← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 10002

دراسات في علوم القرآن - محمد بكر إسماعيل

محمد بكر إسماعيل

Полный текст (465 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

التأويل المحمود والتأويل المذموم: ورد لفظ التأويل في القرآن الكريم على ثلاثة معانٍ: الأول: صَرْفُ اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليلٍ يقترن به، وهذا هو اصطلاح أكثر المتأخرين. الثاني: تفسير اللفظ، وبيان معناه. الثالث: الحقيقة التي يُؤَوَّل إليها الكلام، فتأويل ما أخبر الله به عن ذاته وصفاته هو حقيقة ذاته المقدسة, وما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر، وعلى هذا المعنى جاء قول عائشة: كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهمَّ ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن"١. تعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ . "فالذين يقولون بالوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ ، ويجعلون ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استئنافًا، إنما عُنوا بذلك التأويل بالمعنى

стр. 247

الثالث، أي: الحقيقة التي يُؤَوَّل إليها الكلام، فحقيقة ذات الله وكنهها وكيفية أسمائه وصفاته، وحقيقة المعاد لا يعلمها إلّا الله. والذين يقولون بالوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ على أن الواو للعطف وليست للاسئتناف، إنما عُنوا بذلك التأويل بالمعنى الثاني, أي: التفسير، ومجاهد إمام المفسرين، قال الثوري فيه: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك, فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه, فالمراد به أن يعرف تفسيره. وبهذا يتضح أنه لا منافاة بين المذهبين في النهاية، وإنما الأمر يرجع إلى الاختلاف في معنى التأويل. ففي القرآن ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، ولكن الحقيقة ليست كالحقيقة، فأسماء الله وصفاته، وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه في اللفظ والمعنى الكلي، إلّا أن حقيقة الخالق وصفاته ليست كحقيقة المخلوق وصفاته، والعلماء المحققون يفهمون معانيها, ويميزون الفرق بينها، وأما نفس الحقيقة فهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. ولهذا لما سُئِلَ مالك وغيره من السَّلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ . قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك قال ربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك قبله: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان". فبيَّن أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة. وكذلك الشأن بالنسبة إلى أخبار الله عن اليوم الآخر، ففيها ألفاظ تشبه معانيها ما هو معروف لدينا, إلّّا أن الحقيقة غير الحقيقة، ففي الآخرة ميزان وجنة ونار، وفي الجنة: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ ١. ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ٢.

стр. 248

وذلك نعلمه ونؤمن به، وندرك أن الغائب أعظم من الشاهد، وما في الآخرة يمتاز عَمَّا في الدنيا، ولكن حقيقة هذا الامتياز غير معلومة لنا، وهي من التأويل الذي لا يعلمه إلّا الله١. وأما التأويل المذموم فهو: صَرْفُ اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، يكون قويًّا عند المؤول, ضعيفًا عند أهل الحق، وهو ما لجأ إليه المعتزلة وكثير من الأشاعرة مبالغةً منهم في تنزيه الله عن مماثلته للمخلوقين كما يزعمون. وهو -لعمري- زعم خاطئ أوقعهم في مثل ما هربوا منه أو أشد، كما تقدَّم بيانه من كلام الطبري في تفسير قوله -جل شأنه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ . وهم أيضًا عندما يفسِّرون اليد بالقدرة مثلًا ليفروا من إثبات اليد للخالق -جل شأنه- لكونها في المخلوقين, يكونون قد وقعوا فعلًا فيما فروا منه، فإن للعباد أيضًا قدرة, وإن لم تكن كقدرة الله تعالى، لكنه تشبيه على أي حال، وذلك تناقض ظاهر؛ لأنه يلزمهم في المعنى الذي أثبتوه نظير ما زعموا أنه يلزم في المعنى الذي نفوه. فلا يجوز لهم أن يقولوا: إن هذا اللفظ مصروف عن الاحتمال المرجوح إلى الاحتمال الراجح؛ لأن الاحتمال الراجح هو الوقوف عند النصِّ، والإيمان بما فيه من إثبات أو نفي ورُدَّ متشابهه إلى محكمه، كما هو مذهب السلف، وهو الإلزم والأقوم والأسلم -والله أعلم.

стр. 249

المبحث الحادي والعشرون: الحروف المقطعة في فواتح السور مدخل ... المبحث الحادي والعشرون: الحروف المقطَّعة في فواتح السور افتتح الله تسعًا وعشرين سورة من كتابه العزيز بحروف هجائية مقَطَّعة، بلغت في مجموعها أربعة عشر حرفًا -نصف حروف الهجاء- جمعها بعضهم في قوله: "نص حكيم قاطع له سر". ومن هذا السور ما افتتحت بحرف واحد، ومنها ما افتتح بحرفين أو بثلاثة، أو بأربعة، أو بخمسة. فما افتتح بحرف واحد ثلاث سور هي: سورة "ق"، وسورة "القلم"، وسورة "ص". وما افتتح بحرفين تسع سور هي: طه، والنمل، ويس، وغافر، وفصلت، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف. وما افتتح بثلاث حروف ثلاث عشرة سورة هي: البقرة، وآل عمران، ويونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر، والشعراء، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة. وما افتتح بأربعة حروف سورتان هما: الأعراف، والرعد. وما افتتح بخمسة حروف سورتان هما: مريم، والشورى. وفواتح السور هذه من المتشابه الذي اختلف العلماء في تأويله، فكانوا منه على مذهبين: الأول: مذهب التفويض، وأصحاب هذا المذهب آثروا السلامة، وتركوا الخوْضَ في تأويلها فَرَقًا١ من أن يقولوا في كتاب الله برأي لا يستند إلى دليل ظاهر، فيعرِّضُوا أنفسهم إلى غضب الله تعالى، وعذابه في الدنيا والآخرة. والقول على الله بغير علم من أكبر الكبائر وأعظمها جرمًا، كما صرَّحت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

стр. 250

"قال هؤلاء المفوضون: إن حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وهو سر الله في القرآن، فنحن نؤمن بظاهرها، ونَكِلُ العلم فيها إلى الله تعالى. وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها. قال أبو بكر الصديق ﵁: في كل كتاب سر, وسر الله في القرآن أوائل السور. وقال علي بن أبي طالب ﵁: إن لكل كتاب صفوة, وصفوة هذا الكِتَاب حروف التهجي. واعتُرِضَ على هذا القول بأنه لا يجوز أن يخاطب الله عباده بما لا يعلمون, وأجيب عنه بأنه يجوز أن يكلِّف الله عباده بما لا يُعْقَل معناه، كرمي الجمار، فإنه مما لا يُعْقَلُ معناه، والحكمة فيه هو كمال الانقياد والطاعة، فكذلك هذه الحروف، ويجب الإيمان بها، ولا يلزم البحث عنها"١. الثاني: مذهب التأويل: وأصحاب هذا المذهب قد اختلفوا في تأويل هذه الحروف اختلافًا كثيرًا. ١- فمنهم من قال: إنها أسماء السور، وهو قول الكثير من المفسرين. واستدلوا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ألم السجدة، وهل أتى على الإنسان". وهذا القول في نظري ليس بشيء؛ لأن السور التي افتتحها الله بهذه الحروف لها أسماء أخرى قد اشتهرت بها، وتميَّزَت بها عن غيرها، ولم تتميز بهذه الحروف. فإذا قلت: هذه السورة "ألم", لم تعرف بهذه الحروف على التحديد إلّا إذا قلت: "ألم البقرة" "ألم آل عمران" "ألم لقمان" "ألم السجدة" وهكذا.

стр. 251

فكيف تكون بمفردها أسماء للسور؟ وأيضًا: هذه الحروف جزء من السورة، ولا يكون الاسم جزءًا من المسَمَّى. والحديث المذكور ليس فيه ما يدل على ذلك، بدليل أن الراوي عَرَّفَ السورة باسمها الذي اشتهرت به، ولم يكتف تعريفها بالحروف المقطَّعة، مما يدل على صحة ما ذكرته -والله أعلم بالصواب. ٢- ومنهم من قال: إنها أسماء لله تعالى, وقد نُسِبَ هذا القول لابن عباس -رضي الله عنهما١. وهذا القول ليس عليه دليل نعلمه، وهو يردُّنا إلى القول بأن هذه الحروف من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. فإن صحَّ القول عن ابن عباس, فمراده تفويض علمها إلى الله تعالى؛ لأن أسماء الله تعالى لا نقف عليها إلا بالنصوص الصريحة. ٣- وقريب منه ما نُسِبَ إلى ابن عباس أيضًا, من أن كل حرف من هذه الحروف دالٌّ على اسم من أسماء الله تعالى, وصفة من صفاته. قال الرازي٢: "قال ابن عباس ﵄ في ﴿الْم﴾ : الألف إشارة إلى أنه تعالى: أحد، أول، آخر، أزلي، أبدي؛ واللام إشارة إلى أنه: لطيف، والميم إشارة إلى أنه: ملك مجيد منان. وقال في ﴿كهيعص﴾ إنه ثناء من الله تعالى على نفسه، والكاف يدل على كونه كافيًا، والهاء يدل على كونه هاديًا، والعين يدل على العالم، والصاد يدل على الصادق. وذكر ابن جرير عن ابن عباس أنه حمل الكاف على الكبير والكريم، والياء على أنه يجير، والعين على العزيز والعدل.

стр. 252

والفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصَّصَ كل واحد من هذه الحروف باسم معين، وفي الثاني ليس كذلك". قال السيوطي١ بعد أن نقل هذا القول: "والاكتفاء ببعض الكلمة معهود في العربية، قال الشاعر: قلت لها قفي فقالت قاف أي: وقفت. وقال: بالخير خير وإن شرًّا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا أراد: وإن شرًّا فشر، إلّا أن تشاء. وقال: ناداهم ألا ألجموا ألا تا ... قالوا جميعًا كلهم ألا فا أراد: ألا تركبون، ألا فاركبوا. وهذا القول اختاره الزَّجَّاج، وقال: العرب تنطق بالحرف الواحد تدل به على الكلمة التي هو منها" أ. هـ. وهذا القول كسابقه غير معقول المعنى، ولا أرى أن هذا قد صحَّ عن ابن عباس، وعلى فرض صحته, فإنه يُعَدُّ سرًّا من الأسرار التي أطلعه الله عليها، لا نكلَّف الإيمان بها. على أن العرب إنما يستخدمون الرمز في كلامهم لضرورة الشعر، أو للاستظراف في الكلام، والإلغاز به, أما القرآن الكريم فهو منَزَّهٌ عن هذا. ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ . والإحكام والتفصيل ينافي استخدام الرموز.

стр. 253

نسأل الله تعالى أن يعيذنا من القول في كتابه بغير علم. ٤- ومنهم من قال: إن هذه الحروف أقسام أقسم الله بها، نسبه ابن جرير لابن عباس أيضًا. والمعروف أن القَسَمَ له صيغ، ليست هذه الحروف منها، والقرآن إنما نزل بما هو في معهود العرب ومنطوقها كما هو معلوم. ٥- قال السهيلي كما نقل عنه السيوطي: "لعل عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر للإشارة إلى مدة بقاء هذه الأمة. وهو قول ساقط بإجماع المحققين. قال ابن حجر: هذا باطل لا يُعْتَمَدُ عليه، فقد ثبت عن ابن عباس ﵁ الزجر عن عد "أبي جاد". أ. هـ١. وهي: "أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت تخذ ضظغ". وقال ابن كثير: "وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادَّعَى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسُّك به على صحته. وهو ما رواه أحمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي، حدَّثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس, عن جابر بن عبد الله بن وثَّاب قال: "مرَّ أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهودٍ برسول الله ﷺ ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ . فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود، فقال: تعلمون -والله- لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل الله عليه: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ .

стр. 254

فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم، قال: فمشى حُيَيْ بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد، ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ . فقال رسول الله ﷺ : بلى، فقالوا: جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: نعم، فقالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بيَّنَ لنبي منهم ما مدة ملكه، وما أجل أمته غيرك, فقام حيي بن أخطب، وأقبل على من كان معه، فقال لهم الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبي، إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ فقال: نعم، قال: ما ذاك؟ قال: المص، قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد سبعون، فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم، قال: ما ذاك؟ قال: الر، قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان, فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم، قال: ماذا؟، قال: المر، قال: فهذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان. ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد، حتى ما ندري أقليلًا أعطيت أم كثيرًا، ثم قال: قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم؟ لعله قد جمع هذا لمحمد كله: إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين، فقالوا: لقد تشابه علينا أمره". فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ١.

стр. 255

فهذا مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يُحْتَجُّ بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذه المسلك -إن كان صحيحًا- أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها, وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حسبت مع التكرر قائم وأعظم، والله أعلم" أ. هـ١. ٦- ومنهم من قال: إن هذه الحروف أدوات تنبيه على غير ما ألَّف العرب مثل "ألا، وأما، والهاء من هذا وهؤلاء". وقد جاءت على هذا النحو مبالغة في جلب الانتباه، وقرع الأسماع، ولهذا كان النبي ﷺ يمدُّ بها صوته، وقد كان المشركون إذا رأوا النبي ﷺ جلس يتلو القرآن فروا منه، وانفضُّوا من حوله، فإذا ما قرأ ﷺ هذه الحروف بصوته الندي، أخذ عليهم جلال قراءته كل مأخذ، فألقوا إليه أسماعهم إصغاءً لما يقول، فإذا بهم يسمعون ما قد فروا منه، وينصتون إلى ما قد لغَوْا فيه، ويدركون من سماع القرآن ما يريده الله منهم. وقد ضعَّف ابن كثير في تفسيره٢ هذا الرأي بقوله: "لو أنه كان كذلك لكان ذلك في جميع السور. ولو كان كذلك أيضًا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك، ثم إن هذه السور والتي تليها أعني: البقرة وآل عمران, مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه". وما قاله ابن كثير ﵀ ليس بلازم؛ لأن هذه الفواتح جاءت للتنبيه على أصول العقيدة، وما سواها داخل فيها، فإذا استمعوا إلى هذه الأصول التي كانوا يفرون من سماعها وتدبروها، وفهموا محتواها، فهموا ما هو داخل فيها، ومندرج تحتها. ولهذا نجد هذه الفواتح قد وليها الحديث عن نزول القرآن، ونفي الريب عنهم، والحديث عن التوحيد وقواعده، وعن الرسول ﷺ , والرسالة، وعن الإيمان والمؤمنين، وعن البعث والوعد والوعيد.

стр. 256

﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١. ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٢. ﴿المص، كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ ٣. ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ٤. ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٥. ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ٦. ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ ٧. فهذه الفواتح إنما جاءت في أوائل هذه السور للتنبيه على الأصول الاعتقادية -كما قلنا. ولهذا جاءت على غير ما ألَّف العرب، لتكون أجلب لانتباههم, وأقرع لآذانهم وقلوبهم. وقوله: إن سورتي البقرة وآل عمران ليستا خطابًا للمشركين؛ لأنهما مدنيتان -غير مسلم، فالمشركون كانوا في مكة والمدينة، وفي غيرهما من البلاد والبوادي، والخطاب عام للمشركين وغيرهم من أهل الريب والزيغ والضلال. ٧- ومنهم من يقول: إنها حروف تحدَّى الله بها العرب، وهذا التحدي يظهر من وجهين: الأول: أن محمدًا ﷺ أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، وقد جرت العادة أنه لا ينطق بمثل هذه الحروف مقطَّعَة هكذا إلا مَنْ كان يقرأ ويكتب، فدلَّ هذا على أنه ﷺ يتلقى القرآن من لدن حكيم خبير، فيقرأه كما تلقاه. والثاني: أن القرآن الكريم مؤلَّف من الحروف الهجائية التي يتكلَّم بها العرب، فلو كان قد تعلمه محمد ﷺ من بشر، كما يقولون، فلِمَ عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، وهم أفصح العرب، وأقدر الناس على الكلام والبيان، فكأن هذه الحروف تتحداهم بأسلوب لا عهد لهم بمثله.

стр. 257

أي: إن هذا القرآن مؤلَّفٌ من جنس هذه الحروف، فأتوا بشيء من مثله إن استطعتم، فإن لم تفعلوا -ولن تفعلوا- فآمنوا بأنه من عند الله، واجعلوا لأنفسكم وقايةً من عذاب الله بالفرار من الكفر والإلحاد. وقد رجَّحَ ابن كثير هذا القول، وارتضاه لما علم من أن كل سورة افتتحت بهذه الحروف قد انتصر فيها القرآن, وجاء فيها بيان إعجازه وعظمته. وهذا القول هو الراجح حقًّا إن شاء الله تعالى. والأرجح منه القول بأنها أدوات تنبيه جاءت على غير ما أَلِفَ العرب للحكمة التي سبق ذكرها، فهذا القول أجدر بالقبول من الذي قبله؛ لأن هذه الفواتح جاءت للتنبيه على ما يليها من الأصول العامة التي تقدَّمَ ذكرها، بخلاف القول السابق الذي ارتضاه ابن كثير؛ لأن سورة العنكبوت افتتحت بثلاثة حروف مقَطَّعة ولم يعقبها الانتصار للقرآن، وإنما جاء بعدها حديث عن الإيمان والمؤمنين، والوعد والوعيد، وغير ذلك. وبعد. فإن هذا القول، وإن كان هو الراجح عندي، فإنما يكون ذلك كذلك إن أقحمت نفسي في جملة المؤولين، أو افترضت أن سائلًا سألني أن أرجِّح قولًا من أقوالهم. أما إن خلَّيت ونفسي، وخُيِّرْتُ بين المذهبين: مذهب التفويض، ومذهب التأويل، فأنا على الأول منهما إن شاء الله تعالى، والله حسبي وهو نعم الوكيل.

стр. 258

المبحث الثاني والعشرون: العام والخاص تعريف العام والخاص ... المبحث الثاني والعشرون: العام والخاص في الشريعة الغراء أحكام تعم جميع المكلَّفين بلا استثناء، وأحكام تخص فريقًا دون فريق. وأحيانًا يقع التشابه بين ما هو عام، وما هو خاص، فينشأ عن ذلك الخلاف بين الفقهاء، ولكن غالبًا ما يكون هذا الخلاف هينًا، أو لفظيًّا، إذ كثيرًا ما تكون القرائن على التخصيص والتعميم ظاهرة جلية، لا يتأتَّى معها خلاف. ومعرفة الخاص والعام ضرورية لأهل الاجتهاد والفتوى؛ لأن القطع بصحة الأحكام متوقِّفٌ عليها. وفيما يلي بيان الفرق بين العام والخاص، وأنواع كلٍّ منهما، وما يتعلَّق بهما من الأحكام. تعريف العام والخاص: قال الرازي في "المحصول"١: "العام هو اللفظ المستغرِق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد. كقولنا: "الرجال", فإن مستغرق لجميع ما يصلح له. ولا يدخل عليه النكرات، كقولهم: "رجل"؛ لأنه يصلح لكل واحد من رجال الدنيا، ولا يستغرقهم. ولا التثنية، ولا الجمع؛ لأن لفظ "رجلان" و"رجال" يصلحان لكل اثنين، وثلاثة، ولا يفيدان الاستغراق. ولا ألفاظ العدد كقولنا: "خمسة"؛ لأنه صالح لكلِّ خمسة ولا يستغرقه. وقولنا: "بحسب وضع واحد" احتراز عن اللفظ المشترك، أو الذي له حقيقة، ومجاز، فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معًا.

стр. 259

وقيل في حدِّه أيضًا: إنه اللفظة الدالة على شيئين فصاعدًا، من غير حصر". والخاص: ما يقابل العام، فهو الذي لا يستغرق الصالح له من غير حصر. والتخصيص: هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام. وقال الرازي: حدّ التخصيص: إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه١. "والعموم كما يفهم من التعريف: من عوارض الألفاظ من جهة وضعها للدلالة على المعاني، فالعام كما عرفت هو: اللفظ الموضوع لاستغراق أفراد ما يصلح له. فلا يوصف بالعموم الأفعال ولا المعاني، فلا يقال: عطاء فلان عام؛ لأن عطاءه زيدًا متميِّزٌ عن عطائه عمرًا من حيث إنه فعل، فليس في الوجود معنى واحد مشترك بين الموجودات، وإن كانت حقيقته في العقل واحدة. وبهذا يظهر معنى قولنا: إن العموم من عوارض الألفاظ من جهة الدلالة على المعاني، فلا توصف به المعاني ولا الأفعال"٢. وفيما يلي نتكلم أولًا عَمَّا يتعلق بالعموم من المسائل، ثم نتبعه بذكر الخصوص ومسائله.

стр. 260

صيغ العموم: اختلف العلماء في معنى العموم، أَلَهُ في اللغة صيغةٌ موضوعةٌ له خاصةٌ به تدلُّ عليه أم لا؟ فذهب أكثرهم إلى أن هناك صيغًا وُضِعَتْ في اللغة للدلالة حقيقة على العموم، وتستعمل مجازًا فيما عداه.

стр. 261

وفيما يلي ذكر أهم هذه الصيغ إجمالًا، لأن محل التوسُّعِ في شرحها وتحليلها كتب أصول الفقه. ١- الجمع المعروف باللام: كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١. ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ٢. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٣. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ ٤. والدليل على إفادته العموم: إجماع الصحابة، فقد فهم أبو بكر ﵁ مثلًا العموم من قوله ﷺ : "الأئمة من قريش" ٥ وهو جمع محلَّى بأل، وتمسَّك بذلك في مقام الحجاج، حين قال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، ولم ينكر عليه أحد ذلك، فكان إجماعًا. ٢- الجمع المعروف بالإضافة: مثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٦. ومثل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُم﴾ ٧. والذي يدل على العموم فيه صحة الاستثناء منه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ٨, فالاستثناء أمارة العموم كما يقولون.

стр. 262

"أما الجمع المنكَّر فقد اختلف العلماء في عمومه، فذهب قوم إلى عمومه بدليل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١. فآلهة جمع منكَّرٌ, وهو عام بدليل الاستثناء منه، والاستثناء آية العموم كما ذكرنا. وذهب آخرون إلى أن الجمع المنكَّر لا يُعَدُّ سامة عامًّا, وأنه لا استثناء في الآية الكريمة السابقة؛ لأن إلّا بمعنى غير، صفة لما قبلها، ولا يصح أن تكون للاستثناء وإلّا وجب نصب ما بعدها؛ لأن الكلام تام موجب، ولفظ الجلالة مرفوع بلا خلاف، فالحق ما ذهب إليه أكثر العلماء من أن الجمع المنكَّر لا يفيد العموم"٢. ٣- المفرد المحلَّى بأل المستغرقة للجنس: مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٣. ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٤. ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ ٥. وعلامة "أل" المستغرِقَة للجنس أن يصح حلول "كل" محلها، وأن يصح الاستثناء من مدخولها، وهو دليل على أنها مفيدة للعموم. كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .

стр. 263

فلفظ الإنسان عام، بدليل الاستثناء منه، وصحة حلول "كل" محل أداة التعريف. والمعنى: إن كل إنسان في خسر، إلّا الذين آمنوا. هوكذلك قوله -جل شأنه- في الآيتين السابقتين: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة﴾ , ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ . والمعنى: كل من سرق فاقطعوا يده، وكل من زنى فاجلدوه. ٤- النكرة الواقعة في سياق النفي: مثل قوله ﵊: "لا وصية لوارث" ١ فوصية نكرة، وقعت بعد لا النافية فأفادت العموم. والدليل على العموم هنا إجماع العلماء على أن لا إله إلا الله كلمة توحيد، من نطق بها كان مؤمنًا موحدًا، والتوحيد بإثبات الواحد الحق لا يكون صحيحًا إلّا إذا كان صدر الكلام "لا إله" نفيًا لكل معبود بحقٍّ، وهذا هو معنى العموم، فتكون النكرة في موضع النفي للعموم. ٥- النكرة الواقعة في سياق النهي: كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ٣. فهو نهيٌ جاء بصيغة الخبر للمبالغة في التحذير. وقوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾ ٤.

стр. 264

أي: لا تبدلوا خلق الله أيَّ تبديل. ٦- النكرة الواقعة في سياق الشرط: فإنها تفيد العموم إذا كان الشرط مثبتًا في اليمين، مثل قول الرجل لامرأته: إذا دخلت دارًا فأنت طالق؛ لأنَّ اليمين يمنع المرأة من دخول أي دار، وهذا هو العموم في جانب الشرط, فأيّ دار دخلته المرأة تعتبر طالقًا. ٧- النكرة الموصوفة بصفة عامة: مثل: والله لا أحادث إلّا رجلًا فاضلًا، فإن رجلًا نكرة، وقد وُصِفَتْ بصفة عامة، وهي فاضل؛ لأن الفضل لا يختص بواحد من الرجال، فلا يحنث بمحادثة كل من اتصف بالفضل، سواء كان واحدًا أو اثنين أو أكثر، وذلك بخلاف ما لو قال: والله لا أحادث إلا رجلًا، يحنث بمحادلة رجلين أو ثلاثة لعدم العموم فيه. والدليل على العموم قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُم﴾ ١. هذه الجملة وقعت تعليلًا للنهي عن نكاح المشركين من قوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ . ٨- "مَنْ" سواء كانت شرطية مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ٢. أو استفهامية مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٣. أو موصولة مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ٤. إلا أنها إذا كانت شرطية أو استفهامية أفادت العموم قطعًا، أما إذا كانت موصولة فإنها تكون للعموم تارةً، وللخصوص تارة، والقرائن هي التي تخصِّصُ أو تعمم.

стр. 265

مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ ١. فإن المراد بمن في الآية بعض مخصوص من المنافقين، كما يفهم من السياق. ٩- لفظ "كل" وما في معناه كجميع وأجمع، وعامة، وقاطبة، وديارًا، إلى آخره. فإن هذه الألفاظ لا يُرَاد بها إلّا العموم قطعًا. مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ ٢. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ٣. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُون﴾ ٤. ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ٥.

стр. 266

دلالة العام: اختلف العلماء في دلالة العام الذي لم يخصَّص بقرينة، هل هي ظنية أم قطعية. فذهب فريق من العلماء ومنهم الشافعية إلى أن دلالة العام الذي لم يخصص ظنية، واستدلوا على ذلك بأن كل عام يحتمل التخصيص، حتى قالوا: ما من عام إلا وخُصِّصَ، ولهذا يؤكَّد العام بكل وأجمع، وما إليهما من كل ما هو قاطع في العموم لإزالة احتمال التخصيص، والقطع لا يثبت مع الاحتمال. وذهب فريق من العلماء ومنهم الحنفية, إلى أن دلالة العام الذي لم يُخَصَّصُ قطعية؛ لأن اللفظ متى وضع لمعنى كان هذا المعنى لازمًا له، حتى يقوم دليل

стр. 267

على خلاف ذلك، وألفاظ العموم موضوعة للعموم، فيكون العموم لازمًا لها حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، كالخاصِّ فإن مدلوله يثبت به قطعًا حتى يقوم الدليل على صرفه عنه إلى غيره.

стр. 268

أنواع العام: ينقسم العام إلى ثلاثة أنواع: الأول: ما أريد به العموم قطعًا، وهو الذي صحبته قرينة تنفي احتمال تخصيصه، وتجعله باقيًا على عمومه. قال القاضي جلال الدين البلقيني: ومثاله عزيز، إذ ما مِنْ عام إلا ويُتَخَيَّلُ فيه التخصيص. وذكر الزركشي في "البرهان" أنه كثير في القرآن، وأورد منه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ . وقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ . وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ . فإنه لا خصوص فيها. الثاني: ما أريد به الخصوص قطعًا, وهو الذي دلَّت قرينة على تخصيصه. مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ١. فالمراد بالناس الأولى نُعَيْم بن مسعود، والمراد بالناس الثانية أبو سفيان٢، لا العموم في كلٍّ منهما.

стр. 269

يدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ١. فوقعت الإشارة بقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى واحد بعينه، ولو كان المعنى به جمعًا لقال: "إنما أولئكم الشيطان". وأسباب النزول قرينة أخرى تخصص العموم في الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٢. فالناس في هذا النصِّ عام أُرِيد به خصوص المكلَّفين؛ لأن العقل يقضي بخروج الصبيان والمجانين. الثالث: عام مطلق: وهو الذي لم تصحبه قرينة تنفي احتمال تخصيصه، ولا قرينة تنفي دلالته على العموم, مثل: أكثر النصوص التي وردت فيها صيغ العموم مطلَقَة من القرائن اللفظية أو العقلية، أو العرفية.

стр. 270

الفرق بين العام المطلق والعام الذي أريد به الخصوص: العام الذي أريد به الخصوص هو العام الذي صاحبته قرينة دالَّة على أن المراد به الخصوص لا العموم, كمثل قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ١. فإن لفظ "كل" في الآية من ألفاظ العموم، ولكنَّها لا تفيد العموم, بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ . فدَّلَت هذه القرينة على أن الريح التي أرسلها الله على قوم عاد قد دمَّرَت أشخاصهم دون مساكنهم، بدليل قوله تعالى أيضًا في سورة الحاقة:

стр. 271

﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ١. وقوله تعالى في سورة القمر: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر﴾ ٢. ومثاله أيضًا قوله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْء﴾ ٣. أي: من كل شيء تحتاج إليه في معاشها، فهو عموم أُرِيد به الخصوص لقرينة عقلية قد صحبته. كما نقول: في بيتنا كل شيء، ووهبني الله كل شيء، فأنت لا تقصد كل ما في الوجود، وإنما تقصد كل شيء تحتاج إليه، فهذا هو المعقول من الكلام. وأما العام المطلق فهو الذي لم تصحبه قرينة دالَّة على أن المراد به بعض الأفراد، فيظل ظاهرًا في العموم حتى تقوم قرينة. هذا. وننتقل الآن إلى بيان التخصيص، وأقسامه.

стр. 272

أقسام التخصيص: ذكرنا في تعريف الخاص أنه: هو الذي لا يستغرق الصالح له من غير حصر. وكذرنا أن التخصيص: هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام، أي: قَصْرُ الحكم على بعض أفراد العام لقرينة تفيد ذلك. والمخصَّص قد يكون متَّصِلًا بالعام، وقد يكون منَفصِلًا عنه. والمتصل خمسة أنواع: أحدها: الاستثناء, كقوله تعالى في سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ١.

стр. 273

فإن الاستثناء هنا خصَّصَ العموم في الآية، وجعله مقصورًا على مَنْ يكفر عن اختيارٍ ورضا، ولولا الاستثناء لكان شاملًا لكل كافر، مختارًا أو مكْرَه. وكقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١. فإن الاستثناء في الآية الثانية أخرَجَ من الوعيد العام من فَرَّ من القتال لخداع العدو، أو للانضمام إلى فئة مؤمنة ليتقوَّى بهم على العدو. الثاني: الصفة: فإنها غالبًا ما تكون قيدًا معتبرًا في تخصيص العام، كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ٢. فكلمة النساء تشمل المدخول بهنَّ وغير المدخول بهنَّ، ولكنها لمَّا وصفت بالدخول صارت قاصرة على النساء المدخول بهنَّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٣. فكلمة الفتيات عامة تشمل المؤمنات وغير المؤمنات, لكنها لما وصفت بالمؤمنات صارت مقصورة على المؤمنات دون غيرهنّ. الثالث: الشرط؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ ٤. فالشرط في هذه الآية قصر استحقاق الأزواج النصف على حالة عدم الولد، ولولاه لأفاد الكلام استحقاقهم للنصف في جميع الأحوال. وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٥.

стр. 274

فقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي: مالًا، شرط في الوصية. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ١. أي: قدرة على الأداء، أو أمانة وكسبًا. الرابع: الغاية؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ٢. فلو لم يقل -جل شأنه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ لكان النهي عامًا في جميع الأحوال. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْن﴾ ٣. الخامس: يدل البعض من الكل؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٤. فقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ بدل من الناس، فيكون وجوب الحج خاصًّا بالمستطيع. وأما المخصَّص المنفصل: فهو ما كان في موضع آخر من آية أو حديث أو إجماع أو قياس. فما خُصَّ بالقرآن كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٥.

стр. 275

فهو عام في كل مطَلَّقَة حاملًا كانت أو غير حامل، مدخولًا بها أو غير مدخول بها، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ١. وبقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ ٢. وما خُصَّ بالحديث قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٣. فقد خَصَّ هذا العموم الذي في الآية قوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره: "لا وصية لوارث". وما خُصَّ بالإجماع آية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٤. خُصَّ منها بالإجماع الرقيق؛ لأن الرقَّ مانع من الإرث. وما خُصَّ بالقياس آية الزنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٥. خص منها العبد بالقياس على الأمة التي نصَّ على تخصيصها عموم الآية في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ٦. وبعد: فهذا ما أردت ذكره هنا من مسائل العموم والخصوص، ومن أراد التوسُّع فعليه بكتب أصول الفقه. والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق.

стр. 276

المبحث الثالث والعشرون: المطلق والمقيد تعريف المطلق والمقيد ... المبحث الثالث والعشرون: المطلق والمقيد ترد في القرآن الكريم والسنة المطهرة نصوص مطلَقَة بأوامر ونواهٍ مختلفة غير مقيَّدَة بصفة معينة, أو حال مخصوصة، أو غاية محدَّدَة. وترد في القرآن والسُّنَّة أيضًا نصوص مقيَّدَة بقيود معتبرة في تقرير الحكم، لحكمة سامية ينص عليها الشارع حينًا، ويترك التنصيص عليها حينًا؛ ليدرِّبَ العقول على استنباطها بالقرائن الملحوظة من سياق الكلام، أو من العرف اللغوي، أو العرف الشرعي، أو العرف العادي. وفي الأحكام المطْلَقَة والمقيَّدَة رعاية لمصالح العباد في العاجل والآجل بوجه عام. هذا. والكلام في المطلق والمقيد مبسوطٌ في كتب الأصول, نكتفي منه هنا بذكر تعريف كلٍّ منهما، ونبيِّنُ خلاف العلماء بإيجاز في حمل المطلَقِ على المقيد، وهي أهم مسألة في هذا المبحث. تعريف المطلق والمقيد: المطلق: هو ما دلَّ على الحقيقة بلا قيد. أو هو كما قال الشوكاني١: "ما دلَّ على الماهية بلا قيد من حيث هي هي، من غير أن تكون له دلالة على شيء من قيوده". وقال الآمدي٢ في تعريف المطلق: "هو عبارة عن النكرة في سياق الإثبات. قال: فقولنا: "نكر ة", احتراز عن أسماء المعارف, وما مدلوله واحد معين, أو عام مستغرق.

стр. 277

وقولنا: "في سياق الإثبات", احتراز عن النكرة في سياق النفي، فإنها تعمّ جميع ما هو من جنسها, وتخرج بذلك عن التنكير لدلالة اللفظ على الاستغراق، وذلك كقولك في معرض الأمر: "اعتق رقبة"، أو مصدر الأمر كقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَة﴾ ، أو الإخبار عن المستقبل كقوله: "سأعتق رقبة", ولا يتصور الإطلاق في معرض الخبر المتعلِّق بالماضي كقوله: "رأيت رجلًا" ضرورة تعينه من إسناده الرؤية إليه. وإن شئت قلت: هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه. فقولنا: "لفظ" كالجنس للمطلق وغيره، وقولنا: "دال" احتراز عن الألفاظ المهملة، وقولنا: "على مدلول" ليعمَّ الوجود والعدم، وقولنا: "شائع في جنسه" احتراز عن أسماء الأعلام، وما مدلوله معيَّن أو مستغرق. قال: وأما المقيد فإنه يُطْلَقُ باعتبارين: الأول: ما كان من الألفاظ الدالة على مدلولٍ معين، كزيد وعمرو، وهذا الرجل، ونحوه. الثاني: ما كان من الألفاظ دالًّا على وصفٍ, مدلوله المطلق بصفة زائدة عليه كقولك: دينار مصري، ودرهم مكي. وهذا النوع من المقيَّد، وإن كان مطلقًا في جنسه من حيث هو دينار مصري، ودرهم مكي، غير أنه مقيَّد بالنسبة إلى مطلق الدينار والدرهم، فهو مطلق من وجهٍ ومقيَّدٌ من وجه".

стр. 278

حكم حمل المطلق على المقيد: "المطلق والمقيد إذا وردا: فإما أن يكون حكم أحدهما مخالفًا لحكم الآخر، أو لا يكون. والأول: مثل أن يقول الشارع: "آتوا الزكاة، وأعتقوا رقبة مؤمنة". ولا نزاع في أنه لا يحمل المطلق على المقيد -ههنا؛ لأنه لا تعلُّق بينهما أصلًا.

стр. 279

وأما الثاني: فلا يخلو إمَّا أن يكون السبب واحدًا، أو يكون هناك سببان متماثلان، أو مختلفان. أ- فإن كان السبب واحدًا: وجب حمل المطلق على المقيد؛ لأن المطلَق جزء من المقيَّد، والآتي بالكل آتٍِ بالجزء -لا محالة, فالآتي بالمقيَّد يكون عاملًا بالدليلين، والآتي بغير ذلك المقيَّد لا يكون عاملًا بالدليلين، بل يكون تاركًا لأحدهما. والعمل بالدليلين -عند إمكان العمل بهما- أولى من الإتيان بأحدهما، وإهمال الآخر. ب- واختلفوا في الحكمين المتماثلين، إذا أطلق أحدهما وقُيِّدَ الآخر، وسببهما مختلف. مثاله: تقييد الرقبة -في كفارة القتل- بالإيمان وإطلاقها في كفارة الظهار. فمنهم من يقول: تقييد أحدهما يقتضي تقييد الآخر لفظًا -وهم الشافعية. ومنهم من يقول: إنه لا يجوز تقييد هذا المطلق بطريق ما البتة -وهم الحنفية" أ. هـ١. "واحتجَّ الشافعية على ما ذهبوا إليه بأن المطلق والمقيَّد كالعام الذي يحتمل الخصوص، والمجمَل الذي يحتمل البيان، فإذا ورد مطلَق ومقيَّد وجب أن يكون الثاني مبينًا للأول. ويكون كلا النصين بمنزلة نص واحد، كالنص المجمَل مع النص المبين، حتى لا يؤدي إلى التناقض" أ. هـ٢.

стр. 280

وقالوا أيضًا: "إن كلام الله تعالى متحد في ذاته، لا تعدو فيه، فإذا نصَّ على اشتراط الإيمان في كفارة القتل، كان ذلك تنصيصًا على اشتراطه في كفارة الظِّهار"١. وضعَّفَ الإمام الرازي في "المحصول"٢ قول الشافعية بقوله: "لأن الشارع لو قال: أوجبت في كفارة القتل رقبة مؤمنة، وأوجبت في كفارة الظِّهار رقبة كيف كانت, لم يكن أحد الكلامين مناقضًا للآخر، فعلمنا أن تقييد أحدهما لا يقتضي تقييد الآخر لفظًا" أ. هـ. وما احتجُّوا به من أن القرآن متحدٍّ في ذاته، فقد فنَّده الرازي وغيره من علماء الأصول، وحاصل ما ذكروه أنه لا يلزم من عدم حمل المطلَق على المقيَّد تناقض إذا كانت الأحكام مختلفة في أسبابها. فكفارة الظِّهار تختلف عن كفارة القتل من حيث السبب، ومن حيث الجرم، وتتابع الصيام في الظِّهار بخلاف الصوم في كفارة اليمين، فليس مَنْ حَنَثَ في يمينه كالذي ظاهر في امرأته. فالأول: يجوز له الحنث في اليمين إن حلف على شيء ورأى غيره خيرًا منه، ولهذا لم يشترط الشارع التتابع في كفارته بالصوم. والثاني: أتى منكرًا من القول وزورًا، فشُدِّدَت عليه العقوبة؛ فأُمِرَ بصيام شهرين متتابعين، إن لم يجد رقبة يعتقها. ولو كان عدم حمل المطلَق على المقيَّد يؤدي إلى التناقض في القرآن كما زعموا, لوجب أن يتقيد كل عام ومطلَق بكل خاصٍّ ومقيَّد. وأما الحنفية فقد احتجوا على ما ذهبوا إليه بقولهم: "إن حمل المطلَق على المقيَّد، خلاف عُرْفِ أهل اللغة، بل في عرفهم إجراء المطلق على إطلاقه، والمقيَّد على تقييده. فإن من قال لآخر: "أعتق عبيدي"، ثم قال بعد ذلك: "أعتق عبدي الأبيض"، فله أن يعتق أيَّ عبد شاء، ولا يتقيَّد بالأبيض.

стр. 281

وكذا من قاله لامرأته: "إن دخلت الدار فأنت طالق"، ثم قال بعد ذلك: "إن دخلت الدار راكبة فأنت طالق"، فدخلت راكبة أو ماشية يقع الطلاق، ولا يتقيَّد المطلق بصفة الركوب. وإذا كان عُرْفُ أهل اللسان هذا -يجب حمل كتاب الله تعالى وكلام الرسول ﷺ على المتعارف؛ لأن كلام الله تعالى نزل بلغة العرب على حسب عاداتهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ١. والرسول ﵇ منهم, فيكون كلامه محمولًا على تعارفهم في الأصل؛ ولأن في هذا نسخ المطلق، لأن النسخ ليس إلا بيان انتهاء مدة الحكم. ومن حمل المطلَق على المقيَّد -وقَبْلَ التقييد يجوز العمل به، وبعده لا يجوز- فقد انتهى حكم المطلق ضرورة. والنسخ لا يجوز إلّا عند تساوي الدليلين. والقياس وخبر الواحد لا يساوي الكتاب, والمتواتر" أ. هـ٢. أقول: لكلٍّ من المذهبين السابقين وجاهته، وإن كانت النفس إلى مذهب الحنفية أَمْيَلُ، لقوة حجتهم -والله أعلم.

стр. 282

المبحث الرابع والعشرون: المجمل والمبين تعريف المجمل والمبين ... المبحث الرابع والعشرون: المجمَل والمبيِّن في القرآن والسُّنَّة نصوص لا تحتمل إلّا وجهًا واحدًا من المعاني، وفيه نصوص تحتمل أكثر من معنى, إلّا أن هناك دليلًا يرجِّح معنًى منها، وهو ما يُسَمَّى في عُرْفِ الأصوليين بالظاهر، كما يُسَمَّى الأول بالنص. وفي القرآن والسُّنَّة نصوص مجمَلَة بيَّنَتْها نصوص أخرى، فأزالت إبهامها، ووضَّحت المراد منها، وقد سبق في تعريف المحكَم والمتشابِه تعريف الإمام الرازي للنصِّ والظاهر والمجمَل، والمؤوَّل، بإيجاز. وهنا نبيِّنُ -بعون الله تعالى- تعريف المجمَل بشيء من البَسْطِ, ثم نذكر أقسامه، وما يتعلَّق بهذه الأقسام من المسائل الأصولية. تعريف المجمَل والمبَيِّن: "المجمَل في عُرْفِ الفقهاء: ما أفاد شيئًا من جملة أشياء, هو متعيِّنٌ في نفسه، واللفظ لا يعينه"١. كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاة﴾ . فلفظ ﴿أَقِيمُوا﴾ يفيد وجوب فعل متعيِّن في نفسه، غير متعيِّن بحسب اللفظ، لهذا احتاج إلى مبيِّنٍ يبينه. "والمبيِّن هو: ما يفرِّق بين الشيء وما يشاكله, فهو دلالة على المعنى المراد على سبيل البَسْطِ والتفصيل. ويعرفه الفقهاء بأنه الذي دلَّ على المراد بخطاب لا يستقلّ -بنفسه- في الدلالة على المراد"٢. فالمجمَل هو المبهَم الذي لا يتَّضِحُ المراد منه إلّا بقرينة شرعية تزيل إبهامه وتوضِّحُ المراد منه. فهو كما قال السرخسي٣: "لفظ لا يُفْهَمُ المراد منه إلّا باستفسار من المجمَل, وبيانٍ من جهته يُعْرَفُ به المراد".

стр. 283

فهو لفظ خفي المراد منه بحيث لا يدرك إلإ ببيان من المتكلم به؛ إذ لا قرينة تدل على معناه الذي قصده المتكلم. فسبب الخفاء في المجمل لفظي لا عارضي، أي أن اللفظ المجمل لا يدل بصيغته على المراد منه، ولا توجد قرائن لفظية أو حالية تبينه، بل لا بد من الرجوع إلى الشارع نفسه لمعرفة المراد من اللفظ". وفيما يلي ذكر بعض الأسباب التي يكون بها اللفظ مجملًا يحتاج إلى بيان من قبل الشارع الحكيم.

стр. 284

أسباب الإجمال: وقد عرف الآمدي المجمل بتعريف رأي أنه الحق، فقال: "المجمل هو ما له دلالة على أحد أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه". وهو لا يبعد كثيرًا عن التعريف السابق. ثم ذكر بعد شرح التعريف الأسباب التي تؤدي إلى الإجمال، فقال: "وقد يكون ذلك في لفظ مفرد مشترك عند القائلين بامتناع تعميمه، وذلك إما بين مختلفين، كالعين للذهب والشمس، والمختار١ للفاعل والمفعول، أو ضدين كالقروء للطهر والحيض. وقد يكون في لفظ مركب، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ . فإن هذه مترددة بين الزوج والولي. وقد يكون ذلك بسبب التردد في عود الضمير إلى ما تقدمه، كقولك: كل ما علمه الفقيه فهو كما علمه. فإن الضمير في "هو" متردد بين العود إلى الفقيه، وإلى معلوم الفقيه، والمعنى يكون مختلفًا، حتى إنه إذا قيل بعوده إلى الفقيه كان معناه: فالفقيه كمعلومه، وإن عاد إلى معلومه، كان معناه: فمعلومه على الوجه الذي علم.

стр. 285

وقد يكون ذلك بسبب الوقف والابتداء. كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ١. فالواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مترددة بين العطف والابتداء، والمعنى يكون مختلفًا. وقد يكون ذلك بسبب تردد الصفة، وذلك كما لو كان زيد طبيبًا غير ماهر في الطب، وهو ماهر في غيره، فقلت: "زيد طبيب ماهر", فإن قولك: "ماهر", متردد أن يراد به كونه ماهرًا في الطبِّ، فيكون كاذبًا، وبين أن يراد به غيره فيكون صادقًا. وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين مجازاته المتعددة عند تعذُّر حمله على حقيقته. وقد يكون بسبب تخصيص العموم بصور مجهولة، أو بصفة مجهولة، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ ٢. فإن تقييد الحلِّ بالإحصان، مع الجهل بما هو الإحصان يوجب الإجمال فيما أُحِلَّ. أو باستثناء مجهول كقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ٣. فإنه مهما كان المستثنى مجمَلًا فالمستثنى منه كذلك, وكذلك الكلام في تقييد المطلق. إلى آخر ما قاله" أ. هـ٤.
следующие страницы →