← Адаб

Адаб · id 10001

شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام

النعمان عبد المتعال القاضي

Полный текст (304 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لنأتي معشرًا ألبوا علينا ... إلى الأنبار أنبار السواد١ وبعد أن ينقذ خالد عياضًا، ويثأر العرب من بكر بن وائل لمقتل عقة ولهزيمة عين التمر، يوجه خالد أمراءه إلى الحصيد والخنافس والزميل ليبيتوا العرب على غرة، ويقتل روزمهر قائد بيد القعقاع بن عمرو، الذي يفخر بقتله لحليلته فيقول: ألا أبلغا أسماء أن حليلها ... قضى وطرا من روزمهر الأعاجم غداة صبحنا في حصيد جموعهم ... بهندية تفري فراخ الجماجم٢ واستطاع أبو ليلى أن يهزم المهبوذان في الخنافس، فقال يفتخر بصنيعه: وقالوا ما تريد فقلت: أرمي ... جموعًا بالخنافس بالخيول فدونكم الخيول فألجموها ... إلى قوم بأسفل ذي أثول وفينا بالخنافس باقيات ... لمهبوذان في جنح الأصيل٣ وصور الشعر هذا الحلف الغريب من الفرس والروم والعرب، الذين جمعت بينهم الظروف على المسلمين في وقعة الفراض، ونصر الله المسلمين وقطع دابر الحلف بأيديهم، فقال القعقاع: لقينا بالفراض جموع روم ... وفرس غمها طول السلام أبدنا جمعهم لما التقينا ... وبيتنا بجمع بني رزام فما فتئت جنود السلم حتى ... رأينا القوم كالغنم السوام٤ وفي أول لقاء لجيش أبي عبيد مع الفرس في النمارق يستحر القتال، ويستبسل المسلمون حتى ينتصروا على رستم، ويأسروا قائديه جابان ومردان شاه، فيستبيحوا السواد يجوسون خلاله بعدما هاجروا نحو ربهم فأنالهم أكتاف الفرس، يقول عاصم بن عمرو:

стр. 107

لعمري وما عمري على بهين ... لقد صبحت بالخزي أهل النمارق بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم ... يجوسونهم ما بين درتا وبارق قتلناهم ما بين مرج مسلح ... وبين الهوافي من طريق البذارق١ ويفزع أهل السواد إلى أبي عبيد يطلبون الصلح، ويقدمون الهدايا والأطعمة الفارسية وتمر النرسيان، بعد أن دانت للمسلمين قرى السواد، واستباحه المسلمون، يقول عاصم بن عمرو: ضربنا حماة النرسيان بكسكر ... غداة لقيناهم ببيض بواتر وفزنا على الأيام والجرر لاقح ... بجرد حسان أو يبرد غوابر وظلت بلاد النرسيان وتمره ... مباحًا لمن بين الديار الأضافر أبحنا حمى قوم وكان حماهم ... حرامًا على من رامه بالعساكر٢ وفي قس الناطف تحدث كارثة الجسر، تلك الهزيمة الوحيدة التي لحقت بالمسلمين في جميع فتوحاتهم؛ إذ أخذتهم السيوف والغرق والفرار من كل جانب، وقد ترامت أنباء الهزيمة في بلاد العرب، ورن صداها في كل قلب، يقول حسان بن ثابت لما بلغته الكارثة بالمدينة: لقد عظمت فينا الرزيئة إننا ... جلاد على ريب الحوادث والدهر على الجسر قتلى لهف نفس عليهم ... فيا حسرتا ماذا لقينا من الجسر٣ وعلى الرغم من هذا، فإننا لا نجد غير أبيات تنسب إلى أبي محجن الثقفي في وصف المعركة، ورثاء نفر من شهداء المسلمين، وطبيعي أن تسكت أصوات الشعراء في هذه المحنة، يقول أبو محجن:

стр. 108

أنى تسدت نحونا أم يوسف ... ومن دون مسراها فياف مجاهل إلى فتية بالطف نيل سراتهم ... وغودر أفراس لهم ورواحل وأضحى أبو جبر خلاء بيوته ... وقد كان يغشاها الضعاف الأرامل وأضحت بنو عمرو لدى الجسر منهم ... إلى جانب الأبيات جود وناذل وما لمت نفسي فيهم غير أنها ... لها أجل لم يأتها وهو عاجل وما رمت حتى مزقوا برماحهم ... إهابي وجادت بالدماء الأباجل وحتى رأيت مهرتي مزوئرة ... لدى الفيل يدمي نحرها والشواكل مررت على الأنصار وسط رحالهم ... فقلت: ألا هل منكم اليوم قافل ألا لعن الله الذين يسرهم ... رداي وما يدرون ما الله فاعل١ وكانت الفيلة قد فعلت أفاعليها في المسلمين فشتتهم. وكان أن أذن عمر لمن كان ارتد بالالتحاق بجند العراق ليطهروا، فإذا بهم يتدفقون إلى المثنى، وإذا بهم يخوضون تحت لوائه معركة الثأر والنصر، وقد شاع في نفوسهم إحساس بالاستماتة والتفاني للتكفير عما اقترفوه، كما استمات فل الجسر لمسح عار الهزيمة، وكانت معركة البويب معركة لم يشهد المسلمون والفرس أشد منها، حتى كانت العظام تلوح تلالًا من هام الفرس وأوصالهم، وتحزر بمائة ألف من جثثهم٢. وتغنَى الشعراء بهذا النصر، وعقدوا أكاليل الغار للمثنى. يقول الأعور العبدي الشني: هاجت لأعور دار الحي أحزانا ... واستبدلت بعد عبد القيس خفانا وقد أرانا بها والشمل مجتمع ... إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا أزمان سار المثنى بالخيول لهم ... فقتَّل الزحف من فرس وجيلانا سما لمهران والجيش الذي معه ... حتى أبادهم مثنى ووحدانا٣

стр. 109

ووجد أبطال المسلمين في قتلهم مهران شرفًا تنازعه كثيرون منهم، وكثر في ذلك جدالهم. وكان أشهر من تنازع قتله حسان بن المنذر بن ضرار الضبي، وجرير بن عبد الله البجلي، ويظهر أن حسانًا قد طعنه، ثم ضربه جرير بعد ذلك، ولكن حسانًا ينكر أن يكون جرير قد شاركه هذا الشرف فيقول: ألم ترني خالست مهران نفسه ... بأسمر فيه كالخلال طرير فخر صريعًا والتقاني برجله ... وبادر في رأس الهمام جرير فقال قتيلي والحوادث جمة ... وكاد جرير للسرور يطير فقال أبو عمرو: وقتلى قتلته ... ومثلى قليل وللرجال كثير فأرسل يمينًا "أن رمحك ناله" ... وأكرم إن تحلف وأنت أمير١ ثم تكون بعد ذلك المعركة الحاسمة في القادسية، التي تجهز لها الفرس والعرب بكل ما يطيقون، وحشد لها عمر أهل الرأي والشجاعة والخطابة والنجدة، يحضون الناس ويلهبون مشاعرهم. والتقى سعد بجيش هو خلاصة الأمة الإسلامية مع الفرس في ثلاثة أيام بثلاث ليال، متصلة الحرب حامية الوطيس، ولعب الشعر دوره في المعركة، فلم يكن القتال يبدأ قبل أن يمر الشعراء بين الصفوف يرغبون الناس، ويقدحون عزمهم فينشب أهل النجدات القتال، بينما يشعل الرُّجَّاز أُوار الحماس، كما حدث في أول يوم، فقد برز غالب بن عبد الله الأسدي يرتجز بدء القتال فقال: قد علمت واردة المسالح ... ذات البيان واللسان الواضح أني سمام البطل المشايح ... وفارج الأمر المهم الفادح٢ فإذا بهرمز أحد ملوك الباب يبرز فيأخذه غالب أسيرًا، وخرج بعده عاصم بن عمرو التميمي يرتجز قائلًا:

стр. 110

قد علمت بيضاء صفراء اللبب ... مثل اللجين إذ تغشاه الذهب أني امرؤ لا من يعينه السبب ... مثلي على مثلك يغريه العتب١ وظل القتال دائرًا يغذيه الرجاز والشعراء بلهيب لا ينفد، حتى حال الليل بين الفريقين، ولقد أبلى في هذا اليوم عاصم بن عمرو بلاء رائعًا، وهو يقول عن هذا اليوم المسمى بأرماث: حمينا يوم أرماث حمانا ... وبعض الناس أولى بالجمال٢ يشير إلى ما كان من انتداب سعد لتميم لتدافع عن أسد، الذين أضرت بهم الفيلة ضررًا بليغًا. وفي صباح اليوم الثاني يوم أغواث، الذي أغاث فيه القعقاع المسلمين بجند الشام استطاع المسلمون أن يوقعوا بالفرس في غيبة الفيلة التي قطع وضنها عاصم في اليوم الأول، ورفه هذا عن المسلمين، واستمر القتال إلى منتصف الليل، وكفة المسلمين أرجح، وجدد مدد الشام أمل المسلمين، حينما رأوا القعقاع يصول في صفوف الفرس، يقتل من يلقاه، وكان سعد قد حبس أبا محجن الثقفي، فلما اشتد القتال وتردد تكبير الناس في أذنه ثارت حميته، واستعفى سلمى زوج سعد أن تحل قيده، وأن تعيره البلقاء فرس سعد، وأقسم أن يرجع فيضع قدمه في القيد، فرفضت رجاءه فقال: كفى حزنًا أن ترتدي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودًا على وثاقيا إذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... مصاريع دوني قد تصم المناديا وقد كنت ذا مال كثير وإخوة ... فقد تركوني واحدًا لا أخا ليا ولله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت ألا أزور الحوانيا٣ فلما سمعت سلمى شعره رقت له وأطلقته، فاقتاد البلقاء، وركبها وعليه سلاحه، وانطلئق يقصف الأعداء بسيفه قصًّا منكرًا، وسعد يقول: لولا محبس أبي محجن لقلت هذا أبو محجن، فلما انقضى اليوم رجع فوضع قدميه في القيد، وظل القتال إلى الليل،

стр. 111

والمسلمون آملون في الظفر، يفعلون في الفرس أفاعيلهم، حتى ليقال: إن القعقاع قد زاحف الفرس ثلاثة وثلاثين زحفًا، فقتل في كل منها فارسًا، وكان آخرها الذي قتل فيه يزرجمهر، وقال في قتله: حبوته جياشة بالنفس ... هدارة مثل شعاع الشمس في يوم أغواث فليل الفرس ... أنخس بالقوم أشد النخس حتى تفيض معشري ونفسي١ وفي الصباح الثالث لم يكن القعقاع قد غمض له جفن، فقد سرب جنده تحت جنح الليل إلى المكان الذي أقبلوا منه، وأمرهم أن يتقاطروا مائة مائة، فإذا بهم يفعلون، يتبعهم هاشم بن عتبة في بقية جند الشام، وأخذ يحمل على الأعداء فيهد صفوفهم، ولكن الفيلة عادت في هذا اليوم تفعل بالمسلمين كفعلها يوم أرماث وتشتت خيول المسلمين، حتى تمكن القعقاع والربيل من عيونها ومشافرها فولت تثب في النهر، واشتد القتال واستحر، وخيم الظلام، فلم يفصل بين الفريقين، ولم يكن يسمع غير صليل السيوف وهرير الفرسان. وزاحف القعقاع دون إذن سعد، وتبعته القبائل تحذو حذوه، فما جاء الظهر حتى أظهر الله المسلمين، فهدموا المجنبتين، وانفرج القلب فانقضوا عليه، وبلغ أهل النجدة سرادق كسرى ويه رستم فقتله الله. وكان صوت القعقاع وهو يترجز بشير الظفر: نحن قتلنا معشرًا وزائدا ... أربعة وخمسة وواحدا نحسب تحت اللبد الأساودا ... حتى إذا ماتوا دعوت جاهدا الله ربي واحترزت عامدا٢ كانت القادسية المعركة الفاصلة في الفتوح الشرقية، ولم يرَ المسلمون ولا الفرس وقعة أشد منها هولًا، فقد فقد المسلمون ثمانية آلاف شهيد. وكان قتلى الفرس ثلاثين ألفًا، وأبلى أبطال المسلمين فيها بلاء فخروا به، وسجلوه على الدهر في شعرهم. وكانت

стр. 112

أرجازهم طبولًا تدفع بالمسلمين إلى اقتحام الأهوال، وتدفع بهم إلى أن يكونوا نماذج رفيعة لبقية المجاهدين. وهذا هو عمرو بن معديكرب الزبيدي يصيح طربًا كأنه غلام مفتون وهو يرى صفوف الفرس تميل تحت وقع ضرباته: أنا أبو ثور وسيفي ذو النون ... أضربهم ضرب غلام مجنون يآل زبيد إنهم يموتون١ وقد تخلف عن القادسية كثرة شعر الفتوح الشرقية؛ إذ شهدها نفر من الشعراء المكثرين والمشهورين، وانطلق الشعر على ألسنة الفاتحين، وكأنما هو طقس حتمي من طقوس الحرب والاقتحام، وقد صورت جوانب المعركة تصويرًا دقيقًا، وصفت فيه الحوادث والمشاعر، وفخر المجاهدون ببلائهم، وأشادوا بما قدموا. وطريف هذا التنازع الشعري حول مقتل رستم، الذي اشترك فيه طائفة من كبار الفرسان الشعراء، وتنازعوا فيه دمه، من مثل عمرو بن معديكرب الزبيدي، وقيس بن مكشوح، وعمرو بن شأس الأسدي، وزهير بن عبد شمس، وغيرهم من الفرسان أمثال طليحة بن خويلد، وقرط بن جماح العبدي، وضرار بن الأزور الأسدي، وهلال بن علفة التميمي. يقول قيس بن مكشوح: جلبت الخيل من صنعاء تردي ... بكل مذجج كالليث سامي إلى وادي القرى فديار كلب ... إلى اليرموك فالبلد الشآمي وجئن القادسية بعد شهر ... مسومة دوابرها دوامي فناهضنا هنالك جمع كسرى ... وأبناء المرازبة الكرام فلما أن رأيت الخيل جالت ... قصدت لموقف الملك الهمام فأضرب رأسه فهوى صريعًا ... بسيف أفل ولا كهام وقد أبلى الإله هناك خيرًا ... وفعل الخير عند الله نامي٢

стр. 113

وهذا زهير بن عبد شمس ينسب هذا الشرف إلى نفسه فيقول: أنا زهير وابن عبد شمس ... أرديت بالسيف عظيم الفرس رستم ذا النخوة والدمقس ... أطعت ربي وشفيت نفسي١ وهذا عمرو بن شأس الأسدي يفخر بهذا الصنيع وينسبه إلى قبيلته، ويطلقه في عمومها: جلبنا الخيل من أكتاف نيق ... إلى كسرى فوافقها رعالا تركن لهم على الأقتام شجوا ... وبالحقوين أيامًا طوالًا وداعية بفارس قد تركنا ... تبكي كلما رأت الهلالا قتلنا رستما وبنيه قسرا ... تثير الخيل فوقهم الهيالا وفر الهرمزان ولم يحامي ... وكان على قبيلته وبالا تركنا منهم حيث التقينا ... قيامًا ما يريدون ارتحالا٢ وأيا كان من قتل رستم، فإنه يبدو أن المتنازعين جميعًا قد اشتركوا في قتله أو ساعدوا عليه، وصور الشعر في هذه المعركة موقفًا دقيقًا كاد يودي بوحدة المجاهدين أمام أعدائهم، ذلك أن سعد بن أبي وقاص عاوده أول المعركة مرض كان يتردد عليه، جعله لا يستطيع أن يركب أو يجلس، فهو مكب على وجهه، وفي صدره وسادة يعتمد عليها، ويشرف على الناس من القصر، يرمي بالرقاع فيها أمره ونهيه، وقد نمت هذه الأنباء إلى الفرس فاستبشروا بها، ثم نمى إليهم: أن المسلمين برموا بسعد وتندروا بمرضه، وأن قائلًا منهم يقول: نقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب القادسية معصم فأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهن أيم٣

стр. 114

وبلغ سعدًا ما تندر به الناس، وأن طائفة من وجوه القوم تتهمه وتشغب عليه، وترميه بالخور وضعف العزم، فحز ذلك في نفسه وأثار غضبه، فأمر بأن يحمل وأشرف على الناس حتى يروا ما به، ثم شتم من شغب، وهم بهم وقال: "أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالًا لغيركم، والله لا يعود أحد بعدها يحبس المسلمين عن عدوهم، ويشاغلهم وهم بإزائهم، إلا سننت به سنة يؤخذ بها بعدي"١. وإزاء هذا الحزم أعلن الناس ولاءهم وطاعتهم. وقال جرير بن عبد الله البجلي: "إني بايعت رسول الله ﷺ على أن أسمع وأطيع لمن ولاه الله الأمر، وإن كان عبدًا حبشيًّا". فسرت هذه الروح في نفوس الجند وسكنت بوادر الفتنة. ويذكر بعض الباحثين أن أبا محجن الثقفي كان فيمن حبسهم سعد في هذا اليوم بسبب تخرصهم٢. ويروى أن الشاعر المتخرص هو النعمان بن قبيصة، وأن عبد الله بن سنان الأسدي جادله بطعنة أخرست صوته إلى الأبد، وذكر أنه لم يفعل هذا إلا حمية لقريش يقول: لقد غادر الأقوام ليلة أدلجوا ... بقصر العبادي ذا الفعال مجدلا دلفت له تحت العجاج بطعنة ... فأصبح منها في النجيع مرملا أقول له والرمح في نغض كتفه ... أبا عامر عنك اليمين تحللا سقيت بها النعمان كأسًا روية ... وعاطيته بالرمح سما مثملا تركت سباع الجو يعرقن حوله ... وقد كان عنها لابن حية معزلا كفيت قريشًا إذا تغيب جمعها ... وهدمت للنعمان عزا مؤثلا٣ ويبدو في حديث جرير بن عبد الله البجلي -الذي يشبه الاعتذار- أنه كان ينفس على سعد إمارة الجيش؛ ولذلك قال قولته التي تلقفها المتخرصون، وفيها ينسب سعدًا إلى الجبن:

стр. 115

أنا جرير كنيتي أبو عمر ... قد نصر الله وسعد في القصر١ وقد عرف سعد كيف يرد قالة جرير، عندما أشاد ببطولة أميرين من أمراء الجيش وببلائهما، هما القعقاع بن عمرو، وجمال بن جويه الكناني، وأظهر استهانته ببجيلة كلها فقال: وما أرجو بجيلة غير أني ... أؤمل أجرها يوم الحساب وقد لقيت خيولهم خيولًا ... وقد وقع الفوارس في الضراب فلولا جمع قعقاع بن عمرو ... وحمال للجوا في الكذاب هموا منعوا جموعكم بطعن ... وضرب مثل تفتيق الإهاب ولولا ذاك ألفيتم رعاء ... تشل جموعكم مثل الذباب٢ وبرغم هذا الجو المضطرب الملتهب الذي سيطر على المعركة، فإن فسحة من الوقت ضئيلة، ولحظات من خلو البال -في أوقات الراحة النادرة- كانت تتبدى للمجاهدين كالبريق الخاطف على أطراف الأسنة يختلسونها فيعالجون فيها أمورًا خاصة تتعلق بحيواتهم الاجتماعية والشخصية.. ومر أن بعض المحاربين كانوا تحملوا بنسائهم، وأن أكثرهم استصحابا لنسائهم يوم القادسية كانوا بجيلة والنخع، فكان في النخع سبعمائة امرأة، وفي بجيلة ألف منهن، ولم تستطع أهوال الحرب أن توقف مصاهرة أحياء العرب لهاتين القبيلتين فاستوعبوهن؛ ولذا سميت النخع وبجيلة بأختان العرب أو بأصهارهم٣. وكانت "أروى" بنة عامر الهلالية النخعية قد تقدم لخطبتها ثلاثة من المجاهدين، هم: بكير بن عبد الله الليثي، وعتبة بن فرقد السلمي، وسماك بن خراشة الأنصاري، وكانت أختها تحت القعقاع بن عمرو، فاستشارته أيهم جدير بها؟ فكان جوابه شعرًا يقول فيه: فإن كنت حاولت الدراهم فانكحي ... سماكًا أخ الأنصار أو ابن فرقد وإن كنت حاولت الطعان فيممي ... بكيرًا إذا ما الخيل جالت عن الردي وكلهم في ذروة المجد نازل ... فشأنكم إن البيان عن الغد٤

стр. 116

وفتح المسلمون المدائن الدنيا على شاطئ دجلة الغربي، وكان عليهم أن يعبروا النهر إلى المدائن القصوى، بالشاطئ الشرقي، واستطاعوا بمعاونة بعض أهل البلاد أن يخوضوا مخاضة في سرعة أذهلت أهل المدائن، ففوجئوا بالمسلمين دون أن يروا سفينا. وكان للرجاز شأن كبير في تشجيع المجاهدين على عبور دجلة؛ إذ وقف نفر منهم على الشاطئ الغربي يدفعونهم ويبشرونهم ويذكرونهم بالجزاء والثواب، يقول مالك بن عامر بن هانئ وهو أول من عبر دجلة يومئذ: امضوا فإن البحر بحر مأمور ... والأول القاطع منكم مأجور قد خاب كسرى وأبوه سابور ... ما تصنعون والحديث مأثور١ وكان يزدجرد قد سبق المسلمين وفر إلى حلوان، وغنم المسلمون أمواله وخزائته وجواهره، فكانت غنائمهم في ذلك اليوم لا تحصى، مما أسال ألسنة الشعراء في وصفها، يقول أبو بجيد نافع بن الأسود: وأسلنا على المدائن خيلا ... بحرها مثل برهن أريضا فانتشلنا خزائن المرء كسرى ... يوم ولوا وحاض منا جريضا٢ وطارد المسلمون في هذا اليوم بغلا كان محملًا بجواهر كسرى ومخصصاته من حلي ودروع فألجئوه إلى الماء، وأخرجه زهرة بن حويه وهو يرتجز قائلًا: فدا لقومي اليوم أخوالي وأعمامي ... هم كرهوا بالنهر خذلاني وإسلامي هم فلجوا بالبغل في الخضام ... بكل قطاع شئون الهام وصرعوا الفرس على الآكام ... كأنهم نعم من الأنعام٣ وبعد فتح المدائن مصرت الكوفة والبصرة، وصارتا مركزين حربيين، أنيط بهما فتح الجناح الشرقي في هذا الميدان، وصار لكل منهما جند خاص، وقد أشار إلى ذلك عبدة بن الطبيب فأسماها كوفة الجند في قوله:

стр. 117

إن التي وضعت بيتًا مهاجرة ... بكوفة الجند قد غالت بها غول١ وكان من أول مجهودات هذين المعسكرين إخضاع الجزيرة التي كانت بمثابة قاعدة حربية لحلفاء الروم من نصارى العرب، فنفس ذلك عن المجاهدين في الشام، وقد أشار إلى هذا عياض بن غنم فقال: من مبلغ الأقوام أن جموعنا ... حوت الجزيرة يوم ذات زحام إن الأعزة والأكارم معشر ... فضوا الجزيرة عن فراخ الهام جمعوا الجزيرة والغياث فنفسوا ... عمن بحمص غيابة القدام غلبوا الملوك على الجزيرة فانتهوا ... من غزو من يأوي بلاد الشام٢ وبفتح الجزيرة استتب للمسلمين أمر العراق.

стр. 118

٣- الشعر على طول الدروب إلى خراسان: وتتابعت فتوح أهل الكوفة وأهل البصرة والجيش الضارب الذي فتح العراق على طول الدروب إلى خراسان، ووصف الشعراء هذه المناطق البعيدة التي وطئوها لأول مرة، ورأوها تختلف في جوها وطبيعتها ومظاهر حياتها اختلافًا بينًا عما عهدوا في جزيرتهم، وفي مراحل الفتح الأولى في العراق، فصوروا إعجابهم تارة وعجبهم تارة أخرى، وعبروا عن أحاسيسهم بالرضا أو السخط بهذه البلاد، وهذا نافع بن الأسود يصف إعجابه بريف الري فيقول: رضينا بريف الري والري بلدة ... لها زينة من عيشها المتواتر لها نشز في كل آخر ليلة ... تذكر أعراس الملوك الأكابر١ هذا بينما يشكو سراقة بن عمرو الذي وكل إليه أبو موسى الأشعري فتح الدربند حياته المضطربة هناك فيقول:

стр. 119

ومن يك سائلًا عني فإني ... بأرض لا يواتيها القرار بباب الترك ذي الأبواب دار ... لها في كل ناحية مغار نذود جموعهم عما حوينا ... ونقتلهم إذا باح السرار١ وفي فتوح هذه المناطق البعيدة وجد شعر يحن فيه المجاهدون إلى وطنهم، ويتشوقون إلى أهليهم، ويذمون اغترابهم ووحشة هذه المناطق، يقول أحد المجاهدين في الحنين إلى نجد: أكرر طرفي نحو نجد وإنني ... برغمي وإن لم يدرك الطرف أنظر حنينًا إلى أرض كأن ترابها ... إذا أمطرت عود ومسك وعنبر بلاد كأن الأقحوان بروضة ... ونور الأقاحي وشيء برد مخبر أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر وما نظري من نحو نجد بنافع ... أجل -لا- ولكني إلى ذاك أنظر أفي كل يوم نظرة ثم عبرة ... لعينك مجرى مائها يتحدر متى يستريح القلب إما مجاوز ... بحرب وإما نازح يتذكر٢ ويغلب على شعر الحنين هذا في مجموعه حزن رفيق ولوعة رقيقة. وفي الوقت الذي كان جند الكوفة والبصرة يفتحون فيه هذه المناطق كان سعد بن أبي وقاص بعد فراغه من المدائن يقضي على الفتن التي أثارها يزدجرد بإمداده للفرس من حلوان، واستطاع هاشم والقعقاع إحباط هذه الفتن، والقضاء على تجمعات الفرس في جلولاء، ففر جند الفرس عن المدينة، ويصور أحد الرجاز الذين شهدوا جلولاء ضراوة القتال فيها فيقول: يارب مهر حسن مطهم ... يحمل أثقال الغلام المسلم ينجو إلى الرحمن من جهنم ... يوم جلولاء ويوم رستم

стр. 120

ويوم زحف الكوفة المقدم ... ويوم لاقى ضيعة مهزم شين أصداغي فهن هرم ... مثل ثغام البلد المحرم وخر دين الكافرين للفم١ ثم طارد القعقاع فل جلولاء إلى حلوان فاحتلها، بعد أن فر يزدجرد إلى الري فقال القعقاع: فنحن الأولى فزنا بحلوان بعدما ... أرنت على كسرى الإما والحلائل٢ ووجه سعد بضرار بن الخطاب إلى ماسبذان شرقي حلوان؛ حيث كان آذين أحد عظماء الفرس قد جمع جموعًا عظيمة من الفرس والعرب، وخرج بهم إلى السهل، فقتله ضرار واستولى على الناحية فقال: ويوم حبسنا قوم آذين جنده ... وقطرته عند اختلاف العوامل وزود وآذينا وفهدًا وجمعهم ... غداة الوغى بالمرهفات الصواقل فجاءوا إلينا بعد غب لقائنا ... بماسبذان بعد تلك الزلازل٣ وأرسل سعد عمرو بن مالك إلى هيت وقرقيسيا، فاضطر أهلها إلى النزول على الجزية، ويبدو أنهم لم يقروا بها إلا بعد عناد وغدر، حتى ليذكر عمرو أنهم قتلوهم بعدما دانوا بالجزية فيقول: ونحن جمعنا جمعهم في حفيرهم ... بهيت ولم نحفل لأهل الحفائر وسرنا على عمد نريد مدينة ... بقرقيسيا سير الكماة المساعر فجئناهم في دراهم بغتة ضحا ... فطاروا وخلوا أهل تلك المحاجر فنادوا إلينا من بعيد بأننا ... ندين بدين الجزية المتواتر قتلنا ولم نردد عليهم جزاءهم ... وحطناهم بعد الجزا بالبواتر٤

стр. 121

وراح المجاهدون يتتبعون يزدجرد، الذي كان يمثل للفرس رمز بلادهم السلبية فتتجمع حوله الفلول، وتثور تاثرة الفتنة من حين لآخر، وكان قد فر -من جلولاء إلى حلوان، ومنها إلى الري، فقرميسين، ثم إلى نهاوند- أمام جنود المسلمين حيث راح يحشد الحشود لآخر معركة تستهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه حتى اجتمع فيها مائة وخمسون ألفًا بقيادة الفيرزان١. وكان اهتمام المسلمين بها عظيمًا أيضًا، حتى لقد هم عمر بالخروج إليها بنفسه، وقد انتصر المسلمون فيها بفضل الخطة البارعة التي وضعها فرسان المسلمين، ونفذها القعقاع الذي يصور بلاء المسلمين في قوله: ونحن حبسنا في نهاوند خيلنا ... لشر ليال أنتجت للأعاجم ملأنا شعابًا في نهاوند منهم ... رجالًا وخيلًا أضرمت بالضرائم وراكضهن الفيرزان على الصفا ... فلم ينجه منها انفساح المخارم٢ انتهت مقاومة الفرس الرسمية بوقعة نهاوند، التي تعرف بفتح الفتوح؛ لأنه لم يكن بعدها حرب خطيرة، وشغل المسلمون بتعقب يزدجرد حتى يقضوا على الشغب الذي يثيره، وكان هذا العمل داخلًا في مهمة الأحنف بن قيس، الذي عقد له لواء خراسان. وكان عمر قد عقد لرؤساء الجند ليفتحوا بلدان الأطراف، فوجه عثمان بن أبي العاص إلى أصطخر وسار ابن زنيم إلى فساودراخرد، وسهيل بن عدي إلى كرمان، وعاصم بن عمرو إلى سجستان، والحكم التغلبي إلى مكران. وكان يزدجرد قد فر من نهاوند إلى أصفهان، فتقدم جند الأحنف إليها، ففر إلى أصطخر، ولكنه لم يأمن إزاء ألوية المسلمين، التي كانت تستبرئ الأهوار وخوزستان، فغادر المنطقة بأسرها إلى المقاطعات العليا من طبرستان، يلبي دعوة جاءته من مرزبانها٣.

стр. 122

وتقدمت قوات الأحنف تتساقط أمامها مدن خراسان، فاحتلت الطبسين وهراة، ومرو ونيسابور، وتطارد يزدجرد حتى تلجئه إلى الهرب إلى خاقان -ملك الترك في ما وراء النهر١. وقد صور الشعر هذه الوثبات الجريئة لجند الأحنف في خراسان، فقال ربعي بن عامر أحد جنده البواسل: ونحن وردنا من هراة مناهلا ... رواء من المروين إن كنت جاهلا وبلخ ونيسابور قد شقيت لنا ... وطوس ومرو قد أزرن القنابلا أنخنا عليها كورة بعد كورة ... نفضهم حتى احتوينا المناهلا فلله عينا من رأي مثلنا معا ... غداة أزرنا الخيل تركا وكابلا٢ وأيقن أمراء المقاطعات بانتهاء سلطان يزدجرد فتخلوا عنه. وبعد سلسلة التنقلات التي قام بها قتل في مرو، فسقطت أسرة آل ساسان، وصور أبو بجيد -أحد الفاتحين- هذه النهاية بقوله: ونحن قتلنا يزدجرد ببعجة ... من الرعب إذ ولى الفرار وغارا غداة لقيناهم بمور تخالهم ... نمورًا على تلك الجبال ونارا قتلناهم في حربة طحنت بهم ... غداة الرزيق إذا أراد جوارا ضممنا عليهم جانبيهم بصادق ... من الطعن ما دام النهار نهارا فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لغادت عليهم بالرزيق بوارا٣ وكان المسلمون قد بلغوا في تعقبهم ليزدجرد إلى حدود النهر، ولم يكن عمر يرى الانسياح فيما وراءه، كما كان شأنه يوم أراد الاكتفاء بالعراق، وتمنى لو أن يبين السواد والجبل سدا يفصل بين العرب والفرس، حتى أقنعه الأحنف بتأمين تخوم العراق والسواد٤.

стр. 123

وهم المجاهدون بعبور النهر، ولكن عمر لم يرَ رأيهم، فاكتفوا بالانسياح في سواحل كرمان، وتقدموا إلى مكران، ثم حاز الحكم التغلبي كرمان ذاتها ولم يتقدم، وقال في ذلك مشيرًا إلى أوامر عمر: غداة أدفع الأوباش دفعًا ... إلى السند العريضه والمداني فلولا ما نهى عنه أميري ... قطعناه إلى البلد الزواني١ ويكاد يكون عهد عثمان بن عفان تأكيدًا للفتح، وقضاء على الانتفاض، فلم يحدث في هذا الميدان لعهده غير فتح طبرستان، وغدا ذلك شغل أمراء الجند باستعادة أذربيجان ومناطق فارس وخراسان، التي قتل أهلها أميرهم عبيد الله بن معمر، فسير إليهم الخليفة عبد الله بن عامر فاستردها، وقال أحد جنده أسيد بن المتشمس في ذلك: ألا أبلغا عثمان عني رسالة ... لقد لقيت عنا خراسان ناطحا رميناهم بالخيل من كل جانب ... فولوا صراعًا واستعادوا النوابحا غداة رأوا الخيل العراب مغيرة ... تقرب منهم أسدهن الكوالحا تنادوا إلينا واستجاروا بعهدنا ... وعادوا كلابا في الديار نوابحا٢ وهكذا رافق الشعر موكب الفاتحين شرقًا خطوة خطوة، وواكب المد المنطلق إلى غايته طوال الطريق، لم يغادر حادثة إلا سجلها، ولم يترك وقعة إلا صورها. وهذا ما يجعل شعر الفتوح الشرقية سجلًّا هامًّا ووثيقة تاريخية، ومرجعًا وجدانيًّا بالغ القيمة في الكشف عن عواطف الفاتحين وظروف حياتهم في الميدان، وما كان يضطرب في أعماقهم من مشاعر وأحاسيس، صورها الشعر تصويرًا واضحًا شاملًا.

стр. 124

الفصل الثالث: الشعر في فتوح الشام ومصر وإفريقية ١- قلة الشعر على ألسنة الفاتحين: في اعتقادنا أن وقفة كتلك التي وقفناها من تصنيف الجيوش والإمدادات في فتح العراق وفارس ضرورية هنا للكشف عن الأسباب الفاعلة التي أدت إلى قلة الشعر على ألسنة الفاتحين في الشام وفي مصر، وهي كفيلة في نفس الوقت بالكشف عن طبيعة الاختلاف بين شعر الفتوح في الميادين المختلفة، وقيمة الإنتاج الشعري لهذه المناطق فيما بعد عصر الفتوح. ونحن لا نجد هنا تلك الروايات الواضحة التي وجدنا في العراق، في تصنيف الجيوش والأمداد التي فتحته وانطلقت منه إلى فارس وخراسان، وفي الكيفية التي تشكلت بها هذه القوات. وحقًّا نحن نجد أنفسنا أمام فيض متدفق من الروايات والقيادات والأسماء، مثل: أبي عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، وشرحبيل، ويزيد بن أبي سفيان ومعاوية، والوليد بن عقبة، وخالد بن سعيد، وعكرمة، وذي الكلاع وغيرهم، ولكننا نجد أيضًا أن خلطًا بينًا قد حدث في التأريخ لهذه الجيوش والأمداد وزمان انطلاقها، والكيفية التي تم تشكيلها عليها، وقد تغاضى عنها المؤرخون لسبب أو لآخر. وربما كان سبب الخلط الذي حدث في هذه الجيوش وقادتها راجعًا إلى كثرتها، وإلى الطريقة التي سار عليها الاستنفار والتجنيد، واختلافها في موقف عن الآخر، ويرجع إهمال الفواصل الزمنية بينها إلى اختلاف القيادات، وتعيين بلدان الفتح قبل مسير القوات إلى الشام، ودوران المعارك كلها في الشمال والجنوب في وقت واحد، إلى جانب تعاون الميادين المختلفة في تعاور الجيوش واستبدالها، وفتح بعض المناطق أكثر من مرة. ولم يكن التغاضي عن تصنيف الجيوش في روايات المؤرخين راجعًا إلى ذوبان العصبيات القبلية ذوبانًا نهائيًّا ألغيت معه العصبيات، وإنما يرجع ذلك إلى أن الفاتحين في

стр. 125

هذا الميدان لم يختطوا لهم خطة، ولم يبتنوا محلة أو مدينة فيه كما فعلوا بالعراق، وكما فعلوا في مصر بعد ذلك، فلم يكتب لهم إقامة فيه؛ إذ تحولوا عنه إلى مصر. وقد ساعد على اختلاط تصنيف الجيوش الفاتحة للشام أنها لم تجيش في كثرتها من المدينة؛ وإنما خرجت إلى الميدان من العراق، ومن أطراف شبه الجزيرة، حينما استنفر أبو بكر عماله ففصلوا بجند من عمالاتهم. وبرغم هذا فإننا نستطيع بمعونة الروايات القليلة التي بين أيدينا أن نصف جند الفتح الإسلامي للشام ومصر في صورة قريبة من الأصل أو دالة عليه. كانت الخطوة الأولى في فتح الشام توجيه خالد بن سعيد بن العاص إلى تيماء، وكان أبو بكر قد عقد له في ألوية الردة، فنهاه عمر بن الخطاب عن تأميره، وما زال يحرضه على عزله، حتى جعله أبو بكر ردءًا بتيماء، على تخوم الشام لا يبرحها، وأن يدعو القبائل التي حلها للانضمام إليه إلا من ارتد، وألا يقاتل إلا من قاتله حتى يأتيه أمره. ونفذ خالد أمر الخليفة، فاجتمعت إليه جموع كثيرة، جعلت عسكره عظيمًا١، وهذه الجموع يمنية بطبيعة الحال، من القبائل الضاربة في تخوم الشام، كقضاعة وكلب وجهينة وعذرة. وترامى إلى هرقل نبأ خالد، وترامى إلى خالد استعداد هرقل، فكتب إلى الخليفة يستفتيه، ويطلب الإذن بقتال الروم. وكان أبو بكر قد اطمأن إلى انتهاء فتنة الردة وبلوغ خالد بن الوليد إلى الحيرة ورأى أن جموع خالد بن سعيد لا تكفي لمنازلة الروم، فاستشار صحابته ثم عول على أن يستنفر أهل اليمن لفتح الشام. ولقيت دعوته إقبالًا شديدًا خف على أثرها وجوه اليمن إلى خيلهم وسلاحهم، ونهضوا في قومهم، وساروا إلى المدينة، وكان منهم ذو الكلاع الحميري، وقيس بن هبيرة المرادي في مذحج، وجندب بن عمرو الدوسي في الأزد، وحابس بن سعد الطائي في طيئ. ورافق مقدمهم إلى المدينة كتاب خالد بن سعيد، وقدوم عكرمة فيمن معه من تهامة وعمان والشحر والبحرين، فبعث بهم أبو بكر إلى خالد٢. وقبل أن تصل هذه الأمداد إلى خالد بن سعيد ترامت إليه أنباء تأليب الروم لقبائل من بهراء وكلب وتنوخ

стр. 126

ولخم وجذام وغسان، فكتب إلى أبي بكر كرة أخرى يطلب منازلتهم، فأمره بنزالهم، وانتصر خالد على قبائل العرب، ودخل عامتهم في الإسلام١. وعندما التقى خالد بالروم بقيادة باهان وانتصر عليهم، تقدم إلى القسطل، وهزم جيشًا آخر للروم على الشاطئ الشرقي للبحر الميت، فتجمعت قوات الروم قبالة تيماء في أعداد ضخمة، فكتب إلى أبي بكر كتابه الثالث يستمده. وكان أبو بكر بعد أن استقر أهل اليمن منهمكًا في استنفار من حوله من المهاجرين والأنصار وأهل مكة وعماله، كعمرو بن العاص الذي كان على صدقات عمان، والوليد بن عقبة وكان على صدقات قضاعة، وكان أمر أبي بكر لهما أن يستخلفا ويندبا الناس بما يليهما لو اختاروا الجهاد فاستجاب إليهما خلق كثير٢. فأمر الخليفة عمرًا على جيش فلسطين، والوليد على جيش الأردن٣. وما لبث خالد بن سعيد حينما وافاه الوليد بن عقبة وعكرمة وذو الكلاع أن التحم بالروم في مرج الصفر، التي دحر فيها المسلمون، وانحاز عكرمة بالجند، وفر خالد٤. وعندما بلغت الهزيمة أبا بكر كان شرحبيل قادمًا من العراق، فاستعمله الخليفة على عمل الوليد، على أن يفصل بجند خالد بن سعيد، ودعا أبو بكر بيزيد بن أبي سفيان فأمره على ألف من أهل مكة٥. وأردفه بأخيه معاوية؛ ليفصل ببقية جيش خالد بن سعد٦. ثم ندب الخليفة أبا عبيدة بن الجراح، وجعله على جيش عظيم فصل به إلى الشام، وأخذ أبو بكر يرغب الناس في الجهاد، فكانوا يأتون إلى المدينة حيث يوجههم إلى

стр. 127

الشام، فمنهم من يسير إلى أبي عبيدة، ومنهم من يسير مع يزيد.. يسير كل إلى من أحب١. وبعد هذه التعديلات سمى أبو بكر كور الشام، لكل أمير كورته، فلأبي عبيدة حمص، وليزيد دمشق، ولشرحبيل الأردن، ولعمرو بن العاص فلسطين٢. وبينما تدور معركة في بصرى -وجيوش المسلمين تتداعى إلى التساند- وصل خالد بن الوليد في كتيبة العراق، التي تضم أصحاب رسول الله ﷺ الذين استأثر بهم دون المثنى٣، ويجتمع في اليرموك -التي شهدتها كل الجنود الإسلامية- ستة وأربعون ألفًا، هي كل جند الشام، وكثرتها الكثيرة من عرب اليمن. فجيش خالد بن سعيد الذي تقسمه القواد: عكرمة وشرحبيل ومعاوية -كان يمنيًّا، وكذلك جيش الوليد وجيش عمرو بن العاص٤، وأمداد عكرمة وذي الكلاع المكونة من الأزد ومذحج وطيئ وغيرها من قبائل اليمن، وكثرة كتيبة خالد بن الوليد التي كان فيها ألف من الأنصار من أهل بدر. أما جند يزيد بن أبي سفيان فهو ألف من أهل مكة. بينما لا نعلم شيئًا عن جند أبي عبيدة، وإن كان المظنون أنه من المهاجرين والأنصار. وعلى الرغم من هذا فإننا لا نجد أثرًا ولو ضئيلًا لتكتل هذه العصبية في شعر الفتح الإسلامي في الشام، فبذور العصبية التي عانَى منها المسلمون فيما بعد في هذه البلاد، وسيطرت فيها على مقدرات الحياة إلى نهاية الدولة الإسلامية لا يوجد لها أثناء عملية الفتح ظل ولو شاحب يدل عليها، ففضلًا عن انصهار هذه العصبيات في بوتقة العمل الموحد في سبيل الله والعقيدة الواحدة، وفضلًا عن التضامن تحت شعار الوحدة وإنكار الذات والتفاني في سبيل الهدف الأسمى، لم تكن هناك فرصة لظهور هذه العصبيات؛ إذا انعدم التوازن بينها، فالكثرة الكثيرة من أهل اليمن. وإذا كنا نعرف أن

стр. 128

أهل اليمن ليسوا كأهل نجد والحجاز كلفا بالشعر ومعرفة به واستجابة له، فربما يفسر ذلك انعدام هذه الروح العصبية في الشعر، وسيزول عجبنا إذا ما عرفنا أن شعر الفتح الإسلامي في الشام ليس إلا ما خلفه جند خالد بن الوليد الذين رافقوه من العراق، وفيما عدا شعرهم لا نجد إلا قلة نادرة، إذا ما قورنت بشعر الفتح في العراق وفارس، وهذا يرجع إلى أنها كانت في جمهورها يمنية، ومعنى ذلك: أن القبائل اليمنية التي فتحت الشام جنت على الشعر في هذه المناطق، ووسمتها بالإجداب والضحالة، وجعلتها من بعد مهبطًا للشعراء الوافدين. وحدث نفس الأمر في فتح مصر؛ إذ يجمع المؤرخون على أن الجيش الذي فتح مصر بقيادة ابن العاص كانت كثرته من أهل اليمن، من عك وغافق١، فضلًا عمن دخلوها معه ممن أسلم من عرب الشام قبل اليرموك٢، وأولاد الأبناء اليمنيين الذين كانوا بصنعاء، ومسلمة الروم من بني ينة، وبني الزرق، وبني روبيل، ممن عرفوا بالحمراء، وكانوا قد أسلموا قبل اليرموك٣. كما انضم إليه عرب سيناء من قضاعة، وبعد أن فصل عن العريش لحق به قوم من بني راشدة وقوم من لخم. وبهذا يشكل أهل اليمن نواة الجند الإسلامي في مصر، وتتابع الأمداد بعد ذلك. وإذا كان المؤرخون يختلفون حول هذه الأمداد وأعدادها فإنهم لا يذكرون شيئًا عن كيفية تصنيفها٤. وبرغم هذا فإننا لو رجعنا إلى تسمية القبائل في الخطط التي نزلتها لاتضح لنا أن كثرتها من عرب اليمن٥. ونعلم أن هذه القبائل لم تشترك جميعها في الفتح، وإنما وفدت كثرتها بعد أن استدعاها ذووها من الفاتحين. وتذكر بعض الروايات أن جموعًا كبيرة من هذيل قد دخلت مصر مع أمداد عمر لعمرو٦، وأنها نزلت في الحمراء الوسطى٧. وقد تميز دخول المسلمين إلى مصر بمثل ما تميز به دخولهم إلى العراق، من

стр. 129

تخطيط المدن وسكانها، ولم يرتضِ عمر أن يسكن عمرو وجنده الإسكندرية، حتى لا تتغير طباعهم العسكرية، وحتى لا يكون بينه وبينهم ماء، إذا أراد أن يركب راحلته حتى يقدم عليهم فعل، فتحول عمرو إلى الفسطاط١. وقد ساعد اشتراك كثرة الجند في أصول يمنية واحدة على عدم تشقيق الخصومات، فشحب لون القبلية، وبرزت نوازع جديدة، هي نوازع المدينة التي أفاءتها الحياة الجديدة في المدينة؛ إذ لم تستطع تحذيرات عمر ومحاربته لاتجاه الترف في البناء أن تحول دون تطورها، إلى أن تكون مدينة تامة لها ما للمدن من مرافق الحياة والعمران الذي عرف عن العرب من أهل الجنوب٢. وقد ظل عرب اليمن غالبين على من سواهم في مصر زمنًا طويلًا، حتى إن عبد العزيز بن مروان قال لأبيه حين ولاه مصر: "كيف المقام ببلد ليس فيه أحد من بني أمي؟ "٣. وكان نتيجة هذا أننا لا نكاد نجد صدى لأحداث الفتح الإسلامي لمصر في الشعر، بل لا نكاد نجد شعرًا في الحقيقة، وكل ما هنالك أبيات قليلة لبعض الهذليين، لا تكاد تصور جانبًا من جوانب الفتوح، ولا تكاد تكشف عن شيء من مشاعر الفاتحين، فبينما لم يفلح الشعر في الشام في إعطائنا صورة كاملة للفتوح كاد لا يوجد في مصر شعر يعطينا شيئًا ولو يسيرًا عن ظروف الفتح.

стр. 130

٢- الشعر في الشام: كان لكثرة القبائل اليمنية في جند الشام أثر كبير في قلة المحصول الشعري، الذي تخلف عن الفتوح الإسلامية هناك، فإن الشعر الذي بين أيدينا قليل جدًّا، حتى إنه ليقصر عن تصوير حوادث الفتح وسيرها وما دار فيها، ولا يفلح في إعطائنا صورة كاملة أو قريبة من الأصل للمحاربين في بلائهم ومشاعرهم وأحاسيسهم بالمعارك التي خاضوها، وكل ما نجده أبيات قليلة يقولها المجاهد في أعقاب المعركة، أو بيت أو بيتان يرتجزهما الراجز في أثناء بروزه للقتال، وفي حملته على العدو، أو الفخر بنفسه، في موقف معين، أو رثاء صديق، أو رثاء عضو من أعضائه. ويبدو أن قصر المدة التي استغرقها فتح الشام، وعدم انفساح المنطقة لتوغل المسلمين إلى مدى أوسع كانا من أسباب اختفاء شعر الحنين والتشوق، والشعر الذي يصور الشئون الخاصة بالجند، من أمثال ما رأينا في شعر الميدان الشرقي. ومهما كان مدى الافتراق بين الميدانين فلنحاول التعرف على الكيفية التي استطاع بها المحاربون في هذا الميدان تصوير حوادث الفتح وظروفه بالقدر الذي أتيح لهم أن يصوروها. وقد تقدم أن أبا بكر اهتاج للشام، فعقد لواء حربها لأربعة من مشاهير قواد المسلمين، وعين لكل منهم مهمته، فكانت مهمة أبي عبيدة فتح حمص والجابية، وكانت مهمة ابن العاص فتح فلسطين، بينما كانت وجهة يزيد بن أبي سفيان دمشق، ووجهة شرحبيل ابن حسنة الأردن١، وبعد هذا تختلف الروايات فيما كان من أمر هذه الجيوش، وهل خاضت بعض المعارك وهي موزعة، أو ابتدأت معاركها مجتمعة؟ وفي الحقيقة أننا لا نجد في كتب التاريخ ما يقنع بصحة ترتيب وقائع الفتح في الفترة الأولى من فتح الشام إقناعًا منطقيًّا.. فعدا معارك خالد بن سعيد، والوليد بن عقبة مع باهان، وقبائل العرب الضاربة في تخوم الشام لا نسمع بشيء إلا بوصول كتيبة خالد بن الوليد، وما يقرره أحد المجاهدين في كتيبته من تسلسل المعارك التي خاضها على نحو ما أشرنا إلى ذلك سابقًا. وكان خالد بن الوليد قد فوز من قراقر، إلى سوى، إلى أرك، وأتى تدمر، ثم القريتين، ثم أتى حوارين، وقصم، ظافرًا حتى أغار على بني غسان في مرج راهط يوم فصحهم٢، ثم سار حتى نزل قناة بصرى، فتقابل مع جند أبي عبيدة وشرحبيل ويزيد ورابطوا عليها، حتى صالحت بصرى على الجزية٣. ويعد اعتساف خالد الصحراء بهذه

стр. 131

الطريقة الفذة عملًا معجزًا في اختصار الطريق والتزود بالماء١، مما تغني به الرجاز، من أمثال أبي أحيحة القرشي، الذي قال في خالد: لله در خالد أنى اهتذا ... والعين منه قد تغشاها للقذى معصوبة كأنها ملئت ثرى ... فهو يرى بقلبه ما لا يرى قلب حفيظ وفؤاد قد وعى٢ وقال أحد الرجاز في نفس المعنى متغنيًا ببراعة دليله رافع الطائي: لله در رافع أني اهتدى ... فوز من قراقر إلى سوى خمسًا إذا ما سارها الجبس بكى ... ما سارها من قبله إنس يرى٣ واجتمعت جيوش المسلمين في اليرموك، واستطاع خالد في يوم إمارته أن يدور خلف جيش الروم فحصرهم، ثم شن هجومًا عنيفًا عليهم وعلى حلفائهم الغساسنة، فتهافت معظمهم قتلى في النهر، وكان خالد قد قسم الجيش إلى كراديس، جعل عليها فرسان المسلمين كالقعقاع وعكرمة، واستفتح القعقاع يرتجز، وقد برز للنزال قائلًا: يا ليتني ألقاك في الطراد ... قبل اعترام الجحفل للوراد وأنت في حلبتك الوراد٤ وتبعه عكرمة قائلًا: قد علمت بهكنة الجواري ... أنى على مكرمة أحامي٥ وتظهر أهمية موقعة اليرموك في أنها فتحت الطريق إلى أجزاء الشام كلها، وقررت مصيرها، وتبدو هذه الأهمية في كثرة الشعر والرجز الذي صورها، فقد استنفدت كل الشعر الذي تركته لنا الفتوح في الشام تقريبًا. وأكثر فيها الرجاز بصورة خاصة، فأشادوا

стр. 132

ببلائهم، وبما قدموا فداء لعقيدتهم. فهذا حياض بن قيس القشيري يخاطب فرسه، وينشد رجله التي قطعها الروم في اليرموك فيقول: أقدام حذام إنها الأساورة ... ولا تغرنك رجل نادرة أنا القشيري أخو المهاجرة ... أضرب بالسيف رءوس الكافرة١ ثم يشد على أعدائه فيقتل من الروم عددًا كبيرًا، حتى استحق أن يفخر ببلائه أحد بني أبيه فقال: ومنا ابن عتاب وناشد رجله ... ومنا الذي أدى إلى الحي حاجبا٢ وهذا القعقاع بن عمرو يفاخر ببلائه ونجدته يوم اليرموك، وإجابته الداعي في كل ملمة يقول: يدعون قعقاعًا لكل كريهة ... فيجيب قعقاع دعاء الهاتف٣ وبينما تكثر أبيات الرجز في هذه الوقعة لا تكاد القصائد أو المقطوعات يكون لها وجود، اللهم إلا مقطوعة واحدة قليلة عدد الأبيات للقعقاع بن عمرو، يصور فيها تهافت الروم في الواقوصة، ويشيد بكتيبة خالد، التي أبلت في الشام بلاءها في العراق.. قال: ألم ترنا على اليرموك فزنا ... كما فزنا بأيام العراق قتلنا الروم حتى ما تساوى ... على اليرموك مفروق الوراق فخضنا جمعهم لما استحالوا ... على الواقوصة التبر الرقاق غداة تهافتوا فيها فصاروا ... إلى أم تعضل بالذواق٤

стр. 133

ويتجه المسلمون إلى فحل فيحاصرونها، ويتركون جندا لمناوشة الروم، بينما تتجه كثرة الجيش إلى دمشق، وقد فتحها الله عليهم بعد اشتباك مع الروم في مرج الصفر وحصار طويل للمدينة، ففتحت أبوابها للمسلمين صلحًا من جانب، وحربًا من جانب آخر. وكان عبد الرحمن بن أبي سرح -أحد جند يزيد بن أبي سفيان- يتوقع تسليم المدينة والجند رابضون على أبوابها، فقال يصف انتظار الجند بباب توماء مع ابن أبي سفيان: ألا أبلغ أبا سفيان عنا بأننا ... على أحسن حال كان جيش يكونها وأنا على باب لتوماء نرتمي ... وقد حان من باب لتوماء حينها١ وبعد أن فتحت دمشق عاد المسلمون إلى فحل؛ حيث التقوا بثمانين ألفًا من الروم وانتصروا عليهم انتصارًا مبينًا، صوره القعقاع بن عمرو في قوله: وغداة فحل قد رأوني معلمًا ... والخيل تنحط والبلا أطوار ما زالت الخيل العراب تدوسهم ... في حوم فحل والهبا موار حتى رمين سراتهم عن أسرهم ... في روعة ما بعدها استمرار٢ ووصف علقمة بن الأرث العبسي تنكيل المسلمين بالروم فقال: ونحن قفلنا كل واف بآله ... من الروم معروف النجاد منطق ونحن طلقنا بالرماح نساءهم ... وأبنا إلى أزواجنا لم تطلق وكم من قتيل أهرقته سيوفنا ... كفاحًا وكف قد أطيحت وأسوق٣ ووجه أبو عبيدة بعد فحل جنود العراق، وعليهم هاشم بن عتبة والقعقاع بن عمرو كأمر أبي بكر كما وجه بالأعور السلمي إلى طبرية فحاصرها حتى فتحها الله عليه، وفي ذلك يقول الربيع بن مطرف بن بلخ التميمي أحد جنود الأعور:

стр. 134

وإنا لحلالون بالثغر نحتوي ... ولسنا كمن هر الحروب من الرعب منعناهم ماء البحيرة بعدما ... سما جمعهم فاستهولوه من الرهب١ واتجه أبو عبيدة بعد ذلك مع خالد بن الوليد إلى الشام؛ حيث التقوا بجيشين للروم، عليهما توذر البطريق وشنس، وحال الليل بين المسلمين والروم، وبيت الفريقان في انتظار الصبح، وعند الفجر نظر خالد فلم يرَ توذر ولا جنده، فأيقن أنه يريد دمشق، فطار في أثره، وكان يزيد بن أبي سفيان قد علم بمقدمه فخرج إليه أمام دمشق، وجاءه خالد من خلفه، فحصر بين المسلمين حتى قضوا عليه وعلى جنده. وعاد خالد ليجد أبا عبيدة قد قضى هو الآخر على شنس، وفي ذلك تروي أبيات من الرجز تصور صنع المسلمين بتوذر وشنس، وتنسب إلى خالد بن الوليد تقول: نحن قتلنا توذرا وشوذرا ... وقبله ما قد قتلنا حيدرا نحن أزرنا الغيضة الأكيدرا٢ وانطلق المسلمون بقيادة أبي عبيدة شمالي الشام فحاصروا حمص شتاء كاملًا، ظل الروم أن البرد سيهلكهم فيه، لكنهم تراجعوا إلى الصلح، وتوالت الفتوح، ودخل المسلمون قنسرين وحلب وأنطاكية حصن المسيحية الحصين ودانت لهم الجزيرة، وصالحت الرها ونصيبين وأرمينية٣. وعجب ألا يكون لهذه الفتوح صدى في الشعر برغم تعددها، وطول المدة التي استغرقتها وبرغم الفرص المتاحة في الحصار وفراغ الجند، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن معظم هذه البلاد قد فتح صلحًا. وتقدم المسلمون في جنوب الشام ففتحوا أجنادين بعد معركة عنيفة، قتل فيها ثمانون ألفًا من الروم، وفر الأرطبون قائدهم إلى بيت المقدس، وصور زياد بن حنظلة فراره فقال:

стр. 135

ونحن تركنا أرطبون مطردًا ... إلى المسجد الأقصى وفيه حسور عشية أجنادين لما تتابعوا ... وقامت عليهم بالعراء نسور عطفنا له تحت العجاج بطعنة ... لها نشج نائي الشهيق غزير فطمنا به الروم العريضة بعده ... عن الشام أدنى ما هناك شطير تولت جميع الروم تتبع إثره ... تكاد من الذعر الشديد تطير وغودر صرعى في المكر كثيرة ... وعاد إليه الفل وهو حسير١ وعجيب أيضًا أن يخلو شعر الفتح من تصوير غبطة المسلمين التي لا حدود لها بتسليم بيت المقدس، وما لذلك التسليم من معانٍ ودلالات بالغة القيمة في انتصار الإسلام وسيطرته على معقل المسيحية ومهبطها، ولما لقيه المسلمون في حصارها من صنوف القسوة واستماتة الروم وعصف المجانيق، وكل ما نجده أبيات قليلة، تصور مبارزة حدثت بين أرطبون وأحد جند المسلمين يدعى عبد الله بن سبرة، فبينما عبد الله يقتله قطع أرطبون أصابع يده بضربة من سيفه، فقال عبد الله: فإن يكن أربطون الروم أفسدها ... فإن فيها بحمد الله منتفعا بنانتان وجرموز أقيم به ... صدر القناة إذا ما آنسوا فزعا وإن يكن أرطبون الروم قطعها ... فقد تركت بها أوصاله قطعا٢ وسقطت الشام العريضة في أيدي المسلمين، وألقت إليهم بخيرات أرضها، وبعيش خصيب لا يعد مآكله، كما عبر عن ذلك زياد بن حنظلة حيث قال يتذكر فتح الشام في عام الرمادة على ما يبدو: تذكرت حرب الروم لما تطاولت ... وإذا نحن في عام كثير نزائله وإذا نحن في أرض الحجاز وبيننا ... مسيرة شهر بينهن بلابله

стр. 136

وإذا أرطبون الروم يحمي بلاده ... يحاوره قرم هناك يساجله فلما رأى الفاروق أزمان فتحها ... سما بجنود الله كيما يصاوله فلما أحسوه وخافوا صواله ... أتوه وقالوا: أنت ممن نواصله وألقت إليه الشام أفلاذ بطنها ... وعيشًا خصيبًا ما تعد مآكله أباح لنا ما بين شرق ومغرب ... مواريث أعقاب بنتها قرامله وكم مثقل لم يضطلع باحتماله ... تحمل عبئًا حين شالت شوائله١ ولكن الروم لم ييئسوا، فاستمالوا القبائل العربية في شمالي الشام، وأبحرت حملة بقيادة قسطنطين بن هرقل، فألقت مرساها على شاطئ أنطاكية واستولت عليها، وانضمت إليها القبائل المتمردة٢. وثار الشمال على أبي عبيدة الذي ألفى نفسه محصورًا في حمص، فراسل الخليفة يستمده، وأزمع عمر أن يسير بنفسه إلى الشام أول الأمر، ثم ما لبث أن عدل تحت إلحاح صحابته من أولي الرأي، فسير الأمداد إلى أبي عبيدة، وأفلح المسلمون في عزل القبائل العربية عن الروم؛ حيث طوقها عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فقفلت إلى مضاربها مؤثرة السلامة٣، حيث صالحت على ما كان من صلحها قبل ذلك، فقال عبد الله يخاطب أحد زعمائهم ويؤمنه في نصيبين: ألا من مبلغ عني بجيرا ... فما بيني وبينك من تعادي فإن تقبل تلاقي العدل فينا ... فأنسى ما لقيت من الجهاد وإن تدبر فما لك من نصيب ... نصيبين فيلحق بالعباد وقد ألقت نصيبين إلينا ... سواد البطن بالخرج الشداد لقد لقيت نصيبين الدواهي ... بدهم الخيل والجرد الرواد٤

стр. 137

وكسر المسلمون خطوط المقاومة الرومية بعد عزل القبائل عنها، فانسحبت الحملة بالهزيمة، وسجل الشعر اهتياج عمر لأبناء الثورة في شمالي الشام، وإزماعه السفر إليها فقال زياد بن حنظلة: سما عمر لما أتته رسائل ... كأصيد يحمي صرمة الحي أغيدا وقد عضلت بالشام أرض بأهلها ... تريد من الأقوام من كان أنجدا فلما أتاه ما أتاه أجابهم ... بجيش ترى منه الشبائك سجدا وأقبلت الشام العريضة بالذي ... أراد أبو حفص وأزكى وأزيدا فقسط فيما بينهم كل جزية ... وكل رفاد كان أهنا وأحمدا١ وسجل الشعر أيضًا ذلك الحدث الجلل الذي ألم بأرض الشام وعاصر ضنك المسلمين في الحجاز، وهو طاعون عمواس المروع، الذي أهلك كثرة من المسلمين تبلغ خمسة وعشرين ألفًا، ووقف بعمر في الطريق عند سرع، بالقرب من تبوك، فرجع نزولًا على رأي الجماعة، وأعقب رجوعه اشتداد الطاعون وفتكه، فهلك جماعة من قادة المسلمين ووجوههم، كأبي عبيدة ومعاذ بن جبل وزيد بن أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وغيرهم، ويروى شعر طريف في تصوير هذا البلاء وفعله في المسلمين، وإخلادهم إلى الإيمان بالقدر والجبر، كما عبر عن ذلك أحد المسلمين عندما رأى غلامًا هاربًا على حمار فقال: لن يعجزوا الله على حمار ... ولا على ذي غرة مطار قد يصبح الموت أمام الساري٢ وشكا بعض المسلمين من اجتماع الطاعون والطعن؛ كقول عبد الله بن سبرة: إن أقبل الطعن فالطاعون يرصدني ... كيف التقاء على طعن وطاعون٣

стр. 138

وكذلك سجل الشعر بعض الحوادث العامة في تاريخ الفتح الإسلامي، كأمر ابن الخطاب بطبخ الأنبذة حتى يذهب ثلثاها، حينما بلغه وقوع بعض الجند في الخمر. وقد روى بعض المؤرخين ارتباط ذلك بما ابتلي به المسلمون من الطاعون، فقال ذو الكلاع في رثاء الخمر: ألم ترَ أن الدهر يعثر بالفتى ... وليس على صرف المنون بقادر صبرت ولم أجزع وقد مات إخوتي ... ولست على الصهباء يومًا بصابر رماها أمير المؤمنين بحتفها ... فخلانها يبكون حول المعاصر١ وهكذا يعطينا الشعر في الشام صورة باهتة وناقصة لحوادث الفتح ولمشاعر الفاتحين، ولكنها تبدو أكثر إشراقًا أمام الصورة التي يعطيها لنا الشعر في فتوح مصر وإفريقية.

стр. 139

٣- الشعر في مصر وإفريقية: كنا قد التمسنا العذر لميدان الشام في قلة المحصول الشعري للفتوح؛ لأن الفاتحين لم يتخذوا بها مساكن ولم يختطوا فيها خططًا، وبأن آماد الفتح وأبعاده لم تيسر لهم الانطلاقة الطويلة التي يسرها امتداد الفتح في آماد الأرض المنفسحة في خراسان. فما العذر الذي يمكن أن نتذرع به أمام ندرة المحصول الشعري للفتوح في مصر، وقد اختط العرب خططًا، وأقاموا بها يحاربون الروم، ويقضون على فتنهم وغدرهم قرابة ثماني سنوات، بينما كانت آماد الفتح ليست ذات حدود في الانطلاق عبر إفريقية والسودان انطلاقة واسعة؟ إن القبائل التي شكلت جند الشام وأمداده هي نفس القبائل التي فتحت مصر واستقرت فيها من بعد الفتح، وإذا كنا لاحظنا أن قوات من العرب النزاريين قد حاربت في الشام فترة تحت إمرة خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان فتركت آثارًا لها في شعر الفتوح هي تقريبًا كل ما لدينا من هذا الشعر فإننا نلاحظ هنا هجرة قبائل معينة، اشتهرت بالشعر، وأقامت بمصر إقامة دائمة، وأشهر هذه القبائل: قبيلة هذيل، وبرغم

стр. 140

هذا فليست لها آثار تدل على اشتراكها في الفتوح اشتراكًا واضحًا، وقد هاجرت هذه القبيلة إلى مصر في أعداد كبيرة، جعلت بعض المؤرخين المتقدمين يعتقدون أنه لم يعد لها في الحجاز حتى يطرق١. وظهرت آثار هذه الهجرات الضخمة فوصفوا إقفار ديارهم، وخلوها بعد هجرة ذويهم، كما نجد في شعر البريق بن عياض وأبي صخر والحارث بن أسامة٢. وعلى الرغم من أن هذه الأشعار وجدت بسبب من الفتوح إلا أنها لا تدل بطبيعة الحال على حوادثها ولا تتعرض لها على الإطلاق. وهناك قصيدة تروى لأبي العيال الهذلي أحد الذين اشتركوا في الفتوح بمصر والشام يتحدث فيها عن الحرب والحصار، ويوجهها إلى معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح على صورة رسالة. ويذكر أنها كانت على زمن معاوية. ولكننا نعجب لذكر والي مصر في عهد عمر وعثمان في هذه القصيدة التي تسير على هذا النحو: من أبي العيال أبي هذيل فاعرفوا ... قولي ولا تتجمجموا ما أرسل أبلغ معاوية بن صخر آية ... يهوي إليه بها البريد المعجل والمرء عمرًا فائته بصحيفة ... مني يلوح بها الكتاب المنمل وإلى ابن سعد إن أؤخره فقد ... أزرى بنا في قسمة إذ يعدل وإلى أولي الأحلام حيث لقيتهم ... حيث البقية والكتاب المنزل أنا لقينا بعدكم بديارنا ... من جانب الأمراج يومًا يسأل أمرًا تضيق به الصدور ودونه ... مهج النفوس وليس عنه معدل في كل معركة يرى منا فتى ... يهوي كعزلاء المزادة يزغل أو سيد كهل تمور دماؤه ... أو جانح في صدر رمح يسعل

стр. 141

حتى إذا رجب تخلى وانقضى ... وجماديان وجاء شهر مقبل شعبان قدرنا لوفق رحيلهم ... سبعا يعد لها الوفاء فتكمل وتجردت حرب يكون حلابها ... علقا وميريها الغوى المبطل فاستقبلوا طرف الصعيد إقامة ... طورًا وطورًا رحلة فتنقل فترى النبال تعير في أقطارنا ... شمسًا كأن نصالهن السنبل وترى الرماح كأنما هي بيننا ... أشطان بئر يوغلون ونوغل١ وفي رأينا أن القصيدة كانت في محاولة الروم استعادة مصر للمرة الثانية، بحملة مانويل الداخلة في مشروع قسطانز، لاستعادة الإمبراطورية الرومية لمصر والشام، وهذه الحملة كانت في عام ٢٥هـ، في الوقت الذي كان فيه معاوية بن أبي سفيان واليًا للشام، ويعمل بكل قواه لرد طرف الحملة الثاني عن الشام؛ إذ كانت حملة مزدوجة ذات شعبتين. وليست هناك حوادث تاريخية جمعت بين هؤلاء الذين يتوجه إليهم الشاعر برسالته إلا هذه الحادثة، فمعاوية أمير الشام يقضي على حملة مانويل في الشام، وتمنى أمامه بهزيمة فادحة. وعبد الله بن سعد هو أمير مصر، وعمرو بن العاص فاتحها، وأميرها السابق الذي تصدى لهذه الحملة بعد أن أتى به الخليفة وكلفه بها. وقد توغلت حملة مانويل داخل الأراضي المصرية، وكان عددها كبيرًا؛ إذ قدمت في ثلاثمائة سفينة٢، وتقدمت من الإسكندرية التي استسلمت مباشرة إلى حصن بابليون، ووقفت على أطراف الصعيد كما يقول أبو العيال ونهد عمرو إليها في نقيوس، حيث أذاقها الهزيمة، فعادت تتحصن بالإسكندرية وتنصب المجانيق على أسوارها، فسواها عمرو بالتراب. ودخل المدينة في الوقت الذي انتهى منه معاوية من القضاء على شق الحملة في الشام. والقصيدة في جملتها ليست إلا استصراخًا للأمراء المعنيين بأمر الدفاع عن مصر والشام لرد العدوان الذي تعرضت له، وإجلاء المعتدين الذين أقاموا بالبلاد ما يقرب من أربعة أشهر.

стр. 142

وتجمع الروايات التاريخية على أن أبا ذؤيب الهذلي قد خرج إلى مصر يريد الغزو في إفريقية مع جيش عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة ٢٦هـ١، ولكنها تختلف في أمر بنيه الخمسة، الذي ذكر أنهم لاقوا حتفهم في مصر أو في غيرها، ولكن بعض الروايات تؤكد أنهم هلكوا بالطاعون في مصر٢. وقد رثاهم أبو ذؤيب بقصيدة من عيون الشعر العربي٣، سنتعرض لها فيما بعد. وقد رأى بعض الدارسين أن أبا ذؤيب قد يكون قال بمصر قصيدته التي يذكر فيها بلاء عبد الله بن الزبير في فتح إفريقية٤، وهذا شيء لا تدل عليه القصيدة، ولكنها تدل في وضوح على ظروفها ومناسبتها وتؤيدها الروايات التاريخية التي عرضت لفتح إفريقية كما سنرى. وهكذا يشعر الدارس لشعر الفتح الإسلامي في مصر بالأسف ولا يملك إلا أن يتعلل بما يتعلل به غيره من الدارسين، من ضياع شعر القبائل التي نزلت مصر؛ إذ لا يمكننا أن نتصور أن تحدث هذه الفتوح الخطيرة في مصر، وأن تقع الوقائع العنيفة هذه في بابليون، وأم دنين، وعين شمس، والكريون والإسكندرية ولا يكون لها أثر في الشعر، بل من العجيب حقًّا أن يقتتل المسلمون مع الروم في الكريون بضعة عشر يومًا متصلة -حتى يصلي عمرو صلاة الخوف- ولا نجد لذلك أثرًا إلا في إشارة لكثير فيما بعد الفتح بسنوات عديدة حينما قال: ومرت سراعًا عيرها وكأنها ... دوافع بالكريون ذات قلوع٥ وتروى بعض الروايات أبياتًا قليلة من الرجز، منسوبة إلى عمرو بن العاص، وتذكر أنه قالها في حصار بابليون، يصف فيها المنجنيق على هذا النمط:

стр. 143

يوم لهمدان ويوم للصدف والمنجنيق في بلى تختلف وعمرو يرقل إرقال الشيخ الخرف١ وتذهب بعض الروايات الأخرى إلى أنه قالها في معركة صفين٢، ولكننا لا نستطيع أن نعتقد أن عمرًا قال هذه الأبيات، ونحن لا ننكر أن لعمرو شعرًا كثيرًا روته كتب التاريخ، على عادة الرواة الذين لا يكادون يتركون واحدًا من الصحابة من غير أن يرووا له شعرًا. والذي يمنعنا من الاعتقاد في صحة نسبة هذه الأبيات إلى عمرو واضح في الأبيات نفسها، فليس عمرو بن العاص باعتداده بنفسه وشموخه واعتزازه هو الذي يقول عن نفسه هذا القول، ويصف نفسه بهذا الوصف. ولا نجد أثرًا لمغامرات المسلمين في بلاد النوبة واستعصائها عليهم في الشعر، فلم يهتج شاعر مثلًا لوصف ما جرى من معارك عنيفة، ذهبت فيها رماح القوم بأحداق المسلمين. وفي إفريقية التي فتحها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، والتقى فيها بجرجير في معركة عنيفة، وأصاب المسلمون فيها غنائم وفيرة لا نجد ما يصور هذه الأحداث، إلا أبياتًا لأبي ذؤيب الهذلي، يمدح فيها عبد الله بن الزبير الذي اغتنم فرصة قتل فيها جرجير. ويبدأ أبو ذؤيب أبياته بالنسيب وينتقل منه إلى وصف السحاب، ثم يعود إلى النسيب فيخلطه بمدح ابن الزبير ويشير إلى رحلتهما معًا فيقول: وصاحب صدق كسيد الضرا ... ء ينهض في الغزو نهضًا نجيخا وشيك الفضول بطيء القفو ... ل إلا مشاحًا به أو مشيحا يريع الغزاة وما إن يريـ ... ـع مضطمرا طرتاه طليحا كسيف المرادي لا ناكلا ... جبانا ولا جيدريا قبيحا

стр. 144

قد أبقى لك الأين من جسمه ... نواشر سيد ووجها صبيحا أربت لأربته فانطلقـ ... ـت أزجي لحب الإياب السنيحا على طرق كنحور الركا ... ب تحسب آرامهن الصروحا بهن نعام بناها الرجا ... ل تبقى النقائض فيها السريحا١ والأبيات تعطي الصورة لتوثق أواصر الصداقة بين الرجلين ومتابعة الشاعر للفارس في انطلاقته، وربما تبرر هذه الصداقة ما يروى من تلازمهما حتى ليكون ابن الزبير هو الذي يوسد الشاعر في ضجعته الأخيرة منصرفهما من غزوة إفريقية في بعض الروايات٢. وقد قال الشاعر المجاهد وهو يستعد لرقدته الأخيرة واصفًا حفرته التي دفن فيها: مطأطأة لم ينبطوها وإنها ... ليرضى بها فراطها أم واحد قضوا ما قضوا من رمها ثم أقبلوا ... إلى بطاء المشي غبر السواعد فكنت دنوب البئر لما تبسلت ... وسربلت أكفاني ووسدت ساعدي٣ ولسنا نجد ظلا ولو باهتا يصور انسياح الفاتحين في إفريقية وفتحهم لبرقة وطرابلس وما بينهما وما حولهما كودان وفزان، اللهم إلا ما يتردد في كتب التاريخ من شكوى المسلمين من اختصاص الخليفة عثمان بن عفان لمروان بن الحكم بخمس الفيء الذي جاء من إفريقية، فيقول عبد الرحمن بن حنبل في هذا المعنى: وأحلف بالله جهد اليمين ... ما ترك الله أمرًا سُدى ولكن جعلت لنا فتنة ... لكي نبتلى بك أو نبتلي دعوت الطريد فأدنيته ... خلافًا لما سنه المصطفى ووليت قرباك أمر العباد ... خلافًا لسنة ما قد مضى

стр. 145

وأعطيت مروان خمس الغنيمـ ... ـمة آثرته وحميت الحمى ومالا أتاك به الأشعري ... من الفيء أعطيته من دنا فإن الأمينين قد بينا ... منار الطريق عليه الهدى فما أخذا درهمًا غيلة ... ولا قسمًا درهمًا في هوى١ وجلي أن هذه الأبيات لم يقلها الشاعر في المعركة، وإنما قالها في شبه الجزيرة، يلوم فيها على الخليفة تفريطه في فيء المسلمين ومحاباته أقاربه، وليس هناك أشعار وراء هذه الأبيات التي لا تصور من الفتح إلا جانبًا فرديًّا شاحبًا من جوانب المعركة، وبذلك لا نجد في الشعر آثارًا للتجربة الهائلة التي كنا نتوقع أن نرى لها نتائج أدبية خطيرة، لما كان من عنف المعارك، وقسوة القتال، واختلاف البيئة وجدتها على الفاتحين، وغنائها بالعناصر الجديرة بالوصف، والملهمة بالتعبير. ولهذا لا يمكننا أن نعزو انعدام التعبير الشعري هنا لانعدام المثيرات، فإن التجربة حافلة بالأحداث المثيرة، والأحاسيس المختلفة الحقيقة بالتعبير والتصوير. ولا نملك إزاء ما نجد من تقصير الشعر في رسم جوانب تجربة الفتوح الإسلامية في الشام، وندرة الشعر أو انعدامه في مصر وإفريقية، إلا أن نقرر ما سبق أن قررناه من أن جل الفاتحين لهذه الميادين كانوا من عرب اليمن، الذين لم يرزقوا ما رزق العدنانيون من اقتدار على التعبير الشعري، وأن ما وجد في الشام من الشعر لم يكن إلا نتيجة لوجود بعض القبائل العدنانية التي استقرت لفترة ثم رحلت، وأن ما وجد بمصر لم يكن إلا نتيجة لوجود بعض قبائل عدنان الشهيرة بالشعر، وربما ضاع في مصر شعر لقبائل أخرى لم تصل إلينا دواوينهم، كما وصل إلينا ديوان هذيل. ولا شك أن من أهم الأسباب الفاعلة في قلة الشعر في مصر والشام وأنه لم يدون، وأن الذين كتبوا عن الفتوح كانوا في جملتهم من مؤرخي العراق ورواته، وكذلك كان رواة الشعر، ومن ثم ضاع الشعر الذي نظم في الفتوح بغربي الدولة. على أن كما قدمنا نفترض إلى جانب ذلك أن قلته ترجع إلى أن كثرة القبائل المهاجرة هناك كانت يمنية، والشعر في مضر لا في
следующие страницы →