← Адаб

Адаб · id 10003

فن المقال الصحفي في أدب طه حسين

عبد العزيز شرف

Полный текст (424 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

التبسيط والنمذجة الصحفية: والتبسيط سمة من أهم سمات الفنِّ الصحفيِّ الذي يعرض الأحداث والأفكار عرضًا يرتبط بظروف المرسل والمستقبل جميعًا١، ولذلك تسعى البلاغة الجديدة إلى النمذجة والتبسيط؛ لأن العقلية الجماهيرية تركن إلى الاستعانة بالرموز والأنماط والنماذج والتبسيط لتقوم مقام التجربة الفردية أو الجماعية٢، ذلك أن قيود الاتصال الصحفي -كما يقول طه حسين- تقتضي "السرعة والنظام الدقيق, وتحتاج بعد هذا كله إلى أن تملأ الصحف الأنهار التي أخذت نفسها بأن تقدمها إلى قرَّائها في كل يوم أو في كل أسبوع"٣, فإذا كان "الأديب يكتب للذين يسيغون الأدب ويقولونه ويجدون في قراءته لذَّةً ومتاعًا"٤ فإن "الصحفي يكتب لكل قارئ, أو قل: يكتب لكل إنسان, فما أكثر ما يجلس الأميُّون إلى هذا القارئ أو ذاك ويستمعون لما يُتْلَى عليهم.

стр. 107

وليس بُدٌّ للصحفي -كما يقول طه حسين أيضًا- أن يكتب لهؤلاء جميعًا كلامًا يفهمونه حين يقرأونه أو يسمعونه"١. فالتبسيط والوضح إذن من مقومات الاتصال الصحفي الناجح بالجماهير عند طه حسين -ذلك أن الأصل في الكلام- أنه وسيلة "تتوسل بها إلى الإعراب عَمَّا تريد أن يفهمه غيرك فهمًا واضحًا جليًّا لا لبس فيه ولا غموض, والكلام كله يشترك في هذا الأصل سواء منه ما كان شعرًا وما كان نثرًا، ٠وسواء منه ما تحدَّث إلى العقل وما تحدَّث إلى القلب والشعور, فإذا خرج الكلام عن أصل البيان والتبيين هذا, فكان فيه غموض أو التواء، فمصدر ذلك قصور في المتكَلِّم أو الكاتب أو قصور في السامع أو القارئ: قَصَّر ذاك فلم يحسن الإعراب عَمَّا يريد، أو عجز هذا فلم يحسن الفهم عما أُلقِيَ إليه, وقد يكون الغموض مقصودًا ويُتَعَمَّد الالتواء, ولكن هذا الكلام الغامض الملتوي واجد على كل حال من يقرؤه أو يسمعه فيفهمه فهمًا صحيحًا مستقيمًا"٢. على أنَّ التبسيط والنمذجة الصحفية في مقال طه حسين، ترتبط بالفهم الوظيفي النابع من الاستراتيجية القومية لديه كذلك في التدعيم والتغيير. ذلك أن "لغة الصحف"٣ في نموذجه الاتصالي -كما تَقَدَّمَ- لغة وظيفية "موجهة للشعب ومعلِّمَةٌ له في وقت واحد, فمنَ الحقِّ عليها أن تغري هذا الشعب بقراءة ما يرفعه شيئًا عن حياته اليومية, وعن أحاديثه التي يديرها أبناؤه بهذه اللغة العامية التي إن امتازت بشيء فهي لا تمتاز بالصفاء والنقاء"٤، ذلك أن لغة الصحف -في إطارٍ من التعليم والتوجيه الوظيفي- عند طه حسين تقتضي مذهبًا في "الكتابة يلائم العصر الذي نعيش فيه، ويلائم الصحف بنوع خاص"٥, ولذلك يذهب إلى أن "تُكْتَبَ الصحف بلغة هذا العصر الحديث, على أن تكون هذه اللغة صافية نقية مبرَّأة من هذا الابتذال الشائع الذي يفسد الذوق ويفسد رأي الشباب في لغتهم العربية"٦, ذلك أن "الشباب يقرأون الصحف ويمعنون في قراءتها, ويتأثرون بما يقرأون فيها من ناحية اللغة ومن ناحية التفكير أيضًا, ويفسد عليهم ذلك تفكيرهم وتعبيرهم جميعًا"٧.

стр. 108

وفي ضوء هذا الفهم الوظيفي، يذهب طه حسين إلى تيسير الكتابة والنحو تيسيرًا يفيد في الاستخدام العملي الوظيفي للغة العربية وألفاظها وتركيب جملها، وتأليف الكلام "على نحوٍ عمليٍّ منتجٍ"١، هو ألزم ما يكون في الاتصال الصحفي بالجماهير, الذي "يحقِّقُ لهم الصلة اليومية بينهم وبين الذين يشاركونهم في الوطن والمصالح, أو بينهم وبين الذين يشاركونهم في الحياة الإنسانية بوجه عام"٢. ومن ذلك يبين دور اللغة في التبسيط والنمذجة الصحفية في فنِّ المقال الصحفي، الدور الذي يقتضي توافر: الوضوح لقصد الإفهام, والقوة لقصد التأثير, والجمال لقصد الإمتاع في أسلوبه العام، فالتبسيط والوضوح ضمان من حيث الإفهام، وإفادة القراء ورفع مستواهم الثقافي. ولذلك يذهب طه حسين إلى مطابقة الأسلوب الصحفي لمقتضيات الاتصال بالجماهير مطابقة تقوم على الفهم عند القراءة أو السماع٣, ولذلك يسخط على الكُتَّابِ المتكلفين -كما تَبَيَّنَ من معركته مع الرافعي- سخطًا شديدًا لما يتسمون به من غموضٍ مصدره الجهل أو الغفلة٤، ذلك أن طه حسين في تحريرمقاله، كما يقول دائمًا "باحث يحاول أن يفهم، ويحاول أن يدعو غيره إلى الفهم والاستقصاء"٥. ولتحقيق هذه الوظيفة، يتوسَّلُ طه حسين بالتبسيط والنمذجة الصحفية كما تَقَدَّمَ، وتقوم هذه النمذجة على انتزاع بعض الصفات وتحريرها من سباقها العام، ثم إبرازاها وإلقاء الضوء عليها٦ من خلال الحركة والتفصيل والتنغيم والمقابلة والتضاد، وتلاحظ في هذا الصدد أن طه حسين يبدأ مقاله في معظم الأحيان بتعريف الموضوع في بيئته وزمانه، ثم يعرُج على تخطيط كامل لملابساته, ولا يلبث أن يعرض لكل احتمالات الصعوبة في تحديد بعض النماذج, ثم يتلوها ببيان كامل لكافَّة الجزئيات المنتزعة، والمناسبات التي لا يحسن إغفالها, وكأنما يتصوَّر النماذج في تجسيمها المساحي دفعة واحدة, وسنجد هذه السمات تصل إلى درجة التصوير الكاريكاتيري، كما سيجيء عند الحديث عن المقال الكاريكاتيري، حين يتوسَّلُ بالمبالغة والسخرية والأطراف في النمذجة الكاريكاتيرية، كما في "نموذج" "سيدنا" في "الأيام"، ونموذج المندوب السامي البريطاني الذي اختارته بريطانيا ليخلف "السير برسي لورين"

стр. 109

فهو: "طويل القامة، يرتفع في الجو مترين، ثقيل الحجم، يزن قنطارين، صلب العظام، قوي العضل. مهيء بهذا كله فيما تقول بعض الصحف الإنجليزية للقاء المعضلات، واجتياز العقبات، وتذليل المصاعب والخروج من الخطوب"١, ثم يقابل بين هذه الصورة "التي لا تخلو من قوة وطرافة، وبين ما تنتظر أو ما تريد أن يأتيه المندوب السامي الجديد من العمل السياسي في مصر"٢. ويخلص من هذه المقابلة إلى نمذجة المقاومة المصرية في الشعب المصري الذي "جرَّبَ الطوال والقصار، والخفاف والثقال من المندوبين الساميين"٣, ولكن "عنف العنيف لم يخف هذا الشعب، ولم يصرفه عن حقه, ولين اللين لم يخدع هذا الشعب، ولم يلهه عن حقِّه، وإنما ثبت الشعب للرجلين جميعًا؛ أو للرجال جميعًا, ومضى الشعب يطالب باستقلاله لا يضعف عن المطالبة"٤. كما يصوِّرُ نموذجًا نضاليًّا لمصر "الكلمة في حياة الأمم والأجيال منذ عشرات القرون قبل أن يعرف غيرها من الشعوب معنى كلمة الأمم والأجيال، بل قبل أن يعرف التاريخ غيرها من الشعوب بزمن طويل"٥, وأهل"مصر الآن كما كانوا من قبل يعرفون معنى الحرية والاستقلال, ويقدِّرون قيمة العزة والكرامة، ويحرصون أشدَّ الحرص على أن يكونوا أحرارًا مستقلين, ويجدّون أشد الجدِّ في أن يكونوا أعزة كرامًا"٦. ويتوسَّلُ طه حسين في نمذجته الصحفية بما يسميه المرحوم سيد قطب "الاستعراض التصويري"٧، حيث يستخدم الكلمات والجمل في تصوير المناظر والحوادث والمعاني، والخطرات النفسية والآراء السياسية والالتفاتات الذهنية على السواء, وتلك ميزته "الكبرى كصاحب شخصية أدبية وصاحب مذهب فني كذلك"٨. على أن هذه الميزة في المقال الصحفي تُسْتَخْدَمُ استخدامًا وظيفيًّا في النمذجة الصحفية لأسباب خارجية أهمها التبسيط للجماهير٩, ولذلك يتوسَّل في هذه النمذجة بالإحساس الفني وليس بالخيال، كما في النمذجة الأدبية، كما نجد في نمذجته لمقاومة الشعب المصري للمحنة الدستورية والسياسية في إطارٍ من سياق حركة الأحداث١٠, ومن ذلك قوله عن سخرية المصريين١١:

стр. 110

"ما أكثر ما عني الشعراء وأصحاب الفن بابتسامات الأفراد هذه، فأبدعوا وأجادوا وأظهروا للناس آيات فنية خالدة، وما أخلقهم أن ينظروا إلى ابتسامات أخرى ساخرة, هي أروع من تلك الابتسامات وأجمل، وهي أشد منها وقعًا في القلوب وأبعد منها أثرًا في النفوس؛ لأنها ابتسامات تترجم عن سخرية الشعوب من قوة الأقوياء وازدراء الأمم لسلطان المتجبرين, في هذه الابتسامات الشعبية جمال الصبر والجلد، وجمال العزة والشمم، وجمال الثقة والأمل، ومنها فوق هذا كله وبعد هذا كله جمال التضامن الصادق١. فهذه الصورة التي يتوسَّل في تصويرها بإحساسه الفني لا تنفصل عن الواقع الملموس لحركة الأحداث: "ما أجمل هذه الابتسامات وقد ارتسمت على ثغر مصر منذ نهض رئيس الوزراء بأعباء الحكم, فما زالت مرتسمة على هذا الثغر لم تفارقه ولم تتحوَّل عنه, ولم يشبها عبوس، ولم يغيِّر من صفائها وجمالها تقطب ولا شحوب. لقد نظرت مصر إلى صدقي باشا حين ألَّفَ وزارته ففهمت ما كان يريد، فابتسمت له مشفقة عليه تعظه وتحذره، ولكنه أخطأ فهم هذه الابتسامة.. إلخ"٢. ويتوسَّلُ طه حسين بالنمذجة الصحفية في مقاله كذلك لترجمة المصطلحات الجامدة المجردة المعقدة إلى مصطلحات الواقع العملي النابض بالحياة، شأنه في ذلك شأن الكُتَّابِ الذين عالجوا الكثير من المدارس الفنية والفلسفية والعلمية الحديثة رغم صعوبتها بمصطلحات الفنِّ الصحفي فأمكن نشرها بين الجماهير٣. ذلك أن طه حسين يتوسَّلُ بالنمذجة من أجل التبسيط، لتوصيل هذه المعلومات إلى الجمهور بطريقة مفهومة مستساغة، كما نجد في تبسيطة لفلسفة ديكارت٤ وأدب فاليري٥ وفولتير٦ والأدب الفرنسي الحديث٧ والفلسفة الوضعية٨, وكما نجد في نموذجه للعدل الاجتماعي ومكانه بين الاشتراكية والرأسمالية٩، والالتزام عند سارتر١٠، و"الأدب المظلم"١١.. إلخ. ولعلَّنَا نستطيع أن نذهب تأسيسًا على هذا الفهم

стр. 111

للنمذجة الصحفية التي تقوم على رؤيا الكاتب للعالم والأشياء والثقافات، إلى أن معركة: "لاتينيون وسكسونيون" كانت معركة بين نموذجين" ثقافيين، على نحو ما نعرف عن نموذج طه حسين١ للثقافة اللاتينية, ونموذج العقاد للثقافة السكسونية"٢. وقد تعرَّفْنَا فيما تَقَدَّمَ على نمذجة طه حسين "للشعر القديم" بهدف تبسيطه في مرحلة التدعيم، عند الحديث عن مقالات "حديث الأربعاء", وهو نموذج: "حديقة طال عليها الزمن، وأهملت إهمالًا متصلًا، ولم تنقطع عنها مع ذلك مادة الحياة، فمضت أشجارها وشجيراتها تنمو في غير نظام، هذا النمو المهمل المضطرب"٣. ويتوسَّلُ بنمذجة هذا الشعر إلى تبسيطه وتفسيره لرأب الصدع، وسد الهوة السحيقة بين القرَّاء المحدثين والشعر القديم، لتحقيق أغراض التدعيم في استراتيجيته القومية، على النحو المتقدم في كتابنا عن "طه حسين وزوال المجتمع التقليدي".

стр. 112

الأسلوب الواقعي: وتأسيسًا على ما تَقَدَّمَ، فإن النمذجة الصحفية في مقال طه حسين تقوم على أسلوب واقعي يتصل بحياة المجتمع وأحداثه الخارجية، ذلك أن المقال الصحفي يفترض وجود رأيٍ عام يخاطبه ويتحدث إليه، فإذا كان المقال الأدبي يدخل في اعتباره عواطف الفرد ووجدانه، فإن المقال الصحفي يهتم بما يسمى "بالوجدان الجماعي". وعلى ذلك, فإن بلاغة المقال الصحفي ترتبط بواقعية أسلوبه, وارتباطه دائمًا بالجو الاجتماعي، والظروف السياسية المحيطة به، حتى أننا لا نكاد نفهم هذه المقالات الصحفية في العصور المتقدمة دون الإحاطة التأمَّة بالبيئة الاجتماعية؛ وخصائص العصر الذي كُتِبَتْ فيه. ومن المعروف كذلك أن الآداب الخالدة، والمؤلفات الكبرى لا تَتَطَلَّبُ في دراستها مثل هذا العناء الذي تتطَلَّبُه القِطَع الأدبية التي يكتبها أدباء الطبقة الثانية؛ لأن الآداب العظمى الرفعية تتصل بعواطف الإنسان الثابتة، وترتبط بعلاقات بشرية خالدة، أما الصحافة فإنها تدور حول أمور اجتماعية ومناسبات معينة, لذلك كانت كتابات الطبقة الثانية في الأدب والصحافة أيضًا ذخيرة هامة للمؤرِّخ وعالم الاجتماع، تتفوق في قيمتها الاجتماعية ودلالتها التاريخية على الآداب الإنسانية الرفيعة التي يهتمُّ بها الأدباء والنقاد وعلماء الجمال.

стр. 113

وفي ضوء هذه الرؤيا، فإن المقال الصحفي في أدب طه حسين يشتق بلاغته من الواقع المحسوس، معتمدًا على قدرته في التحليل والتعليل، وحسن تذوّقه للحوادث الجارية، والأدلة التي يسوقها على صحة رأيه في مسألة من المسائل، من خلال الشواهد العملية والتقارير الرسمية وغير الرسمية، ومن ثَمَّ يشف مقاله عن عقلية عملية منظمة، تجمع بين العلم والأدب والصحافة جميعًا، فهو يعمد إلى الحوادث التي تصل إلى علمه، فيحللها تحليلًا عميقًا دقيقًا؛ متوسِّلًا بثقافته العريضة في تقويمها، وبأسلوبه الاستقصائي في حشد العدد المناسب من الحقائق والوقائع، ونُمَثِّلُ لذلك بمقالٍ جعل عنوانه: "حقائق"١ يقول فيه: "ليست خيالًا ولا وهمًا، وليست ظنًّا ولا ترجيحًا؛ وإنما هي حقائق لا تقبل الشك ولا تحتمل النزاع, هذه التي رفعها صاحب السعادة أحمد عبد الوهاب باشا وكيل المالية، إلى رئيس الوزراء حين طلب إليه أن يدرس حالتنا المالية، ليتبين أيمكن أم لا يمكن البدء في تنفيذ هذا المشروع الذي اضطربت له البلاد، وما زالت تضطرب، لا أقول منذ عام, بل منذ زمن طويل، وهو مشروع جبل الأولياء"٢. ثم يشير إلى التقرير الذي نشرته "كوكب الشرق" متضمنًا هذه الحقائق التي يتناولها "بالتفسير والتحليل"٣ ويقف عند "ملاحظات سياسية تثيرها قراءة هذا التقرير الذي كتبه عبد الوهاب باشا"٤.. إلخ. ومن ذلك يبين اعتماد طه حسين على الأسلوب الواقعي في مقاله الصحفي, وهو أسلوبٌ يتنكب طريق الأدب الذي يتسلق على كلام السابقين من مشاهير الشعر والحكمة، ذلك أن الصحافة فنٌّ واقعيٌّ لصيق الصلة بالأحداث الجارية، وليس معنى ذلك أن طه حسين قد أعرض إعراضًا تامًّا عن استخدام الأمثلة والشواهد المستقاة من ثقافته، بل معناه أنه كان مقلًا في ذلك إقلالًا يضع مقاله في دائرة الصحافة بمستواها العملي الواقعي، وهذا الاستخدام القليل، لم يكن استخدامًا لذاته، بقدر ما جاء استخدامًا وظيفيًّا يخدم الأسلوب الواقعي في الإقناع والتحليل والتوجيه, وفي هذا المستوى الوظيفي كان له من الاستشهاد بأقوال الساسة والفلاسفة والشعراء من العرب والأوربيين ما يحتاج إليه في أداء وظائف المقال، ومن ذلك استشهاده في مقالٍ بعنوان

стр. 114

"ذيول"١ بعبارة من بيان الوفد، يسوقها في مقدمة المقال، ثم يُعَلِّقُ عليها في صلبه، ويقوِّمها في ضوء حركة الأحداث. ومن ذلك أيضًا استشهاده بالفيلسوف الألماني "كانت" في مقال بعنوان: "دعابة"٢, استشهادًا عمليًّا وظيفيًّا يخدم الفكرة السياسية في المقال. "زعموا أن الفيلسوف الألماني العظيم "كنت" كان عَوَّدَ نفسه أن يخرج للرياضة كل يوم في ساعة معينة، لا يتقدَّمُ عنها ولا يتأخَّر، وكان أهل مدينته قد تعودوا منه ذلك، ولما رأوه ذات يوم قد قَدِمَ موعد خروجه للرياضة دهشوا واستيقنوا أن حدثًا خطيرًا قد ألمَّ بأهل الأرض، أو بنجوم السماء, ولم تمض أيام حتى عَرِفَ أهل المدينة أن الأمر قد كان كما قد رأوا، وأن اليوم الذي اضطرب فيه نظام الفيلسوف هو اليوم الذي شبَّت نار الثورة الفرنسية، واحتلَّ فيه الفرنسيون حصن الاستبداد والظلم الذي كان يقوم في باريس وهو الباستيل. وقد لاحظنا أمس خروج "الأهرام" عن طورها المألوف وخطتها المرسومة فيما بينها وبين الحكومة من صلة قوامها المودة والعطف، دون الخصومة والمعارضة, وقلنا كما قال مواطنوا الفيلسوف الألماني: "لأمر ما قدم الفيلسوف ساعة خروجه"! إلخ، ثم ينتقل إلى مناقشة الشواهد العملية المشتقة من حركة الأحداث, والتي أدَّت إلى خروج "الأهرام" عن طورها، و"اختارت من سهامها أمضاها وأنفذها وأكثرها سُمًّا، ثم رمت بها في صدر صديقتها الوزارة"٣. ومن ذلك يبين أن الأسلوب الواقعي في مقاله طه حسين يستدعي المثل أو العبارة أو الكلم المأثور أو الآية من القرآن، ويتمثَّلُها تمثلًا جديدًا، بحيث نلاحظ في كثير من الأحيان أن جملة طه حسين رغم واقعيتها قد تأخذ شظيةً من بيت شعري, أو كلمة مأثورة قديمة، ولكنها تضفي عليها من رؤياه، كما نجد في المقال المتقدِّم قوله: "ثم نثرت كنانتها بين يديها كما يقول الحجاج"٤. ومن ذلك أيضًا تمثُّل الأسلوب القرآني في مقالٍ سياسي بعنوان: "تحقيق"٥, حين يقول: "أيقظ أصحاب الكهف بعد أن لبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين، وازدادوا تسعًا، وهو يوقظ اليوم بعض النواب، بعد أن ناموا دهرًا طويلًا تميل الأرض من تحتهم، وتضطرب السماء من فوقهم، ويموج الناس من حولهم، وهو لا يرون، ولا يسمعون أو لا يأتون عمل الذين يرون أو يسمعون"٦.

стр. 115

كما يتمثَّل بآياتٍ من القرآن تمثلًا صريحًا يرتبط بالسياق العام للموقف الذي يكتب فيه المقال، كما نجد في مقاله عن ذكري سعد زغلول: "لحظة"١, حين يستهلَّه بهذه الآية: "أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " صدق الله العظيم. والموقف العام لهذا التمثل يبين من قوله بعد هذه الآية: "فلما بلغ القارئ هذا الموضع من آيات الذكر الحكيم أمسك عن القراءة, وأذَّنَ مؤذِّنٌ في الناس أن الزمان قد استدار كهيئته حين أسلم سعد روحه إلى بارئه، فانضمَّت ألوفٌ جالسة إلى ألوف كانت واقفة، وقاموا جميعًا خاشعين قد اطمأنت قلوبهم بذكر الله، الذي كانت تُتْلَى عليهم آياتُه، وامتلأت نفوسهم بذكر سعد الذي اجتمعوا ليفوا له ببعض ما له عليهم من حق"٢. وهكذا لا ينفصل الأسلوب الثقافي في مقال طه حسين عن الأسلوب الواقعي؛ بحيث يرتبطان بعضهما البعض ارتباطًا لا ينفصم.. "وسياق الموقف لا غنى عنه لفهم الألفاظ" كما يقول مالينوفسكي, ذلك أن هذا الارتباط في نهاية الأمر ارتباط وظيفي، يوظِّفُ الأسلوب الثقافي للأسلوب الواقعي, ويوظِّفُ الأسلوبين بهدف النمذجة الصحفية، كما نجد في انتقاده للسياسة التعليمية في وزارة المعارف٣: "يقول المثل لا تجني من الشوك العنب, ولست أريد أن وزارة المعارف كلها شوك, ولكني أريد أن وزارة المعارف إن أرادت أن تصل بالتعليم إلى الخير, فمن الواجب عليها قبل كل شيء أن تضع من النظم وتؤلف من الإدرارات ما من شأنه أن يصلح التعليم.. إلخ"٤. فالأسلوب الواقعي إذن في مقال طه حسين، فضلًا عن كونه أسلوبًا صحفيًّا، مصدر من مصادر البلاغة والقوة في هذا الأسلوب، لاعتماده على الواقع أساسًا في التعبير والتفكير, وصياغة الأحداث, والنظر إليها من ناحية دلالتها العملية وتفسيرها الاجتماعي، الأمر الذي يجعل المقال الصحفي في أدب طه حسين عملي التعبير، واقعي الاتجاه.

стр. 116

الأسلوب الاستقصائي: ونعني بذلك أن التعبير العملي وواقعية الاتجاه في مقال طه حسين يتجهان بأسلوبه إلى استقصاء الفكرة أو الموضوع أو الشواهد والمضيّ بها جميعًا من البداية إلى النهاية، ولعلَّ ذلك يرجع إلى مزاجه العلمي ومقوِّمَات ثقافته القديمة والحديثة، وقد يرجع إلى ظروفه البصرية التي أملت عليه أسلوب الحديث في مقاله فطابقت "براعة الكاتب فيه براعة المحدث، وكان أسلوب طه حسين الكتابي أسلوب الحديث، ومن خصائص هذا الأسلوب أن يمضي فيه صاحبه عفو الخاطر الدافق، سهلًا لين المرأس مسرعًا مستمهلًا، مستوقفًا مستفهمًا جازمًا، ساخرًا قافزًا مستطردًا مرددًا معيدًا"١. كما يقول خليل ثابت صاحب المقطم في وصف أسلوبه٢، وكما يذهب المازني٣ إلى ذلك أيضًا، والذي يُرْجِعُ خصائص هذا الأسلوب كذلك إلى أنه أستاذ مدرس، والأستاذ حريص دائمًا على أن يبسط الموضوع لتلامذته؛ ليتأكد من فهمهم له وإدراكهم جزئياته: "وليس يخفى أن المرء إذا حيل بينه وبين المرئيات ضعف أثرها في نفسه، ولم تعد الكلمة الواحدة تغني في إحضار الصورة المقصودة إلى ذهنه بالسرعة والقوة الكافيتين، فلا يسعه إلّا الإسهاب ومحاولة الإحاطة ومعالجة الاستقصاء والتصفية"٤. ومهما يكن من شيء، فإن الاستقصاء في أسلوب طه حسين أداة من أدوات الاستقراء المنهجي في مقاله، يتمكَّن من خلاله من بلوع اليقين التحليلي في جميع ما يستطيع معرفته، دون أن يستنفذ قواه في جهود ضائعة، فهو لا ينسب إلى الأشياء أو الشواهد إلّا ما يدركه إدراكًا بديهيًّا في معاني تلك الأشياء وهذه الشواهد، على النهج الديكارتي٥ في الانتقال من "المعاني" إلى "الأشياء", وهو النهج الذي يقتضي القيام في كل جزء باستقصاء مراجعات عامَّةٍ بحيث يثق بأنه لم يغفل شيئًا٦، كما يقتضي تقسيم المسائل التي يناقشها في مقاله ما وسعه التقسيم إلى عدد من الأجزاء على أفضل نحو٧. على أن هذا الأسلوب الاستقصائي عند طه حسين يقوم على قوة إدراكٍ عقلي فائقة، وبنية عقلية وذهنية تمكِّنُه من استيعاب كل ما يُلْقَى على سمعه, وعلى اختزان كل المتلقيات الحسية والذهنية، ثم إنها تمكِّنُه من تحليل المعلومات التي تتلقاها حواسَّه وتصنيفها تصنيفًا منهجيًّا٨ يؤلف بين هذه المعلومات المتلقاة, ويربط فيما بينها, ويدمج ما يلزم منها، ويفرز ما لا يلزم، لتكوين الأفكار والرؤى وتوليد الصور الذهنية التي يختزنها أو يدفع بها عَبْرَ قلمه أو لسانه. وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن الأسلوب الاستقصائي في مقال طه حسين

стр. 117

أسلوب وظيفي، ينتقل بالقارئ انتقالًا منهجيًّا من فكرة إلى تاليتها، على ما يقتضي المنطق، مستقصيًا جوانب الموضوع من أجل الإقناع والتبسيط والتأثير, مما يَنُمُّ عن شخصيته التي تجنح إلى التنظيم الفكري، وتأكيد الفكرة المحورية في المقال، ولعل في ذلك ما يفسِّرُ شيوع "المجموعات" أو "السلاسل" في صحافة طه حسين، وتوظيف "التكرار" و"الاستطراد" توظيفًا صحفيًّا في أسلوبه الاستقصائي، على الرغم مما يذهب إليه البلاغيون، كما ذهب الرافعي إلى انتقاد التكرار في أسلوب طه حسين، واعتبره خروجًا على أسس البلاغة: "فلا يأتي بالجملة الواحدة إلّا انتزع منها الانتزاعات المختلفة ودار بها، أو دارت به تعسفًا، وضعفًا، وإخلالًا بشروط الفصاحة وقوانين العربية"١، ويستشهد الرافعي ببعض جمل من مقال كتبه طه حسين عن "قصة المعلمين"٢, كرر فيه ألفاظ "المعلمين" و"القصة" و"القضية" ست مرات لكل لفظة, يقول طه حسين: "نعم قصة المعلمين. فللمعلمين قصة، وللمعلمين قضية, وكنا نحب ألا تكون للمعلمين قصة، وألا تكون للمعلمين قضية؛ لأننا نربأ بمقام المعلمين عن أن تكون لهم قصة أو قضية, ولكن أراد الله -ولا مَرَدَّ لما أراد الله- أن يتورَّطَ المعلمون في قصة، وأن يتورَّط المعلمون في قضية"٣. على أننا -في هذا الصدد- لا نحاول الدِّفاع عن التكرار في أسلوب طه حسين وهو "من هو إلمامًا باللغة العربية"٤، ولكننا نتناول هذه الأداة في الإطار الصحفي الوظيفي للمقال، ذلك أن طه حسين يتخذه أداة في طريقة الكتابة عن وعي وعن قصد: "فليثق الذين يأخذون على التكرار أنني لن أتركه"، فالتكرار الذي قد يعيبه البلاغيون، ويعيبه الرافعي على طه حسين، أداة ضرورية وحيوية لنجاح الرسالة الإعلامية, ونقصد بذلك التكرار المتنوِّع الذي يقدِّمُ المعنى الواحد في قوالب كثيرة٥, ولذلك يذهب طه حسين إلى أنه لا يحاكي بأسلوبه "أسلوبًا آخر قديمًا أو حديثًا"٦, ولايتكلَّفُ هذه المحاكاة, وإنما هي "طريقتنا في التكفير وطريقتنا في الإملاء"٧، وهي الطريقة التي -كما يُقَالُ تخرج عن أسس البلاغة٨- تجعلنا نذهب مع الأستاذ المقدسي إلى أننا لا نجد "خروجًا عن سنن البلاغة قد أصبح بنفسه بلاغة تحتذى كهذا الأسلوب, فما

стр. 118

هو إلّا حديث ممتع لما يحتويه من حلاوة وروعة في التعبير والتصوير"١. فالتكرار -إذن- في مقال طه حسين تكرار وظيفي يعمد إليه طه حسين عمدًا، حتى يحقق له ما يريد من إيقاعات وأنغام ينفذ بها إلى سامعه وقارئه٢، يتوسَّلُ به في المقال الصحفي للتغلُّب على "عقبات الفهم ولتحقيق يسر القراءة٣. الأمر الذي يقتضي خلو الأسلوب الصحفي من ازدواجية المعنى والتورية والغموض٤، والتكرار في ضوء هذا الفهم يقضي على الغموض وازدواج المعنى, وتبديد كل غموض محتمل، ويذهب "جميس مارلو" الصحفي في وكالة "أسوشتدبرس" للأنباء، في دراسة له؛ إلى أن التكرار كثيرًا ما يؤدي إلى يسر القراءة٥. وعلى ذلك, فإن التكرار في الأسلوب الصحفي عند طه حسين من مصادر قوة البلاغة الجديدة، فالعين "تسارع إلى اللفظ المعاد فتمحوه, ولكن الأذن تستطيع الترجيع, ولا سيما الأذن الطروب التي سمعت القرآن ووعته وأشربت موسيقاه طفلة, وفي القرآن لأغراض نفسية وبلاغية تكرار يعذب على الترديد. وطالما ردَّدَ طه حسين القرآن وطالما سمعه مردَّدًا"٦، الأمر الذي جعل من التكرار في أسلوبه أداة بلاغية وظيفية في آنٍ واحد، لها أثرها العميق على "الأفهام والنفوس"٧ وتحقيق أهداف الفن الصحفي وغاياته٨، من خلال استخدامها في سياقٍ استقصائي لجوانب الموضوع وتأكيده وتحليله، فإذا عرض "لفنٍّ أو لمسألةٍ استطاع أن يتناولها من جميع وجوهها"٩, كما نجد شواهد لذلك في مقالاته جميعًا، على نحو تقريبي، وكما سيجيء تفصيلًا.

стр. 119

الأسلوب الاستقرائي: وهذا الأسلوب مظهر من مظاهر ارتباط المقال الصحفي عند طه حسين بالحياة العملية ودلالات الواقع الملموس، ورؤياه العقلية والعملية على السواء، رغم ما تتذوق فيه من عطور شعرية وموسيقية"١، إن الأسلوب التعبيري عند طه حسين إنما هو حركة عقلية، ودعوة عملية، تتخذ من هذا التقطيع الموسيقي وهذا التنغيم إيقاعًا لحركتها، ولو تأمَّلنا هذا الإيقاع بعمق لوجدناه تارة إيقاعًا استدلاليًّا, وتارة أخرى إيقاعًا استقرائيًّا, ولوجدناه في الحالتين عملية استنباطية تتدرج لتشمل الظاهرة العملية أو الواقعية موضوع المقال، حتى تسيطر عليها من كل جهاتها، وتنتهي بها إلى الغاية العقلية والعملية التي تريدها لها، بل ويريدها للقارئ كذلك٢. ذلك أن طه حسين لم يقنع بالقياس المنطقي منهجًا لمقاله، كما نجد في بيئة التكوين ومصادرها الثقافية القديمة، فكان المنطق الأرسطي يُسْعِفُهُ في معاركه الكثيرة التي خاضها؛ وكان طوع بنانه، ولكن المنطق الأرسطي سلاح مؤقت المفعول، لا سيما إذا كانت مقدماته غير سليمة، ومن هنا كان سر تطور آراء طه حسين في المشكلة الواحدة كلما اكتشف أبعادًا جديدة للفكرة التي ينظرها, ولقد كانت له من أمانته وجرأته ما جعله يعلن ذلك على الناس ويراه حقًّا عليه٣. ومن مظاهر أسلوبه المنطقي المتأثر بالثقافة القديمة، تأليف الجمل على شكل مقدمات ونتائج، تبدأ منطقيًّا وتنتهي منطقيًّا، ومن خلال المناقشة التي تشيع في غضون المقال، على طريقة الأزهريين أو كتب التراث القديم, والإكثار من التقسيمات والتعريفات والتلخيصات، على أن اتصاله بالثقافة الأوربية وبالمنهج الديكارتي خاصة، ذهب به إلى التوسُّل بأساليب جديدة يستخدمها في معالجة موضوع مقاله لكسب معرفة جديدة، وقد انتقل بها من مرحلة البحث العلمي إلى مجال الحياة اليومية، مدركًا خطر هذه الأساليب الجديدة في الكشف عن مواطن الزلل في التفكير العادي والتصرفات اليومية، وتبرئة الحياة من آثار التفكير الخرافي، ومعاونة القرَّاء على تفسير ما يصادفهم من أحداث، وما يعترضهم من إشكالات. ومن هنا ينتقل المقال الصحفي في أدب طه حسين من مرحلته الأولى إلى مرحلة جديدة، تكشف عن عقم القياس الذي لا يكشف عن معرفة جديدة.. حقيقة أنه أفاد مقاله في تنمية القدرة على الجدل والنزال، ولكنه يفسر لنا ما نعلمه، ولا يكشف لنا عَمَّا نجهله فيما يقول "ديكارت"٤ في حملته على القياس الصوري، وشرط الاستدلال في كل صوره أن يفضي بالباحث إلى كسب معرفة جديدة لا تكون متضمنة في مقدماته.

стр. 120

من أجل هذا صرَّحَ طه حسين في بيئته الصحفية الثانية بأنه يريد أن يصطنع "هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء"١، ذلك أن هذا المنهج يتيح له أن يكون "واضحًا جليًّا, وأن يقول للنَّاس ما يريد أن يقول دون أن يضطرهم إلى أن يتَأَوَّلُوا ويتعمَّلوا ويذهبوا مذاهب مختلفة في النقد والتفسير والكشف عن الأغراض التي يرمي إليها"٢؛ إذ الأصل في التفكير العلمي أنه أداة لكسب معرفة جديدة عن طريق الانتقال من معلوم إلى مجهول وفقَ قواعد معينة حدَّدها منهج علمي، وقد ثبت أن الكثير من الحقائق لا يتيسر الكشف عنه بطريق القياس الذي يبدأ بوضع مقدِّمات عامة, ويهبط منها متدرجًا إلى أفرادٍ تندرج تحت هذه المقدمات. ومنطق الأشياء يقتضي البدء بالصعود قبل القيام بالهبوط، أي: أنَّ الباحث يتدرج في استدلالٍ صاعدٍ يرتقي فيه من الحالات الجزئية إلى المقدمات العامة، وهذا الاستدلال الصاعد هو الاستقراء الذي يتَّسِمُ به الأسلوب الصحفي في مقال طه حسين، لينتقل من جزئيات الواقع الملموس إلى حكم عام، فإذا كان معيار الصدق في القياس اتساق نتائجه مع مقدماته، فإنه في حال الاستقراء تتطابق نتائجه مع خبرتنا في العالم الحسي والواقع الملموس، ومن أجل ذلك فإنه أصلح في الأسلوب الصحفي الذي يقتضي اتساق "صورة الفكر ومادته" المشتقة من الواقع العملي. وليس معنى هذا أن الأسلوب الصحفي في مقال طه حسين يستغني بالاستقراء عن القياس، إذ أنه يتوصَّلُ بالاستقراء إلى القضايا العامة، ولذلك يجعل هذه القضايا في قياسٍ يتثبَّت عن طريق قواعده من صحة هذه المقدمات العامة، ويكون ذلك بتطبيقها على حالات جزئية من الواقع المتجدد لحركة الأحداث، وبهذا نجد أن القياس في أسلوب طه حسين متمم للاستقراء، كما أن الاستقراء ضروري للقياس من حيث أن التثبُّت من صحة المقدمات العامة في المقال، إنما يكون عن طريق الاستقراء. ومن ذلك يبين أن مقال طه حسين يرتقي إلى النتائج العامَّة من الجزئيات المشتقة من الواقع الملموس ومن سياق حركة الأحداث، بملاحظة هذه الجزئيات وتقويمها، من خلال الاستقراء العلمي Imperfect Induction أو الناقص، لكسب معرفة جديدة, أو للكشف عن حقائق مجهولة وفقًا لما تقتضيه وظيفة المقال في اتجاهاته المختلفة سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا. وشواهد هذا الأسلوب الاستقرائي في مقال طه حسين تفوق الحصر،

стр. 121

إلّا أننا نكتفي بالإشارة إلى نموذجين منها في مقال بعنوان: "مذهبان"١, وآخر بعنوان: "صراع"٢، حيث يفحص مجموعة من الظواهر المعاشة ابتغاء الكشف عن عللها, عن طريق وصفها وتقرير حالتها وفاقًا للواقع المحس، ففي المقال الأول يفحص مذهب الحكم، ويكشف عن انحرافها في مصر: " ... هذا هو مذهب الناس عامة في فهم الحكومة وفهم واجبها، وفهم الصلة بينها وبين الشعب. ولكن المذهب الآخر الذي يراه فريق من المصريين, والذي هو أقرب إلى الحق وأدنى إلى الصواب, ينحو نحوًا آخر غير هذا النحو في الحكم والفهم والتقدير، فالحكومة عند هؤلاء المصريين وجدت لإقرار الأمن، ولكن لإقرار أمنها هي قبل أمن الشعب، ووجدت لحماية الأنفس والأموال، ولكن لحماية نفسها هي وأموالها من قبل أنفس الشعب وأمواله"٣. وهو لا ينتهي إلى هذه النتيجة، ووصف هذا المذهب إلّا عن طريق تقرير حالته وفاقًا لشواهد الواقع المحس, فهو حين يتحدَّث في المقال الثاني عن "الصراع بين الحياة والرأي في مصر، لا يتحدث عن صراع مجرَّدٍ، ولكنه يكشف عن معلولات هذه الظاهرة عن طريق وصفها وإدراك العلاقة بين الظاهرة ومعلولها، ذلك أن كثيرًا من المصريين "مع السف الشديد لم ينشأ تنشئة حرة، ولم يتكوَّن هذا التكوين الذي يمكِّنُه من أن يفهم الحياة على وجهها"٤ وأن هؤلاء "مع الأسف الشديد يُخَيَّلُ إليهم أن الحياة هي الحركة والنشاط، وهي الطعام والشراب"٥، وهؤلاء في نهاية الأمر "مصدر ما تجده في مصر من محنة، وما تخضع له من فتنة في السياسة والرأي والمال، ولا لشيء إلّا لأنهم يريدون أن يعيشوا، ولا لشيء إلّا لأنهم لا يستطيعون إلّا أن يعيشوا"٦.. إلخ. فالأسلوب الاستقرائي إذن في مقال طه حسين يقوم على ملاحظة الجزئيات والأحداث ووصفها وتقرير حالتها، وإن كان لا يقنع بالوصف والتقرير, وإنما يتجاوز ذلك إلى الكشف عن العلاقات العلية بين بعضها والبعض الآخر؛ كما سيجيء؛ عند دراسة المقال التحليلي ابتغاء فهمها والتحكم في توجيهها لصالح الإنسان المصري. ومعنى هذا أن الأسلوب الاستقرائي أنسب الأساليب في تحرير المقال الصحفي، لما يتيحه من أحكام عقلية عامَّة يتوصل إليها كاتب المقال عن طريق ملاحظته لحركة الأحداث تقريرًا لحالتها, ووصفًا لحقيقة أسبابها ونتائجها، وأساس هذا الاستقراء هو الاطراد في وقوع الأحداث، ومن هنا يتميز الاستقراء الصحفي بأنه وصفيٌّ يقرِّرُ حالة الظواهر كما هي في الواقع, ويقوّمها في ضوء حركة الأحداث, لا كما "ينبغي أن تكون" كما تذهب إلى ذلك قوانين العلوم المعيارية٧. وإذا كانت وظيفة الاستقراء الصحفي هي تفسير الظواهر الحسية الواقعية، أمكننا أن نذهب إلى أن المقال الصحفي لا يعرض للبحث في طبيعة الظواهر وماهيتها، والغاية من وجودها، لأن هذا من شأن الفلسفة التقليدية.

стр. 122

الأسلوب الصحفي: وتأسيسًا على ما تَقَدَّمَ، فإن الأسلوب الصحفي في مقال طه حسين يقوم على خصائص عقلية، تحدثنا عن طرف منها فيما تَقَدَّمَ، ولكن هذه الخصائص العقلية ترتبط بخصائص فنية في التعبر ارتباطًا وثيقًا، في إطارٍ من عناصر الأصالة والتجديد التي تميِّزُ مقاله على العموم، وتميِّزُ معجمه اللغوي ومناهجه في التأليف والتركيب، ولذلك يذهب طه حسين إلى أن "مذهبنا في تصوُّرِ الأشياء مهما يختلف فسينتهي دائمًا عند طائفة من الأصول التقليدية لا سبيل إلى التَّحَوُّلِ عنها"١, ومصادر هذه الأصول عند طه حسين تتمثل في طبيعة اللغة العربية وثقافته القرآنية٢، والمحافظة التي يتماز بها الجيل العربي بين الأجيال٣، ولقد كان للجماعة اللغوية الأزهرية فضل تأسيس الملكات الأولى لطه حسين، فكل ما يمتاز به أسلوبه من الرصانة القوية، والفصاحة العربية الممتازة, يرجع إلى هذه الفترة التي تعلَّم فيها دروس الأدب على شيوخ الأزهر وخاصَّة الشيخ المرصفي٤، ويرجع هذا الأسلوب قبل كل شيء إلى التقويم القرآني للسان العربي "فالذين يحفظون القرآن في الصبا، ويكثرون قراءته ويجددونها, أصحُّ الناس نطقًا بالعربية وأقلهم تخليطًا فيها" كما يقول طه حسين٥، الذي يذهب كذلك إلى أنَّ القرآن هو الذي حفظ لغته العربية أن تذوب في اللغات الأجنبية الأوربية التي أجادها فأتقنها٦. وليس أدلَّ على ذلك من أن الأسلوب الصحفي في مقال طه حسين قد عني بفصاحة اللفظ وجزالته ورقيق الأسلوب ورصانته٧، فلغته المعَرَّبة الفصحى مقوِّمٌ أساسيٌّ من مقوماته، أو هي القوام الأساسي الأول بين مقوماته٨، وهو لذلك لا يقبل "التفريط ولو كان يسيرًا في هذا التراث العظيم الذي حفظته لنا اللغة العربية الفصحى"٩, ويذهب إلى أن العامية "خليقة أن تفنى في

стр. 123

اللغة العربية الفصحى إذا نحن منحناها ما يجب لها من العناية فارتفعنا بالشعب من طريق التعليم والتثقيف، وهبطنا بها هي من طريق التيسير والإصلاح إلى حيث يلتقيان في غير مشقة ولا جهد ولا فساد"١. على أن هذا الأسلوب الصحفي في مقال طه حسين هو الذي تتكامل فيه الخصائص العقلية والخصائص الفنية تكاملًا وظيفيًّا، يحدد قسماته النفسية وعصره ومجتمعه ثانيًا, وهو التكامل الذي يوظِّفُ الإعراب واصطفاء اللفظ والملاءمة بين الكلمة والكلمة في الجرس الذي ييسر على اللسان نطقه، ويزين في الأذن وقعه، كأساس لخصال هذا الأسلوب٢. كما أن لغة المقال الصحفي في أسلوب طه حسين لا تهمل الأسماع، وإنما تُعْنَى بها أشد العناية٣، وهو الأمر الذي يمكن لطه حسين من تصحيح مفهوم اللغة تصحيحًا يخلصها من ذلك التصور الخاطئ الذي يراها صورًا ورموزًا تقرأ بالعين فحسب، مع أن هذه الصور وتلك الرموز عبارة عن وسيلة تعسفية للتسجيل، وأنها مهما بلغت من الضبط والأحكام لا تستطيع أن تحكي تفاصيل اللغة التي تقوم على النبر والإيقاع, والتي ترتكز على الموسيقى٤. ذلك أنه يتلقَّى المعرفة والتعبير عن طريق الأذن، كما يبعثها عن طريق الصوت المسموع، ومن هنا يُعْنَى الأسلوب في مقال طه حسين بالنبرة والإيقاع عنايته بالتراكيب اللفظية٥. وهذا التصحيح اللغوي مصدر أساسي من مصادر الأصالة، ذلك أن لغة المقال عند طه حسين لغة منطوقة، شأنها في ذلك شأن الأدب العربي القديم "مسموع قبل أن يكون أدبًا مكتوبًا مقروءًا، وهو من أجل هذا حريص على أن يلذَّ اللسان حين ينطق به، ويلذ الأذن حين تسمع له، ثم يلذ بعد ذلك النفوس والأفئدة حين تصفي إليه"٦. إن أسلوب طه حسين له أبعاده التي تتجاوز المصطلح اللغوي, وهي أبعاد موسيقية، كما يلاحظ الدكتور عبد الحميد يونس٧ حين يذكر أنه قد عَنَّ له مع بعض تلاميذ طه حسين، أن يخضعوا أسلوبه للتقطيع الموسيقي, فأدهشهم أن يجدوا أن كثيرًا من فقراته يمكن أن تخضع حتى لعروض الشعر العربي التقليدي, وكأنها نَظْمٌ مُرْسَلٌ بلا قافية، وكان منهم واحد تخصص في الغناء، فانتخب فقرات من "دعاء الكروان" ولحَّنَها ورجَّعَها على مسامع زملائه

стр. 124

كما يفعل المغنون بالقصيد١. وكان طبيعيًّا إذن أن يشدو طه حسين في بواكير حياته الأدبية بالشعر على نحو ما فَصَّلْنَا في كتابنا "طه حسين وزوال المجتمع التقليدي", وأن تجد قصائده طريقها إلى المحافل العامة، ذلك أن أذنه المرهفة قد يَسَّرَت له من غير شكٍّ إدراك الإطار الموسيقى العام للشعر العربي التقليدي، كما أن المرحلة الأولى من سيرته الأدبية والصحفية كان من طبيعتها أن تعتصم بالتقليد، كما أن الأذن أكثر محافظة من العين, وهي أمور تفسِّرُ الباعث على إيثار القوالب المألوفة في النظم العربي، وتوضح سبب اتخاذه في أسلوبه النثري أبعاد المصاريع والأبيات الكاملة والمجزوءة في أكثر الأحيان٢، وهي الحقيقة التي تدفعنا إلى أن نعترف بأن الموسيقى جزء لا يتجزأ من المضمون التعبيري في اللغة اللسانية. فالموسيقى تُوجَدُ في كل ما يصدر عن الإنسان من كلام، وليس الشعر هو الذي يتأثر بالعنصر الموسيقي دون النثر الفني, ولا بُدَّ من البحث عن مقوِّمٍ آخر يرتبط بمدى الموسيقية، لكي نفرِّق بين الشعر والنثر الفني. على أن هذه المسالة التي قد تبدو خلافية بين النقاد والأدباء، لا تصرفنا عن الاستخدام الوظيفي للموسيقى في أسلوب طه حسين الذي يرتبط "بفنِّه الواعي رغم تلقائيته"٣؛ لأنه قد خلع على النثر العربي ثوبًا جديدًا, وجعل وسائل التعبير به مقصورة على ما هو جوهري, وجرَّدَه من تلك المحسنات البلاغية التي لازمته من عهدٍ بعيدٍ دون أن ينتزع ما في عباراته الأصلية من جزالة. كما أنه حوَّل تلك العبارات النحوية المعقَّدَة إلى جملٍ بسيطة دون أن يفقدها جمالها الأصلي٤. وإننا نجد كل هذه المزايا في كل ما كتبه من صفحات تشير إلى "أستاذٍ في فنِّ الكتابة والأسلوب", كما يقول "جوجيود بلافيدا" في مقالٍ عن طه حسين. وهذه العناصر الفنية في الأسلوب الصحفي عند طه حسين لا تُقْصَدُ لذاتها، وإنما يستخدمها استخدامًا وظيفيًا كما تَقَدَّمَ، بحيث تمتاز بطابعه العقلي والعملي معًا، فالتقطيع الموسيقي والنغم الشعري في هذا الأسلوب يَنُمُّ عن حركة عقلية، ودعوة عملية، تتخذ من هذا التقطيع وهذا التنغيم إيقاعًا لحركتها، بل إن هذا الإيقاع لديه قد يكون إيقاعًا "استدلاليًّا قياسيًّا", كما قد يكون "إيقاعًا استقرائيًّا" كما تَقَدَّمَ، لارتباطه بالغاية العقلية العملية في مقاله.

стр. 125

وعلى ذلك فإن معاملة طه حسين للغة الفنية معتمدًا على اللمس التشكيلي والسمع الموسيقي، معاملة تقوم على الوظيفة العقلية العملية، فهو حين يقول: البغاة الطغاة, يضني ويغني, يسوء وينوء, رائعة وبارعة, يائس وبائس, إلخ١, إنما يعامل الألفاظ معاملة تشكيلية٢، على أن التشكيل هنا ليس مقصودًا لغاية جمالية في ذاتها، وإنما يريد به حلًّا لصياغة المعرفة بطريقة عقلية واقعية، تخدم التشكيل للنمذجة والتبسيط، كعملية حتمية لتنظيم التجارب الإنسانية العديدة, ومن شواهد ذلك مقال بعنوان: "أحجار"٣ يبين فيه هذا التشكيل الوظيفي للألفاظ في النقد السياسي والاجتماعي والفوارق بين الطبقات, يقول طه حسين: "لست أدري أتحمد الوزارة لصحيفتها هذا التشبيه، الذي جعلها من الزمرد والماس والمرجان، أم تنقمه منها وتنكره عليها؟ أمَّا نحن فنقبل هذا التشبيه الذي يجعلنا حجارة صلبة لا سبيل إلى تحطيمها، عوجاء لا سبيل إلى تقويمها، ونؤكِّد أن هذه الصلابة التي أعيت كلَّ مَنْ حاول أن ينال منها إلى الآن, ستعيي كلَّ مَنْ يحاول أن ينال منها إلى آخر الدهر، وقد تحطَّمَت عليها قرون وتتحطم عليها قرون أخرى"٤. ويوظف طه حسين إلى ذلك الأسرار الفنية في اللغة العربية في مقاله الصحفي, ومن هذا: التناقض والمقابلة في الوجوه والصفات والشخصيات والأحداث والمذاهب المشتقة من الواقع المحَسِّ, وهي المقابلة التي قد يعتمد عليها في عنوان المقال نفسه مثل: "جد وهزل"٥, كما يعتمد عليها في الشعور واللفظ, وعلى السرعة والحركة النفسية والحركة الظاهرة، كما يوظِّفُهَا في الصورة والأسلوب، على النحو الذي نجده واضحًا تمام الوضوح في مقال بعنوان: "مصر بين النعيم والجحيم"٦؛ حيث يوظِّفُ اللغة الفنية في نمذجة جانبين وبعدين وعمقين تتقابل فيهما المحسوسات والدلالات تقابل الأضداد الذي يزيد الخطوط حِدَّةً بين "أصحاب النعيم" و"أصحاب الجحيم", وهي الأضداد التي تنمذج الواقع المصري في نهاية الأمر. ونخلص مما تَقَدَّمَ، إلى أن الأسلوب الصحفي في مقال طه حسين أسلوب سهل مُحَسٌّ، يستخدم التعبيرات المبسطة، كما يستخدم الصور بالأمثلة المحسوسة استخدامًا وظيفيًّا، يشمل اللغة الفنية بما فيها من تشكيل وتوازن موسيقى مقصودين، يوجه إلى القراء مباشرة في كثير من الأحيان، وهو أسلوب مصقول في نهاية الأمر، فصيح اللفظ سليم التركيب، يوافق علمه

стр. 126

بالعربية الفصيحة، وعلمه بتقسيم المقاطع والفواصل في الكلام الأوربي "كما يتكلمه مَنْ يجمع بين الحديث والكتابة في وقت واحد"١. الأمر الذي يجعل من أسلوبه مدرسة صحفية بهذا المعنى, تؤمن بقدرة اللغة العربية الفصيحة على سدِّ حاجات الصحافة, التي هي في الحقيقة نوع من الأدب الإقليمي أو الواقعي, ويتماز هذا الأسلوب الصحفي -عند طه حسين- بتقارب المستويات اللغوية العلمية والأدبية والعملية تقاربًا يشير إلى "أزهى العصور وأرقاها". الأمر الذي يفسِّر مقاومته للعامية التي ترتبط بالمجتمع المنحَلِّ المريض، والانفصام العقلي في المجتمع، واتجاهه إلى تطويع اللغة الفصيحة للمعاني والخواطر والآراء "دون أن يشق عليها أو يرهقها من أمرها عسرًا، أو ينحرف بها عن طريقها التي رسمتها لها طبيعتها ومزاجها"٢. ولعلَّنَا نستطيع أن نذهب إلى أن أسلوب طه حسين في مقاله الصحفي هو أسلوب البلاغة الجديدة، التي تجعل "الصحافة هي أعلى صور الأدب؛ لأن جميع ألوان الأدب العليا صحافة", كما يقول "برنارد شو"٣. ذلك أن ممارسة الصحافة النظامية تعزِّزُ الصفتين المرغوب فيهما في الأسلوب، وهما الوضوح والقوة", وهذا الأسلوب عند طه حسين إلى جانب مقتضيات وسيلة الاتصال الصحفي بالجماهير، يأتلف من عنصرين؛ أحدهما: داخلي يأتيه من نفسه ومن طبيعة أمته وتراثها، والآخر: خارجي يأتيه من الثقافات الأجنبية التي اتصل بها، وأسلوبه الذي اختاره أوفق لذلك جميعًا, وأولها من نوعه في اللغة العربية، وليس فيه محاكاة لأسلوب آخر في اللغة الأوربية, فهو "أسلوب سَمْحٌ تَسْلَمُ الصفحة منه عند أول قراءة، فلا تشعر بالحاجة إلى أن تعود تستوحيها في سهولة ويسر على أصالته"٤.

стр. 127

الفصل الرابع: أًساليب التحرير في مقال طه حسين مدخل ... الفصل الرابع: أساليب التحرير في مقال طه حسين نواصل في هذا الفصل التعرُّف على عناصر الأصالة ومظاهر التجديد في مقال طه حسين، بعد أن تعرَّفْنَا على هذه العناصر في أسلوبه الصحفي، ذلك أن الوعي بالذات هو الصفة الغالبة في الرؤيا الإبداعية لديه، والدراسة التي تقوم بها في مقال طه حسين تؤكِّدُ غلبة الفكر الناقد في مقاله من خلال اختيار الموضوع والشكل واللغة، وأساليب التحرير، من أجل إيجاد الاتصال والفهم المشترك، على نحو ما يتضح في نموذجه الاتصالي بالجماهير. فالوضوح والتحكُّم الواعي اللذان يصبغان نظرة طه حسين إلى أساليب التحرير الصحفي، إنما يمثلان صياغة اتصالية للإدراك المتصل في مراحل تطوره الصحفي، ذلك أن هذه الوسائل وتلك الأساليب التحريرية، تخضع للرؤيا الوظيفية في تحويل التجربة الصحفية إلى فنٍّ مقالي يتوسَّل بالرموز لتحقيق الوظيفة الواضحة في ذهن الكاتب، الأمر الذي يميز مقاله بترتيب المعاني وفقًا لنسج مميز، يجعل لفظه دقيقًا محقِّقًا للاتصال والفهم المشترك؛ فهو لا يهجم على القارئ "برأيه فيلقيه إلقاء الآمر، وإنما يلقاه صديقًا لطيفًا، ثم يأخذ بيده أو بعقله وشعوره, ويدور معه مستقصيًا المقدِّمَات محللًا ناقدًا، يشركه في البحث حتى يسلمه الرأي ناضجًا, ويلزمه به في حيطة واحتياط"١، وذلك في عبارات "رقيقة عذبة, أو قوية جزلة, فيها ترديد الجاحظ وتقسيمه, فإذا قَصَّ أو وصف أخذ على القارئ أقطار الحوادث والأشياء, ودخل إلى أعماق الشعور وجوانب النفوس مدققًا متقصيًا، يخشى أن يفوته شيء, ولا يخشى الملاك في شيء دقيق الشعور، صافي النفس، نبيل الجدل حادَّه، يسير مع خصمه بعقله حتى إذا آنس منه الغضب أو التولي تركه وانصرف"٢. وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن أساليب التحرير في مقاله طه حسين لا تنفصل عن رؤياه الإبداعية، وإنما تنبع منها من خلال التحكم الواعي والاشتغال بالمعاني والوضوح والوظيفية الهادفة، يتوسّل بالأدوات الفنية ضِدَّ الشوائب والأعراض التي تَصْحَبُ عملية تنظيم العنصر البدائي الخام في التجربة، وتحويله إلى عمل فني، سواء كان هذا العمل قصة أو مقالًا، فإنه يدمج بين العمل الإبداعي والعمل النقدي من أجل تحقيق الاتصال والفهم المشترك، ذلك أن طه حسين "يتدبَّر مقاله قبل الشروع في الكتابة"

стр. 128

ويحمله طويلًا "بين جوانحه", فلا يشعر بأنه مكتمل الصورة في ذهنه إلّا حينما يكون قد وعى ذلك واستوعبه, وحينئذ يشرع في الإملاء١. كما تكشف وثيقة هامة عن أبعاد العملية الإبداعية في مقال طه حسين٢، عن التحكُّم الواعي في الشكل والمضمون على السواء، فهو يحصي ويستقصي ويصنف المعلومات في ذهنه، ثم يعود إليها كلما هَمَّ بالكتابة في موضوع من الموضعات، ويحيا في البيئات التي يصوِّرها، كما يحيا أهلها. ثم يملي مقاله وكأنه "يملي عن محفوظ"٤, أو كأنه "بحر يتدفق, وما هذا كله إلّا عن علمٍ مختَزَنٍ امتلأ به صدره ووعاه جنانه"٥ فالمقال الصحفي في رؤياه "مشاركة متصلة بين الكاتب والقارئ، أو بين المنتج والمستهلك.

стр. 129

كما يقول أصحاب الاقتصاد"١. وهو لذلك يتصور مقاله شكلًا ومضمونًا قبل أن "يملأ ما بين الخطوط"٢، لأن القارئ -في رؤياه- ليس "قابلًا فحسب، ولكنه قابلٌ من جهة, وفاعلٌ من جهة أخرى، أمره في ذلك كأمر الكاتب بالضبط؛ لأن الكاتب قابل "مستقبل" حين يتأثر بالعالم الخارجي، وفاعل "مرسل" حين يعيد إنشاء هذا العالم الخارجي. والقارئ متأثر حين يتلقَّى الرسم التخطيطي الذي دعاه الكاتب إلى النظر فيه، وهو منشئ حين يملأ ما بين الخطوط, ويتمِّمُ مما بدأ لكاتب من الرسم والإنشاء٣"، والكاتب عند طه حسين لا ينشئ "أثرًا واحدًا حين يؤلِّفُ عملًا واحدًا, وإنما ينشئ آثارًا لا تحصى، أو قل: آثارًا بمقدار ما يُتَاحُ له من القراء"٤. وإذن فأساليب التحرير في المقال "شركة بين الكاتب وقرائه٥ تقوم على تعمُّد القراءة والفهم من قِبَلِ القارئ، وتعمد إذاعة هذه الأساليب من قِبَلِ الكاتب٦. وعلى ذلك فإن الرؤيا الإبداعية في مقال طه حسين لا تحدد موقفه من عصره ومن مؤلفاته ومقالاته فحسب، وإنما تكشف عن الجوانب الفنية في أساليب تحريره، وتشهد على الخصائص المطلوبة في الكاتب في النصف الأول من هذا القرن. الأمر الذي يتيح لنا التعرُّف على الرؤيا الفنية المتكاملة في مقال طه حسين، التي لا يمكن أن ينفصل فيها الكاتب عن إنتاجه.

стр. 130

الرؤيا الفنية في مقال طه حسين ... الرؤيا لفنية في مقال طه حسين: وتأسيسًا على ما تَقَدَّمَ, فإن أساليب التحرير في مقال طه حسين تنبع من رؤياه الفنية، التي تحدد التنظيم الشكلي لأجزائه، وطبيعة كل جزء من هذه الأجزاء، والقواعد التي تحدد وتحكم العلاقة بينها, ذلك أن طبيعة طه حسين ومقوماته في الاتصال الصحفي، واتجاهاته نحو قرائه، كلها اهتمامات متشابكة متداخلة تضفي على أجزاء الرؤيا الفنية في مقاله قدرًا كبيرًا من التماسك والترابط. ومن الطبيعي -إذن- أن تتجه هذه الريا الفنية عند طه حسين إلى خَلْقِ أساليب فنية جديدة في تحرير المقال، مما دفعه في كثير من الأحيان إلى الخروج على الأشكال المألوفة، وإلى توسيع الأبعاد الفنية للمقال إلى مستوى التنبؤ العام الشامل، في محاولة التوفيق بين هذه الرؤيا وبين الاستجابة لموضوعات الساعة والقضايا المباشرة، ولضرورات وسيلة الاتصال الصحفي بالجماهير.

стр. 131

ذلك أن هذه الرؤيا الفنية تخلق نموذجًا خاصًّا للعالم وللأشياء، وهذا النموذج في الاتصال الصحفي يجب ألا يكون بعيدًا عن الأصل والواقع الملموس، فالجتمع الحديث -كما يقول والتر لبمان١- لا يقع في مجال الرؤية المباشرة لأحد، كما أنه غير مفهوم على الدوام، وإذا فهمه فريق من الناس، فإنَّ فريقًا آخر لا يفهمه٢, وهنا تحدد الرؤيا الفنية أساليب التحرير الصحفي في الشرح والتفسير والتكامل، من خلال معرفةٍ واعيةٍ بالقوانين الداخلية المنطقية الموضوعية التي تحكم فن التحرير الصحفي، وفي الوقت نفسه لا يتعارض هذا الفهم مع حرية الإبداع والتماس الأساليب الجديدة في التعبير الفني، وحق الكاتب في نقد الأخطاء المتصلة بالناس والمجتمع. وهنا تفتح أبواب التجديد أمام التجربة الاتصالية التي لا تنبع من مقدمات تعسفية مغرقة في الذاتية، فالشكل الفني ليس مجرد "تقنية"، أو قوقعة مغلقة على نفسها، ذلك أن التعبير عن المضمون يتمُّ من خلال الشكل وفي إطاره، وهنا يكون واجب الكاتب ابتداء أن يظاهر تقاليد فن القول في أمته، على نحو ما تبيَّنَ من عناصر الأصالة في مقال طه حسين. غير أن مراعاة عناصر الأصالة تلك لا تعني التمسك بقوالب معينة في فن القول، أو التشبث بأهداف قوالب جامدة في كتابة النثر, ذلك أن مفردات المعاجم ذاتها تتغيَّر مدلولاتها كل عشر سنوات تقريبًا، وإن كان هذا لا يشوّه هيكل اللغة نفسها، ويحدد طه حسين موقفه من هذه المسألة بقوله٣: "وما أحب أن يظن القارئ أني أريد أن تكتب الصحف بلغة الحريري في مقاماته, فلست أبغض شيئًا كما أبغض لغة الحريري في تلك المقامات, ولا أريد أن تكتب الصحف بلغة الجاحظ وأمثاله من كُتَّابِنَا القدماء, فقد انقضى عصر أولئك الكُتَّابِ وأصبح مذهبهم في الكِتَابة لا يلائم العصر الذي نعيش فيه, ولا يلائم الصحف بنوع خاصٍّ، وإنما أريد أن تُكْتَبَ الصحف بلغة هذا العصر الحديث"٤. وعلى ذلك فإن فن المقال في أدب طه حسين يأتلف من عناصر الأصالة والتجديد جميعًا، ويؤلِّفُ بينها وبين طبيعة العصر الحديث ووسيلة الاتصال الصحفي بالجماهير، وأغراضه ومراميه ومستويات جماهيره، ومنازعه السياسية والاجتماعية والفلسفية والاقتصادية والعلمية والأدبية بمدلولها الحصري، حتى لا يتبقى باب من أبواب الإعلام والمعرفة والإنسانية إلّا وطرقه هذا المقال الصحفي,

стр. 132

وما يعنيه من التوصُّل إلى أوسع جمهور وبلوغ الاقتناع. وهو لذلك يحتفظ بأصوله التقليدية ولا يستعصي على التطور، مدركًا لقوانين التجديد، وتوطين فنون التعبير الحديثة وتطويرها عند العرب كما يفعل أصحابها من الغربيين١. فالرؤيا الفنية في مقاله طه حسين تشمل إحياء فنون مقالية في التراث القديم، مثل: الرسائل المقالية، وفن الهجاء الذي أتقنه الجاحظ وقصر فيه من جاء بعده من الكُتَّاب, فقد أصبح هذا الهجاء السياسي٢ من أهم فنون المقال الصحفي -عند طه حسين, ونعني فن المقال النزالي. كما تشمل عناصر التحول والانتقال، كما يسميها "كونت"٣، والتي تقتضي استحداث فنون تلائم العصر الحديث٤، في الشكل والموضوع٥ والتنوع والعمق٦, كما تلائم وسيلة الاتصال الصحفي التي تَصِلُ الكاتب بكل قارئ أو "قل: بكل إنسان, وليس بد للصحفي من أن يكتب لهؤلاء جميعًا"٧. وتأسيسًا على هذا الفهم للرؤيا الفنية عند طه حسين، فإن فنون المقال في هذه الرؤيا، في حركة دائبة بها تتغير قليلًا في اعتبارتها الفنية، من طور إلى طور، في ظل الاستراتيجية القومية لديه، والاعتبارات الاجتماعية المرتبطة حتمًا بالأصول الفنية التي تقوم مقام الحجة والإقناع في المنطق، وتتحكم في وسائل التصوير والصياغة الجزئية في نطاق فن المقال. على أن هذه الرؤيا الفنية، لا تفصل بين أجناس المقال الرئيسية الثلاثة: المقال الأدبي، والمقال العلمي، والمقال الصحفي، وإنما توظِّفُها جميعًا لأداء وظائف الفن الصحفي، وتقرِّبُ بين مستوياتها اللغوية لتحقيق التكامل الاجتماعي، كما تَقَدَّمَ، والتعبير عن أمور اجتماعية وأفكار عملية من خلال أدوات وظيفية اجتماعية وفرية تتقدَّم على أية ناحية أخرى؛ كالمتعة الفنية على سبيل المثال. وفي ضوء هذا الفهم، تتنوع فنون المقال في صحافة طه حسين تنوعًا يرتبط برؤياه الفنية، وتوسله بالاتصال الصحفي بجماهير القراء، وهي الوسيلة التي بنت له "مجدًا وجعلته من قادة الرأي"٨، الأمر الذي يذهب بفنونه المقالية إلى التنوع لتعرض "للأدب والنقد ولفنون الحياة على اختلافها"٩، وهو التنوع الذي لا يقصد به إلى "فرد من الناس، ولا إلى جماعة محدودة منهم، وإنما ينشئه لبيئته التي يعيش فيها, ولهذه البيئة كلها"١٠، وهو واثق

стр. 133

بأن فنه سيفهم ويذاق١؛ لأنه يلائم ما كان" يملأ الدنيا حوله من الأحداث، وما كانت تدفع الدنيا إليه من تطور"٢, ويلائم كذلك ضرورات "عصر السرعة"٣ الذي يعدل وقتنا فيه "الأضعاف المضاعفة من وقت القدماء"٤، وتزدحم فيه حاجتنا الكثيرة "وتختصم، وتتدافع ويصدم بعضها بعضًا، ويناقش بعضها بعضًا في كثير من الأحيان"٥. وتوشك "ألا تترك لنا شيئًا من الوقت لنستأني بالتفكير أو سَمِّه شيئًا من الجهد لنتأنق في التعبير"٦ كما يلائم في مقاله بين تحريره وضرورات الصحف التي "تقتضيها السرعة والدقة والنظام؛ فالكاتب رهن بكل هذه الضرورات"٧. ويذهب طه حسين إلى أن فن المقال الصحفي ليس "بالكلام السوقة الذي لا قيمة له, ولا هو بالأدب الرفيع الذي يكلِّفُ صاحبه الكَدَّ والجدَّ والعناء، وإنما هو فنٌّ وسط يحتلُّ منزلة بين المنزلتين، في أكثره من الأدب روح وفيه مع ذلك من اليسر والسهولة واللين والمؤاتاة ما يلائم السرعة والانتظام"٨. ذلك أن "الحاجة والصحيفة والمطبعة اقتضت أن يكتب ويقدِّم وينشر في أوقات معينة, وفي موضوعات لعلها لم تكن تخطر للكاتب على بال، ولعل كثيرًا منها أن يكون قد فجأ الكاتب على غير توقُّعٍ له، ولعل بعضها أن تفرض الكتابة فيه على الكاتب فرضًا"٩. ولكن أساليب التحرير في المقال الصحفي تهتم مع ذلك بالمضمون اهتمامًا وظيفيًّا، فهي ترمي إلى إيضاحه في يسر وجلاء, تعبر عَمَّا تريد في وضوح وبساطة وقوة". وعلى ذلك فإن التمييز بين الأجناس المقالية لم يعد مجديًا أمام ضرورة وسيلة الاتصال الصحفي بالجماهير، ذلك أن الأدب نفسه قد اتسع ميدانه، وتنوعت مستويات الإبداع فيه، فكان منه أدب مسرح وأدب صحافة، وأدب إذاعة وسينما، ثم كان لكلٍّ من هذه الأنواع بلاغتها، وطرائق كتابتها، وموازين نقدها المتجددة. وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن الرؤيا الفنية في مقال طه حسين، ترتبط بنوع الوسيلة التي تحمل المقال إلى الجمهور، ثم بطبيعة مادته وصياغته؛ بحيث يمكن القول: إن هذه الرؤيا الفنية قد أحدثت تقاربًا فعليًّا بين الأجناس المقالية، وكادت تجعل منها جنسًا واحدًا يتنوع فنونه، التي تغدو جميعًا مقالات صحفية لما تمتاز به من عناصر "الحالية والحيوية والاستجابة لاهتمامات الجمهور، والصياغة القريبة إليهم.

стр. 134

أساليب التحرير في مقال طه حسين مدخل ... أساليب التحرير في مقاله طه حسين: وتأسيسًا على ما تَقَدَّمَ، فإننا نناقش في هذا الجزء أساليب التحرير في مقال طه حسين، ونقتصر هنا على ثلاثة أساليب تحريرية، نتبين منها، "توظيف" الأساليب الأدبية لأداء وظائف المقال الصحفي, وهي: المقال القصصي، والمقال الوصفي, والمقال الرمزي. ثم نواصل في الفصول التعرُّف على فن العمود الصحفي، وفن اليوميات الصحفية، وفي الباب الأخير نتعرَّفُ على فن المقال الصحفي الرئيسي، والمقال الكاريكاتيري، والمقال النزالي، ثم المقال التحليلي.

стр. 135

١- المقال القصصي: يبين مما تَقَدَّمَ أن فنون المقال في صحافة طه حسين تسعى إلى تقديم المادة العلمية والفنية والاجتماعية والسياسية في قوالب مبسطة، تُيَسِّرُ الاتصال بجماهير القراء، وتؤدي الوظائف الاجتماعية للصحيفة الدورية، في تكامل مع المواد الأخرى التي تحيط القارئ علمًا بالأحداث, أو تفسر وتعلل ما يجري من هذه الأحداث، أو تنور عقله بمعلومات وحقائق. والمقال القصصي في ضوء هذه الرؤيا الصحفية يخرج من دائرة الأدب، حين يوظَّفُ لأداء متطلبات الفن الصحفي من تنويع في المواد شكلًا ومضمونًا، في إطارٍ من الحاليّة والحيوية والاستجابة لاهتمامات القراء، وفي شكل مقاليٍّ أكثر مرونة من شكل المقامة؛ لأنه "يجعل الآثار الأدبية التي تقف في مكان ما بين القصة القصيرة والمقال كثيرة جدًّا"١. على أن دراسة المقال القصصي عند طه حسين تقتضي أن نقف عند عدد من النماذج التي يستخدم فيها هذا القالب استخدامًا وظيفيًّا صحفيًّا، يقف من خلاله عن عمد في منطقة متوسطة بين شكل المقال وشكل القصة القصيرة, ومن هذه النماذج مقالات: "المعذَّبُون في الأرض" التي نُشِرَتْ في مجلة "الكاتب المصري"، كما تَقَدَّمَ٢، والتي يعمد فيها إلى التوسُّل بالقالب القصصي في المقال، فيدخل فقرات يقصد إليها قصدًا، من الحديث المباشر بين الكاتب والقارئ؛ لأن غرض الكاتب من استخدام هذا القالب كان ماثلًا أمامه دائمًا وهو يكتب، وألحق بها مقالات صريحة لتأكيد هذا الغرض. الأمر الذي يجعله حريصًا على ألَّا يبدو لقرائه كاتب قصة قصيرة, بل إن هذه المقالات تحتوي على نقدٍ غير هيِّنِ الخطر لكُتَّاب القصة القصيرة، وأبى أن يسمي أي فصل من فصول "المعذبون في الأرض" -قصة, وكان يسمي الفصل "حديثًا", وربما سماه "مقالًا"، ولم يكتف بذلك حتى أعلن أنه لا يكتب قصة, وهزأ بما يعد "أصولًا" في كتابة القصة٣, يقول٤ ".. ولكني لا أحاول أن أضع

стр. 136

قصة فأضخعها لما ينبغي أن تخضع له القصة من أصول الفن كما رسمها كبار النقاد، فقد يجب لتستقيم القصة أن يحدَّد الزمان والمكان, وتستبين شخصية الناس الذين تحدَّث لهم الحوادث, أو الذين يحدثون هذه الحوادث، الذين تعرض لهم الخطوب, أو الذين يبتكرون هذه الخطوب"١. ومن ذلك يبين إيثار طه حسين لقالب المقال القصصي، وتنكُّب القصة القصيرة، التي تخلت عن التعبير عن حالة القلق التي تطبع حياة مجموعة كبيرة من الناس في أواخر الثلاثينيات٢، وتحدِث نوعًا من التوتر بينهم وبين المجتمع، لتصبح القصة تعبيرًا عن أحلام مبهمة بحياةٍ يمكن أن تشبع نوازع الفرد المشغول بنفسه دائمًا٣، وكان لا بُدَّ من أداء وظائفه ككاتب صحفي يتمتع بالجرأة والثقة والهيبة التي لم تعف كتابه من المصادرة، وأن يسقط الحواجز الشكلية, وينفتح سبيل جديد واسع وممتد للتعبير عن "الشعب المغمور", وقد أصبحت كلمة الشعب هنا تعني الشعب كله فعلًا، فأي ثراء وأي حياة وأي خطر لهذا الفن الذي أوشك أن يتحوَّل إلى تسلية محضة٤. ومن أجل ذلك يصرِّح طه حسين بأنه لا يضع قصة فيخضعها لأصول الفن, يقول: "ولو كنت أضع قصة لما التزمت إخضاعها لهذه الأصول، لأني لا أومن بها ولا أذعن لها, ولا أعترف بأن للنقاد مهما يكونوا أن يرسموا لي القواعد والقوانين مهما تكن، ولا أقبل من القارئ مهما ترتفع منزلته أن يدخل بيني وبين ما أحب أن أسوق من الحديث، وإنما هو كلام يخطر لي فأمليه ثم أذيعه، فمن شاء أن يقرأه فليقرأه، ومن ضاق بقراءته فلينصرف عنه، ومن شاء أن يرضى عنه بعد فليرض مشكورًا، ومن شاء أن يسخط عليه بعد القراءة فليسخط مشكورًا أيضًا, والمهم هو أن يخطر لي الكلام وأن أمليه وأن أذيعه, وأن يجد القارئ ما يُشْعِرُه بأن له إرادةً حرة تستطيع أن تغريه بالقراءة وأن تصده عنها"٥. على أن هذا القالب القصصي في مقال طه حسين، ينبع من عناصر الأصالة والتجديد في رؤياه الفنية كذلك، لتمثُّله الآداب الشعبية في البيئة المصرية، إذ وسمت مقاله بميسمها، رغم اتجاهه إلى دراسة النصوص الفصيحة وحدها، فلم تكن إشارات عارضة إلى الآداب الشعبية، ولا على سبيل الاستشهاد، ولكنها كانت بمثابة توجيه النظر إلى الموازنة بينها وبين الأشكال الأدبية

стр. 137

الرسمية١. وكان طبيعيًّا أن يُكْبِرَ من شأن القالب القصصي الجديد باعتباره شكلًا ممتازًا من أشكال التعبير٢، يتوسَّلُ به في مقاله الصحفي، يتوسط بين "آداب الخاصة والآداب الشعبية"٣ ويؤدي المضمون الاجتماعي في صورة غير تقريرية، ولعلَّ في ذلك ما حدا بالدكتور عيَّاد٤ إلى مقارنة "المعذَّبون في الأرض" من حيث تصوير حياة الواقع الاجتماعي المصري, والطبقة الدنيا فيه خاصة "بصور صياد" لتورجنيف الذي توسّل بقالب "الصورة"٥؛ إذ لم يكن من المستطاع بالنسبة لحساسية الكاتب ولا لحساسية قرائه ولا لحساسية السلطات أن يعدو بشخصيات أولئك البؤساء طور "الملاحظة" إلى طور "الانطباع", أو إلى طور "الاندماج"، وكذلك كان على طه حسين أن يتجنَّب قالب القصة القصيرة ليجعل أبطاله ومشكلات أولئك الأبطال أشدّ اقتناعًا، من خلال قالب مقالي يتوسَّل به إلى "النمذجة" الصحفية التي تقوم مقام التجربة الفردية أو الجماعية، فيصبح النمط نموذجًا لشخص أو فكرة٦، وليضع أمام المصريين جميعًا "أشياء من أولئك المعذَّبين في الأرض" توجد في كل فرد منهم، ووجد في "القصة الأدبية" قشرة صلبة صنعناها حول أنفسنا، تمنعنا من أن نجد أنفسنا فيهم، فكان عليه أن يحطِّمَ هذه القشرة بأسلوبه الساخر الملفوف -لنعلم كمصريين- أن فينا من نماذج "صالح" و"أم تمام" ومن نماذج المعذَّبين في هذه الأرض٧. وعلى ذلك، فإن المقال القصصي عند طه حسين قالب وظيفي يقوم على أداء وظائف المقال الصحفي متوسِّلًا بأدوات فنية نستخلص سماتها فيما يلي: أ- النمذجة الصحفية في القالب القصصي: وتقوم هذه النمذجة الصحفية على أساس انتزاع بعض الصفات وتحريرها من سياقها العام، ثم إبرازها وإلقاء الضوء عليها، مع إعطاء مغزى لها يميِّزُها وييسر فهمها. ومن الطبيعي أن تقوم هذه العملية على أساس التضحية بالتفاصيل، وعدم الاحتفاظ بالنسب الحقيقية في الشخصية الأصلية، من أجل خلق النموذج المبسَّط الذي يفهمه الناس٨، ولعل في هذه الرؤيا الصحفية تفسيرًا لقول طه حسين: "والواقع أني حين أخذت في إملاء هذا الحديث لم أكن أعرف لهذا الصبي الثاني اسمًا, ومازلت أجهل اسمه إلى الآن, فلم يكن

стр. 138

شخص هذا الصبي ولم يكن شخص صالح يعنيني، وإنما كانت الأحداث التي حدثت للصبيين هي التي تعنيني. وأكبر الظن أن صالحًا هذا لم يوجد قط؛ لأنه يملأ المملكة المصرية من شرقها إلى غربها, ومن شمالها إلى جنوبها، يُوجَد في القرى, ويُوجَد في المدن, ويوجَدُ في كل مكان، يملأ مصر نعمة وخيرًا، وهو مع ذلك يشعر الناس بأن مصر هي بلد البؤس والشقاء"١. فالتضحية بالتفاصيل، وعدم الاحتفاظ بالنسب الحقيقية في الشخصية الأصلية أمران مقصودان من أجل خلق النموذج المبسَّط في المقال القصصي عند طه حسين، وهذا النموذج يبين أكثر تبسيطًا حين يقابله طه حسين بنموذج مقارن يكشف عن أبعاده الواقعية.. "لم يوجد صالح قط لأنه يملأ المملكة المصرية، وإذا أسرف الشيء في الوجود فهو غير موجود، سواء رضيت الفلسفة عن هذا الكلام أم لم ترض. أما "أمين" فموجود من غير شك؛ لأننا نراه ولا نكاد نرى غيره؛ لأنه عظيم الخطر، فهو هذا الصبي الذي لا ينام جائعًا إذا أقبل الليل، ولا يغدو طاويًا على المدرسة أو على الكُتَّاب، ولا يطول انتظاره للغذاء إذا آن وقت الغذاء٢، وهذا "الصبي أو هذا الفتى الذي اتفقنا على أن اسمه أمين، موجود من غير شك؛ لأنه لا يملأ القرى ولا يملأ المدن، وإنما هو شخص ممتاز يمكن أن يحصى أمثاله وأترابه إحصاءً دقيقًا في كل قرية وفي كل مدينة، وهو من أجل ذلك موجود؛ لأن عدده محدوده، ولأننا نستطيع إحصاءه واستقاءه والدلالة عليه"٣. ويكشف طه حسين عن غرضه من النمذجة في مقاله، لتقوم مقام التجربة الفردية أو الجماية حين يوضح منهج المقال القصصي: "وهنا يرتفع رأس القارئ وقد ظهرت على وجهه ابتسامة ساخرة, وبرقت عيناه بريق الانتصار والفوز وهو يسألني في صوت فاتر ساحر: لقد أردت أن تتجنب الإطالة بالإجابة على أسئلتنا، فهل أنت الآن في الإطالة بهذا الكلام الكثير الذي لا يغني ولا يفيد! معذرة يا سيدي القارئ الكريم! بل إن هذا الكلام الكثير يغني كل الغناء ويفيد كل الفائدة؛ فأنت تلقى في كل يوم ألف صالح وصالح دون أن تحسَّ لواحد منهم خطرًا أو تعرف له وجودًا"١، إلى أن يقول: "فأيهما خير: أن ألفتك إلى صالح هذا البائس المسكين الذي ملأ مصر نعمة وخيرًا وملأت مصر حياته شقاء وبؤسًا، أم أن أحدثك عن أمين وموطنه وبيئته وأسرته لتستقيم القصة وتستوي رائعة بارعة ملائمة لأصول الفن التي رسمها النقاد؟ "٥.

стр. 139

ومن ذلك يبين أن النماذج البشرية تُقَدَّمُ في بضع خطوط أو لمسات شديدة الاختزال، تضحى بالتفاصيل الفنية؛ لأن العقلية البشرية تركن إلى الاستعانة بالرموز والأنماط والنماذج، فهي لا تتخذ سبيل التحليل الموضوعي والدراسة العلمية للوصول إلى الحقائق، ولذلك يصرِّح طه حسين بأنه يتوسَّل في هذه النمذجة بالتحدث إلى "قلب القارئ وما يضطرب فيه من عاطفة, وما يشيع فيه من شعور، على أن يتحدث إلى عقله وذوقه وما يثيران في نفسه من تهالكٍ على النقد وحبٍّ للاستطلاع"١، يقول: "أوثر أن أتحدث إلى قلبك وأن ألفتك إلى صالح هذا الذي وجد وأسرف في الوجود، حتى اعتقدنا أو كدنا نعتقد أنه غير موجود, ومن يدري لعلي حينما لفتُّك إلى صالحٍ إنما ألفتك إلى نفسك"٢ ذلك أن "في حياة كل واحد منا نحن كثرة المصريين شيئًا من صالح، فصالح صورة البؤس والشقاء والحرمان, وما أقلَّ المصريين الذين لا يصورون بؤساء ولا شقاء ولا حرمانًا! وليس البؤس مقصورًا على الصفة التي تأتي من الفقر وما يستتبعه الفقر من الجوع الذي يمزِّقُ البطون, والإعدام الذي يمزِّقُ الثياب ويظهر من ثناياها الصدور والظهور والأكتاف، ولكن البؤس قد يتَّصِل بأشياء أخرى ليست جوعًا ولا إعدامًا ولكنها قد تكون شرًّا من الجوع والإعدام؛ لأنها تتصل بالنفوس والقلوب"٣. وهكذا يتوسَّل طه حسين بالنمذجة الصحفية في تجسيد التجربة الفردية أو الجماعية تجسيدًا مقصودًا لأداء الوظائف الاجتماعية من خلال المقال القصصي. ب- المواقف الصحفية في المقال القصصي: على أن هذه النمذجة الصحفية، رغم تحريرها من السياق العام, فإنها تقوم على موقف صحفي من خلال الشكل القصصي للمقال، يصوِّر المشاكل المعاصرة المعاشة، والحياة اليومية المتجددة، ليربط بين النماذج التي ترزح تحت عبئه، وتتصارع فيه معًا. على أن الموقف لا يمكن أن ينفرد عن سواه، بل يتضامن مع القوى التي يتفاعل معها ويتحدَّد بها جهده على نحو ما يشعر هو بها، وكما يكتشف من ثنايها ذات نفسه، ويسير بها في حركة دائبة نحو المصير الفاصل بالنسبة له وبالنسبة للآخرين المشتركين معه في عالمه١. فالموقف في المقال القصصي أداة وظيفية لتحقيق النمذجة الصحفية؛ لأنه حدث

стр. 140

اجتماعي يجري في الواقع الحياتي اليومي لأناس يعيشون في المجتمع الإنساني الذي يستمد المقال منه مادته، ويتفاعل مع أحداثه، وهذا التفاعل هو الذي يرسم البنية العامة للمقال في حركته الدائبة المتشابكة نحو الالتصاق بالمجتمع، وإذا كان "الموقف" من الاصطلاحات الفلسفية في العصر الحديث١, فإنه من أَمَسِّ الاصطلاحات بطبيعة الفن الصحفي من حيث هو "علاقة الكائن الحي ببئيته وبالآخرين في وقت ومكان محدودين، وهو كشف الإنسان عما يحيط به من أشياء ومخلوقات بوصفها وسائل أو عوائق في سبيل حريته"٢. ذلك أن المواقف الصحفية ترتبط رؤيا الجديدة للعالم التي تنطبق مع رؤيا الشخص العادي٣، وهي لذلك لا تتوجَّه بالدرجة الأولى إلى المنطق الخاص, وإنما تتوجه إلى المشاعر والوجدان إلى جانب توجهها إلى المنطق٤، على النحو الذي يبين من فصول "المعذَّبون في الأرض"، حيث يتحدد الموقف حق التحديد على أساس القوى الوظيفية لكل شخص من سلوك "صالح" في طرف, وسلوك "أمين" في الطرف المقابل، تجاه الموقف العام موقف الشقاء والبؤس، ذلك أن هذا الموقف الخاص لا ينفصل عن الموقف العام في مصر وقت كتابة هذه المقالات القصصية؛ المتمثل في انتظار المصريين "للعدل الذي سيخلصهم" ليخلص مجتمعهم من "خليطه ذاك البغيض، ولكن العدل يبطئ عليهم فيغلو في الإبطاء"٥. ذلك هو الموقف العام في مصر وقت كتابة هذه المقالات ونشرها يتحدد من قيام نوع محدد من الصلات بين مجموعة من الناس حول أمر تختلف نظراتهم إليه، كما يصور هذه الصلات بين النموذجين، نموذج الكثرة البائسة، ونموذج القلة المترفة، ليبصر "المصريين بحقائق أمورهم، ويعظ منهم الطغاة والبغاة ويعزي منهم البائسين"٦ فيتولد عن هذا الاختلاف بين النموذجين شوق إلى العدل، ينتهي من وجهة نظر طه حسين إلى نتيجة ذات مغزى, حتى لا يسفر الصراع عن تعرض مصر "للأخطار العنيفة قبل إبانها، وعلى أن يسلك هذا الوطن البائس طريقه إلى التطور في أناة ورفق وهدوء، لا تعصف به العواصف ولا يجري عليه ما جرى على بعض الأمم من هذه الثورات التي لا تُبْقِي على شيء"٧. ولذلك يستدعي "قوة إنسانية" تتجه بجهدها نحو غاية خاصة من خلال هذا الموقف العام، ونعني بهذه الغاية تحقيق العدل الاجتماعي وفقًا لمثاله المنشود، في مواجهة الخطر القائم "في نظامنا الاجتماعي كله"٨.

стр. 141

ومن ذلك يبين أن الموقف الصحفي في المقال القصصي يتَّفِق والمعنى الفلسفي الحديث للموقف الإنساني١ بعامة، ولكنه يمتاز بالقصد إليه لأسباب خارجية، أهمها أداء وظائف النمذجة الصحفية في التبسيط للجماهير من خلال اللغة في مستواها العملي بواقعيته وعموميته. جـ- وظيفية الشكل القصصي في المقال: ونخلص مما تَقَدَّمَ، إلى أن التوسُّلَ بالشكل القصصي في مقال طه حسين ليس مقصودًا لذاته، وإنما يتوسّلُ به توسُّلًا وظيفيًّا في أداء وظائف المقال الصحفي، ولذلك يستقي مواقفه ونماذجه من الواقع الملموس, ولعلنا لا نغلو إذا ذهبنا مع الدكتور عياد٢ إلى أن فصول "المعذَّبون في الأرض" التي نفى كاتبها بشدة أن تكون مجموعة قصص قصيرة، قد حوَّلَت اتجاه القصة المصرية في تصوير الجوانب المظلمة من المجتمع المصري قبل الثورة، فاندفع في هذا الباب جيلٌ كاملٌ من كُتَّاب القصة القصيرة٣. ومهما يكن من شيء، فقد قامت هذه الفصول بأداء وظائف المقال الصحفي في فترة من فترات الواقع المصري عزَّ فيها التعبير المباشر في الشكل المقالي المعروف. على أن هذا الشكل القصصي، لم يخل من سمات مقالية صريحة كما تبيَّن فيما تَقَدَّمَ، فهو يستخدم المقدمات الصحفية في كل فصل من الفصول، ويصرِّحُ بأنه لا يبغض شيئًا "كما يبغض إلقاء الدروس في الوعظ والإرشاد وتنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين وتحذير الذين لا يغني فيهم التحذير ولا النذير، ولكنه مع ذلك مضطر إلى هذا أشد الاضطرار, يراه واجبًا تفرضه الوطنية الصادقة"٤. وقد يتوسَّل بسمات قصصية في أداء هذه الوظائف في مقدِّمات المقال فيلقي إلى القرَّاء جملة لا يذكر فيها الفاعل ولا المبتدأ إلّا متأخرًا ليثير في نفوسهم هذه الغرابة التي تدعو إلى الاستطلاع، كما في مقال "صفاء"٥ حين يذكر بعد تلك الجملة اسم حنينة وابنها نصيف؛ لتزداد حاجة القرّاء إلى هذا الاستطلاع٦. ومن ذلك يبين أن القدرة القصصية في أدب طه حسين، والتي يشير إليها المازني حين يقول أنه "قصصي بارع وأديب روائي من الطبقة الرفيعة"٧، يتوسَّل بها طه حسين في مقاله توسُّلًا وظيفيًّا في معالجة القضايا والأفكار الرئيسية في

стр. 142

المقال، ولا يتوسَّل بها إلى "الترفيه على القراء"١ ذلك أننا -كما يقول: "لسنا في وقت ترفيه ولا أطراف ولا ترويح"٢، وهو يستجيب في مقالاته جميعًا إلى هذه الوظيفية الهادفة، من خلال حوار متبادل مع قرائه، ينقل المواقف والآراء والعواطف والنماذج التي تُولَد من مجرى الحياة والواقع الملموس، كما يبين من إهداء فصوله إلى "الذين يحترقون شوقًا للعدل، وأولئك الذين لا ينامون خوفًا من العدل".

стр. 143

٢- المقال الوصفي والتقرير الصحفي: نقرن بين المقال الوصفي والتقرير الصحفي عند طه حسين عن عمد؛ لأنه يُقَرِّبُ المسافة بين الأدب والصحافة، حيث يغدو هذا الفن المقالي متميزًا بالإيجاز في التعبير, والواقعية في التصوير، والحديث عن شخص بعينه، أو مكان بعينه, أو ظاهرة بعينها، على غير ما نجد في الوصف الأدبي الذي يقوم على نقل أحاسيس الكاتب وصورة الواقع كما تنعكس على مرآة نفسه، ومن ذلك ما نجد في مقالات أحمد أمين في "وحي البحر" و"بجوار شجرة ورد" و"مع الطير"١، وكما نجد عند ميخائيل نعيمة في "الصخور"٢, وعند الرافعي في "الربيع"٣, ذلك أن المقال الوصفي عند طه حسين يقرب أن يكون تقريرًا صحفيًّا لارتباطه بأغراض الصحافة ومراميها ومستويات جماهيرها، وهو لذلك يعتمد على الدقة التامة في وصف الواقع الملموس، وعلى إيراد الشواهد التي يشتقها من الحوادث التي يدركها، وعلى ربط هذه الشواهد كلها بحياة الأفراد في المجتمع. وقد تعرَّفْنَا على مظاهر من ذلك في أسلوب طه حسين ونمذجته الصحفية، التي تتيح له في المقال الوصفي خاصة أنه يتوسَّل بالكلمات والجمل في نمذجة المشاهد والحوادث والمعاني والآراء السياسية والذهنية على السواء، من خلال إحساسه الفني وليس بالخيال كما يذهب الوصف الأدبي، ذلك أن السليقة الفنية تتيح له أن ينمذج الواقع في نماذج حسية مجسمة، من خلال التشكيل العملي للرموز اللغوية، تشكيلًا تطبيقيًّا وظيفيًّا. ومن ذلك التوسُّل بالمقال الوصفي في "التنوير" على النحو المتقدِّم في مقالات "من بعيد" التي نُشِرَت في "السياسة" قبل أن تجمع في كتاب، ومقالات "رحلة الربيع والصيف" قبل أن تجمع في كتابين أيضًا, وغيرها من المقالات التي تصوّر الغرض التنويري الواضح بعالم جديد، وتنمية التقمُّص الوجداني والتفتح السمح في نفض غبار التخلُّف، وتيسير السبل أمام التجديد والمعايير العصرية، ولذلك يستعين بسليقته الفنية في الوصف الصحفي، ويجمع

стр. 144

الملاحظات ويقارن بينها, ويحاول أن ينقل المعاني الحقيقية التي تكمن وراء المحسوسات، ويتعزّى "بجمال الأدب والفن والموسيقى عن قبح السياسة والمنافع وغدر الغادرين ومكر الماكرين وخيانة الخائنين"١ ويسخر من موقف الاتجاه الفكري المحافظ من "الشعر الجاهلي" في سخطٍ هادئ, ونقمة رزينة تكمن وراء التنوير بالمعايير العصرية التي يستمدُّها من أسفاره عبر البحر٢, وعبر الزمان أيضًا، فمقاله في زيارة "أثينا" يصف اختصار الزمان ليخلص للقيم الإيجابية في الماضي أو "لقطعة منه، ويمضي في المستقبل إلى غير غاية أو هدى، ويقف في الحاضر لا يعدوه إلى أمام ولا إلى وراء، ويجمع إن شاء بين هذا كله فيفرق نصه تفريقًا٣، ولكنه مع ذلك يصور "نشأة العقل ونمو الفن وحياة الشعور ويقظة الضمير، ويرى طريق الحضارة والرقي ترسم للأجيال وتقام فيها الأعلام تدفع إليها الإنسانية دفعًا"٤. وطه حسين لا يستخدم السليقة الفنية في هذا التصوير بهدف الفرار من الواقع, ولكنه يستخدمها في تصوير النموذج السياسي والاجتماعي المنشود، فهو يذكر في مقاله عن اليونان كيف "نظمت القوانين ما يكون من الصلات بين الحاكمين والمحكومين، وردَّت القوانين إلى الشعب أمور الشعب، وجعلت القوانين حكام الشعب خدمًا للشعب٥".. إلخ. فهو يتمثل النموذج الذي يتغياه لمجتمعه، حين يستدعي سقراط ومحاوريه وأفلاطون ومناظريه وأرسطاطاليس وتلاميذه"٦ ويبرأ إليهم "جميعًا من الشر والنكر والإثم"٧ ويشهدهم جميعًا على أنه قد وفَّى "لمثلهم العليا"٨. ويختم هذا المقال بعودته إلى الواقع حين تدعوه زوجته قائلة: "فعد إلى القرن العشرين بعد المسيح، وأهبط معنا إلى حيث يعيش الناس في المدينة الحية، فقد يخيِّل إلي أنك أنسيت قهوة الضحى"٩. وبهذا القول يتحدد الانتقال بالمقال الوصفي من ذاتية الأدب إلى موضوعية الفن الصحفي، حيث يذهب في مقالاته التالية إلى الاعتماد على وصف الواقع الملموس، وإيراد الشواهد المشتقة من هذا الواقع، يقول أولًا، في تحقيق ما سمع عن البلد الذي يصفه بما رأى كشاهد عيان، "فما أكثر ما قرأوا, وما أكثر ما سمعوا عن حياة اليونان في بلادهم! قوم يقولون أنها بلغت من البؤس أقصاه، وقوم يقولون إنها بلغت من النعيم أقصاه، وقوم يقولون إن اليونان كغيرهم من الناس قد

стр. 145

لعبت بهم تلك الآلهة العمياء التي تسمى المصادفة، فأعطت بغير حساب وحرمت بغير حساب"١. ثم يطابق هذه الصورة بما عاين بنفسه: "وقد بلغنا قهوة من قهوات "آثينا" فنقبل عليها مكدودين، ويتلقانا خادمها باسم الثغر مشرق الوجه يعرض علينا ما عنده في يونانية فصيحة، فإذا لم نفهم عنه عرض علينا ما عنده في فرنسية متعثرة، وإذا هو يعرض علينا غير ما تعرض القهوات على الناس في بلاد الترف والرخاء, وما نكاد نجلس إلى قهوتنا ونقبل على قليل من طعام حتى ننظر فإذا المعوزون والمعدمون يساقطون علينا من كل وجه ويأخذوننا من كل نحو، كلهم جائع يريد أن يُطْعَم، وكلهم محروم يريد أن يُعْطَى، وكلهم قد ظهر في وجهه البؤس وألحَّ عليه الضرر"٢. ومن هنا يقترب المقال الوصفي من التقرير الصحفي، ويستخدم الوصف الصحفي استخدام فنان مصور لما يدركه بالوصف الحسي، الذي يمزجه في أحيان كثيرة ببعض خواطره التي تختفي في ثياب العرض الاستقصائي الذي اتسم به أسلوب طه حسين، وقد أتاحت له هذه الميزة أن يلتقط بعض الصور الطريفة التي تختفي في ثياب العرض الاستقائي الذي اتسم به أسلوب طه حسين، وقد أتاحت له هذه الميزة أن يلتقط بعض الصور الطريفة التي يغذي بها مقاله، واتسم عرضه بالطرافة. ومن ذلك، ما يشير إلى مغزى هذه الصور الطريفة كذلك: "وقد فاجأتنا في هذه المدينة, بل فاجأتنا قبل أن نهبط من السفينة ظاهرةٌ كنا نسمع عنها ولا نحققها، فالدرهم اليوناني قد أصبح وهمًا من الأوهام، ولا يكاد عقل يحقق منه صورة واضحة, ويكفي أن تعلم أن المليم المصري يعدل ثمانية وعشرين درهمًا يونانيًّا، وأن القرش المصري يعدل ثمانين ومائتي درهم يوناني، وأن الجنيه المصري يعدل ثمانية وعشرين ألف درهم يوناني، وإننا لم نقم عن قوتنا حتى طلب إلينا الخادم سبعة عشر ألف درهم ولم ننزل من سيارتنا حتى طلب إلينا السائق سبعين ألف درهم، واشترينا صحيفة ضئيلة نحيلة تصدر بالفرنسية فدفعنا ثمنها خمسمائة درهم، وعدنا إلى أماكننا من السفينة وقد أنفقنا في صباحنا بين هذه الألوف المؤلفة أقل من ثلاثة جنيهات"٣.
следующие страницы →