هل التواتر شرط في صحة القراءة:
من المعلوم أن القرآن الكريم قد نقل إلينا كله بالتواتر، ولكن هل يشترط التواتر في كل حرف من حروفه لصحة القراءة به، أم يكفي أنه اشتهر بين القراء سلفًا وخلفًا, فتقوم الشهرة مقام التواتر؟
قال ابن الجزري: "وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبُت إلّا بالتواتر، وأن ما جاء
стр. 107
مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وهذا مما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره، إذا ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي ﷺ وجب قبوله، وقُطِعَ بكونه قرآنًا, سواء وافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة، وغيرهم.
ولقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده وموافقة أئمة السلف والخلف"١.
وإلى هذا القول جنح أبو شامة في "مرشده", وغيره من الباحثين المحقِّقين في هذا العلم.
والمعوَّل عليه في صحة القراءة وقبولها والقراءة بها هو النقل الصحيح.
قال الإمام أبو محمد مكي في مصنَّفه الذي ألحقه بكتاب "الكشف" له: فإن سأل سائل فقال: فما الذي يقبل من القرآن الآن فيقرأ به، وما الذي يقبل ولا يقرأ به؟
فالجواب: أن جميع ما روي في القرآن على ثلاثة أقسام:
قسم يقرأ به اليوم، وهو ما اجتمعت فيه الشروط الثلاثة المتقدمة.
والقسم الثاني: ما صحَّ نقله عن الآحاد، وصحَّ وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف، فهذا يقبل ولا يقرأ به.
والقسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية, فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف.
стр. 108
المبحث الخامس عشر: جمع القرآن في الصدور والسطور
مدخل
...
المبحث الخامس عشر: جمع القرآن في الصدور والسطور
جمع الله القرآن في صدر نبيه ﵊, كما وعده بذلك في قوله سبحانه:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ١.
فوعاه قلبه، فلم ينس منه شيئًا، كما دلَّ على ذلك قوله -جلَّ وعلا- في سورة الأعلى:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ ٢.
"أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة فلا تنسى ما تقرؤه، والمعنى: نجعلك قارئًا للقرآن فلا تنساه"٣.
وتلقَّاه عنه أصحابه، فحفظه بعضهم بتمامه عن ظهر قلب، وحفظ بعضهم منه ما شاء الله أن يحفظ، واستعانوا على حفظه بكتابته، ولم يكن أكثرهم يعرِفُ القراءة والكتاية، فكان أحدهم إذا أنسي شيئًا ترقَّب قراءة الرسول ﷺ وتابعها، ليتذكَّر من خلالها ما أنسيه، أو سأل عنه من يحفظ القرآن في صدره أو في مصحفه، وكان يعين بعضهم بعضًا على الحفظ والتدبُّر؛ إيمانًا منهم بضرورة نشر العلم بوجه عام، ونشر القرآن بوجه خاصٍّ، وكان النبي ﷺ يرغِّبُهم في ذلك، حتى أنه جعل مهر امرأة تعليم آيات من كتاب الله.
فقد روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلًا، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ : "هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ " فقال: ما عندي إلّا إزاري هذا، فقال النبي ﷺ : "إن أعطيتها إزارك
стр. 109
جلست لا إزار لك، فالتمس شيئًا" , فقال: ما أجد شيئًا، فقال: "التمس ولو خاتمًا من حديد" فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال النبي ﷺ : "هل معك من القرآن شيء؟ " قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، لسور يسميها، فقال النبي ﷺ : "قد زوجتكها بما معك من القرآن".
ولقد أعانهم على حفظه أيضًا كثرة تلاوته في الصلوات الخمس، وفي قيام الليل، وفي مجالسهم المختلفة، فقد تعبَّدهم الله بتلاوته وسماعه وتدبره والعمل به، وجعله منهج حياتهم ونور قلوبهم، وشفاء أرواحهم وأبدانهم، فجعلوه شغلهم الشاغل في حِلِّهم وترحالهم، فملك عليهم بحلاوته شغاف قلوبهم، وكان لهم الروح والريحان، فحفظه في صدورهم، واستعانوا على حفظه بكتابته كما قلنا، لئلَّا يفوتهم منه شيء.
وجمع القرآن معناه: حفظه في الصدور، ومعناه أيضًا: كتابته في الصحف, وضم بعضه إلى بعض.
وجمعه -بمعنى كتابته- حدث في الصدر الأول ثلاث مرات:
الأولى: في عهد النبي ﷺ .
والثانية: في خلافة أبي بكر ﵁.
والثالثة: على عهد عثمان ﵁.
وسنتكلم عن جمعه في كل عصر من هذه العصور الثلاثة بشيء من التفصيل.
стр. 110
جمعه في عصر النبي ﷺ :
حَفِظَ القرآن الكريم كله في عصر النبي ﷺ كثير من أصحابه، واشتهر بالحفظ منهم عدد؛ لكثرة تلاوتهم له, والتصدي لتعليمه وتفسيره, وجمعه في كتبهم, وغير ذلك من أسباب الشهرة الطيبة.
فما ورد من أنهم سبعة أو أقل، فإنه يحمل على من اشتُهر منهم، لا على إرادة الحصر.
فقد أورد البخاري في صحيحه ثلاث روايات، ذكر في مجموعها سبعة
стр. 111
من القراء، هم: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد بن السكن، وأبو الدرداء.
١- عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبَيّ بن كعب".
وهؤلاء الأربعة: اثنان من المهاجرين هما: عبد الله بن مسعود، وسالم، واثنان من الأنصار هما: معاذ، وأُبَيّ.
٢- وعن قتادة قال: "سألت أنس بن مالك: مَنْ جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: أربعة كلهم من الأنصار: أُبَىّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي".
٣- وروي من طريق ثابت عن أنس كذلك قال: "مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الددراء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد".
وأبو زيد المذكور في هذه الأحاديث جاء بيانه فيما نَقَلَه ابن حجر بإسنادٍ على شرط البخاري عن أنس: أن أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه: قيس بن السَّكَن، قال: وكان رجلًا منا, من بني عدي بن النجار أحد عمومتي، ومات ولم يدع عقبًا، ونحن ورثناه.
وبيَّن ابن حجر في ترجمة سعيد بن عبيد أنه من الحفاظ, وأنه كان يُلَقَّبُ بالقارئ١.
وذِكْرُ هؤلاء الحفاظ السبعة أو الثمانية لا يعني -كما قلنا- الحصر، وإنما هو محمول على أن هؤلاء هم الذني جمعوا القرآن كله في صدورهم، وعرضوه على النبي ﷺ ، واتصلت بنا أسانيدهم، أما غيرهم من حفظة
стр. 112
القرآن -وهم كُثُر- فلم تتوفر فيهم هذه الأمور كلها، لا سيما وأن الصحابة تفرَّقوا في الأمصار، وحفظ بعضهم عن بعض، ويكفي دليلًا على ذلك أن الذين قُتِلُوا في بئر معونة من الصحابة كان يقال لهم القرّاء، وكانوا سبعين رجلًا كما في الصحيح.
قال القرطبي: "قد قُتشلَ يوم اليمامة سبعون من القراء، وقُتِلَ في عهد النبي ﷺ ببئر معونة مثل هذا العدد"١.
وهذا هو ما فهمه العلماء وأولوا به الأحاديث الدالة على حصر الحفاظ في السبعة المذكورين.
"إذ يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء السبعة أنهم هم الذين جمعوا القرآن كله بجميع وجوهه التي نزل عليها.
أو أنهم هم الذين تلقَّوْه من فم النبي ﷺ من غير واسطة، بخلاف غيرهم ممن عرف حالهم، فحصر الراوي من علمه منهم، فأخبر به.
أو أنهم هم الذين تصدَّوْا لإلقائه وتعليمه، وخفي حال غيرهم عَمَّنْ عرف حالهم، فحصر ذلك فيهم بحسب علمه.
أو أنهم هم الذين جمعوه كتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظًا عن ظهر قلب.
أو المراد أنهم سمعوا له وأطاعوا، فجمعوا بين حفظه والعمل به.
وقد أخرج أحمد في الزهد من طريق أبي الزاهرية أن رجلًا أتى أبا الدرداء، فقال: إن ابني جمع القرآن، فقال: "اللهم غفرًا، إنما جَمَعَ القرآن من سمع له وأطاع".
هذه بعض الأجوبة التي ذكرها السيوطي في الإتقان٢ نقلًا عن القاضي أبي بكر الباقلاني، ولا يخلو بعضها عن تكلُّفٍ كما قال ابن حجر.
وأصحّ هذه الأقوال ما قدَّمناه من أن هؤلاء المذكورين في روايات البخاري هم الذين اشتهروا بين الناس بحفظ القرآن كله لكثرة تلاوتهم له، وتصديهم لتعليمه، ولكثرة مَنْ روى عنهم، وغير ذلك من الأسباب.
стр. 113
وقد نال هذه الشهرة كثير من الصحابة مما يدلُّ على أن الحصر في الأحاديث المتقدِّمَة وغيرها ليس مرادًا.
منهم على سبيل المثال: الخلفاء الأربعة، وطلحة بن عبد الله، وابن مسعود، وحذيفة، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وتميم بن أوس الداري، وعقبة بن عامر، وغيرهم ممن ذكرهم السيوطي في الإتقان١، والزركشي في البرهان٢، وغيرهما من الباحثين.
هذا، وقد اتخذ النبي ﷺ له كُتَّابًا يكتبون ما ينزل من القرآن؛ مبالغة في صيانته من الضياع والتحريف والتبديل.
من أشهرهم: زيد بن ثابت الذي أسلم بعد الهجرة، وأُبَيِّ بن كعب، وهو أول مَنْ كتب له بالمدينة، وممَّنَ كتب له أيضًا الخلفاء الأربعة، والزبير بن العوام، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله بن رواحة, وآخرون.
وقد كانوا يكتبون القرآن على سعف النخيل، وصفاح الحجارة، والجلود، والرقاع، وغيرها.
وكان بعض الصحابة يكتبون لأنفسهم ما شاء الله أن يكتبوا، ويحتفظون به في بيوتهم ليرجعوا إليه متى أرادوا.
عن زيد بن ثابت قال: "كنا عند رسول الله ﷺ نؤلِّفُ القرآن من الرقاع"٣.
وهذا يدل على مدى المشقة التي كان يتحمَّلُها الصحابة في كتابة القرآن، حيث لم تتيسَّرْ لهم أدوات الكتابة إلّا بهذه الوسائل، فأضافوا الكتابة إلى الحفظ.
стр. 114
وكان جبريل يُعَارِضُ رسول الله ﷺ بالقرآن كل سنة في ليالي رمضان، كما جاء في رواية البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان, حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسَلَة".
وكان الصحابة يعرضون على رسول الله ﷺ ما لديهم من القرآن حفظًا وكتابة كذلك.
ولم تكن هذه الكتابة في عهد النبي ﷺ مجتمعة في مصحف عام، بل عند هذا ما ليس عند ذاك، وقد نقل العلماء أن نفرًا منهم: علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأُبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود, قد جمعوا القرآن كله على عهد رسول الله ﷺ ، وذكر العلماء أن زيد بن ثابت كان عرضه متأخرًا عن الجميع.
وقُبِضَ رسول الله ﷺ والقرآن محفوظ في الصدور والسطور، ولكن لم يُجْمَعْ في مصحف عام؛ لأن الوحي كان ينزل، فلو جُمِعَ في مصحف واحد لأدَّى ذلك إلى مشقَّة كبيرة في ترتيبه؛ إذ لم يكن ترتيب الكتابة وفق ترتيب النزول، بل كانوا يكتبون الآية بعد نزولها؛ حيث يشير ﷺ إلى موضع كتابتها بين آية كذا وآية كذا في سورة كذا، ولو جُمِعَ القرآن كله بين دفتي مصحف واحد لأدَّى هذا إلى التغيير كُلَّمَا نزل شيء من الوحي.
"قال الزركشي: "وإنما لم يُكْتَب في عهد النبي ﷺ مصحف لئلَّا يفضي إلى تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كَمُلَ نزول القرآن بموته ﷺ ".
وبهذا يفسر ما روي عن زيد بن ثابت، قال: "قُبِضَ النبي ﷺ ولم يكن القرآن جُمِعَ في شيء".
أي: لم يكن جُمِعَ مرتَّبَ الآيات والسور في مصحف واحد.
стр. 115
قال الخطَّابي: إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقَّبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلمَّا انقضى نزوله بوفاته, ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاءً بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر"١.
стр. 116
جَمْعُه في عهد الصديق ﵁:
بُويِعَ أبو بكر ﵁ بالخلافة في العام الحادي عشر من الهجرة، فواجه في طريقه مشكلات جسامًا كادت تعوق مسير الدعوة، لولا عناية الله تعالى ورحمته.
كان من أهمها ارتداد كثير من العرب عن الإسلام، وخروجهم على إمام المسلمين، وتجنيد أنفسهم لمحاربته, والقضاء عليه وعلى المسلمين في المدينة وغيرها، فنهض الصديق لقتالهم بكل قوة أودعها الله فيه، وانضوى المسلمون تحت لوائه يقاتلون عدوَّ الله في كل مكان، شعارهم: احرصْ على الموت تُوهَبْ لك الحياة، واستطاع ﵁ أن يُخْضِعَ المرتدين، ويهزمهم شرَّ هزيمة في كثير من المواطن، فحفِظَ بذلك للإسلام عزه ومجده وهيبته، وأنسى أولئك المرتدين وساوس أنفسهم وشياطينهم.
غير أن كثير من قراء القرآن قد قُتِلُوا في هذه المعارك، فخاف عمر بن الخطاب ﵁ أن يضيع شيء من كتاب الله ، فأشار على أبي بكر بجمع القرآن كله مرتَّب الآيات والسور في كتاب جامع يرجع إليه المسلمون عند الاختلاف، فاستخار أبو بكر ﵁ ربه بعد أناة وروية، فشرح الله صدره لذلك، فأرسل إلى زيد بن ثابت يعرض عليه هذا الأمر، ويكلفه القيام به.
روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: "أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ١ بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحرَّ التقل بالقراء
стр. 117
في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ !
قال عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنك شابٌّ عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبَّع القرآن فاجمعه -فوالله لو كلَّفُوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن- قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ !
قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح به صدر أبي بكر وعمر، فتتبَّعتُ القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر".
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف بسندٍ حسن عن عبد خير قال: سمعت عليًّا يقول: "أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر, هو أول مَنْ جَمَعَ كتاب الله".
أي: أمر بجمعه في مصحف واحد مرتَّب الآيات والسور، وقد شهد الناس لزيد بن ثابت ﵁ ببلوغ الغاية في التثبُّت، فقد كان يجمع القرآن من صدور الرجال ومن صحفهم، ولا يُثْبِتُ في المصحف إلّا ما كان محفوظًا في الصدور والسطور، لا يكتفي بأحدهما دون الآخر, كما اقتضته أمانته العلمية.
وقد أمره أبو بكر ﵁ بذلك من باب التنبيه والتذكير، وهو يعلم أنه يراعي ذلك حتمًا، لخصالٍ حميدة تميَّزَ بها عن غيره، سنذكر بعضها فيما
стр. 118
أخرج ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: "قدم عمر فقال: من كان تلقَّى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شهيدان".
وأخرج ابن أبي داود أيضًا من طريق هشام بن عروة, عن أبيه, أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: "اقعدا على باب المسجد, فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فأكتباه" ورجاله ثقات مع انقطاعه.
وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرَّد وجدانه مكتوبًا حتى يشهد به من تلقَّاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظ، فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط -كما قلنا.
"قال ابن حجر: "وكأن المراد بالشاهدين: الحفظ والكتاب".
وقال السخاوي في "جمال القراء": "المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كُتِبَ بين يدي رسول الله ﷺ ، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن.
قال أبو شامة: "وكان غرضهم أن لا يُكْتَبَ إلّا من عين ما كَتَب بين يدي النبي ﷺ ، لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة: "لم أجدها مع غيره" أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة"١.
وقد عرفنا أن القرآن كان مكتوبًا من قبل في عهد النبي ﷺ ، ولكنه كان مفرَّقًا في الرقاع والأكتاف والعسب، فأمر أبو بكر بجمعه في مصحف واحد مرتَّب الآيات والسور، وأن تكون كتابته غاية في التثبُّت, مشتملة على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، فكان أبو بكر ﵁ أوَّلَ من جمع القرآن بهذه الصفة في مصحف، وإن وجدت مصاحف فردية عند بعض الصحابة، كمصحف علي، ومصحف أُبَيّ، ومصحف ابن مسعود، فإنها لم
стр. 119
تكن على هذا النحو، ولم تنلْ حظها من التحرِّي والدقة، والجمع والترتيب، والاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، والإجماع عليها، بمثل ما نال مصحف أبي بكر، فهذه الخصائص تميَّز بها جمع أبي بكر للقرآن، ويرى بعض العلماء أن تسمية القرآن بالمصحف نشأت منذ ذلك الحين في عهد أبي بكر بهذا الجمع.
فلم تكن إذًا كتابة القرآن الكريم أمرًا مستحدَثًا، فقد اتخذ النبي ﷺ كتابًا يكتبونه، وأذن لأصحابه بكتابته، فكتبوه مفرَّقًا في الجلود والرقاع وسعف النخل، وغير ذلك مما أتيح لهم الكتابة عليه.
"وقال الحارث المحاسَبي في كتاب "فهم السنن": كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرَّقًا في الرقاع والأكتاف والعسب، فإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعًا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ , فيها القرآن منتشر، فجمعها جامع, وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء، قال: فإن قيل: كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال؟
قيل: لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجز، ونظم معروف، قد شاهدوا تلاوته من النبي ﷺ عشرين سنة، فكان تزوير ما ليس منه مأمونًا، وإنما كان الخوف من ذهاب شيء من صحفه"١.
لماذا اختار الصديق زيدًا لجمع القرآن؟:
كان الصديق ﵁ أعلم الناس بعد رسول الله ﷺ بمقادير الرجال ومواهبهم، وكان من أحرص الناس بعد رسول الله ﷺ على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
وكان زيد هو أنسب الناس في نظره، ونظر أكثر أصحاب رسول الله ﷺ لجمع القرآن؛ لما امتاز به من خصال كريمة لم تتوفَّر إلّا للقليل من أقرانه.
стр. 120
وهذه الخصال كثيرة، نكتفي بذكر بعضها معتمدين في ذلك على ما جاء في ترجمته١.
١- كان زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الخزرجي البخاري الأنصاري من أحسن الناس إسلامًا، فقد أسلم في الحادية عشرة من عمره، فترعرع في أحضان الإسلام، وتأدَّب بأدبه، وشرب من معينه الصافي، وهو دون البلوغ، ولازم النبي ﷺ فأخذ الكثير والكثير من علمه ومحاسن سيرته، فكان عبدًا ربانيًّا ينقاد لأمر الله تعالى وأمر رسوله -صلوات الله وسلامه عليه.
٢- وإنه كان من كُتَّاب الوحي، بل كان على رأسهم.
فقد قال ﵁ كما روى الطبراني من طريق عبد الله بن صالح عن الليث: "كان رسول الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي، بعث إلي فكتبته".
٣- وكان من الراسخين في العلم, كما قال مسروق ﵀.
وقد روى الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله٢ أنه كان يقول في أخوات لأب وأم، وأخوة وأخوات لأب: للأخوات للأب والأم الثلثان، فما بقي فللذكور دون الإناث.
فقدم مسروق المدينة، فسمع قول زيد فيها فأعجبه، فقال له بعض أصحابه: أتترك قول عبد الله؟
فقال: أتيت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم، يعني: كان زيد يشرّك بين الباقين٣.
وعن ابن عباس قال: لقد علم الحافظون من أصحاب محمد ﷺ أن زيد بن ثابت من الراسخين في العلم٤.
стр. 121
٤- وكان ﵁ من أعلم الناس بالفرائض١.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفرض أمتي زيد بن ثابت" ٢.
أي: أكثرهم علمًا بالفرائض.
٥- وكان أقرأ الناس للقرآن، وأعلمهم بوجوهه.
روى عاصم عن الشعبي قال: غلب زيد الناس على اثنين: الفرائض والقرآن٣.
وأخرج ابن سعد في الطبقات٤, وابن عساكر في التاريخ٥, عن سليمان بن يسار قال: ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدًا في الفرائض والفتوى والقراءة والقضاء.
٦- وكان من أذكى الناس وأعقلهم -كما شهد له الصديق وغيره.
٧- وكان شابًّا يوم اختاره لجمع القرآن، والشباب قوة وعافية، وتجعل المرء قادرًا على صنع ما يعجز عنه الكثير من الشيوخ.
٨- كان ﵁ من أشد الناس تثبيتًا في أمر القرآن، وتحريًا للدقة في الحفظ والكتابة.
٩- وكان زاهدًا ورعًا تقيًّا، لا يلتفت إلى الدنيا، ولا ينظر إلى ما في أيدي الناس، ولا يخشى في الله لومة لائم.
١٠- وكان ﵁ قد تعلَّم خطَّ اليهود بأمر رسول الله ﷺ .
стр. 122
فقد روى ابن أبي الزناد, عن أبيه, عن خارجة١, عن أبيه قال: أتى بي النبي ﷺ مقدمه٩ المدينة فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أُنْزِلَ عليك سبع عشرة سورة، فقرأت على رسول الله ﷺ فأعجبه ذلك، وقال: "يا زيد، تعلَّم لي كتاب يهود؛ فإني والله ما آمنهم على كتابي".
قال: فتعلمته، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، وكنت اكتب لرسول الله ﷺ إذا كتب إليهم٢.
وتعلَّم السريانية أيضًا.
فقد روى الأعمش عن ثابت, عن عبيد, قال زيد: قال لي رسول الله: "أتحسِنُ السريانية؟ ": قلت: لا. قال: "فتعلمها" فتعلمتها في سبعة عشر يومًا٣.
١١- وكان ﵁ مِمَّن شهد العرضة الأخيرة، كما يقول الزركشي٤، وغيره.
لهذه الخصال وغيرها اختاره الصديق لجمع كتاب الله تعالى, واختاره عثمان أيضًا لكتابة المصحف مع آخرين يأتي ذكرهم فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
وظلَّ زيد في خدمة كتاب الله تعالى، حتى لقي ربه سنة خمس وأربعين من الهجرة، وله ست وخمسون سنة ﵁ وأرضاه.
стр. 123
جمعه في عهد عثمان:
استعت الفتوحات الإسلامية في عهد عثمان ﵁, وتفرَّق القراء في الأمصار وفي ميادين القتال، وأخذ أهل كل مَصْرٍ عَمَّنْ وفد إليهم قراءته.
стр. 124
ووجوه القراءة التي يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل عليها.
فكانوا إذا ضمَّهم مجمع أو موطن من مواطن الغزو، وسمع كل قراءة الآخر، عجب منها لعدم علمه بها، ووقع في نفسه شك في صحتها.
وقد كان الأمر في بادئ الأمر هينًا، لكثرة الحفَّاظ من أصحاب النبي ﷺ ، واجتماعهم في مكة والمدينة، والكوفة والشام.
فلمَّا تفرقوا في الأمصار، واختلط العجم بالعرب، خاف عثمان ومن معه من كبار الصحابة أن يفشوَ اللحن في قراءة القرآن، وأن يدخل في وجوه القراءات الصحيحة ما ليس منها، وأن يؤدي اختلاف الناس في وجوه القراءات إلى الشكِّ في صحة الصحيح منها, وتخطئة بعضهم بعضًا في القراءة، فينشأ النزاع بينهم، وتحتدم الخصومة، وتتمزَّق الأواصر بين المسلمين، وتقع الفرقة في صفوفهم، وفي ذلك من الأخطار الجسيمة ما لا يخفى.
فاستخاروا الله في جمع الناس على مصحف واحد يكون جامعًا للوجوه السبعة التي نزل عليها القرآن, دون سواها من الوجوه التي لم يثبت نقلها بسند صحيح يخلو من الشذوذ والقدح.
روى البخاري عن أنس: "أن حُذَيْفَة بن اليمان قدم على عثمان- وكان يغازي أهل الشام في فتح فرج أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق- فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدْرِك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردُّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام, فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصُّحُف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحَفٍ مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يحرق.
стр. 125
قال زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف, قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها, فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ .
فألحقناها في سورتها في المصحف".
"قال ابن حجر: وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، قال: وغفل بعض من أدركناه, فزعم أنه كان في حدود سنة ثلاثين، ولم يذكر له مستندًا، انتهى.
وأخرج ابن أشتة من طريق أيوب عن أبي قلابة، قال: حدثني رجل من بني عامر، يُقال له: أنس بن مالك، قال: اختلفوا في القراءة على عهد عثمان, حتى اقتتل الغلمان والمعلمون، فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فقال: عندي تكذّبون به وتلحنون فيه، فمن نأى عني كان أشدَّ تكذيبًا وأكثر لحنًا، يا أصحاب محمد اجتمعوا, فاكتبوا للناس إمامًا، فاجتمعوا فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا وتدارؤا في آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله ﷺ فلانًا، فيرسَلُ إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة، فقال له: كيف أقرأك رسول الله ﷺ آية كذا وكذا؟، فيقول: كذا وكذا، فيكتبونها, وقد تركوا لذلك مكانًا"١.
ولم يكن كلهم يكتبون القرآن، بل اختار عثمان منهم أربعةً عهد إليهم بكتابته نسخًا من المصحف الذي كان عند حفصة ﵂, هم: "زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام"٢.
وقيل: إنه اختار لهذا العمل اثني عشر رجلًا من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ .
قال السيوطي في الإتقان: "أخرج ابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين, عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف، جمع له اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار، فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر، فجيء
стр. 126
بها، وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارؤا في شيء أخروه، قال محمد: فظننت إنما كانوا يؤخرونه لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الأخيرة، فيكتبونه على قوله".
стр. 127
خطة عثمان في نسخ المصاحف:
وحدَّد عثمان مع هؤلاء الكُتَّاب ﵁ الأسس التي يعتمدون عليها في نسخ المصاحف، تتلخَّص فيما يأتي:
١- "لا يُكْتَب شيء إلّا بعد التحقق من أنه قرآن.
٢- لا يكتب شيء إلّا بعد العلم بأنه استقرَّ في العرضة الأخيرة.
٣- لا يكتب شيء إلّا بعد التأكُّد من أنه لم يُنْسَخ.
٤- لا يكتب شيء إلّا بعد عرضه على جمع من الصحابة.
٥- إذا اختلفوا في شيء من القرآن كتبوه بلغة قريش.
وقد اختلفوا في "التابوت والتابوه" فقال القرشيون: التابوت، وقال زيد: التابوه، فرُفِعَ الخلاف إلى عثمان، فقال اكتبوه "التابوت", فإنه نزل بلسان قريش.
٦- يحافظ على القراءات المتواترة، ولا تكتب قراءة غير متواترة.
٧- اللفظ الذي لا تختلف فيه وجوه القراءات يرسم بصورة واحدة.
٨- اللفظ الذي تختلف فيه وجوه القراءات، ويمكن رسمه في الخطِّ محتملًا لها كلها -يكتب برسم واحد، مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
فإنها تصلح أن تقرأ بالقراءة الأخرى "فتثبتوا"؛ لأن الكتابة كانت خالية من النقط والشكل، ومثلها:
﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ .
فإنها تصلح أن تقرأ بالقراءة الأخرى "ننشرها".
стр. 128
٩- اللفظ الذي تختلف فيه وجوه القراءات ولا يمكن رسمه في الخطِّ محتملًا لها, يكتب في نسخة برسم يوافق بعض الوجوه، وفي نسخة أخرى برسم يوافق الوجه الآخر.
كقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ .
فإنها تكتب في نسخة أخرى، "وأوصى" بالهمز لأنهما قراءتان.
ومثل قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَار﴾ .
فإنها تكتب في نسخة أخرى "تجري من تحتها الأنهار" بزيادة "من" لأنهما قراءتان.
وتحاشَوْا أن يكتبوا الرسمين في مصحف واحد، أحدهما في الأصل، والآخر في الحاشية, لئلَّا يتوهم أن الثاني تصحيح للأول، أو أن الأول أصل، والثاني فرع محتمل، فتضعف قراءة أحد اللفظين عن الآخر بدون مرجع"١.
وعلى هذه الأسس القيمة نَسَخَ زيدٌ ومن معه القرآن من المصحف الذي كان عند حفصة ﵂ نسخًا دقيقًا, بلغ الغاية في التحري والضبط، ورعاية الوجوه الصحيحة التي صحَّ سندها عن رسول الله ﷺ .
وكان هذا النسخ موضع الرضا من أصحاب النبي ﷺ ، قرَّت به أعينهم، وطابت به نفوسهم؛ إذا آمنوا بذلك على كتاب ربهم ووحدة أمتهم.
وهو لعمري من أجلِّ الأعمال التي قام بها عثمان ﵁، وإنه لا يقلّ قدرًا عن الفتوحات الإسلامية التي حدثت في عهده؛ فحماية كتاب الله تعالى وصيانته من التحريف والتبديل لا تنزل بحال عن حماية الأعراض والحرمات ونشر الإسلام هنا وهناك.
стр. 129
فالقرآن دستور الإسلام وصراطه المستقيم ومنهجه القويم، قد تكفَّل الله بحفظه، فقيَّضَ له فريقًا كبيرًا من خيار الخلق، فأودعه صدورهم، فحملوه إلينا، فأخذنا منهم كما أنزل بالتلقي مشافهة وكتابة، من غير أدنى لبس أو تحريف، بكل الوجوه التي تَلَقَّوْهَا من فم النبي ﷺ .
стр. 130
عدد ما نُسِخَ من المصاحف:
قد اختلف الرواة في عدد المصاحف التي نسخها زيد ومن معه في عهد عثمان.
أ- فقيل: كان عددها سبعة، أُرْسِلَت إلى: مكة، والشام، والبصرة، والكوفة، واليمن، والبحرين، والمدينة.
ب- وقيل: كان عددها أربعة: العراقي، والشامي، والمصري، والمصحف الإمام، أو: الكوفي، والبصري، والشامي، والمصحف الإمام.
ج- وقيل: كان عددها خمسة، وذهب السيوطي في الإتقان١ إلى أن هذا هو المشهور.
د- وذكر ابن الجزري أنها ثمانية: مصحفٌ أُرْسِلَ به إلى البصرة، ومصحف إلى الكوفة، ومصحف إلى الشام، ومصحف تركه في المدينة، ومصحف خصَّ به نفسه، وهو الذي يُسَمَّى بالمصحف الإمام، ومصحف إلى مكة، ومصحف إلى اليمن، ومصحف إلى البحرين٢.
ويبدو أنها كانت كثيرة، أُرْسِلَت إلى جميع الأقطار الإسلامية, ونسخ الناس منها نسخًا أودعوها مساجدهم وبيوتهم حتى بلغت آلافًا مؤلفة.
"والمصاحف التي كتبها عثمان لا يكاد يُوجَدُ منها مصحف واحد اليوم، والذي يروى عن ابن كثير في كتابه "فضائل القرآن" أنه رأى واحدًا منها بجامع دمشق بالشام، في رقٍّ يظنه من جلود الإبل، ويروى أن هذا المصحف الشامي نُقِلَ إلى إنجلترا بعد أن ظلَّ في حوزة قياصرة الروس في دار الكتب في لينينجراد فترة، وقيل: إنه احترق في مسجد دمشق سنة ١٣١٠ هجرية"٣.
стр. 131
مصير مصحف حفصة:
ولما نسخ عثمان ﵁ المصاحف، وحرق ما سواها، ردَّ إلى حفصة المصحف الذي أخذه منها, وظل عندها حتى ماتت، وقد ردَّه إليها ولم يحرقه كما حرق غيره وفاءً بعهده لها، وعملًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ .
وقد علم أن وجوده عندها لا ينشأ عنه ما يخشى على القرآن منه؛ لأنها لا تسمح بتداوله بين المسلمين، ولولا مصلحة المسلمين في جمع الناس على مصحف واحد ما أرسلت به إلى عثمان، ثم إن حفظ هذا المصحف كتراثٍ تاريخي أمرٌ مهم.
لهذه الأسباب مجتمعة رَدَّ عثمان إليها المصحف.
"فلما كان مروان أميرًا للمدينة من جهة معاوية, أرسل إلى حفصة يطلب الصحف، فأبت أن ترسلها له، فأخذ يسألها وتأبى حتى توفيت".
قال سالم بن عبد الله بن عمر: فلما توفيت حفصة, ورجعنا من دفنها, أرسل مروان بالعزيمة١ إلى عبد الله بن عمر ليرسلنَّ إليه الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فغسِلَت غسلًا، ثم شُقِّقَت، ثم أحرقت، ثم قال: إنما فعلت هذا لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب"٢.
стр. 132
العجم بالعرب، والخوف على القرآن من أن يدخل فيه من وجوه القراءات ما لا يثبت سندها عن النبي ﷺ .
ب- كان جمع الصديق نقلًا مما تفرَّق في الرقاع، والأكتاف, والعسب، في مصحف واحد مرتَّب الآيات والسور, مقتصرًا على ما لم تُنْسَخ تلاوته، مشتملًا على الأحرف السبعة التي نزل بها.
وجَمْعُ عثمان كان نَسْخًا لهذا المصحف الذي جمعه الصديق في عِدَّةِ مصاحف تحمل الأحرف التي أنزل عليها القرآن, وإحراق ما عداها؛ حملًا للناس على القراءة بما في هذه المصاحف التي نُسِخَت، وأُرْسِلَت إلى الأمصار، وقطعًا لدابر الخلاف الذي اشتدَّ واحتدم بين القراء الذين بَعُدَتْ بهم الشُّقَّةُ عن حملة القرآن من كبار الصحابة المشهود لهم بالتثبُّت والتحرِّي للأحرف التي أُنْزِلَ عليها القرآن.
وفي نظري أن الجمع الثالث كان توكيدًا للثاني، فلم يكن في المصحف الذي جمعه الصديق خلل، أو نقص، أو وجه غير صحيح من وجوه القراءات، وإنما كان تامًّا مرتَّب الآيات والسور، صحيحًا كله بحمد الله تعالى.
لهذا طلبه عثمان دون سواه من المصاحف التي كانت بأيدي الصحابة، ليجعله عمدةً في النسخ، وأصلًا يُرْجَع إليه عند الاختلاف.
إلّا أن هذا الجمع الثالث كان عزيمةً من أمير المؤمنين عثمان, لا ينبغي على المسلم أن يقرأ القرآن بأي وجه ليس في مصحفه، بخلاف الجمع الثاني، فإنه لم يحمل أحدًا على أن يقرأ بحرفٍ لم يثبت فيه، فكان لبعض الصحابة مصاحف خاصَّة يقرأون منها، وفيها بعض الوجوه التي لم يثبت تواترها فيما بعد، لكن هذه المصاحف حُرِقَت بأمر عثمان، وبمشورة المسلمين لئلَّا يكون للناس حُجَّة في القراءة بما فيها مما يخالف المصاحف التي نسخها زيد ومن معه، وأُرْسِلَت إلى الأمصار.
وهذا فرق يجب الالتفات إليه، والعناية بذكره في هذا المقام.
واختلاف الباعث أيضًا بين الجمعين له وجه من وجوه الاتفاق لا ينبغي
стр. 133
إغفاله، فكلٌّ من الصديق وعثمان ﵄ كان يخشى على القرآن من ضياعه أو ضياع شيء منه، إلّا أن الصديق كان يرى هذا الضياع من خلال اشتداد قتل القراء، وعثمان كان يرى ضياعه أو ضياع شيء منه بسبب آخر, هو انتشار الوجوه التي لم يثبُت تواترها، وفَشْو اللحن على ألسنة الصبيان وغيرهم، بسبب اختلاط العرب بالأعاجم.
فجزاهم الله عن القرآن وأهل القرآن خير الجزاء.
стр. 134
حكم تحريق المصاحف:
ونختم هذا المبحث ببيان حكم تحريق أوراق المصحف, والأوراق التي فيها اسم الله تعالى، فنقول:
يجوز التخلُّص من أوارق المصحف البالية، والأوراق التي فيها اسم الله تعالى بإحراقها.
فقد حرق عثمان ﵁ المصاحف بعد أن نسخ منها ما أَجْمَعَ المسلمون على صحة القراءة به، وكان ذلك بمرأى ومسمع من الصحابة -رضوان الله عليهم، لم ينكر عليه أحد منهم، إلّا من أراد أن يشهِّرَ بعثمان ويحطَّ من شأنه، وهو الرفيع الشأن عند الله، وعند رسوله ﷺ ، وعند صالحي المؤمنين أجمعين.
روى أبو بكر الأنباري عن سويد بن غفلة قال: "سمعت عليّ بن أبي طالب -كرَّم الله وجهه- يقول: يا معشر الناس، اتقوا الله وإياكم والغُلُوِّ في عثمان، وقولكم: حرَّاق مصاحف، فوالله ما حرقها إلّا عن ملأ منا أصحاب رسول الله ﷺ ".
وعن عمر بن سعيد قال: قال علي بن أبي طالب ﵁:
"لو كنت الوالي وقت عثمان، لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان"١.
стр. 135
قال ابن بطَّال: في حديث البخاري جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار، وأن ذلك إكرام لها وصَوْن عن وطئها بالأقدام، وكرَّهه بعضهم.
وقال الحافظ ابن حجر: هذا الحكم هو الذي وقع في ذلك الوقت، وأما الآن فالغسل أولى لما دعت الحاجة إلى إزالته.
قال الأستاذ موسى لاشين بعد أن نقل كلام ابن بطَّال وابن حجر: "والذي تستريح إليه النفس أن الحكم يتبع القصد والنية، فما دام القصد صيانته من الامتهان, جاز التخلُّص منه بأية وسيلة، الحرق، والخرق، أو الحك، أو الغسل، أو الإلقاء في بحر، أو إرساله إلى مصانع الورق لتصنيعه من جديد، إلى غير ذلك من الوسائل، وكلُّ ما يلزم أن تكون الوسيلة كريمة، فلا يلقى في مزبلة، أو في مكان قضاء الحاجة مثلًا، أما إذا كان القصد الإهانة، فإن التخلُّص منه حرام, ولو بطريقة كريمة"١.
أقول: لا يجوز أن يُجْمَعَ الورق الذي فيه القرآن إلى مصانع الورق ليعاد تصنيعه من جديد, كما يقول الأستاذ موسى لاشين؛ لأنه حتمًا سيخلط بغيره من الأوراق البالية، وكثيرًا ما تكون فيها أوراق نجسة، وكثيرًا ما تسقط من أوراق القرآن على الأرض أثناء الحمل والنقل والتصنيع.
وإن بعض العلماء قد كَرَّه غسلها بالماء, حتى لا تنزل الغسالة على الأرض فتطؤها الأقدام, كما ذكر السيوطي في الإتقان٢.
والذي عليه الأكثر جواز التخلُّص من أوراق المصحف البالية, وما في حكمها من الأوراق التي فيها التفسير والحديث والفقه، بإحراقها أو بإلقائها في البحر، أو بمحوها بماء أو خل، ونحو ذلك مما يزيل أثر الكتابة تمامًا، مع إلقاء الغسالة في مكان طاهر لا تطؤه الأقدام, مثل الحياض التي أُعِدَّت للوضوء أو غسل الأواني، ونحو ذلك.
стр. 136
المبحث السادس عشر: رسم المصحف
مدخل
...
المبحث السادس عشر: رسم المصحف
نعني برسم المصحف الخطَّ الذي كُتِبَ به في عهد عثمان ﵁، وهو خطٌّ متميز يختلف بعض الشيء عن القواعد الإملائية التي وضعها علماء اللغة بعد كتابة هذه المصاحف العثمانية بحقبةٍ من الزمن.
"وهذا الرسم العثماني يضع أمامنا نموذجًا صادقًا لما كانت عليه الكتابة العربية في النصف الأول من القرن الهجري الأول، حين كان الناس في تلك الأيام لا يحسُّون بفرقٍ بين كتابتهم وما يجدونه في المصحف، وكان أكثر الصحابة ومن وافقهم من التابعين، وأتباعهم, يوافقون الرسم المصحفي في كل ما يكتبونه, ولو لم يكن قرآنًا ولا حديثًا، واستمرَّ الأمر على ذلك إلى أن ظهر علماء البصرة والكوفة، وأسَّسُوا لهذا الفن ضوابط وروابط بنَوْهَا على أقيستهم النحوية وأصولهم الصرفية، وسمَّوْهَا علم الخط القياسي أو الاصطلاحي المختَرَع، وسموا رسم المصحف بالخطِّ المتَّبَع.
والموقف الحق والمنهج الصواب في فهم حقيقة العلاقة بين الرسم المصحفي والإملاء العربي, هو أن الكتابة العربية أتى عليها حين من الدهر كانت تكتب بالصورة التي نجدها في الرسم العثماني، تشهد لذلك النقوش التي ترجع إلى القرن الهجري الأول، ولكن اتِّساع استخدام الكتابة العربية في القرون الهجرية الأولى قد أظهر الحاجة بوضوح إلى قواعد للكتابة أكثر تحديدًا وضبطًا، فاتجه الناس منذ القرن الأول إلى تكميل ما يبدو في الكتابة العربية من نقص، وإلى توحيد ما فيها من تعدد القواعد، وأسهم علماء العربية في هذه الحركة، وألْفَوْا مع مرور السنين رسائل وكتبًا في هذا الموضع، لكن هذه الحركة التكميلية والتقعيدية للكتابة العربية لم تبتعد بها عمَّا هي عليه في رسم المصاحف الأئمة"١.
стр. 137
العلاقة بين الخط الإملائي والمصحفي:
عرفت مما سبق أن البَوْنَ ليس واسعًا بين الخط الإملائي والرسم المصحفي، وأن كُتَّاب المصاحف قد كتبوها على ما عرفوه من قواعد الخط، وكان شائعًا في كتبهم.
وأن الرسم المصحفي كان ولا يزال هو الأساس للقواعد الإملائية التي استُحْدِثَت بعده، والتي دعت الضرورة لوضعها.
ونبيِّنُ هنا بإيجاز شديد بعض الفروق بين الخطَّيْن، فنقول: الهجاء في المصحف يكاد النطق مطابقة تامة، كما هو الشأن في الهجاء المعروف لدينا الآن، لولا ما يبدو أحيانًا من حذف رموز بعض الحركات الطويلة "الألف والواو والياء" في مثل: "العلمين - يَلْونَ - النبين - أيُّهَ - يَدْعُ - يأت"، وزيادة بعض تلك الرموز في الكلمات المهموزة خاصَّة في مثل: "بأييد - أولئك - مائة - نبإى - لقاءي - لا أذبحنه".
ومثل زيادة الألف بعد الواو المتطرفة في نحو "ملاقوا - يعفوا".
وما يبدو من كتابة بعض الأصوات بغير رموزها التي خُصِّصَت لها، من مثل: كتابة الفتحة الطويلة واو أو ياء في مثل: "الصلوة - الزكوة - رمى - يسعى - الذكرى"، وما يشبه هذه الحالات التي تظهر مخالفة جزئية للنطق، غير ذلك مما ذكره أهل هذا الشأن في كتبهم.
стр. 138
عناية العلماء بالرسم العثماني وأشهر المؤلفات فيه:
وقد بلَغَت عناية العلماء بالقرآن الكريم أنهم درسوا الخط الذي كُتِبَ به، والذي لا تجوز مخالفته.
فقد قدَّموا لنا وصفًا كاملًا عن كل حرفٍ كُتِبَ به أثناء جمعه في مصحف واحد، وما طرأ على هذا النسخ من نقط وشكل، وغير ذلك من علامات تُعِينُ على قراءته وتجويده.
فما إن كتبت المصاحف بالمدينة، وأُرسِلَ بعضها إلى الأمصار, حتى سارع المسلمون إلى نسخ مصاحف منها كلمة بكلمة، وحرفًا بحرف.
стр. 139
وانبرى فريق كبير من العلماء إلى ضبط هذه المصاحف وإقامتها على نحو ما جاء في المصحف الإمام الذي وجِّهَ إليهم، وهكذا قامت المصاحف المنسوخة من الأمهات مقام الأصول؛ لأنها نسخة منقوله عنها.
فروى الأئمة عن المصاحف العثمانية -أصولًا وفروعًا- طريقة رسم الكلمات.
وما أن وصلت تلك الرواية إلى عصر انتشار تدوين العلوم حتى سارع العلماء -في وقت مبكر- إلى تسجيل تلك الروايات في كتبٍ كانت أساسًا لحفظ صور الكلمات في المصاحف، ومرجعًا -إلى جانب المصاحف المنسوخة- لمن أراد أن ينسخ مصحفًا.
وقد ظهر في كل مَصْرٍ من الأمصار إمامٌ روى ما ورد في مصحف بلده، إذ إن أئمة القراءة كانوا يروون كيفية رسم الكلمات إلى جانب روايتهم للقراءة، وتوفَّرت روايات رسوم مصاحف الأمصار لدى العلماء في وقت مبكر فظهرت لهم مؤلفات سجلت لهم في تراجمهم، ثم تتابع الغيث من بعدهم، فظهرت مؤلفات كثيرة في هذا الفن، نذكر منها على سبيل المثال:
١- كتاب "اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق".
٢- "مقطوع القرآن وموصوله" كلها لإمام الشام عبد الله بن عامر اليحصبي, ت١١٨هـ, ذكرهما ابن النديم في الفهرست١.
٣- "اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة" للكسائي, "ت ١٨٩هـ", ذكره ابن النديم أيضًا في الفهرست٢.
٤، ٥- كتاب "المحرر", وكتاب "علم المصاحف", كلاهما لأبي بكر محمد بن عبد الله بن أشتة الأصفهاني "ت بمصر ٣٦٠هـ"، وهو كتاب ينقل عنه السيوطي وغيره كثيرًا.
٦- "هجاء المصاحف" لمكي بن أبي طالب القيس الأندلسي "ت٤٣٧ هـ", ذكره ياقوت٣ وغيره.
стр. 140
٧- "المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار" لأبي عمرو عثمان بن سعد الأموي الداني، المعروف في زمانه بابن الصيرفي "ت٤٤٤هـ".
٨- كتاب "المحكم" في نقط المصاحف له أيضًا.
٩- القصيدة الرائية, للإمام القاسم بن فيره بن خلف الشاطبي "ت في القاهرة ٥٩٠هـ"، المسماة "عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد", التي نظم فيها مسائل المقنع لأبي عمرو الداني، وزاد عليه أحرفًا يسيرة جملتها ست كلمات.
وقد أهتم العلماء بهذه القصيدة وكتبوا عليها شروحًا كثيرة، ونظم كثير منهم على منوالها قصائد زادوا فيها عليها.
١٠- ومن الكتب المؤَلَّفة في هذا الفن كتاب "عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل" لأبي العباس أحمد بن محمد بن عثمان المراكشي, الشهير بابن البناء "ت ٧٢١هـ", ألفه في توجيه ما خالف قواعد الخط من رسم المصحف، ومنهجه أقرب إلى منهج الصوفية الباطنية, كما سيظهر لنا عند الكلام عن موقف السلف من تفسير ظواهر الرسم.
وقد ألفت في هذا الفن رسائل علمية جامعية، منها:
١- رسالة عن "رسم المصحف ونقطه" تقدَّمَ بها إلى كلية أصول الدين جامعة الأزهر, عبد الحي حسين الفرماوي لنيل درجة العالمية "الدكتوراه", سنة "١٩٧٥م", ناقش فيها الحكم الشرعي في التزام الرسم العثماني في طبع المصاحف ونسخها، وتعرَّض لدراسة ظواهر الرسم العثماني في المبحث الثالث في الفصل الثالث، ولم يخرج في مناقشته للموضوع عَمَّا روي عن أبي العباس المراكشي في تفسير ظواهر الرسم من تعليلات.
٢- وخير كتاب أُلِّفَ في هذا الفن في العصر الحديث كتاب "رسم المصحف - دراسة لغوية تاريخية" للأستاذ: غانم قدوري الحمد, المدرس في كلية الشريعة بجامعة بغداد.
стр. 141
وهو في الأصل رسالة علمية أُعِدَّتْ في قسم علم اللغة بكلية دار العلوم، بجامعة القاهرة، وقد نال كاتبها درجة الماجستير بتقدير "ممتاز", وأوصت اللجنة بطبعها وتبادلها مع الجامعات.
وطبعته اللجنة الوطنية بالجمهورية العراقية سنة "١٤٠٢هـ-١٩٨٢م".
وهو وافٍ في موضوعه، سهلٌ في أسلوبه، جامعٌ لما تفرَّق من مسائل هذا العلم، في ترتيب بديع.
تناول فيه مؤلفه المنهج اللغوي والتاريخي لرسم المصحف في ستة فصول.
تكلَّمَ في الفصل الأول -وقد جعله فصلًا تمهيديًّا- عن تاريخ الكتابة العربية، وخصائصها قبل مرحلة الرسم العثماني، إلى جانب بيان الأسس التي تقوم عليها الكتابة.
وتحدَّث في الفصل الثاني عن تاريخ كتابة القرآن الكريم في حياة النبي ﷺ ، وجمعه في خلافة الصديق ﵁، ونسخه في المصاحف في خلافة عثمان ﵁، مع بيان بعض القضايا المتعلقة بذلك.
ودرس في الفصل الثالث مصادر الظواهر الهجائية في الرسم العثماني، وبيان موقف علماء السلف من قضيتين.
الأولى: موقفهم من التزام الرسم العثماني في كتابة المصحف.
والثانية: موقفهم من تفسير الظواهر الهجائية التي تظهر في الرسم العثماني.
ودرس في الفصل الرابع الرسمَ العثماني من كافَّةِ جوانبه دراسة لغوية تحليلية، تتناول دراسة الكتابة على مستوى الرمز الواحد، وعلى مستوى الكلمة.
وبيَّنَ في الفصل الخامس جهود علماء الرسم والعربية في تكميل الرسم العثماني بواسطة العلامات الخارجية خلال العديد من المحاولات, حتى استوى على ما نجده اليوم في المصاحف, وما نستعمله في الكتابة.
стр. 142
وجعل الفصل السادس في بيان العلاقة بين الأداء والرسم، ووضَّح كيف صارت موافقة الرسم أحد شروط القراءة الصحيحة، وبيَّنَ الإمكانيات الجائزة لمخالفة ألفاظ التلاوة الثابتة النقل للرسم، مما يرجع إلى طبيعة الكتابة نفسها، وقصورها في إمكانية تمثيل النطق تمثيلًا دقيقًا، وممَّا يرجع إلى طبيعة الرسم العثماني نفسه.
وختم البحث ببيان العلاقة بين الرسم المصحفي والرسم الإملائي الذي كتب به الناس في غير المصاحف منذ القرن الأول الهجري، ولا نزال نكتب به إلى اليوم.
واعتمد الباحث في بحثه على التحليل والتعليل، مناقشًا كل ذي رأي في رأيه بقدر ما أتيح له من علم ومعرفة، ورجع في دراسته هذه إلى كثير من المصادر المطبوعة والمخطوطة، عربية وأجنبية.
стр. 143
المصحف العثماني والأحرف السبعة:
اختلف العلماء حول اشتمال المصحف العثماني في رسمه على الأحرف السبعة التي وردت في الأحاديث الصحيحة، وعدم اشتماله عليها، على ثلاثة مذاهب:
١- "فقد ذهبت جماعات من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وبنت ذلك على أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الحروف السبعة التي نزل بها القرآن"١.
٢- "وذهبت جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين -كما يقول ابن الجزري- إلى أن هذه المصاحف مشتمِلَة على ما يحتمله رسمها من الأحرف فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل، متضمنة لها, لم تترك حرفًا منها"٢.
стр. 144
٣- ومن العلماء من ذهب إلى أن المصاحف العثمانية لا تشتمل إلّا على حرف واحد.
منهم ابن جرير الطبري، فقد نصَّ على أن المصحف العثماني قد كُتِبَ على حرف واحد، فقال فيما قال: "فلا قراءة للمسلمين اليوم إلّا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية".
الصواب عندي -والله أعلم- أن كُتَّاب المصاحف قد راعوا في كتابتهم أن تكون المصاحف مشتملة على الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها بقدر الإمكان، وذلك في جملتها لا في كل واحد منها.
قال الزرقاني في فوائد الرسم العثماني:
"الفائدة الأولى: الدلالة في القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة بقدر الإمكان، وذلك أن قاعدة الرسم لُوحِظ فيها أن الكلمة إذا كان فيها قراءتان أو أكثر كتبت بصورة تحتمل هاتين القراءتين أو الأكثر، فإن كان الحرف الواحد لا يحتمل ذلك, بأن كانت صورة الحرف تختلف باختلاف القراءات, جاء الرسم على الحرف الذي هو خلاف الأصل, وذلك ليُعْلَم جواز القراءة به وبالحرف الذي هو الأصل، وإذا لم يكن في الكلمة إلّا قراءة واحدة بحرف الأصل رُسِمَت به"١.
ولا يعني هذا أن الرسم يشتمل على كل قراءة صحيحة، وردت عن النبي ﷺ ، ولكن الأمر في ذلك أكثري.
стр. 145
موقف السلف من كتابة المصاحف بغير الرسم العثماني:
ذهب علماء السلف الصالح إلى وجوب كتابة المصاحف بالخط الذي كتبت به في عهد عثمان ﵁ وعن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين.
يروي الداني أن مالكًا ﵁ قيل له: "أرأيت من استكتب مصحفًا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم, فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى"١.