدي الفردي في طرح المشكلة, ولكنه لا يحلها كقوله: أذكر قومي ظلمم في وبغيهم ... وقلة إنصافي على القرب والبعد بنيت لهم بالسيف مجدًا مشيدًا ... فلما تناهى مجدهم هدموا مجدي وقد جعله ضيقه بالناس يخلع شيئًا من إنسانية الإنسان على جواده, فيحبوه بعض صفات الآخر ليقيم معه حوارًا. وهو يرى في شعر عنترة تميزًا قلَّ نظيره في الأدب العربي القديم, بل في الآداب العالمية القديمة١. أما الصعلكة٢: فيرى أنه لا يمكن رصد الظاهرة دون تعمّق أسبابها الاجتماعية والاقتصادية، كما لا يمكن اعتبار الصعاليك ذوات متمردة على مالوف القبيلة وعاداتها وتقاليدها؛ لأن التمرد لا يمكن أن يقوم ويستمر إلّا في إطار وضع تاريخي معين، ومن البداهة أن أكثرية الصعاليك لم تكن تهمها العودة إلى القبيلة؛ لأنها لم تخرج عليها بطارئ فردي، كما أنه لم يكن بهمِّها الانتماء بالولاء أو الاستجارة إلى قبيلة أخرى؛ لأن الشعور بالدونية سيكون في الحالة الثانية أَمَرّ وأدْهَى. ويميز صورتين لأنموذجين من الصعاليك: صورة الفردية الناقمة المكابرة التي تستشعر مهانة الفقر والمكانة الاجتماعية ويمثلها الشنفري، والثانية صورة الفردية الاجتماعية التي تحسن تخلخل البنية القبلية والتفاوت في الأرزاق والظلم الذي ينزل

стр. 236

بساح الفقراء والمستضعفين, فتحمل لواء الدعوة إلى التمرد، ويمثلها عروة. وبالرغم من اختلاف الدوافع التي دفعتهم إلى حياة التصعلك, فإنهم جميعًا فقدوا توافقهم الاجتماعي، وهو الأساس الذي تقوم عليه الصلة بين الفرد والمجتمع، وهذا الفقدان ينتهي بالفرد عادة إلى أن تكون صلته بمجتمعه قائمة على أساس "السلوك الصراعي". ويفرد الباحث الفصول الثلاثة الأخيرة من كتابه للحديث عن "المصير والصيرورة"١ و"مواقف ذاتية ووجودية"٢ و"تقاصر الشعر في بعض المواطن"٣. ويتساءل الباحث: لماذا لا يكون للإنسان العربي، وهو يشير إلى الدهر، مصير مستمد من طبيعة بيئته وحياته، وكأنه يبثّ حوارًا مع بيئته الصحراوية من خلال حوراه مع القبيلة التي لا يستقيم بقاؤها إلّا في بيئة صحراوية, وفي نظام اجتماعي قبلي يقوم على الرعي لا الزراعة، وكأن الشاعر يودّ برغبة غامضة تبديل المجتمع, يتوافى معه في علاقة إغراءٍ كتلك التي تكون مع شخص غير راضٍ عن القيام بعمل ما، ولعل فكرة الدهر أو القدر تقترن بما انطوى عليه الشعر الجاهلي من حديث الفراق والارتحال والبكاء على الأطلال، حيث يخالط الذاتي الوجودي اندماجًا وتباعدًا ليظل له تفرده، حتى أضحت هذه الطريقة في تناول الموضوع مدرسة أدبية يغلب عليها التقليد أكثر من الإحساس الذاتي والوجداني. ولكنه يستدرك بأن شعوبًا أخرى عرفت مثل هذه الحياة دون أن يجري على السنة شعرائها مثل هذا التفجع. ويتساءل بعد ذلك: فهل أتى هذا التفجع نتيجة اندثار الحضارة الجنوبية, فارتحلت تلك القبائل تحمل معها ذكرى مواطنها, وتردد على ألسنة شعرائها, ثم لاقى ذلك هوى في نفوس القبائل الأخرى فتبنته حتى أصبح مدرسة أدبية تعبر عن الحضارة التي أفلتت من اليدين أكثر من تعبيرها عن خيمة ونؤي؟. أما المواقف الذاتية والوجودية التي عرض لها, فأولها موقف الشاعر الجاهلي من الجنس والمرأة, ويرى أن للعصر الجاهلي موقف من الجنس كله حرية وانطلاق،

стр. 237

فما كان يتحرّج من الحديث عن المرأة وعن الجنس وتضمينها للقصائد بما في ذلك المعلقات. وما دام الجاهلي يستقبي الحياة بالتقدم للقاء المخاطر، وحتى الموت، فإن إقدامه هذا أو تصوره الإقدام يؤجج فيه اللذة؛ لأن الذين يخشون الموت هم الذين يخشون اللذة، وتأتي الصحراء الممتدة أفضل بيئة لإثارة الغرائز, ولئن كانت اللذة هي الحرية في الفعل، فهي من وجه آخر تجيء عزاء عن فقدان الجواهر والحرمان الملازمين لتلك الحياة المحدودة. وفي تلك البيئة, فإن كل شيء يتغير وتظل المرأة أكثر إخلاصًا للثبات من خلال التغير، فهي كالطبيعة تظل مخلصة للتاريخ، وهي في الوقت نفسه رمز الخصب والطمأنينة، ولعل الشعور بتملكها يحمل بجانب المفهوم الأبوي في الملكية حسّ السيطرة على الطبيعة نفسها أو امتلاكها، وموقفه منها هو صورة انعكاسية لما يريده الرجل عن نفسه، ولعل من الفريد والطريف في تلك الحياة أن تتوافى جميع هذه الانعكاسات في الغزل: بداوة ورقة، قبيلة وحضارة، سبي يصل إلى حد امتهان المرأة, وسموّ يصل بها إلى حالة مثالية، معاشرة عارضة أو آنية ومفارقة, أو تسريح, ومن ثَمَّ حنين لا ينتهي، ولكن النغمية العامة قائمة على الشكوى، وثمة استحالة الأحلام بسبب معارضة الناس والقدر. وإن مثل هذه النفس القلقة لا بُدَّ أن تجنح بما لها من حسٍّ شاعري، نحو ملاذ أو ملجأ، ويظل الجنس خير ملاذ في مواجهة إشكاليات التاريخ. والموقف الذاتي الثاني: الموقف من الميسر والخمرة: وهو يرى أن شيوع الخمرة لدى العرب في الجاهلية ظاهرة تستوقف المرء، ويعطينا الشعر الذي قيل فيها شيئًا من التفسير لما مكّن لها في النفوس، فجاءت في مؤثراتها الصورة المقابلة لكلِّ ما يختلج في ضمير المجتمع عن طريق هذا الشعور بالاستقلال الذي تخلقه، وهذا المؤشِّر عون ثمين للفردية المتململة، كما أنه يمثل لحظة الانفصال عن الواقع، حامل معها الإحساس المريح المهدئ للنفس إزاء ما ينتابها من قلق وضيق. ويلخص رأيه بقوله: "إن كل أسلوب أو شكل أدبي بارز يعرض لنواظرنا نقطة اهتزاز مشع، وهي، لدى الجاهلي تتمثل في الحوار بين البطولة واللذة، بين الجبرية والمصادفة، وبين التقاليد القبلية والتطلعات الفردية. وكل ذلك يمثل في معناه البعد التاريخي والبعد الذاتي في لحظات التوقد, أية كانت الهزة أو النشوة

стр. 238

وأية كانت بواعثها: في وقفة بطولة أو موعد حب أو كأس خمرة أو قدح معلى. لهذا كان الشعر الجاهلي في تعبيره عن هذه الحاجة يمضي حتى بلوغ نقطة التوازن أو التوتر أو التقابل بين المصير والصيرورة، وهذه وقفة جدية تحتفظ بكل طاقات النفس المترجمة بين حالين متعارضين. وملاحظة أخيرة أن الشعر الجاهلي خالٍ من السخرية؛ لأن السخرية تقتضي انفصالًا عن الواقع وبعدًا نفسيًّا عنه, وصيرورةً ما تمكّن السخرية منه ماضيًا, آخذ طريقه لأن يصير ماضيًا في طريق ذي اتجاه واحد١. وآخر قضية يعرض لها هي "تقاصر الشعر في بعض المواطن", ورأيه أن الخروج من الاقتصاد القبلي إلى شكل اقتصادي أرقى يجرّ معه تبدلًا في الحياة الاجتماعية والنفسية، إذ تستجد علاقات تتميز من العلاقات القبلية بكل ما تخلفه من مؤثرات في أوضاع الأفراد تعكس في شكل أوضح من التفاوت، كما تستجد روابط جديدة تحل تباعًا محل الروابط القبلية. وأما يوسف اليوسف فله دراستان: "مقالات في الشعر الجاهلي"٢ و"بحوث في المعلقات"٣ ففي دراسته الأولى يعلن في المقدمة أن هدفه الأساس هو عرض الشعر الجاهلي على محك المعاصرة٤, وذلك لأنه يرى أن الشعر الجاهلي يقدم ميدانًا رحبًا للدراسات الأنثروبولوجية, بينما لا نجد من ألقى ولو نظرة عابرة على هذه الناحية من الشعر الجاهلي إلّا نادرًا. أما المنهج الاجتماعي والمنهج النفسي والمنهج الفلسفي فتكاد تكون عديمة الوجود. وأما الباحث فهو يقول: إنه قد وظَّف أكبر قدر ممكن من المناهج في دراسة الشعر الجاهلي، ودمجها مع بعضها, بحيث يمكن أن تتعايش جميعًا في المقال الواحد، بالرغم من طغيان هذا المنهج أو ذاك في بعض الأحيان، وذلك ما يمكن أن ندعوه منهجًا متكاملًا في النقد, وكان يمكن أن نصنِّفه مع المنهج التكاملي في النقد, لولا أنه يقرر أنه شدد على أهمية كون الشعر إفرازًا اجتماعيًّا, مع الاعتراف والأخذ بعين الاعتبار أن القصيدة تبدعها نفس معينة لها أحوالها المعينة وحاجاتها

стр. 239

الشخصية١. وينطلق الباحث من مبدأ أن أنماط الإنتاج هي الحوامل الاجتماعية, وأن درجة تطور مجتمع ما تتحدد بأنماطه الإنتاجية بالدرجة الأولى، لذا فهو يشدد على الطابع التاريخي والطابع الاجتماعي. ولكن الباحث يؤكد كثيرًا ويكرر على أن المجتمع الجاهلي هو مجتمع أدنى من الحضارة المتطورة، وهو مجتمع انبثق عن البدائية, وراح يندرج في التاريخ سعيًا وراء تجاوز ذاته. والجاهلية ومن جهة نظره قطرة ضوء ممتازة, تنكشف فيها بدايات الوعي المتحضر والمتجاوز للمرحلة الوحشية من مراحل التطور البشري بأشواط مديدة، ومن جهة أخرى حضارية وتاريخية، فالجاهلية حجر الأساس في صرح الثقافة والحضارة العربيتين٢. وفي "مقدمة الشعر الجاهلي"٣ في دراسته الأولى يقرر الحقائق التالية: ١- إن أول انطباع تخلفه القصيدة الجاهلية على صفحة الوعي هو أنّ جدلية الذات - الصحراء, هي العلاقة الأولى التي تؤطر مجمل العلاقات, وتصنع القيم الاجتماعية والأدبية. والصحراء سمة تحايث الذات وتلازمها؛ بحيث تمتزج وإياها في وحدة عضوية لا فكاك لأواصرها، إذ الترامي الصحراوي مسئول عن الانفلات والحرية٤. ٢- إن العنصر الطلل هو توليف اندغامي للحظات الثلاث: التهدم الحضاري والقمع الجنسي وقحل الطبيعة، وهو ترجمة لا شعورية للرغبة في الخلاص من ظرف حضاري متهدم, والتحول إلى مرحلة حضارية أرقى٥. ٣- إن القصيدة الجاهلية برمتها تنطوي على العنصر الطللي بحيث يسعنا القول بأن "الضمير التعيس" وهو المضمون الأساسي للوقوف على الأطلال يباطن القصيدة الجاهلية على كافة امتداداتها وأصدائها، ويسكن معظم جزئياتها وعناصرها٦.

стр. 240

٤- إن الشاعر الجاهلي حافظ على نرجسيته وغيريته في آنٍ معًا١. ٥- إن القصيدة الجاهلية تراجيديا حقيقية، لا من حيث الشكل والمنهج، بل من حيث الجوهر فقط، ويتضح هذا كمًّا من خلال شعر عروة بن الورد, والشنفري "لوحة الذئاب"٢. ٦- التأكيد على وجود نفس ملحمي في القصيدة الجاهلية لا سيما معلقتي عنترة وعمرو بن كلثوم٣. ٧- إن الشاعر الجاهلي الذي يمارس البطولة الصدامية يوميًّا لا يستطيع أن يتصوّر للفروسية سوى شكل واحد هو شكله نفسه٤. وهكذا فإن الممارسة الفعلية للفروسية التي يعيشها الشاعر هي التي أعاقت ظهور الشعر الملحمي؛ لأنه لا حاجة به إلى ممارستها في الخيال، فهو يعيش الملحمة صداميًّا, وبعبارة أخرى: فإن العاملين النفسي والاجتماعي هما المسئولان عن غياب الأدب الحدثي بعامَّة والملحمي بخاصة، فالملاحم الإغريقية هي نتاج تطور المجتمع التجاري وبلوغه مرحلة معينة في سلم الحضارة، وكما أن المجتمع الجاهلي أميّ يفتقر إلى الكتابة، وهي أكبر حاجز أمام إنتاج نصوص أدبية مطولة. ٨- إن الأساس الاجتماعي لنفسية الشاعر وهو عدم التنازل عن الذات والإسراف في عشقها، الشيء الذي يذكرنا بحسِّ الاغتراب لدى الشاعر٥, وفي مجتمع كالمجتمع الجاهلي نواجه رفضًا مزدوجًا: رفض المجتمع إنسانية الفرد، أي: استلابه وتغريبه، ورفض الفرد للمجتمع بالمقابل، ومثال هذا عنترة. ٩- لقد ولدت ظاهرة الصعلكة نتيجة ذلك التغريب الذي مارسته الحياة على الفرد، فبادر إلى السلاح٦.

стр. 241

١٠- لئن كان الإنسان طليلة حياته يمارس نفي الطبيعة عبر التأثير عليها من خلال العمل والنشاط الاجتماعي ابتغاء الانعتاق من ربقتها وإخضاعها له، بدلًا من خضوعه لها، وهذه هي الحضارة، فإن البدائية هي تقديم الولاء وكافة ضروب الطاعة للطبيعة, والانضواء تحت لوائها١. ١١- الظاهرة البادية في الشعر الجاهلي أن موجودات العالم الخارجي حاضرة دومًا، وبكامل ثقلها في روح الشاعر، الأمر الذي يستدعي بدروه التعامل مع هذا الخارج تعاملًا حسيًّا مباشرًا، ويؤدي إلى تقديم صورة تجسيمية تجعلك تشمّ الأشياء الموضوعية وتسعمها وتراها وتلمسها. ومن هنا جاءت النزعة الحسية إلى الشعر الجاهلي٢. ١٢- من مظاهر تمثل الجاهلي لبيئته الطبيعية ما يبديه من عطفٍ على الحيوان واهتمامٍ به، فالحيوان يداوم على الظهور كواحد من أبطال القصيدة الجاهلية. ١٣- جاءت الحكمة الجاهلية محاولة لتنفيذ الواقع في الوعي، ونزوعًا نحو تكثيف الموضع في الحس، لا تجريدًا لهذا الواقع وهذه الموضوعات، وذلك لأن البدائي يحيا في فجر الوجدان لا في ظهريته. ويرى الباحث أن سرَّ خلود الشعر الجاهلي أنه لا يكتفي بإحالة البعد العقلاني للحياة إلى بعدٍ وجداني فحسب، ولا هو الذي يعقِّلَنَّ الوجداني ويضيفي عليه التَّذَهُنَ، بل هو يملغم كلا البعدين في سياق متناغم؛ بحيث يتوحدن في كيان لا يعرف النشاز٣. ١٤- تبدو الصورة الجاهلية في كثير من الأحيان ترتيبًا للواقعة لا للمشاعر, ونشعر حينما نقرأ القصيدة الجاهلية أن الصورة لا تعدو كونها تابعًا للواقعة، شيئًا ملحقًا بها، وليس صميمًا، بينما ينبغي في الشعر الآبد أن تكون الصورة غلافًا يغشى العاطفة ويبطنها من الداخل، بل تنحل فيها العاطفة انحلال النسغ في النبتة, وذوبان الحمرة في الوردة٤. ١٥- نحس الخواء العاطفي في كثير من الصور الشعرية الجاهلية، هو ما يحرم.

стр. 242

هذه الصور من الشاعرية في الكثير من الحالات، ومواضعة أكثر من أن تحصى١, ويحدد أسباب في هذا الخواء في: مباشرة الحسّية، وتقديمه الموضوعات كحضور مرئي، بحيث تغدو القصيدة سيالة وقائع متلاحقة، تقرن البسيط إلى المعقد، وتلحمهما في نسيج واحد. ومن الأسباب كذلك النزعة الخبرية والوصفية, واللتان تثقلان العقل البدائي, فهو يتوخَّى الدقة في وصف الأشياء؛ لأنه يدرك الجزئيات قبل الكليات، أي: هو قليل القدرة على التعميم والتجريد٢. ١٦- الذي أوجد واقعية الشعر الجاهلي وصدقه في الانفعال هو أن الوقائع الخارجية كثيرًا ما تظهر وكأنها امتداد لذات الشاعر، أي: إنه كثيرًا ما يلون الأشياء بروحه وأعصابه، وبذلك يحول العالم المثالي، أو عالم الروح والأعصاب، أن يتشخص في الموجودات الموضوعية، وأن ينشكف بها، أو من خلالها٣. ١٧- إن جوهر وهن الشعر الجاهلي لا يتمثَّل في حسية صوره، وعيانية مضامينه، وتقنياته التعبيرية المباشرة، ولكن هذا الجوهر كامِن في كونه يقدِّم مشاهده الواقعية تقديمًا وصفيًّا يعترف بموضوعية الحقيقة الزمانية٤. ١٨- يشعر المرء أن القصية الجاهلية بينة موسيقة متناسقة ومتكاملة، وصورة إيقاعية تعين القارئ على ترتيب وعيه لمحتوياتها, وأهم خصيصة لموسيقى القصيدة الجاهلية هي أنها ذات جلجلة تتناسب مع جلجلة الحرب. إنها موسيقى القوة اللازمة للجاهلي, التي تلائم موضوعات الاعتزاز والتحمس٥، وكأنما الشاعر يعوّض عن تفكك أجزاء القصيدة بهذه الكلية الموسيقية التي تلمُّ شتاتها في وحدة عضوية. ١٩- ليست الأنثروبولوجيا العربية، أو المتفرعة عن الدراسات الجاهلية، معنية بالأسطورة فحسب، بل هي تطوي في دائرتها مسائل اجتماعية واقتصادية

стр. 243

وعقائدية ونفسية كثيرة أيضًا، ولعل من بينها مسألة وأد البنات في العصر الجاهلي١. وفي "اللحظة الطللية في القصيدة الجاهلية"٢ من كتابه يتبنى مجموعة الأفكار لا بأس من إيجازها هنا: ١- لعل اللحظة الطللية هي واحدة من الشذرات المضيئة التي يمكن أن نصل عبرها إلى إحباطات مكبوتات المجتمع الجاهلي وإلى تطلعاته وأشكال انسلابه معًا، أي: هي وسيلة من وسائل إغناء فهمنا لمجتمع معين. وإن الشاعر الجاهلي يبدع عبر الطللية ماضيه وواقعه شعرًا، ويتحفز لمعانقة مستقبله. أي: يودع في هذه الوقفة أبرز أشكال الحالات الجماعية, ويخثر عبر بضعة أبيات من قصيدته كل حاجات الجماعة، فهو يعبِّر عن الكلي الاجتماعي لا الكوني خلال ومضة وجيزة٣. ٢- في ميسورنا التعرف إلى الذات الجاهلية عبر تحليل المطالع الطللية للشعر الجاهلي، بوصفها رموزًا تقبل التفسير والقراءات التحتانية٤. ٣- إن الماضي يجب أن يفهم بوصفه مستقبلًا أرقى، لا من الحاضر وحده، بل ومن الماضي نفسه، أي: إن الماضي - المستقبل, ينبغي أن يغدو تجاوزًا ونقيضًا للماضي المنطفئ، الذي لا تستحيل استعادة نسيجه فحسب، بل الذي لا يحتاج إلى هذه الاستعادة٥. ٤- إن خلاصة ما يمكن أن يوجّه إلى تفسيرات اللحظة "ابن قتيبة، فالتر بروانه، عز الدين إسماعيل، يوسف خليف، حسين عطوان" يمكن إجمالها في أمرين أساسيين: قصور هذه التفسيرات لأنّ كلًّا منها أحادي النظرة، وإهمالها إلى حدٍّ كبير العامل الاجتماعي والتاريخي لتشكيل الطللية، علاوة على النظرة الخارجية المسطَّحة, وعدم الغوص في أعماق المطالع, والبحث فيها كتعبيرات عن مكبوتات

стр. 244

نفسانية عميقة أنتجتها وقائع فعلها في النسيج الاجتماعي١. ٥- خلاصة رأيه أو نظريته في البرهة الطللية: إنها التغام لثلاث لحظات يقوم بينها تجادل تمثلي يذوب ويصهر كل واحدة في الأخرى, فيفضي إلى اندغامها جميعًا في تركيبة كلية البنية, يعسر فرز أقانيمها الثلاثة كلًّا على حدة, وهذه العناصر الثلاثة: القمع الجنسي، والاندثار الحضاري، وقحل الطبيعة. فالشاعر يوحد بين القمع الذي تتعرض له الطبيعة، وتقوم به في الوقت نفسه، بفعل القحل وانحباس المطر، وهو ما ينعكس بدوره على الفرد والجماعة، وبين الهدم الذي يصيب الحضارة من جراء ذلك القحل، وكذلك بين القهر الذي يتعرض له البدوي، بفعل الرقابة الاجتماعية الكابحة، أو بفعل ما تمارسه التقاليد من حظر وكظم عليه, فالرسم الدارس لحظة ممتازة ينكشف فيها الجدب والتدمير معًا، يحلق بالفرد مأخوذًا على أنه كلية مجردة، من احتجاز جنسي يحول دون التلبية المباشرة, وتفريغ المشحون الجنسي٢. ويقدم الباحث، انطلاقًا من هذه النظرية، دراسة تطبيقية حيث يحلل طلليات كل من زهير ولبيد والنابغة٣. ٦- يثير قضايا طللية منها: عدم التوازن بين اللحظات الثلاث، وطللية الحضريين، وحنان الحيوانات على صغارها، وتشبيها لطلل بالكتابة، والخصيصة الإطلالية للطبيعة. وخلاصة ما يراه: إن الطللية تلقيد شعري لا يشترط أن يكون للشاعر محبوبة مهاجرة، ومما يؤكد هذا أن شعراء المدن لم يختلفوا عن شعراء البوادي من حيث الإكثار من الوقوف على الأطلال، وإن كان ثمة فارق مضموني بينهما، فشعراء البادية هم الأكثر عمقًا والأبعد غورًا في طللياتهم؛ لأنهم ألصق بالظروف التي عملت واستمرت تعمل على إفراز الشعر الطللي٤.

стр. 245

أما حنان الحيوانات على صغارها, فإنها تعكس حاجات ودوافع أبوية وأمومية لدى الشاعر، وربما رأينا فيها نهجًا لفض نزعة التوالد والإخصاب١. أما الطلل والطبيعة فيرى الباحث أنه غالبًا ما يتبدَّى الطلل كأنه فعل من أفعال الطبيعة، أو نتيجة من نتائج فعلها، فعناصر الطبيعة دومًا صافعة وهادمة بالنسبة للجاهلين, وهذا في مجمله جزء من العلاقة العدائية القائمة بين الإنسان الخالي من التقنية والصناعة وبين الطبيعة, وربما كانت الطللية بمجملها لا تحمل إلا غاية واحدة هي التعبير عن اغتراب الإنسان في مملكة الطبيعة العاتية التي تعجز أدوات البدائيين عن تدجينها٢. ٧- وفي مجال حديثه عن اللغة الطللية وتحليلها, يرى أن "في كون الطللية تفريغًا لمقولة التضاد بين الذات وموضوعها الساحق لها، وفي اتخاذ هذا التضاد شكل قطبين متنازعين: الشاعر والواقع، يكمن العامل الاساسي الذي أملى على اللغة الطللية أن تستوعب السلب وتشعه وتعمل على تخطيه. لذا، فقد جاءت حاملة للموقفين الداخلي والخارجي، ومعبرة عنهما. ولقد عكست هذه اللغة القطب الأول للتناقض "روح الشاعر" عَبْرَ ألفاظ رقيقة ذات طابع عاطفي وعربي مشبع بمكونات الوجدان الإنساني، في حين عكست القطب الآخر عبر ألفاظ هي في الغالب إحالة إلى يبوسة الواقع وفظاظته، وإلى مذاق القحل وهمجية الطبيعة, ولهذا كانت اللغة الطللية تغالي في استقطاب المتعارضات, ولكنها لا تصهرها في وحدة تصويرية. وتتجلى هذه النثائية للفظة الطللية خير تجلِّ في أنها حين تصف الاقفرار تلجأ إلى مفردات من المعجم الغريب, في حين تلجأ إلى المعجم الفعال المألوف أو إلى المفردات الرقيقة الدالة على ليونة النفس عندما تعبِّر عن الموقف الإنساني النقيض٣. ويقدم الباحث انطلاقًا من المنطلقات النظرية التي عرضنا لها آنفًا تحليلًا للامية العرب للشنفري٤، وقد أسهب في تحليلها تطبيقًا على منجهه الذي تبناه, ولعل من المفيد أن نورد خاتمة تلك الدراسة الجيدة للامية، يقول: "لئن كان

стр. 246

المعنى الكلي والنهائي للامية العرب هو الجوع، ولمعلقة امرئ القيس هو القهر، ولمعلقة النابغة هو الخوف، ولمعلقة طرفة هو القلق، فإن الكليّ والشمولي للشعر الجاهلي هو التعبير عن حالة اللا تكيُّف مع الحياة, وبالتالي الرغبة في انتقاض التواكب مع الشروط القائمة، والانتكاث عن القبول بالمعطى. إنه الرفض وتنمية مفهوم النقض, وخير شعر يتنامى عبر هذا المفهوم هو شعر الفرسان وشعر الصعاليك، لا سيما شعر عروة. وينعكس مفهوم النقض عبر الثنائية التي يبرزها بجلاء الشعر الجاهلي، فلامية العرب تطرح الذات في وجه المجتمع، متمردة، نزاعة نحو الهدم، مظلومة، مقموعة، ولهذا فهي تثير مشاعر الشفقة دون أن تحرك فينا الشعور بالخوف"١. وفي دراسته الثانية "بحوث في المعلقات" يعرض للموضوعات التالية: المحتويات التحتانية للمعلقات ص٣٩-٩٤. الواقعة والمفهوم في المعلقات ص٩٥-١١٦. تحليل معلقة النابغة ص١٩٧-٢٣٢. المرأة في المعلقات ص٢٣٣-٢٧٨. ويحدد الغاية الأولى التي يزعم أن دراساته في الشعر الجاهلي قد بلغتها, وهي أن "القصيدة الجاهلية، وبخاصة المعلقة، وتنطوي على مكمونات نفسانية شديدة الخفاء على النظرة الأفقية المسطحة، ولا يمكن لهذه المخبوءات أن تستسلم إلّا أمام العقل التحليلي، أي: النظرة العمودية الغارزة للغة غرزًا٢". وقد حاولت بحوثه الخمسة في تلك الدراسة أن "تريق شيئًا من النور على المعلقات، ومن جهة نظر جديدة"٣, ويزعم بأنه طبَّق في تحليله معلقة امرئ القيس "المنهج المتكامل على درجة لا بأس بها"٤ ويرى أن "تحليل معلقة امرئ القيس" و"اللحظة الطللية في القصيدة الجاهلية" و"تحليل لامية العرب" تمثل ثلاثة

стр. 247

نماذج تطبيقية على القصيدة التراثية تحاول أن ترى في النص الأدبي وحدة متكاملة، وأن تبحث فيه مضمرات أو مكونات مستبطنة، وأن تخضعه إلى علوم مختلفة ولا سيما الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والتحليل اللغوي١. ومن الفائدة أن نعرض لخلاصة آرائه في المعلقات بإيجاز: ١- إن السر الكامن خلف رسوخ المعلقات واستمرارها حتى اليوم يكمن في أن الشعر الجاهلي ككل فنّ بدائي عظيم قادر على تحريض النواة البدائية للروح، وهذه النواة المدفونة تحت ركام حضاري كثيف سرعان ما تزيحه المعلقة لتنفذ إلى الأولاني الراقد فينا, وتغذيه فيتوهج٢. ٢- ومن أسرار خلودها أيضًا أنها تنسج الدرامي والغنائي معًا، أي: تلمهما وتدغمهما في تركيبة عضوية واحدة٣. ٣- من أهم المفاهيم بؤروية في الشعر الجاهلي برمته, هو أن الطبيعة تقطع الحضارة "تدمرها، تنفيها" بسبب من انقطاع الدفق الحيوي في التربة، مصدر كل حياة بشرية، وهذا يعني أن ثنائية الحضارة -الطبيعة, هي من أهم التصورات المستنبطنة في اللاوعي البدائي٤. ٤- إن الأزمة المركزية الفارزة لكل توتر في الشعر الجاهلي, هي عدم استقرار الحضارة الآمنة والملبية للحاجات النفسية، أي: أزمة الحياة بأبعادها الثلاثة: الحضارة، الأمن، العشق٥. ٥- إن معلقة امرئ القيس هي أعظم العلقات طرًا؛ لأنها أكثر قدرة على مخاطبة مكوناتنا النفسية المؤسسة بفعل القهر التاريخي المزمن٦. ٦- من أسباب قصور الدراسات السابقة في الشعر الجاهلي أنها "عزفت عن إحالة الظاهر على باطن يسكنه بعمق, أي: هي لم تتعامل مع الأشكال الفنية

стр. 248

الجاهلية من حيث هي رموز تضمر ما لا يبتبدّى على سطحها"١. ٧- ثَمَّة ثلاث علاقات تؤلف واقع المعلقات الأعمق، هذا الواقع المنفتح على الخارج الاجتماعي والطبيعي، والعلاقات الثلاث هي: أ- حسّ الافتراس والصراع الدائر في طبيعة ماهيتها الشح من جهة، والنقض من جهة أخرى، أي: إن الجاهلي يسكنه شعور فحواه أن الطبيعة عبر قحلها تفترس الإنسان، وأن الإنسان يفترس الإنسان كذلك عبر التصاول الاجتماعي اليومي. ب- انبساط النزعة الفردية في تضخماتها واعتدالاتها، من حيث هي ردّ الفعل النفسي على الشعور باللا أمن. ج- الموقف النقدي من الحضارة وقيمتها القمعية العاملة على إقامة جدار من اللا تلبية أمام الغرائز المندفعة نحو الإشباع "معلقتا امرئ القيس وطرفة"٢. ٨- إن الشعر الجاهلي هو بمعنى ما مقاومة الطبيعة للتاريخ، استعصاء الإنسان على الاصطناعي وتمنعه، وبالتالي فهو صيحة أصيلة تبتغي التحرر وحماية الحياة٣. ٩- لئن كانت النزعة العشائرية قابلة للاختفاء في بعض المعلقات، فإن النزعة الفردية قلَّمَا تغيب عن المعلقة, بل وعن الشعر الجاهلي بوجهٍ عام, فمعلقتا امرئ القيس وطرفة تمثلان ترسيخ الخصوصية الفردية والتشبث بها ورفض التنازل عنها إزاء حركة الدغم الاجتماعية. وأما معلقة زهير فتمثل أعلى درجات الانصياع الفردية للكلية، وكذلك النزوع نحو أرقى حالات الالتئام الاجتماعي ككل, ويعكس لبيد جنوحه للسلم وإدانته للعدوان, وضرورة ارتداد الشر على البادئ, وذلك عبر قصة البقرة الوحشية. وتأتي معلقة عمرو بن كلثوم كتعبير عن النزوع الجامح نحو تأييد العشائرية والرفض المطلق للتنازل

стр. 249

عنها. وأما معلقة عنترة فهي بحث الخصوصية عن الاندماج في الكلية "الفرد في الجماعة" شريطة ألّا يتعارض هذا الاندماج مع الهوية الفردية النزاعة نحو التحقق عبر الفعل, وإن عنترة هو الفرد كما يريده المجتمع الجاهلي. وأما معلقة النابغة فتمثل الفردية في رضوخها للسلطة دون قيد أو شرط، وأما معلقة الأعشى فتمثل الفردية فيها حضورًا متكامل الثقل، ولكنها في الوقت نفسه فردية بعيدة عن الإشكالية والتنفج، وتختفي الفردية في معلقة عبيد بن الأبرص اختفاء كليًّا تقريبًا١. ١٠- نشعر من خلال مطالعتنا للمعلقات أن المحتوى النفساني للجاهلي يمكن تقليصه إلى مخزونين أساسين: أ- حسّ الافتراس الدائر في الطبيعة والمجتمع. ب- الشعور باضطهاد الأعراف الاجتماعية للغرائز البشرية٢. ١١- إن أهم ما نلاحظه على قصص حمار الوحش في الشعر الجاهلي يتبدَّى في نقطتين: أ- الربيع هو الإطار الزمني للقصة. ب- غاية حركة الحيون هي الماء٣. ١٢- الحيوانات حوامل لخصائص بشرية محضة٤. ١٣- ربما كان الصيد، كشكل فني، هو أقدر الأشكار الأدبية على فض ورسم صورة الصراع وتنازع البقاء٥. ١٤- إن البرهة الدفاعية التي تخوضها البقرة هي رمز لغربة الإنسان في المجتمع، وفي المجتمع حصرًا، لأن علاقتها الآن قد تحولت عن الطبيعة الإنسان٦.

стр. 250

١٥- العصر الجاهلي عصر بطولي حقًّا، فيه يغدو الموت في قبضة الإنسان مثلما أن الإنسان في قبضة الموت, ولذا غدت في هذا العصر الفروسية قيمة مثلى١. ١٦- الفرق الأساسي بين الشاعر الجاهلي والشاعر في أية مرحلة يكمن في أن الجاهلي يستهدف أن يخزن إنجازاته في مستودع القصيدة، بينما الآخر ينبغي أن يخزن ذاته خارج التاريخ٢. ١٧- وأخيرًا أن موضوعات المعلقة ليست بسيطة، كما يبدو للوهلة الأولى, إنها أشبه بالأسطورة التي تبدو مجرد مادة للتسلية، ولكنها في الحقيقة صورة فنية لمعنى الغور يربض في أعماق الذاتية البدائية٣. وقبل أن يشرع في تحليل معلقة أمرئ القيس يقرر منهجه بمطالبة حركة النقد الأدبية "بتحليل المورثات الجاهلية والتراثية بعامة بغية استبار المعنى الكلي المستتر في أعماق جزئياتها، وبغية ربطها بالشرط التاريخي والاجتماعي والبيئي الذي أثمرها، من أجل الوصول إلى الكيفية التي أثر بها تقدم التاريخ على مضمون الإنسان"٤. ويؤكد بعد ذلك بأن "المضمون التحتاني لمعلقة هذا الشاعر هو الاستنكاف الذي أبداه الإنسان منذ الأيام الأولى لنشوء القهر واضطهاد الحرية"، وأن هذه القصيدة هي "أعظم احتجاج على الحظر قدمه الشعر الجاهلي قاطبة"٥. وحتى نستوعب قيمتها كأدب مقاوم, فإن علينا "أن نربطها بالتغيرات التاريخية العميقة التي كانت قد ترسخت في المرحلة الجاهلية، والتي كانت تنحو نحو تأسيس أخلاق جماعية لها قوة إقحام التاريخي على الغرائز أو قوة إملائه"٦. وتبدأ المعلقة بالبرهة الطللية حيث يتجلى "قمع العلاقات العشقية على أشده، وحيث يتبدى الألم في كلية حضوره"٧, وتشغل البرهة الطللية الأبيات "١-
следующие страницы →