يكون هناك عهد، واللام في "الأتقى" ليست موصولة؛ لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعًا، و "الأتقى" ليس جمعًا, بل هو مفرد, والعهد موجود، خصوصًا مع ما يفيده صيغة "أفعل" من التمييز وقطع المشاركة، فبطل القول بالعموم، وتعيَّن القطع بالخصوص, والقَصْرِ على مَنْ نزلت فيه ﵁"١.
وفي كلام السيوطي هذا نظر من وجوه:
الأول: إن الآية التي نزلت في معين، ولا عموم للفظها تقتصر عليه قطعًا -قول غير مسلَّم على إطلاقه, بل هو محمول على خلوِّ الكلام من قرينةٍ تدل على العموم، فإذا ما وُجِدَت قرينةٌ تدل على العموم فلا يكون اللفظ مقصورًا على سببه قطعًا.
الثاني: استدلاله على قوله هذا بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ .
وأنها نزلت في أبي بكر, وحكاية الإجماع على ذلك غير مسلَّم.
فالآية عامة في كل من عمل عمله، كما قال كثير من المفسرين.
قال ابن كثير في تفسيره٢: "وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شكَّ أنه داخل فيها، وأَوْلَى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم", ونقل القاسمي في تفسيره٣ هذا القول وارتضاه.
ولفظ "الأتقى" في الآية, بمعنى التقى, كما يقول الطبري في تفسيره٤.
قال القرطبي في تفسيره٥: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ أي: يكون بعيدًا منها، ﴿الْأَتْقَى﴾ أي: المتقي الخائف.
стр. 212
قال ابن عباس: هو أبو بكر ﵁، يزحزح عن دخول النار، ثم وصف الأتقى فقال:
﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ , أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، ولا يطلب بذلك رياء ولا سمعة، بل يتصدَّق به مبتغيًا به وجه الله تعالى.
وقال بعض أهل المعاني: أراد بقوله: "الأتقى" و"الأشقى", أي: التقيّ والشقي، كقول طرفة:
تعنى رجال أن أموت وإن أمت
فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أي واحد ووحيد، وتوضع "أفعل" موضع فعيل، نحو قولهم: الله أكبر, بمعنى كبير، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه﴾ ١. بمعنى هيّن".
والثالث: قوله: إن هذه الآية ليست فيها صيغة عموم, واتهامه مَنْ قال ذلك بالوهم والغلط، عكسه هو الصحيح، وما ذكره من القواعد النحوية لا يسلَّم له في هذه الآية لدلالة القرائن على العموم.
من هذه القرائن سياق الآيات من قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ إلى آخر السورة.
فإن الوعد والوعيد فيها عام، وذكر الأشقى والأتقى جاء مبالغة في وصف من نزلت الآيات بسببه، وأفعل التفضيل هنا ليس على بابه كما علمت.
وإلّا فإن الشقي لا يصلاها، والتقي لا يتجنبها، وهذا غير مراد قطعًا، فتعيَّن أن اللفظ يفيد العموم بمفهومه، والله أعلم.
стр. 213
فوائد العلم بأسباب النزول:
١- العلم بأسباب النزول من الأمور التي لا غنى للمفسِّر عنها، فهو من العلوم التي تعينه على فهم المراد من كلام الله تعالى على وجه تطمئِنُّ النفس إليه.
стр. 214
وقد تقدَّمَ بيان شيء من ذلك في مقدمة هذا المبحث، وعند ذكر أقسام أسباب النزول، فقد قلنا هناك: إن منها ما يبين الإبهام ويرفع الإجمال، ويزيل الإشكال، وضربنا لذلك أمثلة، نضيف إليها هنا أمثلة أخرى؛ لكي تتحقق من أهمية هذا العلم في تقرير الأحكام، وبيان المعاني والمقاصد المرادة من كلام الله .
أ- ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.
فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما, أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فَرِحٌ بما أوتي, وأحبَّ أن يُحْمَدَ بما لم يفعل يُعَذَّب، لنعذَّبَنَّ أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما نزلت في أهل الكتاب، ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية.
قال ابن عباس: سألهم رسول الله ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخذوا بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه, واستحمدوا بذلك إليه, وفرحوا بما أوتوا من كتمان ما سألهم عنه".
ب- ما جاء في سبب نزول قوله تعالى:
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.
فإن ظاهر لفظ الآية لا يقتضي أن السعي فرض؛ لأن رفع الجناح يفيد الإباحة لا الوجوب، وذهب بعضهم إلى هذا تمسكًا بالظاهر، وقد ردَّت عائشة على عروة بن الزبير في فهمه ذلك بما ورد في سبب نزولها، وهو أن الصحابة تأثَّموا من السعي بينهما؛ لأنه من عمل الجاهلية، حيث كان على الصفا إساف، وعلى المروة نائلة، وهما صنمان، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما.
"عن عائشة أن عروة قال لها: أرأيت قول الله:
стр. 215
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ؟
فما أرى على أحدٍ جناحًا أن لا يطوَّفَ بهما؟ فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوَّلتها كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوَّف بهما، ولكنها إنما أنزلت لأنَّ الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلِّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهلَّ لها يتحرَّج أن يطوَّف بالصفا والمروة في الإسلام، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية.
قالت عائشة: ثم قد بَيَّنَ رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما" أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
"ج" ما جاء في سبب نزول قوله تعالى من سورة المائدة:
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١.
فهذه الآية إذا قطعت عن السبب الذي نزلت عليه لا يفهم مراد الله منها، لهذا تأوَّلها جماعة على غير وجهها, فوقعوا في حرج عظيم، وأباحوا لأنفسهم شرب الخمر وهي أم الكبائر.
"روي أنَّ عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين فقدم الجاردو على عمر، فقال: إن قدامة شرب فسكر، فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ قال: الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول، وذكر الحديث، فقال عمر: يا قدامة إني جالدك! قال: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني، قال عمر: ولم؟ قال لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ إلخ.
فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرَّم الله.
стр. 216
وفي رواية: فقال: لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله, فقال عمر: وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ قال: إن الله يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر الآية.
فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله ﷺ بدرًا وأحدًا، والخندق، والمشاهد، فقال عمر: ألا تردون عليه قوله؟ فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرًا للماضين، وحجَّة على الباقين؛ لأن الله يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ ١.
ثم قرأ إلى آخر الآية الأخرى، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، فإن الله قد نهى أن يشرب الخمر، قال عمر: صدقت، الحديث.
وحكى إسماعيل القاضي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، فقالوا: هي لنا حلال، وتأوَّلُوا هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.
قال: فكتب فيهم إلى عمر، قال: فكتب عمر إليه: أن أبعث بهم إلي قبل أن يفسدوا من قبلك، فلما أن قدموا على عمر استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين, نرى أنهم قد كذَبُوا على الله، وشرَّعوا في دينه ما لم يأذن به.. إلى آخر الحديث"٢.
وما قاله ابن عباس صحيح يؤيده ما رواه البخاري عن أنس ﵁ قال: "كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة, وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: "ألا إنَّ الخمر قد حُرِّمَتْ" قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها, فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله:
стр. 217
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية.
من هذه الأحاديث نعلم أن الغفلة عن أسباب النزول تؤدي حتمًا إلى فساد التأويل، وأن العلم بها ضروري في تصحيح الفهم، ودفع الاشتباه.
قال الشاطبي١: "وهذا شأن أسباب النزول في التعريف بمعاني المنزَّل، بحيث لو فُقِدَ ذكر السبب لم يُعْرَف من المنزَّل معناه على الخصوص، دون تطرُّق الاحتمالات وتوجُّه الإشكالات.
٢- ومن فوائد العلم بأسباب النزول أيضًا بيان أن القيد في الآية معتَبَرٌ في تقرير الحكم، بل هو لبيان الحال والواقع، أو بيان الغالب، ونحو ذلك.
كما في قوله تعالى من سورة الطلاق:
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ ٢.
فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة حتى قال الظاهرية بأن الآية لا عِدَّة عليها إذ لم ترتب، وقد بيَّنَ ذلك سبب النزول، وهو أنه لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد النساء، قالوا: قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن: الصغار والكبار، فنزلت، أخرجه الحاكم عن أُبَيّ.
فعلم بذلك أن الآية خطاب لمن لم يعلم ما حكمهن في العدة، وارتاب:
هل عليهن عدة أو لا؟ وهل عدتهم كاللاتي في سورة البقرة أو لا؟ فمعنى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُم﴾ إن أُشْكِلَ عليكم حكمهن, وجهلتم كيف يعتدون, فهذا حكمهن, ومثله ما جاء في قوله تعالى من سورة النور:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
стр. 218
فقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ .
ليس قيدًا في النهي, وإنما هو لبيان الحال التي كنَّ عليه من الإناء والتمنُّع بعد أن أسلمن وحَسُنَ إسلامهن، كما يدل عليه سبب النزول الذي لولاه لتَوَهَّمَ متوهِمٌ أن هذا الشرط قيد في النهي.
قال ابن كثير في تفسيره١: "كان أهل الجاهلية إذا كَان لأحدهم أمة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلمَّا جاء الإسلام نهى الله المسلمين عن ذلك.
وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة -فيما ذكره غير واحد من المفسِّرين من السلف والخلف- في شأن عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يكرههنَّ على البغاء طلبًا لخراجهن، ورغبةً في أولادهن، ورياسةً منه فيما يزعم".
وساق الآثار الواردة في ذلك، منها:
ما رواه الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ﵀ في مسنده، قال: حدثنا أحمد بن داود الواسطي، حدثنا أبو عمرو اللخمي -يعني: محمد بن الحجَّاج- حدَّثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري قال: كانت جارية لعبد الله بن أُبَيّ بن سلول, يقال لها: معاذة، يكرِهُهَا على الزنا، فلما جاء الإسلام نزلت: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
٣- ومن فوائد العلم به: "دفع توهم الحصر، قال الشافعي ما معناه في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ ٢ الآية.
стр. 219
إن الكفَّار لما حرَّموا ما أحلَّ الله، وأحلُّوا ما حرَّم الله، وكانوا على المضادة والمحادَّة, فجاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلّا ما حرَّمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلًا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول: لا آكل اليوم إلّا الحلاوة، والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة، فكأنه تعالى قال: لا حرام إلّا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ لغير الله به، ولم يقصد حلّ ما وراءه؛ إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل.
قال إمام الحرمين: وهذا في غاية الحسن، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرَّمات فيما ذكرته الآية"١.
٤- ومن فوائد العلم به: معرفة اسم مَنْ نزلت فيه الآية على التعيين، حتى لا يشتبه بغيره فيُتَّهَم البرئ، ويبَرَّأُ المريب.
ولهذا ردَّت عائشة على مروان حين أتهم أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر بأنه الذي نزلت فيه آية:
﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ ٢، إلى آخر الآية.
وقالت: "والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسمَّيته" إلى آخر تلك القصة٣.
قال ابن كثير: من زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم بعد ذلك وحَسُنَ إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه.
قال: وإنما هذا عام في كلِّ من عقَّ والديه وكذَّب بالحق، وساق قصة مروان بن الحكم مع عبد الرحمن بن أبي بكر بطولها، وبألفاظها المختلفة، معزُوَّةً لابن أبي حاتم والبخاري والنسائي، فراجعها في تفسيره٤ إن شئت.
وقد كانت عائشة ﵂ تعرف اسم الرجل الذي نزلت فيه الآية، ولكن أدبها وحياءها وتقواها أَبَى عليها أن تذكره، ولأن ذكره يخلو من الفائدة,
стр. 220
ومعرفته على التعيين لا تعين على فهم الآية، ويكفيها أنها برَّأت أخاها من هذه التهمة التي رماها بها مروان.
٥- ومن فوائد العلم بأسباب النزول كما قال الزرقاني١: "تيسير الحفظ، وتسهيل الفهم، وتثبيت الوحي في ذهن كل من يسمع الآية إذا عرف سببها، وذلك لأن ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة، كل أولئك من دواعي تقرر الأشياء وانتقاشها في الذهن وسهولة استذكارها عند استذكار مقارناتها في الفكر، وذلك هو قانون تداعي المعاني المقرَّر في علم النفس" أ. هـ.
٦- ومن فوائد العلم به معرفة حكمة الله تعالى فيما شرعه لعباده في الكتاب العزيز على وجه يفيد اليقين، فإن المفسِّر إذا عرف سبب النزول اطمأنت نفسه إلى صحة ما يقول لمعرفته به، وبالإضافة إلى المعاني التي استنبطها من اللغة، والنقل الصحيح عن الصحابة والتابعين في التأويل.
فالسبب إن لم يكن دليلًا على صحة المعنى، وسلامة التأويل, فهو من الأمور التي يستأنس بها في ذلك، ولا شك.
ولهذه الفوائد وغيرها بالَغَ العلماء في العناية بهذا العلم، وأطنبوا في شرحه وتفصيل مسائله، وتتبعوا الآثار الواردة فيه، فأفرده بالتأليف جماعة أقدمهم عليّ بن المديني شيخ البخاري -كما يقول السيوطي في الإتقان.
ومنهم الواحدي، فقد ألَّف كتابًا سماه: "أسباب النزول"، واختصره الجعبري بحذف أسانيده ولم يزد عليه شيئًا.
وألَّف السيوطي فيه كتابًا جامعًا لما أتى به الواحدي مع زيادات كثيرة سماه: "لباب النقول في أسباب النزول".
وأُلِّفَت في هذا العلم رسائل جامعية منها:
رسالة للدكتور محمد يوسف القاسم.
ولا يزال هذا العلم في حاجة إلى تنقيح وتمحيص.
نسأل الله أن يوفقنا للإسهام في ذلك العمل الجليل، إنه حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 221
المبحث التاسع عشر: معرفة المحكم من المتشابه
مدخل
...
المبحث التاسع عشر: معرفة المحكم من المتشابه
القرآن كله محكم باعتبار، وكله متشابه باعتبار، وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار.
وبيان ذلك في تحديد معنى الإحكام والتشابه في اللغة، فإن المعنى اللغوي يفصِحُ عن الاعتبارات الثلاثة.
وتحديد المعنى الاصطلاحي للإحكام والتشابه يخصِّص المعنى اللغوي ويحدِّد مجال البحث، ويكشف عن أهميته, وعن الأحكام المتعلقة به، والمترتبة عليه.
والمعنى اللغوي ليس مجال اختلاف بين العلماء بخلاف المعنى الاصطلاحي، فإن الخلاف فيه كثير، وطلب الفصل فيه عسير.
ثم إن أقسام المتشابهه أيضًا كثيرة ومتنوعة، وكل قسم منها له فروعه ومسائله، ومحل بسطه كتب أصول الفقه.
وسنتكلم هنا بعون الله تعالى عن تعريف المحكم والمتشابه في اللغة والاصطلاح، ونذكر بعض أقوال العلماء في تحديدهما, وتمييز كلٍّ منهما عن الآخر، ثم نذكر أهمَّ أقسامه ومسائله، على أننا سنفرد لبعض هذه الأقسام بحوثًا خاصة تتلو هذا البحث, وذلك لطول الكلام فيها، وبالله التوفيق.
стр. 222
معنى الإحكام والتشابه في اللغة:
الإحكام في اللغة هو: الإتقان والمنع.
جاء في لسان العرب: أحكم الأمر: أتقنه، والحكيم: المتقِنُ للأمور، وحَكَمَ الشيء وأحكمه: منعه من الفساد.
قال الراغب في مفرداته: حكم أصله: منع منعًا لإصلاح. فقيل: حكمت الداية: منعتها بالحكمة -بكسر الحاء- وأحكمتها: جعلت لها حكمة -بفتح الحاء والكاف. أ. هـ. بتصرف.
стр. 223
والحكمة -بالفتح: هي ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه تمنعه من الاضطراب.
والحكمة -بكسر الحاء- كما قال الراغب: إصابة الحق بالعلم والعقل، والحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات، وفعل الخيرات.
والتشابه في اللغة: التماثل.
قال الفيروزأبادي في "بصائر ذوي التمييز"١: "المَثل والمِثل والمثيل كالشبه والشبه والشبيه، لفظًا ومعنًى".
قال ابن منظور في لسان العرب: المشتبهات: المشكلات، والشبهة: الالتباس.
وشبِّه عليه: خُلِطَ عليه الأمر حتى اشتبه بغيره.
ومن هذا نفهم أن المتشابه في العلم يدل على المشاركة والمماثلة والمشاكلة المؤدية إلى الالتباس غالبًا.
والقرآن الكريم كله محكَمٌ باعتبار أنه متقَنٌ في نظمه وأسلوبه وأحكامه، مانعٌ من دخول غيره فيه، ومن طروء الخلل في ألفاظه، والتناقض في معانيه.
وكله متشابه باعتبار أنه متماثلٌ في فصاحته وبلاغته، وحلاوته وطلاوته.
وبعضه محكم, وبعضه متشابه, باعتبار أن بعضه أحكام نصية، لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا، ولا يختلط الأمر في فهمها من هذا الوجه على أحد، وبعضه أحكام تحتمل أكثر من وجه، لحكمة سامية، سيأتيك بيانها إن شاء الله تعالى، وهي التي يقع فيها الاشتباه, ويتأتى في فهمها الاختلاط والالتباس.
ويدل على أن القرآن محكم كله بهذا الاعتبار قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ٢.
стр. 224
والدليل على أنه متشابه كله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١.
والدليل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه، قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢.
فلا تعارض كما علمت بين هذه الآيات؛ لأن كلًّا منها قد وصِفَ فيها القرآن بالأوصاف التي تخصه على وجهٍ من الوجوه اللغوية السابقة.
стр. 225
معنى الإحكام والتشابه في الاصطلاح:
قلت فيما سبق: إن العلماء اختلفوا في معنى المحكم والمتشابه اختلافًا كثيرًا، ولكن يمكننا أن نذكر هنا أهم هذه الأقوال، ثم نبيِّن الراجح منها بالدليل فيما يأتي, وعلى الله قصد السبيل.
يطلَقُ المحكَم في لسان الشرعيين على ما يقابل المنسوخ تارةً، وعلى ما يقابل المتشابه تارة أخرى.
فيُرَاد به على الاصطلاح الأول: الحكم الشرعي الذي لم يتطرَّق إليه نسخ.
ويراد به على الثاني: ما ورد من نصوص الكتاب أو السُّنَّة دالًّا على معناه بوضوحٍ لا خفاء فيه.
وموضوع بحثنا هنا هو الاصطلاح الثاني.
стр. 226
١- فمنهم من قال: إن المحكم هو الواضح الدلالة, الظاهر الذي لا يحتمل النسخ، أما المتشابه: فهو الخفي الذي لا يُدْرَكُ معناه عقلًا ولا نقلًا، وهو ما استأثر الله تعالى بعلمه كقيام الساعة، والحروف المقطَّعة في أوائل السور، وقد عزا الألوسي الرأي إلى السادة الحنفية.
٢- ومنهم من قال: إن المحكم ما عُرِفَ المراد منه, إما بالظهور وإما بالتأويل، أما المتشابه: فهو ما استأثر الله تعالى بعلمه، كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطَّعة في أوائل السور، ويُنْسَبُ هذا القول إلى أهل السُّنَّة على أنه هو المختار عندهم.
٣- ومنهم من قال: إن المحكم ما لا يحتمل إلّا وجهًا واحدًا من التأويل، والمتشابه: ما احتمل أوجهًا، ويعزى هذا الرأي إلى ابن عباس، ويجري عليه أكثر الأصوليين.
٤- ومنهم من قال: إن المحكم ما استقلَّ بنفسه ولم يحتاج إلى بيان، والمتشابه: هو الذي لا يستقبل بنفسه, بل يحتاج إلى بيان، فتارة يبين بكذا، وتارة يبين بكذا؛ لحصول الاختلاف في تأويله، ويحكى هذا القول عن الإمام أحمد ﵁.
٥- ومنهم من قال: إن المحكم ما كانت دلالته راجحة, وهو النص والظاهر، أما المتشابه: فما كانت دلالته غير راجحة، وهو المجمَلُ والمؤول والمشكَل.
ويعزى هذا الرأي إلى الإمام الرازي, واختاره كثير من المحققين.
"وقد بسطه الإمام فقال ما خلاصته: اللفظ الذي جُعِلَ موضوعًا لمعنًى، إمَّا ألَّا يكون محتملًا لغيره، أو يكون محتملًا لغيره، الأول النص، والثاني: إما أن يكون احتماله لأحد المعاني راجحًا، ولغيره مرجوحًا، وإما أن يكون احتماله لهما بالسوية، واللفظ بالنسبة للمعنى الراجح يُسَمَّى ظاهرًا، وبالنسبة للمعنى المرجوح يُسَمَّى مؤولًا، وبالنسبة للمعنيين المتساويين أو المعاني المتساوية يُسَمَّى مشتركًا، وبالنسبة لأحدهما على التعيين يُسَمَّى مجملًا، وقد يُسَمَّى اللفظ مشكلًا إذا كان معناه الراجح باطلًا، ومعناه المرجوح حقًّا. إذا عرفت هذا فالمحكَمُ ما كانت دلالته راجحة، وهو النصُّ والظاهر، لاشتراكهما في حصول الترجيح، إلّا أن النصَّ راجح مانع من الغير، والظاهر راجح غير مانع منه.
стр. 227
أما المتشابه فهو ما كانت دلالته غير راجحة، وهو المجمَلُ والمؤول والمشكَلُ لاشتراكها في أن دلالة كلٍّ منها غير راجحة، وأما المشتَرَك فإن أريد منه كل معانيه فهو من قبيل الظاهر، وإن أريد بعضها على التعيين فهو مجمَل، ثم إن صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لا بُدَّ فيه من دليل منفصِل، وذلك الدليل المنفصِلُ إما أن يكون لفظيًّا، وإما أن يكون عقليًّا، والدليل اللفظي لا يكون قطعيًّا؛ لأنه موقوف على نقل اللغات، ونقل وجوه النحو والتصريف، وموقوف على عدم الاشتراك، وعدم المجاز، وعدم الإضمار، وعدم التخصيص، وعدم المعارِض العقلي والنقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون مظنون.
وعلى ذلك, فلا يمكن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معنى مرجوحٍ بدليل لفظي في المسائل الأصولية الاعتقادية، ولا يجوز صرفه إلّا بواسطة قيام الدليل القطعي العقلي على أن المعنى الراجح محالٌ عقلًا، وإذا عرف المكلَّف أنه ليس مراد الله تعالى، فعند ذلك لا يحتاج إلى أن يعرِفَ أن ذلك المرجوح ما هو؟ لأن طريقه إلى تعيينه إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وبترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يكون إلّا بالدلائل اللفظية، وهي لا تفي إلّا الظن، والتعويل عليها في المسائل القطعية لا يفيد، لذا كان مذهب السلف عدم الخوض في تعيين التأويل في المتشابه، بعد اعتقاد أن ظاهر اللفظ محال، لقيام الأدلة العقلية القطعية على ذلك"١ أ. هـ.
وهذه الأقوال تبدو متقاربة، غير متعارضة، ولكنها في نظري لا تفي بالمطلوب إثباته من الخصائص الجامعة لمسائل كلٍّ من المحكَم والمتشابِه، وهو الأمر الذي يجعل كلًا منهما غير متميِّز عن الآخر أكمل تمييز.
стр. 228
الراجح:
والراجح من الأقوال ما قاله الراغب في مفرداته، فقد أجاد وأفاد، وحقَّقَ المراد.
قال -رحمه الله تعالى: "والمتشابه من القرآن ما أُشْكِلَ تفسيره لمشابهته بغيره، إمَّا من حيث اللفظ أو من حيث المعنى.
فقال الفقهاء: والمتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده، وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكَمٌ على الإطلاق، ومتشابِهٌ على الإطلاق، ومحكَمٌ من وجهٍ ومتشابِهٌ من وجهٍ.
فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب:
متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهتهما.
والمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، وذلك إما من جهة غرابته نحو "الأَبُّ"١ و "يزفون"٢، وإما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد والعين٣.
والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركَّب، وذلك ثلاثة أضرب:
ضرب لاختصار الكلام نحو: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٤.
стр. 229
وضرب لبسط الكلام نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
لأنه لو قيل: ليس مثله شيء، كان أظهر للسامع.
وضرب لنظم الكلام، نحو: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا﴾ ١.
تقديره: الكتاب قيمًا، ولم يجعل له عوجًا.
وقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُون﴾ .
إلى قوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ ٢.
والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصوَّر لنا؛ إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، أو لم يكن من جنس ما نحسه.
والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعًا خمسة أضرب:
الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ .
والثاني: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ، نحو: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه﴾ .
والرابع: من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها، نحو: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ٣.
стр. 230
وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ١.
فإن مَنْ لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذَّر عليه معرفة تفسير هذه الآية.
والخامس: من جهة الشروط التي بها يصحُّ الفعل أو يفسد؛ كشروط الصلاة والنكاح.
وهذه الجملة إذا تصوِّرَت علم أن كل ما ذكره المفسِّرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال: المتشابه "ألم".
وقول قتادة: المحكَم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ.
وقول الأصم: المحكَم: ما أُجْمِعَ على تأويله، والمتشابه: ما اختُلِفَ فيه.
ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب:
ضرب لا سبيل للوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج دابة الأرض، وكيفية الدابة، ونحو ذلك.
وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته: كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة.
وضرب متردِّدٌ بين الأمرين, يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على من دونهم, وهو الضرب المشار إليه بقوله ﵊ في علي ﵁: "اللهمَّ فقِّهه في الدين وعلمه التأويل" وقوله لابن عباس مثل ذلك.
وإذا عرفت هذه الجملة عُلِمَ أن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
ووصله بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم﴾ جائز, وأن لكلِّ واحد منهما وجهًا حسبما دلَّ عليه التفصيل المتقدم.
وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ .
فإنه يعني ما يشبه بعضه بعضًا في الأحكام والحكمة واستقامة النظم". أ. هـ.
стр. 231
انتهى كلام الراغب، فأنهى إلينا به منتهى ما كنا نبتغيه في تفسير المتشابه، وتمييزه عن المحكم بتعريفٍ جامع لأطرافه ومسائله، مانع من دخول غيره فيه.
فقد عرَّفه بالحدِّ والرسم١ والتقسيم، فلم يترك الباحث فيه على ظمأٍ حتى ارتوى.
وقريب منه قول الإمام الرازي ومن نحا نحوه.
وما ذكره الراغب، والرازي من تقسيمات وتفريعات سيأتي أكثره إن شاء الله تعالى، في بحوث مستقلة كما وعدتك بذلك.
نسبة المتشابه من المحكم في الشريعة:
اعلم أن المتشابه وإن كثرت أقسامه وفروعه بالنسبة للمحكَم من نصوص الشريعة قليل, وذلك لأمور:
أحدها: النصّ الصريح على أن الآيات المحكمات أمّ الكتاب, وذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ٢.
وأم الشيء: معظمه وعامته، والأم أيضًا الأصل والعماد, كما في القاموس، ولذلك قيل لمكة: "أم القرى"؛ لأن الأرض دحيت من تحتها.
فإذا كان ذلك كذلك, فقوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات﴾ إنما يُرَادُ بها القليل.
والثاني: أن المتشابه لو كان كثيرًا لكان الالتباس والإشكال كثيرًا، وعند ذلك لا يطلق على القرآن أنه بيان وهدى.
وقد نزل القرآن ليرفع الاختلاف الواقع بين الناس، والمشكَل الملتبس إنما هو إشكال وحيرة لا بيان وهدى، ولولا أن الدليل أثبت أنَّ فيه متشابهًا لم يصح القول به، وما جاء فيه من ذلك المتشابه الذي لم يتعلَّق به حكمٌ بالمكلَّفين من جهته, زائد على الإيمان به, يجب أن نقرَّه على ما جاء، ولا نخوض في تأويله.
стр. 232
الثالث: الاستقراء المجتهد إذا نظر في أدلة الشريعة له على قانون النظر، واستقت أحكامها، وانتظمت أطرافها على وجه واحد، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيم﴾ .
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ .
يعني: يشبه بعضه بعضًا، ويصدِّق أوله آخره، وآخره أوله، أعني: أوله وآخره في النزول١.
стр. 233
ما يقع فيه التشابه:
اعلم أن التشابه لا يقع في القواعد الكلية، وإنما يقع في الفروع الجزئية.
وقد عُرِفَ ذلك بالاستقراء، والتتَبُّع لأصول الشريعة أصلًا أصلًا، وإنما كان التشابه في الفروع والجزئيات دون الكليات؛ لأن الأصول لو دخلها التشابه لكان أكثر الشريعة من المتشابه.
وقد عرفنا في المسألة السابقة أن المتشابه بالنسبة إلى الحكم قليل, وبسط هذه المسألة في كتب الأصول.
هذا ونختم هذا المبحث ببيان الحكمة من وجود المتشابه في القرآن الكريم، بقدر الطاقة، فإننا لا نعلمها على وجه اليقين, ولا ندرك منها إلّا ما ظهر لنا، واستوعبته عقولنا القاصرة.
стр. 234
الحكمة من وجود المتشابه في القرآن بوجه عام:
١- القرآن الكريم كتاب هداية ومنهج حياة، أنزله الله بمطالب البشر جميعًا، على اختلاف بيئاتهم وأزمانهم، ومطالب الحياة كثيرة، وحاجات الإنسان لا تحصى ولا تنحصر، فلا يكفيها تشريع تحتويه ملايين الصفحات.
فكان من حكمة الحكيم الخبير أن ينزل من القرآن نصوصًا تحتمل وجوهًا من البيان، كل وجه منها يمس جانبًا من جوانب الحياة، ويقضي مطلبًا من مطالب الإنسان، ويفتح له بابًا من أبواب التيسير، فيدفع عنه حرجًا، أو يجعل له مخرجًا مما يعاني منه، أو يحبسه عن تحقيق أهدافه المشروعة، حتى يبدو وكأن النص الواحد جمع في طيَّاته نصوصًا كثيرة، تأمر وتنهى، وتوصي وترشد, فأغنى ذلك عن كتاب عظيم لا تستقصى صفحاته، ولا تنقضي كلماته، وتشريعاته.
وقد أدَّى هذا التشابه إلى خلافٍ محمود العواقب بين العلماء الأفاضل، وجدَ الناس فيه رحمة من الله وسعة؛ لأنه خلاف لم ينشأ بسبب تناقض في النصوص القرآنية أو اختلافًا بين أحكامها، كلَّا، كلَّا.
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ .
ولكنه خلاف مبنيٌّ على قرائن شرعية وعقلية استنبطوها من الكِتَاب نفسه، ومن السُّنَّة المطهرة, تجعل كل إمام يرجِّحُ وجهًا على آخر.
والاجتهاد واجب على علماء الأمة بشروط مبسوطة في كتب أصول الفقه، لم يخرجوا بحمد الله عنها، فكان لمن أصاب منهم أجران، ولمن أخطأ أجر واحد.
وقد وجد الناس كما قلت في هذا الخلاف تيسيرًا وتَوْسِعَةً أرادها لهم ربهم .
قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢.
هذه حكمة سامية لوجود المتشابه في القرآن الكريم وفي السُّنَّة المطهَّرة.
٢- وفي وجود المتشابه تدريب للعقول على التأمُّل والنظر، وفي هذا التدريب لذة لا يعرفها إلا أولو الألباب، فكلما أدرك العالم بعقله وجهًا من وجوه الترجيح وفق ما لديه من القرآن شعر بنشوة غامرة، ورغبة ملحِّة في مواصلة البحث والاستنباط.
стр. 235
ولا شكَّ أن البحث عن الحقائق من أوجب الواجبات، وهو يؤدي حتمًا إن شاء الله تعالى إلى الوصول إليها من غير تقليد، فيكون إيمانه بها أتمَّ وأكمل من إيمان المقلد قطعًا.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١.
٣- وفي وجود المتشابه نوع ابتلاء من الله تعالى، ليعلم العبد من نفسه هل هو مؤمن بما أخبره الشارع به من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل فيها، أم هو لا يزال في الطريق إلى هذا الإيمان السامي الذي جعله الله أوَّل أوصاف المتقين في سورة البقرة حيث قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب﴾ .
وهذه الحكمة ظاهرة في المتشابِه الذي استأثر الله بعلمه, وما ليس للعباد فيه علمٌ كافٍ بوقته وقدرته ونوعه وحقيقته.
стр. 236
المبحث العشرون: حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات
مدخل
...
المبحث العشرون: حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات
كَثُرَ القيل والقال في المتشابهات من آيات الصفات، واحتدم النزاع في تأويلها، ووقعت الفتنة بين طوائف العلماء وكفَّر بعضهم بعضًا.
ولكنهم مع اختلافهم في تأويلها قد اتفقوا على أمرين:
الأول: صرف هذه الآيات عن ظواهرها المستحيلة في حق الله تعالى، لكونه مغايرًا لجميع الخلق، كما هو معلوم من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
وحملها على معانٍ تليق بذاته -جل وعلا، وذلك بردِّ المتشابهات إلى المحكَمَات، وهي التي لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا من التأويل، وهو الوجه الذي يريده الشارع الحكيم دون سواه.
الثاني: أن المتشابه إن كان له تأويل واحد يفهم منه فهمًا قريبًا وجب القول به إجماعًا.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ .
فإن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعًا، وليس لها بعد ذلك إلّا تأويل واحد، وهو الكينونة معهم بالإحاطة علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرة وإرادة.
وكقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ١.
فالمراد بجنب الله حقَّه وما يجب له، كما تقتضيه لغة العرب، ليس له معنى يجب أن يُحْمَل عليه غيره.
واختلفوا فيما سوى ذلك على ثلاثة مذاهب:
الأول: مذهب السَّلَف، وهو أقومها طريقة، وأهداها سبيلًا، فقد قرروا أن الإيمان بالمتشابهات، وتفويض أمر العلم بها إلى الله تعالى ورسوله واجب.
стр. 237
مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد، لقيام الأدلة القطعية على خلافه.
فهم لا يبحثون فيها إلا بالقدر الذي يصحِّحُون به اعتقادهم بأن الله منَزَّهٌ عَمَّا لا يليق بذاته من المشاركة والمماثلة, وما إلى ذلك من صفات النقص، تعالى الله عنها علوًّا كبيرًا.
فما دلَّت عليه النصوص الشرعية الصريحة عملوا به، وما تشابه عليهم فُهِمَ المراد منه، وكان متعلقًا بالعقيدة، آمنوا به وأجْرَوْه على ظاهره, وفوضوا علم كَمِّه وكيفه وحقيقته إلى الله تعالى، وأثبتوا له -جل شأنه- ما أثبته لنفسه من غير خوض في تفصيله, تأدُّبًا مع خالقهم -جل وعلا، ووقاية لأنفسهم من وعيد من أفتى بغير علم، وتقوَّل على الله ما لم يقله.
فالمتشابهات بوجه عام لا يتعيِّن المراد منها على التحقيق إلّا بنصٍّ صحيح صريح من الشرع، وحيث لا يكون هناك نصٌّ صحيح صريح بقي المتشابه على حاله، فتكون دلالته على المراد ظنية، والأمور الاعتقادية لا يكفي فيها الظن، بل لا بُدَّ فيها من اليقين، ولا سبيل إلى اليقين في معرفة المتشابه من الصفات، وهي من الأمور العقدية، فوجب التوقف فيها وعدم الخوض في تأويلها، وردَّها في جملتها إلى المحكَمِ الذي لا يحتمل إلّا وجهًا واحدًا.
وعماد المحكم في باب الصفات قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ .
هذا هو خلاصة مذهب السلف الصالح من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين لهم بإحسان,
وقد استدلُّوا على ما ذهبوا إليه بنصوص من الكتاب والسُّنَّة وأقوال علمائهم الأعلام، ووجدوا فيها السلامة لدينهم، والنجاة من عذاب ربهم.
أما الكتاب فقوله تعالى من سورة آل عمران:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ
стр. 238
وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .
فقد أخبر الله أنه لا يَتَّبِعُ المتشابه، ولا يَعْمَدُ إلى تأويله ابتغاء الفتنة، إلّا الذين في قلوبهم زيغ، وأما الراسخون في العلم فيقولون: آمنا به, كلٌّ من عند ربنا، ولا يخوضون في تأويل ما لا علم لهم به على التعيين.
ويقفون في قراءة الآية على لفظ الجلالة، ويبتدئون بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ .
وقد جاءت في أفضلية الوقف على لفظ الجلالة في الآية روايات عن القراء من الصحابة، ذكرها ابن جرير، وابن كثير في تفسيرهما.
وجوَّز بعض العلماء الوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ بناءً على أنهم يعلمون المتشابه.
ولكن هذا فيما لم يستأثر الله بعلمه، أما ما استأثر الله بعلمه فلا يعلمه أحد سواه.
فمن وقف على لفظ الجلالة فسَّر المتشابه في الآية بما استأثر الله بعلمه، لقيام الساعة، وبعض صفاته تعالى.
ومن وقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فسَّرَ المتشابه بمعناه العام، وهو ما يحتمل أكثر من وجه لسبب من الأسباب التي ذكرها الرازي والراغب، وغيرهما، وقد تقدَّمَت في المبحث السابق.
وأما أدلتهم من السُّنَّة فكثيرة، منها:
١- ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم, عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ .
стр. 239
إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ .
قالت: قال رسول الله ﷺ : "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه, فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم". وهذا اللفظ للبخاري.
٢- ومنها: ما رواه أحمد في مسنده, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده قال: سمع رسول الله ﷺ قومًا يتدارءون فقال: "إنما هلك مَنْ كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أُنْزِلَ كتاب الله يصدِّقُ بعضه بعضًا، فلا تكذِّبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه".
٣- وما رواه الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده قال: حدَّثَنَا زهير بن حرب قال: حدَّثنا أنس بن عياض, عن أبي حازم, عن أبي سلمة قال: لا أعمله إلّا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر، ثلاثًا، ما عرفتم منه فأعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه". ذكره ابن كثير في تفسيره١.
وأما أقوال علماء السلف فكثيرة أيضًا منها:
"ما رواه الدارميّ عن سليمان بن يسار أن رجلًا يقال له ابن صبيغ, قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أعدَّ له عراجين النخل، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله بن صبيغ، فأخذ عمر عرجونًا فضربه حتى دمي رأسه.
وجاء في رواية أخرى: فضربه حتى ترك ظهره دبرة، ثم تركه حتى برأ، ثم عاد، ثم تركه حتى برأ، فدعا به ليعود، فقال: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلًا جميلًا، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: ألّا يجالسه أحد من المسلمين.
стр. 240
والدبرة -بفتحات ثلاث- هي قرحة الدابة في أصل الوضع اللغوي، والمراد هنا أنه صيَّرَ في ظهره من الضرب جرحًا داميًا كأنه قرحة في دابة.
ورضي الله عن عمر، فإن هذا الأثر يدل على أن ابن صبيغ فتح أو حاول أن يفتح باب فتنة بتتبُّعه متشابهات القرآن يكثر الكلام فيها، ويسأل الناس عنها، ومنها ما ورد من أن الإمام مالكًا ﵁ سُئِلَ عن الاستواء في قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة، وأظنك رجل سوء، أخرجوه عني".
يريد -رحمة الله عليه- أن الاستواء معلوم الظاهر بحسب ما تدل عليه الأوضاع اللغوية، ولكن هذا الظاهر غير مراد قطعًا؛ لأنه يستلزم التشبيه المحال على الله بالدليل القاطع، والكيف مجهول، أي: تعيين مراد الشارع مجهول لنا لا دليل عندنا عليه، ولا سلطان لنا به، والسؤال عنه بدعة، أي: الاستفسار عن تعيين هذا المراد على اعتقاد أنه مما شرَّعه الله بدعة؛ لأنه طريقة في الدين مخترعة مخالفة لما أرشدنا إليه الشارع من وجوب تقديم المحكَمَات وعدم اتباع المتشابهات، وما جزاء المبتدع إلّا أن يُطْرَدَ ويُبْعَدَ عن الناس، خوف أن يفتنهم؛ لأنه رجل سوء, وذلك سر قوله: وأظنك رجل سوء، أخرجوه عني" أ. هـ١.
"قال ابن الصلاح: على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه، ولا أحد من المتكلِّمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها. أ. هـ"٢.
المذهب الثاني: مذهب الخلف ويُسَمَّى مذهب المؤوِّلة -بتشديد الواو وكسرها، وهم فريقان: فريق يؤولها بصفات سمعية غير معلومة على التعيين، ثابتة له تعالى, زيادة على صفاته المعلومة لنا بالتعيين.
وفريق يؤولها بمعانٍ نعلمها على التعيين، وذلك بأن يحمل اللفظ الذي استحال ظاهره من هذه المتشابهات على معنًى يسوغ لغة، ويليق بالله عقلًا وشرعًا.
стр. 241
فقد قالوا في تأييد مذهبهم هذا: إن المطلوب شرعًا هو صَرْفُ اللفظ عن مقام الإهمال، إذ لم يخاطب الله المكلَّفين بشيء لا يفهمون معناه، ولا يعقلون المراد منه على الجملة.
وما دام في الإمكان حمل كلام الشارع على معنى سليم، فالنظر قاضٍ بوجوبه، وانتفاعًا بما ورد عن الحكيم العليم.
المذهب الثالث: مذهب المتوسطين بين السلف والخلف.
وهؤلاء يقولون بأن التأويل نوعان: قريب وبعيد؛ فالقريب نقول به، والبعيد نتوقف عنه.
وقد نَسَبَ السيوطي هذا المذهب إلى ابن دقيق العيد، ونقل عنه قوله: "إذا كان التأويل قريبًا من لسان العرب لم يُنْكَر، أو بعيدًا توقفنا عنه، وآمنَّا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه، قال: وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرًا مفهومًا من تخاطب العرب قلنا به من غير توقيف، كما في قوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ؛ فنحمله على حق الله وما يجب له" أ. هـ١.
ومذهبه في التأويل القريب متَّفَقٌ عليه، كما سبقت الإشارة إليه في أول هذا المبحث.
ومذهبه في التأويل البعيد يشبه مذهب الفريق الأول من الخلف, ويخالف الفريق الثاني الذين يخوضون في التأويل، ويخالف أيضًا ما عليه السلف من إثبات ما أثبته الله لنفسه بلا توقُّفٍ من غير تشبيه، ولا تجسيم، فيجمعون بين الحسنيين -بين البعد عن التأويل المخالِف لظاهر النصوص, والتوقف عن القول بأن لله من الصفات ما أثبته لنفسه إجراء للنصوص على ظاهرها؛ لأن إعمالها أولى من أهمالها، فما نزل القرآن إلا ليتدبر معناه على وجه مقبول شرعًا وعقلًا, على ما سيأتي تفصيله عند الكلام على الحروف المقطعة التي افتتح الله بها تسعًا وعشرين سورة من كتابه العزيز.
стр. 242
آيات الصفات بين التفويض والتأويل:
بعد أن عرضنا عليك مذهب السلف، ومذهب الخلف فيما تشابه من آيات الصفات، نذكر لك طرفًا من أقوال كلٍّ منهما في بعض هذه الآيات، ليتبين لك الفرق بينهما بوضوح، فتعلم أيّ الفريقين أقوم قيلًا, وأهدى سبيلًا على التحقيق.
١- ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١:
اتفق العلماء سلفًا وخلفًا على أن الاستواء بمعناه المعلوم لدينا غير جائز على الله تعالى؛ لأن الله قد نفى عن نفسه المماثلة لخلقه من جميع الوجوه بقوله سبحانه:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
ولكنهم اختلفوا في المراد منه، فقال السلف: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، فهو -جل شأنه- أعلم بما يليق به.
وقال الخلف: الاستواء معناه الاستيلاء والهيمنة والقهر من غير معاناة ولا تكلُّف، واللغة تتسع لهذا المعنى، فلا مانع عندهم من القول به إذا كان الغرض هو تنزيه الله عمَّا لا يليق بذاته من صفات الحوادث.
ومنهم من يؤوِّل الاستواء من غير تعيينٍ لمعناه على الحقيقة، ولا على المجاز، ويقولون: إن المراد من الآية إثبات أنه تعالى متَّصِفٌ بصفة سمعية لا نعلمها على التعيين.
وذكرت في الآية تأويلات أخرى لا يعوَّل عليها ولا يلتَفَتُ إليها، ضربنا عنها صفحًا خشية التطويل من غير فائدة.
والسلف والخلف يدورون في فلك واحد، وإن اختلفت أنظارهم، وتباينت أقوالهم، فالجميع ينزه الله بالطريقة التي يراها صحيحة عنده، إلّا أن مذهب السلف أسلم، كما سيتبين لك قريبًا.
وللإمام الطبري -رحمه الله تعالى- فَهْمٌ في معنى الاستواء, جمع فيه بين قولي السلف والخلف، بناه على المفهوم من عرف اللغة، مراعيًا ما يجب في حق الله تعالى من التقديس والتنزيه، فبعد أن ذكر أقوال العلماء في معناه, قال: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه، ثم يقول: وأَوْلَى المعاني بقول الله -جل ثناؤه:
стр. 243
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ .
علا عليهن وارتفع فدبَّرَهن بقدرته، وخلقهن سبع سماوات.
ثم قال: والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ , الذي هو بمعنى العُلُوِّ والارتفاع هربًا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوَّله بمعناه المفهوم، كذلك أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها -إلى أن تأوَّله بالمجهول من تأويله المستنكر, ثم لم ينج مما هرب منه، فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: ﴿اسْتَوَى﴾ : أقبل، أفكان مدبرًا عن السماء فأقبل إليها؟
فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبُّر، قيل له: فكذلك فقل: علا عليها علوَّ ملك وسلطان، لا علوَّ انتقال وزوال.
ثم لن يقول في شيء من ذلك قولًا إلّا ألزم في الآخر مثله.
فأنت تراه بهذا التأويل قد أصاب المحذ، وأمسك بالعصا من طرفيها، ففسَّرَ الاستواء بمعناه المعروف عند العرب, والذي لا ينكره أحد من علماء اللغة، وهو العُلُوّ والارتفاع, وأتى به على النحو الذي يليق بجلال الله تعالى, فجعله علوَّ ملك وسلطان لا علوَّ انتقال وزوال.
وهو ما عليه علماء السلف الصالح من الصحابة والتابعين. أ. هـ.
٢- ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ ١.
ولما كانت اليد من الألفاظ المشتركة وقع فيها الخلاف بين العلماء سلفًا وخلفًا، فهي تُطْلَقُ ويراد بها الجارحة والقدرة والنعمة، وغير ذلك.
لكن لمَّا أثبت الله لنفسه اليد -وهو المنزه عن صفات الحوادث- ذهب العلماء في تاويلها مذاهب؛
فقال السلف -على طريقتهم في التفويض: لله يد ليست كأيدينا, لا علم لنا بها.
стр. 244
وقال فريق من الخلف كالأشعري: إن اليد صفة ورد بها الشرع، والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة، إلّا أنها أخصّ والقدرة أعمّ، فإن في اليد تشريفًا لازمًا.
وقال فريق آخر: إنها القدرة خروجًا من التشبيه، وفرارًا من التوقف.
وقد سلك الإمام الطبري مسلك الجمع بين الأقوال، ووقف وسطًا بين السلف والخلف، وحكَّم اللغة في الترجيح والتصحيح، كما هو شأنه دائمًا في المتشابِه الذي لم يَرِدْ فيه نقلٌ صحيح يعين المراد منه؛ وقال ﵀: "فيها وجهان من التأويل؛ أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة؛ لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه ﷺ .
والآخر: قوة الله فوق قوتهم في نصرة رسول الله ﷺ ".
وحيث ذكر هذين القولين ولم يرجِّح أحدهما على الآخر, فهو يُقِرُّهما معًا على السوية باعتبارهما متلازمين، إذ يلزم عن العلوِّ والفوقية القوة والغلبة التي تقع بهما النصرة على العدو.
وما قيل في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ يُقَالُ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ .
٣- ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ١:
ورد لفظ العين مفردًا وجمعًا منسوبًا إلى الله تعالى، فجعله السَّلف على المعنى الذي يليق بذاته من غير تأويل، وأوَّله الخلف كما أوَّلوا الاستواء واليد، فقالوا: المراد بالعين العناية والرعاية، وما في معناها.
قال محمد جمال الدين القاسمي٢ -وهو سلفيّ المذهب والعقيدة- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٣:
﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بحفظنا وكلاءتنا، كأن معه من الله حفاظًا وحراسًا، يكلأونه بأعينهم من التعدي من الكفرة، ومن الزيغ في الصنعة.
стр. 245
وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ من سورة طه: "أي: ولتربَّى بيد العدو على نظري بالحفظ والعناية، فـ ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ استعارة تمثيلية للحفظ والصَّوْن؛ لأن المصون يجعل بمرأى"١.
وذهب إلى هذا التأويل غير واحد من المفسِّرِين، وهو ليس من التأويل الممنوع، لأنه قريب المأخذ، له في اللغة مفهوم يحدِّد المراد منه على وجه مقبول شرعًا وعقلًا, فلا يُذَمُّ هذا التأويل لقربه من المعنى المراد -والله أعلم.
ويحسن بنا أن نذكر هنا حقيقة التأويل في لغة القرآن الكريم، ونبيِّن بإيجاز ما يُحْمَدُ منه وما يُذَمُّ.
стр. 246
التأويل المحمود والتأويل المذموم:
ورد لفظ التأويل في القرآن الكريم على ثلاثة معانٍ:
الأول: صَرْفُ اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليلٍ يقترن به، وهذا هو اصطلاح أكثر المتأخرين.
الثاني: تفسير اللفظ، وبيان معناه.
الثالث: الحقيقة التي يُؤَوَّل إليها الكلام، فتأويل ما أخبر الله به عن ذاته وصفاته هو حقيقة ذاته المقدسة, وما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر، وعلى هذا المعنى جاء قول عائشة: كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهمَّ ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن"١.
تعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ .
"فالذين يقولون بالوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ ، ويجعلون ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استئنافًا، إنما عُنوا بذلك التأويل بالمعنى
стр. 247
الثالث، أي: الحقيقة التي يُؤَوَّل إليها الكلام، فحقيقة ذات الله وكنهها وكيفية أسمائه وصفاته، وحقيقة المعاد لا يعلمها إلّا الله.
والذين يقولون بالوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ على أن الواو للعطف وليست للاسئتناف، إنما عُنوا بذلك التأويل بالمعنى الثاني, أي: التفسير، ومجاهد إمام المفسرين، قال الثوري فيه: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك, فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه, فالمراد به أن يعرف تفسيره.
وبهذا يتضح أنه لا منافاة بين المذهبين في النهاية، وإنما الأمر يرجع إلى الاختلاف في معنى التأويل.
ففي القرآن ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، ولكن الحقيقة ليست كالحقيقة، فأسماء الله وصفاته، وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه في اللفظ والمعنى الكلي، إلّا أن حقيقة الخالق وصفاته ليست كحقيقة المخلوق وصفاته، والعلماء المحققون يفهمون معانيها, ويميزون الفرق بينها، وأما نفس الحقيقة فهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.
ولهذا لما سُئِلَ مالك وغيره من السَّلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وكذلك قال ربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك قبله: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان".
فبيَّن أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة.
وكذلك الشأن بالنسبة إلى أخبار الله عن اليوم الآخر، ففيها ألفاظ تشبه معانيها ما هو معروف لدينا, إلّّا أن الحقيقة غير الحقيقة، ففي الآخرة ميزان وجنة ونار، وفي الجنة: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ ١.
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ٢.
стр. 248
وذلك نعلمه ونؤمن به، وندرك أن الغائب أعظم من الشاهد، وما في الآخرة يمتاز عَمَّا في الدنيا، ولكن حقيقة هذا الامتياز غير معلومة لنا، وهي من التأويل الذي لا يعلمه إلّا الله١.
وأما التأويل المذموم فهو: صَرْفُ اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، يكون قويًّا عند المؤول, ضعيفًا عند أهل الحق، وهو ما لجأ إليه المعتزلة وكثير من الأشاعرة مبالغةً منهم في تنزيه الله عن مماثلته للمخلوقين كما يزعمون.
وهو -لعمري- زعم خاطئ أوقعهم في مثل ما هربوا منه أو أشد، كما تقدَّم بيانه من كلام الطبري في تفسير قوله -جل شأنه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ .
وهم أيضًا عندما يفسِّرون اليد بالقدرة مثلًا ليفروا من إثبات اليد للخالق -جل شأنه- لكونها في المخلوقين, يكونون قد وقعوا فعلًا فيما فروا منه، فإن للعباد أيضًا قدرة, وإن لم تكن كقدرة الله تعالى، لكنه تشبيه على أي حال، وذلك تناقض ظاهر؛ لأنه يلزمهم في المعنى الذي أثبتوه نظير ما زعموا أنه يلزم في المعنى الذي نفوه.
فلا يجوز لهم أن يقولوا: إن هذا اللفظ مصروف عن الاحتمال المرجوح إلى الاحتمال الراجح؛ لأن الاحتمال الراجح هو الوقوف عند النصِّ، والإيمان بما فيه من إثبات أو نفي ورُدَّ متشابهه إلى محكمه، كما هو مذهب السلف، وهو الإلزم والأقوم والأسلم -والله أعلم.
стр. 249
المبحث الحادي والعشرون: الحروف المقطعة في فواتح السور
مدخل
...
المبحث الحادي والعشرون: الحروف المقطَّعة في فواتح السور
افتتح الله تسعًا وعشرين سورة من كتابه العزيز بحروف هجائية مقَطَّعة، بلغت في مجموعها أربعة عشر حرفًا -نصف حروف الهجاء- جمعها بعضهم في قوله: "نص حكيم قاطع له سر".
ومن هذا السور ما افتتحت بحرف واحد، ومنها ما افتتح بحرفين أو بثلاثة، أو بأربعة، أو بخمسة.
فما افتتح بحرف واحد ثلاث سور هي: سورة "ق"، وسورة "القلم"، وسورة "ص".
وما افتتح بحرفين تسع سور هي: طه، والنمل، ويس، وغافر، وفصلت، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف.
وما افتتح بثلاث حروف ثلاث عشرة سورة هي: البقرة، وآل عمران، ويونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر، والشعراء، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة.
وما افتتح بأربعة حروف سورتان هما: الأعراف، والرعد.
وما افتتح بخمسة حروف سورتان هما: مريم، والشورى.
وفواتح السور هذه من المتشابه الذي اختلف العلماء في تأويله، فكانوا منه على مذهبين:
الأول: مذهب التفويض، وأصحاب هذا المذهب آثروا السلامة، وتركوا الخوْضَ في تأويلها فَرَقًا١ من أن يقولوا في كتاب الله برأي لا يستند إلى دليل ظاهر، فيعرِّضُوا أنفسهم إلى غضب الله تعالى، وعذابه في الدنيا والآخرة.
والقول على الله بغير علم من أكبر الكبائر وأعظمها جرمًا، كما صرَّحت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
стр. 250
"قال هؤلاء المفوضون: إن حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وهو سر الله في القرآن، فنحن نؤمن بظاهرها، ونَكِلُ العلم فيها إلى الله تعالى.
وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها.
قال أبو بكر الصديق ﵁: في كل كتاب سر, وسر الله في القرآن أوائل السور.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: إن لكل كتاب صفوة, وصفوة هذا الكِتَاب حروف التهجي.
واعتُرِضَ على هذا القول بأنه لا يجوز أن يخاطب الله عباده بما لا يعلمون, وأجيب عنه بأنه يجوز أن يكلِّف الله عباده بما لا يُعْقَل معناه، كرمي الجمار، فإنه مما لا يُعْقَلُ معناه، والحكمة فيه هو كمال الانقياد والطاعة، فكذلك هذه الحروف، ويجب الإيمان بها، ولا يلزم البحث عنها"١.
الثاني: مذهب التأويل:
وأصحاب هذا المذهب قد اختلفوا في تأويل هذه الحروف اختلافًا كثيرًا.
١- فمنهم من قال: إنها أسماء السور، وهو قول الكثير من المفسرين.
واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ألم السجدة، وهل أتى على الإنسان".
وهذا القول في نظري ليس بشيء؛ لأن السور التي افتتحها الله بهذه الحروف لها أسماء أخرى قد اشتهرت بها، وتميَّزَت بها عن غيرها، ولم تتميز بهذه الحروف.
فإذا قلت: هذه السورة "ألم", لم تعرف بهذه الحروف على التحديد إلّا إذا قلت: "ألم البقرة" "ألم آل عمران" "ألم لقمان" "ألم السجدة" وهكذا.