← Адаб

Адаб · id 10001

شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام

النعمان عبد المتعال القاضي

Полный текст (304 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حتى إذا رجب تخلى وانقضى ... وجماديان وجاء شهر مقبل شعبان قدرنا لوفق رحيلهم ... سبعا يعد لها الوفاء فتكمل وتجردت حرب يكون حلابها ... علقا وميريها الغوى المبطل فاستقبلوا طرف الصعيد إقامة ... طورًا وطورًا رحلة فتنقل فترى النبال تعير في أقطارنا ... شمسًا كأن نصالهن السنبل وترى الرماح كأنما هي بيننا ... أشطان بئر يوغلون ونوغل١ وفي رأينا أن القصيدة كانت في محاولة الروم استعادة مصر للمرة الثانية، بحملة مانويل الداخلة في مشروع قسطانز، لاستعادة الإمبراطورية الرومية لمصر والشام، وهذه الحملة كانت في عام ٢٥هـ، في الوقت الذي كان فيه معاوية بن أبي سفيان واليًا للشام، ويعمل بكل قواه لرد طرف الحملة الثاني عن الشام؛ إذ كانت حملة مزدوجة ذات شعبتين. وليست هناك حوادث تاريخية جمعت بين هؤلاء الذين يتوجه إليهم الشاعر برسالته إلا هذه الحادثة، فمعاوية أمير الشام يقضي على حملة مانويل في الشام، وتمنى أمامه بهزيمة فادحة. وعبد الله بن سعد هو أمير مصر، وعمرو بن العاص فاتحها، وأميرها السابق الذي تصدى لهذه الحملة بعد أن أتى به الخليفة وكلفه بها. وقد توغلت حملة مانويل داخل الأراضي المصرية، وكان عددها كبيرًا؛ إذ قدمت في ثلاثمائة سفينة٢، وتقدمت من الإسكندرية التي استسلمت مباشرة إلى حصن بابليون، ووقفت على أطراف الصعيد كما يقول أبو العيال ونهد عمرو إليها في نقيوس، حيث أذاقها الهزيمة، فعادت تتحصن بالإسكندرية وتنصب المجانيق على أسوارها، فسواها عمرو بالتراب. ودخل المدينة في الوقت الذي انتهى منه معاوية من القضاء على شق الحملة في الشام. والقصيدة في جملتها ليست إلا استصراخًا للأمراء المعنيين بأمر الدفاع عن مصر والشام لرد العدوان الذي تعرضت له، وإجلاء المعتدين الذين أقاموا بالبلاد ما يقرب من أربعة أشهر.

стр. 142

وتجمع الروايات التاريخية على أن أبا ذؤيب الهذلي قد خرج إلى مصر يريد الغزو في إفريقية مع جيش عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة ٢٦هـ١، ولكنها تختلف في أمر بنيه الخمسة، الذي ذكر أنهم لاقوا حتفهم في مصر أو في غيرها، ولكن بعض الروايات تؤكد أنهم هلكوا بالطاعون في مصر٢. وقد رثاهم أبو ذؤيب بقصيدة من عيون الشعر العربي٣، سنتعرض لها فيما بعد. وقد رأى بعض الدارسين أن أبا ذؤيب قد يكون قال بمصر قصيدته التي يذكر فيها بلاء عبد الله بن الزبير في فتح إفريقية٤، وهذا شيء لا تدل عليه القصيدة، ولكنها تدل في وضوح على ظروفها ومناسبتها وتؤيدها الروايات التاريخية التي عرضت لفتح إفريقية كما سنرى. وهكذا يشعر الدارس لشعر الفتح الإسلامي في مصر بالأسف ولا يملك إلا أن يتعلل بما يتعلل به غيره من الدارسين، من ضياع شعر القبائل التي نزلت مصر؛ إذ لا يمكننا أن نتصور أن تحدث هذه الفتوح الخطيرة في مصر، وأن تقع الوقائع العنيفة هذه في بابليون، وأم دنين، وعين شمس، والكريون والإسكندرية ولا يكون لها أثر في الشعر، بل من العجيب حقًّا أن يقتتل المسلمون مع الروم في الكريون بضعة عشر يومًا متصلة -حتى يصلي عمرو صلاة الخوف- ولا نجد لذلك أثرًا إلا في إشارة لكثير فيما بعد الفتح بسنوات عديدة حينما قال: ومرت سراعًا عيرها وكأنها ... دوافع بالكريون ذات قلوع٥ وتروى بعض الروايات أبياتًا قليلة من الرجز، منسوبة إلى عمرو بن العاص، وتذكر أنه قالها في حصار بابليون، يصف فيها المنجنيق على هذا النمط:

стр. 143

يوم لهمدان ويوم للصدف والمنجنيق في بلى تختلف وعمرو يرقل إرقال الشيخ الخرف١ وتذهب بعض الروايات الأخرى إلى أنه قالها في معركة صفين٢، ولكننا لا نستطيع أن نعتقد أن عمرًا قال هذه الأبيات، ونحن لا ننكر أن لعمرو شعرًا كثيرًا روته كتب التاريخ، على عادة الرواة الذين لا يكادون يتركون واحدًا من الصحابة من غير أن يرووا له شعرًا. والذي يمنعنا من الاعتقاد في صحة نسبة هذه الأبيات إلى عمرو واضح في الأبيات نفسها، فليس عمرو بن العاص باعتداده بنفسه وشموخه واعتزازه هو الذي يقول عن نفسه هذا القول، ويصف نفسه بهذا الوصف. ولا نجد أثرًا لمغامرات المسلمين في بلاد النوبة واستعصائها عليهم في الشعر، فلم يهتج شاعر مثلًا لوصف ما جرى من معارك عنيفة، ذهبت فيها رماح القوم بأحداق المسلمين. وفي إفريقية التي فتحها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، والتقى فيها بجرجير في معركة عنيفة، وأصاب المسلمون فيها غنائم وفيرة لا نجد ما يصور هذه الأحداث، إلا أبياتًا لأبي ذؤيب الهذلي، يمدح فيها عبد الله بن الزبير الذي اغتنم فرصة قتل فيها جرجير. ويبدأ أبو ذؤيب أبياته بالنسيب وينتقل منه إلى وصف السحاب، ثم يعود إلى النسيب فيخلطه بمدح ابن الزبير ويشير إلى رحلتهما معًا فيقول: وصاحب صدق كسيد الضرا ... ء ينهض في الغزو نهضًا نجيخا وشيك الفضول بطيء القفو ... ل إلا مشاحًا به أو مشيحا يريع الغزاة وما إن يريـ ... ـع مضطمرا طرتاه طليحا كسيف المرادي لا ناكلا ... جبانا ولا جيدريا قبيحا

стр. 144

قد أبقى لك الأين من جسمه ... نواشر سيد ووجها صبيحا أربت لأربته فانطلقـ ... ـت أزجي لحب الإياب السنيحا على طرق كنحور الركا ... ب تحسب آرامهن الصروحا بهن نعام بناها الرجا ... ل تبقى النقائض فيها السريحا١ والأبيات تعطي الصورة لتوثق أواصر الصداقة بين الرجلين ومتابعة الشاعر للفارس في انطلاقته، وربما تبرر هذه الصداقة ما يروى من تلازمهما حتى ليكون ابن الزبير هو الذي يوسد الشاعر في ضجعته الأخيرة منصرفهما من غزوة إفريقية في بعض الروايات٢. وقد قال الشاعر المجاهد وهو يستعد لرقدته الأخيرة واصفًا حفرته التي دفن فيها: مطأطأة لم ينبطوها وإنها ... ليرضى بها فراطها أم واحد قضوا ما قضوا من رمها ثم أقبلوا ... إلى بطاء المشي غبر السواعد فكنت دنوب البئر لما تبسلت ... وسربلت أكفاني ووسدت ساعدي٣ ولسنا نجد ظلا ولو باهتا يصور انسياح الفاتحين في إفريقية وفتحهم لبرقة وطرابلس وما بينهما وما حولهما كودان وفزان، اللهم إلا ما يتردد في كتب التاريخ من شكوى المسلمين من اختصاص الخليفة عثمان بن عفان لمروان بن الحكم بخمس الفيء الذي جاء من إفريقية، فيقول عبد الرحمن بن حنبل في هذا المعنى: وأحلف بالله جهد اليمين ... ما ترك الله أمرًا سُدى ولكن جعلت لنا فتنة ... لكي نبتلى بك أو نبتلي دعوت الطريد فأدنيته ... خلافًا لما سنه المصطفى ووليت قرباك أمر العباد ... خلافًا لسنة ما قد مضى

стр. 145

وأعطيت مروان خمس الغنيمـ ... ـمة آثرته وحميت الحمى ومالا أتاك به الأشعري ... من الفيء أعطيته من دنا فإن الأمينين قد بينا ... منار الطريق عليه الهدى فما أخذا درهمًا غيلة ... ولا قسمًا درهمًا في هوى١ وجلي أن هذه الأبيات لم يقلها الشاعر في المعركة، وإنما قالها في شبه الجزيرة، يلوم فيها على الخليفة تفريطه في فيء المسلمين ومحاباته أقاربه، وليس هناك أشعار وراء هذه الأبيات التي لا تصور من الفتح إلا جانبًا فرديًّا شاحبًا من جوانب المعركة، وبذلك لا نجد في الشعر آثارًا للتجربة الهائلة التي كنا نتوقع أن نرى لها نتائج أدبية خطيرة، لما كان من عنف المعارك، وقسوة القتال، واختلاف البيئة وجدتها على الفاتحين، وغنائها بالعناصر الجديرة بالوصف، والملهمة بالتعبير. ولهذا لا يمكننا أن نعزو انعدام التعبير الشعري هنا لانعدام المثيرات، فإن التجربة حافلة بالأحداث المثيرة، والأحاسيس المختلفة الحقيقة بالتعبير والتصوير. ولا نملك إزاء ما نجد من تقصير الشعر في رسم جوانب تجربة الفتوح الإسلامية في الشام، وندرة الشعر أو انعدامه في مصر وإفريقية، إلا أن نقرر ما سبق أن قررناه من أن جل الفاتحين لهذه الميادين كانوا من عرب اليمن، الذين لم يرزقوا ما رزق العدنانيون من اقتدار على التعبير الشعري، وأن ما وجد في الشام من الشعر لم يكن إلا نتيجة لوجود بعض القبائل العدنانية التي استقرت لفترة ثم رحلت، وأن ما وجد بمصر لم يكن إلا نتيجة لوجود بعض قبائل عدنان الشهيرة بالشعر، وربما ضاع في مصر شعر لقبائل أخرى لم تصل إلينا دواوينهم، كما وصل إلينا ديوان هذيل. ولا شك أن من أهم الأسباب الفاعلة في قلة الشعر في مصر والشام وأنه لم يدون، وأن الذين كتبوا عن الفتوح كانوا في جملتهم من مؤرخي العراق ورواته، وكذلك كان رواة الشعر، ومن ثم ضاع الشعر الذي نظم في الفتوح بغربي الدولة. على أن كما قدمنا نفترض إلى جانب ذلك أن قلته ترجع إلى أن كثرة القبائل المهاجرة هناك كانت يمنية، والشعر في مضر لا في

стр. 146

اليمن، ومما يدل على ما نذهب إليه من ذلك أن مسألة مثل فشو اللحن على ألسنة العرب الفصحاء حينما تعرض لها الجاحظ في البيان والتبيين لم يذكر لنا شيئًا عن مصر، وإن كان ذكر عرضًا شيئًا عن لحن بعض الخلفاء الأمويين، ولكنه لم يعرض للشعب العربي في الشام ومصر، وفي نفس الوقت نراه يعرض في تفصيل لفشو اللحن على ألسنة الكوفيين والبصريين، وما ذلك إلا لأن الرواة كانوا من العراق، وعنوا بتدوين كل ما يتصل به، ولم يعنوا بتدوين الظواهر اللغوية في الغرب. ومعنى ذلك أن الشام ومصر وشعراءهما حتى في العصر الأموي لا يأخذون مجالًا واسعًا في الرواية الأدبية أو اللغوية، فما بالنا بعصر الفتوح؟

стр. 147

الباب الثاني: شعراء الفتوح الفصل الأول: شعراء متنوعون ١- الفتوح تُذْكِي جذوة الشعر العربي: قال ابن سلام: "جاء الإسلام فتشاغلت العرب عن الشعر، تشاغلوا عنه بالجهاد، وغزو فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته"١. وهذا القول الذي يجانب الصواب لم يقتصر على ابن سلام وحده، وإنما تابعه فيه كثير من الدارسين حتى استحال عصر صدر الإسلام لدى بعضهم إلى عصر ركود أدبي، ولدى بعض المعتدلين منهم إلى عصر هدوء أدبي. والحقيقة الواضحة أن الإسلام لم يحمل العرب على الانشغال عن الشعر وروايته؛ لأنه لم يكن يملك هذا لو أراد، ولم يكن له أن يريد هذا الأمر مع ما للشعر من سلطان على نفوس العرب، ذلك أنه علم قوم لم يكن لهم علم غيره٢. وكل ما كان من آثار لمجيء الإسلام على الشعر أنه حاول تغيير مهمته في الحياة العربية وتزويده بقيم وأهداف جديدة تتفق وطبيعة الفكرة الإسلامية، فأخذ يخلع طوابعه الخاصة على الشعر؛ ليتحول من ألهية تتلهى بها طبقة معينة من الناس إلى وسيلة نافعة، تُسخَّر من أجل مجموع المسلمين، وتكون بمثابة طاقة نفسية تخدم هذه الجماعة، وتعمل في سبيل غاياتها ومثلها. ومن ثم كان على الشعر أن يطرح عنه مفهومه القديم، وأن يتقيد بقيم معينة، فرضها الدين الجديد، وأن يستهدف غاياته الرفيعة إذا أراد أن يكون له وجود في هذه الحياة الجديدة، وإلا كان من الخير أن يصمت.

стр. 148

وما دامت الحياة العربية بجميع مظاهرها قد تعرضت للتغيير فإن الشعر يصبح فاقدا لكل قيمة، إذا لم يتجاوب معها فيصورها من كافة أقطارها، في ظلال القيم الجديدة التي أصابت حياة الناس بالتغيير، والإسلام فضلًا عن كونه رسالة دينية ليس إلا نمطًا من أنماط السلوك وأسلوبًا من أساليب التفكير، ولا بد له من ثم أن يترك آثاره على الحياة الفنية. هكذا كان على الشعر أن يكون قوة ذات أثر في نطاق من حقائق الدين وغاياته، وإلا كان من الطبيعي أن يجد الناس طلبتهم فيما جاءهم به الدين الجديد من آيات كتابه المعجز، وأحاديث رسوله وخطبه، وأكد هذه القيمة التي اكتسبها الشعر أن الإسلام حركة فكرية لها وجهها الأدبي، بل إن الإعجاز الأدبي كان أكثر جوانبها تألقًا وإغراء للعرب واجتذابًا لهم، وأن طبيعة العقل العربي وما جاء به الدين الإسلامي من تعاليم لم يفسحا مجالًا ما للون من ألوان الفنون الأخرى، فلم يكن أمام تلك الطاقات المختزنة في النفس المسلمة إلا أن تجد لها مسربًا في الشعر لا تعدوه، طالما يتجاوب مع حياتها الجديدة. وكان للصراع بين الدين الجديد وأعدائه أثر كبير في تأكيد قيمة الشعر العربي وتحديد مهمته في تثبيت دعائم الفكرة الإسلامية، ودحض افتراءات أعدائها. فقد انطلق مشركو مكة يغرون شعراءهم بالإسلام وبنبيه، وكان لذلك أثره في نفس النبي ﷺ وصحابته المسلمين؛ نتيجة إحساسهم بخطر هذا السلاح في تعويق الدعوة والتنفير منها وتشويهها، وإفساد عمل دعاتها، وبخاصة بين أولئك الذين لم تستقر في قلوبهم وعقولهم بعد الملامح الجديدة للعقيدة، وأولئك الذين يعطون لهذا الشعر الذي يصدر عن مكة وعن شعراء من قوم النبي ﷺ قيمة خاصة. وكان ضروريًّا -والأمر كذلك- أن يخوض الشعر الإسلامي معركة عنيفة ضد أعداء الإسلام، خلع عليه فيها نبي الإسلام كل تأييده وحفزه وتشجيعه، فندب الشعراء وأهاجهم واستحثهم، وكان ينتشي لمنافحتهم ويدعو لهم١، وهذا كله يعني تقدير النبي ﷺ لخطر الشعر وقيمته؛ لأن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، وشعر المسلمين أشد على الكفار من نضح النبل، ويتجلى تقدير النبي ﷺ للشعر فيما خلعه على الشعراء الذين تقيدوا بالقيم الإسلامية وما حباهم به من عطفه، كما يتجلى في موقفه من شعراء قريش

стр. 149

الذين بلغت قسوتهم في الحملة عليه وعلى الإسلام حد أن توعدهم بالقتل، وقتل بعضهم فيما بعد١. وكل ما نريد أن نوضحه أن الإسلام لم يقف من الشعر موقفًا عدائيًّا، ولم يحاول أن يحمل العرب على الانشغال عنه، وإنما كان موقفه منه كموقفه من كل مظاهر الحياة المتخلفة عن الجاهلية؛ إذ حاول أن ينفي عنها طوابعها التي لا تتلاءم مع الدعوة الإسلامية، ثم يدفعها للانسياق في إيحاءات الحياة الإسلامية ومتطلباتها، في نطاق من تعاليم الدين الجديد. فلم يكن من هدف الدين الإسلامي، ولا من هدف رسوله ﷺ في شيء أن يحول بين العرب وبين الشعر، وإنما كان الهدف أن يوضع الشعر موضعه، وأن يخطط له بما يجعله ذا قيمة فاعلة في حياة المسلمين، لما كان يدركه من عمق الصلة بين حياة العرب وبينه.. وأنه لن يستطيع أن يقصر حياتهم الفنية على ما كان من إعجاز القرآن وترتيله، ومن ثم فقد آثر أن يحوله عن وجهته الجاهلية إلى هذا الأفق الجديد، فحرض الشعراء، ودعا لهم وأغراهم على السير فيه، بينما ضرب على أيدي الشعراء الذين ظلوا يعيشون بمفاهيم جاهلية، يتخذونها وسيلة لمحاربة الإسلام والتنفير منه، وإثارة الفتن والعصبيات، وإيذاء النفوس، وإشاعة البغضاء بين الناس. حمل الإسلام حملة شعواء على هؤلاء الشعراء وعلى شعرهم تجلت في سورة الشعراء، وفي أحاديث الرسول ﷺ ، فصورهم في صورة بشعة، ولم يستثنِ منهم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا، وهؤلاء هم الذين نافحوا عن الدين، وذادوا عن العقيدة. ولم يكن من اليسير أن تتغير مفاهيم الشعر وقيمه بين ليلة وضحاها، فهذه القيم قد رافقت الشعر أجيالًا طويلة، وليس في الإمكان طرحها دَفْعَة واحدة واستبدالها بقيم إسلامية تحل محلها، وإنما احتاج الأمر إلى بعض الوقت الذي تبعد فيه الحياة تدريجيًّا عن رواسب الماضي، وتترسب هذه القيم الجديدة في النفوس رويدًا رويدًا.

стр. 150

وكان طبيعيًّا أن يخفت صوت الشعراء وإن لم يصمت، فقد ظل الشعراء المؤمنون يقومون برسالتهم في رد سهام المشركين وحماية العقيدة ونصرتها؛ إذ كانوا أعمق فهمًا لرسالة الإسلام، وأسرع استجابة لها دون غيرها. وخفت صوت الشعر أمام المثل الإسلامية الجديدة، التي تختلف تمام الاختلاف عن المثل الجاهلية التي اعتاد الشعر تصويرها والتحدث عنها، وفقد الآن حرية التعامل بقيمها وصورها وألوانها وأجوائها، وفقدت هي -من جانب آخر- طلاوتها؛ لأنها لم تعد ذكريات فاعلة عزيزة في تكوين الفرد والجماعة الجديدة داخل إطارها الجديد، وإن ظلت جزءًا من ماضيه، يأنف منه ويزدريه. ووجد الناس ما ينشدون من هذه المثل الإسلامية في القرآن الكريم، وإدمان القراءة فيه وتفهمه، وازداد صوت الشعر خفوتًا عندما أخذ اهتمام الناس ينتقل من قراءة القرآن وتفهمه ككتاب مقدس للدعوة الإسلامية إلى كتاب أدبي، يفوق بروعته وبيانه ما ورثوه من تليد الشعر، ويتجاوز سحره طاقة البشر ويطرح وراءه كل الشعراء المجيدين. فهذه طائفة من صحابة الرسول ﷺ تتبدل من عنايتها بالشعر وروايته وحفظه عناية بالقرآن فائقة، وإدمانًا في النظر الممعن فيه، وهذا لبيد يستعيض عن الشعر بسورة البقرة، وهذا علي بن أبي طالب ينصح لأبي الفرزدق بأن يحفظه القرآن، وكأنما يصرفه عن الشعر صرفًا١. وهكذا استقر في أذهان المسلمين أن أساليب القرآن تستطيع أن تسع منازعهم النفسية العميقة، وأن توحي بكثير من ألوان البيان المماثل، فوجدوا في القرآن بديلًا فنيًّا غلب الشعر على منزلته، حتى لقد صار شاعر الرسول ﷺ ينشد في المسجد فلا يجد من يستمع إليه، ويضطر الزبير أن يهيب بهم ليستمعوا له٢. فقد كان الناس عن ذلك في شغل بالقرآن الذي استأثر بهم؛ لأن فيه ما يهيج العصبيات والحزازات التي قضى عليها الإسلام.

стр. 151

شغل المسلمون إذن عن الشعر. ففيمَ الخلاف مع ابن سلام الذي قرر أن الإسلام شغل العرب عن الشعر؟ إن الخلاف ليس في هذا القول، وإنما فيما يقرره من أن شغل العرب كان بالجهاد وبغزو فارس والروم. فإن الحقيقة كما قررناها أن شغل المسلمين عن الشعر لم يكن إلا نتيجة لمحاولة الإسلام تغيير مفاهيم الشعر ليتفق وتعاليمه ومثله، وأن الشعر عجز عن أن يقدم للناس ما وجدوه في القرآن فخفت صوته، وإن لم تغض منابعه. ثم كانت الفتوح الإسلامية التي أذكت جذوة الشعر العربية وأطلقت الألسن من عقالها، وكأنما كان الشعر الرئة التي تنفس خلالها ما اختزن في النفوس العربية خلال هذه الفترة، فقد فتحت الفتوح أمام الشعر مجالات واسعة، ووضعت أمام الشعراء مواقف شبيهة بالمواقف التي ألفوها وألفها الشعر في الجاهلية، وإن اختلف الهدف بين المواقف اختلافًا شاسعًا، إلا أنها قد أزالت حرج الشعراء، وفتحت أمامهم أبوابًا كان طرقها محظورًا في ظلال الفكرة الإسلامية، فلا بأس على الشاعر إذا ما أشاد ببلائه وفخر بقومه ما داموا جميعًا يذودون عن العقيدة، ويبذلون الأرواح رخيصة في سبيلها. أما قبل الفتوح فإن الفخر ليس إلا انحرافًا عن حدود المهمة التي نيطت بالشعر إلى إثارة النعرات والعصبيات التي كان يجب أن تختفي ويعفى على آثارها. لا ضير في أن يشعر الفرد المسلم بما لقبيلته من مجد مؤثل في موطن بذلها في سبيل العقيدة، كما فعل نافع بن الأسود بن قطبة في الفخر ببلاء تميم من مقتلة أسد بالقادسية: وقال القضاة من معد وغيرها ... تميمك أكفاء الملوك الأعاظم هم أهل عز ثابت وأرومة ... وهم من معد في الذرا والغلاصم وهم يضمنون المال للجار ما ثوى ... وهم يطعمون الدهر ضربة لازم لذلك كان الله شرف فر ... سانها في الزمان الأول المتقادم وحين أتى الإسلام كانوا أئمة ... وبادوا معدا كلها بالجرائم

стр. 152

إلى هجرة كانت سناء ورفعة ... لباقيهم فيهم وخير مراغم فجاءت بهم في الكتائب نصرة ... فكانوا حماة الناس عند العظائم فصفوا لأهل الشرك ثم تكبكبوا ... وطاروا عليهم بالسيوف الصوارم لدى غدوة حتى تولوا تسوقهم ... سيوف تميم كالليوث الضراغم١ وهل كان بإمكان شاعر أن يقول مثل هذا القول في المسجد -مثلًا- وعمر بن الخطاب يمسك بأذن حسان بن ثابت ليعنفه على ما قال من شعر، شبهه بأنه رغاء كرغاء البعير٢. فالأمر في رأينا لا يخرج عما كان من موقف الفروسية العربية من الإسلام، فقد وجدت فرصتها في الفتوح بعد أن ضافت بها الحياة الإسلامية فنهت عن أن يقاتل المسلم أخاه، فإن فعل فقد قاتل تحت راية عمية، وإن قتل قتل قتلة جاهلية. كذلك كان الشعر، ووجد فرصته في الفتوح، حيث يفاخر الشاعر ببلائه، وينهى به إلى امرأته أو صاحبته، ويهجو الكفرة أعداءه، ويقذع في هجائهم دون تحرج أو ضير. فكما كانت الفتوح متنفسًا للعرب المفطورين على الفروسية والنجدة والشجاعة فطرحوا فيها ما كان من بأس فيما بينهم، كذلك كانت الفتوح متنفسًا للعرب المفطورين على الشعر والفصاحة طرحوا فيها كل ما كان محظورًا عليهم في مواقف أخرى. ولا شك في أن ارتباط الفتوح بفكرة الجهاد التي تمثلت بلورة نورانية تخطف قلوب المؤمنين، كان له أثر كبير في ترسيب المثل الإسلامية في نفوس المجاهدين من الشعراء، فانطلقت ألسنتهم بما رأينا من الشعر الذي واكب عمليات الفتوح خطوة خطوة. وجدير بالذكر أن الشاعر المسلم في الفتوح قد مارس ألوان الشعر التي كانت محظورة عليه قبل الفتح في ظلال فكرة جديدة، لم تكن القبلية بحال من الأحوال، وإنما كانت فكرة الجماعة الإسلامية الكبيرة، فوقف منها موقف المدافع، وانبرى يشيد

стр. 153

بانتصارها على أعدائها، وحلت من وجدانه محل القبيلة الصغيرة، التي كان يفنى فيها وفي الذود عنها. وأصبح يتغنى بعواطف الجماعة الإسلامية وبوجدانها، بعد أن كان يغني عواطف القبيلة الضيقة، وصارت له شخصية فردية ذات أبعاد وحدود وملامح بارزة داخل الجماعة الكبيرة، بعد أن كان خيطًا رفيعًا في نسيج القبيلة العريض. وقد شغلت الفتوح الإسلامية المسلمين عن كل شيء في حياتهم إلا الفروسية والشعر. ولا نكون مغالين إذا قلنا: إن الفتوح لم تقم إلا بهذين المظهرين من مظاهر الحياة العربية. فكانت الفروسية سببًا في نجاح الفتح، وكان الشعر نتيجة للفتوح. وألقت الفتوح بهذا عبثًا جسيمًا على عواتق المجاهدين، استهلكت جهودهم، وشغلت حياتهم فلم تتسم لحظة بالهدوء أو بالاستقرار، وشغلوا بالانسياح في الأرض -بعد أن ضاقت بلادهم بألق إيمانهم- يتدفقون كتائب تتبعها كتائب إلى العراق وخراسان والشام ومصر وإفريقية فيصيبون توفيقًا أي توفيق يغري غيرهم، فيتدفقون سيلًا مندفعًا في تيار الفتح، وأضحت جزيرة العرب مخزنًا كبيرًا للرجال، يذخر حينًا، ويخلو في أكثر الأحيان. والمجاهدون يتعرضون لمشقات الاستنفار والتجيش، وأهوال القتال وعنف المعارك، ومع ذلك فإن الغايات الشريفة التي استشرفوها لم تقضِ على منازع الفن الشعري في نفوسهم. حقًّا لم تكن حياة العسكر تسمح لهم بالفترات التي يخلدون فيها إلى أنفسهم، ويخلون إلى ذواتهم ساعة أو بعض ساعة، يصبون فيها عواطفهم ومشاعرهم في أبيات تقصر أو تطول، وحقًّا كانت ظروف القتال لا تكاد تترك لهم لحظة هادئة، فهم بين أن يكونوا مدافعين أو مهاجمين، يتحولون من ميدان إلى ميدان، ويتركون معركة ليستقبلوا معركة. ولكنهم -على الرغم من كل هذه القسوة والقلق والتورع- نفوس تشعر وتحس، وتأمل وتحذر، وتنتصر وتهزم، فتفرح أو تشقى، وهذه المشاعر لا بد أن تجد متنفسًا لها، وتلك الطاقات النفسية لا بد أن تجد مسربًا ينفس عنها، ويحمل مواجدها وأشواقها. وهذه البيئات الجديدة التي لم يألفوها ألا تثيرهم؟ وهذه المناطق النائية ألا تذكرهم بأهليهم وأحبائهم وديارهم؟ وهذه المشاهد الغريبة ألا تؤثر فيهم؟ ومتى شغلت الحرب العربي عن الشعر؟ ألم يقترن الشعر بالحرب عند العرب على طول الأزمان والحقب؟ ألم

стр. 154

يجعلوا للقتال والنزاع لحنًا معينًا يوقعون عليه ضرباتهم، ويضعونه موضع الموسيقى في الجيوش الحديثة. لم يفارق الشعر العرب لحظة واحدة في الفتوح، ذلك أنه كان أداة للتحميس والدفع والاستنفار، ينطلق المجاهدون على إيقاعه الهادر إلى النصر والشهادة. وآية هذا أن الإسلام أراد أن يغير مظاهر الحياة العربية جميعها، ومنها الشعر، فحدد له قيمًا ومهمة تتفق وتعاليمه، ولم يستطع الشعر أن يواكب هذه القيم دَفْعَة واحدة، فخفت صوته إلى حين حتى كانت الفتوح الإسلامية فأذكت جذوة الشعر العربية، وأطلقت ألسنة الشعراء، وأودت بكل حرج، ووضعت أمامهم مواقف يمارسون فيها ألون الشعر التي قيدها الإسلام، وفتحت أمامهم آفاقًا واسعة، وتجارب حافلة بألوان من العواطف الجياشة والمشاعر الملتهبة.

стр. 155

٢- شعراء قدماء: خفت صوت الشعر، ولكنه لم يصمت تمامًا، فقد كان هناك شعراء استجابوا لدعوة الإسلام سراعًا، واستبدلوا بمفاهيم الشعر الجاهلية مفاهيم إسلامية جديدة، واستطاعوا أن يتقيدوا بمهمة الشعر التي حددتها المثل الإسلامية، وأن يكتسبوا لأنفسهم أسلوبًا أفادوه من التأثر بالقرآن الكريم، كما فعل أولئك الذين جندوا للتصدي لشعراء قريش. بينما ظلت طائفة منهم لم تسعفهم سلائقهم الشعرية بما طبعت عليه من الإلف للتقاليد الجاهلية المتأصلة بعيدة عن التأثر بهذه المثل، ومن ثم لم يتمكنوا من أن يستبدلوا بها غيرها فكان أن سكتوا عن قول الشعر، حتى كادت ينابيعه أن تغيض في وجدانهم. وكان هناك بطبيعة الحال طائفة أخرى، اختلط فيها الماضي بالحاضر، فمزجت بين ما كانت فيه وما أقبلت عليه. وقد وجد هذان النوعان في الفتوح الإسلامية منطلقًا لهم ومتنفسًا، فشارك عدد كبير منهم فيها، واحتفظت لنا الروايات بأخبارهم وأشعارهم، دون أن تؤثر في ذلك ظروف الفتح التي طمست صورة الشعراء المغمورين، الذين لم يكن لهم شهرة بالشعر من قبل. أما هؤلاء الذين نضجوا وذاع صيتهم وشهرتهم قبل الفتوح فلا نجدهم قد تأثروا بذلك إلا قليلًا، فشعرهم وإن كان أبياتًا مفردة أو مقطعات مبتسرة يتلقفه الرواة

стр. 156

والإخباريون والمهتمون بالشعر، متأثرين في ذلك بما لهؤلاء الشعراء من ماضٍ فني، دون نظر منهم إلى قيمة الشعر ذاته، التي اكتسبها من الظروف التي صدر خلالها. وقد شارك في الفتوح عدد كبير من الشعراء القدامى من أمثال عمرو بن معديكرب الزبيدي، وعبدة بن الطبيب، وأبي محجن الثقفي، وربيعة بن مقروم الضبي، وأبي ذؤيب الهذلي، وعمرو بن شأس الأسدي، وقيس بن مكشوح المرادي، وعروة بن زيد الخيل الطائي، والنابغة الجعدي، والشماخ، والحطيئة. وليس شك في أن شعر هذه الطبقة من شعراء الفتح يختلف عن شعر غيرهم من الشعراء، فهو شعر ناضج برغم الظروف التي شهدت مولده، وهو يمتاز عن بقية شعر الفتح بامتداد نفسه نسبيًّا، كما يظهر فيه بوضوح غلبة الفخر الفردي على الفخر بجماعة المسلمين، وكأن الشاعر الناضج يحس بنفسه إحساسًا أقوى من إحساس غيره من الشعراء المغمورين، بل أقوى من إحساسه بالمثل الدينية في أكثر الأحيان. كما أن شعرهم يتميز بميزة خاصة وهي أن فرصة الظن في انتحاله نادرة؛ إذ هناك ما يخشاه المنتحل لو عزا انتحاله إلى شاعر شهير، فإنه بذلك يضع نفسه موضع الشبهة إذا ما تكلف الدارسون بإعادة الأمور إلى نصابها بالتحليل والتدقيق، ومقارنة المنتحل بشعره المعروف له. وقد يعجب الدارس حينما يجد هذه الطبقة الممتازة من الشعراء على كثرة عددها لم تخلف في شعر الفتوح آثارًا تتناسب معها في الكم والكيف. حتى إننا إذا أردنا أن نتخذ أحدهم مثالًا للشعراء القدامى الذين أسهموا في الفتوح لم نجد أحدًا منهم جديرًا بالدراسة؛ لقلة ما خلف في ظروف الفتح. ولسنا نستطيع أن نعزو قلة شعرهم إلى ضياعه، لما سبق أن قررناه من أن شهرتهم قد حفظت شعرهم من الضياع، فوصل إلينا كاملًا، كما وصلت إلينا أخبارهم بتفاصيلها الدقيقة. فهذا عبدة بن الطبيب١ تذكر الروايات عنه أنه شهد مع المثنى بن حارثة قتال هرمز. وله في ذلك آثارًا مشهورة٢، وأنه شهد الواقعة التي كانت عقب القادسية٣، كما

стр. 157

يروي أنه كان في جيش النعمان بن مقرن، وأنه شهد معه حرب الفرس في المدائن١، ثم لا نجد من هذه الآثار المشهورة إلا قصيدة واحدة، وإن كانت طويلة جدًّا؛ إذ تبلغ نيفًا وثمانين بيتًا، تتنازعها هذه الروايات جميعًا بين أن تكون قد قيلت في وقعة بابل التي كانت بين المثنى وهرمز على مبعدة خمسين ميلًا من المدائن٢، أو أن تكون قد قيلت في وقعة المدائن ذاتها، أو في نهاوند، حينما غزا مع النعمان بن مقرن. وقد توهم صاحب الإصابة أنها المدائن، متابعة في ذلك لصاحب الأغاني. ونحن نميل إلى أن تكون هذه القصيدة قد قيلت في وقعة نهاوند، التي وقعت بعد تمصير الكوفة التي يشير إليها الشاعر. ويجد الباحث نفسه متحيرًا أمام هذه القصيدة الرائعة، ولا ترجع حيرته إلى روعتها وإلى امتداد نفسها في مثل هذه الظروف القلقة فحسب، وإنما للحيرة أسباب أخرى. فجميع الروايات متفقة على أن هذه القصيدة من قصائد الفتح الإسلامي، وأنها قيلت في إحدى الوقائع التي شهدها الشاعر ضد الفرس، والقصيدة تشير إلى ذلك في بعض أجزائها، من مثل قول عبدة في مطلعها: هل حبل خولة بعد الهجر موصول ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول؟ حلت خويلة في دار مجاورة ... أهل المدائن فيها الديك والفيل يقارعون رءوس العجم ضاحية ... منهم فوارس لا عزل ولا ميل فخامر القلب من ترجيع ذكرتها ... رس لطيف ورهن منك مكبول رس كرس أخي الحمى إذا غبرت ... يومًا تأوبه منها عقابيل وللأحبة أيام تذكرها ... وللنوى قبل يوم البين تأويل إن التي ضربت بيتًا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول٣

стр. 158

وإلى هذا الحد لا موجب للحيرة، فالشاعر يتحدث عن صاحبته التي هجرته -أو هجرها- ونزحت إلى الكوفة؛ حيث جاورت المدائن التي فيها الديوك والفيول وحيث المسلمون يقارعون فوارس الفرس. وقد عاوده حبه القديم كأنه مس الحمى في مبتدئها ومنتهاها. وصاحبته هذه التي استوطنت الكوفة لا تشعر به، فقد نسيت هواه، وكأنما غالته غول.. إلى هنا لا موجب للحيرة. ثم ينتقل الشاعر من بعد إلى وصف ناقته ورحلته بعد أن تخلص فرمى نفسه بالضلال، إذا سمح للصبابة أن تشغله عن عمله، واستغرق وصفه لناقته ستة عشر بيتًا، وصفها فيها بعظم الخلقة والسرعة والقوة، في لغة جاهلية نحتت نحتًا، وتعرض في أثناء ذلك إلى وصف ما صادفه في الرحلة من القطا، ثم عاد إلى وصف الناقة، فشبهها بثور وحشي، وصفه بأنه بعيد ما بين القرنين محجل مكحول العين. ووصف القانص الذي يترصده وزوجه تنتظره وقد نام في حجرها صغير كالقرد، وهذا القانص يغري كلابه الضارية المدربة، ثم يصور المعركة التي نشبت بين الثور والكلاب تصويرًا رائعًا برغم ما يكتنف ذلك من صعوبة اللغة وتقعرها. ووصف بعد ذلك خروج الحيوان متأثرًا من المعركة، يستقبل الريح كأنه السيف المسلول، ويصور إعياءه بعد أن صرع الكلاب طعنًا في صدورها فأنهك، لكنه يستشعر الظفر والانتصار فيجري، وآثار المعركة بادية عليه، ودماء ضحاياه تلوث وجهه، وقد تدلي لسانه عن شمال شدقه، ويجري فيثير جريه النقع، ولكنه يبرك ثانية حتى يكل فرجه من ارتطامه بالحصى. وقد استغرق الشاعر في وصف هذه المعركة عشرين بيتًا، انتقل بعدها إلى وصف منهل دل عليه رفاقه في الرحلة، وكان الماء قد نفد فوردوا، وقد ران عليهم النعاس من الإجهاد. ثم قالوا حد الظهيرة، وبعد ذلك رفعوا أرديتهم. وصاروا يعدون اللحوم للطعام ما بين ورد وأشقر، وفار باللحم للقوم المراجيل، وأكلوا ثم مسحوا أيديهم في مناديل من أعراف خيولهم الجرد المسومة. ويستغرق هذا المشهد سبعة أبيات، يتحدث في آخرها عن الخيول، ثم يعود كرة أخرى إلى وصف العيس التي ارتحلوا عليها. ويعود بعد ذلك إلى حديث يذكرنا بالأبيات التي أسلفنا، ذلك أنها تنصرف فيما انصرفت فيه تلك الأبيات من تصوير الجهاد، وهي كذلك رقيقة في لغتها حيث يقول:

стр. 159

نرجو فواضل رب سيبه حسن ... وكل خير لديه فهو مقبول رب حبانا بأموال مخولة ... وكل شيء حباه الله تخويل والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل١ ثم انصرف عبدة بن الطبيب إلى وصف جرأته ومغامراته التي أفزع بها الوحوش في هدأتها، وطروقه القفار والأهوال بجواده المتكامل الخلقة، الذي تميزه سيقانه القوية السريعة المقتدرة. واستغرق هذا المشهد تسعة أبيات راح يصف بعدها طروقه لحوانيت الخمارين، مع صياح الديك، ومع رفيق ضليل مثله أعداه بلذاته وخرقه، جاد إذا حزبه الأمر، مخالط للهو واللذات، وفي هذا الحانوت بسطت لهما الفرش المزينة بالتصاوير الرائعة للدجاج والأسد، في جو رائع؛ حيث ترسل ذبالة ضوئها فترى الزق معدًا، وآثار العراك باقية، والأكواب موضوعة، والأباريق مصفوفة، والريحان مجهزًا، وأكوابًا مترعة، والزبد طاف فوقها، والشواء يسعى به متمنطق عجول؛ حيث أعد الخوان وفوقه التوابل، واصطبح الشاعر بما شاء من طيب الراح، وتابع الشرب صرفًا وممزوجة على الريحان، وعلى شعر مذهب لآنسة جيداء، صوتها ترتيل، تغدو على الشرب وتروح، فتلهيهم تارة وتارة أخرى يحاصرونها، ويلقون عليها بردهم وسراويلهم إعجابًا. هل أمام الدارس إلا أن يقف محيرًا أمام هذه القصيدة الرائعة؟ وعلامَ الحيرة؟ إن تلك الأبيات التي أشرنا إليها قد قيلت في الفتح، وما عداها لا يمكن أن يكون من شعر الفتح، أو من الشعر الإسلامي ألبتة والقصيدة إذن جزآن واضحان ومختلفان في مدلولهما وصياغتهما، أحدهما إسلامي، والآخر جاهلي. وليس ببعيد أن يكون أحد الرواة قد مزجهما في قصيدة واحدة على هذا الشكل الذي نراها عليه، وروتها به الروايات. والذي يجعلنا نميل إلى هذا الرأي ما نراه من شبه في الصياغة الفنية لهذه الأبيات الإسلامية في القصيدة، وفي قصيدته الإسلامية التي يُوصي فيها ابنه ويقول في ختامها:

стр. 160

ولقد علمت بأن قصرى حفرة ... غبراء يحملني إليها شرجع فبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والأقربون إلى ثم تصدعوا وتركت في غبراء يكره وردها ... تسفي على الريح حين أودع فإذا مضيت إلى سبيلي فابعثوا ... رجلًا له قلب حديد أصمع إن الحوادث يخترمن وإنما ... عمر الفتى في أهله مستودع يسعى ويجمع جاهدًا مستهترا ... جدا وليس بآكل ما يجمع حتى إذا وافَى الحمام لوقته ... ولكل جنب لا محالة مصرع نبذوا إليه بالسلام فلم يجب ... أحدا وصم عن الدعاء الأسمع١ فهذه سهولة إسلامية، ومعانٍ تحمل ظلال الأفكار الإسلامية، شبيهة بحديثه عن العيش في أبيات لاميته. فنفس الروح الحكيمة جلية في الموضعين هذين، ولا يمكن أن يكون هو الذي يتحدث عن اللهو والشراب والطرب في الإسلام، وهو الذي يقول في نصيحة بنيه: أوصيكم بتقى الإله فإنه ... يعطي الرغائب من يشاء ويمنع وببر والدكم وطاعة أمره ... إن الأبر من البنين الأطوع٢ وعدا تلك الأبيات التي تتحدث عن خولة ورحيلها إلى الكوفة، وحرب الفرس، وابتغاء فواضل الله لا نعرف لعبدة شعرًا في الفتح. واشترك في الفتوح من الشعراء القدامى ربيعة بن مقروم الضبي٣، من شعراء مضر المعدودين، وهو مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وعمر طويلًا في

стр. 161

الإسلام١. وتذكر الروايات أنه شهد القادسية وجلولاء٢، كما تذكر أنه كان سجينًا لدى كسرى المشقر قبل الإسلام٣. كما يذكر ابن حجر صاحب الإصابة أن له شعرًا في القادسية٤. وكل ما يروى له من شعر في الفتوح لاميته المطولة، التي يتحدث فيها عن معركة الفيول. ونرانا مضطرين إلى أن نقارن بين هذه القصيدة ولامية عبدة بن الطبيب التي أشرنا إليها. ذلك أن ظروفهما تكاد تكون واحدة، وهي تسير على هذا النمط: شماء واضحة العوارض طفلة ... كالبدر من خلل السحاب المجتلي وكأنما ريح القرنفل نشرها ... أو حنوة خلطت خزامى حومل وكأن فاها بعدما طرق الكرى ... كأس تصفق بالرحيق السلسل لو أنها عرضت لأشمط راهب ... في رأس مشرفة الذرا متبتل جآر ساعات النيام لربه ... حتى تخدد لحمه مستعمل لصبا لبهجتها وحسن حديثها ... ولهم من ناموسه يتنزل٥ وبعد هذه المقدمة الغزلية يبدو الشاعر وكأن غزله ساقه إلى تذكر ما كان في صباه، فيقارن بين ماضيه وحاضره، وتصيبه الحسرة إذ طعن في السن، وغزا الشيب لمته، وانحنى ظهره، وأضحى يدب دبيبًا كمن يخاتل صيدا عن نفسه، فيتذكر ما كان يصبي الغواني من صباه وميعته.. فيقول: بل إن ترى شمطاء تفرع لمتي ... وحنا قناتي وارتقى في مسحل ودلفت من كبر كأني خاتل ... قنصا ومن يدبب لصيد يختل

стр. 162

فلقد أرى حسن القناة قويمها ... كالنصل أخلصه جلاء الصيقل أزمان إذ أنا والجديد إلى بلى ... تصبى الغواني ميعتى وتنقلي١ يدلف من ثم إلى الفخر بمهارته وبراعته في القتال، وشهوده الحرب، وطراد الخيل بفرس سليم أوظفة القوائم هيكل، سباق لأوابد الجياد، يجري منه الحميم، ويهوي بصاحبه هوى الصقر، وينتقل إلى الحديث عن جسارته هو، فهو مقدام، لا يكاد يسمع دعوة للنزال حتى يكون أول نازل، وهو جماع للمال، ودخال لأبنية الملوك، وهو لا يغالي في هذا القول، فشر ما قاله المرء ما لم يفعله، وهو أريب بارع يجيد خدع النزال، فقد يكون خصمه حنقًا، يغلي صدره بعدواته، فإذا به يحاوره ويداوره حتى يتبين منه غرة فيكويه على نواظره.. يقول: ودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل ولقد جمعت المال من جمع امرئ ... ورفعت نفسي عن لئيم المأكل ودخلت أبنية الملوك عليهم ... ولشر قول المرء ما لم يفعل ولرب ذي حنق على كأنما ... تغلي عداوة صدره كالمرجل أرجيته عني فأبصر قصده ... وكويته فوق النواظر من عل٢ وتُروى هذه الأبيات الأخيرة مضافًا إليها أبيات أخرى في بعض الروايات، تقول: ودخلت أبنية الملوك عليهم ... ولشر قول المرء ما لم يفعل وشهدت معركة الفيول وحولها ... أبناء فارس بيضها كالاعبل متسربلي حلق الحديد كأنهم ... جرب مقارفة عنية مهمل٣ وهذه الأبيات هي التي يمكن أن تكون قد قيلت في الفتوح، ويبدو من إفرادها برواية مختلفة عن القصيدة لاختلاف مدلولاتها عن بقية القصيدة أن القصيدة جاهلية فيما

стр. 163

عدا هذه الأبيات، فهل ينزلق بعد ذلك إلى الحديث عن مغامراته اللاهية من أجل الشراب والعبث، فهو عتيق في هذا اللهو، يفتن صديقه الزميت حتى ليجعله يضرب بعذل العذال عرض الحائط فيتبعه، ويعصاهم ويطيع لذته. وصديقه شريف الحسب، يذهب إليه الشاعر فينبهه في الصباح أو قبل أن ينبلج الصباح ليأتيا حانوتًا من حوانيت الخمارين؛ حيث يصطحبان فيه معتقة لم يقتل عنفوانها الماء، ولا يزالان يسقطان على هذه الحوانيت حتى تفرغ حاجتهما إلى اللذة. وعندما ينتشي الشاعر تهاجمه الذكريات فيتحسر على سنوات عمره المائة، التي أضاعها سنة إثر سنة، والدهر يبلي كل جدة مبذل. فيقول: وأخي محافظة عصى عذاله ... وأطاع لذته معم مخول هش يراح إلى الندى نبهته ... والصبح ساطع لونه لم ينجل فأتيت حانوتًا به فصبحته ... من عاتق بمزاجها لم تقتل صهباء إلياسية أغلى بها ... يسر كريم الخيم غير مبخل ومعرس عرض الرداء عرسته ... من بعد آخر مثله في المنزل ولقد أصبت من المعيشة لينها ... وأصابني منه الزمان بكلكل فإذا وذاك كأنه ما لم يكن ... إلا تذكرة لمن لم يجهل ولقد أتت مائة عليَّ أعدها ... حولا فحولا إن بلاها مبتلى فإذا الشباب كمبذل أنضيته ... والدهر يبلي كل جدة مبذل١ ويخوض بعد ذلك في فخر قبلي صرف بكرم قومه وقراهم الضيف، وتأدية المعروف في غير تنحل، وشجاعتهم وحلولهم الثغور المخوقة، وإعانتهم لذي الغرم، ومنعهم الجار، ورفعهم لذكرهم في كل محفل، ويبذلهم عن سعة، ويشيد بخطباء قومه الفصحاء، وسعة حماهم، وقيامهم بحمولة المقل.

стр. 164

وهكذا تبدو واضحة جاهلية هذه القصيدة التي تذخر بالمدلولات الجاهلية، من الغزل الحسي، إلى وصف الفرس، والإشادة بجسارة الشاعر إلى سرد مغامراته الليلية في علب الليل، إلى الفخر القبلي الصرف بالكرم والشرف والسؤدد، بينما تبدو الأبيات التي أفردتها بعض الروايات بين هذه المدلولات الجاهلية -غريبة وقلقة في موطنها، مما يؤكد ما ذهبنا إليه، من أن هذه القصيدة قد صنعت هي الأخرى عن عهدين مختلفين، ومزجتهما الروايات بهذه الصورة، وخلافًا لهذه الأبيات التي تتحدث عن معركة الفيول، والتي نرجع أنها قيلت في القادسية١، لا نعرف لربيعة بن مقروم الضبي شعرًا في الفتوح. ومن الشعراء القدامى الذين شهدوا الفتوح أبو محجن الثقفي، ذلك الفارس المعدود في أولي البأس والنجدة٢، وصاحب البلاء يوم أرماث بالقادسية. وتذكر الروايات خلافًا كبيرًا في خروجه إلى الغزو، فيذهب بعضها إلى أنه حد في الخمر مرارًا، ولم ينته فنفاه عمر بن الخطاب إلى جزيرة في البحر، وأرسل معه حرسًا تمكن من الخلاص منه، ثم التحق بسعد بن أبي وقاص في القادسية٣. بينما تذهب بعض الروايات إلى أنه خرج غازًا مع سعد لحرب الأعاجم، فكان يؤتى به شاربًا، فحبسه سعد في القادسية٤، كما تروي أخبار أخرى في سبب نفيه مختلفة عن هذه الأسباب، التي أوردنا من أنه هوي امرأة يقال لها: "شموس" واحتال في النظر إليها وتغزل فيها فاستعدى زوجها عليه الخليفة، فنفاه، وهرب من حارسه ليلحق بسعد٥. ولكننا لا نقبل هذه الروايات جميعًا، في خروجه، وكيفية التحاقه بسعد، فمن المؤكد أنه شهد معارك قبل القادسية، وروي له فيها شعر، كالذي أوردناه في يوم الجسر، وكان قد شهد هذه الواقعة مع بني أبيه من ثقيف، في جند أبي عبيد الثقفي٦.

стр. 165

ومهما تختلف الروايات في أمر خروجه للغزو فإنها تتفق في مجموعها على رواية حبسه بالقادسية، واستعطافه زوج سعد أن تلطقه، حتى يشترك في القتال بشعر يكشف عن ولوعه بالحرب وبلائه فيها، كما تتفق جميعها على أفاعيله العجيبة يوم أرماث، حتى ليدخل عمله في إطار الأسطورة. ويُروى أنه لما عاد من القتال ليضع رجليه في القيد كما تعهد لزوج سعد قابلته امرأة في الطريق فظنته لعجلته فارًّا منهزمًا، فأنشأت تقول: من فارس كره الطعان يعيرني ... رمحا إذا نزلوا بمرج الصفر فأجابها أبو محجن: إن الكرام على الجياد مبيتهم ... فدعى الرماح لأهلها وتعطري١ ولما عاد ورجع إلى محبسه أنشأ يقول: لقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنا نحن أكرمهم سيوفا وأكثرهم دروعًا سابغات ... وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا وأنا رفدهم في كل يوم ... فإن جحدوا فسل بهم عريفا وليلة قادس لم يشعروا بي ... ولم أكره لمخرجي الزحوفا فإن أحبس فقد عرفوا بلائي ... وإن أطلق أجرعهم حتوفا٢ وتُروى في الخزانة أبيات لم ترد في ديوانه عن بلائه في القتال، تقول: لما رأينا خيلا محجلة ... طرنا إليهم بكل سهلبة وقوم بغى في جحفل لجب ... وكل صافي الأديم كالذهب وكل عراصة مثقفة ... فيها سنان كشعلة اللهب وكل عضب في متنة أثر ... ومشرفي كالملح ذي شطب

стр. 166

وكل فضفاضة مضاعفة ... من نسج داود غير مؤتشب لما التقينا مات الظلام ودا ... ر الموت دور الرحى على القطب فكلنا يستكيض صاحبه ... عن نفسه والنفوس في كرب إن حملوا لم نرم مواضعنا ... وإن حملنا جثوا على الركب١ وهي أبيات فريدة في وصف أسلحة المسلمين، وتصوير بلائهم، لا نجد لها شبيهًا في كل ما لدينا من شعر الفتوح. كما تُروى له أبيات قالها في محبسه لزوج سعد، عندما سألته: فيمَ حبسه سعد؟ فأجاب: والله ما حبسني في حرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني، فينفثه أحيانًا، ولأني قلت: إذا مت فادفنى إلى أصل كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها ليروي بخمر الحص لحمي فإنني ... أسير لها من بعد ما قد أسوقها٢ وهذه رواية نميل إليها، وإن كنا نلاحظ عليها شيئًا، فغير معقول أن يعاقر أبو محجن الخمر في ميدان القتال، كما ذهبت إلى ذلك بعض الروايات، كما أنه لا يمكن أن نتصور أن يحبس سعد شاعرًا لأبيات قالها، وإن كنا نعتقد أن أبا محتجن صادق فيما قاله لزوج سعد، من ممارسته للخمر في الجاهلية وإقلاعه عنها فيما بعد ذلك. والذي نراه أن سعدًا قد حبس الشاعر في حقيقة الأمر لسبب خفي وإن كان احتج بشعره في الخمر ليدينه به، فأما هذا السبب فهو شغب أبي محجن مع غيره من وجوه القوم قبل بدء القتال في القادسية، ونسبتهم سعدًا إلى الجبن، عندما قعد عن قيادة المعركة بسبب ما ألم به من المرض. ومما يؤكد هذا اقتران حبس الشاعر بقصته مع سلمى زوجة سعد وأرملة المثنى، في نفس الليلة التي نسبت فيها سلمى هي الأخرى قعود

стр. 167

زوجها إلى الجبن، وما كان من ندائها: "وامثنياه ولا مثنى للخيل اليوم" فلطمها سعد وأغضبها، فقالت: أجبنا وغيرة؟ وباتت مغاضبة له ليلة أرماث وفيها أطلقت أبا محجن ثم قصت خبره معها على سعد بعد أن صالحها١. والطبري يصرح في رواية له بأن سعدًا حبس أبا محجن وسواه؛ لأنهم اختلفوا عليه وشغبوا٢. أما ما يذكر عن حده في القادسية وشعره الذي يصر فيه على الخمر، ففي رأينا أنه نتيجة لما أحاط بقصة أبي محجن من التأثيرات الشعبية، والتزيد في أخباره كما سنرى فيما بعد. ولنا أن نلاحظ على شعر هؤلاء الشعراء القدامى في الفتوح برغم قلة ما وصل إلينا منه قلة التأثيرات الإسلامية، كما يتضح فيما عرضنا له من شعرهم، وما سنعرض له لدى دراستنا لنموذج منهم وهو: عمرو بن معديكرب الزبيدي. على حين نجد بعض الشعراء القدامى قد امتلأ شعرهم بهذه التأثيرات مثل: النابغة الجعدي، وعروة بن زيد الخيل، وقد ادخرنا الحديث عنهما إلى حين، عندما نعرض للطوابع الإسلامية في شعر الفتوح. وفضلًا عن هؤلاء وأولئك نجد بعض الشعراء القدامى الذين اشتركوا في الفتح لم يخلفوا لنا شيئًا من شعرهم في هذا السبيل، مثل: الحطيئة والشماخ.

стр. 168

٣- شعراء أنطقتهم الفتوح: أذكت الفتوح الإسلامية جذوة الشعر العربية، التي خبت حينًا، وقد وجدت وقودًا غذاها فذكت، وانطلق الشعر على ألسنة المحجمين من الشعراء المتحرجين، فقد فتحت لهم الفتوح أبوابًا كثيرًا يدلفون خلالها من قواقعهم، إلى حيث يمارسون التعبير عن ذواتهم، في ظلال فكرة الجهاد التي اجتذبهم لألاؤها فاندفعوا إلى الميادين؛ حيث وضعوا فروسيتهم وشاعريتهم في خدمة الفكرة الإسلامية. ولم يقتصر الأمر على هؤلاء، فإن شعراء آخرين بدءوا يظهرون على مسرح الشعر، وإن كانت أدوارهم لا تسمو إلى أدوار الشعراء القدامى مع أن شعرهم أكثر فاعلية في أداء مهمة الشعر في المعركة، ويدهش الباحث أمام كثرة الشعراء من هذا القبيل، حتى ليخيل إليه أن الفاتحين جميعًا قد استحالوا شعراء في الفتوح، خاصة في الميدان الشرقي. وهؤلاء الشعراء الذين أنطقتهم الفتوح ينقسمون في تصورنا قسمين؛ أولهما: طائفة من الشعراء المغمورين، الذين لم يذع لهم شعر فيما قبل اشتراكهم في المعارك، ولم يذع ذكرهم أيضًا قبل ذلك. وقد وجد هذا القبيل فرصته في الفتوح؛ إذ سارت بشعره الركبان، وسجل اسمه في ذاكرة العرب. وظهرت أسماء جديدة طالعتنا في كتب التاريخ والمغازي لا بريق لها ولا ألفة لدينا، كالأسود بن قطبة التميمي، والقعقاع بن عمرو، وأخيه عاصم، وحسان بن المنذر بن ضرار الضبي، والأعور العبدي الشني، ونافع بن الأسود بن قطبة التميمي، وضرار بن الخطاب، وعمرو بن مالك الزهري، وكثير بن الغريزة النهشلي، وغيرهم. كان هؤلاء شعراء قليلي الحظ من الشهرة والذيوع، ولم يكن لهم في ماضيهم الفني رصيد يمكن لشخصياتهم الأدبية أن تبقى في الميدان نامية الجوانب، وأن يحافظ على ذواتهم من الانطماس والضياع، هذه المحافظة التي توفرت لشخصيات الشعراء القدامي. وبرغم هذا فإن دور هؤلاء الشعراء في شعر الفتوح هذ الدور الرئيسي، فكثرة الشعر الذي يروى في الفتوح ينسب إليهم. وقد عبروا عن ذواتهم، ومشاعرهم، وأحاسيسهم في المواقف المختلفة التي مرت بهم تعبيرًا بسيطًا، أصيلًا، حارًّا وصادقًا، ويلاحظ الدارس أن شعرهم مقطعات صغيرة متماسكة، تعبر عن موقف واحد، شأن شعر الفتوح كله، وتعتبر برغم قصرها هذا أكثر كمالًا وتماسكًا من غيرها من شعر الفتوح. والقسم الثاني من هؤلاء الشعراء يشكلون ظاهرة مهمة جديرة بإنعام النظر، وهم أولئك الشعراء الذين لم يكونوا في الأصل يرتبطون بالشعر في قليل أو كثير؛ ذلك أنهم لم يكونوا ينطمون الشعر أو يعنون به ولكنهم حملوا السلاح وخاضوا المعارك، فإذا بنفوسهم تفيض بالبيت أو بالبيتين أو بالمقطوعة القصيرة تسرية وتنفيسًا وحثًّا لنفوسهم وتحميسًا. وهؤلاء يمثلون السواد الأعظم من الفاتحين، وشعرهم ليس إلا استجابة حرة

стр. 169

وطليقة لتجاربهم وتأثرهم بمواقفهم النفسية الحافلة بالمشاعر والعواطف. ولذا يغلب عليه الرجز العفوي الحار، الذي يصدر عنهم وهم يستقبلون خصومهم، وكأنهم يدقون طبول الحرب مشجعين لأنفسهم، أو هم يتنادون، كل ينادي قبيلته أو جماعته. وأكثر هؤلاء الفاتحين المعبرين عن أنفسهم من الجند العاديين، الذين لم يكن متوقعًا منهم أن يعبروا بالشعر عن أنفسهم، ولكنهم أمام روعة الأحداث، والتهاب المشاعر، وجيشان العاطفة لم يملكوا أن يصمتوا، ففاض الشعر على ألسنتهم صادرًا من وجدانهم في عفوية حارة وصادقة، وقد جنت على هؤلاء الشعراء وعلى شعرهم شخصيتهم المنكورة، فاختلط بينهم شعر كثير. ولم ينسب إلى أصحابه قدر كبير منه، فإذا نحن أمام عبارات تتردد لا تحمل دلالة على الشاعر، وإن كانت تجعلنا نشعر أنه شعر شاعر من هؤلاء العاديين من الجند، كـ: قال أحد المسلمين، أو: قال أحدهم، أو: ارتجز راجز، وهكذا. ولحسن الحظ حفظت لنا الروايات أسماء بعض هؤلاء، من مثل: أبي أحيحة القرشي، وبشر بن ذريح الثعلبي، وعصام بن المقشعر، وبشر بن ربيعة، والأشعث بن عبد الحجر بن سراقة، وجندب بن عمار، وعلياء بن جحش العجلي، والأعرف بن العلم العقيلي، وغيرهم كثيرون. ولعل في أبناء الخنساء الأربعة، وما جاش على ألسنتهم من رجز دافئ في القادسية خير مثال لهؤلاء. وكذلك هؤلاء المحاربون الجرحى الذين اجتمعوا حول نخلة القادسية يناجونها وقد رقت مشاعرهم وهفت نفوسهم إلى أهليهم وديارهم شعرًا بسيطًا معبرًا، وإن ضاعت أسماء بعضهم، فيروى البيت الأول لبجير "كذا"، والآخر لرجل من تميم، والثالث لغيلان، أخي بن ضبة، وهكذا. وقد أدت ظروف القتال وتشابه ظروفهم وكثرتهم إلى انطماس شخصياتهم فيما يروى لهم من شعر، واختلاط نسبة المقطعات بينهم. فمثلًا يروي صاحب الأغاني مقطوعة رائعة، تفخر ببلاء صاحبها يوم القادسية على هذا النمط: أنخت بباب القادسية ناقتي ... وسعد بن وقاص عليَّ أمير وسعد أمير شره دون خيره ... وخير أمير بالعراق جرير وعند أمير المؤمنين نوافل ... وعند المثنى فضة وحرير

стр. 170

تذكر هداك الله وقع سيوفنا ... بباب قديس، والمكر عسير عشية ود القوم لو أن بعضهم ... يعار جناحي طائر فيطير إذا ما فرغنا من قراع كتيبة ... دلفنا لأخرى كالجبال تسير ترى القوم فيها أجمعين كأنهم ... جمال بأجمال لهن زفير١ وواضح أن هذه الأبيات لجندي من جنود القادسية، يفضل فيها جرير بن عبد الله البجلي على سعد بن أبي وقاص، ويشيد بالمثنى، وكأنه يزري بسعد. وتُروى هذه الأبيات لبشر بن ربيعة الخثعمي، صاحب جبانة بشر بالكوفة، وصديق عمرو بن معديكرب٢. ولكن صاحب الإصابة ينسب بعض هذه الأبيات إلى آخر يدعى: بشر بن ربيعة بن أبي رهم الجهمي٣، ويروى البيت الأول منها لشاعر يدعى: بشر بن ربيعة بن منارة الخثعمي٤، على حين ينسبها صاحب فتوح البلدان إلى بشر بن ربيعة الخثعمي، مضيفًا إليها عدة أبيات، في مطلعها تقول: ألم خيال من أميمة موهنا ... وقد جعلت أولي النجوم تغور ونحن بصحراء العذيب ودارها ... حجازية إن المحل شطير ولا غرو إلا جوبها البيد في الدجى ... ومن دوننا رعن أشم وقور٥ ويضيف إليها ياقوت بعد البيتين الأولين هذا البيت: فزارت غريبًا نازحًا جل ماله ... جواد ومفتوق الغرار طرير٦

стр. 171

كذلك يلاحظ الدارس أن جل هؤلاء الشعراء من النزاريين، وليس بينهم إلا فيما ندر عرب من أهل اليمن، وأنهم جند العراق وما وراء العراق في الغالب الأعم، وهذا أمر متوقع، فنحن نعرف للنزاريين طبعًا شعريًّا واستعدادًا متهيئًا للشعر، لا يتيسر لعرب الجنوب، مما جعل الشعر يتدفع على ألسنتهم كاستجابة تلقائية لما يحسون ويشعرون. وهناك شيء يلفت الدارس لفتًا، فإن بعض هؤلاء الذين انطلق الشعر على ألسنتهم ولم يكن لهم به عهد أو كلف أمراء مشهورون، وقواد عظام، لم نكن نتوقع إطلاقًا أن يعبروا عن أنفسهم هذا التعبير الفني، من مثل: خالد بن الوليد، وعياض بن غنم، والمثنى بن حارثة، وجرير بن عبد الله، وطليحة بن خويلد، والربيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، والنعمان بن مقرن وأخيه نعيم، والأحنف بن قيس، وهاشم بن عتبة، وزهرة بن حوية، والحكم بن عمرو التغلبي، وسلمى بن القين، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عبد الله بن عتبان، وأبو ليلى بن فدكي، وغيرهم، وهم جميعًا قواد، أو أمراء للجند، أو أصحاب أمداد وألوية. فما إن يتوجه أحدهم على رأس لواء لفتح بلدة أو كورة حتى تجيش بنفسه مشاعر الفداء والتضحية، وما إن تسقط في يده حتى يستشعر مشاعر النصر والغبطة، فينطلق الشعر على لسانه في تعبير تلقائي بسيط، ولكنه يكشف عن ذاته وما يعتلج فيها من أحاسيس. وهكذا يخيل للدارس أن الفاتحين جميعًا قد استحالوا شعراء، حتى لم يبقَ أحد منهم لم يسهم في تصوير الفتوح الإسلامية. وسوف نرى نموذجين لشاعرين من شعراء الفتح، أحدهما شاعر قديم والآخر شاعر مغمور، خلقت منه الفتوح شاعرًا ناضجًا، حتى ليستحق أن يلقب بشاعر الفتح الإسلامي.

стр. 172

الفصل الثاني: عمرو بن معديكرب الزبيدي ١- حياته وإسلامه وخروجه للجهاد: هو فارس زبيد، وشاعرها قبل الإسلام وبعده، ويُكنى: أبا ثور، واسمه: عمرو بن معديكرب الزبيدي، وينتهي نسبه إلى زبيد، فهو قحطاني الأصل، ويدعوه أبو عبيدة: فارس اليمن، ويقدمه على زيد الخيل في الشدة والبأس١. وهو ابن خالة الزبرقان بن بدر، وخال قيس بن مكشوح المرادي، الشاعر الفارس٢. ويبدو أن أباه كان سيدًا وجيهًا في قومه، ومن ذوي الرياسة والزعامة فيهم، وكان معروفًا بالنجدة والفروسية، وأمه امرأة من جرم، من قضاعة، من بني الحارث بن كعب، وكانت قد ارتحلت مع قومها إلى بني زبيد، هربًا من ثأر لبني الحارث٣. ونشأ عمرو في حجرها نشأة لاهية عابثة، واشتهر في صباه بالانصراف إلى الشراب والنهم، فلم يتوسم فيه أبوه خيرًا، وأطلق عليه لقب: المائق؛ أي: الأحمق الذي لا رجاء فيه، فكان أن عرف بمائق بني زبيد٤. وتعرض عمرو في شبابه لتجربة صعبة، صقلته وعجمت عوده، وحققت أخيرًا ذاته، فرسخت مكانته في قومه، وهي تجربة شبيهة بالتجربة التي صهر خلالها أسود بني عبس وامرؤ القيس. فقد حدث أن شنت قبيلة خثعم غارة على بني زبيد، فأخذ أبوه يجمع قومه استعدادًا لصدها، وجاء عمرو إلى أخته فقال: "أشبعيني فإن غدًا الكتيبة"، وجاء أبوه فأخبرته ابنته بما كان من عمرو، فكأنما استكثر عليه أبوه اهتمامه بالكتيبة في غده، واستعداده لها، فقال: هذا المائق يقول ذلك سليه ما يشبعه فقال: فرق من ذرة، وعنز رباعية، وكان الفرق يومئذ ثلاثة آصاع. فصنع له ذلك، فأتى عليه جميعه ثم نام.

стр. 173

وفي الصباح أتتهم خثعم مغيرة، واشتد القتال بين القبيلتين، واستيقظ عمرو من نومه فنظر فرأى لواء أبيه مرفوعًا، فركن إلى النوم، وبعد فترة رفع رأسه ثانية فإذا بلواء أبيه قد نزل، فهَمَّ مندفعًا يريد المعركة. وفي الطريق لقي أباه منهزمًا، فقال له: انزل عن فرسك فاليوم ظلم، فقال له أبوه: إليك يا مائق، ولكن جمعًا من العشيرة نصحوا معديكرب بأن يخلي بينه وبين طلبته، فإن قتل كفى مؤنته، وإن ظهر كان شرفًا له، فألقى أبوه إليه سلاحه، فركب وظل يرمي خثعمًا بنفسه حتى خرج من بين أظهرهم ثم كر عليهم، وفعل ذلك مرارًا، فحملت زبيد، وهُزمت خثعم، واستحق عمرو يومئذ أن يلقب بفارس زبيد١.ويصبح عمرو وكأنما اشترى نفسه وكرامته بهذه التجربة التي غيرت وضعه في قومه، وجعلته فارسهم بلا منازع. وأخذت أخباره تذيع، ووقائعه ومغامراته تترى بعد ذلك، حتى أصبح معلومًا أنه لا يخشى أحدًا من أبطال العرب وفرسانهم، وكان يقول في ذلك: "لو سرت بظعينة وحدي على مياه معد كلها ما خفت أن أغلب عليها، ما لم يلقني حراها أو عبداها، فأما الحران: فعامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب، وأما العبدان: فأسود بني عبس -يعني عنترة- والسليك بن السلكة، وكلهم قد لقيت، فعامر سريع الطعن على الصوت، وعتيبة أول الخيل إذا غارت، وآخرها إذا آبت، وعنترة قليل الكبوة شديد الجلب، والسليك بعيد الغارة"٢. وقد تحدث عنه فرسان العرب حديثًا شبيهًا بحديثه عنهم، فعندما سئل: ماذا نقول في العباس بن مرداس؟ قال: أقول فيه ما قال في: إذا مات عمرو قلت للخيل أوطئوا ... زبيدًا فقد أودى بنجديها عمرو٣ وقد هيأت له خلائقه الجسمانية إلى جانب ما يتمتع به من شجاعة وجرأة وحب للمغامرة أن يكون الفارس الذي لا يفضل عليه فارس من العرب٤، ذلك أنه كان ذا

стр. 174

قوة خارقة وضعته بين الأبطال الأسطوريين، فرويت عنه في ذلك روايات طريفة، تدل على شدته وضخامته ونهمه، من مثل ما يروى من أن رجلًا جاءه وهو واقف على فرس له بالكناسة بعد أن جاوز المائة، فقال الرجل في نفسه: لأنظرن ما بقي من قوة أبي ثور، وأدخل يده بين ساقيه وبين السرج، وفطن عمرو فضمهما عليه وحرك فرسه، فجعل الرجل يعدو مع الفرس، وهو لا يقدر أن ينتزع يده، حتى إذا بلغ منه، قال عمرو: يابن أخي، ما لك؟ قال: يدي تحت ساقك، فخلى عنه وقال له: يابن أخي، إن في عمرك لبقية١. وكان عمر بن الخطاب إذا رآه يقول: الحمد لله الذي خلقنا وخلق عمرًا، تعجبًا من عظم خلقه٢. وتروى له حادثة مع عمر تدل على أن نهمه لم يفارقه في شيخوخته، إذا انطلق مرة إلى المدينة وجاء عمر في مسألة، فإذا به يغدي الناس، وقد جفن لعشرة عشرة، فأقعده عمر مع عشرة فأكلوا ونهضوا ولم يقم عمرو، فأقعده مع تكملة عشرة، حتى تم له الأكل مع ثلاثين، ثم قام فقام: "يا أمير المؤمنين، إنه كانت لي مآكل في الجاهلية منعني منها الإسلام، وقد صررت في بطني صرتين وتركت بينهما هواء فسده"، قال عمر: "يا عمرو، عليك حجارة من حجارة الحرة فسده به"٣. وكانت له أخلاق البدوي في شجاعته ونجدته، مع غير قليل من الإسراف في تصوير بطولته إلى درجة الكذب، وتروى في ذلك قصة طريفة وهي: أنه كان يذهب مع الأشراف إلى الكوفة يتناشدون الأشعار، ويتذاكرون أيام الناس كعادتهم، وقف مرة إلى جانب خالد بن الصقعب النهدي، وأقبل عليه يحدثه ويقول: أغرت على بني نهد، فخرجوا إلى مسترعفين بخالد بن الصقعب وهو يتقدمهم، فطعنته طعنة فوقع، وضربته بالصمصامة حتى فاضت روحه، فقال له الرجل: "يا أبا ثور، أنا مقتولك الذي تحدث"، فقال عمرو: "اللهم غفرا، إنما أنت بمحدث فاستمع إنما نتحدث بمثل هذا وأشباهه لنرهب هذه المعدية! "٤.

стр. 175

وهكذا تحاول الروايات دائمًا أن تصور عمرًا كاذبًا، والحقيقة أنه ليس كذلك على طول الخط، وإنما كان يكذب فقط حينما يتفاخر، فيغالي في وصف شجاعته وجرأته. وقد سئل في ذلك خلف الأحمر فقال: كان عمرو يكذب باللسان ويصدق بالفعال١. ويبدو أنه بعدما تخلص من لقب المائق تخلص من بعض غروره وتهوره أيضًا، فقد بدأ بذلك حياة جديدة. ويروى أن الصمة بن بكر أغار على قومه فاستاق إبلهم، وسبى -فيمن سبى- أخت عمرو، وكانت تُدعى ريحانة، فتبعه عمرو، ومعه أخوه عبد الله، وفي الطريق رجع عبد الله وتبعه عمرو وحده يناشده أن يخلي عن أخته فلم يستجب له، ولما يئس رجع وهي تناديه بأعلى صوتها: يا عمرو، وهو يقول وصوتها يرن في أذنه: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحاب هجوع سباها الصمة الجشمي غصبا ... كأن بياض غرتها صديع وحالت دونها فرسان قيس ... تكشف عن سواعدها الدروع إذا لم تستطع شيئًا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع٢ ويذكر أن ربيعة بن مكدوم، أحد فرسان العرب المشهورين طعن عمرًا ذات مرة فألقاه عن فرسه وأخذه، ثم لقيه مرة أخرى فضربه، فوقعت الضربة في قربوس فرسه فقطعته، حتى عض السيف بجسد الفرس، فلم يكن من عمرو إلا أن سالمه وتركه وانصرف٣. فلا عجب إذا رأينا هذا الفارس المقدام يتحدث عن فراره ونجاته، حذر الموت تعقلًا منه، وإيثارًا للسلام، فيقول: ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور ولقد أعطفها كارهة ... حين للنفس عن الموت هرير كل ذلك مني خلق ... ولكل أنا في الروع جدير٤

стр. 176

ويفسر هذا التعقل الذي صار لعمرو تسامحه وميله للمسالمة، وإيثاره للخير، فقد قتل أخوه عبد الله فآثر أن تدفع إليه ديته، ولكن أخته اعترضت وقالت في ذلك شعرًا تعيره فيه، وتعرض به: فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فمشوا بآذان النعام المصلم ودع عنك عمرًا إن عمرًا مسالم ... وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم١ وهذه المسألة ليست من قبيل الجبن في طبيعة عمرو بالذات، وإنما هي نتيجة لرزانة حكيمة وتعقل، وبسبب من هذا التعقل وذلك الذكاء حث عمرو ابن أخته قيس بن مكشوح المرادي على أن ينطلق معه ليريا أمر محمد، حينما انتهى إليهما، ولما عصاه قيس ركب هو في وفد من زبيد، وانطلقوا إلى المدينة بعد أن قال في مخالفة قيس شعرًا يلومه فيه. وكان لقاؤه للنبي ﷺ سنة تسع للهجرة على أرجح الأقوال٢، ثم ما نلبث حتى نسمع بارتداده ومتابعته للأسود العنسي، ويقول في هجاء فروة بن مسيك المرادي، الذي كان على صدقات مراد: وجدنا ملك فروة شر ملك ... حمار ساف منخره بقذر وإنك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من غدر وختر٣ ونسمع بعد ذلك بأن أبا بكر ﵁ عقد لواء للمهاجر بن أمية المخزومي، لقتال جنود العنسي، ولقتال عمرو بن معديكرب، وقيس بن مكشوح المرادي، ورجالهما. وبدافع من الطمع انضم للأسود العنسي، فلما قتل لم تهدأ ثورة أنصاره، بل جعل فرسانهم يجوبون البلاد فيما بين نجران وصنعاء، لا يأوون إلى أحد، ولا يأوي إليهم أحد. وانتهز عمرو الفرصة، فحاول اقتناص السلطان من طريق الثورة، ما دام قد فشل في ذلك بالانضمام إلى العنسي.

стр. 177

وعندما استعان فيروز بأبي بكر على قيس بن يغوث وعزز أبو بكر مكانته راح قيس وعمرو يعيثان في البلاد فسادًا. ولكنهما لم يلبثا أن تخاصما وتهاجيا. وأدركهما مجيء المهاجر، وأيقن أهل اليمن جميعًا أن ثورتهم مقضي عليها لا محالة، فانتهز عمرو الفرصة كدأبه، وأراد أن ينجو بنفسه فهاجم حليفه، الذي كان متفقًا معه على لقاء المهاجر، وأخذه إليه أسيرًا، وعند ذلك قبض المهاجر عليهما معًا، وبعث بهما إلى أبي بكر ليرى فيهما رأيه، بعد أن أخذ سيفه المسمى بالصمصامة وأوثقه. ونظر الصديق إلى عمرو وقال له: "أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور، ولو نصرت هذا الدين لرفعك الله؟ " فقال عمرو: "لا جرم لأفعلن، ولن أعود". فأخلى أبو بكر سبيله وردَّه إلى عشيرته؛ ليعود بعد ذلك إلى المدينة حيث يسيره الخليفة إلى الشام١. وقد ميزت هذه الخلة الانتهازية في طباع عمرو أخلاقه جميعها، فإذا هو نفعي ونهاز، وترتيب على ذلك رقة دينه التي لازمته طول حياته، فلم يكن له من دينه ما ينهاه عن المحرمات في الإسلام. ويروى عنه في هذا الصدد أن صديقه عيينة بن حصن نزل عليه زائرًا في محلة زبيد، بعد بناء الكوفة، وكان عيينة نديم شرابه في الجاهلية، فوقف ينادي ببابه: "أي أبا ثور، اخرج إلينا"، فخرج إليه مؤتزرًا مرحبًا بقوله: "أنعم صباحًا أبا مالك"، فقال عيينة: "أوليس قد أبدلنا الله تعالى بهذا السلام عليكم؟ " فقال عمرو: "دعنا مما لا نعرف، انزل فإن عندي كبشًا سياحًا" فنزل، وعمد عمرو إلى الكبش فذبحه، وألقاه في قدر وطبخه، حتى إذا نضج جاء بجفنة عظيمة، فثرد فيها، وأكفأ القدر عليها، فقعدا فأكلاه. ثم قال لضيفه: "أتشرب اللبن، أم ما كنا نتنادم عليه في الجاهلية؟ " قال عيينة: "أوليس قد حرمها الله علينا في الإسلام؟ " قال عمرو: "أنت أكبر سنًّا أم أنا؟ " قال: "أنت"، قال: "فأنت أقدم إسلامًا أم أنا؟ " قال: "أنت"، قال: "فإني قد قرأت ما بين دفتي المصحف فما وجدت لها تحريمًا، إلا أنه قال: فهل أنتم منتهون؟ فقلنا: لا، فسكت وسكتنا". فقال عيينة: "أنت أكبر سنًّا وأقدم إسلامًا"، فجلسا يتناشدان ويشربان، ويتذاكران أيام الجاهلية حتى أمسيا، فلما أراد عيينة الانصراف قال

стр. 178

عمرو: "لئن انصرف أبو مالك بغير عطاء إنها لوصمة عار"، فأمر بناقة عظيمة له، وبأربعة آلاف درهم، ورفض عيينة المال، وأخذ الناقة وانصرف عليها ينشد: جزيت أبا ثور جزاء كرامة ... فنعم الفتى المزدار والمتضيف قريت فأكرمت القرى وأفدتنا ... تحية علم لم تكن قط تعرف وقلت: حلال أن ندير مدامة ... كلون انعقاق البرق والليل مسدف وقدمت فيها حجة عربية ... ترد إلى الإنصاف من ليس ينصف وأنت لنا -والله ذي العرش- قدوة ... إذا صدنا عن شربها المتكلف يقول أبو ثور: أحل حرامها ... وقول أبي ثور أسد وأعرف١ وهكذا يؤكد أن الإسلام لم يتعمق روحه، كما لم يعن هو بتعمقه، فظل على الخمر والتنادم عليها بذكر أيام الجاهلية وما يعرف ويألف من كلماتها، في الوقت الذي يرفض فيه تحية الإسلام التي لا يألفها. ثم هو ينتحل على الدين فتوى يحلل بها حرامًا بغير تحرج متظرفًا، وكأنما يخدع نفسه. وربما نتساءل عن السبب الذي من أجله أبقى عليه المهاجر فلم يقتله، وهو أحد رءوس الفتنة في ثورة اليمن وارتداد أهله، وعن السبب الذي من أجله أبقى عليه الصديق كذلك. فلا ريب في أن المهاجر خشي ما قد يترتب عليه قتله لعمرو، وهو يعرف مكانته في قومه. ولا ريب أيضًا في أن أبا بكر رأى بثاقب رأيه ما يمكن أن يحققه عمرو إذا ما كان سيفًا من سيوف الإسلام، وتجلى ذلك في معاتبته، ودعوته الصريحة إلى نصرة دين الله. وبرغم أن عمرًا أبلى في نصرة هذا الدين بلاء رائعًا، فقد ظل رقيق الدين طوال حياته، لا يرجع عن اتباع هواه، ولا يرتدع، فظل يعاقر الخمر، ولكن ذلك لم يكن ليسلبه قدره في الانتصار للدين، حتى ليقول عنه سعد بن أبي وقاص حينما وقع في حد الخمر ذات مرة: "لقد كان له يوم القادسية موطن صيم الفناء شديد النكاية للعدو" فقيل لسعد: فقيس بن مكشوح، فقال: "هذا أبذل لنفسه من قيس"٢.

стр. 179

ولم يكن عمرو شديد النكاية بالعدو لقوة إيمانه بالإسلام، ولا لاعتقاده بوجوب الذب عنه، واكتساب أرض جديدة له، ولدعوة العالمين إليه. وإنما كان قوي الإيمان بنفسه فحسب، مخلصًا لماضيه وحده، ولبطولاته السابقة، فهو حينما يبذل نفسه لا يبذلها من أجل العقيدة أو الفكرة، وإنما من أجل مجده الشخصي، ومن أجل اسمه الذي لا يزال يتضوأ بمغامراته في الجاهلية، فإذا به يعتز بهذا الماضي اعتزازًا بعيدًا، يصور ذلك قوله: وليس يعاب المرء من جبن يومه ... إذا عرفت عنه الشجاعة بالأمس ولا ريب في أن ولاة أمور المسلمين قد عرفوا عنه هذا، فظلوا على تألفه واصطناعه، وإن كانت ثقتهم به غير متينة؛ لأنهم أيقنوا فيه أنه ربما لا يخلص في نصرة الدين، ولكنه لا يفرط في الإخلاص لنفسه ولاسمه، مهما كان ضعف إيمانه. ولهذا نرى ابن الخطاب ﵁ يكتب إلى النعمان بن مقرن في نهاوند بأن يستشيره في كل أمور الحرب على ألا يوليه عملًا١. ونراه في القادسية وسعد يقسم الفيء فيصل عطاء الفارس ستة آلاف يقبضها عمرو، ثم يزيده سعد في أهل البلاء خمسمائة، ولكنه لا يقنع؛ إذ تبقى بعد ذلك شيء كثير، رأى سعد أن يرسل به إلى المدينة ليسأل الخليفة عما يفعل به، فيرد عمر: "بأن رد على المسلمين الخمس، وأعط من لحق بك ولم يشهد الواقعة"، ونفذ سعد أمر عمر، فبقي لديه ما اضطره أن يبعث إلى عمر يسأله عما يفعل به، فأمر عمر بأن يوزع في حملة القرآن. كل هذا وعمرو يتململ. وبينما سعد ينفذ أمر الخليفة إذ أتاه عمرو طامعًا في أن يكون له حظ مع حملة القرآن. وسأله سعد: ما معك من كتاب الله تعالى؟ فحك عمرو رأسه ثم أجاب بعد لحظات: إني أسلمت باليمن ثم غزوت، فشغلت عن حفظ القرآن، عند ذلك أبَى سعد أن يجعل له من مال الحفاظ نصيبًا، فإذا عمرو يقول: إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد ... قالت قريش: ألا تلك المقادير نعطى السوية من طعن له نفذ ... ولا سوية إذا تعطى الدنانير٢

стр. 180

وكتب سعد بهذا إلى عمر، فكتب عمر إليه بأن يعطيه على بلائه، فأعطاه ألفي درهم. وكان عمر بن الخطاب يثق بقدرته الحربية ثقة كبيرة، ويتجلى ذلك في المقابلة التي تمت بينهما، حين أرسله إليه سعد بن أبي وقاص عقب القادسية وراح عمر يسأله عن أحوال المجاهدين، وعن سعد في جنده فقال عمرو: هو لهم كالأب.. أعرابي في نمرته، أسد في تامورته، نبطي في حبوته، يقسم بالسوية، ويعدل في القضية، وينفر من السرية، وينقل إلينا حقنا كما تنقل الذرة، وكان سعد قد كتب إلى الخليفة يثني على عمرو ويذكر بلاءه فقال عمر: "لشد ما تقرضتما الثناء"، ثم أخذ يسأله عن الحرب، فقال عمرو: مرة المذاق إذا قلصت عن ساق، من صبر فيها عرف، ومن ضعف فيها تلف، وهي كما يقول الشاعر: الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول حتى إذا استعرت وشب ضرامها ... عادت عجوزًا غير ذات خليل شمطاء جزت رأسها وتنكرت ... مكروهة للشم والتقبيل فعاد عمر يسأله عن السلاح فقال عمرو: "الرمح أخوك، وربما خانك، والنبل منايا تخطئ وتصيب، والترس هو المجن، وعليه تدور الدوائر، والدرع مشغلة للفارس، متعبة للراجل، وإنها لحصن حصين". ثم سأله عن السيف فقال: "ثم قارعتك أمك عن الثكل". فقال عمر: "بل أمك قارعتك" فقال عمرو: "الحمى أضرعتني"١. وخرج عمرو والخليفة يعلوه بالدرة، ثم ما لبث أن قال عند منصرفه في الطريق: أتوعدني كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذو نواس فكم قد كان قبلك من مليك ... عظيم ظاهر الجبروت قاس فأصبح أهله بادوا وأمسى ... ينقل من أناس في أناس فلا يغررك ملكك كل ملك ... يصبر مذلة بعد الشماس٢
следующие страницы →