← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 10002

دراسات في علوم القرآن - محمد بكر إسماعيل

محمد بكر إسماعيل

Полный текст (465 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهو في الأصل رسالة علمية أُعِدَّتْ في قسم علم اللغة بكلية دار العلوم، بجامعة القاهرة، وقد نال كاتبها درجة الماجستير بتقدير "ممتاز", وأوصت اللجنة بطبعها وتبادلها مع الجامعات. وطبعته اللجنة الوطنية بالجمهورية العراقية سنة "١٤٠٢هـ-١٩٨٢م". وهو وافٍ في موضوعه، سهلٌ في أسلوبه، جامعٌ لما تفرَّق من مسائل هذا العلم، في ترتيب بديع. تناول فيه مؤلفه المنهج اللغوي والتاريخي لرسم المصحف في ستة فصول. تكلَّمَ في الفصل الأول -وقد جعله فصلًا تمهيديًّا- عن تاريخ الكتابة العربية، وخصائصها قبل مرحلة الرسم العثماني، إلى جانب بيان الأسس التي تقوم عليها الكتابة. وتحدَّث في الفصل الثاني عن تاريخ كتابة القرآن الكريم في حياة النبي ﷺ ، وجمعه في خلافة الصديق ﵁، ونسخه في المصاحف في خلافة عثمان ﵁، مع بيان بعض القضايا المتعلقة بذلك. ودرس في الفصل الثالث مصادر الظواهر الهجائية في الرسم العثماني، وبيان موقف علماء السلف من قضيتين. الأولى: موقفهم من التزام الرسم العثماني في كتابة المصحف. والثانية: موقفهم من تفسير الظواهر الهجائية التي تظهر في الرسم العثماني. ودرس في الفصل الرابع الرسمَ العثماني من كافَّةِ جوانبه دراسة لغوية تحليلية، تتناول دراسة الكتابة على مستوى الرمز الواحد، وعلى مستوى الكلمة. وبيَّنَ في الفصل الخامس جهود علماء الرسم والعربية في تكميل الرسم العثماني بواسطة العلامات الخارجية خلال العديد من المحاولات, حتى استوى على ما نجده اليوم في المصاحف, وما نستعمله في الكتابة.

стр. 142

وجعل الفصل السادس في بيان العلاقة بين الأداء والرسم، ووضَّح كيف صارت موافقة الرسم أحد شروط القراءة الصحيحة، وبيَّنَ الإمكانيات الجائزة لمخالفة ألفاظ التلاوة الثابتة النقل للرسم، مما يرجع إلى طبيعة الكتابة نفسها، وقصورها في إمكانية تمثيل النطق تمثيلًا دقيقًا، وممَّا يرجع إلى طبيعة الرسم العثماني نفسه. وختم البحث ببيان العلاقة بين الرسم المصحفي والرسم الإملائي الذي كتب به الناس في غير المصاحف منذ القرن الأول الهجري، ولا نزال نكتب به إلى اليوم. واعتمد الباحث في بحثه على التحليل والتعليل، مناقشًا كل ذي رأي في رأيه بقدر ما أتيح له من علم ومعرفة، ورجع في دراسته هذه إلى كثير من المصادر المطبوعة والمخطوطة، عربية وأجنبية.

стр. 143

المصحف العثماني والأحرف السبعة: اختلف العلماء حول اشتمال المصحف العثماني في رسمه على الأحرف السبعة التي وردت في الأحاديث الصحيحة، وعدم اشتماله عليها، على ثلاثة مذاهب: ١- "فقد ذهبت جماعات من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وبنت ذلك على أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الحروف السبعة التي نزل بها القرآن"١. ٢- "وذهبت جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين -كما يقول ابن الجزري- إلى أن هذه المصاحف مشتمِلَة على ما يحتمله رسمها من الأحرف فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل، متضمنة لها, لم تترك حرفًا منها"٢.

стр. 144

٣- ومن العلماء من ذهب إلى أن المصاحف العثمانية لا تشتمل إلّا على حرف واحد. منهم ابن جرير الطبري، فقد نصَّ على أن المصحف العثماني قد كُتِبَ على حرف واحد، فقال فيما قال: "فلا قراءة للمسلمين اليوم إلّا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية". الصواب عندي -والله أعلم- أن كُتَّاب المصاحف قد راعوا في كتابتهم أن تكون المصاحف مشتملة على الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها بقدر الإمكان، وذلك في جملتها لا في كل واحد منها. قال الزرقاني في فوائد الرسم العثماني: "الفائدة الأولى: الدلالة في القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة بقدر الإمكان، وذلك أن قاعدة الرسم لُوحِظ فيها أن الكلمة إذا كان فيها قراءتان أو أكثر كتبت بصورة تحتمل هاتين القراءتين أو الأكثر، فإن كان الحرف الواحد لا يحتمل ذلك, بأن كانت صورة الحرف تختلف باختلاف القراءات, جاء الرسم على الحرف الذي هو خلاف الأصل, وذلك ليُعْلَم جواز القراءة به وبالحرف الذي هو الأصل، وإذا لم يكن في الكلمة إلّا قراءة واحدة بحرف الأصل رُسِمَت به"١. ولا يعني هذا أن الرسم يشتمل على كل قراءة صحيحة، وردت عن النبي ﷺ ، ولكن الأمر في ذلك أكثري.

стр. 145

موقف السلف من كتابة المصاحف بغير الرسم العثماني: ذهب علماء السلف الصالح إلى وجوب كتابة المصاحف بالخط الذي كتبت به في عهد عثمان ﵁ وعن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين. يروي الداني أن مالكًا ﵁ قيل له: "أرأيت من استكتب مصحفًا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم, فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى"١.

стр. 146

وقد أجمع العلماء على مثل ما ذهب إليه الإمام مالك، فقد قال الداني بعد أن روى رأي مالك السابق: "ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمة". وقال الإمام أحمد بن حنبل: تحرم مخالفة مصحف الإمام في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك١. وقد ذكر أحمد بن المبارك في الإبريز٢ أن هذا هو مذهب الأئمة الأربعة، ونقل ذلك عن الجعبري من العقيلة. قال البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين في شعب الإيمان: من كتب مصحفًا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به هذه المصاحف، ولا يخالفهم فيه، ولا يغيِّر مما كتبوا شيئًا، فإنهم كانوا أكثر علمًا، وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منَّا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم٣. ثم إن هذا الرسم سُنَّةٌ من سنن الخلفاء الراشدين المهديين الذين أوصى النبي ﷺ بأتباعها، بقوله: "عليكم بسنتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين, عُضُّوا عليها بالنواجذ" ٤. ومضى التابعون على ما نهج عليه السلف الصالح في كتابة المصاحف من غير تبديل لكلمة أو تغيير لحرف، فوجب علينا أن ننهج نهجهم في كتابة المصاحف أسوة بهم، وتمسُّكًا بهذا الرسم كتراثٍ ديني لا ينبغي أن يندثر. هذا، وقد ذهب أبو بكر الباقلاني في "الانتصار" إلى جواز كتابة المصاحف بالخط الهجائي، لعدم وجود ما يدل على وجوب كتابته بالرسم العثماني من كتاب أو سُنَّة، فقال ﵀ بعد كلام طويل: "وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وخطه لا يجوز إلّا على وجه مخصوص، وحدٍّ محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نصِّ السنة ما يوجب ذلك

стр. 147

ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك ولا دلَّت عليه القياسات الشرعية، بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل؛ لأن رسول الله ﷺ كان يأمرهم برسمه، ولم يبيِّن لهم وجهًا معينًا، ولا نهى أحدًا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مطابقة مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال. ولأجل هذا بعينه جاز أن يُكْتَب بالحروف الكوفية، والخط الأول.... وساغ أن يكتب الكاتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتبه بالهجاء والخطوط المحدثة، وجاز أن يُكْتَب بين ذلك، وإذا كانت خطوط المصاحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصور، وأن الناس قد أجازوا ذلك كله، وأجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى من غير تأثيم ولا تناكر - عُلِمَ أنه لم يُؤْخَذ في ذلك على الناس حدٌّ محدود مخصوص كما أُخِذَ عليهم في القراءة والأذان، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز، فكل رسم دالٍّ على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحته، وتصويب الكاتب به على أي صورة كان. وبالجملة, فكل من ادَّعى أنه يجب على الناس رسمٌ مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه وأنَّى له بذلك" أ. هـ. وذهب العز بن عبد السلام إلى ما ذهب إليه القاضي, فأفتى بجواز كتابة المصاحف بالمألوف من الهجاء عند الناس، بل هو يوجب ذلك خشية وقوع التغيير في القرآن من قِبَلِ الجهَّال. فقد أورد الزركشي في البرهان١ مذهبه هذا حيث يقول: "قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: "لا تجوز كتابة المصحف -الآن- على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة، لئلَّا يوقع في تغيير الجهال".

стр. 148

والأصح -كما قلنا من قبل- ما أفتى به الأئمة الأربعة وغيرهم من السلف الصالح -رضوان الله عليهم، للأسباب التي ذكرناها، وإن كان لقول الباقلَّاني والعز بن عبد السلام وجاهته من حيث إن المصلحة العامة تقتضيه في العصور التي انتشر فيها الجهل، ولكن الأولى أن نتمسَّك بما تمسَّك به السلف الصالح؛ لأنهم أعلم منَّا بمصالح العباد وسنن الاتباع. وإن رسم المصحف على هذا النحو الذي كان عليه في عهد عثمان ﵁ يمثِّلُ لونًا من ألوان التراث الديني، ويُعْتَبَرُ برهانًا صادقًا على مدى عناية المسلمين بكِتَاب ربهم نطقًا وكتابة. وهو ظاهرة يتميز بها المصحف من غيره، فيجب أن تبقى كما هي. ومن يدري لعل في هذا الرسم أسرارًا خفيت علينا, ربما يظهر لنا شيء منها بالدراسة والتمحيص. ومحو هذه الظاهرة تضييع لهذه الأسرار، ومحو لهذه الآثار التي توارثها الأجيال جيلًا بعد جيل.

стр. 149

موقف السلف من تفسير ظواهر الرسم مدخل ... موقف السلف من تفسير ظواهر الرسم: الرسم العثماني للمصحف يختلف عن الخط الإملائي في بعض ظواهره لا في جميعها كما هو معلوم. فقواعد الإملاء رسم قياس، يأتي الحرف فيه موافقًا للفظه، بخلاف الرسم المصحفي, فإنه لا يطَّرِدُ هجاؤه على وفق القواعد التي وضعها الكُتَّاب بعده بزمن غير بعيد، ولا يُقَاس عليه غيره. وقد ظلت تلك الظواهر الكتابية التي لم تخضع لقواعد الهجاء المستحدثة في جميع أحوالها محل نقاش، ومثار تساؤل، فاختلفت وجهات نظر العلماء في تفسيرها، وتناقضت مواقفهم -أحيانًا- منها، حتى إن بعض العلماء حمل تلك الظواهر على خطأ الكاتب في الكتابة، وذهب آخرون إلى أنها توقيف، وأنها تخفي من الأسرار الباطنة ما لا يُدْرَك إلّا بالفتح الرباني.

стр. 150

وقد أوقعهم -جميعًا- في ذلك إهمالهم للبعد التاريخي للكتابة، واعتقادهم -جميعًا- أن الأصل في الكتابة موافقة الخط للفظ، فقالوا: إن الصحابة -رضوان الله عليهم- خرجوا على ذلك الأصل حين كتبوا المصحف, وهم في الحقيقة إنما استخدموا الهجاء المستعمَلَ في زمانهم، الذي يعود بقواعده وبما يحمل من ظواهره كتابية وردت في رسم المصحف إلى فترات أقدم من تاريخ نسخ المصاحف. ونستطيع أن نلخص هذه الاتجاهات فيما يأتي:

стр. 151

١- تعليل بعض ظواهر الرسم بعلل لغوية أو نحوية: مثل: تعليل رسم الألف ياء للإمالة، ورسم الهمزة بأحد حروف العلة الثلاثة للتسهيل، أو زيادة تلك الحروف في بعض الأحيان للفرق، أو حذفها للتخفيف. ومثل تعليل وصل بعض الكلمات للإدغام، أو كتابة تاء التأنيث في بعض الأسماء مبسوطة على اللفظ، وأهل هذا الاتجاه يحاولون بذلك ربط هذه الظواهر الكتابية بالظواهر الصوتية للغة. وقد عبَّر الداني١ عن هذا الاتجاه بقوله: "وليس شيء من الرسم ولا من النقط٢ اصطلح عليه السلف -رضوان الله عليهم، إلّا وقد حاولوا به وجهًا من الصحة والصواب، وقصدوا به طريقًا من اللغة والقياس، لموقعهم من العلم، ومكانهم من الفصاحة، علم ذلك من علمه, وجهله من جهله، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء, والله ذو الفضل العظيم".

стр. 152

٢- حَمْلُ تلك الظواهر على خطأ الكاتب: وأهل هذا الاتجاه ينسبون الخطأ لخيرة الكُتَّاب من الصحابة؛ لأنهم لم يجدوا لهذا الرسم المخالف للقواعد الإملائية في بعض ظواهره تعليلًا لغويًّا تركن إليه أنفسهم، وتطمئن به قلوبهم.

стр. 153

وقد اعتمدوا في ذلك على آثار لا حجة لهم فيها فيما أرى، منها: ما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن بإسناده عن عكرمة أنه قال: "لما كُتِبَت المصاحف عُرِضَت على عثمان, فوجد فيها حروفًا من اللحن، فقال: لا تغيِّروها, فإن العرب ستغيِّرها -أو قال: ستعرّبها- بألسنتها، لو أن الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف". ومنها ما أخرجه الفرَّاء وأبو عبيد وابن أبي داود، والداني عن أبي معاوية الضرير, عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه أنه قال: "سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَان﴾ . وعن قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاة﴾ . وعن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ . فقالت: يا ابن أختي, هذا عمل الكُتَّاب أخطأوا في الكتاب". قال الأستاذ قدوري في "رسم المصحف"١: "وقد تحدَّث العلماء عن هذه الأخبار، وما قِيلَ في معناها، فضعَّف بعضهم روايتها، وردَّها لذلك، وتأوَّل بعضهم ما ورد فيها من معنى الخطأ واللحن. يقول السيوطي: وهذه الآثار مشكلة جدًّا، وكيف يظن بالصحابة أولًا أنهم يلحنون في الكلام فضلًا عن القرآن وهم الفصحاء اللُّذُّ٢. ثم كيف يُظَنُّ بهم ثانيًا في القرآن الذي تلقَّوْه من النبي ﷺ كما أنزل وحفظوه وضبطوه وأتقنوه! ثم كيف يظن بهم ثالثًا اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته! ثم كيف يظن بهم رابعًا عدم تنبههم ورجوعهم عنه! ثم كيف يظن بعثمان أنه ينهى عن تغييره! ثم كيف يظن أن القراءة استمرَّت على مقتضى ذلك الخطأ وهو مروي بالتواتر خلفًا عن سلف!

стр. 154

هذا مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادة. ... وقد ردَّ أبو بكر الأنباري الأخبار المرويَّة عن عثمان بن عفان في ذلك -كما ينقل السيوطي- وهي عنده "لا تقوم بها حجة؛ لأنها منقطعة غير متصلة". كذلك هو ينفي أن يكون معنى قوله: "أرى فيه لحنًا" أرى في خطه لحنًا, إذا أقمناه بألسنتا كان لحن الخط غير مفسد، ولا محرف من جهة تحريف الألفاظ، وإفساد الإعراب، لأن الخط منبئ عن النطق، فمَنْ لحن في كتبه فهو لاحن في نطقه، ولم يكن عثمان ليؤخِّر فسادًا في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتب ولا نطق. ونقل السيوطي أيضًا رأي ابن أشتة في الأخبار المروية عن عثمان، وما يذهب إليه في توجيهها، فيروي أنه قال: لعلَّ من روى تلك الآثار السابقة عنه حرَّفَها ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان، فلزم منه ما لزم من الإشكال، فهذا أقوى ما يجاب عن ذلك. ويقول السيوطي: إن تلك الأجوبة لا يصلح منها شيء في الإجابة عن حديث عائشة، ثم ينقل ما قاله ابن أشتة في ذلك، وتبعه فيه ابن جبارة "أحمد بن محمد المقدسي ت٧٢٨هـ" في شرح الرائية, بأن معنى قولها: "أخطأوا", أي: في اختيار الأَوْلَى من الأحْرُف السبعة لجمع الناس عليه، لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز. وتناول أبو عمرو الداني تلك الأخبار بالنقد والتوجيه, فقال عن الخبر الذي يروى عن عثمان: "هذا الخبر عندنا لا تقوم بمثله حجة، ولا يصح به دليل من جهتين". إحداهما: أنه مع تخليط في إسناده واضطراب في ألفاظه مرسَل؛ لأن ابن يعمر وعكرمة لم يسمعها من عثمان شيئًا ولا رأياه، وأيضًا, فإن ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان ﵁ لما فيه من الطَّعن عليه من محله من الدين، ومكانه من الإسلام، وشدة اجتهاده في بذل النصيحة، واهتباله بما فيه الصلاح للأمة".

стр. 155

ثم يوجه معنى اللحن في الخبر -لو صحَّ- بأن المراد به التلاوة دون الرسم، إذ كان كثير منه لو تُلِيَ على حال رسمه لانقلب بذلك معنى التلاوة، وتغيَّرت ألفاظها من مثل: "أو لا أذبحنه" وما شاكله. ويرى الداني في قول عثمان ﵁ في آخر هذا الخبر: "لو كان الكاتب من ثقيف، والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف", أن معناه: لم توجد فيه مرسومة بتلك الصور المبنية على المعاني دون الألفاظ المخالفة لذلك، إذ كانت قريش ومن ولي نسخ المصاحف من غيرها قد استعملوا ذلك في كثير من الكتابة، وسلكوا فيها تلك الطريقة، ولم تكن ثقيف وهذيل مع فصاحتهما يستعملان ذلك، فلو أنهما وليتا من أمر المصاحف ما وليه من تقدَّم من المهاجرين والأنصار لرسمتا جميع تلك الحروف على حال استقرارها في اللفظ، ووجودها في المنطق دون المعاني والوجوه، إذ أن ذلك هو المعهود عندهما, والذي جرى عليه استعمالها. وتحدَّث الداني عن الخبر المروي عن أم المؤمنين عائشة وقال في تأويله: إن عروة لم يسأل عن حروف الرسم التي تزاد وتنقص، وإنما سألها عن حروف القراءة المختلفة الألفاظ، المحتمِلَة الوجوه على اختلاف اللغات، مما أذن الله في القراءة به، ومن ثَمَّ فليس ما جاء في الخبر من الخطأ أو اللحن بداخل في معنى المرسوم، ولا هو من سببه في شيء، وإنما سَمَّى عروة ذلك لحنًا، وأطلقت عائشة على مرسومه الخطأ على جهة الاتساع في الأخبار، وطريق المجاز في العبارة" أ. هـ. وممن صرَّح بخطأ الكُتَّاب في بعض ما كتبوا ابن قتيبة، فقد قال بعد أن ذكر من الحروف ما يخالف لفظها كتابتها: "وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهبٍ من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو أن تكون غلطًا من الكاتب، كما ذكرت عائشة ﵂. فإذا كانت على مذاهب النحويين فليس ههنا لحن بحمد الله. وإن كانت خطأ في الكتاب، فليس على رسوله ﷺ جناية الكاتب في الخط.

стр. 156

ولو كان هذا عيبًا يرجع على القرآن لرجع عليه كل خطأ وقع في كتابة المصحف من طريق التهجي، فقد كُتِبَ في الإمام: "إن هذان لساحران" بحذف ألف التثنية. وكذلك ألف التثنية تحذف في هجاء هذا المصحف في كل مكان، مثل: "قال رجلن" و "آخرن يقومان مقامهما". وكتب كتاب المصحف: الصلوة، والزكوة، والحيوية، بالواو, واتبعناهم في هذه الحروف خاصَّة على التيمن بهم. ونحن لا نكتب "القطاة، والقناة، والفلاة" إلّا بالألف, ولا فرق بين تلك الحروف وبين هذه. وكتبوا "الربو" بالواو، وكتبوا "فمال الذين كفروا" فمال بلام منفردة. وكتبوا "ولقد جاءك من نبأي المرسلين" بالياء "أو من وراءي حجاب" بالياء في الحرفين جميعًا، كأنهما مضافان، ولا ياء فيهما، إنما هي مكسورة. وكتبوا "أم لهم شركوا" و"فقال الضُعَفَؤُا" بواو، ولا ألف قبلها. وكتبوا: "أو أن نفعل أموالنا ما نشاؤ" بواو بعد الألف، وفي موضع آخر "ما نشاء" بغير واو، ولا فرق بينهما. وكتبوا "أو لا أذبحنه أو ليأتيتي بسلطان مبين" بزيادة ألف. وكذلك "ولا أوضعوا خلالكم" بزيادة ألف بعد لام ألف. وهذا أكثر في المصحف من أن نستقصيه"١. فأنت ترى أنه قد ردَّ مخالفة الرسم للخط الهجائي إلى أحد احتمالين: إما أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو تكون غلطًا من الكاتب. فهو يجوز الغلط على الصحابة في كتابة المصحف، والغلط جائز على غير المعصوم ﷺ ، لكنه بعيد أن يخطئ هؤلاء الأخيار في كتابة كلام الله ، فلا بُدَّ أن يكون لكتابتهم المصاحف على هذا الرسم حِكَمٌ خفيت علينا، أو خفي بعضها وعُلِمَ بعضها.

стр. 157

وكان ابن خلدون "ت ٨٠٨هـ" أهم من ادعى بعد ابن قتيبة دعوى وقوع الغلط من الصحابة حيث رسموا المصاحف. وهو يبني مذهبه على أن أهل الحجاز أخذوا الكتابة من حِمْيَر -وهو ما ينفيه البحث الحديث- إلّا أنهم لم يكونوا مجيدين لها شأن الصنائع إذا وقعت بالبدو. ثم يقول: فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة، ولا إلى التوسُّط؛ لمكان العرب من البداوة والتوحش، وبعدهم عن الصنائع، وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف؛ حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة، خالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها، ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبرُّكًا بما رسمه أصحاب رسول الله ﷺ ، وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه، كما يقتفي لهذا العهد خطَّ ولي أو عالم تبرُّكًا، ويتبع رسمه خطأ أو صوابًا، وأين نسبه ذلك من الصحابة فيما كتبوه، فاتبع ذلك، وأثبت رسمًا، ونبه العلماء بالرسم على مواضعه. ثم يقول أيضًا: ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفَّلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط، وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل، بل لكلها وجه، ويقولون في مثل زيادة الألف في "لا أذبحنه": إنه تنبيه على أن الذبح لم يقع، وفي زيادة الياء في "بأييد": تنبيه على كمال القدرة الربانية، وأمثال ذلك مما لا أصل له إلّا التحكُّم المحض، وما حملهم على ذلك إلّا اعتقادهم أن في ذلك تنزيهًا للصحابة عن توهُّم النقص في قلة إجادة الخطِّ، وحسبوا أن الخط كمال فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه، وذلك ليس بصحيح. ثم يستمرُّ ابن خلدون في بيان أن الخط ليس بكمالٍ في حق الصحابة؛ لأن

стр. 158

الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية، والكمال في الصنائع إضافي، وليس بكمال مطلق؛ إذ لا يعود على الذات في الدين ولا في الخلال، وإنما يعود إلى أسباب المعاش، ويحسب العمران والتعاون عليه، لأجل دلالته على ما في النفوس١. "ولا ينبغي أن تنخدع بما في كلام العلامة ابن خلدون ﵀ من الجدية والصراحة والتحليل، فمع أنه مصيب في قوله: إن أكثر الأوجه التي سيقت في تعليل مخالفة الرسم في بعض الكلمات -المبنية على أساس اختلاف المعاني خاصة- لا أصل له إلّا التحكُّم المحض، ومع صدق الواقع فيما كان من بعض العلماء من مذاهب تنزيهًا للصحابة من أن ينسب إليهم الخطأ في الرسم, فإنه غير مصيب -إطلاقًا- في تصوره لحالة الكتابة العربية لأول الإسلام، فلا يعني ضعف القدرة على إجادة كتابة الحروف والتفنن في رسمها في حواضر الحجاز -إن صحَّ ما ذهب إليه في ذلك- أن الكتابة عندهم كانت عاجزة عن الاستجابة لمتطلبات اللغة، أو مضطربة في تمثيل أصواتها، فقد كانت الكتابة العربية قد عاشت تجربة طويلة من الاستعمال الواسع في أطراف الجزيرة قبل أن تدلف إلى الحجاز قبل الإسلام بقرن أو قرنين من الزمن، وإذا كانت قد عانت من وحشة البداوة في الحجاز, فإن ذلك لم يتجاوز صورة الحرف وأداة الكتابة. ونجد أن الوجوه المخالفة التي أقلقت العلماء على مدى القرون يمكن أن تكون دليلًا قويًّا على رهافة الحسِّ اللغوي عند الصحابة، الذين تولَّوْا كتابة القرآن العظيم عندما حاولوا تدوين الظواهر الصوتية التي كانوا يحسُّونها عند التلاوة, مع المحافظة على صورة الكلمات القديمة، فجاء الرسم محافظًا على صور الكلمات المعهودة وممثِّلًا للعناصر الصوتية الجديدة"٢.

стр. 159

٣- اختلاف الرسم لاختلاف المعنى: زعم قوم أن كُتَّاب المصاحف راعوا عند كتابتها المعاني الدقيقية التي تشتملها وتنطوي عليها آيات القرآن، فكتبوا بعض الكلمات مخالِفَة للخط الهجائي؛ رعاية لمعانيها المستنبطة.

стр. 160

من هؤلاء: أبو العباس المراكشي في كتابه الذي ألَّفَه في الكشف عن الأسرار التي يتضمنها الرسم العثماني، والذي سماه الزركشي والسيوطي١ "عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل"، وسمَّاه القسطلاني٢ "الدليل من مرسوم التنزيل". وإذا كنَّا لم نطَّلِعْ على نسخة من هذا الكتاب، فإن الزركشي والقسطلاني قد أشارا إلى منهجه في تعليل مخالفة الرسم للخط الإملائي، وذكرا بعض الأمثلة لبيان هذا المنهج بصورة تزيل خفاءه. ويقوم منهج أبي العباس المراكشي على أن الرسوم إنما اختلفت أحوالها في الخَطِّ بحسب اختلاف أحوال معاني كلماتها، وكذلك التنبيه على العوالم الغائب والشاهد، ومراتب الوجود والمقامات. وهذا المنهج لا يسعفه دليل؛ لأنه مبنيٌّ على أساس أن المعاني الإضافية تعبر عنها حروف هجائية غير منطوقة، مع أن الأساس الأول الذي تنبنى عليه الكتابة هو الأصوات المسموعة للكلمات, وليست المعاني المخبوءة فيها. هذا إلى جانب أن تلك التعليلات التي يوردها لاختلاف صور هجاء بعض الكلمات توقع -في أحيان كثيرة- في تناقض حاد. "فلم يكن منهج أبي العباس المراكشي إذن قائمًا على أساسٍ من حقائق العلم ومعرفة التاريخ، بل إن كل ما قاله هو نتيجة تأمُّل ذاتي غامض، عبَّر عنه بمصطلحات صوفية وفلسفية، ومنطقية هي الأخرى غامضة، وأن نتيجة واحدة صحيحة يقود إليها الدليل العلمي الواضح خير وأجدى في فهم المشكلة من كل ما قاله المراكشي, ورددته من ورائه أجيال من العلماء والدارسين"٣.

стр. 161

٤- تفسير الزيادة والحذف باحتمال القراءات: ذهب بعض الباحثين إلى أن المصحف العثماني كُتِبَ ليشتمل على الأحرف السبعة، أو أنه جاء شاملًا لما يحتمله رسمه منها.

стр. 162

وقد ضعَّفَ هذا الاحتمال الأستاذ "غانم قدوري الحمد" فقال: "إن المصحف العثماني إنما كُتِبَ على قراءة معينة، أي: أن رسم الكلمات جاء لتمثيل لفظ واحد, ونطق معيِّنٍ, بغض النظر عن احتماله لأكثر من قراءة، بسبب تجرد الكتابة آنذاك من الشكل والإعجام، ومن ثَمَّ فإن هذا الاتجاه في تعليل بعض ظواهر الرسم لا يقوم على أساس راجح -في نظرنا, بل إنه لا يختلف كثيرًا عن الاتجاه القائل باختلاف أحوال الرسم لاختلاف المعاني في ضعف الأساس الذي بُنِيَ عليه"١. وقوله هذا مرجوح وليس براجح في نظري, على ما يأتي بيانه قريبًا.

стр. 163

٥- الرسم بُنِيَ على حكمة ذهبت بذهاب كتبته: وقد ذهب فريق من المعاصرين إلى أن الرسم العثماني قد بُنِيَ على حكمة لا نعلمها على وجه تطمئن إليه النفس، وأن ما أتى به العلماء من تعليلات لا تقوى على الرد، فهي مجرد احتمالات وتخمينات حاول أصحابها أن يثبتوا لهذا الرسم قدسية خاصة عن طريق الأدلة النظرية المستلْهَمة من تَتَبُّع بعض الكلمات التي خالفت في رسمها الخط الهجائي. وهذه التعليلات ما هي إلّا استئناس وتلميح، والفرق كبير بين الاستئناس والاستدلال. فالأول مبنيٌّ على الظن والتخمين، فلا يعتبر حجة قاطعة. والثاني مبنيٌّ على النظر أو الاستقراء الموصِّل إلى ما يرفع الشك باليقين. "وممن ذهب إلى هذا القول الأستاذ الشيخ محمد طاهر الكردي المكي الخطَّاط صاحب كتاب "تاريخ الخط العربي" و"تاريخ القرآن"٢.

стр. 164

الخلاصة مدخل ... الخلاصة: ومما سبق يتبيِّنُ لنا مدى عناية العلماء سلفًا وخلفًا بكتاب الله تعالى قراءة وكتابة، لم يَفُتْهُم من ألفاظه ولا معانيه ولا مراميه صغيرة ولا كبيرة، إلّا وقفوا عندها مستلْهِمِين من الله الرشد في تفسيرها وتأويلها، وتحليلها وتعليلها.

стр. 165

وقد كان الخط الذي كتب به المصحف في عهد عثمان ﵁ ظاهرة فريدة، استرعت انتباههم، ودفعتهم إلى تفسيرها وكشف أسرارها، فكان لهم في هذا التفسير والتعليل اتجاهات خمسة، وهي التي أشرنا إليها في هذا المقام، وكل اتجاه منها له وجهاته، وفيه ما فيه من الصواب، وعليه ما عليه من المآخذ. أما الاتجاه الأول: وهو تعليل بعض ظواهر الرسم بعلل لغوية أو نحوية، فهو كما يظهر من عنوانه أنه قاصر على تحليل بعض الظواهر دون بعض، فلا يصلح أن يكون حكمًا على الجميع، ولكنه مع ذلك فاتحة خير وخطوة على طريق البحث، فلعل الله يكشف لنا التحليل اللغوي والنحوي في سائر الظواهر التي لم يتوصَّل العلماء إلى كلمة الفصل فيها. وأما الاتجاه الثاني: وهو حمل تلك الظواهر على خطأ الكاتب, فقد رددناه بما فيه الكفاية، ونضيف هنا أن خطأ الكُتَّاب أمرٌ لا يستبعد؛ لأن أصحاب النبي ﷺ ليسوا معصومين من الخطأ. ولكن وعد الله بحفظ كتابه يقتضي صيانته نطقًا وخطًّا، فلا بُدَّ من أن يكون الله قد وفقَّ أولئك الكُتَّاب الأطهار المهرة إلى هذا الرسم ليتميز القرآن عن غيره خطًّا كما تميز نطقًا. وما كان ينبغي أن يبادر ابن قتيبة وابن خلدون ومن لَفَّ لفهما إلى نسبة الخطأ إلى هؤلاء الكُتَّاب، بل كان عليهم أن يبحثوا بجد واجتهاد عن تنزيه ساحتهم منه؛ رعاية لحقهم، وصيانة لكتاب الله من أن يكون خطه غير موافق للفظه من بعض الوجوه، وأن يحملوا الروايات الواردة في تخطئة هؤلاء الكُتَّاب -إن صحَّ سندها- على محملٍ حسنٍ يتفق مع المحافظة على هيبة هؤلاء الكُتَّاب البررة، وسدًّا لباب من أبواب الشبهات التي ينفذ من خلالها أعداء الإسلام للنَّيْل من الإسلام في كتاب ربهم ، وسُنَّة نبيهم ﷺ ، والخلفاء الراشدين المهديين -رضوان الله عليهم. وأما الاتجاه الثالث: وهو اختلاف الرسم لاختلاف المعنى, فقد ذكرنا أنه لا يعتمد على دليل صحيح تقوم به الحجة، فهو لا يعدو أن يكون تفسيرًا باطنيًّا يذكر استئناسًا لتنزيه ساحة الكُتَّاب من وقوع الخطأ منهم في كتابة المصاحف.

стр. 166

وليس كل كلام جاء معتبرًا ... إلا كلام له حظ من النظر وأما الاتجاه الرابع: وهو تفسير الزيادة والحذف باحتمال القراءات فهو قول صحيح؛ لأن كُتَّاب المصاحف قد بذلوا طاقتهم في أن تكون هذه المصاحف مشتملة في جملتها على الأحرف السبعة التي أُنْزِلَ عليها القرآن الكريم، فقد كتبوا مصاحف سبعة أو ثمانية، كل مصحف منها يحمل حرفًا من هذه الأحرف السبعة، وأرسلوا كل مصحف إلى القطر الذي يقرأ أهله بحرفه، وبذلك حفظت الأحرف السبعة كلها من الضياع. وهذا القول أولى من قول من قال: إنهم كتبوا هذه المصاحف على حرف واحد من هذه الأحرف السبعة؛ لأنهم خُيِّرُوا فاختاروا، فهذا القول فيه اتهام لأصحاب النبي ﷺ بأنهم فرَّطوا في هذه الأحرف، فضيَّعوا منه ستة، وكان يمكنهم أن يحافظوا عليها جميعًا، ويمحوا ما سواها من الأوجه التي لم يثبت سندها إلى النبي ﷺ ، وفي ذلك كفاية لدرء الفتنة والقضاء على المحنة التي كادت تُوقِعُ بين المسلمين انقسامًا خطيرًا. وأما الاتجاه الخامس: وهو أن الرسم بُنِيَ على حكمة ذهبت بذهاب كتبته, فهو اتجاه قوم توقَّفوا عن القول بما ليس لهم به علم، وآثروا السلامة على الخوض في حديث لا تدفعهم إليه حاجة ملحة، وقولهم هذا صحيح. ولكن لماذا لا نفتِّشُ عن الحكمة بقدر طاقتنا، وبالوسائل المتاحة لنا، وقد أُمِرْنَا بالتدبر والنظر في كل ما يقع أمامنا من الظواهر الكونية والقرآنية، ونسعى جادِّين في تحقيق المسائل العلمية وتمحيصها، ولا سيما تلك الظواهر المتعلقة بكتاب الله تعالى، كظاهرة الرسم العثماني، فعسى أن نجد فيها سرًّا من أسرار هذا الكتاب العظيم، ونعثر على ضربٍ آخر من إعجازه البياني. والحكمة ضالة المؤمن، والعلم أبواب مغلقة لا تنفتح إلّا بالتأمل والنظر.

стр. 167

قواعد رسم المصحف: وللمصحف العثماني قواعد في خَطِّه ورسمه، حصرها علماء الفنِّ في ست قواعد، وهي: الحذف والزيادة، والهمز والبدل، والفصل والوصل، وما فيه قراءتان فقرئ على إحداهما. وهاك شيئًا عنها بالإجمال ليكون الفرق بينها وبين مصطلح الخطوط في عصرنا على بالٍ منك:

стр. 168

قاعدة الحذف: خلاصتها أن الألف تحذف من ياء النداء نحو: "يأيها الناس"، ومن ها التنبيه نحو "هأنتم"، ومن كلمة "نا" إذا وليها ضمير، نحو "أنجيناكم"، ومن لفظ الجلالة "الله"، ومن كلمة "إله"، ومن لفظي "الرحمن وسبحان", وبعد لام، نحو: كلمة "خلائف"، وبين اللامين في نحو: "الكلالة", ومن كل مثنى، نحو: "رجلان", ومن كل جمع تصحيح لمذكر أو لمؤنث نحو: "سماعون، المؤمنات"، ومن كل جمع على وزن مفاعل وشبهه نحو: "المساجد، والنصارى"، من سأل، وغير ذلك -إلّا ما استثني من هذا كله. وتحذف الياء من كل منقوص منون رفعًا وجرًّا نحو: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ , ومن هذه الكلمات "أطيعون، اتقون، خافون، ارهبون، فأرسلون، واعبدون" -إلا ما استثني. وتحذف الواو إذا وقعت مع واو أخرى في نحو: "لا يستوون" ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ . وتحذف اللام إذا كانت مدغمة في مثلها نحو: "الليل، والذي" -إلّا ما استثني. وهناك حذف لا يدخل تحت قاعدة، كحذف الألف من كلمة "مالك", وكحذف الياء من "إبراهيم"، وكحذف الواو من هذه الأفعال الأربعة: "ويدعو الإنسان، ويمحو الله الباطل، يوم يدعو الداع، سندعو الزبانية".

стр. 169

قاعدة الزيادة: خلاصتها أن الألف تزاد بعد الواو في آخر كل اسم مجموع، أو في حكم المجموع، نحو: "ملاقوا ربهم، بنوا إسرائيل، أولوا الألباب". وبعد الهمزة المرسومة واوًا، نحو: "تالله تفتأ", فإنها ترسم هكذا: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ . وفي كلمات "مائة، ومائتين، والظنون، والرسول، والسبيل" في قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ , ﴿وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ ، ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ . وتزاد الياء في هذه الكلمات: "نبأ وآناء، من تلقاء، بأيكم المفتون، بأيد" من قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ . وتزاد الواو في نحو: "أولو، أولئك، أولاء، أوات".

стр. 170

قاعدة الهمز: خلاصتها: أن الهمزة إذا كانت ساكنة تكتب بحرف حركة ما قبلها، نحو "ائذن، اؤتمن، البأساء" -إلا ما استثني. أما الهمزة المتحركة، فإن كانت أول الكلمة واتَّصل بها حرف زائد كُتِبَتْ بالألف مطلقًا، سواء أكانت مفتوحة أم مكسورة، نحو: "أيوب، أولو، إذا، سأصرف، سأنزل، فبأي" -إلا ما استثني. وإن كانت الهمزة وسطًا، فإنها تكتب بحرفٍ من جنس حركتها نحو: "سأل، سئل، تقرؤه" -إلا ما استثني. وإن كانت متطرفة كُتِبَتْ بحرفٍ من جنس حركة ما قبلها نحو: "سبأ، شاطئ، لؤلؤ" -إلا ما استثني. وإن سكن ما قبلها حذفت١ نحو: "ملئ الأرض، يخرج الخبء" -إلا ما استثني. والمستثنيات كثيرة في الكل.

стр. 171

قاعدة البدل: خلاصتها: أن الألف تكتب واوًا؛ للتفخيم في مثل: الصلوة، والزكوة، والحيوة -إلا ما استثني. وترسم ياء إذا كانت منقلبة عن ياء نحو: "يتوفى، يا حسرتى، يا أسفى". وكذلك ترسم الألف ياء في هذه الكلمات "إلى، على، أنى -بمعنى كيف، متى، بلى، حتى، لدى" ما عدا ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ في سورة يوسف؛ فإنها ترسم ألفًا. وترسم النون ألفًا في نون التوكيد الخفيفة, وفي كلمة "إذن". وترسم هاء التأنيث تاء مفتوحة في كلمة "رحمت" بالبقرة، والأعراف، وهود، ومريم، والروم، والزخرف. وفي كلمة "نعمت" بالبقرة، وآل عمران، والمائدة، وإبراهيم، والنحل، ولقمان، وفاطر، والطور. وفي كلمة "لعنت الله"، وفي كلمة "معصيت" بسورة قد سمع، وفي هذه الكلمات "إن شجرت الزقوم، قرت عين، جنت، نعيم، بقيت الله". وفي كلمة امرأة أضيفت إلى زوجها نحو: "امرأت عمران، امرأت نوح", وفي غير ذلك.

стр. 172

قاعدة الوصل والفصل: خلاصتها: أن كلمة "أن" بفتح الهمزة توصل بكلمة "لا" إذا وقعت بعدها، ويستثنى من ذلك عشرة مواضع، منها: "أن لا تقولوا، أن لا تعبدوا إلا الله". وكلمة "من" توصل بكلمة "ما" إذا وقعت بعدها، ويستثنى ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ في النساء والروم، ﴿مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ في سورة المنافقين. وكلمة "مِنْ" توصل بكلمة "مَنْ" مطلقًا.

стр. 173

وكلمة "عن" توصل بكلمة "ما"، إلّا قوله سبحانه: ﴿عَنْ مَا نُهُوا عَنْه﴾ . وكلمة "إن" بالكسر, توصل بكلمة "ما" التي بعدها، إلّا قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّك﴾ . وكلمة "أن" بالفتح, توصل بكلمة "ما" مطلقًا من غير استثناء. وكلمة "كل" توصل بكلمة "ما" التي بعدها، إلّا قوله سبحانه: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَة﴾ , ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوه﴾ . وتوصل كلمات "نعمَّا، وربما، وكأنما، ويكأن" ونحوها. قاعدة ما فيه قراءتان: خلاصتها: إن الكلمة إذا قرئت على وجهين، تُكْتَب برسم أحدهما، كما رُسِمَت الكلمات الآتية بلا ألف في المصحف، وهي: "مالك يوم الدين، يخادعون الله، وواعدنا موسى، تفادوهم"، ونحوها. وكلها مقروءة بإثبات الألف وحذفها. وكذلك رسمت الكلمات الآتية بالتاء المفتوحة، وهي: ﴿غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ , ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ﴾ في العنكبوت. ﴿ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ في فصلت. ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ في سبأ. وذلك لأنها جمعاء مقرءوة بالجمع والإفراد. وغير هذا كثير، وحسبنا ما ذكرنا للتمثيل والتنوير.

стр. 174

مزايا الرسم العثماني وفوائده: التمس العلماء مزايا لخروج الصحابة عن الخط المألوف في كتابه المصاحف إلى خط آخر يختلف عنه بعض الشيء في نسخ المصاحف التي أرسلوا بها إلى الأمصار، ونقَّبوا عن الحكمة من هذا الصنيع المتقن الذي يدعو إلى الإعجاب, وحاولوا أن يتعرفوا على فوائد هذا الرسم في خدمة القرآن والقرَّاء، فذكروا بعد التحري والبحث فوائد كثيرة, أذكر منها هنا ما أراني مقتنعًا به، فأقول:

стр. 175

الفائدة الأولى: إن هذا الرسم قد اشتمل في جملته على القراءات الصحيحة بوجوهها المتشعبة. فقد حاول الكُتَّاب ﵃ قدر طاقتهم أن يكتبوا الكلمة إذا كان فيها قراءتان أو أكثر بصورة تحتمل هاتين القراءتين أو الأكثر. فإن كان الحرف الواحد لا يحتمل ذلك -بأن كانت صورة الحرف تختلف باختلاف القراءات- جاء الرسم على الحرف الذي هو خلاف الأصل، وذلك ليُعْلَمَ جواز القراءة به وبالحرف الذي هو الأصل. وإذا لم يكن في الكلمة إلّا قراءة واحدة بحرف الأصل رُسِمَت به. "وقد مثَّلَ الزرقاني بعد أن ذكر هذه الفائدة للكلمة تكتب بصورة واحدة, وتقرأ بوجوه متعددة, قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَان﴾ . رُسِمَت في المصحف العثماني هكذا: "إن هدن لساحران" من غير نقط ولا شكل، ولا تشديد ولا تخفيف في نوني "إن، وهذان" ومن غير ألف ولا ياء بعد الذال من هذان. ومجيء الرسم، كما ترى، كان صالحًا عندهم لأن يقرأ بالوجوه الأربعة التي وردت كلها بأسانيد صحيحة. أولها: قراءة نافع ومن معه, إذ يشددون نون "إن", ويخففون "هذان" بالألف. ثانيها: قراءة ابن كثير وحده؛ إذ يخفِّفُ النون في "إن", ويشدد النون في "هذان". ثالثها: قراءة حفص إذا يخفف النون في "إن" و"هذان" بالألف. رابعها: قراءة أبي عمرو بتشديد "إن", وبالياء وتخفيف النون في "هذين".

стр. 176

فتدبَّر هذه الطريقة المثلى الضابطة لوجوه القراءة؛ لتعلم أن سلفنا الصالح كان في قواعد رسمه للمصحف أبعد منَّا نظرًا، وأهدى سبيلًا" أ. هـ.١. وقد أورد صاحب اللآلئ الحسان على ما ذكره صاحب المناهل سؤالين فقال: ١- هل كان سلفنا الصالح، كُتَّاب مصحف عثمان، يعرفون النقط والشكل، فآثروا تركهما لتصح القراءات؟. وإجماع المؤرخين كما نقل الشيخ الزرقاني نفسه أنهم لم يكونوا يعرفون عن الشكل شيئًا. ٢- هل اتبعت هذه القاعدة في الرسم العثماني في المصحف كله, أو في بعض الكلمات دون بعض؟ الواقع هو الثاني: وإلّا لكتبت كلمة "الصراط" بغير الصاد. فلو أنهم يقصدون هذه الفائدة لعمَّموها"٢.

стр. 177

المبحث السابع عشر: نقط المصاحف وشكلها وتجزئتها وتحسينها مدخل ... المبحث السابع عشر: نقط المصاحف وشكلها وتجزئتها وتحسينها اختلف الدارسون قديمًا وحديثًا في أمر إعجام الكتابة العربية اختلافًا كثيرًا، فمنهم من يرى أن الحروف التي كتبت بها العرب كانت خالية من الإعجام، أي: من النقط والشكل. ومنهم من يرى أن بعضها كانت له علامات تميزه عن غيره ممن رُسِمَ على صورته من نقط وغيره. والذي يعنينا هنا تقريره أن المصاحف العثمانية كانت خالية من النقط والشكل إلى منتصف القرن الأول تقريبًا, إمَّا لأن الإعجام لم يكن معروفًا لديهم حين نسخها، وإمَّا أن الصحابة قد تعمَّدوا تجريد مصاحفهم من الإعجام؛ لتكون مشتَمِلَة على الأحرف السبعة التي أُنْزِلَ القرآن عليها، والأخير هو الأصحّ عندي، وهو قول كثير من علماء السلف، وعلى رأسهم أبو عمرو الداني, فقد قال في كتاب المحكم١ وهو يتحدث عن نقط المصحف: "وإنما أخلى الصدر منهم المصاحف من ذلك ومن الشكل من حيث أرادوا الدلالة على بقاء السعة في اللغات، والفسحة في القراءات التي أَذِنَ الله تعالى لعباده في الأخذ بها، والقراءة بما شاءت منها، فكان الأمر على ذلك إلى أن حدث في الناس ما أوجب نقطها وشكلها". وردَّدَ ابن الجزري هذا المعنى فقال: "ثم إن الصحابة ﵃ لما كتبوا تلك المصاحف جرَّدُوها من النَّقْطِ والشكل ليحتمله ما لم يكن في العرضة الأخيرة، مما صحَّ عن النبي ﷺ ، وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوَّيْن, شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين"٢.

стр. 178

وبهذا المذهب أخذ ابن تيمية في فتاويه فقال: "إذا كان قد سُوِّغَ لهم أن يقرأوه على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ مع تنوع الأحرف في الرسم؛ فلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك من الرسم، وتنوعه في اللفظ أَوْلَى وأَحْرَى، وهذا من أسباب تركهم المصاحف أول ما كُتِبَت غير مشكولة ولا منقوطة لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين؛ كالتاء والياء, والفتح والضم، وهم يضبطون باللفظ كلا الأمرين، وتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلُوَّيْن, شبيهًا بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين. فإن أصحاب رسول الله ﷺ تلقَّوْا عنه ما أمره الله بتبليغه إليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعًا"١.

стр. 179

دواعي النقط والشكل: لما اختلط العرب بالعجم شاع اللحن في الكلام العربي, وشاع اللحن أيضًا في القرآن الكريم بين الصبيان والمولَّدين، فاضطر المسلمون أمام هذه الظاهرة الخطيرة أن يضبطوا المصاحف بالنقط والشكل حتى يصحِّحَ الناس قراءتهم على ضوئها. "فقد روي أن زياد ابن أبيه والي البصرة في حوالي سنة ٤٨ هـ, طلب من أبي الأسود الدؤلي أن يجعل للناس علامات تساعدهم على القراءة الصحيحة لكتاب الله، فتباطأ أبو الأسود، حتى سمع قارئًا يقرأ قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ . فقرأها يجرُّ اللام في كلمة "رسوله", فأفزع هذا اللحن أبا الأسود، وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، ثم ذهب إلى زياد، وقال له: قد أجببتك، وانتهى إلى جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، وجعل علامة الكسرة نقطة تحت الحرف، وجعل علامة الضمة نقطة على جانب الحرف، وجعل علامة السكون نقطتين. والجدير بالذكر أن أبا الأسود الدؤلي لم يضع شكلًا لكل حرف, وإنما شكَّل الحرف الأخير فقط من كل كلمة.

стр. 180

ولهذا استمرَّ الخطأ في القراءة, واشتبهت نفس الحروف لعدم نقطها على القارئين، وكادت كارثة التحريف تسيء إلى كتاب الله، فقَيَّضَ الله له عبد الملك بن مروان، فأمَرَ الحجَّاجَ أن يهتم بهذا الخطر، وأن يختار لعلاجه العالم النقي الورع الخبير بأصول اللغة ووجوه القراءات. فاختار الحجاج لهذه المهمة نصر بن عاصم الليثي, حوالي سنة "٨٠" من الهجرة, فعمَّمَ شكل أبي الأسود على جميع حروف الكلمة؛ أولها ووسطها وآخرها، ولكنه ما زال الكلّ على هيئة النقط. ولم يرق الحجَّاج هذا العمل؛ لأنه لم يقطع دابر الخطأ والاختلاف في القراءة، فعهد إلى لجنة مكونة من نصر بن عاصم الليثي, ويحيى بن يعمر العدواني, والحسن البصري, أن تقوم بعمل كبير يحيط كتاب الله بسياج من السلامة, وتحول بينه وبين التحريف، فنُقِطَت الحروف نقطة ونقطتين فوق الحرف أو تحته، وثلاث نقاط فوق بعض الحروف، ولئلَّا يختلط الشكل بالنقط عمدت إلى نقطة الفتحة، ونقطة الكسرة فسحبتها حتى صارتا كالهيئة المعهودة الآن، وعمدت إلى نقطة الضمة فجعلتها واوًا صغيرة، وإلى نقطتي السكون فأكملت بهما دائرة، وبهذا تمَّ النقط والشكل للمصحف، ثم عدوا حروفه وحددوا نصفه وثلثه وربعه وسبعه، ويروى أنهم قسَّموه إلى أعشار، والمشهور أن الأعشار من عمل المأمون" أ. هـ١.
следующие страницы →