← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 10002

دراسات في علوم القرآن - محمد بكر إسماعيل

محمد بكر إسماعيل

Полный текст (465 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فتدبَّر هذه الطريقة المثلى الضابطة لوجوه القراءة؛ لتعلم أن سلفنا الصالح كان في قواعد رسمه للمصحف أبعد منَّا نظرًا، وأهدى سبيلًا" أ. هـ.١. وقد أورد صاحب اللآلئ الحسان على ما ذكره صاحب المناهل سؤالين فقال: ١- هل كان سلفنا الصالح، كُتَّاب مصحف عثمان، يعرفون النقط والشكل، فآثروا تركهما لتصح القراءات؟. وإجماع المؤرخين كما نقل الشيخ الزرقاني نفسه أنهم لم يكونوا يعرفون عن الشكل شيئًا. ٢- هل اتبعت هذه القاعدة في الرسم العثماني في المصحف كله, أو في بعض الكلمات دون بعض؟ الواقع هو الثاني: وإلّا لكتبت كلمة "الصراط" بغير الصاد. فلو أنهم يقصدون هذه الفائدة لعمَّموها"٢.

стр. 177

المبحث السابع عشر: نقط المصاحف وشكلها وتجزئتها وتحسينها مدخل ... المبحث السابع عشر: نقط المصاحف وشكلها وتجزئتها وتحسينها اختلف الدارسون قديمًا وحديثًا في أمر إعجام الكتابة العربية اختلافًا كثيرًا، فمنهم من يرى أن الحروف التي كتبت بها العرب كانت خالية من الإعجام، أي: من النقط والشكل. ومنهم من يرى أن بعضها كانت له علامات تميزه عن غيره ممن رُسِمَ على صورته من نقط وغيره. والذي يعنينا هنا تقريره أن المصاحف العثمانية كانت خالية من النقط والشكل إلى منتصف القرن الأول تقريبًا, إمَّا لأن الإعجام لم يكن معروفًا لديهم حين نسخها، وإمَّا أن الصحابة قد تعمَّدوا تجريد مصاحفهم من الإعجام؛ لتكون مشتَمِلَة على الأحرف السبعة التي أُنْزِلَ القرآن عليها، والأخير هو الأصحّ عندي، وهو قول كثير من علماء السلف، وعلى رأسهم أبو عمرو الداني, فقد قال في كتاب المحكم١ وهو يتحدث عن نقط المصحف: "وإنما أخلى الصدر منهم المصاحف من ذلك ومن الشكل من حيث أرادوا الدلالة على بقاء السعة في اللغات، والفسحة في القراءات التي أَذِنَ الله تعالى لعباده في الأخذ بها، والقراءة بما شاءت منها، فكان الأمر على ذلك إلى أن حدث في الناس ما أوجب نقطها وشكلها". وردَّدَ ابن الجزري هذا المعنى فقال: "ثم إن الصحابة ﵃ لما كتبوا تلك المصاحف جرَّدُوها من النَّقْطِ والشكل ليحتمله ما لم يكن في العرضة الأخيرة، مما صحَّ عن النبي ﷺ ، وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوَّيْن, شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين"٢.

стр. 178

وبهذا المذهب أخذ ابن تيمية في فتاويه فقال: "إذا كان قد سُوِّغَ لهم أن يقرأوه على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ مع تنوع الأحرف في الرسم؛ فلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك من الرسم، وتنوعه في اللفظ أَوْلَى وأَحْرَى، وهذا من أسباب تركهم المصاحف أول ما كُتِبَت غير مشكولة ولا منقوطة لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين؛ كالتاء والياء, والفتح والضم، وهم يضبطون باللفظ كلا الأمرين، وتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلُوَّيْن, شبيهًا بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين. فإن أصحاب رسول الله ﷺ تلقَّوْا عنه ما أمره الله بتبليغه إليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعًا"١.

стр. 179

دواعي النقط والشكل: لما اختلط العرب بالعجم شاع اللحن في الكلام العربي, وشاع اللحن أيضًا في القرآن الكريم بين الصبيان والمولَّدين، فاضطر المسلمون أمام هذه الظاهرة الخطيرة أن يضبطوا المصاحف بالنقط والشكل حتى يصحِّحَ الناس قراءتهم على ضوئها. "فقد روي أن زياد ابن أبيه والي البصرة في حوالي سنة ٤٨ هـ, طلب من أبي الأسود الدؤلي أن يجعل للناس علامات تساعدهم على القراءة الصحيحة لكتاب الله، فتباطأ أبو الأسود، حتى سمع قارئًا يقرأ قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ . فقرأها يجرُّ اللام في كلمة "رسوله", فأفزع هذا اللحن أبا الأسود، وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، ثم ذهب إلى زياد، وقال له: قد أجببتك، وانتهى إلى جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، وجعل علامة الكسرة نقطة تحت الحرف، وجعل علامة الضمة نقطة على جانب الحرف، وجعل علامة السكون نقطتين. والجدير بالذكر أن أبا الأسود الدؤلي لم يضع شكلًا لكل حرف, وإنما شكَّل الحرف الأخير فقط من كل كلمة.

стр. 180

ولهذا استمرَّ الخطأ في القراءة, واشتبهت نفس الحروف لعدم نقطها على القارئين، وكادت كارثة التحريف تسيء إلى كتاب الله، فقَيَّضَ الله له عبد الملك بن مروان، فأمَرَ الحجَّاجَ أن يهتم بهذا الخطر، وأن يختار لعلاجه العالم النقي الورع الخبير بأصول اللغة ووجوه القراءات. فاختار الحجاج لهذه المهمة نصر بن عاصم الليثي, حوالي سنة "٨٠" من الهجرة, فعمَّمَ شكل أبي الأسود على جميع حروف الكلمة؛ أولها ووسطها وآخرها، ولكنه ما زال الكلّ على هيئة النقط. ولم يرق الحجَّاج هذا العمل؛ لأنه لم يقطع دابر الخطأ والاختلاف في القراءة، فعهد إلى لجنة مكونة من نصر بن عاصم الليثي, ويحيى بن يعمر العدواني, والحسن البصري, أن تقوم بعمل كبير يحيط كتاب الله بسياج من السلامة, وتحول بينه وبين التحريف، فنُقِطَت الحروف نقطة ونقطتين فوق الحرف أو تحته، وثلاث نقاط فوق بعض الحروف، ولئلَّا يختلط الشكل بالنقط عمدت إلى نقطة الفتحة، ونقطة الكسرة فسحبتها حتى صارتا كالهيئة المعهودة الآن، وعمدت إلى نقطة الضمة فجعلتها واوًا صغيرة، وإلى نقطتي السكون فأكملت بهما دائرة، وبهذا تمَّ النقط والشكل للمصحف، ثم عدوا حروفه وحددوا نصفه وثلثه وربعه وسبعه، ويروى أنهم قسَّموه إلى أعشار، والمشهور أن الأعشار من عمل المأمون" أ. هـ١.

стр. 181

حكم نقط المصحف وشكله: ١- ذهب جماعة من السلف الصالح إلى أنه ينبغي إبقاء المصاحف الأولى على ما هي عليه من غير نقط ولا شكل، مبالغةً في المحافظة على رسمه كما هو من غير زيادة فيه، ولا نقص منه، مستدلِّين على ذلك ببعض الأخبار المرويَّة عن عمر بن الخطاب, وعبد الله بن مسعود ﵄، فقد أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن, أن أبا بكر بن عياش قال: سمعت أبا حصين يقول: "لما وجَّه عمر الناس إلى العراق قال لهم كذا وكذا، فذكر كلامًا، ثم قال: جرِّدوا القرآن، وأقلُّوا الرواية عن رسول الله ﷺ , وأنا شريككم، أو قال: على رسول الله".

стр. 182

وأخرج أيضًا عن ابن الأحوص أن عبد الله بن مسعود قال: "جردوا القرآن ليربو فيه صغيركم, ولا ينأى عنه كبيركم, فإن الشيطان يفرُّ من البيت يسمع فيه سورة البقرة". وأخرج أبو بكر الأنباري عن الضحاك, أن ابن مسعود قال: "جرِّدوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه, فإنه عربي والله يحب أن يعرب". فقد قالوا: إن المقصود بتجريد القرآن إخلاؤه من النقط والشكل. وهو تأويلٌ محتمَلٌ, وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. والأصح في تأويل هذه الأخبار -إن صحَّت- أن المراد بتجريد القرآن تخليصه مما سواه. قال الأستاذ قدروي في كتابه "رسم المصحف"١, بعد أن نقل هذه الأخبار: "وأما الاحتجاج بقول عمر أو ابن مسعود: "جرِّدوا القرآن", فيبدو أن هذا الخبر أعطي ذلك التفسير في فترات لاحقة لقوله حين بدأوا ينقطون المصاحف, فاحتجَّ من كره ذلك بقول عمر وابن مسعود: "جردوا القرآن". قال أبو عبيد: وقد اختلف الناس في تفسير قوله: "جردوا القرآن، فكان إبراهيم يذهب به إلى نقط المصاحف، ويقول: جردوا القرآن، ولا تخلطوا به غيره، قال أبو عبيدة: وإنما نرى أن إبراهيم كره هذا مخافة أن ينشأ نشء يدركون المصاحف منقوطة, فيرى أن النقط من القرآن، ولهذا المعنى كره من كره الفواتح العواشر". وقال السيوطي في الإتقان: "قال الحربي في غريب الحديث: قول ابن مسعود: جردوا القرآن، يحتمل وجهين: أحدهما: جردوه في التلاوة، ولا تخلطوا به غيره. والثاني: جردوه في الخطِّ من النقط والتعشير. وقال البيهقي: الأبْيَنُ أنه أراد: لا تخلطوا به غيره من الكتب"٢.

стр. 183

٢- وقال الجمهور من السلف والخلف: يجوز نقط المصحف وشكله؛ لأن الضرورة إليه ملحة، وهو لا يخلُّ بالرسم، وإنما يزينه ويكمله، ويعين القراء على قراءة القرآن من غير لحن. قال النووي: نقط المصحف وشكله مستحَبٌّ؛ لأنه صيانةٌ له من اللحن والتحريف. وقال مالك: لا بأس بالنقط في المصاحف التي يتعلَّم فيها الغلمان، أما الأمهات فلا١. وما قاله مالك ﵁ هو القول الصحيح، فقد أفتى بوجوب المحافظة على أمهات المصاحف كما هي من غير نقط ولا شكل لتظلَّ مرجعًا للمسلمين، وتراثًا لأولهم وآخرهم، وتحقيقًا لاتباع سنة الخلفاء الراشدين, بخلاف غيرها من المصاحف التي تكتب للغلمان، ومَنْ في حكمهم للضورة والحاجة إلى ذلك الضبط -والله أعلم.

стр. 184

حكم تجزئته وتحسين خطه: تقسيم القرآن إلى ثلاثين جزءًا، وتقسيم الجزء إلى حزبين، وتقسيم الحزب، إلى أربعة أرباع، وكتابة أرقام الآيات بعد كلٍّ منها، ووضع علامات الوقف والمد وغيرها على الحروف، كل ذلك مستحدث، وفيه كلام طويل للعلماء من حيث الكراهية والجواز. والصواب: أن ذلك كله جائز لتيسير قراءته وحفظه، وأما ما أُدْخِلَ عليه من تحسينات في الخط والحجم والورق، والطبع، والتجليد، والتذهيب, فالأمر فيه واسع، بل ذلك مما يستَحَبُّ فعله إجلالًا للمصحف، وتكريمًا له, ولما فيه من الترغيب في قراءته واقتنائه وإهدائه لمن يُحْسِنُ القراءة فيه.

стр. 185

المبحث الثامن عشر: أسباب النزول مدخل ... المبحث الثامن عشر: أسباب النزول علمنا فيما سبق أن القرآن الكريم نزل منجَّمًا على الرسول ﷺ في نحو ثلاث وعشرين سنة، نزلت كل آية منه لحكمة وغاية، جماع هذه الحكم والغايات تشريع ما فيه سعادة الإنسان في دنياه وآخراه، ويمكن اعتبار ذلك سببًا عامًّا لنزول كل آية من آيات القرآن, ولكن العلماء قصدوا إلى الأسباب الخاصة قصدًا أوليًّا بعد أن عرفوا هذه المقصد العام، فتتبَّعوا ما نزل على سبب معين، أو حادثة بخصوصها, أو نزل دفعًا لشبهة, أو إجابة عن سؤال، ونحو ذلك، ففسَّروا هذه الآيات وفقًا لأسباب نزولها أولًا، ثم نظروا في شمول أحكامها لجميع المخاطبين، وعدم شمولها. ولا شكَّ أن تفسير الآية يرتبط بسبب نزولها ارتباطًا وثيقًا، فعليه المعول في فهمها, ولا سيما إذا كانت لا تتناول بعمومها جميع المخاطَبين، كما سيتبين لنا قريبًا. وأكثر القرآن نزل ابتداء لإحقاق الحقِّ، وإبطال الباطل, وهداية الخلق إلى الخالق . وما نزل على أسباب خاصة، وحوادث معينة قليل، لكنه مع قلته تألَّف منه علم عظيم، لا غنى عنه لمفسِّرٍ أو محدِّثٍ أو فقيه. وليس من غرضنا هنا أن نستعرض جميع الآيات التي نزلت على أسباب خاصة، فذلك مما ينبغي أن يفرد له كتاب مستقل، ولكننا نريد أن نأخذ بهذا العلم من أطرافه، فنختصر لك قواعده وأصوله الكلية, فنتكلَّم عن تعريف سبب النزول, وبيان ما يعتمد عليه في معرفته، وفوائد العلم به، والصيغة التي يفهم منها سبب النزول، وتعدُّد الروايات في سبب النزول، وتعدُّد النزول مع وحدة السبب, وغير ذلك من المسائل المتعلقة بهذا الموضوع.

стр. 186

تعريف سبب النزول: لعلك فطنت مما سبق إلى معرفة معنى السبب الذي تنزل عليه الآية بوجه عام، ونزيدك هنا إيضاحًا بذكر تعريفٍ جامع لأكثر مسائله، مانع من دخول غيرها فيها، فنقول: سبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدِّثَةً عنه أو مبيِّنَةً لحكمه أيام وقوعه. وبيان ذلك أن الآية أو الآيات قد تنزل مثلًا لتفصل بين متخاصمين وقع بينهما شجار، أو تكشف عن مكيدة صنعها بعض المنافقين، أو تتحدَّث عن مقولة قالها أحد المشركين، أو ترفع شبهة أدلى بها أحد المغرضين، أو تزيل ريبًا وقع فيه بعض المؤمنين، أو تَبُتُّ في شكوى توجَّه بها إلى النبي ﷺ بعض المظلومين، أو تجيب عن سؤال، أو تمنٍّ صدر عن واحد أو أكثر من المسلمين أو المشركين، ونحو ذلك مما سيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى. والمراد بقولنا: "أيام وقوعه" أن الحادثة أو السؤال لا يصلح كلٌّ منهما سببًا للنزول إلّا إذا نزلت الآية أيام وقوعه، أو بعده بقليل، فهو قيد في التعريف لا بُدَّ منه للاحتراز عن الآية أو الآيات التي تنزل ابتداء من غير سبب، والتي تتحدَّث عن حوادث ماضية سبقت نزول الآية بزمن بعيد؛ لأن البيان لا يتأخَّر عن وقت الحاجة -كما يقول علماء الأصول- واحترازًا عن الآية أو الآيات التي تتحدَّث عن حوادث مستقبلة تقع بعد نزولها.

стр. 187

طرق معرفة أسباب النزول: يعتمد العلماء في معرفة أسباب النزول على صحَّة الرواية عن رسول الله ﷺ أو عن الصحابة، فإن إخبار الصحابي عن مثل هذا إذا كان صريحًا لا يكون بالرأي, بل يكون له حكم المرفوع. قال الواحدي في أوائل كتابه "أسباب النزول"١: "لا يحلُّ القول في

стр. 188

أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع مِمَّنْ شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها, وجدُّوا في الطلب". وهذا هو نهج علماء السلف، فقد كانوا يتورَّعُون عن أن يقولوا شيئًا في ذلك دون تثبت. "قال محمد بن سيرين: سألت عبيدة عن آية من القرآن فقال: "اتق الله وقل سدادًا، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل الله من القرآن"١, وهو يعني الصحابة. وإذا كان هذا هو قول "ابن سيرين"، من أعلام علماء التابعين، تحريًّا للرواية، ودقةً في الفصل، فإنه يدل على وجوب الوقوف عند أسباب النزول الصحيحة، ولذا فإن المعتمد من ذلك فيما روي من أقوال الصحابة ما كانت صيغته جارية مجرى المسند، بحيث تكون هذه الصيغة جازمة بأنها سبب النزول. وذهب السيوطي إلى أن قول التابعين إذا كان صريحًا في سبب النزول فإنه يُقْبَل، ويكون مرسلًا، إذا صحَّ المسند إليه، وكان من أئمة التفسير الذين أخذوا عن الصحابة كمجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، واعتضد بمرسل آخر٢. وقد أخذ الواحدي على علماء عصره تساهلهم في رواية سبب النزول، ورماهم بالإفك والكذب, وحذَّرهم من الوعيد الشديد، حيث يقول: "أما اليوم فكلُّ أحد يخترع شيئًا، ويختلق إفكًا وكذبًا، ملقيًا زمامه إلى الجهالة، غير مفكِّرٍ في الوعيد للجاهل بسبب الآية".

стр. 189

الصيغة التي يُعْرَف بها سبب النزول: "صيغة سبب النزول إما أن تكون نصًّا صريحًا في السببية، وإمَّا أن تكون محتملة. فتكون نصًّا صريحًا في السببية إذا قال الراوي: "سبب نزول هذه الآية كذا". أو إذا أتى بفاءٍ تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة، أو السؤال، كما إذا قال: "حديث كذا" أو "سئل رسول الله ﷺ عن كذا, فنزلت الآية" فهاتان صيغتان صريحتان في السببية، سيأتي لها أمثلة. وتكون الصيغة محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام إذا قال الراوي: "نزلت هذه الآية في كذا" فذلك يراد به تارةً سبب النزول، ويراد به تارة أنه داخل في معنى الآية. وكذلك إذا قال: "أحسب هذه الآية نزلت في كذا" أو "ما أحسب هذه الآية نزلت إلّا في كذا". فإن الراوي بهذه الصيغة لا يقطع بالسبب, فهاتان صيغتان تحتملان السببية وغيرها كذلك١. ومثال الصيغة الأولى: ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: "أنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية في إتيان النساء في أدبارهن". ومثال الصيغة الثانية ما أخرجه البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم, عن عبد الله بن الزبير, "أن الزبير خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا مع النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ في شراج من الحرة, وكانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرج الماء يمر، فأبى عليه، فقال رسول الله ﷺ : اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: اسق يا زبير, ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر, ثم أرسل الماء إلى جارك، واسترعى رسول الله ﷺ للزبير حقَّه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعةً له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله ﷺ الأنصاري, استرعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية نزلت إلّا في ذلك.

стр. 190

﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ١. قال ابن تيمية: قولهم: نزلت هذه الآية في كذا, يراد به تارةً سبب النزول، ويُرَاد به تارة أن ذلك داخل في الآية, وإن لم يكن السبب، وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا, هل يجري مجرى المسند, كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله, أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟ فالبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه, وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح؛ كمسند أحمد وغيره, بخلاف ما إذا ذكر سببًا عقبه, فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند"٢. وقال الزركشي في البرهان٣: "قد عُرِفَ من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنها تتضمَّن هذا الحكم, لا أن هذا كان السبب في نزولها, فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع".

стр. 191

تعدُّد الروايات في سبب النزول: قد تتعدد الروايات في سبب نزول الآية الواحدة, وتكون كلها صحيحة غير صريحة في بيان السبب, مثل قول الراوي: "نزلت هذه الآية في كذا" أو "أحسبها نزلت في كذا". وقد يكون بعضها صحيح صريح في بيان السببية، وبعضها صحيح غير صريح. كقول راوٍ: "نزلت الآية بسبب كذا", أو "حدث كذا وكذا فنزلت", أو "ما أراها إلّا نزلت بسبب كذا". وراوٍ آخر قال: نزلت في كذا. فهي صيغة محتملة للسبب والحكم معًا كما تقَدَّمَ، وقد ترد في نزول الآية روايات صحيحة صريحة وأخرى صريحة غير صحيحة.

стр. 192

وقد تكون الروايات متساوية في الصراحة والصحة, وكان من إحداها وجه من وجوه الترجيح. وقد تكون متساوية في الصحة، وليس في رواية منها وجه من وجوه الترجيح. فهذه خمس صور لكل صورة منها حكم يخصها. ١- أما الصورة الأولى: وهي أن ترد عدة روايات صحيحة غير صريحة في ذكر السبب، فهذه لا منافاة بينها، إذ المراد منها تفسير الآية، وبيان أن ذلك داخل فيها، ومستفاد منها، وليس المراد ذكر سبب النزول، إلّا إذا قامت قرينة على واحدة بأنَّ المراد بها السببية. والأمثلة في هذا كثيرة: ٢- وأما الصورة الثانية: وهي أن تكون بعض الروايات صحيحة صريحة، وبعضها صحيح غير صريح, فإنه يقدَّم الصحيح الصريح عن غيره قطعًا، وتحمل الرواية التي ليس فيها نصٌّ صريح على ذكر السبب على أنها بيان الحكم. ومثال ذلك ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ١. عن نافع قال: "قرأت ذات يوم ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ , فقال ابن عمر: أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن" فهذه الصيغة من ابن عمر غير صريحة في السببية. وقد جاء التصريح بذكر سبب يخالفه عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ . فجابر هو المعتمد؛ لأن كلامه نقل صريح، وهو نصٌّ في السبب، أما كلام ابن عمر فليس ينص, فيُحْمَل على أنه استنباط وتفسير.

стр. 193

٣- وأما الصورة الثالثة: وهي أن ترد في نزول الآية روايات صحيحة صريحة، وأخرى صريحة غير صحيحة, فإنه يُقَدَّمُ الصحيح الصريح على الصريح غير الصحيح. مثاله ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب البجلي قال: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلّا قد تركك، لم يقربك ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة, عن حفص بن ميسرة, عن أمه, عن أمتها، وكانت خادم رسول الله ﷺ أنَّ جروًا دخل بيت النبي ﷺ , فدخل تحت السرير، فمات، فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي, فقال: "يا خولة, ما حدث في بيت رسول الله ﷺ ؟ جبريل لا يأتيني! " فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرْضَى﴾ . "قال ابن حجر في شرح البخاري: قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفي إسناده مَنْ لا يُعْرَفُ، فالمعتمَد ما في الصحيحين"١. ٤- وأما الصورة الرابعة: وهي أن تكون الروايات متساوية في الصحة, وكان في أحدها وجه من وجوه الترجيح, فإنها تُقَدَّمُ الرواية الراجحة، كأن يكون الراوي مثلًا حضر القصة، أو أتى بوصف لم يأت به آخر، أو أقسم بالله على صحة ما روى، ونحو ذلك من المرجحات. مثاله ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: "كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمرَّ بنفرٍ من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه، فقال: حدِّثْنَا عن الروح، فقام ساعة ورفع رأسه، فعرفت أنه يوحي إليه، حتى صعد الوحي، ثم قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢.

стр. 194

وقد أخرج الترمذي وصحَّحَه عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الآية. فهذه الرواية تقتضي أنها نزلت بمكة حيث كانت قريش. والرواية الأولى تقتضي أنها نزلت بالمدينة، وترجَّح الرواية الأولى لحضور ابن مسعود القصة، ثم لما عليه الأمة من تلقي صحيح البخاري بالقبول, وترجيحه على ما صحَّ في غيره. وقد اعتبر الزركشي هذا المثال من باب تعدد النزول وتكرره١. فتكون هذه الآية قد نزلت مرتين, مرة بمكة ومرة بالمدينة، واستند في ذلك إلى أن سورة "سبحان" مكية بالاتفاق. وإني أرى أن كَوْن السورة مكية لا ينفي أن تكون آية منها أو أكثر مدنية، وما أخرجه البخاري عن ابن مسعود يدل على أن هذه الآية: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ مدنية. فالوجه الذي اخترناه من ترجيح رواية ابن مسعود على رواية الترمذي عن ابن عباس أَوْلَى من حمل الآية على تعدُّد النزول وتكرره. ولو صحَّ أن الآية مكية, وقد نزلت جوابًا عن سؤال, فإن تكرار السؤال نفسه بالمدينة لا يقتضي نزول الوحي بالجواب مرة أخرى، بل يقتضي أن يجبب الرسول ﷺ بالجواب الذي نزل عليه من قبل. ٥- وأما الصورة الخامسة: وهي أن ترد الروايات متساوية في الصحة, وليس في إحداها ما يرجحها على غيرها, فإنه يجمع بينها إن أمكن ذلك بلا تكلُّف، فتكون الآية قد نزلت على سببين أو أكثر، ولا مانع من ذلك إن تقارب نزول الآية على هذين السببين أو الأكثر.

стр. 195

ومثاله ما ورد في سبب نزول آيات اللعان، من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ . إلى قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ ١. فقد أخرج البخاري والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس أنها نزلت في هلال ابن أمية، قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال: سل رسول الله ﷺ عن رجل وجد مع امرأته رجلًا, أيقتله فيُقْتَلُ به أم كيف يصنع؟ فجمع بينها بوقوع حادثة هلال أولًا، وصادف مجيء عويمر كذلك، فنزلت في شأنهما معًا بعد حادثتيهما. قال ابن حجر: لا مانع من تعدُّد الأسباب، وإن لم يمكن الجمع لتباعد الزمن, فإنه يحمل على تعدد النزول وتكرره. ومثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال: "لما حضر أبا طالب الوفاة, دخل عليه رسوله ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: أي عم، قل: لا إله إلا الله, أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْه عنه، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٢. وأخرج الترمذي عن علي قال: "سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان, فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت". وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: "خرج النبي ﷺ يومًا إلى المقابر، فجلس إلى قبرٍ منها، فناجاه طويلًا ثم بكى، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، وإني استأذنت ربي في الدعاء لهم, فلم يأذن لي، فأنزل علي:

стр. 196

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . فجُمِعَ بين هذه الروايات بتعدد النزول. ومن أمثلته كذلك ما رواه البيهقي والبزَّار عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ وقف على حمزة حين استُشْهِدَ وقد مُثِّلَ به، فقال: لأمثِّلَنَّ بسبعين منهم مكانك، فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف بخواتيم سورة النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة". فهذا يدل على نزولها يوم أحد. وجاء في رواية أخرى أخرجها الترمذي والحاكم عن أُبَيّ بن كعب أنها نزلت يوم فتح مكة، والسورة مكية، فجُمِعَ بين ذلك بأنها نزلت بمكة قبل الهجرة مع السورة، ثم بأُحُدٍ، ثم يوم الفتح. ولا مانع من ذلك لما فيه من التذكير بنعمة الله على عباده، واستحضار شريعته. قال الزركشي في البرهان: "وقد ينزل الشيء مرتين تعظيمًا لشأنه وتذكيرًا عند حدوث سببه خوف نسيانه، كما قيل في الفاتحة نزلت مرتين: مرة بمكة وأخرى بالمدينة. قال الشيخ منَّاع القطان: "لا أرى لهذا الرأي وجهًا مستساغًا، حيث لا تتضح الحكمة من تكرار النزول، وإنما أرى أن الروايات المتعدِّدَة في سبب النزول ولا يمكن الجمع بينها يتأتَّى فيها الترجيح. فالروايات الواردة في سبب نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ... الآية. ترجح فيها الأولى على الروايتين الأخيرتين؛ لأنها وردت في الصحيحين دونهما، وحسبك برواية الشيخين قوة. فالراجح أن الآية نزلت في أبي طالب.

стр. 197

وكذلك الشأن في الروايات التي وردت في سبب نزول خواتيم سورة النحل، فإنها ليست في درجة سواء، والأخذ بأرجحها أَوْلَى من القول بتعدد النزول وتكرره"١ أ. هـ. وهذا صحيح؛ لأن السُّنَّة الصحيحة لا تَعَارُضَ فيها، وإن بدا لآحاد الناس ما يوهم التعارض، فهو من قِبَلِ أنفسهم، وذلك لقلة علمهم بوسائل الترجيح, وضعف أفهامهم لفحوى المتون. والجمع بين الروايات الصحيحة هو ما ينبغي المصير إليه متى أمكن ذلك، بشرط أن تكون علة الجمع مقبولة عند أكثر العلماء. فإن لم تكن هناك علة مقبولة تجمع بين الروايات الصحيحة، فالترجيح أمر لا بُدَّ منه. قال الشاطبي في الموافقات٢: "إن كل مَنْ تحقَّقَ بأصول الشريعة فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل مَنْ حقَّقَ مناط المسائل فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها ألبتة، فالمتحقِّقُ بها متحقِّقٌ بما في الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما؛ بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ، أمكن التعارض بين الأدلة عندهم" أ. هـ.

стр. 198

الخلاصة مدخل ... الخلاصة: والخلاصة أنه إذا تعدَّدَت الروايات في سبب نزول الآية أو الآيات، وكانت كلها صحيحة صريحة في ذكر السبب، أي: جاءت على الصيغة التي تعتبر نصًّا في السببية على ما قدَّمْنَاه، فإنه يُجْمَعُ بينها إن أمكن الجمع، بأن تُحْمَلَ على تعدُّد الأسباب في النزول ما دامت هذه الأسباب متقاربة، فإن لم يمكن الجمع بينها بحثنا عن مرجِعٍ لإحداها، والمرجّحات كثيرة يعرفها أهل الاجتهاد والنظر.

стр. 199

ولا يحمل تعددها على تعدد النزول على الراجح عندي لما قد علمت من قول الشاطبي المتقدِّم.

стр. 200

تعدُّد النازل والسبب واحد: ذكرنا فيما سبق أنه إذا تعدَّدت الروايات في أسباب النزول، وكانت كلها صحيحة صريحة جمع بينها إن كانت متقاربة في الزمان، فتكون كلها أسبابًا لنازل واحد. وكما تتعدَّدُ الأسباب لنازل واحد, قد يتعدد النازل لسبب واحد، فينزل لهذا السبب آيتان فأكثر في موضعين فأكثر. ومثاله ما أخرجه الحاكم والترمذي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله, لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء, فأنزل الله من سورة آل عمران: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ ١. وأخرج الحاكم أيضصا عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله, تذكر الرجال ولا تذكر النساء, فأُنْزِلَت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ٢. وأنزلت: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ . وأخرج الحاكم أيضًا أنها قالت: تغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٣. وأنزل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات﴾ .

стр. 201

أقسام السبب: قد تتبَّعت أسباب النزول في مظانِّها, فوجدت ما صحَّت أسانيدها لا تخرج عن ستة أقسام: الأول: ما يتوقف فَهْمُ الآية على العلم به، كأن يكون المعنى مبهمًا لا يُعْرَف من الألفاظ وحدها، ولا من القرائن المحيطة به، فإذا ذُكِرَ السبب اتضح المراد منه، وهذا القسم مما ينبغي للمفسِّر أن يبحث عنه قبل الخوض في تفسير الآية، حتى لا يضلَّ عن المراد منها. وذلك مثل السبب الذي نزل فيه لقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ . فقد نزلت في خولة بنت ثعلبة. روى الحاكم وصحَّحَه عن عائشة قالت: تبارك الذي وسِعَ سمعُه كل شيء, إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وتقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني حتى إذ كبر سني، وانقطع ولدى, ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ . -وهو أوس بن الصامت" أ. هـ١. ومن هذا القسم أيضًا ما نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.

стр. 202

فقد قال ابن كثير في تفسيره: "نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعنون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقص -عليهم لعائن الله- فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولون: راعنا، يورون بالرعْوَنة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ١. قال ابن عباس ﵄ في سبب نزول الآية: كانوا يقولون للنبي ﷺ : "أرعنا سمعك, وإنما "راعنا" كقولك: عاطنا. وقال السدي: "كان رجل من اليهود من بني قينقاع يُدعى رفاعة بن زويد، يأتي النبي ﷺ ، فإذا لقيه فكلَّمه قال: أرعني سمعك واسمع غير مسمع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخَّم بهذا، فكأن ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع، غير صاغ، وهي كالتي في سورة النساء، فتقدَّمَ الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا: راعنا"٢. ومن هذا القسم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ ٤. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ٥. وأضرابها، فإنها من المبهمات التي يعتمد في تعيين مَنْ تُعْنِيهِم هذه الآيات على معرفة أسباب النزول. الثاني من الأقسام: ما يبين الإجمال ويزيل الإشكال, وهو قريب من القسم الأول، فقد لا يكون المعنى في الآية مبهمًا، ولكن يكون مجملًا، بمعنى: أن المعنى الراجح في الآية غير واضح، فيقع الإشكال في فهم المراد، فإذا عُرِفَ

стр. 203

السبب الذي نزلت عليه الآية، ظهر المعنى الراجح، وتلاشى المعنى المرجوح الذي توهمه المخاطب من الإجمال، فارتفع الإشكال، من هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١. فقد وقع الإجمال في الاسم الموصول "مَنْ", فإنه لا يُعْرَفُ مَنْ المراد على وجه التحقيق بما وقع في حيزه من شرط وجواب، هل هم اليهود وحدهم بدليل السياق، أم المراد عموم المكلَّفين، فإذا عُلِمَ من سبب النزول أن المراد به اليهود والنصارى, عُلِمَ أن الذين تركوا الحكم بالتوراة والإنجيل لا يتعجب منهم أن يكفروا بمحمد ﷺ . وسوابق الآية ولواحقها يدل على ذلك، غير أنه لا يمنع أن تتناول الآية بعمومها جميع المكلَّفين إن تركوا الحكم بما أنزل الله جملة، وأصرُّوا على ذلك, وفعلوا ما فعله اليهود والنصارى من تحريف الكِتَاب، وترك العمل به، بناءً على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقول الجمهور من المحققين. ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢. فإنها من قبيل المجْمَل الذي يحتاج بيان المراد منه على وجه التحديد، إذ يتناول لفظ الظلم جميع الذنوب التي يقترفها الإنسان، لهذا أشكل على الصحابة معناها، فأفصح لهم الرسول ﷺ عن مراد الله منها. قال البخاري: حدَّثَنَا محمد بن بشَّار, حدَّثَنَا ابن أبي عدي, عن شعبة, عن سليمان, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله "يعني: ابن مسعود" قال: لما نزلت: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ . قال أصحابه: وأيُّنَا لم يظلم نفسه؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .

стр. 204

القسم الثالث: ما لا يبين مجملًا ولا يؤول متشابهًا، ولكن يبين تناسب الآيات، وارتباط بعضها ببعض، والكشف عن وجه تعلُّق الشرط بالجزاء مثلًا، أو الصفة بالموصوف, كما في قوله تعالى من سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١. فإن لفظ اليتامى يشمل جمع الذكور والإناث، ولا يتبيَّن ارتباط الشرط بالجواب مع هذا السياق إلّا على وجهٍ من الوجوه المحتملة، لخفاء الملازمة بينهما، فبينها ما ورد في الصحيح عن عائشة ﵂، فقد سألها عروة ابن الزبير عنها فقالت: "هذه اليتيمة تكون في حجر وليها, تشركه في ماله, فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فنُهُوا أن ينكحوهن إلّا أن يقسطوا لهن في الصداق، فأُمِرُوا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن". فهذه الآية نزلت بسبب ما كان يقع من أولياء اليتامى في الجاهلية من ظلمٍ لليتيمات، علمت به عائشة ﵂ من رسول الله ﷺ وهو الأظهر؛ لأن قول الصحابي له حكم المرفوع، وهي ﵂ لا تفتي إلَّا بما علمت، ويحتمل أن تكون قد عرفت ذلك بالمشاهدة, كما دلَّ عليه ما رواه البخاري في صحيحه قال: أخبرني هشام بن عروة عن أبيه, عن عائشة: "أن رجلًا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء, فنزلت فيه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ . أحسبه قال: أنت شريكته في ذلك العذق وفي ماله". وفي صحيح البخاري أيضًا, قال عروة: قالت عائشة: "وإنَّ الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾ . قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى:

стр. 205

﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ . رغبة أحدكم عن يتيمة حني تكون قليلة المال والجمال، فنُهُوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلّا بالقسط، ومن أجل رغبتهم عنهن؛ إذ كنَّ قليلات المال والجمال". القسم الرابع: حوادث قامت عليها تشريعات وأحكام, ولكنها لا تبين مجملًا، ولا ترفع إبهامًا، ولا تخالف مدلول الآية بوجه تخصيص أو تعميم أو تقييد، ولكنها إذا ذكرت أمثالها وجدت مساوية لمدلولات الآيات النازلة عند حدوثها. أي: إن سبب النزول وهو الحادثة التي وقعت, لو جهِلَها المفسِّر لا يضرُّه عدم العلم بها، وإذا نظر إلى الآيات النازلة فيها وقع في خلده أنها نزلت على غير سبب، فإذا ما نزل إلى السبب وجده موافقًا لما تدل عليه الآية فيزداد بمعرفته فهمًا لها. مثل حادثة عويمر العجلاني الذي نزلت بسببه آيات اللعان. فإنه من نظر إلى آيات اللعان دون أن يلاحظ السبب الذي نزلت عليه لا يخطئ في فهم المراد منها؛ لأن فهمها لا يتوقَّف على سبب نزولها، وهي تشريع عام لا يقتصِر على عويمر وحده. ومثل حادثة كعب بن عجرة التي نزلت بسببها آية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ ١. فقد روى البخاري في صحيحه أن عبد الله بن معقل قال: "قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -يعني: مسجد الكوفة- فسألته عن "فدية الصيام" فقال: حُمِلْتُ إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا! أما تجد شاة؟ قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكلِّ مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك، فنزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة". القسم الخامس: هو حوادث تكثر أمثالها تختص بشخص واحد, فنزلت الآية لإعلانها وبيان أحكامها، وزجر من يرتكبها.

стр. 206

فكثيرًا ما تجد المفسرين وغيرهم يقولون: نزلت في كذا وكذا, وهم يريدون أن من الأحوال التي تشير إليها تلك الآية تلك الحالة الخاصة, فكأنهم يريدون التمثيل. ففي كتاب الإيمان من صحيح البخاري في باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ١. أن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله: "مَنْ حَلَفَ على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان". فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية. فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، قال: فيَّ أنزلت، لي بئر في أرض ابن عم لي.... إلخ. فابن مسعود جعل الآية عامة؛ لأنه جعلها تصديقًا لحديث عام، والأشعث بن قيس ظنها خاصة به إذ قال: "فيَّ أنزلت" بصيغة الحصر. ومثل الآيات النازلة في المنافقين في سورة براءة المفتَتَحَة بقوله تعالى "ومنهم - ومنهم", ولذلك قال ابن عباس: كنا نسمي سورة التوبة سورة الفاضحة. ومثل قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢. فلا حاجة لبيان أنها نزلت لما أظهر بعض اليهود مودة المؤمنين. وهذا القسم قد أكثر من ذكره أهل القصص وبعض المفسرين, ولا فائدة في ذكره، على أنه ذكره قد يوهم القاصرين قصر الآية على تلك الحادثة لعدم ظهور العموم من ألفاظ تلك الآيات. القسم السادس: حوادث حدثت, وفي القرآن آيات تناسب معانيها سابقة أو لاحقة، فيقع في عبارات بعض السلف ما يوهِمُ أن تلك الحوادث هي المقصودة

стр. 207

من تلك الآيات، مع أن المراد أنها مما يدخل في معنى الآية، ويدلّ لهذا النوع وجود اختلاف كثير بين الصحابة في كثير من أسباب النزول. وأمثلته كثيرة؛ ذكر منها السيوطي في الإتقان جملة في المسألة الخامسة من أسباب النزول. منها: ما رواه البخاري أن ابن عباس قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ ١, بألف بعد لام السلام، وقال: كان رجل في غنيمة له "تصغير غنم" فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم, فقتلوه "أي: ظنُّوه مشركًا يريد أن يتقي منهم السلام", وأخذوا غنيمته, فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ الآية. فالقصة لا بُدَّ أن تكون قد وقعت؛ لأن ابن عباس رواها، لكن الآية ليست نازلة فيها بخصوصها, بل نزلت في أحكام الجهاد, بدليل ما قبلها وما بعدها، فإن قبلها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ . وبعدها: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ . ومنها ما جاء في صحيح البخاري من نزاع الزبير والأنصاري في شراج الحرة, وقد تقدَّمَ ذكره, ففيه قال الزبير: فما أحسب هذه الآيات إلّا نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ الآية. نقل السيوطي في الإتقان عن الزركشي أنه قد عَرِفَ من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا, فإنه يريد بذلك أنها تتضمَّن هذا الحكم, لا أن هذا كان السبب في نزولها. وقد سبق تفصيل ذلك في صيغة أسباب النزول.

стр. 208

العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص المسبب ... العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى القول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وذهب آخرون إلى أن العبرة بخصوص اللفظ لا بعموم السبب، ومعنى ذلك عندهم: أن لفظ الآية يكون مقصورًا على سببه. أما ما يماثله فلا يُعْلَمُ حكمه من نصِّ الآية، وإنما يُعْلَمُ بدليلٍ آخر, وهو القياس المستوفي للشروط المقررة عند علماء الأصول، وهذا الخلاف القائم بين الفريقين محله إذا لم تقم قرينة على تخصيص لفظ الآية العام بسبب نزوله، أما إذا قامت تلك القرينة, فإن الحكم يكون مقصورًا على سببه لا محالة، بإجماع العلماء. كما يجب أن نلاحظ أيضًا أن حكم النصِّ العام الوارد على سبب يتعدَّى عند هؤلاء وهؤلاء إلى أفراد غير السبب، بيد أن الجمهور يقولون: إنه يتناولهم بهذا النصِّ نفسه، وغير الجمهور يقولون: إنه لا يتناولهم إلّا قياسًا, أو بنصٍّ آخر كالحديث المعروف: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". وإلى هذا المعنى يشير ابن تيمية بقوله: "وقد يجئ كثيرًا من هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا، كقوله: إن آية الظهار نزلت في امراة قيس بن ثابت، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وإن آية قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه﴾ ١. نزلت في بني قريظة والنضير، ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق. والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب، هل يخص سببه؟ لم يقل أحدٌ إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعيَّن، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص، فتعمّ ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب

стр. 209

اللفظ، والآية التي لها سبب معيَّن إن كانت أمرًا أو نهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته" أ. هـ.١. والأصل هو حمل الألفاظ على معانيها المتبادرة منها عند الإطلاق, أي: عند عدم وجود صارف يصرف عن ذلك المتبادر. وحيث لا صارف للفظ عن إرادة العموم بقي على عمومه -كما يقول علماء الأصول. وخصوص السبب ليس صارفًا عن إرادة العموم، فلا يستلزم إخراج غير السبب تناول اللفظ العام إياه، إذ لا يصلُح السبب وحده أن يكون قرينةً مانعةً من إرادة المعنى العام. لذا كان قول الجمهور بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أصحّ من قول غيرهم.

стр. 210

الرد على السيوطي في هذه المسألة: ويرى الإمام السيوطي أن هناك آيات نزلت في معيَّنٍ، ولا عموم للفظها فتقتَصِرُ عليه، ولا تتعداه إلى غيره، قال ﵀: "قد علمت مما ذكر أن فرض المسألة في لفظ له عموم، أما آية نزلت في معين ولا عموم للفظها، فإنها تقتصر عليه قطعًا، كقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ . فإنها نزلت في أبي بكر الصديق بالإجماع، وقد استدلَّ بها الإمام فخر الدين الرازي مع قوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ , على أنه أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ . ووهم من ظنَّ أن الآية عامَّة في كل من عمل عمله، إجراء له على القاعدة، وهذا غلط، فإن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم؛ إذ الألف واللام إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أو معرفة في جمع، زاد قوم: أو مفرد، بشرط ألَّا

стр. 211

يكون هناك عهد، واللام في "الأتقى" ليست موصولة؛ لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعًا، و "الأتقى" ليس جمعًا, بل هو مفرد, والعهد موجود، خصوصًا مع ما يفيده صيغة "أفعل" من التمييز وقطع المشاركة، فبطل القول بالعموم، وتعيَّن القطع بالخصوص, والقَصْرِ على مَنْ نزلت فيه ﵁"١. وفي كلام السيوطي هذا نظر من وجوه: الأول: إن الآية التي نزلت في معين، ولا عموم للفظها تقتصر عليه قطعًا -قول غير مسلَّم على إطلاقه, بل هو محمول على خلوِّ الكلام من قرينةٍ تدل على العموم، فإذا ما وُجِدَت قرينةٌ تدل على العموم فلا يكون اللفظ مقصورًا على سببه قطعًا. الثاني: استدلاله على قوله هذا بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ . وأنها نزلت في أبي بكر, وحكاية الإجماع على ذلك غير مسلَّم. فالآية عامة في كل من عمل عمله، كما قال كثير من المفسرين. قال ابن كثير في تفسيره٢: "وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شكَّ أنه داخل فيها، وأَوْلَى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم", ونقل القاسمي في تفسيره٣ هذا القول وارتضاه. ولفظ "الأتقى" في الآية, بمعنى التقى, كما يقول الطبري في تفسيره٤. قال القرطبي في تفسيره٥: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ أي: يكون بعيدًا منها، ﴿الْأَتْقَى﴾ أي: المتقي الخائف.

стр. 212

قال ابن عباس: هو أبو بكر ﵁، يزحزح عن دخول النار، ثم وصف الأتقى فقال: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ , أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، ولا يطلب بذلك رياء ولا سمعة، بل يتصدَّق به مبتغيًا به وجه الله تعالى. وقال بعض أهل المعاني: أراد بقوله: "الأتقى" و"الأشقى", أي: التقيّ والشقي، كقول طرفة: تعنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي واحد ووحيد، وتوضع "أفعل" موضع فعيل، نحو قولهم: الله أكبر, بمعنى كبير، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه﴾ ١. بمعنى هيّن". والثالث: قوله: إن هذه الآية ليست فيها صيغة عموم, واتهامه مَنْ قال ذلك بالوهم والغلط، عكسه هو الصحيح، وما ذكره من القواعد النحوية لا يسلَّم له في هذه الآية لدلالة القرائن على العموم. من هذه القرائن سياق الآيات من قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ إلى آخر السورة. فإن الوعد والوعيد فيها عام، وذكر الأشقى والأتقى جاء مبالغة في وصف من نزلت الآيات بسببه، وأفعل التفضيل هنا ليس على بابه كما علمت. وإلّا فإن الشقي لا يصلاها، والتقي لا يتجنبها، وهذا غير مراد قطعًا، فتعيَّن أن اللفظ يفيد العموم بمفهومه، والله أعلم.

стр. 213

فوائد العلم بأسباب النزول: ١- العلم بأسباب النزول من الأمور التي لا غنى للمفسِّر عنها، فهو من العلوم التي تعينه على فهم المراد من كلام الله تعالى على وجه تطمئِنُّ النفس إليه.

стр. 214

وقد تقدَّمَ بيان شيء من ذلك في مقدمة هذا المبحث، وعند ذكر أقسام أسباب النزول، فقد قلنا هناك: إن منها ما يبين الإبهام ويرفع الإجمال، ويزيل الإشكال، وضربنا لذلك أمثلة، نضيف إليها هنا أمثلة أخرى؛ لكي تتحقق من أهمية هذا العلم في تقرير الأحكام، وبيان المعاني والمقاصد المرادة من كلام الله . أ- ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما, أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فَرِحٌ بما أوتي, وأحبَّ أن يُحْمَدَ بما لم يفعل يُعَذَّب، لنعذَّبَنَّ أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما نزلت في أهل الكتاب، ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية. قال ابن عباس: سألهم رسول الله ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخذوا بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه, واستحمدوا بذلك إليه, وفرحوا بما أوتوا من كتمان ما سألهم عنه". ب- ما جاء في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ٢. فإن ظاهر لفظ الآية لا يقتضي أن السعي فرض؛ لأن رفع الجناح يفيد الإباحة لا الوجوب، وذهب بعضهم إلى هذا تمسكًا بالظاهر، وقد ردَّت عائشة على عروة بن الزبير في فهمه ذلك بما ورد في سبب نزولها، وهو أن الصحابة تأثَّموا من السعي بينهما؛ لأنه من عمل الجاهلية، حيث كان على الصفا إساف، وعلى المروة نائلة، وهما صنمان، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما. "عن عائشة أن عروة قال لها: أرأيت قول الله:

стр. 215

﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ؟ فما أرى على أحدٍ جناحًا أن لا يطوَّفَ بهما؟ فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوَّلتها كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوَّف بهما، ولكنها إنما أنزلت لأنَّ الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلِّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهلَّ لها يتحرَّج أن يطوَّف بالصفا والمروة في الإسلام، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالت عائشة: ثم قد بَيَّنَ رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما" أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. "ج" ما جاء في سبب نزول قوله تعالى من سورة المائدة: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١. فهذه الآية إذا قطعت عن السبب الذي نزلت عليه لا يفهم مراد الله منها، لهذا تأوَّلها جماعة على غير وجهها, فوقعوا في حرج عظيم، وأباحوا لأنفسهم شرب الخمر وهي أم الكبائر. "روي أنَّ عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين فقدم الجاردو على عمر، فقال: إن قدامة شرب فسكر، فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ قال: الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول، وذكر الحديث، فقال عمر: يا قدامة إني جالدك! قال: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني، قال عمر: ولم؟ قال لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ إلخ. فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرَّم الله.
следующие страницы →