النَّسْخُ إلى الأخفِّ والمساوي والأثقل:
عرفت فيما سبق أن النَّسْخَ إلى بدل واقع في القرآن والستة باتفاق العلماء، وقد قسَّموه إلى ثلاثة أقسام:
الأول: نسخ الأثقل بالأخفِّ، وهو الغالب والكثير.
والثاني: نسخ الحكم بحكم آخر مساوٍ له.
والثالث: نسخ الأخفِّ بالأثقل، وهو قليل.
ومنعه بعضهم بدعوى أن الله يريد بنا اليسر، ولا يريد بنا العسر، وبأنه تعالى يريد أن يخفِّفَ عنا، كما قال -جل شأنه:
стр. 317
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ ١.
والجواب عن هذه الشبهة أن العسر واليسر والخِفَّة والثِّقَل من الأمور الإضافية، فما من أمر خفيف إلّا وهو ثقيل بالإضافة إلى ما هو أخفّ منه، وما من أمر ثقيل إلا وهو خفيف بالإضافة إلى ما هو أثقل منه، وكل ما أمر الله تعالى به يسر لنا؛ إذ فوقه ما هو عسير وعسير، وكل ما نقلنا إليه من أحكام تخفيف علينا بالنسبة لما في علمه من مشاق، ولو أن المقصود التخفيف المطلق، واليسر المطلق لكانت ركعة واحدة في الصلاة مثلًا أخفَّ بكثير مما هو عليه، ثم إنه قد وقع النَّسْخُ بالأشدِّ فلا سبيل إلى إنكاره ومنعه.
وسنذكر لك هنا بعض الأمثلة لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة.
أما النوع الأول: وهو النسخ من الأثقل إلى الأخفِّ, فقد مثَّلُوا له بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٢، الآية.
فهي ناسخة لقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢؛ لأن مقتضاها الموافقة لما كان عليه السابقون من تحريم الأكل والشرب والوطء إذا صلُّوا العشاء، أو ناموا إلى الليلة التالية كما ذكروا ذلك.
فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: أنزلت: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كُتِبَ عليهم إذا صلى أحدهم العتمة أو نام, حُرِّمَ عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها.
وروى مثله أحمد والحاكم وغيرهما، وفيه: فأنزل الله :
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ . الآية.
ومثال النَّسْخِ من الأثقل إلى الأخفِّ أيضًا، قوله تعالى في سورة الأنفال:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ٤.
стр. 318
فقد نسختها الآية التي بعدها, وهي قوله تعالى: ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
روى أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فشقَّ ذلك على المسلمين حين فُرِضَ الله عليهم ألا يفرَّ واحد من عشرة، ثم إنه جاء التخفيف فقال: ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُم﴾ .
ومثال نسخ الحكم إلى ما هو مساوٍ له:
نسخ التوجُّه إلى بيت المقدس بالتوجُّهِ إلى الكعبة بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ ١.
ومثال النَّسْخِ من الأخفِّ إلى الأثقل:
نسخ صيام عاشوراء بصيام رمضان٢.
ونسخ حبس الزواني بالجلد والرجم، ولا شكَّ أن الضرب بالحجارة حتى الموت أثقل من الحبس.
стр. 319
طرق معرفة الناسخ والمنسوخ:
النَّسْخُ يتضمَّن رفع حكمٍ تقرَّرَ من جهة الشارع، وإثبات حكم، ومثل هذا لا يحلُّ لمسلم أن يقول فيه إلّا بيقين.
فمن قال في شيء: إنه منسوخ، فقد أوجب إلّا يُطَاعَ هذا الأمر الصادر عن الله أو عن رسوله ﷺ ، ولا يجوز أن نسقط طاعةً أمَرَنَا بها الله تعالى ورسوله إلّا ببرهان.
وفي هذا يقول ابن الحصار: "إنما يُرْجَعُ في النَّسْخِ إلى نقلٍ صريحٍ عن
стр. 320
رسول الله ﷺ ، أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت كذا، قال: ولا يُعَْمَدُ في النسخ قول عوام المفسيرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح, ثم قال: والناس في هذا بين طرفي نقيض، فمن قائل: لا يُقْبَلُ في النَّسْخِ أخبار الآحاد العدول، ومن متساهلٍ يكتفي فيه بقول مفسِّرٍ أو مجتهد، والصواب خلاف قولهما". أ. هـ١
توضيح البحث: إنه لا سبيل إلى معرفة نسخ آية أو حديث بغير أحد وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: النصُّ الصريح الصحيح بأنَّ هذا الأمر ناسخ لكذا، أو أمر صريح بترك الأمر الأول، مثاله قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ٢.
ثم قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ .
فهذا دليل واضحٌ على أن القِبْلَةَ التي كانت قبل هذه منسوخة.
ومثل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ٣.
فهذا النص صريح في نسخ النهي عن الوطء في ليل رمضان.
الوجه الثاني: إجماع الأمة بلا خلافٍ يعتد به على أن أمر كذا منسوخ.
ومن المعلوم أن الإجماع يستند دائمًا إلى دليل.
стр. 321
الوجه الثالث: تعارض الأدلة المتساوية تعارضًا تامًّا, مع معرفة الأمر المتقدِّم زمنًا من المتأخِّر، وتفصيل المسألة أن النصَّيْن إما أن يتعارضا من جميع الوجوه, أو من وجه دون وجه، فإن تعارضا من وجه دون وجه جُمِعَ بينهما.
وإن تعارضا من جميع الوجوه, فإن كان أحدهما قطعيًّا وكان الآخر ظنيًّا، أو كان أحدهما أقوى من الآخر في الثبوت, عُمشلَ بالأقوى، وأُهْمِلَ الآخر.
وإن تعارضا من جميع الوجوه، وتكافآ في الثبوت, وعُلِمَ الأمر المتقدِّمُ منهما والمتأخِّر, صرنا إلى النَّسْخِ.
أما إن تعارضا من جميع الوجوه، وتكافآ في الثبوت، ولم يُعْلَمْ المتقدِّم والمتأخِّر، فلا يُصَارُ إلى النَّسْخِ بالاجتهاد، بل يجب التوقُّف عنهما أو التخيُّر بينهما.
وعلى هذا فلا يُعْتَمَدُ في النسخ على: الاجتهاد من غير دليل، ولا على أقوال المفسرين من غير سند، ولا على مجرَّد التعارض الظاهري بين النصوص، ولا على ثبوت أحد النصَّين في المصحف بعد الآخر؛ لأنه ليس على ترتيب النزول.
стр. 322
سور القرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ:
قال السيوطي في الإتقان: "قال بعضهم: سور القرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ أقسام:
قسم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ، وهو ثلاث وأربعون: سورة الفاتحة، ويوسف، ويس، والحجرات، والرحمن، والحديد، والصف، والجمعة، والتحريم، والملك، والحاقة، ونوح، والجن، والمرسلات، وعم، والنازعات، والانفطار، وثلاث بعدها، والفجر وما بعدها إلى آخر القرآن, إلّا التِّين والعصر والكافرون.
وقسم فيه الناسخ والمنسوخ، وهو خمس وعشرون: البقرة وثلاث بعدها، والحج، والنور وتاليها، والأحزاب، وسبأ، والمؤمن، والشورى، والذاريات، والطور، والواقعة، والمجادلة، والمزمل، والمدثر، والتكوير، والعصر.
стр. 323
وقسم فيه الناسخ فقط، وهو ست: الفتح، والحشر، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والأعلى.
وقسم فيه المنسوخ فقط، وهو الأربعون الباقية"١ أ. هـ.
هذا، والسور التي ذكر السيوطي أنها تشتمل على ناسخ فقط، أو ناسخ ومنسوخ معًا، يحمل على النَّسْخِ بمعناه الواسع الذي يشمل ما كان مطلقًا، فقُيِّدَ إطلاقه، وما كان عامًّا فخُصِّصَ عمومه بنوع من أنواع التخصيص، أو كان مبهمًا فأُزِيلَ إبهامه، أو كان غير مُؤَقَّت فأُقِّتَ، ونحو ذلك.
وهو مفهوم الصحابة للنَّسْخِ كما تقدَّمَ بيانه في أول هذا البحث، أما النَّسْخُ بمفهومه الضيق عند الأصوليين، فلا يثبت إلّا في آيات تُعَدُّ على الأصابع.
وحتى هذه التي تُعَدُّ على الأصابع لا يثبت النَّسْخُ عند الكثير من العلماء إلّا في القليل منها.
وقد عدَّ السيوطي من المنسوخ اثنتين وعشرين آية، بعد أن ضيَّقَ مفهوم النَّسْخِ بعض الشيء، وبيَّنَ الناسخ لها, ثم نظمها في قصيدة لتُحْفَظَ فقال:
وقد أكثر الناس في المنسوخ من عدد ... وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر
وهاك تحرير آي لا مزيد لها ... عشرين٢ حررها الحذاق والكُبَرُ
آي التوجه حيث المرء كان وأن ... يوصي لأهليه عند الموت محتضر
وحرمة الأكل بعد النوم من رفث ... وفدية المطيق الصوم مشتهر
وحق تقواه فيما صحَّ من أثر ... وفي الحرام قتال للألى كفروا
والاعتدال بحولٍ مع وصيتها ... وأن يدان حديث النفس والفكر
والحلف والحبس للزاني وترك أولى ... كفروا شهادتهم والصبر والنفر
ومنع عقد لزانٍ ولزانية ... وما على المصطفى في العقد محتظر
стр. 324
ودفع مَنْ لمن جاءت وآية ... نجواه كذلك قيام الليل مشتطر
وزيد آية الاستئذان من ملكت ... وآية القسمة الفضلى لمن حضروا
ولعموم النَّفْعِ نذكر ما ذكره من هذه الآيات، مع شيء من التحليل والتوضيح، منبهين على ما قد مضى تفصيله منها.
стр. 325
السيوطي وآيات النسخ:
تكلَّمَ السيوطي عن اثنين وعشرين آية من الآيات التي قيل بنسخها، بعضها منسوخ حقًّا، وبعضها في نسخه مقال، وإليك هذه الآيات وما ذكره في شأنها, مع مناقشته في بعض ما ذهب إليه كما وعدناك بذلك:
١- قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ ١.
الآية منسوخة، قيل بآية المواريث، وقيل: بحديث: "ولا وصية لوارث" ٢، وقيل: بالإجماع، حكاه ابن العربي.
وقد نازعه في نسخ هذه الآية جماعة من أهل العلم، وقالوا: إنها محكمة، وهو الظاهر لي -الله أعلم بالصواب.
قال القاسميّ في محاسن التأويل٣, بعد أن ذكر ما ذهب إليه السيوطي: "ذهبت طائفة إلى أن الآية محكمة لا تخالف آية المواريث، والمعنى: كتب عليكم ما أوصاكم به من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُم﴾ .
стр. 326
أو كتب على المحتضر: أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم، فلا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى، والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث جُمِعَ له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين، ولو فرض المنافاة لأمكن جعل آية الميراث مخصَّصَة لهذه الآية، بإبقاء القريب الذي لا يكون وارثًا لأجل صلة الرحم، فقد أكدَّ تعالى الإحسان إلى الأرحام وذوي القربى في غير ما آية, فتكون الوصية للأقارب الذين لا يرثون عصبة، أو ذوي رحم مفروضة.
قالوا: ونسخ وجوبها للوالدين والأقربين الوارثين لا يستلزم نسخ وجوبها في غيرهم.
وقال القاسمي تأييدًا لهذا المذهب: إن هذه الآية مع آية: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُم﴾ متلاقيان في المعنى من حيث إن المراد بالوصية: وصية الله في إيتاء ذوي الحقوق حقوقهم، وعدم الغضِّ منها، والحذر من تبديلها، لما يلحق المبدِّل من الوعيد الشديد.
٢- قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ١.
ذهب جمهور المفسِّرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
واعتمدوا فيما ذهبوا إليه على آثار كثيرة وردت في صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد.
أ- فقد روى البخاري ومسلم من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يُصَامُ، فلمَّا نزل فرض رمضان كان مَنْ شاء صام ومن شاء أفطر.
وروى البخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله.
ب- وروى أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل, أن الله فرض على النبي ﷺ الصيام, وعلى الصحيح المقيم من أمته, فمن شاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا، ثم إن الله أنزل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ
стр. 327
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ١ فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخَّصَ فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام.
لكن قد ورد ما يفيد أنها محكَمة، فقد روى البخاري في التفسير عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية: ليست منسوخة، وهو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطعيان أن يصوما، فيطعمان كل يوم مسكينًا.
والصواب عندي: إنه لا تناقض بين ما قاله ابن عباس ﵄, وما ذهب إليه الجمهور، فالنَّسْخُ ثابت في حقِّ الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
وأن الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم إلّا بمشقَّة شديدة, فله أن يُفْطِرَ ويُطْعِمَ عن كل يوم مسكينًا.
وقد صحَّحَ القرطبي قول ابن عباس وقول الجمهور معًا, وجمع بينهما جمعًا أراه في غاية الحسن فقال: "قد ثبت بالأسانيد الصِّحَاح عن ابن عباس, أن الآية ليست بمنسوخة, وأنها محكَمَة في حق من ذُكِرَ.
والقول الأول: صحيح أيضًا، إلّا أنه يحتمل أن يكون النَّسْخُ هناك بمعنى التخصيص، فكثيرًا ما يُطْلِقُ المتقدِّمون النَّسْخَ بمعناه -أي: بمعنى التخصيص- والله أعلم".
ورجَّحَ الشيخ محمد عبده قول ابن عباس على قول الجمهور؛ جريًا على عادته في إنكار النَّسْخِ، وقال فيما قال: القاعدة أنه لا يُحْكَمُ بالنَّسْخِ إذا أمكن حمل القول على الإحكام.
وأقول: إن هذه القاعدة تتمشَّى مع النَّسْخِ بمعناه عند المتأخرين، وهو رفع الحكم بالكلية وإبداله بحكم آخر، ولا تتمشَّى مع النَّسْخِ بمعناه عند المتقدِّمين؛ فإن معناه عندهم واسع كما ذكرنا من قبل، فيشمل تخصيص العام, وتقييد المطلق, وغير ذلك مما سبق بيانه.
٣- قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ
стр. 328
لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ ١.
قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ؛ فقد روي أن شهر رمضان قد فُرِضَ على الذين من قبلنا على الوجه الذي كان مفروضًا على المسلمين قبل نزول هذه الآية الناسخة، بمعنى أنهم قد كُتِبَ عليهم أنه إذا صلَّى أحدهم العشاء ونام حُرِّمَ عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها من الليلة المقبلة.
وهذا ما رواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس, عَمَّن حدَّثه عن ابن عمر٢.
ونحن لا ندري على وجه اليقين أن الصوَّمَ قد فُرِضَ على الذين من قبلنا على هذا النحو، فيكون الأصح الذي تطمئن إليه النفس أن هذه الآية ناسخة للسُّنَّة التي كان عليها المسلمون في أول الإسلام.
فقد روى أحمد في مسنده من حديث معاذ الطويل قوله: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: صرمه، كان يعمل صائمًا حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلَّى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب، حتى أصبح، فأصبح صائمًا, فرآه رسول الله ﷺ وقد جَهِدَ جهدًا شديدًا فقال: "ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدًا؟ " قال: يا رسول الله، إني عملت أمس, فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائمًا، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعدما نام، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ .
وقد ذهب صاحب تفسير المنار إلى أن هذه الآية ليست منسوخة, بل هي متمِّمَة لأحكام الصوم، مبيِّنَة لما امتاز به صومنا من الرخصة التي لم تكن لمن
стр. 329
قبلنا، وهذا ما اختاره الأستاذ الإمام "يعني: الشيخ محمد عبده", وقال: إذا صحَّ ما ورد في سبب النزول فهو يدل على أنه فرض الصيام كان كل إنسان يذهب في فهمه مذهبًا كما يؤديه إليه اجتهاده ويراه أحوط وأقرب إلى التقوى.
والصواب ما قاله من أعلم بكتاب الله تعالى منه ومن شيخه، وأقول له ولمن نحا نحوه في التأويل: ماذا تقولون في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُم﴾ أليس هذا اللفظ يقتضي إباحة ما كان محذورًا من قبل، كما هو المتبادر إلى الذهن، ويؤيد ذلك قوله في الآية: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ فلو كان ما فعلوه مبنيًّا على اجتهادهم, مع عدم وجود النص القاطع بكيفية الصوم -لكانوا مأجورين على فعلهم, وما كانوا مذنبين، وما وُصِفَ فعلهم بالخيانة، وما كان للتوبة والعفو موضع.
إن أول الآية ووسطها وآخرها ينطق بالحق الذي ذهب إليه الجمهور.
والنَّسْخُ بهذه الآية رَفْعٌ للحكم السابق الذي كان معروفًا لديهم من أقوال الرسول ﷺ ، أو أفعاله, وليس باجتهادهم كما قال صاحب المنار وشيخه، والله أعلم.
٤- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ١.
قال القرطبي في تفسيره: "واختلف العلماء في نسخ هذه الآية، فالجمهور على نسخها، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح، واختلفوا في ناسخها.
فقال الزهريّ: نسخها: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة﴾ ٢.
وقيل: نسخها غزو النبي ﷺ ثقيفًا في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أَوْطَاس في الشهر الحرام.
وقيل: نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة، وهذا ضعيف؛
стр. 330
فإن النبي ﷺ لما بلغه قتل عثمان بمكة, وأنهم عازمون على حربه, بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم.
وذكر البيهقي عن عُروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمي: فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية. قال: فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذي يستحلُّون من المؤمنين هو أكبر من ذلك، من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله ﷺ ، وكفرهم بالله, وصدِّهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين، وفتنتهم إياهم عن الدِّين؛ فبلغنا أن النبي ﷺ عقل ابن الحضرمي, وحرَّم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .
وكان عطاء يقول: الآية محكمة، ولا يجوز القتال في الأشهر الحرام، ويحلف على ذلك؛ لأن الآيات التي وردت بعد عامة في الأزمنة، وهذا خاص, والعام لا ينسخ الخاص باتفاق.
وروى أبو الزبير عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ لا يقاتل في الشهر الحرام إلّا أن يُغْزَى.
٥- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
قيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٢, وهي متقدِّمة عليها في الترتيب مؤخَّرة عنها في النزول.
стр. 331
وذهب جماعة من المفسِّرين إلى أنها محكَمَة لا نسخ فيها, وهو الراجح عندي.
وبيان ذلك: أن الآية الأولى في الترتيب فرضت على المرأة أن تعتدَّ في بيت الزوجية أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليهنَّ، لا تخرج فيها من بيتها إلّا لحاجتها الضرورية، ولا تتزين للرجال، ولا تتعرَّض لهم من أجل الزواج، حتى تنقضي عدتها.
والآية الثانية في الترتيب نقلت حكم الآية الأولى من الوجوب إلى الندب, فصارت العدة الواجبة هي أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليهن، والحول صار مستحبًّا لا واجبًا.
وهذا الاستحباب إما أن يكون وصيةً من الله للورثة؛ مبالغة في تكريم المرأة وإسهامًا منه في رفع المعاناة عنها، وتطيبًا لنفسها ووفاءً لزوجها، وإمَّا أن يكون وصية من الزوج قبل موته، وإمَّا أن يكون وصية من الورثة بعضهم لبعض.
وأما النفقة فليست مرفوعة بميراثها من زوجها؛ لأن هذه الوصية على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب، فآية المواريث نقلت الحكم من الوجوب إلى الاستحباب ولم ترفعه بالكلية.
ومن هنا نفهم أن النَّسْخَ في هذه الآية يُحْمَلُ على معناه الواسع الذي قال به السلف، والخلاف بين الفريقين لفظي أو اصطلاحي, ولا مشاحة في الاصطلاح، وكلٌّ من الفريقين على الصواب إن شاء الله تعالى.
ومن نظر في هاتين الآيتين وجد الأمر كما قررناه، فالآية الأولى فيها ذكر التربص وهو الانتظار والحبس عن الزواج حتى تنتهي العدة، بخلاف الآية الثانية، وبذلك تكون الآية الأولى خاصَّة بالزمن الذي لا تتعرَّض فيه المرأة إلى خطبة الأزواج، وما تبقى من الحول وهو سبعة أشهر وعشرين يومًا تكون المرأة فيه مخيَّرة بين الانتقال من بيت الزوج المتوفى والتزوج بآخر, والمكث في بيت زوجها المتوفى عنها دون أن تتزوج بآخر؛ وفاء لزوجها الأول ومبالغة في تكريمه، وعندئذ تكون أهلًا لإكرام أهل زوجها لها، واعتزازهم بوجودها بينهم.
стр. 332
وحيث أمكن الجمع فلماذا نعدل عنه إلى القول الذي يرتضيه قوم وينكره آخرون.
٦- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ١.
قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٢.
والأصح أنها ليست منسوخة، فالآية الثانية بيان لها؛ فقد وقع في نفوس المؤمنين أنهم سيحاسبون على كل ما يخطر في ضمائرهم من سوء، كما يحاسبون على كل ما تبديه أنفسهم من شرٍّ وإن لم يمكنهم دفعه، فبيَّن الله في الآية الثانية أنه لا يحاسبهم إلَّا على ما يمكنهم دفعه من الخواطر؛ إذ على المؤمن أن يدفع وساوس الشيطان أولًا بأول، ولا يسمح لها أن تتحول إلى إرادة, ثم إلى عزم, ثم إلى فعل؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٣.
والدليل على ما ذكرناه من عدم النَّسْخِ ما رواه أحمد، ومسلم، والنسائي, وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ دخل قلوبهم منها شيء، فقال النبي ﷺ : "قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا"، قال: "فألقى الله الإيمان في قلوبهم, فأنزل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ , قال: قد فعلت. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ , قال: قد فعلت. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت.
واستدل القائلون بالنَّسْخِ بما رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
стр. 333
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ اشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ , فأتوا رسول الله ﷺ , ثم جثَوْا على الركَبِ، وقالوا: يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنْزِلَتْ عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ : "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فلمَّا أقرَّ بها القوم وذلَّت بها ألسنتهم, أنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ١ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ .
والمراد بالنَّسْخِ هنا من قبيل بيان المجمَلِ وتقييد المطلَق على حسب مفهوم المتقدمين من الصحابة والتابعين، لا على حسب مفهومه عند المتأخرين، فالقول بعدم النَّسْخِ أسلم.
٧- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه﴾ ٢ قيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ ٣.
فإن كان النَّسْخُ بمعنى بيان المجمَل وتقييد المطلَق, كما هو مفهوم المتقدمين للنَّسْخِ - فلا مانع من القول به؛ لأن الآية الثانية بيان للآية الأولى وتقييد لمطلقها، فمن المعلوم شرعًا أن الطاعة على قدر الطاقة.
وقد نقل ابن كثير عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية بأنها لم تنسخ، ولكن حقَّ تقاته أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
стр. 334
٨- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ١.
قيل: منسوخة، وقيل: لا، ولكن تهاون الناس في العمل بها.
والأصح أنها محكمة لم تنسخ بآية المواريث كما قال بعضهم؛ وذلك لما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس في الآية. قال: هي محكمة وليست بمنسوخة، وفي لفظ عنه: هي قائمة يعمل بها.
٩، ١٠- قوله تعالى: ﴿وَالَّلاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ٢.
هاتان الآيتان منسوختان عند جمهور المفسِّرين والمحدثين، ودليل النَّسْخِ فيهما ظاهر، لكن هذا النَّسْخَ هو من قبيل التدرج في التشريع؛ رعاية لمصالح العباد في العاجل والآجل.
فالآية الأولى تنص على عقوبة الزانية بكرًا كانت أم ثيبًا بحبسها في البيت حتى يتوفاها الله أو يجعل لها مخرجًا بآية أخرى أو حديث.
والآية الثانية تنص على عقوبة الرجال من الأيامى والأبكار، وهي الإيذاء بالأيدي والنعال والتقريع بالألسنة, وما إلى ذلك من أنواع الإيذاء المناسب لهذه الجريمة، وهي جريمة الزنا واللواط كما يرى بعض المفسِّرين.
وقد اختلفت عقوبة الرجال من عقوبة النساء؛ لأن الرجال هم الذين يسعون في طلب المعاش ويقومون بحماية الأسرة وتوفير ما تحتاج إليه نساؤهم وزراريهم.
قال ابن كثير في تفسيره: "كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبِسَت في بيت فلا تمكَّن من الخروج منه إلى أن
стр. 335
تموت ... فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ؛ لذلك قال ابن عباس: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم، وكذا روي عن عكرمة وسعيد بن جبير، والحسن وعطاء الخراساني، وأبي صالح وقتادة، وزيد بن أسلم, والضحاك، أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه".
ثم ساق الحديث الذي راه أحمد في مسنده, ومسلم في صحيحه, وغيرهما من أصحاب السنن، وفيه قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة, البكر جلد مائة ثم نفي سنة".
وقد زعم أبو مسلم أن الآية الأولى بيان لعقوبة السحاق، وهو استمتاع المرأة بالمرأة، وأن الآية الثانية بيان لعقوبة اللواط، ووافقه على ذلك صاحب تفسير المنار فرارًا من القول بالنَّسْخِ، فقال: هو المناسب لجعل تلك خاصة بالنساء, وهذه خاصة بالذكور، فهذا مرجع معنوي وهو كَوْن القرآن عليه ناطقًا بعقوبة الفواحش الثلاث، وكَوْن هاتين الآيتين محكمتين، والإحكام أولى من النَّسْخِ حتى عند الجمهور القائلين به.
ووافقه على ذلك الشيخ عبد الكريم الخطيب فقال في تفسيره: يجمع المفسرون على أن هاتين الآيتين منسوختان بالآية الثانية من سورة النور، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وأن حَدَّ الزنا في أول الإسلام -كما يقولون- هو الإمساك للمرأة الزانية وحبسها في البيت، على حين أن الرجل يعنَّف ويؤنَّب باللسان، أو ينال بالأيدي والنعال، حسب تقدير ولي الأمر.
ونحن على رأينا بألَّا نسخ في القرآن -نرى أن هاتين الآيتين محكَمَتين, وأنهما تنشئان أحكامًا لمن يأتون الفاحشة- من الرجال والنساء, غير ما تضمنته آية النور من حكم الزانية والزاني.. إلى آخر ما قال.
والعجب كل العجب من هذا الأخير أنه يذكر إجماع المفسرين على أن الآيتين منسوختان بالآية الثانية من سورة النور، ثم ينفر هو برأي يخالف الجمهور ويعظِّم نفسه بقوله: ونحن نرى، وأين هو من هؤلاء المفسِّرين! وأين
стр. 336
مكان الثرى من الثريَّا! ولِمَ هذا التنطُّع! ولم هذه المكابرة في إنكار النَّسْخِ وقد أقرَّه الجمهور سلفًا وخلفًا، وأين يذهب هؤلاء المنكرون للنَّسْخِ وقد لزمتهم الحجة, ووضحت أمامهم المحجة، وإني لتأخذني الدهشة عندما أرى واحدًا من أولئك يقول في الآية برأيه, ويضرب بقول الرسول ﷺ عرض الحائط، فينكر النَّسْخَ مثلًا في هاتين الآيتين بآية النور, وبالحديث الذي كان منهما بمنزلة البيان والتخصيص والتفصيل، ولو أنصف نفسه لم يظلمها بالقول في كتاب الله بالهوى، ولَأَرَاح واستراح، ووقَى نفسه شر العقوبة التي توعَّده الله بها في الدنيا والآخرة.
١١- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ١.
منسوخة بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٢.
"وقيل: إنها غير منسوخة؛ لأنها تدل على توريث مولى الموالاة، وتوريثهم باقٍ, غير أن رتبتهم في الإرث بعد رتبة ذوي الأرحام، وبذلك يقول فقهاء العراق"٣.
والأصح أنها منسوخة، لكثرة الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين، والقول قولهم عند التحاكم في أمر النَّسْخِ وأسباب النزول، وغير ذلك من أمور العقيدة والشريعة.
من هذه الآثار:
قال البخاريّ: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا أبو أسامة, عن إدريس, عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِي﴾
стр. 337
قال: ورثة. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ١: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه؛ للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم, فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد وقد ذهب الميراث ويوصى له".
وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأوديّ، أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية، قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمة، بالأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ نُسِخَت, ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ .
وممن قال بالنَّسْخِ سوى ابن عباس: مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والسديّ والضحاك ومقاتل بن حيان، وغيرهم. أ. هـ٢.
١٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ ٣.
قيل إن قوله: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَام﴾ منسوخ بمقتضى عموم قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة﴾ ، وقد سبق القول في هذا٤ فالحق عدم النَّسْخِ.
فالحكم باقٍ كما هو, فلا يجوز للمسلمين أن يقاتلوا عدوهم في الأشهر الحرام، إلّا إذا اضطروا لذلك.
стр. 338
يدل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث مواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان".
وهذا يدل كما قال ابن كثير١ عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يعني: لا تستحلوا قتالًا فيه، كذا قال ابن حيان، وعبد الكريم بن مالك الجزري، واختاره ابن جرير أيضًا.
١٣- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ٢.
منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٣.
وقد قيل بعدم النَّسْخِ، وأن الآية الثانية متمِّمَة للأولى؛ فالرسول ﷺ مخبَرٌ بمقتضى الآية الأولى بين أن يحكم بينهم وأن يعرِضَ عنهم، وإذا اختار أن يحكم بينهم وجب أن يحكم بما أنزل الله بمقتضَى الآية الثانية، وهذا ما نرجحه؛ لأن النَّسْخَ لا يصح إلا حيث تعذَّر الجمع.
١٤- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ٤.
стр. 339
قيل: قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُم﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ١.
قال الزرقاني٢: "وقيل إنه لا نسخ؛ لأنَّ الآية الأولى خاصَّة بما إذا أنزل الموت بأحد المسافرين، وأراد أن يوصي, فإنَّ الوصية تثبت بشهادة اثنين عدلين من المسلمين أو غيرهم؛ توسعة على المسافرين؛ لأن ظروف السفر ظروف دقيقة، قد يتعسَّر أو يتعذَّر وجود عدلين من المسلمين فيها، فلو لم يبح الشارع إشهاد غير المسلمَيْن لضاق الأمر, وربما ضاعت الوصية، أما الآية الثانية فهي القاعدة العامة في غير ظروف السفر" أ. هـ.
وقد قدَّم الله ﷻ في هذه الآية إشهاد عدول المؤمنين؛ لأنه الأصل الذي يحصل به المقصود على الوجه الكامل، وأجاز إشهاد غيرهم في الحال التي لا يتيسر فيها ذلك بالشروط المذكورة في الآية.
وهذا يدل على أنها محكمة، جاءت بتشريع خاصٍّ، فلا يقال: إنَّ آية سورة الطلاق وهي قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ناسخة لها, وقد أمكن الجمع بينهما -كما عرفت- وحيث أمكن الجمع فلا نسخ.
وسورة المائدة كلها محكمة ليس فيها آية منسوخة على الصحيح من أقوال العلماء.
١٥- قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ٣.
قيل: إنها منسوخة بقوله سبحانه: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٤.
стр. 340
ووجه النَّسْخِ أن الآية الأولى أفادت وجوب ثبات الواحد للعشرة، وأن الثانية أفادت وجوب ثبات الواحد للاثنين، وهما حكمان متعارضان، فتكون الثانية ناسخة للأولى -على ما تقدَّمَ بيانه عند الكلام على نسخ الأثقل بالأخفِّ- والنسخ هنا ظاهر، ولكن قد يقال: إن هذا النَّسْخَ هو انتقال من الواجب إلى الرخصة.
١٦- قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ١.
قيل: نُسِخَت بآيات العذر، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ ٤.
والأصح أنه لا نسخ في الآية، وإنما جاءت الآيات المذكورة مخصِّصَة لعمومها، فكأنه قيل: انفروا خفافًا وثقالًا إلّا من كان معذورًا لا يستطيع القتال لكونه ذا عاهة من مرض أو عرج، أو عمى أو زمانة، ونحوها من المعوِّقات، مع بقاء طائفة تقوم بما يحتاج إليه القاعدون من أولى الضرر، كتعليم وإرشاد وغير ذلك.
"ومِمَّنْ قال بالنَّسْخِ ابن عباس ومحمد بن كعب، وعطاء الخراساني وغيرهم، قالوا: نُسِخَت بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَر﴾ ٥.
стр. 341
ومرادهم بالنَّسْخِ هنا معناه الواسع الشامل لتخصيص العام وتقييد المطلق, وغير ذلك كما بيناه في مفهوم النَّسْخِ عند السَّلَفِ في أول هذا المبحث.
١٧- قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ ١.
قيل: منسوخة بقوله سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ٢؛ لأن الآية خبر بمعنى النهي، بدليل قراءة "لا ينكح" بالجزم, والقراءات يفسِّر بعضها بعضًا.
والأصح عندي -والله أعلم- أنه لا نسخ في الآية؛ لأن الآية لها معانٍ يمكن أن تُحْمَلَ عليها؛ بحيث لا تتعارض مع قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ٣.
فمن معانيها: أن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة, أي: لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك ﴿الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَان﴾ أي: عاصٍ بزناه، ﴿أَوْ مُشْرِك﴾ لا يعتقد تحريمه.
وهذا قول ابن عباس ﵄، رواه عنه أكثر من واحد بطرق صحيحة كما يقول ابن كثير٤.
وكذلك روى نحوه عن مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل بن حيان.
ومن معانيها: الزاني لا يتزوج إلا زانية، أي: معروفة بالزنى؛ لأنه لا يرضى أن يتزوج بها إلا مثلها.
وقراءة ﴿لا يَنْكِح﴾ بالجزم, وهي المروية عن عمرو بن عبيد٥ على النهي. تدل على حرمة نكاح الزانيات إلّا إذا ظهرت توبتهن, وآية ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾
стр. 342
مخصوصة بقوله: "الزاني لا ينكح إلا زانية" أي: وزوجوا الأيامى منكم بشرط ألّا يكنَّ زانيات -والله أعلم.
١٨- قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ ١.
قال السيوطي: قيل: منسوخة، وقيل: لا، ولكن تهاون الناس في العمل بها أ. هـ.
والأصح أنها غير منسوخة, فهي أدب عظيم أدَّبَ الله به عباده من السادة والخدم على السواء؛ بأن أمر السادة أن يعلموا الخدم هذه الأحكام، ويحملوهم على التزامها من غير تهاونٍ، أو استخفافٍ, ولا دليل على نسخها.
قال ابن كثير٢: "ولما كانت هذه الآية محكَمَة ولم تنسخ بشيء, وكان عمل الناس به قليلًا جدًّا, أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس.
وذكر عنه قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ إلى آخر الآية.
والآية التي في سورة النساء: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ ٣.
والآية التي في الحجرات: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٤ أ. هـ.
١٩- قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ ٥.
стр. 343
قيل: نسخها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
"واعلم أن هذا النَّسْخِ لا يستقيم إلّا على أن هذه الآية متأخرة في النزول عن الآية الأولى، وأن الله قد أحلَّ للرسول ﷺ في آخر حياته ما كان قد حَرَّمه عليه من قبل في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْد﴾ إلخ.
وذلك مروي عن علي -كرم الله وجهه، وعن ابن عباس ﵁، وعن أم سلمة -رضوان الله عليها، وعن الضحاك ﵀، وعن الصدِّيقة بنت الصديق ﵄.
أخرج أبو داود في جامعه، والترمذي وصحَّحَه, والنسائي والحاكم وصحَّحَه أيضًا، وابن المنذر وغيرهم، عن عائشة ﵂ قالت: "لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحلَّ الله تعالى له أن يتزوج من النساء ما شاء إلّا ذات محرم" إلخ.
والسر في أن الله حرَّم على الرسول أولًا ما عدا أزواجه, ثم أحلَّ له ما حرَّمه عليه, هو أن التحريم الأول فيه تطييب لقلوب نسائه، ومكافأة لهنَّ على اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، بعد أن نزلت آيات التخيير في القرآن، ثم إن إحلال هذا الذي حرَّم على رسوله مع عدم زواج الرسول من غيرهن بعد هذا الإحلال، كما ثبت ذلك، فيه بيان لفضله ﵊ ومكرمته عليهن؛ حيث قصر نفسه ولم يتزوج بغيرهنَّ، مع إباحة الله له ذلك.
стр. 344
وقد جاءت روايات أخرى في هذا الموضوع تخالف ما ذكرناه, لكن لم يثبت لدينا صحة شيء منها؛ ولهذا رجَّحْنَا ما بسطناه, ولا يعكر صفو القول بالنَّسْخِ هنا ما نلاحظه من تأخُّر الآية المنسوخة عن الناسخة في المصحف؛ لأن المدار على ترتيب النزول لا على ترتيب المصحف كما تعلم"١ أ. هـ.
٢٠- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ ٢.
قيل: نُسِخَت بقوله سبحانه عقب تلك الآية:
﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٣.
وقد تقدَّمَ الكلام عن ذلك عند ذكر نسخ الأثقل بالأخف.
٢١- قوله تعالى في سورة الممتحنة:
﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ ٤.
قيل: نسختها آية الغنيمة، وهي قوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٥.
وقيل: منسوخة بآية السيف، وقيل: محكمة.
وبيان ذلك أن الآية الأولى تفيد أن زوجات المسلمين الَّلاتي ارتددن ولحقن بدار الحرب يجب أن يدفع إلى أزواجهن مثل مهورهن، من الغنائم التي يغنمها المسلمون, ويعاقبون العدو بأخذها.
стр. 345
والآية الثانية تفيد أن الغنائم تُخَمَّسُ أخماسًا, ثم تصرف كما رسم الشارع.
وآية السيف وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ١ تقرر حكمًا خاصًّا يختلف عن أحكام الغنيمة والقتال، فلا تعارض بين الآيات الثلاثة حتى يُقال بالنَّسْخِ.
فالآية تقرر أنه إن ارتدَّت من المؤمنات امرأة، ففرت من زوجها المؤمن ولحقت بالكفار, فلم يردوا مهرها كما يفعل المؤمنون إذا فرَّت امرأة منهم بإيمانهم إلى ديار المسلمين، "فعاقبتم" أي: فغزوتموهم فوجدتم منهم غنيمة "فآتوا الذين ذهبت أزواجهم" منها "مثل ما أنفقوا" في مهورهن.
"قال قتادة: كنَّ إذا فررت من أصحاب النبي ﷺ إلى الكفار, ليس بينهم وبين نبي الله عهد، فأصاب أصحاب رسول الله ﷺ غنيمة، أعطي زوجها ما ساق إليها من جميع الغنيمة، ثم يقتسمون غنيمتهم". أ. هـ٢.
وهذا هو العدل في أسمى صوره، وأرقى معانيه.
٢٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ .
قيل منسوخة بقوله سبحانه في آخر هذه السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ثم نُسِخَ الآخر بالصلوات الخمس، هذا ما قاله السيوطي.
وبيانه أن في أول سورة المزمِّل أوجب الله على نبيه قيام الليل كله إلّا قليلًا منه، بأن يقوم نصفه أو أقل منه أو أكثر، ثم خففَّ عنه القيام هو ومن كان يقوم بقيامه، ثم نُسِخَ هذا الوجوب بالصلوات الخمس.
стр. 346
وجاء في حديث طويل رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه, عن عائشة ﵂ قالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة -تعني: سورة المزمل- فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة, فصار قيام الليل تطوعًا من بعد فريضة".
وقد كان قيام الليل فرضًا على النبي ﷺ وحده، كما يقول ابن كثير وغيره، بمقتَضى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ١.
فكان يقوم من الليل ما شاء الله أن يقوم، كما أمره ربه في أول سورة المزمِّل، واقتدى طائفة من أصحابه به فقاموا بقيامه حتى نُسِخَ قيام الليل بالصلوات المفروضة, وصار قيام الليل نافلة.
أخرج بن جرير عن أبي سلمة, عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أجعل لرسول الله ﷺ حصيرًا يصلي عليه من الليل، فتسامع الناس به فاجتمعوا، فخرج كالمغضب، وكان بهم رحيمًا، فخشي أن يُكْتَبَ عليهم قيام الليل، فقال: "أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون, فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما ديم عليه".
ونزل القرآن:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ .
حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق, فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردَّهم إلى الفريضة، وترك قيام الليل"٢.
٢٣- وألحق السيوطي بالآيات المنسوخة قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ ٣ فإنها على رأي ابن عباس -كما قال- منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ .
стр. 347
"قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ: حدثنا حجاج بن محمد, أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء, عن عطاء, عن ابن عباس قال: أول ما نُسِخَ من القرآن فيما ذكر لنا -والله أعلم- شأن القبلة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فاستقبل رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله إلى بيته العتيق ونسخها فقال:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ١.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: "كان أول ما نُسِخَ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا, وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم, فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ ٢ فأرتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولَّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب﴾ ، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ أ. هـ.٣.
وقيل: إن هذه الآية ليست منسوخة، بل هي خاصة بصلاة التطوّع, أو بمن عجز عن تحديد القبلة.
قال ابن جرير: "وقال آخرون: نزلت هذه الآية على النبي ﷺ إذنًا من الله له أن يصلي التطوع حيث توجَّه وجهه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره وفي حال المسايفة، وفي شدة الخوف، والتقاء الزحوف في الفرائض، وأعلمه أنه حيث وجه وجهه فهو هنالك بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ .
стр. 348
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة, فقال الله لهم: لي المشارق والمغارب، فإن وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، وهو قبلتكم؛ معلمهم بذلك أن صلاتهم ماضية".
قال الإمام الطبري بعد أن ذكر هذه الأقوال وغيرها: فأما القول في هذه الآية ناسخة أم منسوخة، أم لا هي ناسخة ولا منسوخة؟ فالصواب فيه من القول أن يقال: إنها جاءت مجيء العموم، والمراد الخاص، وذلك أن قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ محتمل أينما تولوا في حال سيركم في أسفاركم، في صلاتكم التطوع، وفي حال مسايفتكم عدوكم، في تطوعكم ومكتوبتكم, فثَمَّ وجه الله، كما قال ابن عمر والنخعي، ومن قال ذلك ممن ذكرنا عنه آنفًا.
ومحتمل: فأينما تولوا من أرض الله فتكونوا بها فثمَّ قبلة الله التي توجهون وجوهكم إليها؛ لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها.
كما قال أبو كريب، قال: حدَّثنا وكيع بن أبي سنان عن الضحاك, والنضر ابن عربي عن مجاهد في قول الله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ قال: قبلة الله، فأينما كنت من شرق أو غرب فاستقبلها.
ومحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم.
قال مجاهد: لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ ١.
قالوا إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ .
قال الطبري: فإذا كان قوله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ محتملًا ما ذكرنا من الأوجه، لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلّا بحجَّة يجب التسليم لها؛ لأن الناسخ لا يكون إلا بمنسوخ، ولم تقم حجة يجب التسليم لها بأن قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ معنيٌّ به: فأينما توجهوا وجوهكم في صلاتكم فثمَّ قبلتكم، ولا أنها نزلت بعد صلاة رسول الله ﷺ وأصحابه نحو بيت المقدس أمرًا من الله لهم بها أن
стр. 349
يتوجهوا نحو الكعبة، فيجوز أن يقال: هي ناسخة الصلاة نحو بيت المقدس؛ إذ كان من أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ , وأئمة التابعين من ينكر أن تكون نزلت في ذلك المعنى، ولا خبر عن رسول الله ﷺ ثابت بأنها نزلت فيه، وكان الاختلاف في أمرها موجودًا على ما وصفت، ولا هي إذ لم تكن ناسخة لما وصفنا قامت حجتها بأنها منسوخة، إذ كانت محتملة ما وصفنا بأن تكون جاءت بعموم، أو معناها في حالٍ دون حالٍ إن كان عني بها التوجه في الصلاة، وفي كل حالٍ إن كان عني بها الدعاء، وغير ذلك من المعاني التي ذكرنا.
قال ﵀: وقد دللنا في كتابنا "كتاب البيان من أصول الأحكام" على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله ﷺ إلا ما نفي حكمًا ثابتًا، وألزم العباد فرضه غير محتمل لظاهره، وباطنه غير ذلك, فأما إذا ما احتمل غير ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص أو العموم، أو المجمَل أو المفسَّر، فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل بما أغني عن تكريره في هذا الموضع، ولا منسوخ إلّا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه, ولم يصحّ واحد من هذين المعنيين لقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه﴾ بحجة يجب التسليم لها، فيقال فيه: هو ناسخ أو منسوخ". أ. هـ١.
وبعد، فهذه هي الآيات التي قيل إنها منسوخة، وقد عرفت من خلال ما تقدَّمَ أن المنسوخ منها قليل على مفهوم النَّسْخِ عند المتأخرين.
ولو قارنا بين مفهومه عند السلف والخلف لخرجنا بهذه النتيجة, وقلنا -ونحن مطمئون: إن النَّسْخَ واقع في القرآن الكريم لحكمة سامية اقتضاها حال المؤمنين يوم أن كان القرآن ينزل على النبي ﷺ , لكن المنسوخ من الآيات آيات تُعَدُّ على الأصابع، وإذا نظر إلى مفهوم النَّسْخِ عند المتقدمين وعند المتأخرين جزمنا, أو كِدْنَا نحزم أن الخلاف بين القائلين به والمنكرين له لفظي أو اصطلاحي. والله ﵎ أعلم.
стр. 350
نسخ القرآن بالسنة:
قد عرفت فيما سبق نسخ القرآن بالقرآن وأدلة جوازه ووقوعه، ونريد أن نعرف هنا نسخ القرآن بالسُّنَّة، هل هو جائز وواقع، أم هو عكس ذلك.
أقول: قد اختلف العلماء في هذا القسم بين مجوِّزٍ ومانِعٍ, واختلف المجوزون في وقوعه وعدم وقوعه.
أما المجوزون له فهُمْ: مالك وأصحاب أبي حنيفة, وجمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة.
وحجتهم أن نسخ القرآن بالسُّنَّة ليس مستحيلًا لذاته ولا لغيره.
أما الأول: وهو المستحيل لذاته فظاهر.
وأما الثاني: وهو المستحيل لغيره، فلأنَّ السُّنَّة وحي من الله كما أن القرآن كذلك، لقوله تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١.
ولا فارق بينهما إلّا أن ألفاظ القرآن من ترتيب الله وإنشائه, وألفاظ السنة من ترتيب الرسول ﷺ وإنشائه، والقرآن له خصائصه، وللسُّنَّة خصائصها، وهذه الفوارق لا أثر لها فيما نحن بسبيله، ما دام أن الله هو الذي ينسخ وحيه بوحيه، وحيث لا أثر لها، فنسخ أحد هذين الوحيين بالآخر لا مانع يمنعه عقلًا, كما أنه لا مانع يمنعه شرعًا أيضًا، فتعيَّنَ جوازه عقلًا وشرعًا.
هذه حجة المجيزين، أما المانعون، وهم الشافعي وأحمد في إحدى روايتين عنه, وأكثر أهل الظاهر، فيستدلون على المنع بأدلة منها: أن الله تعالى يقول لنبيه ﷺ :
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم﴾ ٢.
وهذا يفيد أن وظيفة الرسول ﷺ منحصرة في بيان القرآن، والسنة إن نسخت القرآن لم تكن حينئذ بيانًا له، بل تكون رافعة إياه.
стр. 351
وقد أجاب المجوزون عن هذا بأن كَوْنَ السنة مبينة للقرآن لا ينفي كونها ناسخة لها، فالآية لا تدل على انحصار وظيفة السُّنَّة في البيان، لخلوّها من جميع طرق الحصر.
وأن السنة لو انحصرت في بيان القرآن ما صحَّ أن تستقلَّ بالتشريع من نحو إيجاب وتحريم، مع أن إجماع الأمة قائم على أنها قد تستقلُّ بذلك؛ كتحريمه ﷺ كل ذي مخلب من الطيور، وكل ذي ناب من السباع، وكحظره أن يورث بقوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة".
هذا هو مقام الجواز، أما مقام الوقوع فقد اختلفوا فيه أيضًا، كما قلنا، فمنهم من أثبته، ومنهم من نفاه.
أما القائلون بالوقوع فقد استدلوا على ذلك بأدلة منها:
أ- أن آية الجلد هي: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١.
تشمل المحصنين وغيرهم من الزناة، ثم جاءت السُّنَّة فنسخت عمومها بالنسبة إلى المحصنين، وحكمت بأن جزاءهم الرجم.
ب- أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
منسوخ بقوله ﵊: "لا وصية لوارث".
ج- أن قوله سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ٣.
منسوخ بقوله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
стр. 352
وقد أجاب النافون عن الدليل الأول بأنه من قبيل التخصيص أو هو منسوخ بآية "الشيخ والشيخة" التي نُسِخَت تلاوتها وبقي حكمها.
وأجابوا عن الثاني بأن آية الوصية منسوخة بآية المواريث لا بالحديث.
وعن الثالث بأن الناسخ له آية الجلد أو آية: "الشيخ والشيخة".
وجاء الحديث موافقًا لهما.
أو أن الحديث تخصيص لا نسخ؛ لأن الحكم الأول جعل الله له غاية هو الموت, أو صدور تشريع جديد في شأن الزانيات.
وقد بسط الزرقاني في "مناهل العرفان" أدلة الفريقين ومناقشة كلٍّ منهما للآخر، ثم قال بعد ذلك البسط: "من هذا العرض يخلص لنا أن نسخ القرآن بالسنة لا مانع يمنعه عقلًا ولا شرعًا، غاية الأمر أنه لم يقع لعدم سلامة أدلة الوقوع كما رأيت"١.
والقول كما قال -والله أعلم.
стр. 353
نسخ السنة بالقرآن:
أما نسخ السنة بالقرآن، فقال أيضًا بمنعه قوم، وقال بجوازه آخرون وهم الجمهور، وقد استدلوا على جوازه بأدلة منها:
أ- أن استقبال بيت المقدس في الصلاة لم يُعْرَف إلّا من السُّنَّة, وقد نسخة قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ١.
ب- ومنها أن الأكل والشرب والمباشرة كان محرَّمًا في ليل رمضان على من صام, ثم نُسِخَ هذا التحريم بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ﴾
стр. 354
بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ١.
والوقوع من أقوى أدلة الجواز.
واستدل المانعون بأدلة ضعَّفَها الجمهور، محل بسطها كتب الأصول.
стр. 355
نسخ السنة بالسنة:
قال الزرقاني في "المناهل"١: "نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة يتنوع إلى أنواع أربعة، نسخ سنة متواترة بمتواترة, ونسخ آحادية بآحادية، ونسخ سنة آحادية بسنة متواترة، ونسخ سنة متواترة بسنة آحادية.
أما الثلاثة الأُوَل فجائزة عقلًا وشرعًا، وأما الرابع وهو نسخ سنة متواترة بآحادية، فاتفق علماؤنا على جوازه عقلًا, ثم اختلفوا في جوازه شرعًا، فنفاه الجمهور, وأثبته أهل الظاهر.
واستدلَّ الجمهور على مذهبهم بدليلين:
أولهما: أن المتواتر قطعي الثبوت وخبر الواحد ظني، والقطعي لا يرتفع بالظني؛ لأنه أقوى منه، والأقوى لا يرتفع بالأضعف.
ثانيهما: أن عمر ﵁ ردَّ خبر فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سُكْنَى، مع أن زوجها طلقها وبتَّ طلاقها، وقد أقرَّ الصحابة عمر على رده هذا، فكان إجماعًا، وما ذاك إلّا لأنه خبر أحادي لا يفيد إلّا الظن، فلا يقوى على معارضة ما هو أقوى منه، وهو كتاب الله إذا يقول: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ٢.
قال: واعتمد أهل الظاهر في جواز نسخ المتواتر بالآحاد شرعًا على شبهات ظنوها أدلة، وما هي بأدلة.