← Адаб

Адаб · id 10001

شعر الفتوح الإسلامية في صدر الإسلام

النعمان عبد المتعال القاضي

Полный текст (304 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويفسر هذا التعقل الذي صار لعمرو تسامحه وميله للمسالمة، وإيثاره للخير، فقد قتل أخوه عبد الله فآثر أن تدفع إليه ديته، ولكن أخته اعترضت وقالت في ذلك شعرًا تعيره فيه، وتعرض به: فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فمشوا بآذان النعام المصلم ودع عنك عمرًا إن عمرًا مسالم ... وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم١ وهذه المسألة ليست من قبيل الجبن في طبيعة عمرو بالذات، وإنما هي نتيجة لرزانة حكيمة وتعقل، وبسبب من هذا التعقل وذلك الذكاء حث عمرو ابن أخته قيس بن مكشوح المرادي على أن ينطلق معه ليريا أمر محمد، حينما انتهى إليهما، ولما عصاه قيس ركب هو في وفد من زبيد، وانطلقوا إلى المدينة بعد أن قال في مخالفة قيس شعرًا يلومه فيه. وكان لقاؤه للنبي ﷺ سنة تسع للهجرة على أرجح الأقوال٢، ثم ما نلبث حتى نسمع بارتداده ومتابعته للأسود العنسي، ويقول في هجاء فروة بن مسيك المرادي، الذي كان على صدقات مراد: وجدنا ملك فروة شر ملك ... حمار ساف منخره بقذر وإنك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من غدر وختر٣ ونسمع بعد ذلك بأن أبا بكر ﵁ عقد لواء للمهاجر بن أمية المخزومي، لقتال جنود العنسي، ولقتال عمرو بن معديكرب، وقيس بن مكشوح المرادي، ورجالهما. وبدافع من الطمع انضم للأسود العنسي، فلما قتل لم تهدأ ثورة أنصاره، بل جعل فرسانهم يجوبون البلاد فيما بين نجران وصنعاء، لا يأوون إلى أحد، ولا يأوي إليهم أحد. وانتهز عمرو الفرصة، فحاول اقتناص السلطان من طريق الثورة، ما دام قد فشل في ذلك بالانضمام إلى العنسي.

стр. 177

وعندما استعان فيروز بأبي بكر على قيس بن يغوث وعزز أبو بكر مكانته راح قيس وعمرو يعيثان في البلاد فسادًا. ولكنهما لم يلبثا أن تخاصما وتهاجيا. وأدركهما مجيء المهاجر، وأيقن أهل اليمن جميعًا أن ثورتهم مقضي عليها لا محالة، فانتهز عمرو الفرصة كدأبه، وأراد أن ينجو بنفسه فهاجم حليفه، الذي كان متفقًا معه على لقاء المهاجر، وأخذه إليه أسيرًا، وعند ذلك قبض المهاجر عليهما معًا، وبعث بهما إلى أبي بكر ليرى فيهما رأيه، بعد أن أخذ سيفه المسمى بالصمصامة وأوثقه. ونظر الصديق إلى عمرو وقال له: "أما تخزى أنك كل يوم مهزوم أو مأسور، ولو نصرت هذا الدين لرفعك الله؟ " فقال عمرو: "لا جرم لأفعلن، ولن أعود". فأخلى أبو بكر سبيله وردَّه إلى عشيرته؛ ليعود بعد ذلك إلى المدينة حيث يسيره الخليفة إلى الشام١. وقد ميزت هذه الخلة الانتهازية في طباع عمرو أخلاقه جميعها، فإذا هو نفعي ونهاز، وترتيب على ذلك رقة دينه التي لازمته طول حياته، فلم يكن له من دينه ما ينهاه عن المحرمات في الإسلام. ويروى عنه في هذا الصدد أن صديقه عيينة بن حصن نزل عليه زائرًا في محلة زبيد، بعد بناء الكوفة، وكان عيينة نديم شرابه في الجاهلية، فوقف ينادي ببابه: "أي أبا ثور، اخرج إلينا"، فخرج إليه مؤتزرًا مرحبًا بقوله: "أنعم صباحًا أبا مالك"، فقال عيينة: "أوليس قد أبدلنا الله تعالى بهذا السلام عليكم؟ " فقال عمرو: "دعنا مما لا نعرف، انزل فإن عندي كبشًا سياحًا" فنزل، وعمد عمرو إلى الكبش فذبحه، وألقاه في قدر وطبخه، حتى إذا نضج جاء بجفنة عظيمة، فثرد فيها، وأكفأ القدر عليها، فقعدا فأكلاه. ثم قال لضيفه: "أتشرب اللبن، أم ما كنا نتنادم عليه في الجاهلية؟ " قال عيينة: "أوليس قد حرمها الله علينا في الإسلام؟ " قال عمرو: "أنت أكبر سنًّا أم أنا؟ " قال: "أنت"، قال: "فأنت أقدم إسلامًا أم أنا؟ " قال: "أنت"، قال: "فإني قد قرأت ما بين دفتي المصحف فما وجدت لها تحريمًا، إلا أنه قال: فهل أنتم منتهون؟ فقلنا: لا، فسكت وسكتنا". فقال عيينة: "أنت أكبر سنًّا وأقدم إسلامًا"، فجلسا يتناشدان ويشربان، ويتذاكران أيام الجاهلية حتى أمسيا، فلما أراد عيينة الانصراف قال

стр. 178

عمرو: "لئن انصرف أبو مالك بغير عطاء إنها لوصمة عار"، فأمر بناقة عظيمة له، وبأربعة آلاف درهم، ورفض عيينة المال، وأخذ الناقة وانصرف عليها ينشد: جزيت أبا ثور جزاء كرامة ... فنعم الفتى المزدار والمتضيف قريت فأكرمت القرى وأفدتنا ... تحية علم لم تكن قط تعرف وقلت: حلال أن ندير مدامة ... كلون انعقاق البرق والليل مسدف وقدمت فيها حجة عربية ... ترد إلى الإنصاف من ليس ينصف وأنت لنا -والله ذي العرش- قدوة ... إذا صدنا عن شربها المتكلف يقول أبو ثور: أحل حرامها ... وقول أبي ثور أسد وأعرف١ وهكذا يؤكد أن الإسلام لم يتعمق روحه، كما لم يعن هو بتعمقه، فظل على الخمر والتنادم عليها بذكر أيام الجاهلية وما يعرف ويألف من كلماتها، في الوقت الذي يرفض فيه تحية الإسلام التي لا يألفها. ثم هو ينتحل على الدين فتوى يحلل بها حرامًا بغير تحرج متظرفًا، وكأنما يخدع نفسه. وربما نتساءل عن السبب الذي من أجله أبقى عليه المهاجر فلم يقتله، وهو أحد رءوس الفتنة في ثورة اليمن وارتداد أهله، وعن السبب الذي من أجله أبقى عليه الصديق كذلك. فلا ريب في أن المهاجر خشي ما قد يترتب عليه قتله لعمرو، وهو يعرف مكانته في قومه. ولا ريب أيضًا في أن أبا بكر رأى بثاقب رأيه ما يمكن أن يحققه عمرو إذا ما كان سيفًا من سيوف الإسلام، وتجلى ذلك في معاتبته، ودعوته الصريحة إلى نصرة دين الله. وبرغم أن عمرًا أبلى في نصرة هذا الدين بلاء رائعًا، فقد ظل رقيق الدين طوال حياته، لا يرجع عن اتباع هواه، ولا يرتدع، فظل يعاقر الخمر، ولكن ذلك لم يكن ليسلبه قدره في الانتصار للدين، حتى ليقول عنه سعد بن أبي وقاص حينما وقع في حد الخمر ذات مرة: "لقد كان له يوم القادسية موطن صيم الفناء شديد النكاية للعدو" فقيل لسعد: فقيس بن مكشوح، فقال: "هذا أبذل لنفسه من قيس"٢.

стр. 179

ولم يكن عمرو شديد النكاية بالعدو لقوة إيمانه بالإسلام، ولا لاعتقاده بوجوب الذب عنه، واكتساب أرض جديدة له، ولدعوة العالمين إليه. وإنما كان قوي الإيمان بنفسه فحسب، مخلصًا لماضيه وحده، ولبطولاته السابقة، فهو حينما يبذل نفسه لا يبذلها من أجل العقيدة أو الفكرة، وإنما من أجل مجده الشخصي، ومن أجل اسمه الذي لا يزال يتضوأ بمغامراته في الجاهلية، فإذا به يعتز بهذا الماضي اعتزازًا بعيدًا، يصور ذلك قوله: وليس يعاب المرء من جبن يومه ... إذا عرفت عنه الشجاعة بالأمس ولا ريب في أن ولاة أمور المسلمين قد عرفوا عنه هذا، فظلوا على تألفه واصطناعه، وإن كانت ثقتهم به غير متينة؛ لأنهم أيقنوا فيه أنه ربما لا يخلص في نصرة الدين، ولكنه لا يفرط في الإخلاص لنفسه ولاسمه، مهما كان ضعف إيمانه. ولهذا نرى ابن الخطاب ﵁ يكتب إلى النعمان بن مقرن في نهاوند بأن يستشيره في كل أمور الحرب على ألا يوليه عملًا١. ونراه في القادسية وسعد يقسم الفيء فيصل عطاء الفارس ستة آلاف يقبضها عمرو، ثم يزيده سعد في أهل البلاء خمسمائة، ولكنه لا يقنع؛ إذ تبقى بعد ذلك شيء كثير، رأى سعد أن يرسل به إلى المدينة ليسأل الخليفة عما يفعل به، فيرد عمر: "بأن رد على المسلمين الخمس، وأعط من لحق بك ولم يشهد الواقعة"، ونفذ سعد أمر عمر، فبقي لديه ما اضطره أن يبعث إلى عمر يسأله عما يفعل به، فأمر عمر بأن يوزع في حملة القرآن. كل هذا وعمرو يتململ. وبينما سعد ينفذ أمر الخليفة إذ أتاه عمرو طامعًا في أن يكون له حظ مع حملة القرآن. وسأله سعد: ما معك من كتاب الله تعالى؟ فحك عمرو رأسه ثم أجاب بعد لحظات: إني أسلمت باليمن ثم غزوت، فشغلت عن حفظ القرآن، عند ذلك أبَى سعد أن يجعل له من مال الحفاظ نصيبًا، فإذا عمرو يقول: إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد ... قالت قريش: ألا تلك المقادير نعطى السوية من طعن له نفذ ... ولا سوية إذا تعطى الدنانير٢

стр. 180

وكتب سعد بهذا إلى عمر، فكتب عمر إليه بأن يعطيه على بلائه، فأعطاه ألفي درهم. وكان عمر بن الخطاب يثق بقدرته الحربية ثقة كبيرة، ويتجلى ذلك في المقابلة التي تمت بينهما، حين أرسله إليه سعد بن أبي وقاص عقب القادسية وراح عمر يسأله عن أحوال المجاهدين، وعن سعد في جنده فقال عمرو: هو لهم كالأب.. أعرابي في نمرته، أسد في تامورته، نبطي في حبوته، يقسم بالسوية، ويعدل في القضية، وينفر من السرية، وينقل إلينا حقنا كما تنقل الذرة، وكان سعد قد كتب إلى الخليفة يثني على عمرو ويذكر بلاءه فقال عمر: "لشد ما تقرضتما الثناء"، ثم أخذ يسأله عن الحرب، فقال عمرو: مرة المذاق إذا قلصت عن ساق، من صبر فيها عرف، ومن ضعف فيها تلف، وهي كما يقول الشاعر: الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول حتى إذا استعرت وشب ضرامها ... عادت عجوزًا غير ذات خليل شمطاء جزت رأسها وتنكرت ... مكروهة للشم والتقبيل فعاد عمر يسأله عن السلاح فقال عمرو: "الرمح أخوك، وربما خانك، والنبل منايا تخطئ وتصيب، والترس هو المجن، وعليه تدور الدوائر، والدرع مشغلة للفارس، متعبة للراجل، وإنها لحصن حصين". ثم سأله عن السيف فقال: "ثم قارعتك أمك عن الثكل". فقال عمر: "بل أمك قارعتك" فقال عمرو: "الحمى أضرعتني"١. وخرج عمرو والخليفة يعلوه بالدرة، ثم ما لبث أن قال عند منصرفه في الطريق: أتوعدني كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذو نواس فكم قد كان قبلك من مليك ... عظيم ظاهر الجبروت قاس فأصبح أهله بادوا وأمسى ... ينقل من أناس في أناس فلا يغررك ملكك كل ملك ... يصبر مذلة بعد الشماس٢

стр. 181

وتكشف الأبيات عن جاهلية في نفسه. وتفيض الروايات بذكر بلاء عمرو وتفانيه في الفتوح، مما يثبت بعد نظر أبي بكر يوم وهبه حياته، فكان عند حسن ظنه، فأبلى في كل وقعة شهدها بلاء حسنًا، شهد اليرموك، وقيل عنه يومها: إنه كان أشرف رجل برز؛ ذلك أنه خرج إليه علج فقتله، ثم آخر فقتله، وهكذا.. وانهزم الروم ولم يتوقف، وتبعهم حتى أفنى جمعًا عظيمًا منهم. ولكن الرواسب الجاهلية تبرز في سلوكه عندما ينصرف إلى خباء له فينزل ثم يدعو بالجفان، ويدعو من حوله، والناس يتساءلون عنه فيقال لهم: إنه عمرو بن معديكرب فارس اليمن١، وبرغم أن عينه أصيبت يوم اليرموك فإن ذلك لم يثنه عن مواصلة الجهاد٢. وتحول عمرو إلى العراق، فشهد مع أبي عبيد بن مسعود الثقفي وقعة الجسر٣، ثم شهد مع سعد بن أبي وقاص القادسية. وبالطبع لا بد أن يكون قد شهد مع المثنى المعارك التي كانت بين الجسر والقادسية، وإن كنا لا نجد له أخبارًا فيها ولا شعرًا. وكتب عمر إلى سعد بالقادسية بأن يصدر عن مشورة عمرو في الحرب٤، وعده عمر بمقام ألف رجل٥، وأخذ عمرو يباشر المعركة، ويمر بين صفوف المسلمين، يحمسهم ويدفعهم بنداءاته: "كونوا أسودًا أشداء، فإن الفارس إذا ألقى رمحه تيس".. "ألزموا خراطيم الفيلة السيوف، فإنها ليس لها مقتل إلا خراطيمها" وكاد أن يقتل أكثر من مرة؛ إذ أصابته فجأة في سية قوسه نشابة، فحمل على من رماه فطعنه ودق صلبه، ونزل إليه فأخذ سلبه٦. ويروى أنه حمل في هذا اليوم وحده، وجعل يضرب الفرس حتى لحق به المسلمون، وقد أحدق به الأعداء وهو يضرب فيهم بسيفه، فنحوهم عنه٧. كما يذكر

стр. 182

أنه كانت له طريقة بارعة وعجيبة في قتال الفرس؛ إذ يقاتل فارسًا ثم يقتحم عن فرسه فيربط مقوده في حقوه، فيقاتل آخر، وهكذا كان يفعل بالعدو الأفاعيل١. وأنه شد في نفر من المسلمين يضربون خراطيم الفيلة حتى بلغوا رستم فضرب فيله فجذم عرقوبيه فسقط، وسقط رستم، وحمل على فرس، لو قتل بين نفر من الفرسان تنازعوا دمه، وقال عمرو في ذلك ينسب هذا العمل إلى نفسه: ألمم بسلمى قبل أن تظعنا ... إن لنا من حبها ديدنا قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا شككت بالرمح حيازيمه ... والخيل تعدو زيما بيننا٢ وعجيب أن يفعل عمرو هذه الأفاعيل، وهو طاعن في السن، حتى إنه يروي تجاوزه المائة في القادسية، وما كان من ضخامة جثته، فكان آخر قومه في عبور نهر القادسية، وفرسه تئن من ثقله٣. وتروي بعض الروايات أنه قد استشهد بالقادسية، أو مات عطشًا بها، ولكن هذه الرواية لا تتفق وما يذكر متواترًا عن بلائه في نهاوند، وما كان من استشارته في المؤتمر الذي عقده النعمان بن مقرن للتدبر في إخراج الفرس من حصونهم، بناء على أمر الخليفة، الذي أرسل إلى النعمان: "بأن في جندك عمرو بن معديكرب، وطليحة بن خويلد، فأحضرهما، وشاورهما في أمر الحرب". ويذكر أنه كان له رأي صائب في الخطة التي قررت، وعندما قتل النعمان، وتولى حذيفة تراجع المسلمون، ولكن عمرًا ظل يقاتل في أهل النجدات من المسلمين، إلى أن جاءه كمي القوم فاعتنقه عمرو وقتله، وأصيب بجراحة أثبتته، وفتح الله على المسلمين، فأخذ عمرو ينشد شعرا، يفخر فيه ببلائه وهو يحتضر، ودهمه الفالج أثناء ذلك فمات به، عند قرية تُدعى "روذة" من قرى نهاوند، فرثاه أحد المسلمين بقوله:

стр. 183

لقد غادر الركبان حين تحملوا ... "بروذة" شخصًا لا جبانا ولا عمرا فقل لزبيد بل لمذجح كلها ... رزئتم أبا ثور قريع الوغى عمرا فإن تجزعوا لا يغن ذلك عنكموا ... ولكن سلوا الرحمن يعقبكم صبرا١ وتذكر بعض الروايات: أن شاعرنا عمَّر بعد نهاوند حتى شهد صفين، ومات في عهد معاوية. ولكن هذه الرواية تبدو مدفوعة إلى المغالاة في امتداد عمره، ولو صح أنه شهد القادسية وهو ابن مائة وعشر -كما يروي أبو عبيدة- فإنه يكون قد مات وعمره قرن ونصف، والصحيح الذي يمكن أن يتفق وكثرة الروايات الموثوق بها أنه مات مفلوجًا بروذة كما تقدم٢.

стр. 184

٢- شعره في الجاهلية: لسنا نعرف على وجه اليقين أو الظن الوقت الذي بدأ فيه عمرو الشعر، فإن شعره لا يدلنا على شيء من هذا، والروايات التي تروى عنه لا تتعرض لهذا الجانب، وكأنما وجد -هكذا- شاعرًا. وليس لعمرو ديوان يجمع أشعاره مرتبة، أو مؤرخة بمناسباتها، أو غير مرتبة ومؤرخة. وإنما نستطيع أن نعرف على وجه التقريب حدًّا فاصلًا بين شعره في الجاهلية وشعره في الإسلام، وإن قابلتنا في سبيل ذلك مشكلات؛ سببها أن حياته قد ضخمت، بفعل الروايات التي كادت تجعل منه بطلًا من أبطال الأساطير، بما حشد فيه من جوانب البطولة، وتصوير ما أوتي من قوة خارقة، وما جبل عليه من عبث، وسبب آخر هو: تشابه حياته في الجاهلية بحياته في الإسلام، بما طبع عليه من حب شديد لنفسه واتخاذه منهاجًا خاصًّا لحياته، غير متقيد فيه بشيء من تعاليم الإسلام. وأول ما يطالعنا في شعر عمرو لأول وهلة: قلة مجموع هذا الشعر، وحتمي أن يكون قد ضاع منه الكثير، فكونه زبيديًّا من أهل اليمن لا يبرر قلة شعره على هذه الصورة رغم ما يبدو في طبعه من ثراء وخصب.

стр. 185

ومن شعره المشهور عينيته التي مطلعها: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع وهي من الشعر الذي غنى به وزيد فيه؛ لما فيها من عاطفة جياشة، وإن كانت حزينة تبلغ في حزنها حد اليأس، وتطبعك لأول وهلة بصدق الشاعر مع نفسه وعواطفه، وتصريحه بحرج موقفه، دون مغالطة أو تزييف أو تلفيق للأعذار، فهو يصور الأزمة في وجدانه على حقيقتها، ويدلي بأسفه الذي يهيب به ويؤرقه وقد هجع الناس، وأخته سبية استحلت، وهو لا يملك لها نجاة، فحولها فرسان أشداء، ويبلغ اليأس بنفسه مداه، فيلقى بخلاصة تجربته في حكمة بالغة، وكأنه قد أراح نفسه من أزمتها: إذا لم تستطع شيئًا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع١ وهذا الصدق الشعورى الذي يتجلى في هذه الأبيات يعيننا على تفهم شعره في مواطن أخرى، يكون فيها صادقًا مع نفسه، حتى ولو كان مفتخرًا معتزًّا بقوته، ونعجب من هذا الصدق الشعوري وقد عرفنا عمرًا يغالي في حديثه عن نفسه، ويكذب في ذلك متفاخرًا، ولكننا نجده في شعره صادقًا في وصف مشاعره. قال في أبي المرادي -وكان ادعى مساندته في غزاة، وطالبه بنصيبه، وتهدده بالقتل: أعاذل شكتي بدني ورمحي ... وكل مقلص سلس القياد أعاذل إنما أفنى شبابي ... وأقرح عائقي ثقل الزناد تمناني ليلقاني أبي ... وددت وأينما مني مرادي ولو لاقيتني ومعي سلاحي ... تكشف شحم قلبك عن سواد أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد تمناني وسابغتي دلاص ... كأن قتيرها حلق الجراد

стр. 186

وسيفي كان من عهد ابن صد ... تخيره الفتى من قوم عاد ورمحي العنبري تخال فيه ... سنانا مثل مقباس الزناد وعجلزة يزل اللبد عنها ... أمر سراتها حلق الجياد إذا ضربت سمعت لها أزيزا ... كوقع القطر من الأدم الجلاد إذًا لوجدت خالك غير نكس ... ولا متعلمًا قبل الوجاد يقلب للأمور شرنبثات ... بأظفار مغارزها حداد١ فكل سلاحه بدن ورمح وفرس عظيمة مطواع، وقد أفنى شبابه على هذه الصورة، حتى قرح الزناد كاهله، وقد تمناه أبي ليقتله، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، ولو لاقاه لعجز عن مواجهته، حتى يأكل الحقد قلبه، وينكشف شحمه عما به من الحقد، وهو لم يصنع شيئًا يستوجب هذا الوعيد، وإنما أراد أن يمن عليه، فهل يكون جزاؤه التهديد بالقتل؟ وهل تدبر أبي أمره وعرف من هو الذي يتوعده ويتهدده؟ إنه فارس ذو درع حصينة واسعة براقة ملساء، تشبه مساميرها حلق الجراد، وسيف عريق ورمح عنبرية ذات أسنة نارية، وفرس قوية مدربة، ولو قابله أبي لما وجده دنيئًا، ولا ساقطًا ولا ضعيفًا، وإنما هو قوي قادر ماهر، لا يعبأ بالملمات. وتروى هذه الأبيات على أنه قالها لأخته، التي عيرته لإبطائه في الثأر لأخيه عبد الله، ولكن الأبيات نفسها لا توحي بهذا، بدليل قوله: إذًا لوجدت خالك غير نكس ... ولا متعلمًا قبل الوجاد ويبقى بعد حلم القوم حلمي ... ويفنى قبل زاد القوم زادي فمن ذا عاذري من ذي سفاه ... يرود بنفسه مني المرادي٢ ويتمتع كل شعره الجاهلي بصفة الصدق، الممتزج بحرارة التعبير المتدفق البعيد عن المغالاة، ويذهب كله بلا استثناء في الاعتزاز بمهارته الحربية، والفخر بشجاعته، ووصف تأهبه للحرب.

стр. 187

وتحيط بشعره غالبًا مشكلات في دوافع القصيد ومناسبته. فتروى روايات مختلفة في ظروف كل قصيدة، فمثلًا تروى له قصيدة في انتوائه لقاء النبي ﷺ ، ومخالفة قيس بن مكشوح المرادي عن رأيه حيث يقول: أمرتك يوم ذي صنعاء أمرا بينا رشده أمرتك باتقاء الله تأتيه وتتعده فكنت كذي الحمير غرة من إيره وتده١ وجاء في رواية أخرى: أنه قال هذه القصيدة لولده، وأن عمرًا قد عرض نفسه ذات مرة على امرأة من كندة فأخبرته أنها زوجة، ووصفت له زوجها فتابعها، حتى لقي زوجها فقتله، واقترن بها، وطلب إليها أن تسمى ابنها منه الخزر. ولما شب الخزر راح يتعرف إلى أبيه، ودفعه قوم من صنعاء إلى أن يحارب أباه، فسار إليه في جمع منهم وشد على أبيه، لكنه قتله وقال: تمناني ليقتلني وأنت لذاك معتمده فلو لاقيتم فرسي وفوق سراته أسده إذًا للقيتم شثن البراثن نابيا كيده ظلوم الشرك فيما أعلقت أظفاره ويده يلوث القرن إذا لاقاه يومًا ثم يضطهده يزيف كما يزيف الفحل فوق شئونه زبده ويذبب عن مشافره البعوض ممنعا بلده ولو أبصرت ما جمعت فوق الورد تزهده رأيت مخاضة زغفا وتركا مبهمًا سرده وصمصامًا بكفي لا يذوق الماء من يرده شمائل جده وكذاك أشبه والدا ولده

стр. 188

أمرتك يوم ذي صنعا أمرًا بينا رشده فعال الخير تأتيه فتفعله وتتعده فكنت كذي الحمير غره من عيره وتده ولو أبصرت والبصر المبين قل من يجده إذًا لعلمت أن أباك ليث فوقه لبده١ وواضح أن القصيدة لا علاقة لها بإسلامه، فهي جاهلية، وتتحدث عن هذا الموقف الذي وقفه منه ولده، وواضح أيضًا أن قوله: "فعال الخير" أنسب للسياق عن الرواية التي يقول فيها: "اتقاء الله"، فإن عمرًا أبعد إنسان عن هذا القول. وهو يشير إلى أن الحديث موجه إلى ابنه في غير موضع في الأبيات، حينما يقول: إن شمائله هي شمائل جد ابنه، وهكذا أشبه والدًا ولده. وعندما يقول له في نهاية القصيدة: إذًا لعلمت أن أباك. وهذا الخلط بين شعره الجاهلي والإسلامي منه نجد له أمثلة كثيرة في شعره، ولكن أهم هذه القصائد ما يختلط من شعره الجاهلي بشعره في الفتوح خاصة. إذ يُروى أن نونيته المطولة صدرت عنه في الفتوح، ويصف فيها بلاءه في القادسية ونهاوند، والقصيدة تجري على هذا النمط: لمن الديار بروضة السلان ... فالرقمتين فجانب الصمان لعبت بها هوج الرياح وبدلت ... بعد الأنيس مكانس الثيوان فكأن ما أبقين من آياتها ... رقم ينمق بالأكف يماني دار لعمرة إذ تريك مفلجا ... عذب المذاقة واضح الألوان خضرًا يشبه ورده وبياضه ... بالثلج أو بمنور القحوان وكأن طعم مدامة جبلية ... بالمسك والكافور والريحان والشهد شيب بماء ورد بارد ... منها على المتنفس الوهنان وأغر مصقولًا وعيني جؤذر ... ومقلدًا كمقلد الأدمان سنت عليه قلائدا منظومة ... بالشذر والياقوت والمرجان

стр. 189

فالقصيدة تبدأ بذلك التقليد الجاهلي من بكاء الأطلال، ذلك التقليد الذي لا نجده في واحدة من قصائد الفتوح على الإطلاق، ثم يثني الشاعر بالغزل بمن تُدعى "عمرة" غزلًا حسيًّا محضًا، يتحدث فيه عن طعم مذاقها، ويشبهه بمذاق الخمر على المسك والكافور والريحان، أو الشهد، وينتقل من فمها إلى عينيها، إلى جيدها. وينتقل الشاعر بعد ذلك إلى ما كان من أيام الحرب في الجاهلية ذات يوم بين كندة وزبيد فيقول: ولقد تعارفت الضباب وجعفر ... وبنو أبي بكر بنو الهصان سبيا على القعدات تخفق فوقهم ... رايات أبيض كالفنيق هجان والأشعث الكندي حين سما لنا ... من حضرموت مجنب الذكران قاد الجياد على وجاها شذبا ... قب البطون نواحل الأبدان حتى إذا أسرى وأوب دوننا ... من حضرموت إلى قضيب يمان أضحى وقد كانت عليه بلادنا ... محفوفة كحضيرة البستان فدعا فسومها وأيقن أنه ... لا شك يوم تسالف وطعان لما رأى الجمع المصبح خيله ... مبثوثة ككواسر العقبان فزعوا إلى الحصن المذاكي عندهم ... وسط البيوت يردن في الأرسان خيل مربطة على أعلافها ... يقفين دون الحي بالألبان وسعت نساؤهم بكل مفاضة ... جدلاء سابغة وبالأبدان فقذفهن على كهول سادة ... وعلى شرامخة من الشبان حتى إذا خفت الدعاء وصدعت ... قتلى كمنقعر من الغلان نشدوا البقية وافتدوا من وقعنا ... بالركض في الأدغال والقيعان واستسلموا بعد القتال وإنما ... يترقبون ترقب الحملان فأصيب في تسعين من أشرافهم ... أسرى مصفدة إلى الأذقان فشتا وقاظ رئيس كندة عندنا ... في غير منقصة وغير هوان١

стр. 190

فهذه مقدرة مذهلة في الوصف القصصي، والسرد البارع، وفي صورة حركية، ترسم التفصيلات الدقيقة في براعة تأخذ بالألباب، وتجعلنا نعتبره نواة صالحة للشعر الملحمي، الذي لم يتطور على مر العصور. فقد بدأ بتصوير هذا التحالف بين الأعداء واتفاقهم، وكيف استقلوا تخفق فوق رءوسهم الرايات، وقد تجنب رئيسهم بالعلن، وسار متخفيًا، حتى أنهكوا جيادهم من طول السرى والتأويب، من حضرموت إلى ديار الشاعر التي أحاطت بهم من كل جانب. وهنا يدرك رئيس الكندة أن اليوم ظلم، فيبث خيله في كل مكان، ويفتح أهل الحلي أعينهم على هذا المشهد، فيهرعون إلى جيادهم المتأهبة دائمًا، يعينهم نساؤهم في اتخاذ أهبتهم، ويهبن بهن أن يتولوا أمر هؤلاء المغيرين، وينشب القتال، فتفعل السيوف فعلها، إلى أن يخفت صوت الفرسان، وتتكشف المعركة عن قتلى كثيرين، غير من فر وافتدى نفسه بالركض بين الأدغال، وغير من أسر من الأشراف الذين بلغ عددهم التسعين، صفدوا حتى أذقانهم بالسلاسل، وعلى رأسهم رئيسهم الذي قضى الصيف والشتاء أسيرًا في ديار الشاعر، وإن لاقى من التكريم والإعزاز ما يشهد برفعة شأنهم. وبعد ذلك نجد أبياتًا عن القادسية وبلاء الشاعر وقومه فيها، تقول: والقادسية حين زاحم رستم ... كنا الحماة بهن كالأشطان الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان ومضى ربيع بالجنود مشرقًا ... ينوي الجهاد وطاعة الرحمن حتى استباح قرى السواد وفارس ... والسهل والأجبال من مكران١ ولسنا نعرف بحق من هو ربيع الذي يشير إليه، فليس بين قواد المسلمين الذين استباحوا قرى السواد وفارس ومكران من يُدعى بهذا الاسم، ولكننا نفضل رواية أخرى للبيتين الأخيرين، على هذا النمط الذي يقول:

стр. 191

قوم همو ضربوا الجبابر إذ بغوا ... بالمشرفية من بني ساسان حتى استبيح قرى السواد وفارس ... والسهل والأجبال من مكران١ وعلى كلتا الروايتين يلاحظ الدارس مغايرة هذه الأبيات التي تتحدث عن القادسية في صياغتها للقصيدة كلها، وعدم التساوق في المعنى، فالقصيدة وَحْدَة موضوعية قائمة بذاتها، منتهية بحكم صياغتها الفنية عندما انتهت إليه من تصوير المعركة وانتهائها بأسر أشرافها، ورئيسها الذي قاظ وشتا عندهم، ولا تحتمل هذه الأبيات التقريرية الأخيرة بحال. ويقينًا فالقصيدة بالصورة التي تُروى بها مشتملة على هذه الأبيات، قد صنعت في عصرين مختلفين، في الجاهلية والإسلام بمعنى: أن الأبيات الأخيرة أضيفت فيما بعد الفتوح بفعل الرواة، شأنها في ذلك شأن قصيدة ربيعة بن مقروم، وقصيدة عبدة بن الطبيب، ومن قبلهما حسان بن ثابت في قصيدته الهمزية، التي تحدث فيها عن فتح مكة وذكر فيها الخمر. وقصيدة عمرو جلي فيها طابعها الجاهلي، في أسلوبها، ورصاتها، وقوة تماسكها، وتصويرها الدقيق، وسردها المتأني، الذي يدل على رؤية وفسحة في الوقت أتيحت للشاعر، مما لا يتيسر لتلك الأبيات الأخيرة في القادسية، والتي يظهر في تقريريتها وقصرها أنها صنعت في ظروف قلقة، هي ظروف الفتوح. وهكذا نستطيع أن نعدد الخصائص الفنية لشعره الجاهلي، وهي تنحصر في نزوع الشاعر إلى الصدق الشعوري الدافق مع نفسه دونما مبالغة، وفي قدرته القصصية الفائقة، ودقته في التصوير، واقتداره على رسم الصور الحركية بمهارة، كل ذلك في أسلوب قوي جزل، تحوطه عاطفة جياشة، وإن كان بعيدًا عن التعلق بالصور الخيالية، ميالًا إلى استعمال الصور المحسوسة للتعبير عن أفكاره وعواطفه. وموضوعات شعره الجاهلي لا تخرج في مجموعها عن الافتخار ببطولته وتصويره استعداده للحرب، ووصف بلائه فيها ووصف وأيام زبيد في الجالهية.

стр. 192

٣- شعره في الفتوح: وشعر عمرو في الفتوح قليل جدًّا، لا يتجاوز عدة مقطعات قصيرة، وهذه ظاهرة عامة ينضوي تحتها شعر الشعراء القدامى، الذين اشتركوا في الفتوح جميعها، في قلة ما خلفوا من آثار في شعر الفتح، وينضوي تحتها شعر الفتح كله في قلة عدد الأبيات التي تحتويها المقطوعة. ولا يطالع الدارس قصيدة واحدة في شعر الفتح طال نفسها أو تعددت أغراضها -كقصائد الجاهلية- فلا ظروف القتال من جانب، ولا نفسية المقاتل من جانب آخر تتيحان امتداد نفس الشاعر، فتحولت القصائد من ثم إلى مقطعات لاهثة، يصب فيها الشاعر عواطف اللحظة ومشاعرها في سرعة خاطفة، كتلك التي صب فيها عمرو خبر قتله لرستم في ثلاثة أبيات، اشتملت على: تزويد صاحبه بإقراء سلمى صاحبته تحيته، وأن يذكره عندها، ويذكر حبه لها، وأن ينقل إليها خبر قتله رستم، وقصر هذا الشرف عليه وحده دون غيره. ثم يصف الطريقة التي فتك بها بهذا القائد. كل هذا في تلك الأبيات القليلة التي تقول: ألمم بسلمى قبل أن تظعنا ... إن لنا من حبها ديدينا قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا شككت بالرمح حيازيمه ... والخيل تعدو زيما بيننا١ ولا ريب في أن القارئ لهذه الأبيات يستشعر حرارة الشاعر وصدقه، هذه الخاصية التي انتقلت معه من شعره الجاهلي إلى شعره الإسلامي. ولم يقتصر ذلك على الشعر فحسب، وإنما نجد صدقه هذا وحرارة تعبيره في أبيات الرجز المفردة. وكان علج في القادسية قد رماه بنشابة وقعت بين كتفيه فلم تنفذ من درعه الحصينة، فأخذ به يعتنقه، فسقطا معًا على الأرض، وقتله عمرو وسلبه، ثم أخذ يعمل سيفه في الفرس، في حرارة تشبه حرارته في تعبيره، عندما رأى الأعداء يتساقطون تحت وقع ضرباته، فصاح مغتبطًا:

стр. 193

أنا أبو ثور وسيفي ذو النون ... أضربهم ضرب غلام مجنون آل زبيد إنهم يموتون١ ويبلغ صدقه في عواطفه حد الصراحة الساخرة التي واجه بها سعد بن أبي وقاص لما رفض أن يجعل له نصيبًا بين حملة القرآن، فقال له معرضًا بما بين القحطانية وقريش، متهمًا قائده بمحاباة القرشيين، إذ قال له: إذا قتلنا ولا يبكي لنا أحد ... قالت قريش ألا تلك المقادير نعطي السوية من طعن له نفذ ... ولا سوية إذ تعطى الدنانير٢ وغير هذه الأبيات القليلة، وما أشرنا إليه من أبياته في القادسية، التي أضيفت إلى نونيته لا نعرف له شعرًا في الفتوح، برغم شهوده المعارك المهمة في تاريخها، فقد شهد اليرموك والجسر، ولكننا لا نجد له شعرًا فيهما، وكذلك لا نجد له شعرًا في نهاوند. ويلاحظ الدارس أن عمرًا وغيره من الشعراء القدامى كانوا أبعد الشعراء الذين اشتركوا في الفتوح عن التأثر بأية خصائص إسلامية في شعرهم، إذا ما قارنا شعرهم بشعر غيرهم من الشعراء الذين أنطقتهم الفتوح، فتغنوا بالمثل الإسلامية، وكان شعرهم معرضًا للخصائص التي اكتسبها الشعر من الإسلام. وهكذا يمكننا القول: بأن شعر عمرو لم يكتسب خصائص إسلامية من واقع الحياة التي عاشها في الفتوح، وبرغم ضياع شعره فيما نعتقده فإنه لجلي أن شعره الإسلامي في الفتوح لو كان وجد بتمامه لما افترق في شيء عن شعره الجاهلي، وإنما هو استبدل بأيام زبيد أيامًا إسلامية، عبر فيها نفس التعبير الذي كان يعبر به عن غزوات قومه في الجاهلية. ولم يتأثر شعره بالإسلام ولا بالفتوحات، كما لم تتأثر حياته ذاتها إلا بهذه التأثيرات العامة، التي تعرض لها كل شعر الفتوح، من انكماش القصيد وسرعته، وتدفقه في إيجاز وحرارة، فضلًا عن صدقه الشعوري، وحرارة تعبيره، التي لازمت شعره في الفتوح.

стр. 194

الفصل الثالث: القعقاع بن عمرو التميمي ١- حياته وخروجه للجهاد: هو خير نموذج لهؤلاء الشعراء الذين أنطقتهم الفتوح بالشعر، وإنه لمن النادر أن نصادف شاعرًا مثله، له نفس خصائصه أو خصائص قريبة منها. كانت حياته كلها هجرة في سبيل الله ورسوله وفي طاعتهما، ويضعه بعض المصنفين في آخر طبقة المخضرمين من الفرسان الجشعان١، لكننا لا نعرف شيئًا واضحًا عن جاهليته يفيد معرفة بشأنه وبماضيه؛ إذ تخلو جميع المصادر من أية إشارة إلى شيء من هذا القبيل. فلا نعرف له من ثم أدنى اهتمام بشيء قبل الإسلام، وليس له ماضٍ ينميه ولا اسم يعتز به، ويعيش على الإخلاص له، ولا شيء ثمة إلا إسلامه وإيمانه القوي وعقيدته الراسخة، حتى ليخيل للدارس أن حياته لم تبدأ إلا بالإسلام. وهكذا نجد جميع المصادر تخلو من الإشارة العابرة إلى مولده ونشأته، وإنما تبتدئ جميعها من نقطة واحدة، هي إسلامه، ذلك أنه الحقيقة الكبيرة البارزة والفاعلة في حياته كلها. فقد أسلم القعقاع، وكانت له صحبة٢، وشهد وفاة النبي ﷺ ، وكان الذي نقل إلى المسلمين آنذاك نبأ اجتماع الأنصار على استخلاف سعد بن عبادة٣. وظاهر من هذه الروايات أن القعقاع قد نشأ في حجر النبي ﷺ وكنف صحابته فتى من فتيان المسلمين، الذين آمنوا بربهم وزادهم ربهم هدى، فتأدبوا بآداب الإسلام، وتعلموا في مدرسة الرسول ﷺ ، ورسخ اعتقادهم بما أعده الله للمؤمنين المجاهدين من عباده،

стр. 195

فازدادوا بأسًا، وامتلئوا شجاعة، فباعوا أنفسهم في سبيل الله وفي طاعته، هكذا تعلموا في مدرسة الوحي: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤-٦] . راح الفتى المؤمن في هذا الجو يكتسب صفات الفارس الإسلامي، ويسأله رسول الله ﷺ ذات يوم: "ماذا أعددت للجهاد يا قعقاع"؟ فيجيب: "طاعة الله ورسوله والخيل". فيقول الرسول ﷺ : "تلك الغاية" ١. فهذا جوابه للنبي لا يخرج عما تعلمه في مدرسة الوحي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٠-١٣] . ولهذا حظي الفتى المؤمن بحب الصدر الأول من الصحابة، فكان لأبي بكر فيه ثقة بالغة ورأي حسن، حتى ليقول عنه: "لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل"٢. وقد أرسله أبو بكر على رأس حملة لتأديب علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص، الذي كان ارتد في حياة الرسول ﷺ وخرج على رأس كلاب وحلفائها، بعد فتح الطائف حتى لحق بالشام، فلما قبض الرسول ﷺ أقبل مسرعًا حتى عسكر في بني كعب مقدمًا رجلًا ومؤخرًا أخرى، وبلغ ذلك أبا بكر فبعث القعقاع وقال له: "سر حتى تغير على علقمة لعلك تأخذه لي أو تقتله، فاصنع ما عندك". وكان الفتى عند حسن ظن الخليفة. فإنه ما لبث حتى أغار على الماء الذي عليه علقمة، فاستبى نساءه وبناته وامرأته، وقدم بسبيه وبعلقمة أسيرًا على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.

стр. 196

وأخذت ثقة أبي بكر تزداد به وتعظم، وعندما استمده خالد بن الوليد عند منصرفه إلى العراق أمده به، فقيل له: أتمده رجلًا انفض عنه جنده برجل؟ فأجاب أبو بكر: "لا يهزم جيش فيه مثل القعقاع"١. وقد أيدت الحوادث ثقة أبي بكر، فلم يهزم جيش كان فيه القعقاع خلال الفتوح في العراق والشام، فقد كان صمام أمن المسلمين في كل معركة اشترك فيها، وإن لم يكن قائدها؛ إذ يكون المسلمون أقرب ما يكونون إلى الهزيمة فإذا به يلوح في الأزمات فيبدل هزيمتهم نصرًا مؤزرًا، مثله مثل السهم الأخير في الْجَعْبَة، وقد صدق حين قال عن نفسه في هذا المعنى: يدعون قعقاعًا لكل كريهة ... فيجيب قعقاع دعاء الهاتف٢

стр. 197

٢- القعقاع فارس الفتوح: رافق القعقاع خالد بن الوليد في فتح العراق إلى أن فصل معه إلى الشام، ثم كان على مقدمة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، الذي قاد جيش العراق وعاد به إلى القادسية. وغزا بعد ذلك مع سعد بن أبي وقاص، والنعمان بن مقرن في نهاوند. ولا نسمع عنه شيئًا بعد هذا في الفتوح. وقد أبلى القعقاع بلاء رائعًا في المعارك التي اشترك فيها، ويكاد بلاؤه يصور ملحمة رائعة، تضعه في زمرة الفاتحين المعدودين في تاريخ الحروب قاطبة، وأكاد أتصوره فتى قويًّا ليس بضخم الجثة، بل أميل إلى النحول. عيناه واسعتان تبرقان بذكاء حاد، عريض الجبهة، كثيف الحاجبين، يرتسم على وجهه ما يعبر عن القسوة والصرامة، مقطب الجبين، مفكرًا مطرقًا في أغلب أوقاته، يتبع قائده المظفر خالد بن الوليد، ويتابعه ويتأثر به، حتى ليكتسب منه صفات الجرأة والمبادرة، وكثيرًا من خدع الحرب. وفي أول التقاء بين خالد والفرس -بقيادة هرمز عند الحفير- يفقد خالد حكته أمام تحدي القائد الفارسي له، عندما دعاه للنزال فيرمي إليه بنفسه، وبينما هما يختلفان ضربتين احتضنه خالد يريد قتله، فإذا بأهل فارس يغتنمونها فيشدون يريدون قتل خالد وإنقاذ

стр. 198

قائدهم من بين يديه، فإذا بظل القائد "القعقاع" يخرج من بين الصفوف فيحمل عليهم حملة عنيفة مفاجئة، ويهزمهم هزيمة نكراء١. واشترك القعقاع مع خالد في فتح الحيرة، ولما فصل خالد إلى الأنبار في طريقه إلى دومة الجندل لم يجد بين أمرائه أحدًا خيرًا من القعقاع، فخلفه على الحيرة ولم يكد خالد يرتحل حتى ثار العراق، وكذلك فعل أهل الحيرة ظانين أن الحظ واتاهم، وسرعان ما راح القعقاع يدافع بني تغلب -الموتورين لمقتل عقة- وبعث بالأنباء إلى خالد، فطار من دومة إلى الحيرة؛ حيث خلف عليها عياضًا، وأطلق القعقاع إلى الحصيد، وقد أمده من روحه بقوة على قوته، ولم يثبت له العجم، فقتل قائدهم، وفر جيشهم، وفر الفالة إلى الخنافس، فتابعهم، ففروا. وفي المصيخ تواعد خالد والقعقاع وأبو ليلى بن فدكي؛ حيث ملئوا الفضاء بجثث القتلى. وعندما أمر أبو بكر خالدًا بالتوجه إلى الشام ضن خالد بالقعقاع، فرفض أن يتركه للمثنى٢. وفي الشام أبلى القعقاع في كل المعارك التي شهدها بلاء حسنًا، وكان على كردوس من كراديس القلب، يفعل أفاعيله بالروم حتى انتصر المسلمون٣. وشهد مع خالد فتح دمشق، وتربص معه عند أسوارها، وقد اتخذ حبالًا كهيئة السلالم، وعبرا مع نفر من شجعان المسلمين الخندق عائمين على القرب، وأثبتا حبالهما في السور وتسلقا، ثم انحدرا، والمسلمون من خلفهما يتبعونهما، حتى فتحوا باب دمشق وتدفق إليها المسلمون، ثم شهد وقعة فحل حتى فتحت، وكان له فيها بلاء مذكور. وبعد الفتح سيره أبو عبيدة على مقدمة هاشم إلى العراق. وبينما كان المسلمون والفرس مشغولين -بدفن قتلاهم صباح يوم أغواث- كان القعقاع يسرع السير في ألف من جند هاشم على مقربة من القادسية، وأعمل حيلته ليشد مقدمه عزائم المحاربين في هذه الموقعة الخطيرة فقسم رجاله الألف إلى عشر فرق، وعهد إليهم ألا تسير فرقة حتى تكون الفرقة التي سبقتها على مدى البصر، وسار على رأس الفرقة الأولى، وبلغ سعدًا

стр. 199

قبل استئناف القتال فبشر المسلمين بالمدد، وانطلق يتقدم الصفوف يستفتح القتال، قائلًا للمسلمين: اصنعوا كما أصنع، ونادى: "من يبارز؟ " فخرج له من يقول: أنا بهمن جاذويه، فإذا بالقعقاع يصيح: يا لثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب يوم الجسر، وانقض عليه فأورده حتفه، فتنشط الناس وفعلوا كفعله، وكان كلما رأى فرقة تتقدم كبر فكبر المسلمون، وهجموا، وهم يرون فعاله بالفرس وتدفق الجند فحملوا، والقعقاع يصيح: باشروهم بالسيوف فإنما يحصد الناس بها. واتصل القتال إلى منتصف الليل، حتى لم يعد أحد من الفريقين يرى الآخر، والقعقاع يزاحف الفرس حتى زاحفهم ثلاثين زحفًا، وقتل في كل زحف فارسًا١ حتى استحق في آخر هذا اليوم فرسًا من عدة أفراس وسيوف أرسلها الخليفة لتقسم في أهل النجدة والبلاء. وقد قام هو وبنو عمه بحيلة بارعة؛ إذ برقعوا إبلًا وجللوها، منتهزين غياب الفيلة في ذلك اليوم -لتقطع وضنها يوم أرماث- وكان للإبل في هذا اليوم بلاء كبلاء الفيلة في اليوم السابق. ونام المسلمون والفرس ليلتهم، بينما أخذ القعقاع يسرب جنده طوال الليل إلى المكان الذي قدموا منه، على أن يقدموا بالطريقة ذاتها، فإن أدركهم هاشم وجاء بمن معه فذاك، وإلا جددوا للناس رجاء في المدد، فزادهم هذا الرجاء إقدامًا. ووقف الفارس الذكي عند الفجر في المؤخَّرة يتطلع ناحية الصحراء، فلما بدأت خيله تقبل كبر وكبر الناس، وتبعهم جند هاشم يتلاحقون دراكًا، ونشب القتال وفعلت الفيلة فعلها، ورأى سعد بأسها، وخشي أن تتكرر مقتلة بني أسد، فأرسل إلى القعقاع وعاصم أخيه، وطلب إليهما أن يكفياه الفيل الأبيض -وكان بإزائها- فترجل القعقاع وأخوه ووضعا رمحيهما في عيني الفيل، الذي تراجع من الألم، فطرح سائسه وولى مشفره، فضربه القعقاع بسيفه فاختلت صفوف الفرس، وحمي وطيس القتال. ولما كبر طليحة بأسفل المخاضة ارتاع أهل فارس، وظنوا جيوش المسلمين قد غدرت بهم، وظن المسلمون أن الفرس فتكوا برجالهم، وأغار عمرو بن معديكرب على جماعة من الفرس، فتقدموا زاحفين، وسقط صديق القعقاع "خالد بن يعمر التميمي" مجندلًا في

стр. 200

دمائه، وكان صادق الحملة على الأعداء، فإذا به ينقلب وحشًا ضاريًا، يطيح برءوس الفرس بسيفه من غير أن يستأذن سعدًا الذي راح يقول: "اللهم اغفرها له وانصره، فقد أذنت له وإن لم يستأذني"١. ولحقت بالقعقاع القبائل، فحملت خلفه، وظلت أصوات الفرسان عالية حتى تقدم الليل فخفتت. وسيطرت قعقعة السلاح على الأسماع، بات الجيشان يقتتلان أعنف قتال وأقساه. والحرب تدور حول القعقاع وهو يرتجز ويسير في الناس قائلًا: إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا، فإن النصر مع الصبر، حتى كان النصر، فتابع المنهزمين في جنده يأسرون من نجا من القتل. وها هو في جند سعد، وقد وقف نهر دجلة يحول بينهم وبين المدائن، وهم ينظرون إلى تدافع مياهه، ويأتي ببعض الفرسان يسألهم: كيف العبور؟ فدلوه على مخاضة في النهر تخاض إلى صلب الوادي؛ لكنه خشي عادية التيار على جنده، فلما أتاه النبأ بأن يزدجرد حمل خزائنه إلى حلوان جمع الجند، وراح يدعوهم إلى العبور، وانتدب حامية تحمي الجند من ذوي البأس، وكان أول من انتدب عاصم بن عمرو ومعه ستون نفرًا، وهو يصرخ فيهم: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ واقتحم النهر وزملاؤه معه. فلما رأى القعقاع الفرسان يتقدمون في سبحهم مد بصره فرأى الفرس يتهيئون للقائهم فسرعان ما انتدب ستمائة دفع بهم إلى النهر، والفرس مذهولون يقولون: إنكم لا تقاتلون إنسًا، وبعد أن دخل المسلمون المدينة طارد القعقاع بن عمرو فارسيًّا فقتله وأخذ منه عيبتين، فيهما أسياف وأدراع لكسرى، وهرقل، ولخاقان الترك، ولموك آخرين٢. ثم ها هو بعد ذلك يعينه الخليفة عمر باسمه على مقدمة هاشم بن عتبة ليأتي جلولاء، وقد تحصن الفرس بها مستميتين في الدفاع عنها، فحاصرها المسلمون ثمانين يومًا، والأمداد تأتي إليهم من المدائن، وتأتي إلى الفرس من جلولاء، وكان الفرس يخرجون ليزاحفوا المسلمين متى شاءوا ثم يعودون إلى حصونهم منهزمين. وأيقن الفرس أنهم سائرون إلى الهزيمة لو استمر الأمر هكذا، ورأوا أن يباغتوا المسلمين. وذات يوم

стр. 201

باغتوهم صباحًا بأهوال الرماح حتى نفد النشاب من الفريقين، وصلى المسلمون الظهر إيماء، ووقف القعقاع يخطب في جنده: أهالكم ما رأيتم أيها المسلمون؟ قالوا: نعم، إنا كالون وهم مريحون. قال القائد الذي لا يعرف إلا النصر: بل إنا حاملون عليهم ومجددون في طلبهم حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم، وحمل فحمل المسلمون. ورأى القعقاع الناس يتحاجزون لإقبال الليل فنادى -وقد دبر في نفسه أمرًا: "أين أيها المسلمون، هذا أميركم على باب خندقهم فأقبلوا عليه"، فحملوا على الخندق، وهم يظنون هاشمًا بالخندق، فاقتتلوا قتالًا أشبه بليلة الهرير، فلما انتهوا إلى باب الخندق لم يجدوا إلا القعقاع١، ورأوا الفرس ينهزمون أمامهم، ويحول الخندق بينهم وبين الارتداد إلى المدينة، فأخذهم المسلمون حتى قتل منهم مائة ألف، وفر من بقي إلى حلوان. فأتبعهم القعقاع فأدرك مهران فقتله، وفر الفيرزان إلى حلوان ينهب الأرض؛ ليخبر يزدجرد بهزيمة جلولاء، وانتهى إلى الري. وقدم القعقاع حلوان؛ حيث خرج إليه حماتها فقاتلوه قتالًا عنيفًا، ثم انهزموا أمامه٢. ولما فكر عمر في بناء محلة للمسلمين الذين لم يتلاءموا مع وخومة المدائن، استقدم سعد عبد الله بن المعتم والقعقاع بن عمرو وأمرهما بارتياد المكان الصالح لمقام العرب٣. ثم ها هو كره أخرى بالشام، يرسل به سعد بن أبي وقاص على رأسه أربعة آلاف كأمر الخليفة عونًا لأبي عبيدة، عندما حصرته الثورة في حمص، إبان حملة قسطنطين، فانطلق في فرسانه يغذون السير من الكوفة إلى حمص. وفي نفس الوقت كان عياض وعبد الله بن عتبان والوليد بن عقبة وسهيل بن عدي يعزلون القبائل التي سارت من الجزيرة تريد لقاء الروم حلفائهم، وأسقط في أيدي الروم، وأخذهم المسلمون من جيش أبي عبيدة قبل وصول القعقاع بثلاثة أيام. ثم نراه يقوم بدور كبير يوم نهاوند؛ إذ تحصن الفرس في حصن لهم وجعلوا يترقبون، وطال حصار المسلمين حتى عظم الضيق، فعقد النعمان بن مقرن مؤتمرًا قرر أن

стр. 202

يبعث المسلمون خيلًا تحدق بالأعداء فترميهم؛ لينشبوا القتال ويثيروا الفرس للخروج، فإذا استثيروا وخرجوا تقهقرت خيل المسلمين استطرادًا، حتى يطمعوا الفرس في هزيمتهم، فيرتد المسلمون فيحصرونهم ويأخذونهم على وجوههم. وضعت الخطة، ولكن من الفارس الباسل الذي ينفذها بنجاح، دون أن يكون تقهقره مؤديًا إلى الهزيمة فعلًا لا افتعالًا؟ هناك القائد وأخواه، وحذيفة، وعمرو بن معديكرب، وطليحة ... وغيرهم، ولكن النعمان ينتدب القعقاع ليذهب إلى ظاهر المدينة لينفذ خطته. وأطاع الجندي الباسل، فتقدم فرمى المدينة بالنبل. وأظهر العزم على اقتحام الأسوار، وأبدى من ضروب البأس ما جعل الفرس ينهضون إليه ليصدوا هجومه. وأثار المسلمون حماسة عدوهم -بقتلهم كل من يبرز إليهم- فخرجوا، ورأوا جند القعقاع قلة فاغتبطوا واجتازوا الأسوار والجند يقاتلون المسلمين، وثبت لهم القعقاع زمنًا حتى لا تنكشف حيلته، ثم تظاهر بالهزيمة وولى بجنده مدبرًا أمامهم، فتابع القعقاع فراره ليبعد بهم عن المدينة، وعن مدى النبل، ورأى القعقاع الفرس يتابعونه ومعهم حسك الحديد ينقلونه أمامهم؛ ليضمنوا الحماية من كرة المسلمين فأمعن في الفرار، وأمعن الفرس في تعقبهم، وقد تيقنوا من هزيمة المسلمين، فتركوا حسك الحديد وراءهم، وأسرعوا يطلبون المسلمين. وهنا انحاز القعقاع إلى جند النعمان وثبت في مواجهتهم، وتراجع الفرس يتفكرون في المكيدة. واستحث الأمراء قائدهم أن يأمر بالهجوم، ولكنه انتظر وحبس جنده عن الفرس، ولم ينجد القعقاع، فأقبل الفرس يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراحات، وشكا الناس بعضهم إلى بعض، والنعمان يصبرهم منتظرًا الزوال ومهب الرياح، كما كان يفعل ﷺ ، وسار النعمان يحمل رايته يحض الجند ويحمسهم، ثم كبر وحمل، فتبعه المسلمون ينقضون كالعقبان، واشتد القتال، ولم يكن يسمع إلا صيحات الأبطال ووقع الحديد على الحديد. واستحرت الحرب فانهمرت الدماء، وأخذت الدواب تنزلق. وبينما النعمان على جواده استجاب الله دعاءه وأناله الشهادة، فزلق جواده في الدماء فصرعه وجاءه نعيم أخوه فسجاه بثوبه، وأخذ اللواء فدفعه إلى حذيفة، ولكن حذيفة أقامه مقام أخيه، وأمره بإخفاء الخبر. وأقبل الليل والمسلمون يدفعون عدوهم أمامهم، حتى أصاب الفرس الإعياء فتراجعوا منهزمين، فإذا بالحسك في انتظارهم مكانه

стр. 203

بوقف تراجعهم، فأرادوا الانحراف، فإذا أمامهم خندق عميق، أعماهم الخوف عنه وستره الظلام فهووا فيه بخيولهم، وهلك فيه ثمانون ألفًا، غير ثلاثين ألفًا لاقوا حتفهم في المعركة وفوق الحسك. وفر الفيرزان فيمن فر يطلب النجاة، فتبعه القعقاع وأدركه عند ثنية همذان، وكانت بعض الدواب تحمل عسلًا في هذه الثنية فسدت على القائد الهارب سبيله، فترجل يريد النجاة في الجبل، فتبعه القعقاع وقتله، ويمم شطر همذان، حيث صالحه أميرها١. وبعد فتح الفتوح لا نعود نسمع شيئًا عن هذا البطل في الفتوح، إلا أن ابن الأثير يذكر: أنه سكن الكوفة، ثم كان مع علي بن أبي طالب، فشهد معه الجمل وغيرها من حروبه. وقام بينه وبين طلحة والزبير بسفارة وكلمهما كلامًا كاد يقرب به الناس إلى الصلح٢. هذا هو بلاء القعقاع بن عمرو فارس الفتوح الإسلامية، فتى من فتيان الله، باع حياته خالصة له، وجاهد في الله حق جهاده، واستمات في نصرة دينه في تفانٍ مخلص، ومهارة فائقة، وذكاء نادر، وفدائية مؤمنة لا يعوقها شاغل خاص، ولا يعترضها قصد إلا إعلاء كلمة الله وحمل رسالته إلى أصقاع العالم، فلا غرو إذا دعوناه بفارس الفتح، ولا غرو إذا ما دعوناه بشاعر الفتح إذ استوى نضجه في أتونه، ونمت شاعريته في ظلاله، فصور أحداثه تصويرًا دقيقًا في شعره، فكان شعره مرآة للأحداث التي صنعها بسيفه.

стр. 204

٣- القعقاع شاعر الفتوح: وكما لا تذكر الروايات شيئًا عن حياته في الجاهلية، فإنها لا تذكر شيئًا عن شعره أو ما يفيد معرفة به قبل الإسلام، فمجموع شعره إسلامي، أو بعبارة أدق: ليس له شعر إلا في الفتوح التي أنطقته بالشعر. وقد أسهم هذا إلى جانب وضوح حياته وبلائهفي الفتوح في تواتر شعره، وازدياد الثقة بصحته جميعًا؛ إذ يقترن شعره بحياته خطوة بخطوة، ويتفق مع الأحداث التاريخية اتفاقًا تامًّا. وعلى هذا فشعره يمكن أن يعد وثيقة تاريخية بالغة القيمة، فهو مرآة لأحداث الفتوح التي عاشها الشاعر الفارس وعاصرها؛ حيث تنعكس عليه جميع جوانبها، من تحركات وتحولات وقتال ونصر واستشهاد، ولم يحدث أن تحركت كتيبة من مكان إلى مكان، أو تحولت من ميدان إلى ميدان، ولا من معركة إلى معركة إلا وسجل شعره ذلك، حتى لتختلف الروايات التاريخية في أمر الفتوح الأولى في الشام، وشهود كتيبة خالد هذه الفتوح، فإذا بشعره يسجل الوقائع التي حدثت في الشام مرتبة ترتيبًا زمنيًّا، مبتدئًا بسقوط خالد على بني غسان في ديارهم، متنقلًا إلى بصرى؛ حيث التقى بسائر جند المسلمين ومتنهيًا إلى اليرموك، فقال: بدأنا بجمع الصفرين فلم ندع ... لغسان أنفا فوق تلك المناخر وجئنا إلى بصرى وبصرى مقيمة ... فألقت إلينا بالحشا والمعاذر فضضنا بها أبوابها ثم قابلت ... بنا العيس في اليرموك جمع العشائر١ ولم يترك معركة اشترك فيها إلا وصورها في شعره، مشيدًا ببطولته وبطولة المسلمين، فعل ذلك في الحفير، وفي الولجة، وفي الثني، وفي الحيرة، وفي الحصيد، وفي الخنافس والمصيخ، وعند اليرموك، ودمشق، وفحل، وفي القادسية، والمدائن، وجلولاء، وحلوان، وأخيرًا في نهاوند. ويكاد يكون القعقاع لهذا أكثر شعراء الفتوح شعرًا وأغزرهم إنتاجًا، فله في كل موقعة من هذه المواقع مقطوعة أو أكثر. وينصرف شعره كله في الإشادة ببلائه وبلاء قومه، والإشادة ببطولات الفرسان من أصدقائه ورثائهم، وتصوير قسوة المقاومة التي يلقونها من الفرس وعرب القبائل والروم، والحوادث التي تقع في أثناء المعارك، فضلًا عن أرجازه التي كانت تهيب بالمسلمين أن يتقدموا للقاء أعدائهم. فهو يفخر بفعاله يوم نهاوند، حينما تعقب ركب الفيرزان وقتله عند ثنية العسل، ويذكر هتكه لبيوت الفرس، ومباغتتهم في قراهم فيقول:

стр. 205

جذعت على الماهات في ألف فارس ... بكل فتى من صلب فارس خادر هتكت بيوت الفرس يوم لقيتها ... وما كل من يلقى الحروب بثائر جست ركاب الفيرزان وجمعه ... على فتر من جرينا غير فاتر هدمت بها الماهات والدرب بغتة ... إلى غاية أخرى الليالي الغوابر١ ويتناول هذه الوقعة في مقطوعة أخرى، يصور فيها متابعته للفيرزان، وما كان من سقوط الفرس في خندق نهاوند، المسمى وادي خرد، فيقول مفتخرًا بصنيعه: ويوم نهاوند شهدت فلم أحم ... وقد أحسنت فيه جميع القبائل عشية ولي الفيرزان موايلا ... إلى جبل آب حذار القواصل فأدركه منا أخو الهيج والندى ... فقطره عند ازدحام العوامل وأشلاؤهم في وادي خرد مقيمة ... تنوبهم عبس الذئاب العواسل٢ وقد تناول هذه المعركة كرة أخرى، مفتخرًا بقومه الذين أبلوا معه فيها بلاء حسنًا، وكأنه يدفع عنهم اتهامًا بالتقصير، ويعدد فعالهم بالفرس يوم نهاوند فيقول: رمى الله من ذم العشيرة سادرا ... بداهية تبيض منها المقادم فدع عنك لومي لا تلمني فإنني ... أحرط حريمي والعدو الموائم فنحن وردنا في نهاوند موردا ... صدرنا به والجمع حران داحم ونحن حبسنا في نهاوند خيلنا ... لشر ليال أنتجت للأعاجم فنحن لهم بينا ونصل سجلها ... غداة نهاوند لإحدى الفطائم ملأنا شعابا في نهاوند منهم ... رجالًا وخيلًا أضرمت بالضرائم وراكضهن الفيرزان على الصفا ... فلم ينجه منها انفساح المخارم ألا أبلغ أسيدًا حيث سارت ويممت ... بما لقيت منا جموع الزمازم

стр. 206

غداة هووا في واي خرد فأصبحوا ... تعودهم شهب النسور القشاعم قتلناهم حتى ملأنا شعابهم ... وقد أنعم اللهب الذي بالصرائم١ ويصف أسلحة المسلمين في هذه الواقعة التي أثار المسلمون فيها الفرس بالرمي، ثم لجئوا إلى السيوف عندما خرجوا إليهم، فيقول مشيدًا بالمسلمين: هم هدموا الماهات بعد اعتدالها ... بصحن نهاوند التي قد أمرت بكل قناة لدنة برمية ... إذا كرهت لم تنتنى واستمرت وأبيض من ماء الحديد مهند ... وصفراء من تبع إذا هي رنت٢ وفي ليلة الهرير: رأى القعقاع صديقه العزيز خالد بن يعمر التميمي يدافع الفرس ويبلي بلاء الأبطال، فأشاد بصنيعه، وقال في ذلك: حضض قومي مضر حي بن يعمر ... فلله قومي حين هزوا العواليا وما خام عنها يوم سارت جموعنا ... لأهل قديس يمنعون المواليا٣ ولكن صديقه لا يلبث أن يسقط مجندلًا، فينطلق القعقاع وكأنه "آشيل" يرى صديقه "باتروكلوس" صريعًا، فيحس الفرس بسيفه مزاحفًا، دون أن يأذن له سعد، ويقول معبرًا عن أحاسيسه في هذه اللحظة، وما انطوى عليه صدره من غيظ ورغبة في الثأر: سقى الله يا خوصاء قبر ابن يعمر ... إذا ارتحل الغار لم يترحل سقى الله أرضًا حلها قبر خالد ... ذهاب غواد مدجنات تجلجل فأقسمت لا ينفك سيفي يحسهم ... فإن زحل الأقوام لم أتزحل٤

стр. 207

والقعقاع الفارس الذي يشيد ببلائه في شعره لا يجد غضاضة في الشهادة بقدرة أعدائه، وبلائهم في الدفاع عن أرضهم، فيصور شجاعتهم وحمايتهم لبلادهم فيقول فيما كان من دفاع العرب الذين حشدهم الفرس بين الولجة وكثرتهم من بكر بن وائل: ولم أرَ قومًا مثل قوم رأيتهم ... على ولجات البر أحمى وانجبا وأقل للرواس في كل مجمع ... إذا ضعضع الدهر الجموع وكبكبا١ وعندما يجتمع الفرس والروم على ملاقاة المسلمين بالفراض، يصور القعقاع التقاء هذا الحلف وإبادة المسلمين لهم حتى صرعوا كالأغنام، قال: لقينا بالفراض جموع روم ... وفرس عمها طول السلام أبدنا جمعهم لما التقينا ... وبيتنا بجمع بني رزام فما فتئت جنود السلم حتى ... رأينا القوم كالغنم السوام٢ وفي يوم أغواث قدم رسول من الخليفة بأربعة جياد وأربعة سيوف، لتقسم في أهل النجدة والبلاء، فاستحق القعقاع جوادًا لما قدم في هذا اليوم فيذكر هذه المكافأة ويشيد ببطولته: لم تعرف الخيل العراب سواءنا ... عشية أغواث بجنب القوادس عشية رحنا بالرماح كأنها ... على القوم ألوان الطيور الرسارس٣ وخلف القعقاع بعض أراجيز كان يهدر بها عند لقاء الفرس في القادسية والروم في اليرموك، ففي يوم اليرموك كان على أحد كراديس القلب، يفعل بالروم الأفاعيل، ويجندل أبطالهم، وهو يرتجز بقوله: يا ليتني ألقاك في الطراد ... قبل اعترام الجحفل الوراد وأنت في حلبتها الوراد٤

стр. 208

وفي القادسية -في زحوفه الثلاثين يوم أغواث- كان يرتجز في كل زحف يحمل فيه، من مثل قوله: أزعجهم عمدًا بها إزعاجا ... أطعن طعنًا صائبًا ثجاجا أرجو به من جنة أفواجا١ وكانت آخر حملاته في هذا اليوم تلك التي قتل فيها يزرجهر، فأنشد وهو يسقيه كأس حتفه: حبوته جياشة بالنفس ... هدارة مثل شعاع الشمس في يوم أغواث فليل الفرس ... أنخس بالقوم أشد النخس حتى تفيض معشري ونفسي٢ وكان رجزه بشيرًا بالنصر، عندما تناهى صوته إلى سعد، وهو يقول: نحن قتلنا معشرًا وزائدا ... أربعة وخمسة وواحدا تحسب فوق اللبد الأساودا ... حتى إذا ماتوا دعوت جاهدا الله ربي واحترزت عامدًا٣ وهكذا نرى شعر القعقاع يمتد فيشمل جميع أغراض الشعر في هذا المقام، ويصور جوانب الحياة المختلفة في الفتوح الإسلامية تصويرًا دقيقًا، يجعل الاعتماد على شعره أمرًا ضروريًّا لكل من يُعْنَى بدراسة الفتوح، ورسم صورة كاملة لجميع أقطارها. وكذلك كان رجزه أحد العوامل المثيرة في إقدامه وإقدام جنده في هذه الحملات العديدة التي صممها وقادها في اليرموك والقادسية. ويكاد يكون شعره استغرق كل موضوعات الشعر التي خاض فيها شعر الفتح جميعه، اللهم إلا شعر الحنين، فلسنا نعرف له في هذا الموضوع شيئًا، وإن كنا نرجح أن سبب هذا وجود جموع كبيرة من أبناء عمومته معه في حرب العراق، ووجود زوجته

стр. 209

النخعية معه كذلك١. ويخلو شعره أيضًا من أية دلالات على حياته الخاصة أو عواطفه الشخصية في غير موضوعات الفتوح، وكأنما طرح الشاعر كل ما يمت إلى حياته الشخصية وراء ظهره، حينما استقبل حياة الطعان والجلاد. فإذا بنا لا نجد في شعره شيئًا يكشف لنا عن كنه شخصيته، إلا بما يميزها من الشجاعة والفروسية والفدائية المؤمنة، وتنعكس كل هذه الصفات في افتخاره بنفسه وعشيرته وبجماعة المسلمين. وهو في هذا يشارك شعراء الفتوح جميعًا؛ إذ لم يعد لهم في حياتهم ما يعبرون عنه في شعرهم إلا ما هو ماثل أمام أعينهم، وما تمتلئ به وجداناتهم من أحداث وانفعالات. وشعره كما هو واضح شعر بسيط لا غموض فيه ولا تعمل ولا زخرفة، فكل قصد هذا الشعر أن ينفس عما في وجدان صاحبه تنفيسًا بسيطًا، كاستجابة حرة وطليقة للعوامل النفسية التي تتلبس به. ومن هنا نجد شعره متدفقًا، دون قسر في التعبير، أو تعسف في التصوير، أو جفوة في أفكاره، أو زخرف في ألفاظه؛ ولهذا فهو شعر صادق لا تكلف فيه، حار لا زيف فيه، وهو -أولًا وآخِرًا- صورة نفسية لذات صاحبه وأفكاره، فضلًا عن كونه سجلًّا حافلًا للفتوح التي أسهم فيها، وتاريخًا أدبيًّا لفروسيته.

стр. 210

الباب الثالث: مقومات شعر الفتوح وطوابعه الفصل الأول: شعر الفتوح أنواعه وموضوعاته ١- قصيد ورجز: نحن أحوج ما نكون هنا إلى أن نتذكر ما قدمنا من وصف لتحركات الجيوش، وعنف المقاومة وأهوال القتال، وما كان يشغل المحاربين من التحول الدائم والحركة الدائبة، وما كان يملأ نفوسهم من مشاعر الأمل والخوف والقلق والغبطة، وغير ذلك من إحساسهم بالوجل والاغتراب، وما يمكن أن يتعرضوا له أمام عدو باطش، في أرض بعيدة عن أرضهم وعن ذويهم. حقًّا كانت فكرة الجهاد تجذبهم بألقها، وتدفعهم إلى استرخاص أرواحهم في سبيلها، مؤمنين بنصر الله وبما وعدوا من الجنة وحسن المآب، ولكن العواطف الإنسانية المختلفة لا بد أن تثير فيهم هذه المشاعر، في مثل هذا الموقف الرهيب. ومهما كانت مشاغل الفاتحين واهتماماتهم عظيمة وضخمة، فإنها لا بد أن تضيق عن استنفاد مثل هذه المشاعر، ولا بد أيضًا لهذه المشاعر أن تجد منفذًا تتسرب خلاله طاقاتها، فيفرج عن الفاتحين بعض ما تزخر به جنباتهم، ويعبرون فيه عن هذه العواطف وتلك المشاعر. وقد استنفد التعبير الشعري كل هذه الطاقات النفسية واستوعبها؛ إذ انطلق الشعر على كل لسان، وقدمت الفتوح بانتشارها وتمددها لهؤلاء الفاتحين مادة هذا الشعر في أحداثها، وما تثيره من أحاسيس في هذه البيئات الجديدة، وما عانوا فيها من ابتعاد عن بيئتهم. وقام الشعر بهذه المهمة خير قيام، وإن طبع بطوابع أملتها عليه الظروف القاسية للمعارك وتلاحقها وعنفها، فاتسم بخصائص معينة في شكله ومضمونه. ومن اليسير أن نتتبع أنواع هذه المنظومات، وأن نجمعها في نوعين كبيرين من حيث الشكل الفني، وهما: القصيد والرجز. فمع أن الرجز ليس إلا وزنًا من أوزان

стр. 211

الشعر، وليس له قالب مستقل بذاته، إلا أننا نميل إلى جعله نوعًا مستقلًّا من أنواع التعبير؛ لمخالفته للشعر في شكله العام، وفي اقتصاره على أبواب معينة وموضوعات بذاتها، فضلًا عن تميزه بدور كبير في ظروف القتال، لم يتسن للشعر، في التحميس ورفع روح المحاربين، إلى جانب أن الرجز لسهولته وقربه من السليقة العربية كان سبيل الشعراء المغمورين، الذين أنطقتهم الفتوح، وهم كثرة كثيرة. بينما كان شعر القصيد سبيل الممتازين من الشعراء، وإن كان لم يحتفظ بخصائص الشعر العربي التقليدية، فأضحى مقطعات قصيرة قليلة عدد الأبيات. وفي الحقيقة: إن شعراء الفتوح جميعًا قد خضعوا خضوعًا متماثلًا للطوابع التي طبعت بها الفتوح شعرهم جميعًا، ففضلًا عن تركز اهتماماتهم ونوازعهم في المسئولية الضخمة التي يحملونها، فإن ظروف القتال وقسوة الحياة تحت ظلال السيوف لم تكن لتعينهم على التنفس الغنائي الهادي، والتعبير الوجداني المنساب، في قصائد متأنية مديدة النفس. ولهذا كان تنفسهم سريعًا لاهثًا ومتلاحقًا، وخاطفًا ومحدودًا في مضمونه وفي شكله بطبيعة الحال، فاتخذ القريض شكل المقطعات القصيرة. واستتبع هذه الإحاطة بمقدمات القصائد التي تعتبر من أهم تقاليد الشعر العربي، الموروثة عن العصر الجاهلي، والتي ظلت تحكم الشعر ردحًا من الزمان، ولم تفلح الثورات الأدبية في الإطاحة بها بعد ذلك. ومهما كان رأي الباحثين في هذه المقدمات الطللية والغزلية من أنها ترتفع بالشاعر إلى بيئة شعرية رفيعة يخرج فيها عن أطوار الحياة الواقعية المادية إلى عواطف الحنين والشوق مما يعده للغناء١، فإن الشاعر كان يجد فيها بلا ريب متنفسًا للحديث عن ذاته، وإشباعًا لمنازعه الفردية، قبل أن يشغل بغرضه الذي كان ينصرف دائمًا إلى الفناء في وجدان القبيلة بحكم وضعه الاجتماعي. والأمر مختلف في الفتوح، فليس هناك ما يدعو إلى أن يختلق الشاعر في مقدمات قصيده، ما يكون مسربًا لفرديته؛ إذ ليس هناك حرج في أن يشيد الشاعر

стр. 212

بذاته، ويعبر عن فرديته داخل إطار الجماعة الإسلامية تعبيرًا حرًّا، دون النجاء إلى المقدمات التي لا بد أن تشغله في مثل هذه الظروف المضطربة السريعة الأحداث عن التعبير المباشر. وكما تخفف شعر الفتح من المقدمة الغزلية والطللية تخفف بالضرورة من النظام التقليدي للقصيدة الذي ساد في الشعر العربي، وأوصى نقدته باتباعه والتمسك به قرونًا. هذا النظام الذي يوجب تعدد الأغراض في القصيدة الواحدة، فتبدأ بذكر الأطلال، ثم ينتقل الشاعر منه إلى النسيب فوصف رحلته وما يعترضه فيها، ويصف ناقته إلى تقله، ويشبهها بما يشاء من الحيوان، حتى يصل إلى غرضه من المدح أو غيره. وذهب بعض نقاد العرب مذهبًا متعسفًا في تعليل حسن هذا النظام والدعوة إليه من ثم والتوصية بالتمسك به والمحافظة عليه، ففى رأيهم أن مقصد القصيد إنما ابتدأ بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع والدمن والآثار؛ ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها؛ إذ كانت نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر؛ لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم الغيث حيث كان، ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد وألم الفراق، وفرط الشوق والصبابة؛ ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، ويستدعي به إصغاء السامح إليه؛ لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب؛ لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء، فليس أحد يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسبب، أو ضاربًا فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا علم أنه استوثق من الإصغاء إليه والاستماع عقب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النصب، والسهر، وسرى الليل، وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في السير بدأ في المدح، فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح، وفضله على الأشباه، وصغر في قدره الجزيل١. ومن ثم يلزم هؤلاء النقاد الشعراء بأن يسلكوا تلك الأساليب لا يتعدونها، وأن يعدلوا بين أقسامها، ولكن أنَّى للشاعر المحارب في أي زمان ومكان أن يصنع هذا، وأن

стр. 213

يزيف مشاعره بهذه الصورة المعقدة، وهي على طرف لسانه يريد أن يلقي بها تلقائيًّا وبطريق مباشر، دون أن يجعل بينه وبين غرضه الملح هذه الحواجز المتدرجة، وتلك المراحل المتسلسلة. إن الشاعر المجاهد ليريد -قبل أن يشعر أنه يريد- أن ينفض ما بنفسه ابتداء دون تقيد بتقاليد أو تمسك بنظم في التعبير، إلا ما يفرضه طبيعة الإحساس النفسي، والحالة الشعورية التي تتقمصه. ولهذا فلن نجد بين شعر الفتح كله قصيدة واحدة، تزيد أبياتها عن عشرة أبيات، ولن نجد قصيدة تشتمل على أكثر من غرض واحد إلا فيما ندر، فكل مقطوعة تستقل بموضوع واحد يعبر عنه الشاعر هذا التعبير المندفع السريع. وأدى هذا إلى جانب انطلاق الشعر على ألسنة الكثيرين من الفاتحين العاديين إلى أن يكثر الرجز، وأن ينفك عن وظيفته التي كانت له في الجاهلية كأداة للتحميس، وشحذ القوى وإلى أن يشارك القصيد في التعبير عن بعض موضوعاته التي تخرج عما ألفه الرجز في الجاهلية من الحرب والمفاخرة والحداء، فكاد يكون قسيم الشعر القصائدي، وإن ظل في شكله ومضمونه لا ينم عن إعداد أو عناية؛ نتيجة قربه من السليقة الفطرية للعرب، وارتجاله في المواطن المختلفة، وإن ظلت له نفس المهمة في التحميس. وسوف نرى أنه لم يقصر عن خوض الموضوعات التي خاضها الشعر إلا في القليل الذي لا يتفق وإيقاعه العنيف.

стр. 214

٢- موضوعات قديمة متطورة: تغنَّى الشعر كما تغنَّى الرجز بموضوعات بعضها قديم تداوله الشعر العربي على اختلاف عصوره كالحماسة والرثاء، وبعضها الآخر جديد، لم يعهده الشعر العربي قبل الفتوح. فشعر الجهاد وإن جال في تصوير ظروف الفتح الجديدة فإننا لا نستطيع أن نعده بابًا جديدًا من أبواب الشعر، وكذلك الرثاء؛ إذ إن لهما جذورًا في الشعر العربي ثابتة، وغاية الأمر أن هذه الظروف الجديدة قد كست هذين اللونين من الشعر صبغًا جديدًا فتطورًا قليلًا، وإن دلا على تأثرات جديدة؛ فإن أصلهما واضح جلي في الشعر العربي. ونعني بشعر الجهاد ذلك الشعر الذي يهدف إلى الإشادة بما كان من إقدام الجند أو الكتيبة أو الشاعر، أو صديق له أو زميل، أو قائده أو عدوه. وعن كل هذه الطرق يعبر الشاعر عن قسوة المعارك، وضراوة القتال، وشدة اللقاء، وما كان يحدث في أثناء المعارك من إقدام أو إحجام، وما قد تنتهي إليه من نصر أو هزيمة، وما يكون بعد ذلك من فخر أو تصميم على الثأر والانتقام، بينما قد يكون تصوير المعارك وما تشتمل عليه طريقًا إلى الإشادة بالنفس أو بالغير، وهكذا. وهذا الموضوع هو أكثر موضوعات الشعر التي بين أيدينا ترددًا واتساعًا، ومن أمثلة هذا الشعر الذي يشيد ببلاء الجماعة الإسلامية وبسالتها وإيقاعها بالعدو قول خليد بن المنذر في يوم طاوس: بطاوس ناهبنا الملوك وخيلنا ... عشية شهراك علون الرواسيا أطاحت جموع الفرس من رأس حالق ... تراه كموار السحاب مناغيا فلا يبعدن الله قومًا تتابعوا ... فقد خضبوا يوم اللقاء العواليا١ وقد يجعل الشاعر تصوير المعركة سبيلًا إلى تصوير بلائه والإشادة بنفسه، كقول نعيم بن مقرن قائد المسلمين في وقعة واج روذ بهمذان، التي تصدى فيها "لموتا" قائد الفرس ونكل به تنكيلًا، قال: ولما أتاني أن "موتا" ورهطه ... بني باسل جروا جنود الأعاجم نهضت إليهم بالجنود مساميا ... لأمنع منهم ذمتي بالقواصم فجئنا إليهم بالحديد كأننا ... جبال تراءى من فروع الغلاسم فلما لقيناهم بها مستفيضة ... وقد جعلوا يسمون فعل المساهم صدمناهم في واج روذ بجمعنا ... غداة رميناهم بإحدى العظائم فما صبروا في حومة الموت ساعة ... لحد الرماح والسيوف الصوارم

стр. 215

كأنهم عند انبثاث جموعهم ... جدار تشظى لبنه للهوادم أصبنا بها "موتا" ومن لف جمعه ... وفيها نهاب قسمة غير عاتم تبعناهم حتى أووا في شعابهم ... نقتلهم قتل الكلاب الجواحم كأنهم في واج روذ وجوه ... ضئين أصابتها فروج المخارم١ وقد يشيد الشاعر بنفسه مباشرة، فيصور شجاعته وبأسه وفعاله بالعدو وتفريجه كرب المسلمين، كما فعل عروة بن زيد الخيل الطائي، فقال في معركة نهاوند: ألا طرقت رحلي وقد نام صحبتي ... بإيوان شيرين المزخرف خلتي ولو شهدت يومي جلولاء حربنا ... ويوم نهاوند المهول استهلت إذن لرأت ضرب امرئ غير خامل ... محيد بطعن الرمح أروع مصلت ولما دعوا يا عروج بن مهلهل ... ضربت جموع الفرس حتى تولت دفعت عليهم رحلتي وفوارسي ... وجردت سيفي فيهم ثم آلتي وكم من عدو أشوس متمرد ... عليه بخيلي في الهياج أظلت وكم كربة فرجتها وكريهة ... شددت لها أزري إلى أن تجلت وقد أضحت الدنيا لدي ذميمة ... وسليت عنها النفس حتى تسلت وأصبح همي في الجهاد ونيتي ... فلله نفسي أدبرت وتولت فلا ثروة الدنيا نريد اكتسابها ... ألا إنها عن وفرها قد تجلت وماذا أرجى من كنوز جمعتها ... وهذي المنايا شرعًا قد أطلت٢ وقد يعمد الشاعر إلى وصف بلاء قائده ومقدرته وبراعته في سياسة جنده وفتكه بأعدائه، كقول أحد المسلمين في جيش المثنى؛ إذ يقول في يوم سوق الأنبار:
следующие страницы →