وقد أجاب المجوزون عن هذا بأن كَوْنَ السنة مبينة للقرآن لا ينفي كونها ناسخة لها، فالآية لا تدل على انحصار وظيفة السُّنَّة في البيان، لخلوّها من جميع طرق الحصر.
وأن السنة لو انحصرت في بيان القرآن ما صحَّ أن تستقلَّ بالتشريع من نحو إيجاب وتحريم، مع أن إجماع الأمة قائم على أنها قد تستقلُّ بذلك؛ كتحريمه ﷺ كل ذي مخلب من الطيور، وكل ذي ناب من السباع، وكحظره أن يورث بقوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة".
هذا هو مقام الجواز، أما مقام الوقوع فقد اختلفوا فيه أيضًا، كما قلنا، فمنهم من أثبته، ومنهم من نفاه.
أما القائلون بالوقوع فقد استدلوا على ذلك بأدلة منها:
أ- أن آية الجلد هي: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١.
تشمل المحصنين وغيرهم من الزناة، ثم جاءت السُّنَّة فنسخت عمومها بالنسبة إلى المحصنين، وحكمت بأن جزاءهم الرجم.
ب- أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
منسوخ بقوله ﵊: "لا وصية لوارث".
ج- أن قوله سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ٣.
منسوخ بقوله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
стр. 352
وقد أجاب النافون عن الدليل الأول بأنه من قبيل التخصيص أو هو منسوخ بآية "الشيخ والشيخة" التي نُسِخَت تلاوتها وبقي حكمها.
وأجابوا عن الثاني بأن آية الوصية منسوخة بآية المواريث لا بالحديث.
وعن الثالث بأن الناسخ له آية الجلد أو آية: "الشيخ والشيخة".
وجاء الحديث موافقًا لهما.
أو أن الحديث تخصيص لا نسخ؛ لأن الحكم الأول جعل الله له غاية هو الموت, أو صدور تشريع جديد في شأن الزانيات.
وقد بسط الزرقاني في "مناهل العرفان" أدلة الفريقين ومناقشة كلٍّ منهما للآخر، ثم قال بعد ذلك البسط: "من هذا العرض يخلص لنا أن نسخ القرآن بالسنة لا مانع يمنعه عقلًا ولا شرعًا، غاية الأمر أنه لم يقع لعدم سلامة أدلة الوقوع كما رأيت"١.
والقول كما قال -والله أعلم.
стр. 353
نسخ السنة بالقرآن:
أما نسخ السنة بالقرآن، فقال أيضًا بمنعه قوم، وقال بجوازه آخرون وهم الجمهور، وقد استدلوا على جوازه بأدلة منها:
أ- أن استقبال بيت المقدس في الصلاة لم يُعْرَف إلّا من السُّنَّة, وقد نسخة قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ١.
ب- ومنها أن الأكل والشرب والمباشرة كان محرَّمًا في ليل رمضان على من صام, ثم نُسِخَ هذا التحريم بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ﴾
стр. 354
بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ١.
والوقوع من أقوى أدلة الجواز.
واستدل المانعون بأدلة ضعَّفَها الجمهور، محل بسطها كتب الأصول.
стр. 355
نسخ السنة بالسنة:
قال الزرقاني في "المناهل"١: "نسخ السُّنَّة بالسُّنَّة يتنوع إلى أنواع أربعة، نسخ سنة متواترة بمتواترة, ونسخ آحادية بآحادية، ونسخ سنة آحادية بسنة متواترة، ونسخ سنة متواترة بسنة آحادية.
أما الثلاثة الأُوَل فجائزة عقلًا وشرعًا، وأما الرابع وهو نسخ سنة متواترة بآحادية، فاتفق علماؤنا على جوازه عقلًا, ثم اختلفوا في جوازه شرعًا، فنفاه الجمهور, وأثبته أهل الظاهر.
واستدلَّ الجمهور على مذهبهم بدليلين:
أولهما: أن المتواتر قطعي الثبوت وخبر الواحد ظني، والقطعي لا يرتفع بالظني؛ لأنه أقوى منه، والأقوى لا يرتفع بالأضعف.
ثانيهما: أن عمر ﵁ ردَّ خبر فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سُكْنَى، مع أن زوجها طلقها وبتَّ طلاقها، وقد أقرَّ الصحابة عمر على رده هذا، فكان إجماعًا، وما ذاك إلّا لأنه خبر أحادي لا يفيد إلّا الظن، فلا يقوى على معارضة ما هو أقوى منه، وهو كتاب الله إذا يقول: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ ٢.
قال: واعتمد أهل الظاهر في جواز نسخ المتواتر بالآحاد شرعًا على شبهات ظنوها أدلة، وما هي بأدلة.
стр. 356
وذكر بعضها وفنَّدها، فراجعه إن شئت.
وقد تحصل ما تقدَّمَ أن النَّسْخَ ينقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: نسخ القرآن بالقرآن.
الثاني: نسخ السنة بالقرآن.
والثالث: نسخ القرآن بالسنة.
والرابع: نسخ السنة بالسنة.
وقد بسطنا القول في الأول، لأنه واقع في مجال بحثنا، مكين في موضوع كتابنا هذا، وأوجزنا القول في الأقسام الباقية؛ لأن محلها كتب الأصول كما أشرنا من قبل, ولم يبق لنا من عناصر هذا المبحث إلا بيان الحكمة من النَّسْخِ, وفيما يلي بيانها:
стр. 357
حكمة الله في النسخ:
بعد أن عرفنا مفهوم النَّسْخِ في اللغة والشرع، وعرفنا حكمه وأدلته، وأركانه وشروطه، وما إلى ذلك، أرى أن أختم هذا البحث ببيان الحكمة من النَّسْخِ وإنها لعظيمة، عرفنا شيئًا منها فآمنَّا به، وخفي منه الكثير فسلَّمْنَا بجهلنا فيه.
ولسنا مكلَّفين بمعرفة الحكمة من كل تشريع، وإن كان البحث عنها من ملح العلم, ومما يزيد القلب طمأنينة بسلامة هذا التشريع, وخلوه من التناقض والاختلاف، والخلل والانحراف، وصلاحيته لكل الناس في جميع العصور على السواء.
أقول: إن شريعة الإسلام نَسَخَت جميع الشرائع؛ لأنه جاء بتشريع وافٍ قد اكتملت فيه أسباب الهداية, واشتملت أحكامه جميع متطلبات الحياة، فلم يَعُدْ للتشريعات السابقة ما يستدعي بقاءها معه بحالٍ, فقد تقلَّب الإنسان في أطوار شتَّى، فكان لكل طور منها تشريع يخصه ويلائمه، حتى انتهى العالم
стр. 358
إلى وقت كانت فيه حاجتهم ماسة إلى شريعة جامعة لأصول الشرائع كلها, تعدِّل المسار وتصحِّح المعتقد, وترد الناس إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها.
فكان أن بعث الله محمدًا ﵊ بهذا الدين الحنيف الذي ختم به الأديان، وأقام به الحجة على عباده، وألزم جميع المكلَّفين باعتناقه والعمل بشرعه، وترك ما لم يوافقه من الشرائع السابقة؛ فإنَّ فيها ما كان صالحًا لهم ولنا، وفيها ما كان صالحًا لهم قبل مجيء شرعنا الحنيف, غير ملائم لهم ولا لنا في شرعنا -كما عرفت.
فجاءت هذه الشريعة الغرَّاء إلى الناس تمشي على مهل متألفة لهم، متلطفة في دعوتهم، متدرجة بهم إلى الكمال رويدًا، صاعدة بهم في مدارج الرقي شيئًا فشيئًا، منتهزة فرصة الألف والمران والأحداث الجادة عليهم؛ لتسير بهم من الأسهل إلى السهل، ومن السهل إلى الصعب، ومن الصعب إلى الأصعب، حتى تمَّ الأمر, ونجح الإسلام نجاحًا لم يُعْرَفْ مثله في سرعته, وامتزاج النفوس به, ونهضة البشرية بسببه.
أو تسير بهم من الأصعب إلى الصعب، ومن الصعب إلى السهل، ومن السهل إلى الأسهل ترفيهًا عنهم، وإظهارًا لفضل الله عليهم ورحمته بهم، وفي ذلك إغراء لهم على المبالغة في شكره وتمجيده، وتحبيب لهم فيه وفي دينه.
أو تسير بهم من تكليف إلى تكليف آخر مساوٍ له؛ لابتلائهم وامتحان قلوبهم، فتظهر طاعة المطيع وعصيان العاصي.
فالنَّسْخُ نوع من التدرج في التشريع، روعي فيه مصالح العباد في العاجل والآجل؛ فإن من الأمور التكليفية ما يصلح في وقت دون وقت، وفي حال دون حال, فأخذ الله عباده بالحكمة، فوضع لهم من التشريعات ما يناسبهم على اختلاف درجاتهم وبيئاتهم وأحوالهم.
والنَّسْخُ وسيلة من أعظم الوسائل التربوية في وقت كان الناس فيه يعانون من انحلالٍ خلقي واجتماعي يصعب عليهم التخلُّص منه دفعة واحدة, كما يصعب عليهم أن يتحمَّلوا في بداية أمرهم بالإسلام جميع التكاليف التي أناطها بهم.
стр. 359
ولم يكن من الحكمة أخذهم بالشدَّة والعنف في وقت كانوا فيه في ضلالة عمياء، وجهالة، وتعلق شديد بعبادات سيئة، وتقاليد بالية، ومعتقدات فاسدة، وهم على ما هو عليه من العصبية القبلية، والحمية الجاهلية, والفكر المحدود، فكان النَّسْخُ في بعض الأحكام الشرعية العملية معالجة لتلك النفوس الجامحة، حتى تتخلص من أوزارها، وتتجه إلى طاعة ربها في أوامره السهلة والصعبة على السواء، متقلِّبة بين الصبر والشكر، راضية بما كتبه الله عليها من الفرائض والواجبات.
هذه هي الحكمة العامة من وجود النسخ في شريعة الإسلام بوجه عام, والله الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 360
المبحث السابع والعشرون: أمثال القرآن
مدخل
...
المبحث السابع والعشرون: أمثال القرآن
المثل: أسلوب بياني بليغ يعبِّرُ عن خلجات النفس وكوامن الحسِّ، ويبرز المعقول في صور محسة، ويكشف عن الحقائق التي يدق فهمها، ويعرض الغائب في معرض الحاضر.
وهو على إيجازه بحملٍ من المعاني الرائعة ما لا تسعه المجلدات الضخام، ويحمل في طيَّاته٩ من المرامي والمقاصد ما يجعله دستورًا للحياة، يحتكم الناس إليه، ويحتجون به، ويسيرون على نهجه وهداه.
وهو من أهم الأساليب البيانية المقنعة للعقل، والممتِعة للأذن، والمؤثِّرة في الوجدان.
وهو من أجل ذلك يحفر لنفسه في الذهن مكانًا، ويمثل في الذاكرة فلا يُنْسَى.
قال الخفاجي: سُمِّيَ مثلًا؛ لأنه مائل بخاطر الإنسان أبدًا١.
ومن هنا كان المثل من أهم أساليب التربية في مختلف العصور، فهو خلاصة تجارب الحكماء والبلغاء، وهو ديوان العرب والعجم، يسجِّل تاريخهم الحافل بأخبراهم، المعبِّر عن آلامهم وآمالهم، والدالِّ على خبايا نفوسهم، وظروف بيئتهم، فالمثل -كما هو معروف- مرآة تعكس ميول الإنسان في ماضيه وحاضره ومستقبله، وهو يدلنا على مدى ما تميّز به عصره الذي قيل فيه من حكمه وتجربة، وعلم ومعرفة.
والمثل -مع ذلك كله- رائد إلى الخير دائمًا، وزاجر عن الشَّرِّ غالبًا، لأنه في ذاته حكمة تحكم طبائع البشر، وتعبِّر عنها أصدق تعبير، فتدعو إلى ما يلائمها، وتنفر عن كل ما يتنافى مع واقعها.
من هنا حفل الناس بأمثالهم، وتناقلوها فيما بينهم، جيلًا بعد جيل،
стр. 361
واهتمَّ العلماء بجمعها من بطون الكتب، وأفواه الحكماء وغيرهم، ونقَّبوا عن مواردها، وكشفوا عن مضاربها، وعقدوا مقارنة بينها على اختلاف عصورها, وتعمَّقوا في فهم معانيها، وفرَّقوا بين سليمها وسقيمها، إلى غير ذلك مما يتعلق بها من بحوث.
وأما أمثال القرآن الكريم، فهي في الذروة العليا في جميع ما أشرنا إليه من الفوائد العامة؛ لأن القرآن الكريم كتاب هداية، ومنهج حياة، يجد الناس جميعًا فيه ما يحتاجون إليه من مقوِّمات التقدُّم والبناء، والإصلاح الخلقي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ويستطيعون أن يكتفوا به عن التشريعات التي وضعها الإنسان بعقله القاصر، ونظره المحدود.
وقد تعدَّدت أغرض المثل في القرآن الكريم، حتى جلَّت عن الحصر، وعزَّت عن الإحصاء والعدِّ، ولكنها ترجع في جملتها إلى غرض واحد، هو دعوة الناس جميعًا إلى الله تعالى، وردهم إلى الفطرة التي فطرهم عليها، فهي غنيّة بما فيها من إنذار وتبشير, ووعظ وتذكير، وترغيب وترهيب, ووعد ووعيد، إلى غير ذلك من الأغراض السامية التي تدفع الإنسان دفعًا إلى الدِّينِ القيم، الذي هو ينبوع الفضائل كلها.
وقد نظر العلماء في أسلوب المثَل بوجه عام, وأسلوب المثل القرآني بوجه خاصٍّ، وبيَّنُوا الفرق الشاسع بين الأسلوبين، وذكروا أنه لا موازنة بينهما البتة، فأين كلام الناس من كلام الله تعالى!
وقد وجدناهم يعرِّفون المثل، ويذكرون خصائصه الفنية، وسماته البلاغية، ويقسِّمونه إلى أقسام كثيرة، ويبينون أغراضه الاجتماعية، ومقاصده العقدية، والشرعية.
فأردنا أن نسلك في هذا المبحث مسلكهم, فنعرف المثل عند اللغويين، والأدباء، والبلغاء، ثم نقسِّمه إلى أقسام باعتبارات مختلفة، ثم نذكر أهم خصائصه وسماته وأغراضه بإيجاز، مع التركيز على المثل القرآني، لبيان ما فيه من إيجاز وإعجاز.
стр. 362
تعريف المثل في اللغة:
قال ابن فارس١: "الميم، والثاء، واللام، أصل صحيح يدل على مناظرة الشيء للشيء، وهذا مِثْلُ هذا، أي: نظيره".
وقال الفيروزابادي٢: "المثَل، والمِثْل، والمثيل؛ كالشبه، والشبه، والشبيه، لفظًا ومعنًى، والجمع أمثال.
وقد يستعمل المثل -بكسر الميم- عبارة عن المشابه لغيره في معنى من المعاني، أي معنًى كان".
وهو أعمّ الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن الندَّ يقال فيما يشاركه في الجوهرية فقط، والشكل يقال فيما يشاركه في الكيفية فقط، والمساوي يقال فيما يشاركه في الكمية فقط، والمثل عام في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله نفي التشبيه من كل وجه خصَّه بالذكر، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ٣.
أي: ليس مثل صفته شيء من أوصاف الخلق، فالكاف بمعنى: مثل، والمثل بمعنى: الصفة، وفي الآية تأويلات أخرى٤ أهمها هذا التأويل -والله أعلم.
والمثل -بفتح الميم والثاء- يستعمل غالبًا في الأمور المعنوية، لهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥.
وقال -جل شأنه:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٦.
стр. 363
وقد نقل الزركشي في البرهان١ عن بعض العلماء في تعليل الفرق بين المِثْل والمَثَل: بأنه لو كان المِثْل والمَثَل سيان، للزم التنافي بين قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ , وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ .
فإن الأولى نافية، والثانية مثبتة له.
ونحن نسلم أن بين المَثَل والمِثْل فرقًا ما، ولكننا لا نسلم بلزوم التنافي بين الآيتين، فإن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ معناه كما قال ابن كثير في تفسيره: "الكمال المطلق من كل وجه وهو منسوب إليه"٢.
وأما قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ فمعناه: ليس مثل صفته شيء من صفات الخلق كما تقدَّمَ.
وبهذا التفسير لا يكون بين آية الشورى وآيتي النحل والروم تنافٍ من أي وجه.
هذا، وقد فرَّق الإمام فخر الدين الرازي -من جهة أخرى- بين المثل -بالكسر, والمثل -بالفتح, فقال: "المثل -بالكسر: هو الذي يكون مساويًا للشيء في تمام الماهية، والمثل -بالفتح: هو الذي يكون مساويًا له في بعض الصفات الخارجة عن الماهية"٣.
"وقيل: المكسور بمعنى شبه، والمفتوح بمعنى الوصف"٤.
وابن منظور في لسان العرب لا يفرِّق بين المثل بالكسر، والمثل بالفتح، بل
стр. 364
يجعلها بمعنى واحد فيقول: "مثل كلمة تسوية، يقال: هذا مِثْله، ومَثَله, كما يقال: شِبهه وشَبهه بمعنى"١.
قال الراغب في مفرداته٢: "أصل المثول: الانتصاب، والمثل المصور على مثال غيره، يقال: مثل الشيء, أي: انتصب وتصوّر، ومنه قوله ﷺ : "من أحب أن يمثل له الرجال فليتبوأ مقعده من النار" ٣.
والتمثال٤ الشيء المصوَّر، وتمثَّل كذا تصوَّر، قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ٥.
والمثال مقابلة شيء بشيء هو نظيره، أو وضع شيء ما ليحتذى به فيما يفعل.
والمثلة: نقمة تنزل بالإنسان, فيُجْعَل مثالًا يرتدع به غيره, وذلك كالنكال، وجمعه: مَثُلات. قال تعالى في سورة الرعد: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ ٦.
قال: وقد أمثل السلطان فلانًا إذا نكَّل به، والأمثل يعبَّر به عن الأشبه بالأفضل، والأقرب للخير، وأماثل القوم كناية عن خيارهم.
وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ ٧.
وقال: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ٨.
стр. 365
أي: الأشبه بالفضيلة، وهي تأنيث الأمثل".
هذا، ويأتي لفظ المثل بمعنى الصفة، كقوله تعالى:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُون﴾ ١.
ويأتي بمعنى الحال، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ٢.
والفرق بين الحال والصفة: أن الأول متغير، والثاني ثابت، أو شبه ثابت, ويأتي لفظ المثل بمعنى القصة والحكاية.
هذا، ويطلق المثال في اللغة على معانٍ أُخَر غير التي ذكرناها، فقد يُسَمَّى الفراش مثالًا، والقصاص مثالًا، والحجة مثالًا، كما جاء في بعض المعاجم كلسان العرب ومقاييس اللغة.
ويأتي المثال بمعنى المقدار، ويكون بمعنى العبرة.
ومنه قوله : ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ ٣.
ويكون المثل بمعنى الآية.
قال في صفة عيسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٤.
أي: آية تدل على ثبوته.
وجميع المعاني التي ذكرناها للمثل بتصاريفه المختلفة تُرَدُّ إلى معنى المشابهة على نحوٍ ما.
стр. 366
تعريفه عند الأدباء:
أمَّا تعريفه عند الأدباء فهو أخصّ من تعريفه عند اللغويين، فقد عرَّفوه بأنه قول في شيء يشبه قولًا في شيء آخر بينهما مشابهة، ليبيِّن أحدهما الآخر، ويصوره، نحو قولهم: الصيف ضيعت اللبن، فإن هذا القول يشبه قولك: أهملت وقت الإمكان أمرك.
стр. 367
وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال فقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
وفي أخرى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُون﴾ ٢.
ويعرِّفه بعضهم بأنه: قول محكي سائر، يُقْصَد به تشبيه حال الذي حكى فيه بحال الذي مثل لأجله، بأن يُشَبِّه مضربه بمورده٣.
"وضرب المثل في الكلام أن يذكر لحال ما يناسبها, فيظهر من حسنها أو قبحها ما كان خفيًّا، وهو مأخوذ من ضرب الدراهم، وهو إحداث أثر خاص فيها، كأن ضارب المثل يقرع به أذن السامع قرعًا ينفذ أثره إلى قلبه، ولا يظهر التأثير في النفس بتحقير شيء وتقبيحه إلّا بتشبيهه بما جرى العرف بتحقيره ونفور النفوس منه"٤.
وقد يكون ضرب المثل مشتقًا من قولك: "ضرب في الأرض" أي: سار فيها.
فمعنى ضرب المثل: جعله ينتشر ويذيع ويسير في البلاد, وهذا ما ذهب إليه أبو هلال في مقدمة كتابه٥.
وقد يكون معنى "ضرب المثل": نصبه للناس بإشهاره, لتستدل عليه خواطرهم, كما تستدل عيونهم على الأشياء المنصوبة.
واشتقاقه حينئذ من قولهم: "ضربت الخباء" إذا نصبته وأثبت طنبه, فمثلًا قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ ٦.
معناه: ينصب منارهما ويوضِّح أعلامهما؛ ليعرف المكلَّفون الحق بعلاماته
стр. 368
فيقصدوه، ويعرفوا الباطل فيجتنبوه، كما قال الشريف الرضي في كتابه تلخيص البيان في مجازات القرآن١: "وقد يكون معنى الضرب: إبقاء شيء على شيء، فكأن المثل مطابق للحالة, أي: للصفة التي جاء لإيضاحها".
стр. 369
تعريفه عند علماء البيان:
أما تعريفه عند علماء البيان فهو: استعارة تمثيلية شاع استعمالها مذكَّرًا أو مؤنثًا, من غير تغيير في العبارة الواردة١.
فإذا فشت الاستعارة التمثيلية، وشاع استعمالها، وظلَّت باقية على هيئتها, واستساغها العقلاء لما فيها من دقة التصوير أضحت مثلًا يضرب.
كقولهم: "الصيف ضيعت اللبن" بكسر تاء الفاعل، فقد ورد في امرأة فرَّطت في أمر، ثم طلبته بعد فوات فرصته، ثم شاع استعماله وذاع، حتى صار مثلًا يضرب لكل مَنْ طلب أمرًا بعد التفريط فيه وبعد فوات وقته.
وكقولهم: "تأتي الرياح بما لا يشتهي السُّفنُ" لمن يعرض له أمر لا يشتهيه تشبيهًا له بربان السفينة تزجيها الرياح إلى غير الوجهة التي يريدها.
وهكذا يقال في جميع الأمثال السائرة نثرًا ونظمًا.
والاستعارة التمثيلية: "هي اللفظ المركب المستَعْمَل في غير ما وُضِعَ له, لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي"٢.
وتشبيه التمثيل: "هو ما كان وجه الشبه فيه هيئة منتزعة من عدة أمور -اثنين فما فوق- حسيًّا كان ذلك الوجه أو غير حسي"٣.
وإذا أطلق لفظ التمثيل انصرف إلى الاستعارة التمثيلية، فإذا أريد التشبيه ذو الوجه المركَّب قيل: تشبيه التمثيل، أو تشبيه تمثيلي.
стр. 370
قال الجرجاني: "التشبيه عام، والتمثيل أخص منه، فكل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلًا"١.
وأكثر أمثال القرآن الكريم نجد وجه الشبه فيها منتزعًا من هيئة مركبة، فيها الصوت واللون والحركة، ويحتاج البليغ في إدراكه إلى إعمال فكر، وإمعان نظر, فإذا استطاع أن يدرك وجه الشبه بين الطرفين نوع إدراك ملك عليه التمثيل مشاعره، وبهره ما فيه من جمال التعبير، ودقة التصوير، وروعة البيان.
والحق عندي أن المثل في اللغة أعمّ مما ذكره علماء البيان، فليس هو محصورًا في الاستعارة التمثيلية، والتشبيه التمثيلي، والكتابة، وإنما هو قول محكيّ بليغ يصور المعنى المراد تصويرًا دقيقًا لا يتأتَّى في غيره من الأساليب.
وما سُمِّيَ المثل مثلًا إلّا لأنه ماثل في الذهن, منطبع في الخيال.
قال الألوسي في تفسيره٢: "والأمثال تضرب للكشف والبيان، والمثل -بفتحتين- كالمثل -بكسر فسكون، والمثل في الأصل: النظير والشبيه، ثم أطلق على الكلام البليغ الشائع الحسن، المشتَمل إما على تشبيه بلا شبيه، أو استعارة رائعة تمثيلية وغيرها، أو حكمة وموعظة نافعة، أو كناية بديعة، أو نظم من جوامع الكلم الموجَز، ولا يشترط فيه أن يكون استعارة مركَّبة خلافًا لمن وهم، بل لا يُشْتَرَط أن يكون مجازًا، إلى آخر ما قال" أ. هـ.
стр. 371
تعريف المثل القرآني:
ونرى أن المثل القرآني لا يخضع لتعريف اللغويين أو الأدباء أو البلاغيين، وإنما هو أعم في مفهومه منها جميعًا.
فالأمثال القرآنية هي تمثيل حال أمر بحال أمر آخر، سواء ورد هذا التمثيل بطريق الاستعارة، أم بطريق التشبيه، أم بطريق الكناية، فأمثال القرآن لا يستقيم حملها على أصل المعنى اللغوي الذي هو الشبيه والنظير، ولا يستقيم
стр. 372
حملها على ما يُذْكَر في كتب الأدب من تشبيه المضرب بالمورد، ولا يشترط أن يكون فيها غرابة أو طرافة، ولكنها صور مختلفة لمعاني تَرِدُ للعبرة والاتعاظ، وتقريب ما يستعصي على العقول فهمه من الأمور الغيبية، كصفة الجنة، وكيفية زوال الدنيا، وغير ذلك، سواء صُرِّحَ فيه بلفظ المثل أم لم يصرَّح به، بأن أرسل إرسالًا, فاتخذه الناس مثلًا يحتجون به، ويعتبرون بما فيه.
فالأمثال القرآنية مقاييس عقلية تخلو من التكلُّف والاعتساف، وقواعد كلية للمبادئ الخلقية الصالحة لكل زمان ومكان.
والمثل القرآني أسلوب بياني يجمع في طيَّاته نماذج حية مستمَدَّة من الواقع المشاهد, لتكون هذه النماذج أقيسه عامة للحقائق المجرَّدة، أو الأعمال المجرَّبة، أو الأمور التي لا تقع تحت الحسِّ والإدراك في الدنيا، والتي يترتَّب عليها أحكام شمولية، ويُبْنَى عليها صلاح أمر الناس في الدنيا والآخرة.
وبهذا الإطلاق العام لمعنى المثل في القرآن الكريم نفهم معنى قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ ١.
стр. 373
أنواع المثل القرآني:
يرى بعض الباحثين أن الأمثال القرآنية تنقسم من حيث هي إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الأمثال المصرَّحة أو القياسية:
وهي التي صُرِّحَ فيها بلفظ المثل أو ما يقوم مقامه.
كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ . [البقرة: ١٧] .
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُون﴾ [الرعد: ٣٥] .
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] .
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] .
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ . [النور: ٤٠] .
стр. 374
والثاني: ما يُسَمَّى بالأمثال المرسلة، وهي جمل قد أرسلت إرسالًا من غير تصريح بلفظ التشبيه، وكثر التمثيل بها لما فيها من العظة والعبرة والإقناع.
وقد اكتسبت صفة المثلية بعد نزول القرآن الكريم وشيوعها في المسلمين، ولم تكن أمثالًا في وقت نزوله، وهي في جملتها مبادئ خلقية ودينية مركزة، مثل قوله تعالى:
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] .
﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] .
﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١] .
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَه﴾ [يس: ٧٨] .
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك﴾ [الحج: ١٠] .
﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١] .
﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] .
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُون﴾ [سبأ: ٥٤] .
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ﴾ [ألأنعام: ٦٧] .
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] .
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِه﴾ [الإسراء: ٨٤] .
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة﴾ [المدثر: ٣٨] .
﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغ﴾ [المائدة: ٩٩] .
﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل﴾ [التوبة: ٩١] .
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَان﴾ [الرحمن: ٦٠] .
﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَة﴾ [البقرة: ٢٤٩] .
﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْل﴾ [يونس: ٩١] .
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] .
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير﴾ [فاطر: ١٤] .
стр. 375
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون﴾ [الروم: ٣٢] .
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] .
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ [سبأ: ١٣] .
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] .
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] .
﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] .
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُون﴾ [الصافات: ٦١] .
﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] .
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] .
الثالث: ما يُسَمَّى بالأمثال الكامنة، وهي أمثال لم تضرب لبيان حال خاصة، ولا لصفة معينة، ولا لتلخيص حادثة وقعت في زمنٍ من الأزمان، ولم يصرَّح فيها بالتمثيل من قريب ولا من بعيد، ولكن يدل في مضمونها على معنى يشبه مثلًا من أمثال العرب المعروفة، أي: أنها أمثال بمعانيها لا بألفاظها، فالتمثيل فيها كامن غير ظاهر، لهذا أسموها بالأمثال الكامنة.
قال الماوردي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم يقول: سمعت أبي يقول: سألت الحسين بن الفضل فقلت: إنك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن, فهل تجد في كتاب الله: "خير الأمور أوساطها"؟
قال: نعم في أربعة مواضع:
قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِك﴾ [البقرة: ٦٨] .
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] .
﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] .
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] .
قلت: فهل تجد في كتاب الله: "من جهل شيئًا عاداه"؟
стр. 376
قال: نعم في موضعين: قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] .
وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] .
قلت: فهل تجد في كتاب الله: "احذر شرَّ من أحسنت إليه"؟
قال: نعم، قوله :
﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] .
قلت: فهل تجد في كتاب الله: "ليس الخبر كالعيان"؟
قال: في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] .
قلت: فهل تجد: "في الحركات البركات"؟
قال: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] .
قلت: فهل تجد: "كما تدين تدان"؟
قال: في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ [النساء: ١٢٣] .
قلت: فهل تجد فيه قولهم: "حين تَقْلين تدرين"؟ ١.
قال: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢] .
стр. 377
قلت: فهل تجد فيه: "لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين"؟
قال: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] .
قلت: فهل تجد فيه: "من أعان ظالمًا سُلِّطَ عليه"؟
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] .
قلت: "فهل تجد فيه: "لا تلد الحية إلا حية"؟
قال: في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] .
قلت: فهل تجد فيه: "للحيطان آذان"؟
قال: في قوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُم﴾ [التوبة: ٤٧] .
إلى غير ذلك مما نقله السيوطي في الإتقان١.
وأرى أن النوع الثالث ليس داخلًا في الأمثال على أيِّ صورة من الصور، لخلوه من وجه المشابهة بين المثل والممثل له.
وهو مخالف في حقيقته المثل ومفهومه في اللغة، وما ذكره السيوطي وغيره عن الحسين بن الفضل ضرب من تدريب القريحة على استخراج النظائر القرآنية لبعض ما تمثل به الرعب في عصورهم المختلفة من الأقوال الحكيمة التي أوجزت حادثة من الحوادث، أو دلت على معنى من المعاني المعقولة.
وأما النوع الثاني فهو من قبيل التشبيهات الضمنية التي تؤكد المعاني، وتبرزها إبرازًا يجعلها متميزة في النفس أكمل تمييز، أو هي من قبيل الكنايات التي تأتي بالمعنى مصحوبًا بدليله، فتجري مجرى الحكم.
وهو كثير في القرآن الكريم لا يكاد ينحصر.
стр. 378
خصائص المثل القرآني وسماته البلاغية:
المثل في كلام الناس: قول بليغ يرسله حكيم، أو يجري على لسان واحد من الناس بقصد، أو بغير قصد، فيقع منهم موقع الغرابة والاستحسان، لمطابقته للقضية التي قيل فيها، أو للشَّأن الذي أريد تصويره بإيجاز بليغ.
فيحفر له في أذهانهم مكانًا، يظل مائلًا فيه يذكر كلما وقع ما يشبه مورده.
ويتميَّز المثل عن الأساليب البيانية بخصائص فنية, وسمات بلاغية كثيرة، جمعها القرآن الكريم في أمثاله, فكانت في الذروة العليا من البلاغة والتأثير في القلوب والعقول.
أما خصائص المثل وسماته بوجه عام، فإنها تُرَدُّ في جملتها إلى أربعة أمور:
الأول: الإيجاز البليغ: وهو تأدية المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة محكمة.
الثاني: إصابة المعنى: بأن يكون المثل مؤديًا للغرض الذي ضُرِبَ له أو قيل فيه، بحيث إذا أُلْقِيَ على المخاطَب وقع من نفسه موقعه، وأصاب مرماه، وسلَّم به تسليمًا لا يقبل التردد.
وهذا يقتضي أن يكون المثل مطابقًا للواقع، مجرَّبًا عند السامع، لا ينكره عقل ولا دين.
الثالث: حسن التشبيه: وذلك بأن يكون وجه الشبه بين المشَبَّه والمشبَّه به قويًّا، يدركه الذهن من غير تكلُّف في التأويل، وأن يكون في التشبيه جدَّة وطرافة وابتكار، حتى يكون التأثير به أقوى وأقدر على إبراز المعاني المعقولة في صور محسَّة.
فإن لم يكن وجه الشَّبَه بين المشَّبه والمشبَّه به قويًّا أو لم يكن في أسلوب التشبيه جدة وطرافة وابتكار كان فاترًا مبتذلًا غير مؤثر، وبالتالي يكون فاقد
стр. 379
القدرة على تأدية الغرض المراد منه، وهو إبراز الفكرة وتقوية المعنى، وإقناع السامع وإمتاعه، وتدريب ذهنه على التأمُّل والتفكير، وإطلاق خياله في المعاني المرسَلَة لفهمها واستيعابها, وربط بعضها ببعض، وغير ذلك من الأغراض التي لا يؤديها غير هذا الأسلوب البياني.
الرابع: جودة الكتابة: وذلك إذا كان المثل من باب الكنايات، بأن يعبّر عن حكمة دلت على صدقها التجربة، وشهد لها الواقع بالسلامة والصحة.
فالكناية تأتي بالمعنى مصحوبًا بدليله، وتبرز ما يستقبَح ذكره في صورة مقبولة لا يأباها الحسّ المرهف, ولا يمجُّها الذوق السليم، فهي أسلوب مقنع وممتع ومؤثر.
وأمثال القرآن الكريم مستوفية لهذه الخصائص إلى حدِّ الإعجاز -ولا شك- فالإيجاز فيه من الدقة بحيث يسع اللفظ الواحد من المعاني المرادة ما لا تسعه المجلدات الضخام.
ولكننا نجد الأمثال السائدة في كلام الناس تعوزها الدقة أو الطلاوة، أو البراعة في التعبير، أو حسن الحبكة في كثير من الأحيان.
وكثير منها يخلو من صفة الثبات والخلود، فتتبعثر وتتلاشى مع مَرِّ العصور.
أما أمثال القرآن الكريم فهي قواعد كلية تجتمع تحتها كل القوانين الأخلاقية والقيم الإنسانية، لذا كانت خالدة على مرِّ الزمان، صالحة لكل عصر ومكان، مقبولَة عند الخاصة والعامة، مستسَاغَة لدى الطباع المستقيمة، والعقول السليمة، لها جلال تشعر بوقعه القلوب المؤمنة، وجمال تستشفه الأذواق المعتدلة, ويجد فيها أصحاب الحسِّ المرهف كمالًا في رسم صور المعاني المرادة، لا يجدونه في غيرها.
فأين قولهم مثلًا: "القتل أنفى للقتل" من قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة﴾ ١.
стр. 380
فقد تفوَّق قول الله تعالى على ما قاله أولئك العرب في كثير من الوجوه البيانية، ذكر بعضها الألوسي والرازي وصاحب المنار، وغيرهم من المفسرين.
فكان ما عدوه من وجوه البيان بالغًا ما بلغ, لا يساوي فيما لم يذكروه قطرة من بحر، فجُلّ كلام الله تعالى عن أن يُعْقَد بينه وبين كلام الناس معادلة أو مفاضلة أو موازنة.
وكان مما ذكر المفسِّرون من الوجوه:
أولها: أن حروف المثل في الآية أقل، وكلما قَلَّت الحروف وكَثُرَت المعاني كان أبلغ في الإعجاز.
وثانيها: أن قولهم: "القتل أنفى للقتل" ظاهره يقتضي كون الشيء سببًا لانتفاء نفسه، وهو محال، بخلاف الآية, فإن الضد فيها متضمِّن لضده، وهو الحياة في الإماتة التي هي القصاص.
وعرَّف القصاص ونكَّر الحياة للإشعار بأن في هذا الجنس من الحكم نوعًا من الحياة عظيمًا لا يُقْدَرُ قدره ولا يُجْهَل سره.
وثالثها: أن قولهم فيه تكرير للفظ القتل، وليس في الآية تكرير.
ورابعها: أن قولهم لا يفيد إلّا الردع عن القتل، والآية تفيد الردع عن القتل، وعن الجرح، وغيرهما، فهي أجمع للفوائد.
وخامسها: أن نفي القتل في قولهم مطلوب تبعًا، من حيث إنه يتضمَّن حصول الحياة، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة، وهو مقصود أصلي، فكان هذا أولى.
وسادسها: أن القتل ظلمًا قتل، مع أنه لا يكون نافيًا للقتل، بل هو سبب لزيادة القتل، وإنما النافي وقوع القتل المخصوص، وهو القصاص، فظاهر قولهم باطل، وأما الآية فهي صحيحة ظاهرًا وتقديرًا، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب.
سابعها: ما في الآية من عذوبة اللفظ وسلاسته, مما يدعو إلى قبول ما فيه من تشريع ببشاشة واستبشار, بخلاف قولهم: "القتل أنفى للقتل" فإنه يشعر
стр. 381
ببشاعة الوسيلة التي تحفظ عليهم الحياة، فلا يجعلهم يميلون إلى ما يحتويه المثل من دعوة إلى حقن الدماء بسفك الدماء قصاصًا.
"وفي الآية من براعة العبارة، وبلاغة القول, ما يذهب باستبشاع إزهاق الروح في العقوبة، ويوطِّن النفوس على قبول حكم المساواة؛ إذ لم يسم العقوبة قتلًا أو إعدامًا، بل سماها مساواة بين الناس تنطوي على حياة سعيدة لهم"١.
هذا والمثل القرآني فوق ما ذكرنا، يتميز عن غيره بتصوير الحقائق المجرَّدة تصويرًا لا يبعد عن الواقع المحسّ، بمعنى أن ما فيه من تشبيه أو استعارة، أو كناية، أو مجاز, إنما هو من مقومات الوصول إلى الحق والحقيقة، بعيدًا كل البعد عن الخيال المقصود لذاته بغية الإمتاع الذهني أو العاطفي.
ومع ذلك نجد هذا الأسلوب الحكيم لا يجيء في عزله عن الآيات السابقة له واللاحقة، وإنما يأتي مفسِّرًا لما قبله، ممهدًا لما بعده، مصحوبًا بالحكم على من أطاع ومن عصى.
اقرأ قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ٢.
ثم اقرأ الآيات قبلها، واقرأ ما بعدها، فماذا تجد؟
إنك لتجد أربعة أمور متلازمة تسير جنبًا إلى جنب, لا تكاد تفارق أي مثل من أمثال القرآن الكريم:
الأول: يفسر ما قبله من الآيات، فقد ذكر الله أوصاف المنافقين، ثم ساق المثل بيانًا لحالهم وشأنهم.
الثاني: تمهيد المثل لما بعده، وهو تكليف الخلق بتوحيد الله وعبادته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣.
الثالث: الحكم على من ضُرِبَ فيهم المثل، فإن كانوا من الأخيار فلهم الحسنى, وإن كانوا من الأشرار فلهم سوء العقبى.
الرابع: يحمل المثل في طيَّاته من الحجج البالغة على صدق الرسل فيما
стр. 382
يبلغون عن ربهم، وذلك من خلال أسلوبه العام الذي يتميز بالخصائص التي ذكرناها آنفًا.
يضاف إليها براعته في تصريف القول، وثروته في أفانين الكلام.
ومعنى هذا أنه يورد المعنى الواحد بألفاظ وبطُرُقٍ مختلفة بمقدرة خارقة، تنقطع في حلبتها أنفاس الموهوبين من الفصحاء والبلغاء.
اقرأ قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ .
مع قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاء﴾ .
وقوله -جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ .
مع قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّي﴾ .
ثم حاول أن توازن بين المثلين.
إنك لن تستطيع الموازنة ولا المفاضلة بين الصورتين أو الأسلوبين، فكلما قلت في نفسك هذه الصورة أجمل من أختها، أو هذا الأسلوب أدقّ من الذي قبله أو الذي بعده، راجعتك نفسك في الحال؛ فعادوت النظر مرة بعد مرة، وفي كل مرة تفضِّل أحد الأسلوبين على الآخر، ثم ترجع في ذلك على التوِّ، وتحكم في آخر الأمر بالحكم الذي حكم الله به في محكم كتابه على كتابه:
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ١.
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ٢.
هذا. وقد تتبعت خصائص المثل وسماته البلاغية في كتابي "الأمثال القرآنية" بشيء من التفصيل، فراجعه إن شئت -وبالله توفيقك.
стр. 383
مقاصد الأمثال القرآنية ومواطن العبرة فيها
...
مقاصد الأمثال القرآنية مواطن العبرة فيها:
قد عرفت فيما سبق أن أمثال القرآن الكريم في الذروة العليا من الإعجاز البياني؛ لأنها تبرز المعاني في صور محسَّة, وتظهرها بإيجاز بليغ يأخذ بنواصي العقول، ويملك شغاف القلوب، ويبعث في النفوس مشاعر الإعجاب والانبهار، وتدل بعمق على مواطن العظة والاعتبار.
ونريد أن نتكلم هنا عن أهم الأغراض والفوائد التي يحصُل عليها كل متأمِّل في كتاب الله .
ومن المعلوم أن كل وراء مقصد عام مقاصد أخرى تتصل به او تتفرع عنه.
ومن هذه المقاصد مجتمعة تنبعث كوامن العظة والعبرة, وتتفجر ينابيع العلم والحكمة.
والأصل في البيان أن يتضمَّن التعريف بما يراد التعريف به بأسلوب مباشر، والخروج عن هذا الأصل لا يكون عند البلغاء والعقلاء إلّا لغرض يقتضي ذلك.
ولما كانت الأمثال من الأساليب البيانية غير المباشرة للتعريف بما يُراد التعريف به، وكانت من أساليب الكلام البليغ التي يلجأ إليها كبار البلغاء، ولما كانت تصاريف الرب الحكيم منَزَّهة عن العبث -كان اللجوء إلى ضرب الأمثال في القرآن لا يخلو عن غرض يدعو إليه"١.
وأغراض ضرب الأمثال في القرآن لا تنحصر، لكنها تُرَدُّ في جملتها إلى مقصد واحد، وهو بيان الحق الذي جاءت به الرسل لهداية الخلق، ودعوتهم إلى عبادة الله وحده, والانقياد لطاعته ، وذلك بوضع منهج متكامل روعيت فيه مصالح العباد في العاجل والآجل.
وإذا كانت هذه الأغراض لا تنحصر, فإنه بإمكاننا أن نذكر أصولها بوجه عام، وهي ستة يندرج تحتها فروع بحسب من ضُرِبَ له، أو ضُرِبَ فيه المثل.
الغرض الأول: تقريب صورة الممثل له إلى ذهن المخاطب، وذلك بأن يكون المخاطب جاهلًا بحقيقة الشيء الممثَّل له جهلًا مطبقًا، أو لديه نوع جهالة
стр. 384
به، أو كان غامضًا عليه مع علمه به على وجه الإجمال, فيأتي المثل القرآني لرفع هذه الجهالة وإزالة هذا الغموض، والفصل في القضية فصلًا يقرِّه العقل السليم, ولا يمجه الطبع المستقيم، فلا يقع المخاطب بعد فهمه لهذا المثل تحت الشك أو الخيال المفرط، فلا يسعه إلا الإيمان به والتسليم بنتائجه.
ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن الحور العين والولدان المخلدين في مثل قوله -جل شأنه: ﴿وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ ١.
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ٢.
فالحور العين ذوات صور يمكن أن تدرك بالحسِّ الظاهر, ولكنهن مجهولات لنا, بعيدات الآن عن إدراكنا الحسِّي وعن تصوراتنا الخيالية، فيقرِّب الله لنا طرفًا من صورة لون يشرتهن ونعومتها، وغير ذلك من نعوتهن.
ويكشف لنا عن طبيعة الولدان وصورهم المحسَّة في صورة ذات بهجة وجمال ساحر, تجعل المخاطَب كأنه قد رأى وسمع وألمَّ ببعض ما لهؤلاء وأولئك من خصائص وسمات.
وهذه الأمثال وأشباهها أمثال تقريبية تقرِّبُ فهم الحقيقة, ولا تعبِّر عن ذاتها؛ إذ هي أعظم من ذلك بكثير.
الغرض الثاني: الإقناع بأمر من الأمور، وهذا الإقناع قد يصل إلى مستوى إقامة الحجة البرهانية، وقد يقتصر على مستوى إقامة الحجة الخطابية، وقد يقتصر على لفت النظر إلى الحقيقة عن طريق صورة مشابهة.
والحجة البرهانية هي الحجة الملزمة التي تفيد اليقين، أما الحجة الخطابية فهي حجة إقناعية ظنية تفيد الظن الراجح.
ولفت النظر يكفي فيه إيراد المثل المشابه ولو لم يشتمل على آية حجة.
فمن البراهين العقلية المقنعة ما ورد من الأمثال في بدء الخلق وإعادته، فقد استدلَّ الخالق -جل شأنه- على إعادة الخلق ببدئهم، وهو من أقوى البراهين على الإطلاق؛ لأن القادر على البدء والإيجاد من العدم قادر على الإعادة لا محالة.
стр. 385
قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُون﴾ ١.
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه﴾ ٢.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ٣.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ، وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٤.
الغرض الثالث: الترغيب والترهيب بذكر محاسن ما يرغِّب فيه ومساوئ ما ينفِّر منه، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ ٥.
فالمثل الثاني ينفِّر من الكلمة الخبيثة ويحرِّض على الكفِّ عنها.
الغرض الرابع: إثارة محور الطمع والرغبة, أو محور الخوف والحذر لدى المخاطب.
ففي إثارة محور الطمع يتجه الإنسان بمحرِّض ذاتي إلى ما يراد توجيهه له.
وفي إثارة محور الخوف والحذر يبتعد الإنسان بمحرِّض ذاتي عَمَّا يراد إبعاده عنه.
وهذا من الأغراض التربوية المهمة، ونلاحظه بكثرة في البيانات القرآنية "أي: في الأساليب التي تجسم المعاني في صور محسَّة ومشاهدة في الواقع الخارجي، ومن خلال الظواهر الطبيعية والمشاهد الكونية".
стр. 386
من ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢.
ففي المثل الأول إثارة لمحور الطمع في الإنسان, وذلك بتمثيل بذل المال في سبيل الله ببذر الحب في الأرض الخصبة الطيبة.
والناس بطبعهم يعرفون قيمة العطاء الزراعي إذا أقبل، فإذا كان هذا الإقبال في العطاء الزراعي قد يصل بعملية حسابية غير معقَّدة إلى سبعمائة ضعف، كانت إثارته لطمع الإنسان الزارع والتاجر بطبعه أعظم وأكثر.
فأي إنسان لا يحب الربح؟ وأي إنسان لا يطمع في فيوض الثروة؟
فالغرض من التمثيل في هذا النصِّ مع بيان حقيقة مضاعفة ثواب المنفقين في سبيل الله إلى أضعاف كثيرة جدًّا -إثارة محور الطمع في فضل الله في نفس المخاطبين، ليكون هذا الطمع محرِّضًا ذاتيًّا في الأنفس على بذل الأموال في سبيل الله.
والمثل الثاني يدعم المثل الأول ويؤكده, ويفصح عن الجوانب الكامنة فيه، وذلك بتشبيهه البذل في سبيل الله بإخلاص وطيب نفس, بجنة بربوة قد أثمرت وأينعت وآتت أكلها ضعفين في جميع الأحوال المناخية والظروف الطبيعية، بحيث لا يضرُّها الوابل الغزير فيغرقها، ولا يضرُّ بها إن قلَّ قدره، وأو تأخرَّ نزوله فهي جنة مباركة تنبت بإذن ربها نباتًا حسنًا في كل حين وتحت أي مؤثِّر خارجي.
стр. 387
وفي هذا المثل فوق إثارة الطمع في ثواب الله تحريض على الإخلاص له والثقة بفضله، وقصر المهمة على طلب مرضاته.
أما إثارة محور الخوف والحذر، فيظهر في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
ففي المثل الأول يشبه الله أعمال المرائين والذين يتبعون صدقاتهم بالمَنِّ والأذى بحجر أملس عليه تراب نزل عليه الماء، فجرف التراب، وترك الحجر صلدًا يابسًا لا يمسك ماء، ولا ينبت كلأ.
وفي المثل الثاني يشبه الله الكافر أو المرائي وعمله بحال رجل له جنة، بذل وسعه في إصلاحها وتشجيرها وتنقيتها من الآفات الضارة لتكون هذه الجنة قوتًا له في حياته، وقوتًا لعياله بعد موته، وذريته صغار ضعاف، وهي كل ثروته ومنتهى أمله في الحياة، لا يملك سواها، فأصابه الكبر والوهن، فأتى إعصار مدمِّر فيه نار، فأحرق جنته وأحرق معها آماله كلها، وبدَّله بعد الأمن خوفًا على نفسه وعلى ذريته من بعده.
وفي هذين المثلين كما هو واضح إثارة لمحور الخوف والحذر بأبلغ أسلوب، وأعذب بيان.
стр. 388
ولقد ضرب الله أمثلة حية من قصص الأولين أَبَانَ فيها سنته في معاملة عباده, ومجازاتهم بالثواب أو بالعقاب؛ ليبعث في نفوس المؤمنين كوامن الرغبة والطمع في ثوابه ورحمته، ويبعث دوافع الخوف في نفوس الصادِّين عن سبيله، والمعرضين عن ذكره.
والفرق بين هذا الغرض والذي قبله: أن هذا الغرض لا يقتصر على ذكر محاسن الشيء وتقبيحه, وإنما يذكر ما فيه من ربح جَمٍّ، أو خسارة فادحة؛ ليبعث في النفوس تلك الغرائز الكامنة التي أشرنا إليها، بحيث تكون هي الدوافع الأساسية للتحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل.
الغرض الخامس: مدح من يستحق المدح، وذم من يستحق الذم، بقصد التمييز بين المصلِح والمفسِد، والمحسِن والمسيء؛ ليزداد المحسِن إحسانًا، ويرعوي المسيء عن إساءته.
والأمثلة في ذلك كثيرة، منها ما ضربه الله في شأن النبي ﷺ وأصحابه في سورة الفتح من قوله -جل شأنه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١.
إلى آخر السورة.
ومن ذلك ما ورد في ذمِّ اليهود من سورة الجمعة:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ٢.
الغرض السادس: شَحْذُ ذهن المخاطَب، وتحريك طاقاته الفكرية، أو استحضار ذكائه؛ لتوجيه عنايته حتى يتأمَّل ويتفكَّر، ويصل إلى إدراك المراد عن طريق التفكر.
وهذا النوع من الأمثال يخاطَبُ به الأذكياء وأهل التأمُّل والتفكُّر، ومعلوم أن استخدام الأساليب الذكية التي يحتاج إدراك المراد منها إلى ذكاء، مما يرضي الأذكياء، ويحرك طاقاتهم الفكرية، ويلفت أنظارهم بقوة، ويدفعهم إلى توجيه عنايتهم لإدراك المراد بالتأمُّل وإمعان النظر.
стр. 389
ومن الأمثال القرآنية التي تصلح شاهدًا لهذا قول الله تعالى في سورة الحشر:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
إن إنزال القرآن على جبل من الجبال ليس من خبرات الناس حتى يُضْرَبَ المثلُ به للإقناع أو للتقريب أو لغير ذلك من الأغراض التي سبق شرحها، لكنه مَثَلٌ يحرِّك في الأذكياء طاقاتهم الفكرية, ويوجِّه عنايتهم حتى يتأمَّلوا ويتفكَّروا ويدرسوا ويتابعوا البحث، رجاء أن يصلوا إلى معارف يحلُّون بها لغز هذا المثل.
ويشير إلى هذا قول الله تعالى عقب ضرب المثل:
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
فما جاء في المثَل يحتاج إلى تفكُّر، وأشار إلى بعد مدرك هذا النوع من الأمثال بقوله: ﴿َتِلْكَ﴾ إذ من المعلوم أن هذه الإشارة تستعمل فيما هو بعيد حسًّا أو معنًى أو منزلة.
وبعد. فهذه أهم المقاصد التي اشتملت عليها الأمثال القرآنية.
وهي مقاصد عامة يندرج تحتها كثير من الأهداف الجزئية التي ينقِّب عنها الباحث المحقِّق المدقق، المتعمِّق في أصول الشريعة واللغة.
فالأمثال القرآنية كما ذكرنا فيما سبق قواعد عامة، أو أصول كلية يندرِج تحتها من المسائل الفرعية والأمور الجزئية ما لا ينحصر.
والقرآن الكريم -كما نعلم- كتاب وافٍ بمطالب البشر على اختلاف أجناسهم وعصورهم وبيئاتهم، فما من صغيرة ولا كبيرة مما يحتاج الناس إليه إلّا وسِعَها تشريعه، وشملها بيانه، فهو كتاب هداية، ومنهج حياة.
стр. 390
المبحث الثامن والعشرون: أسلوب القس في القرآن الكريم
المقسم به
...
المبحث الثامن والعشرون: أسلوب القسم في القرآن الكريم
أسلوب القسم في اللغة: طريق من طرق توكيد الكلام وإبراز معانيه ومقاصده على النحو الذي يريده المتكلِّم، إذ يؤتي به لدفع إنكار المنكرين أو إزالة شك الشاكِّين.
فالأساليب الخبرية تختلف باختلاف غرض المتكلِّم وحال المخاطب.
فإذا كان المخاطَب خالي الذهن، جاءه الخبر من المتكلم من غير توكيد بالقسم ولا بغيره.
وإذا كان المتكلم قد رأى أن المخاطب يشك في كلامه أكَّدَ له القول بنوع من أنواع التوكيد، وأهمها: القسم.
وإذا كان قد رأى المخاطَب ينكِرُ قوله, كان التوكيد أولى وألزم.
ومن هنا قسَّم علماء البلاغة أسلوب الخبر إلى ثلاثة أقسام:
أ- ابتدائي، ويُلْقَى لخالي الذهن من غير توكيد.
ب- طلبي: ويلقى لمن داخله الشك مؤكدًا بأداة من أدوات التوكيد.
ج- إنكاري، ويلقى لمن أنكر القول مؤكدًا بأكثر من توكيد.
وللقسم في القرآن الكريم مقاصد كثيرة فوق التي ذكرناها، وفي طيَّاته مواطن للعظة والعبرة، ومجالات رحبة للتأمُّل والنظر، ولطائف خفية يكتشفها المؤمن بنور بصيرته، فيزداد بها يقينًا يسمو به إلى مراتب العارفين بربهم ﷻ وعز شأنه.
المقسَم به:
يتألَّف أسلوب القسم من: مقسَم به، ومقسَم عليه، وأداة قسم.
ونتكلَّم أولًا عن المقسَم به، فنقول:
المقسَم به لا ينبغي أن يكون إلّا باسم معظَّم في ذاته أو لمنفعة فيه، أو للتنبيه على كوامن العبرة فيه.