← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 10002

دراسات في علوم القرآن - محمد بكر إسماعيل

محمد بكر إسماعيل

Полный текст (465 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وكذا من قاله لامرأته: "إن دخلت الدار فأنت طالق"، ثم قال بعد ذلك: "إن دخلت الدار راكبة فأنت طالق"، فدخلت راكبة أو ماشية يقع الطلاق، ولا يتقيَّد المطلق بصفة الركوب. وإذا كان عُرْفُ أهل اللسان هذا -يجب حمل كتاب الله تعالى وكلام الرسول ﷺ على المتعارف؛ لأن كلام الله تعالى نزل بلغة العرب على حسب عاداتهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ١. والرسول ﵇ منهم, فيكون كلامه محمولًا على تعارفهم في الأصل؛ ولأن في هذا نسخ المطلق، لأن النسخ ليس إلا بيان انتهاء مدة الحكم. ومن حمل المطلَق على المقيَّد -وقَبْلَ التقييد يجوز العمل به، وبعده لا يجوز- فقد انتهى حكم المطلق ضرورة. والنسخ لا يجوز إلّا عند تساوي الدليلين. والقياس وخبر الواحد لا يساوي الكتاب, والمتواتر" أ. هـ٢. أقول: لكلٍّ من المذهبين السابقين وجاهته، وإن كانت النفس إلى مذهب الحنفية أَمْيَلُ، لقوة حجتهم -والله أعلم.

стр. 282

المبحث الرابع والعشرون: المجمل والمبين تعريف المجمل والمبين ... المبحث الرابع والعشرون: المجمَل والمبيِّن في القرآن والسُّنَّة نصوص لا تحتمل إلّا وجهًا واحدًا من المعاني، وفيه نصوص تحتمل أكثر من معنى, إلّا أن هناك دليلًا يرجِّح معنًى منها، وهو ما يُسَمَّى في عُرْفِ الأصوليين بالظاهر، كما يُسَمَّى الأول بالنص. وفي القرآن والسُّنَّة نصوص مجمَلَة بيَّنَتْها نصوص أخرى، فأزالت إبهامها، ووضَّحت المراد منها، وقد سبق في تعريف المحكَم والمتشابِه تعريف الإمام الرازي للنصِّ والظاهر والمجمَل، والمؤوَّل، بإيجاز. وهنا نبيِّنُ -بعون الله تعالى- تعريف المجمَل بشيء من البَسْطِ, ثم نذكر أقسامه، وما يتعلَّق بهذه الأقسام من المسائل الأصولية. تعريف المجمَل والمبَيِّن: "المجمَل في عُرْفِ الفقهاء: ما أفاد شيئًا من جملة أشياء, هو متعيِّنٌ في نفسه، واللفظ لا يعينه"١. كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاة﴾ . فلفظ ﴿أَقِيمُوا﴾ يفيد وجوب فعل متعيِّن في نفسه، غير متعيِّن بحسب اللفظ، لهذا احتاج إلى مبيِّنٍ يبينه. "والمبيِّن هو: ما يفرِّق بين الشيء وما يشاكله, فهو دلالة على المعنى المراد على سبيل البَسْطِ والتفصيل. ويعرفه الفقهاء بأنه الذي دلَّ على المراد بخطاب لا يستقلّ -بنفسه- في الدلالة على المراد"٢. فالمجمَل هو المبهَم الذي لا يتَّضِحُ المراد منه إلّا بقرينة شرعية تزيل إبهامه وتوضِّحُ المراد منه. فهو كما قال السرخسي٣: "لفظ لا يُفْهَمُ المراد منه إلّا باستفسار من المجمَل, وبيانٍ من جهته يُعْرَفُ به المراد".

стр. 283

فهو لفظ خفي المراد منه بحيث لا يدرك إلإ ببيان من المتكلم به؛ إذ لا قرينة تدل على معناه الذي قصده المتكلم. فسبب الخفاء في المجمل لفظي لا عارضي، أي أن اللفظ المجمل لا يدل بصيغته على المراد منه، ولا توجد قرائن لفظية أو حالية تبينه، بل لا بد من الرجوع إلى الشارع نفسه لمعرفة المراد من اللفظ". وفيما يلي ذكر بعض الأسباب التي يكون بها اللفظ مجملًا يحتاج إلى بيان من قبل الشارع الحكيم.

стр. 284

أسباب الإجمال: وقد عرف الآمدي المجمل بتعريف رأي أنه الحق، فقال: "المجمل هو ما له دلالة على أحد أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه". وهو لا يبعد كثيرًا عن التعريف السابق. ثم ذكر بعد شرح التعريف الأسباب التي تؤدي إلى الإجمال، فقال: "وقد يكون ذلك في لفظ مفرد مشترك عند القائلين بامتناع تعميمه، وذلك إما بين مختلفين، كالعين للذهب والشمس، والمختار١ للفاعل والمفعول، أو ضدين كالقروء للطهر والحيض. وقد يكون في لفظ مركب، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ . فإن هذه مترددة بين الزوج والولي. وقد يكون ذلك بسبب التردد في عود الضمير إلى ما تقدمه، كقولك: كل ما علمه الفقيه فهو كما علمه. فإن الضمير في "هو" متردد بين العود إلى الفقيه، وإلى معلوم الفقيه، والمعنى يكون مختلفًا، حتى إنه إذا قيل بعوده إلى الفقيه كان معناه: فالفقيه كمعلومه، وإن عاد إلى معلومه، كان معناه: فمعلومه على الوجه الذي علم.

стр. 285

وقد يكون ذلك بسبب الوقف والابتداء. كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ١. فالواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مترددة بين العطف والابتداء، والمعنى يكون مختلفًا. وقد يكون ذلك بسبب تردد الصفة، وذلك كما لو كان زيد طبيبًا غير ماهر في الطب، وهو ماهر في غيره، فقلت: "زيد طبيب ماهر", فإن قولك: "ماهر", متردد أن يراد به كونه ماهرًا في الطبِّ، فيكون كاذبًا، وبين أن يراد به غيره فيكون صادقًا. وقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين مجازاته المتعددة عند تعذُّر حمله على حقيقته. وقد يكون بسبب تخصيص العموم بصور مجهولة، أو بصفة مجهولة، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ ٢. فإن تقييد الحلِّ بالإحصان، مع الجهل بما هو الإحصان يوجب الإجمال فيما أُحِلَّ. أو باستثناء مجهول كقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ٣. فإنه مهما كان المستثنى مجمَلًا فالمستثنى منه كذلك, وكذلك الكلام في تقييد المطلق. إلى آخر ما قاله" أ. هـ٤.

стр. 286

أقسام المجمَل: ينقسم المجمَل إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما كان اللفظ فيه محتمِلًا لمعانٍ كثيرة, ولم يكن حمله على بعضها أَوْلَى من الباقي. الثاني: ما يُحْكَمُ عليه بالإجمال -حال كونه مستعملًا في بعض موضوعه- فهو: كالعام المخصوص بصفة مجمَلة، أو استثناء مجمَل، أو بدليل منفصَل مجهول. مثال الصفة قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ . فإنه تعالى لو اقتصر على ذلك لم يفتقر فيه إلى بيان، فلمَّا قيَّدَه بقوله: ﴿مُحْصِنِين﴾ , ولم ندر ما الإحصان, لم نعرف ما أبيح لنا١. ومثال الاستثناء قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ . ومثال الدليل المنفصل المجهول: كما إذا قال الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ -المراد بعضهم لا كلهم. الثالث: "ما يُحْكَمُ عليه بالإجمال، حال كونه مستعمَلًا لا في موضوعه، ولا في بعض موضوعه، فهو ضربان: أحدهما: الأسماء الشرعية. والآخر: غيرها. مثال الأول: كما إذا أمرنا الشرع بالصلاة -ونحن لا نعلم انتقال هذا الاسم إلى هذه الأفعال- احتجنا فيه إلى بيان. والثاني: الأسماء التي دلَّت الأدلة على أنه لا يجوز حملها على حقائقها، وليس بعض مجازاتها أولى من بعض -بحسب اللفظ- فلا بُدَّ من البيان". أ. هـ٢.

стр. 287

أقسام المبيِّن: المبيِّن -بتشديد الياء وكسرها- هو كما عرفت: ما يفرِّق بين الشيء وما يشاكله، ويدل على المراد بخطاب لا يستقل -بنفسه- في الدلالة على المراد. وقد قسَّمه الإمام الرازي ١ إلى ثلاثة أقسام: الأول: بيان بالقول, وهو ظاهر. والثاني: بيان بالفعل، بأن يرد اللفظ في القرآن، أو في السُّنَّة محتملًا لعدة معانٍ، فيعلم من كان مع النبي ﷺ أن أحد المعاني هو المراد مستدِلًّا على ذلك بفعله ﷺ , ولا يُعْلَمُ كَوْنُ الفعل بيانًا للمجمل إلّا بأحد أمور ثلاثة: أ- أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده. ب- أن يعلم بالدليل اللفظي وهو أن يقول: هذا الفعل بيان لهذا المجمَل، أو يقول أقوالًا يلزم من مجموعها ذلك. ج- أن يعلم ذلك بالدليل العقلي، وذلك أن يذكر المجمَل وقت الحاجة إلى العمل به، ثم يفعل النبي ﷺ فعلًا يصلح أن يكون بيانًا له، ولا يفعل شيئًا آخر، فيُعْلَم أن ذلك الفعل بيان للمجمَل، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. الثالث من أنواع المبين: الترك. قال الإمام الرازي: اعلم أن الفعل يبيِّن الصفة، ولا يدل على وجوبها، وترك الفعل يبيِّن نفي وجوبه، وذلك على أربعة أضرب: أحدها: أن يقوم من الركعة الثانية إلى الثالثة، ويمض على صلاته، فيُعْلَم أن هذا التشهد ليس بشرط في صحة الصلاة، وإلّا لم تصح مع عدم شرط الصحة، ويدل على أنه ليس بواجب أنه ﷺ لا يجوز أن يتعهَّد ترك الواجب. وثانيها: أن يسكت عن بيان حكم الحادثة, فيُعْلَم أنه ليس فيها حكم شرعي. وثالثها: أن يكون ظاهر الخطاب متناولًا له ولأمته على سواء، فإذا ترك الفعل: دلَّ على أنه كان مخصوصًا من الخطاب، ولم يلزمه ما لزم أمته.

стр. 288

ورابعها: أن يتركه بعد فعله إياه, فيُعْلَم أنه قد نُسِخَ عنه. ثم ينظر, فإن كان حكم الأمة حكمه نُسِخَ عنهم أيضًا، وإلّا كان حكمهم بخلاف حكمه -والله أعلم"١.

стр. 289

حكم المجمَل: ينبغي التوقُّف في العمل بالمجمَل إلّا إذا ورد من الشارع ما يزيل إجماله ويكشف معناه. وقد وردت في القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة ألفاظ كثيرة مجملة في مواضع، مبينة في مواضع أخرى بيانًا وافيًا. ووردت ألفاظ أخرى مجملة مبينة بعض البيان، فكانت هذه الألفاظ من قبيل المشْكَل الذي يحتاج إلى نظر وتأمُّل، لإزالة إشكاله ومعرفة المقصود منه. ومن النادر جدًّا أن تجد ألفاظًا في القرآن الكريم غير واضحة الدلالة على المعنى المراد على وجه من الوجوه المعقولة، بل ذلك مفقود فيه؛ لأن القرآن الكريم قد نزل هداية للخلق، ومنهجًا للحياة، فجاء من أجل ذلك مبينًا في معانيه ومراميه. وقد أمرنا الله بتدبُّر آياته، فكان مقتضى ذلك الأمر أن تكون معانيه في مستوى إدراكنا على وجه مقبول شرعًا وعقلًا، حتى الأشياء التي اختص الله بعلمها لم يخف الله -جل شأنه- عنا دلالتها على المعنى الذي يمكننا تصوره, على نحو يناسب عقولنا, كما تقدَّمَت الإشارة إلى ذلك عند الكلام عن تعريف المحكَم والمتشابِه.

стр. 290

المبحث الخامس والعشرون: المشترك اللفظي تعريفه ... الفصل الخامس والعشرون: المشترك اللفظي هناك ألفاظ لها أكثر من معنى، وأكثر من مدلول في وضع اللغة، بأن تكون قبيلة من القبائل العربية قد استعملت اللفظ في معنى غير الذي استعملته قبيلة أخرى، فينزل القرآن الكريم بهذه الألفاظ المشتركة بين تلك المعاني المختلفة، فيقع الإبهام بسبب اشتراكها, كما وقع بسبب إجمالها. وهناك فرق بين المجمَل والمشترك، وهناك فرق بين المشترك اللفظي والمعنوي، كما إن هناك فرقًا بين العام والمجمَل، والخاص والمقيد. وهذه الفروق تفهم من تعريف كل واحد منها. وسنحاول هنا أن نجلو لك معنى المشترك بصوره المختلفة, ونبين لك أسبابه، وحكمه، وغير ذلك من المسائل التي تتعلق به، وذلك بإيجاز. تعريفه: "المشترك اللفظي عند الأصوليين: لفظ يتناول أفرادًا مختلفة الحدود على سبيل البدل. أو بتعبير آخر: المشترك اللفظي: لفظ وُضِعَ لمعنيين أو أكثر بأوضاع متعددة، فهو إذن لم يوضع لمجموع ما يدل عليه بوضع واحد، بل بأوضاع متعددة، أي: وُضِعَ لكل معنًى من معانيه بوضع على حدة، كان يُوضَعُ لهذا المعنى, ثم يوضع مرة ثانية لمعنًى آخر، وهكذا. فمن المشترك الموضوع لمعنيين فقط "القرء": فقد وُضِعَ للطهر والحيضة. ومن المشترك الموضوع لأكثر من معنيين، لفظ "العين"، فقد وُضِعَ لعدة معانٍ، منها: العين الباصرة، وعين الماء، والجاسوس، والسلعة. ووضع هذا اللفظ لهذه المعاني كان وضعًا متعددًا، أي: وضع لكل معنى من هذه المعاني وضع على حدة.

стр. 291

وكالمولى وضع للمعتق وللعتيق"١.

стр. 292

أسباب وجوده في اللغة: ذكر العلماء لوجود المشترك في اللغة أسبابًا أهمها: ١- اختلاف القبائل العربية في وضع الألفاظ لمعانيها، فقد تضع قبيلة لفظًا من الألفاظ لمعنى من المعاني، وتضعه قبيلة أخرى لمعنى آخر، وأخرى تضعه لمعنى ثالث، فيتعدَّد الوضع، وينقل إلينا اللفظ مستعملًا في هذه المعاني دون أن ينصَّ علماء اللغة على تعدد الوضع أو الواضع. ٢- قد يوضع اللفظ لمعنى، ثم يستعمَل في غيره مجازًا، ثم يشتهر استعمال المجازي، حتى يُنْسَى أنه معنى مجازي للفظ، فيُنْقَل إلينا على أنه موضوع للمعنيين الحقيقي والمجازي. ٣- أن يكون اللفظ موضوعًا لمعنى مشترك بين المعنيين، فيصح إطلاق اللفظ على كليهما، ثم يغفل الناس عن هذا المعنى المشترك الذي دعا إلى صحة إطلاق اللفظ على كلا المعنيين، فيظنون أن اللفظ من قبيل المشترك اللفظي. كلفظ القرء, فإنه في اللغة يطلق على كل زمان اعتمد فيه أمر معين، فيُقَال للحمَّى قرء، أي: زمان دوري معتاد تكون فيه, وللمرأة قرء، أي: وقت دروي تحيض فيه، ووقت دوري آخر تطهر فيه. وكالنكاح: لفظ وضع لمعنى الضمِّ، فصح إطلاقه على العقد ذاته؛ لأنه فيه ضم اللفظين: الإيجاب والقبول. وصحَّ إطلاقه على الوطء أيضًا: ولكن اشتُهِرَ إطلاقه على العقد، فظنَّ البعض أنه حقيقة فيه مجاز في غيره، وظنَّ البعض الآخر أنه في الوطء حقيقة، وفي العقد مجاز. ٤- أن يكون اللفظ موضوعًا لمعنى في اللغة، ثم يوضع في الاصطلاح لمعنى آخر. كلفظ "الصلاة": وُضِعَ لغةً للدعاء، ثم وُضِعَ في اصطلاح الشرع للعبادة المعروفة.

стр. 293

حكمه: إذا ورد في الكتاب أو السُّنَّة لفظ مشترك ينظر فيه، فإن كان مشتركًا بين معنيين أحدهما لغوي، والآخر شرعي، وجب حمله على المعنى الشرعي؛ لأنه المقصود بالحكم. وإن كان مشتركًا بين معنيين أو أكثر لغة، وجب حمله على معنى واحد منها, بدليل يدل على هذا الحمل. ففي قوله تعالى -مثلًا: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ . يُحْمَلُ على معناه الشرعي، وهو حمل العصمة الزوجية، ولا يُحْمَلُ على معناه اللغوي الذي هو حل القيد مطلقًا. وقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاة﴾ . يُحْمَلُ على الصلاة بمعناها الشرعي، وهي العبادة ذات الأقوال والأفعال المخصوصة المفتتحة بالتكبير، المختَتَمَة بالتسليم، ولا يُحْمَلُ على معناها اللغوي، وهو الدعاء. والسبب في حمل المشترك على معناه الاصطلاحي لا اللغوي، هو أنَّ الشارع لما نقل هذا اللفظ عن معناه اللغوي إلى معناه الاصطلاحي الشرعي الذي استعمله فيه, كان اللفظ في عُرْفِ الشارع متعيِّن الدلالة على ما وضعه الشارع له، فيجب المصير إليه. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١. نجد لفظ "القرء" محتملًا لمعنيين لغوين، فلا بُدَّ إذًا من أن يكون أحد المعنيين مرادًا على التعيين: إما الحيض، وإما الطُّهْر. وعلى المجتهد أن يبذل جهده لمعرفة المراد منه. ولهذا اختلف الفقهاء في المراد منه على مذهبين، وجاء كل فريق بأدَّلة متساوية، كما يقول ابن رشد في "بداية المجتهد" عند كلامه على هذه المسألة، وكل فريق أخذ بما ترجَّح عنده بالأدلة التي رآها أقوى من غيرها.

стр. 294

ومن ذلك أيضًا لفظ "الكلالة" الذي ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ١. فإن لهذا اللفظ معانٍ, أشهرها معنيان: الأول: القرابة التي ليس فيها للميت والد ولا ولد. الثاني: وهو قول ابن الأعرابي: إنها بنو العم الأباعد. والأول هو قول الجمهور٢. فعلى المجتهد أن يتبيِّن المعنى المراد من كلمة "كلالة" بالرجوع إلى القرائن ونصوص المواريث.

стр. 295

المبحث السادس والعشرون: النسخ في القرآن والسنة مدخل ... المبحث السادس والعشرون: النَّسْخ في القرآن والسُّنَّة قضية النَّسْخِ في القرآن والسُّنَّة قضية شائكة يحتاج البتُّ فيها إلى جهود مكثَّفَة من قِبَلِ الباحثين في التشريع الإسلامي؛ لدرء الخلاف حوله بين القدامى والمعاصرين، وتقريب وجهات النظر بين القائلين به والمنكرين له. وهذا وذاك لا يتأتَّى إلا بعد تحرير موطن النزاع، ووضع أصول التشريع العامة في وضعها الصحيح، وتقرير المسائل الخلافية على بساط البحث والنظر وفق الأدلة التي لا يتطرَّق إليها الاحتمال. وكان شيوخنا يقولون: إن تحرير موطن النزاع يحسم كثيرًا من المواقف الخلافية، ويوفِّر على الباحثين جهدًا كبيرًا في القيل والقال. ووضع أصول التشريع العامة في موضعها الصحيح يمكِّنُ الباحثين من القياس الصحيح، ويجعلهم قادرين -بحول الله وقوته- على وضع كل فرع تحت أصله، وبذلك لا يكون هناك خلط ولا تخبُّط. وتقرير المسائل الخلافية وفق الأدلة التي لا يتطرَّق إليها الاحتمال -يطرد التردد ويوجب الإقناع، فلا يكون هناك إشكال حيث لا يكون هناك احتمال. ولذا قالوا: كل ما يتطرَّق إليه الاحتمال يسقط به الاستدلال. ولا تظننَّ -أيها القارئ الكريم- أني سأفضَّ النزاع وأحسم الخلاف بين القائلين بالنَّسْخِ والمنكرين له، وأدلي في هذه القضية بحكم لا رادَّ له ولا معقِّبَ عليه؛ فذاك أمر بعيد المنال عني وعن أمثالي ممن قلَّ علمهم وقصرت همهم، ولكني سأدلي بدلوي, فما خرج به الدلو من ماء فخذه, وأطلب من الله المزيد ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ . وسأعرض في هذه الصفحات بالبحث والدراسة لمفهومه في اللغة والشرع،

стр. 296

كخطوة في الطريق إلى تحرير موطن النزاع، وأتكلًّمُ عن حكمه ودليل وقوعه عند القائلين به، وأذكر أنواعه بشيء من التفصيل، إلى آخر ما يتعلق به من المسائل، وأحاول جهدي أن أتحرَّى الدقة والأمانة في تحرير المسائل ونسبة الأقوال لقائليها، والفصل بين القائلين بالنَّسْخِ والمنكرين له, على ضوء ما قال هؤلاء وهؤلاء في تفسير الآيات التي بدا لكثير من الباحثين أنها منسوخة. والحق أننا لو عرفنا تعريف النَّسْخِ عند المتقدمين وعند المتأخرين لاستطعنا أن نعتبر الخلاف في هذه القضية لفظيًّا، نشأ من توسعة دائرته عند المتقدمين وتضيقها عند المتأخرين؛ ولهذا كان تحرير مواطن النزاع ضروريًّا في أي قضية يراد البتّ فيها. ولقد قرأت في موضوع النَّسْخِ كثيرًا من الكتب التي ألَّفَها كبار العلماء من القدامى والمعاصرين، ووقفت على وجهات النظر المختلفة، وخرجت برأي يجمع بين ما رآه هؤلاء وهؤلاء في هذه القضية الشائكة، ولكني لا أصرِّح به الآن، وسوف يعلمه القارئ من خلال العرض في هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى.

стр. 297

مفهوم النَّسْخِ في اللغة: يذكر اللغويون لمادة النَّسْخِ عدة معانٍ تدور حول: النقل والإثبات، والتبديل والتحويل، والرفع والإزالة. قال ابن فارس في مقاييس اللغة: "النون والسين والخاء أصل واحد، إلّا أنه مختلف في قياسه. قال قوم: قياسه رفع شيء وإثبات غيره مكانه. وقال آخرون: قياسه تحويل شيء إلى شيء". أ. هـ. وقال ابن منظور في لسان العرب: النَّسْخُ تبديلُ الشيء من الشيء وهو غيره ... ، والنسخ: نقل الشيء من مكان إلى مكان وهو هو. يقال -مثلًا- نسخت الكِتَاب، أي: نقلت ما فيه مع بقائه كما هو. وقد سُمِّيَتْ النسخة نسخة؛ لأنه ينقل الشيء من غيرها إليها.

стр. 298

ويقال: نسخت الشمس الظلَّ, أي: أزالته, ونسخت الحكم: رفعته بحكم آخر. وقد استعمل القرآن الكريم مادة النَّسْخِ في هذه المعاني وما يماثلها. أما النقل والإثبات فقد جاء في قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١ أي: ننقله بعناية ودقة, ونثبته في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها. وأما التبديل والتحويل فقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وأما الرفع والإزالة فقد جاء في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ ٤.

стр. 299

مفهوم النَّسْخِ في الشرع: وأما مفهومه في الشرع فهو موضع خلاف بين القدامى والمحدثين، وهو الأمر الذي وسع دائرة الخلاف بين المقرِّين به والمنكرين له من جهة، وجعل المقرِّين به ينقسمون إلى مقلٍّ ومكثرٍ فيما نسخ وما لم ينسخ من جهة أخرى. فقد فهم أصحاب النبي ﷺ والتابعون من بعدهم النَّسْخَ فهمًا أوسع مدًى، وأبعد غورًا من فهم المحدثين له. فقد كانوا يرون أن النَّسْخَ: هو مطلق التغيير الذي يطرأ على بعض الأحكام، فيرفعها بأحكام أخرى تحلُّ محلها، أو يخصِّصُ الأحكام بعد أن كانت عامة، أو يقيدها بعد أن كانت مطلقة، فالنَّسْخُ عندهم يشمل الرفع الكلي، والرفع الجزئي.

стр. 300

وهذا المفهوم أخذ بالمعنى المشترك للفظ النَّسْخِ في اللغة. هذا هو مفهوم النَّسْخِ عند المتقدمين، أما مفهومه عند المتأخرين فهو مفهوم ضيق مقصور على الرفع والإزالة. فقد عرَّفوا النَّسْخَ بأنه: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخِّرٍ عنه. فهذا التعريف قد أخرج تخصيص العام وتقييد المطلق بالاستثناء، أو بالصفة، أو بالحال، أو بالزمان، أو بالمكان, وغير ذلك من أنواع التخصيص والتقييد. ومن هنا نعلم أن الصحابة والتابعين قد عدُّوا في المنسوخ آيات كثيرة بحسب مفهومهم الواسع لمعنى النَّسْخِ. وأما المحدَثون فقد اقتضاهم التوسُّع في البحوث العلمية إلى التقسيمات والتفريعات؛ فأخرجوا من مفهوم النَّسْخِ بعض ما كان يشمله اللفظ. وما فعلوه لا يدل على أنهم خالفوا الصحابة والتابعين، أو خرجوا عَمَّا قرروه في أمر الناسخ والمنسوخ؛ فللباحث أن يقسِّمَ بحثه إلى قضايا ومسائل حسبما شاء, بشرط أن لا يخرج عن المفهوم العام للموضوع الذي يبحث فيه. وهذا الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين والذي اقتضاه التطور العلمي لن يغيِّرَ شيئًا من الأحكام الشرعية التي قرَّرَها الصحابة والتابعون، ونقلوها إلينا بدقة وأمانة، ما دمنا نعرف الحقائق التي كانوا يطلقون عليها اسم النَّسْخِ، ونستطيع أن نتبيَّن ما يُسَمَّى من بينها نسخًا في اصطلاحنا، وما خصَّه اصطلاحنا المتأخِّر عن زمانهم باسم آخر. فالخلاف إذًا بين المتقدمين من الصحابة والمتأخرين من الأصوليين اصطلاحي.

стр. 301

أدلة جواز النَّسْخِ: استدلَّ جمهور العلماء على جواز النَّسْخِ بالعقل والنقل والتاريخ. أما العقل: فلا يمنع جوازه؛ لأنه لا يترتَّب على وقوعه محال. والواقع التاريخي -أيضًا- يؤكد وقوع النَّسْخِ بنوعيه: نسخ الشرائع

стр. 302

السابقة بالإسلام، ونسخ الحكم في شريعة الإسلام بحكم آخر متأخِّرٍ عنه، والوقوع خير شاهد على الجواز. وقد اعتمد المجوّزون له على ثلاث آيات من القرآن الكريم: الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ٣. فإذا قرأت أكثر كُتُبِ المفسّرين وجدتهم يحملون النَّسْخَ في آيتي البقرة والنحل على نسخ الحكم، ووجدت بعضهم يحمله على نسخ الحكم والتلاوة، فيقسِّمون النَّسْخَ بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام هي: نسخ الحكم فقط، ونسخ الحكم والتلاوة معًا، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم، وسيأتي لهذا التقسيم وغيره تفصيل وتمثيل. أما آية الرعد، فقد حملها أكثرهم على نسخ الشرائع، فكل شريعة تنسخ الأخرى, وشريعتنا ناسخة لجميعها، بمعنى أنها نسخت كثيرًا من الأحكام الجزئية التي لا تتفق مع مصالحنا الدنيوية والأخروية. فالشريعة السماوية لا تنسخ الأصول العامة ولا القواعد الكلية؛ لأنها متفقة عليها، لا تختلف فيها شريعة عن أخرى، على ما سيأتي بيانه. على أن المحوَ والإثبات في الآية يتناول كل ما من شأنه أن يُمْحَى، وكل ما

стр. 303

من شأنه أن يثبت، فيدخل فيها نسخ الأحكام الجزئية في شريعتنا بمقتضى هذا العموم. لهذا جعلها كثير من العلماء من أدلة الجواز.

стр. 304

ما يقع فيه النَّسْخُ: اعلم أن النَّسْخَ لا يكون إلّا في الأحكام الشرعية العملية الثابتة بالنصِّ، غير المؤقتة بوقت ولا مؤبَّدة نصًّا، وليست من القواعد الكلية، فالنَّسْخُ لا يتأتَّى في الأحكام العقدية؛ لأنها ثابتة محكَمَة في جميع الشرائع السماوية، ولا في الأحكام الشرعية العملية التي لم يرد فيها نصٌّ من القرآن ولا من السُّنَّة؛ كالأحكام التي يكون دليلها الإجماع، أو القياس. ولا يتأتَّى في الأحكام المؤقتة بوقت؛ لأنها تنتهي بوقتها. ولا في الأحكام المنصوص على تأبيدها؛ لأن النَّسْخَ فيها يتناقض مع التأبيد، بشرط أن يكون التأبيد منصوصًا عليه. ولا يلحق النَّسْخَ القواعد الكلية التي تندرج تحتها الفروع الجزئية؛ لأن هذه القواعد مقاييس تبنى عليها الأحكام، كقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ١. وقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ٢. وهي كثيرة جدًّا في القرآن والسنة. فلا نسخ إذًا في الأمور الاعتقادية المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخِر. ولا نسخ في الأصول الأخلاقية؛ لأنها من الأمور المتَّفَقِ عليها في الشرائع السماوية. كقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣.

стр. 305

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ ٢. ولا نسخ في أصول العبادات والمعاملات؛ لأن الشرائع كلها لا تخلو من هذه الأصول، وهي متفقة فيها. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٣. وقال تعالى أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٤. وقال تعالى أيضًا: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ ٥. قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ٦. ولا يدخل النَّسْخَ الخبر الصريح الذي ليس بمعنى الطلب، كالقصص، والوعد والوعيد. وإذا علمت أن النَّسْخَ لا يدخل إلا الأحكام الشرعية العملية غير المؤقتة بوقت ولا مؤبَّدة بالنص، فينبغي أن تعلم أن هذه الأحكام العملية منها ما ورد صريحًا، كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاة﴾ . ومنها ما ورد في صورة الخبر، ومعناه الأمر أو النهي، وهو كثير في القرآن, كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أي: صوموا أيها المؤمنون.

стр. 306

وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ أي: لتحجُّوا أيها الناس إن استطعتم إلى الحج سبيلًا. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ معناه: لا تخرجوهن من مساكنهن. وقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ معناه: لا تنكحوا الزانية أو المشركة. فهذه الأوامر والنواهي التي جاءت في صورة الخبر يدخلها النَّسْخ.

стр. 307

أنواع النسخ الأول: ما نسخت تلاوته وبقى حكمه ... أنواع النَّسْخِ: قسَّمَ العلماء النَّسْخَ أقسامًا متعددة باعتبارات مختلفة، سنكتفي في كتابنا هذا بذكر بعضها بإيجاز، فنقول: ينقسم النَّسْخُ باعتبار التلاوة والحكم إلى ثلاثة أقسام. الأول: ما نُسِخَت تلاوته وبقي حكمه فقد روي أنه كان في سورة النور آية, ثم نُسِخَت تلاوتها وبقي حكمها وهي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله". وروي أن عمر قال: "لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي. وقد أنكر كثير من العلماء هذا الضَّرْبَ لعدم فهمهم الحكمة منه؛ ولضعف دليله؛ لأنه من قبيل أحاديث الآحاد التي يتطرَّق إليها الاحتمال, فيسقط به الاستدلال. وقد بالغ الدكتور مصطفى زيد في إنكار هذا الضَّرْبِ بالطعن في صحة النصوص الواردة في ذلك فقال فيما قال: "أما الآثار التي يحتجون له بها -وهي تنحصر في آيتي رجم الشيخ والشيخة إذا زنيا، وتحريم الرضعات الخمس- فمعظمها مرويٌّ عن عمر وعائشة

стр. 308

رضي الله عنهما، ونحن نستبعد صدور مثل هذه الآثار عنهما، بالرغم من ورودها في الكتب الصِّحاح؛ فإن صحة السَّنَد لا تعني في كل الأحوال سلامة المتن. على أنه قد ورد في الرواية من عمر قوله بشأن حدِّ الرجم فيما زعموا: "ولولا أن يقال: زاد عمر في المصحف لكتبتها", وهو كلام يوهم أنه لم يُنْسَخْ لفظًا أيضًا، مع أنهم يقولون: إنها منسوخة اللفظ باقية الحكم. كذلك ورد نصُّ الآية في الروايات التي أوردته بعبارات مختلفة، فواحدة منها تذكر قيد الزنا بعد ذكر الشيخ والشيخة، وواحدة لا تذكره, وثالثة تذكر عبارة "نكالًا من الله", ورابعة لا تذكرها. وما هكذا تكون نصوص الآيات القرآنية ولو نُسِخَ لفظها. وفي بعض هذه الروايات جاءت بعض العبارات التي لا تتفق ومكانة عمر ولا عائشة, مما يجعلنا نطمئن إلى اختلاقها ودسِّهَا على المسلمين"١.

стр. 309

الثاني: ما نُسِخَ حكمه وبقيت تلاوته وهو كثير في الكتاب والسُّنَّة, ومن أجله صُنِّفَتْ الكتب، ولا سيما إذا أخذنا في اعتبارنا مفهومه الواسع المنسوب إلى الصحابة والتابعين. "وقد أنكر قوم هذه الضرب بدعوى أن التلاوة والحكم متلازمان، فلا يصحُّ رفع أحدهما مع بقاء الآخر، ورفع الحكم يجعل التلاوة خالية من الفائدة، فلا يجوز. ثم إن نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، يوهم بقاء الحكم، فيعرِّض المكلَّف للجهل والخلط في الشريعة والأحكام. ورُدَّ على هذه الشبهة بردِّ دعوى التلازم، والآية بعد نسخ حكمها لا تكون خالية من الفائدة، بل معناها قائم عُطِّلَ العمل به دليل آخر، وفي ثبوتها تذكر بنعمة الله تعالى؛ إذ كان الحكم المنسوخ أشد، واختبار بالانصياع والتسليم إذا كان الحكم المنسوخ أخف، ثم في تلاوتها تعبُّد وأجر.

стр. 310

أما شبهة إيهام بقاء الحكم، وتعريض المكلَّف للجهل والخلط, فهي مردودة بأن النَّسْخَ لا يُصَارُ إليه إلّا بدليل معلوم للمكلَّف، وإذا عُلِمَ الدليل الناسخ زال الجهل, وبَعُدَ احتمال الخلط في الأحكام١.

стр. 311

الثالث: نَسْخُ الحكم والتلاوة وهذا النوع من النَّسْخِ جائز عقلًا، ولكنه لم يقع. وقد وردت في وقوعه آثار ذكرها الطبري وغيره, لا يعوَّل عليها، لهذا ضربنا عنها صفحًا.

стр. 312

النَّسْخُ إلى بدل, وإلى غير بدل: ينقسم النَّسْخُ إلى بدل، وإلى غير بدل. أما القسم الأول: فلا خلاف فيه بين العلماء، وأمثلته كثيرة سيأتيك كثير منها إلى جانب ما قد مضى ذكره، ومعناه: أن الشارع الحكيم إذا نسخ حكمًا أبدله بحكم آخر أخفَّ منه، أو أثقل منه، أو مساوٍ له، لحكمة نعلمها أو لا نعلمها. أما النَّسْخُ إلى غير بدل, فقد وقع فيه الخلاف بين الأصوليين، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه. ومن المانعين له الشافعي ﵁، وهو أوَّل من وضع علم الأصول على الراجح من أقوال المؤرِّخين. فقد قال في الرسالة١: "وليس يُنْسَخُ فرض أبدًا إلّا أُثْبِتَ مكانه فرض، كما نُسِخَت قِبْلَةُ بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة، وكل منسوخ في كتاب وسنة هكذا". ومن المجوِّزين: الآمدي٢, فهو يقرِّرُ أن مذهب الجميع جواز نسخ حكم الخطاب لا إلى بدل، خلافًا لمن شذَّ منهم. واستدلَّ على وقوعه بأدلة كثيرة، منها:

стр. 313

١- نسخ الأمر بتقديم الصدقة بين يدي الرسول ﷺ ، فقد قال الله في سورة المجادلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ١. ثم نُسِخَ حكمها في الآية التي بعدها، دون أن يأتي بتكليف آخر يحلُّ محلَّ التكليف الأول، وذلك في قوله -جل شأنه: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢. فقد أكثر المسلمون من سؤال النبي ﷺ ، وكان كل واحد منهم يريد أن يجلس بجواره ويناجيه، فثقُلَ ذلك على رسول الله ﷺ ، فأراد الله أن يحول بينهم وبين هذه المناجاة بطريقة مُثْلَى, فيها تهذيب لنفوسهم، وتعليم لهم بما يجب له ﷺ من التعظيم والتبجيل، والأدب معه في الحديث، وتحرِّي الأوقات التي يسألون فيها عَمَّا يَعِنُّ لهم، فأمرهم بتقديم الصدقات عند المناجاة، وكان أكثرهم لا يملك ما يتصدَّق به، فاعتذل أكثرهم مناجاته لعدم وجود الصدقة، ولزم كل واحد مجلسه ﷺ دون أن يفكِّر في مزاحمته والإسرار إليه كما كان يفعل من قبل، ثم نُسِخَت هذه الفريضة من غير بدل، فدلَّ هذا على وقوع النَّسْخِ إلى غير بدل. قال سعيد عن قتادة ومقاتل بن حِبَّان: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه بالمسألة, فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم إذا كانت له الحاجة إلى نبي الله ﷺ , فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدِّم بين يديه صدقة، فاشتدَّ ذلك عليهم, فأنزل الله الرخصة بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ذكره ابن كثير في تفسيره. وفي رواية الطبري: "فوعظهم بهذه الآية" بدلًا من قوله: "فقطعهم"٣. "وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد, قال علي ﵁: آية في

стр. 314

كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا ناجيت رسول الله ﷺ تصدقت بدرهم، فنُسِخَت ولم يعمل بها أحد قبلي, ولا يعمل بها أحد بعدي، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ الآية١.

стр. 315

حسم الخلاف: إذا نظرنا إلى خلاف العلماء حول النَّسْخِ إلى غير بدل, وجدناه في الحقيقة خلافًا حول مفهوم البدل نفسه، لا حوْلَ اشتراطه، فإن مفهوم البدل ومعناه العام يشمل أمرين: الرد إلى ما كان قبل شرع الحكم المنسوخ, وهو البراءة الأصلية أو الإباحة. ونَقْلُ الحكم المنسوخ إلى حكم آخر، فكلاهما يُسَمَّى بدلًا، فلا إشكال إذن ولا خلاف؛ لأن ردَّ الحكم إلى الإباحة هو نسخ إلى بدل؛ لأن الإباحة نوع من أنواع الخطاب، وهو خمسة أنواع هي: ١- الوجوب. ٢- الندب. ٣- الحرمة. ٤- الكراهة. ٥- الإباحة.

стр. 316

النَّسْخُ إلى الأخفِّ والمساوي والأثقل: عرفت فيما سبق أن النَّسْخَ إلى بدل واقع في القرآن والستة باتفاق العلماء، وقد قسَّموه إلى ثلاثة أقسام: الأول: نسخ الأثقل بالأخفِّ، وهو الغالب والكثير. والثاني: نسخ الحكم بحكم آخر مساوٍ له. والثالث: نسخ الأخفِّ بالأثقل، وهو قليل. ومنعه بعضهم بدعوى أن الله يريد بنا اليسر، ولا يريد بنا العسر، وبأنه تعالى يريد أن يخفِّفَ عنا، كما قال -جل شأنه:

стр. 317

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ١. والجواب عن هذه الشبهة أن العسر واليسر والخِفَّة والثِّقَل من الأمور الإضافية، فما من أمر خفيف إلّا وهو ثقيل بالإضافة إلى ما هو أخفّ منه، وما من أمر ثقيل إلا وهو خفيف بالإضافة إلى ما هو أثقل منه، وكل ما أمر الله تعالى به يسر لنا؛ إذ فوقه ما هو عسير وعسير، وكل ما نقلنا إليه من أحكام تخفيف علينا بالنسبة لما في علمه من مشاق، ولو أن المقصود التخفيف المطلق، واليسر المطلق لكانت ركعة واحدة في الصلاة مثلًا أخفَّ بكثير مما هو عليه، ثم إنه قد وقع النَّسْخُ بالأشدِّ فلا سبيل إلى إنكاره ومنعه. وسنذكر لك هنا بعض الأمثلة لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة. أما النوع الأول: وهو النسخ من الأثقل إلى الأخفِّ, فقد مثَّلُوا له بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٢، الآية. فهي ناسخة لقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢؛ لأن مقتضاها الموافقة لما كان عليه السابقون من تحريم الأكل والشرب والوطء إذا صلُّوا العشاء، أو ناموا إلى الليلة التالية كما ذكروا ذلك. فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: أنزلت: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كُتِبَ عليهم إذا صلى أحدهم العتمة أو نام, حُرِّمَ عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها. وروى مثله أحمد والحاكم وغيرهما، وفيه: فأنزل الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ . الآية. ومثال النَّسْخِ من الأثقل إلى الأخفِّ أيضًا، قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ٤.

стр. 318

فقد نسختها الآية التي بعدها, وهي قوله تعالى: ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . روى أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فشقَّ ذلك على المسلمين حين فُرِضَ الله عليهم ألا يفرَّ واحد من عشرة، ثم إنه جاء التخفيف فقال: ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُم﴾ . ومثال نسخ الحكم إلى ما هو مساوٍ له: نسخ التوجُّه إلى بيت المقدس بالتوجُّهِ إلى الكعبة بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ ١. ومثال النَّسْخِ من الأخفِّ إلى الأثقل: نسخ صيام عاشوراء بصيام رمضان٢. ونسخ حبس الزواني بالجلد والرجم، ولا شكَّ أن الضرب بالحجارة حتى الموت أثقل من الحبس.

стр. 319

طرق معرفة الناسخ والمنسوخ: النَّسْخُ يتضمَّن رفع حكمٍ تقرَّرَ من جهة الشارع، وإثبات حكم، ومثل هذا لا يحلُّ لمسلم أن يقول فيه إلّا بيقين. فمن قال في شيء: إنه منسوخ، فقد أوجب إلّا يُطَاعَ هذا الأمر الصادر عن الله أو عن رسوله ﷺ ، ولا يجوز أن نسقط طاعةً أمَرَنَا بها الله تعالى ورسوله إلّا ببرهان. وفي هذا يقول ابن الحصار: "إنما يُرْجَعُ في النَّسْخِ إلى نقلٍ صريحٍ عن

стр. 320

رسول الله ﷺ ، أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت كذا، قال: ولا يُعَْمَدُ في النسخ قول عوام المفسيرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح, ثم قال: والناس في هذا بين طرفي نقيض، فمن قائل: لا يُقْبَلُ في النَّسْخِ أخبار الآحاد العدول، ومن متساهلٍ يكتفي فيه بقول مفسِّرٍ أو مجتهد، والصواب خلاف قولهما". أ. هـ١ توضيح البحث: إنه لا سبيل إلى معرفة نسخ آية أو حديث بغير أحد وجوه ثلاثة: الوجه الأول: النصُّ الصريح الصحيح بأنَّ هذا الأمر ناسخ لكذا، أو أمر صريح بترك الأمر الأول، مثاله قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ٢. ثم قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ . فهذا دليل واضحٌ على أن القِبْلَةَ التي كانت قبل هذه منسوخة. ومثل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ٣. فهذا النص صريح في نسخ النهي عن الوطء في ليل رمضان. الوجه الثاني: إجماع الأمة بلا خلافٍ يعتد به على أن أمر كذا منسوخ. ومن المعلوم أن الإجماع يستند دائمًا إلى دليل.
следующие страницы →