← Адаб

Адаб · id 10003

فن المقال الصحفي في أدب طه حسين

عبد العزيز شرف

Полный текст (424 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن ذلك يبين أن الموقف الصحفي في المقال القصصي يتَّفِق والمعنى الفلسفي الحديث للموقف الإنساني١ بعامة، ولكنه يمتاز بالقصد إليه لأسباب خارجية، أهمها أداء وظائف النمذجة الصحفية في التبسيط للجماهير من خلال اللغة في مستواها العملي بواقعيته وعموميته. جـ- وظيفية الشكل القصصي في المقال: ونخلص مما تَقَدَّمَ، إلى أن التوسُّلَ بالشكل القصصي في مقال طه حسين ليس مقصودًا لذاته، وإنما يتوسّلُ به توسُّلًا وظيفيًّا في أداء وظائف المقال الصحفي، ولذلك يستقي مواقفه ونماذجه من الواقع الملموس, ولعلنا لا نغلو إذا ذهبنا مع الدكتور عياد٢ إلى أن فصول "المعذَّبون في الأرض" التي نفى كاتبها بشدة أن تكون مجموعة قصص قصيرة، قد حوَّلَت اتجاه القصة المصرية في تصوير الجوانب المظلمة من المجتمع المصري قبل الثورة، فاندفع في هذا الباب جيلٌ كاملٌ من كُتَّاب القصة القصيرة٣. ومهما يكن من شيء، فقد قامت هذه الفصول بأداء وظائف المقال الصحفي في فترة من فترات الواقع المصري عزَّ فيها التعبير المباشر في الشكل المقالي المعروف. على أن هذا الشكل القصصي، لم يخل من سمات مقالية صريحة كما تبيَّن فيما تَقَدَّمَ، فهو يستخدم المقدمات الصحفية في كل فصل من الفصول، ويصرِّحُ بأنه لا يبغض شيئًا "كما يبغض إلقاء الدروس في الوعظ والإرشاد وتنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين وتحذير الذين لا يغني فيهم التحذير ولا النذير، ولكنه مع ذلك مضطر إلى هذا أشد الاضطرار, يراه واجبًا تفرضه الوطنية الصادقة"٤. وقد يتوسَّل بسمات قصصية في أداء هذه الوظائف في مقدِّمات المقال فيلقي إلى القرَّاء جملة لا يذكر فيها الفاعل ولا المبتدأ إلّا متأخرًا ليثير في نفوسهم هذه الغرابة التي تدعو إلى الاستطلاع، كما في مقال "صفاء"٥ حين يذكر بعد تلك الجملة اسم حنينة وابنها نصيف؛ لتزداد حاجة القرّاء إلى هذا الاستطلاع٦. ومن ذلك يبين أن القدرة القصصية في أدب طه حسين، والتي يشير إليها المازني حين يقول أنه "قصصي بارع وأديب روائي من الطبقة الرفيعة"٧، يتوسَّل بها طه حسين في مقاله توسُّلًا وظيفيًّا في معالجة القضايا والأفكار الرئيسية في

стр. 142

المقال، ولا يتوسَّل بها إلى "الترفيه على القراء"١ ذلك أننا -كما يقول: "لسنا في وقت ترفيه ولا أطراف ولا ترويح"٢، وهو يستجيب في مقالاته جميعًا إلى هذه الوظيفية الهادفة، من خلال حوار متبادل مع قرائه، ينقل المواقف والآراء والعواطف والنماذج التي تُولَد من مجرى الحياة والواقع الملموس، كما يبين من إهداء فصوله إلى "الذين يحترقون شوقًا للعدل، وأولئك الذين لا ينامون خوفًا من العدل".

стр. 143

٢- المقال الوصفي والتقرير الصحفي: نقرن بين المقال الوصفي والتقرير الصحفي عند طه حسين عن عمد؛ لأنه يُقَرِّبُ المسافة بين الأدب والصحافة، حيث يغدو هذا الفن المقالي متميزًا بالإيجاز في التعبير, والواقعية في التصوير، والحديث عن شخص بعينه، أو مكان بعينه, أو ظاهرة بعينها، على غير ما نجد في الوصف الأدبي الذي يقوم على نقل أحاسيس الكاتب وصورة الواقع كما تنعكس على مرآة نفسه، ومن ذلك ما نجد في مقالات أحمد أمين في "وحي البحر" و"بجوار شجرة ورد" و"مع الطير"١، وكما نجد عند ميخائيل نعيمة في "الصخور"٢, وعند الرافعي في "الربيع"٣, ذلك أن المقال الوصفي عند طه حسين يقرب أن يكون تقريرًا صحفيًّا لارتباطه بأغراض الصحافة ومراميها ومستويات جماهيرها، وهو لذلك يعتمد على الدقة التامة في وصف الواقع الملموس، وعلى إيراد الشواهد التي يشتقها من الحوادث التي يدركها، وعلى ربط هذه الشواهد كلها بحياة الأفراد في المجتمع. وقد تعرَّفْنَا على مظاهر من ذلك في أسلوب طه حسين ونمذجته الصحفية، التي تتيح له في المقال الوصفي خاصة أنه يتوسَّل بالكلمات والجمل في نمذجة المشاهد والحوادث والمعاني والآراء السياسية والذهنية على السواء، من خلال إحساسه الفني وليس بالخيال كما يذهب الوصف الأدبي، ذلك أن السليقة الفنية تتيح له أن ينمذج الواقع في نماذج حسية مجسمة، من خلال التشكيل العملي للرموز اللغوية، تشكيلًا تطبيقيًّا وظيفيًّا. ومن ذلك التوسُّل بالمقال الوصفي في "التنوير" على النحو المتقدِّم في مقالات "من بعيد" التي نُشِرَت في "السياسة" قبل أن تجمع في كتاب، ومقالات "رحلة الربيع والصيف" قبل أن تجمع في كتابين أيضًا, وغيرها من المقالات التي تصوّر الغرض التنويري الواضح بعالم جديد، وتنمية التقمُّص الوجداني والتفتح السمح في نفض غبار التخلُّف، وتيسير السبل أمام التجديد والمعايير العصرية، ولذلك يستعين بسليقته الفنية في الوصف الصحفي، ويجمع

стр. 144

الملاحظات ويقارن بينها, ويحاول أن ينقل المعاني الحقيقية التي تكمن وراء المحسوسات، ويتعزّى "بجمال الأدب والفن والموسيقى عن قبح السياسة والمنافع وغدر الغادرين ومكر الماكرين وخيانة الخائنين"١ ويسخر من موقف الاتجاه الفكري المحافظ من "الشعر الجاهلي" في سخطٍ هادئ, ونقمة رزينة تكمن وراء التنوير بالمعايير العصرية التي يستمدُّها من أسفاره عبر البحر٢, وعبر الزمان أيضًا، فمقاله في زيارة "أثينا" يصف اختصار الزمان ليخلص للقيم الإيجابية في الماضي أو "لقطعة منه، ويمضي في المستقبل إلى غير غاية أو هدى، ويقف في الحاضر لا يعدوه إلى أمام ولا إلى وراء، ويجمع إن شاء بين هذا كله فيفرق نصه تفريقًا٣، ولكنه مع ذلك يصور "نشأة العقل ونمو الفن وحياة الشعور ويقظة الضمير، ويرى طريق الحضارة والرقي ترسم للأجيال وتقام فيها الأعلام تدفع إليها الإنسانية دفعًا"٤. وطه حسين لا يستخدم السليقة الفنية في هذا التصوير بهدف الفرار من الواقع, ولكنه يستخدمها في تصوير النموذج السياسي والاجتماعي المنشود، فهو يذكر في مقاله عن اليونان كيف "نظمت القوانين ما يكون من الصلات بين الحاكمين والمحكومين، وردَّت القوانين إلى الشعب أمور الشعب، وجعلت القوانين حكام الشعب خدمًا للشعب٥".. إلخ. فهو يتمثل النموذج الذي يتغياه لمجتمعه، حين يستدعي سقراط ومحاوريه وأفلاطون ومناظريه وأرسطاطاليس وتلاميذه"٦ ويبرأ إليهم "جميعًا من الشر والنكر والإثم"٧ ويشهدهم جميعًا على أنه قد وفَّى "لمثلهم العليا"٨. ويختم هذا المقال بعودته إلى الواقع حين تدعوه زوجته قائلة: "فعد إلى القرن العشرين بعد المسيح، وأهبط معنا إلى حيث يعيش الناس في المدينة الحية، فقد يخيِّل إلي أنك أنسيت قهوة الضحى"٩. وبهذا القول يتحدد الانتقال بالمقال الوصفي من ذاتية الأدب إلى موضوعية الفن الصحفي، حيث يذهب في مقالاته التالية إلى الاعتماد على وصف الواقع الملموس، وإيراد الشواهد المشتقة من هذا الواقع، يقول أولًا، في تحقيق ما سمع عن البلد الذي يصفه بما رأى كشاهد عيان، "فما أكثر ما قرأوا, وما أكثر ما سمعوا عن حياة اليونان في بلادهم! قوم يقولون أنها بلغت من البؤس أقصاه، وقوم يقولون إنها بلغت من النعيم أقصاه، وقوم يقولون إن اليونان كغيرهم من الناس قد

стр. 145

لعبت بهم تلك الآلهة العمياء التي تسمى المصادفة، فأعطت بغير حساب وحرمت بغير حساب"١. ثم يطابق هذه الصورة بما عاين بنفسه: "وقد بلغنا قهوة من قهوات "آثينا" فنقبل عليها مكدودين، ويتلقانا خادمها باسم الثغر مشرق الوجه يعرض علينا ما عنده في يونانية فصيحة، فإذا لم نفهم عنه عرض علينا ما عنده في فرنسية متعثرة، وإذا هو يعرض علينا غير ما تعرض القهوات على الناس في بلاد الترف والرخاء, وما نكاد نجلس إلى قهوتنا ونقبل على قليل من طعام حتى ننظر فإذا المعوزون والمعدمون يساقطون علينا من كل وجه ويأخذوننا من كل نحو، كلهم جائع يريد أن يُطْعَم، وكلهم محروم يريد أن يُعْطَى، وكلهم قد ظهر في وجهه البؤس وألحَّ عليه الضرر"٢. ومن هنا يقترب المقال الوصفي من التقرير الصحفي، ويستخدم الوصف الصحفي استخدام فنان مصور لما يدركه بالوصف الحسي، الذي يمزجه في أحيان كثيرة ببعض خواطره التي تختفي في ثياب العرض الاستقصائي الذي اتسم به أسلوب طه حسين، وقد أتاحت له هذه الميزة أن يلتقط بعض الصور الطريفة التي تختفي في ثياب العرض الاستقائي الذي اتسم به أسلوب طه حسين، وقد أتاحت له هذه الميزة أن يلتقط بعض الصور الطريفة التي يغذي بها مقاله، واتسم عرضه بالطرافة. ومن ذلك، ما يشير إلى مغزى هذه الصور الطريفة كذلك: "وقد فاجأتنا في هذه المدينة, بل فاجأتنا قبل أن نهبط من السفينة ظاهرةٌ كنا نسمع عنها ولا نحققها، فالدرهم اليوناني قد أصبح وهمًا من الأوهام، ولا يكاد عقل يحقق منه صورة واضحة, ويكفي أن تعلم أن المليم المصري يعدل ثمانية وعشرين درهمًا يونانيًّا، وأن القرش المصري يعدل ثمانين ومائتي درهم يوناني، وأن الجنيه المصري يعدل ثمانية وعشرين ألف درهم يوناني، وإننا لم نقم عن قوتنا حتى طلب إلينا الخادم سبعة عشر ألف درهم ولم ننزل من سيارتنا حتى طلب إلينا السائق سبعين ألف درهم، واشترينا صحيفة ضئيلة نحيلة تصدر بالفرنسية فدفعنا ثمنها خمسمائة درهم، وعدنا إلى أماكننا من السفينة وقد أنفقنا في صباحنا بين هذه الألوف المؤلفة أقل من ثلاثة جنيهات"٣.

стр. 146

وهكذا يوظِّفُ طه حسين أدوات الوصف والتصوير في أسلوبه، لما يتمتع به من حِسٍّ عميق بمواقع الكلمات وجرسها ودلالاتها وإيحاءاتها في الوصف الصحفي، حين يقدِّمُ صورة مدروسة للواقع، كما فعل الجاحظ بالنسبة لعصره. فالمقال الوصفي في صحافة طه حسين يشرح ويفسر ويعلق، ويبين الأسباب النفسية, والعوامل الاجتماعية والخلقية والمادية، وتلك هي وظائف التقرير الصحفي١، والذي يتجاوز الوصف الأدبي إلى الدراسة الواعية الهادفة٢. الأمر الذي يبين بوضوح تامٍّ في رسائل "من باريس" التي نُشِرَت في صحيفة "السياسة" عام ١٩٢٣، حيث يتخذ المقال الوصفي شكلًا من أشكال التقرير الصحفي بمفهومه الحديث، من قيامه أساسًا على البحث عن الوقائع، وما يتبعها من قضايا، إلى جانب الطريقة الفنية في العرض الواقعي؟ فقد سافر طه حسين إلى باريس وبلجيكا ليشهد مؤتمر العلوم التاريخية في أبريل ١٩٢٣، وينتهز هذه الفرصة ليوافي جريدته بتقارير صحفية تتخذ شكل "الرسائل من الخارج" تتضمَّن الوقائع ومقارنة الظروف في وطنه بالظروف في البلاد الأخرى, وهو لذلك "ينقِّبُ عن المعلومات التي يمكن أن تصنع التقارير الصحفية"٣, ثم يُخْضِعُ هذه المعلومات والوقائع للوصف الصحفي، ليدعِّمَ تقريره، ذلك أن "الوقائع دائمًا أقوى من الأوصاف والنعوت البسيطة", ولذلك يستهِلُّ رسالته الأولى "من باريس" والتي تحمل عنوان: "أسبوع بلجيكا - مؤتمر العلوم التاريخية"٤ بقوله: "كنا ألفًا أو نزيد على الألف، كلنا يُعْنَى بالتاريخ أو بعلم أو بفنٍّ من فنون هذه العلوم التي يحتاج إليها التاريخ. وقد اجتمعنا من أطراف الأرض على اختلاف أوطاننا ولغتانا ومناهجنا في الحياة، لا يجمع بيننا إلّا شيء واحد, هو أننا نشتغل بالتاريخ أو بفنٍّ يتصل بالتاريخ"٥. ويحدد الهدف الذي يسعى إليه من وراء تقريره، بتحديد فوائد هذه المؤتمرات: "كثيرة جدًّا الفوائد المختلفة التي تنتجها مثل هذه المؤتمرات, فلست أذكر الفوائد الأساسية التي يستفيدها علم التاريخ, وإنما أذكر فوائد أخرى غير هذه, ليس بينها وبين التاريخ صلة. فيكفي أن تكون فطنًا دقيق الملاحظة لتجد لذَّاتٍ متنوعة في ملاحظة هؤلاء الناس المختلفين في الوطن والجنس والطبيعة والمزاج

стр. 147

وما لكلِّ واحد منهم من عادة أو خلق أو مزية أو نقيصة. والحق أني استفدت كثيرًا من الوجهة العلمية التاريخية، ولكني مع هذا ضحكت كثيرًا وسخطت كثيرًا؛ فقد كان حولي منهم من يبعث السخط. ولكني سأحدثك عن هذا كله في مقالٍ آخر"١. ثم يقوم في مقال آخر بوظيفة المقرِّر الصحفي، حين لا يكتب في مكتبه أو في غرفة التحرير بالصحيفة كما يفعل كاتب المقال، وإنما يجمع الحقائق اللازمة لتقريره، ثم يمحِّصُها ويصنِّفُها قبل تحريره، فيقدِّم تقريرًا مفصَّلًا لأعمال كل لجنة من لجان المؤتمر "ليرى المشتغلون بالتاريخ في مصر كيف يتصور علماء أوروبا التاريخ, وكيف يقسمونه إلى أقسامه المختلفة"٢ ويشفع هذا التقرير بملاحظاته، ليعصمه من جفاف مادته، بالقياس إلى القارئ، الذي يشعره بأنه "العين التي يبصر بها، والأذن التي يسمع بها، والحواس التي يحسُّ بها، وهو يعرف جيدًا أن عليه أن ينقل إلى القارئ جميع الأحساسيس فور شعوره بها وإدراكه لها"٣، الأمر الذي يفسِّر اتخاذ شكل "الرسائل" المتتالية، يبعث بها "من باريس" متناولًا في كل رسالة وقائع التقرير أولًا بأول، من خلال الإجابة عن سؤالي "لماذا" و"كيف"، في إحاطة بالموضوع وتعمق في الملاحظة، ومع هذا ليس هناك -كما يقول "كارل وارين" خط واضح يفصل بين الموضوعات -الإنسانية والتقرير- فحدودها تختلط كما تختلط الألوان في قوس قزح٤، بحيث يمكن القول أن الموضوعات أو الأعمدة الإنسانية ليست إلّا امتدادًا للتقرير الصحفي٥. ولذلك نجد طه حسين في رسائله من بلجيكا، لا يقتصر على مؤتمر العلوم التاريخية، وإنما ينقل إلى قرائه تقريرًا عن "عيد الملك"٦ الذي أتيح له أن يشهده فور الاحتفال به، ويُشْفِعُه بخواطره وآرائه في واقع هذه البلاد: "لا أذكر ما كان يضطرب في نفسي من خواطر الأسى والإعجاب, ومن عواطف الأسى والأمل أثناء الطريق بين باريس وبروكسل حين كنَّا نعبر هذه البلاد التي دمَّرتها الحرب تدميرًا, فلم تذر فيها شيئًا إلّا أتت عليه, والتي كان أهلها مشردين في أقطار فرنسا يتكلَّفون ألوان المشقَّة ويستجدون ضروب الإحسان ليستَقرّوا بعد تشريد, وليشبعوا بعد جوع. فأصبحت هذه البلاد ولما تمض على الحرب أعوام عامرة مزدهرة مستكملة أو آخذة في استكمال وسائل الحياة العاملة المنتجة الناعمة المترفة, كنت آمل آسى لقسوة الإنسان

стр. 148

على الإنسان وكنت أعجب بقدرة الإنسان على إصلاح ما أفسدت يد الإنسان". فالمقال الوصفي إذن -عند طه حسين- نواة لفن التقرير الصحفي، من حيث أنه فن "التنوير والتثقيف بأسلوب جديد يصل إلى كافّة الأفهام، وهو فن يختلف عن فن الكتاب العادي؛ لأنه ينطوي على تحرير صحفي، وفنٍّ تصويري، وتجسيد للمعاني، وتبسيط الحقائق، مع تيسير الفهم لكافة المستويات الثقافية"١. ولذلك يذهب طه حسين إلى التوسُّل بفن الرسائل التقريرية، كما تبيَّن في رسائل "من باريس"، وكما يتوسَّل بفن الحديث الصحفي، في إطار الواقع العملي، والتعبير عنه باصطلاحات مبسَّطة مع الابتعاد عن الاصطلاحات العملية والفنية المجردة. ويبين اهتمام طه حسين بفنِّ الحديث الصحفي ومكانه من رؤياه الصحفية في مقالٍ نقله في "الكاتب المصري" لـ "إميل لدفيج"٢، الكاتب الألماني الشهير، نشره في "ريفي دي باري" عدد ديسمبر ١٩٤٦ عن فن الأحاديث الصحفية، ويذهب من عرضه إلى أن هذا الفن من أمتع الوسائل الصحفية، وأنه ليس مجرد نقل حديث كما قيل حرفيًّا، بل إنه يحتاج إلى فن وأسلوب أكثر مما يعتقد القارئ٣. الأمر الذي يميز هذا الفن التحريري في صحافة طه حسين، كما يبين من الحديث الذي اشترك مع مصطفى عبد الرازق في إجرائه مع "تاجور" ونشرته السياسية الأسبوعية بعنوان: "ساعة مع تاجور"٤, وهو من هذه الناحية فن جديد، يشترك في إجرائه كاتبان، بحيث يمكن أن نسميه "حديثًا حواريًّا" يمتاز بخصائص مسرحية أشار إليها "لودفيج" في فن الحديث٥، حيث يبين أن الحديث الحواري جاء مدروسًا، تظهر فيها خصائص "تاجور", وتكشف الأسئلة عن جذب اهتمامه، بحيث يتخطَّى الحديث مرحلة "السؤال والجواب"، إلى أن يكون طريقة جديدة في الحديث تكشف عن حالة المتحدث العقلية عند الإفضاء. فيذهب طه حسين ومصطفى عبد الرازق في إجراء حديثهما مع "تاجور" عند زيارته لمصر، إلى التوسل بالملاحظة والقدرة على الوصف والتصوير وإدارة الحوار، بحيث تغني المقدمة التصويرية للحديث عن "الصور الفوتوغرافية" التي أشار إليها "لودفيح".

стр. 149

"بلغ بنا المصعد الطابق الثالث من فندق شبرد فأخذنا عن اليمين، ثم ذهبنا في مجازٍ طويل انتهى بنا إلى باب وراءه تاجور. "تَقَدَّمَ الأديب المهذَّب مسيو سوارس، فدقَّ برفقٍ مرتين، وفتح الباب غير منتظر إذنًا، ودخلنا على أثره معه. الحجرة في زاوية بحرية غريبة، يقع الباب في الناحية الشرقية منها، فإذا دخلت وجدت سريرًا وأثاث مضجع متوسط التنجيد, ووجدت قبالتك ركنًا ممهدًا فيه عن اليمين منضدة فوقها طاقة من ورد حمراء, وعن اليساء مكتب صغير ألقيت تحته جرائد إنجليزية منشورة, ومن فوقه كتب وأدوات كتابة ومحظفة من الجلد ومصباح كهربائي وإناء فيه أزهار بيضاء. "بين الرياحين والأوراق، في ذلك الركن الشبيه بالمحراب استوى الشاعر الفيلسوف على كرسي غير عالٍ في ثوبه البرتقالي الفضفاض, وهو حاسر الرأس وقد خلع نعليه"١. ثم تكشف المقدمة سمات "تاجو" وخصائصه كما تَبينُ على وجهه: "تاجور ذو وجه مستطيل سمح الملامح, يكلله شعر مسترسل موفور قد فرقه في سواد الرأس فانسدل على الأذنين، منتهيًا في شبه تجعد، يؤلف من تلك المنصل البيضاء هالة مشرقة"٢ ... إلخ. ثم تكشف إدارة "الحديث الحواري" عن طريقة جديدة، لا تجعل منه مجرد نقل حديث كما جاء حرفيًّا، وإنما تميزه بالفن والأسلوب الدرامي. "قال أحدنا: إن مما يُؤسَفُ له أن زيارة الشاعر الحكيم لمصر قصيرة لا تسمح له بأن يزور جامعتها المصرية الناشئة, وجامعتها الأزهرية العتيقة, ويتحدث إلى رجال هاتين الجامعتين: "قال تاجور: كم كنت أحب ذلك وأرغب فيه, ولا سيما بعدما لاحظته من أنَّ في مصر ثقافة راقية جعلت شعبها الإسلامي بمعزل مما يظهر عند الشعوب الإسلامية الهندية من الإسراف في الاستمساك بالقديم, والاستعصاء على حركة التجديد, وما يستتبع ذلك من الآثار ... إلخ" وينتهي الحديث بخاتمة تنويرية، توحي للقارئ بأنها نتيجة لازمة لمقدمات لحديث وتشابك الحوار. "وكان الشيخ قد أصابه الجهد لأنه من أولئك الذين إذا تكلموا وضعوا أنفسهم كلها فيما يقولون. فكرهنا أن نشقَّ عليه وكرهنا أن نستأثر به دون

стр. 150

من كان ينتظر من الزائرين فنهضنا مقدِّمين إليه أطيب التحيات وأصدق الأماني"١. وإذا كنا قد وجدنا عباس العقاد أول من يجري حديثًا صحفيًّا مع وزير مصري في حديثه مع سعد زغلول، وفتح بذلك صفحة جديدة في تاريخ الصحافة المصرية٢. فإننا نلاحظ أيضًا أن زملاءه في المدرسة التجديدية، قد استخدموا هذا الفن استخدامًا عارضًا في سيرتهم الصحفية، بما يخدم فن المقال بالدرجة الأولى، كما وجدنا عند الدكتور حسين هيكل٣ الذي اعتمد في تحرير الحديث على "أقوال مأخوذة من المتحدث بأسلوبه, مع بعض فقرات محدودة عن موضوع الحديث". وكما نجد عند طه حسين، حين يضطر إلى إجراء الحديث لجمع الحقائق اللازمة لتحرير المقال، أو لتدعيم حملته الصحفية على نحوٍ ما يبين من مقال: "في وزارة المعارف - عند الوزير"٤ ضمن حملته في إصلاح التعليم, يقول طه حسين: "نعم. لم أكد استقر عند وزير المعارف حتى قال: سأفتتح لك الحديث, وسأفتتحه بالمسألة التي تعنيني بنوع خاص وأظنها تعنيك بنوعٍ خاصٍّ أيضًا, وهي مسألة الجامعة"٥ على أن هذا الاستخدام العارض عند طه حسين، استخدام وظيفي، يخدم أغراض المقال ووظائفه، كما يضيف إلى مقوماته سمات فنية، مثل: إجراء الحوار والتصوير الواقعي، والبساطة التي يكشف عنها حديثه الصحفي، وسنجد هذه المقومات أوضح ما تكون في "فن العمود الصحفي"، حين يتحوَّل المقال إلى "حديث" بين "الطالب الفتى" و"أستاذه الشيخ"، وهي أمور تشير إلى وحدة الفنون المقالية في صحافة طه حسين، والتي تكتسب مقوماتها من مقومات الاتصال الصحفي بالجماهير. ونحاول في إيجازٍ شديد أن نستخلص الخصائص التي تميز بها التقرير الصحفي عند طه حسين: أ- العناية بالعنوان: وعناية طه حسين بالعنوان يتوسَّل بها في التصوير الواقعي لمضمون التقرير، كبديل للصور الفوتوغرافية، ولذلك يمتاز العنوان بالتبعير الوصفي المناسب لجو التقرير, ومن ذلك في رسائله الصحفية:

стр. 151

من باريس أسبوع في بلجيكا مؤتمر العلوم التاريخية١ ثم يضيف إلى هذا العنوان الرئيسي عناوين تتضمَّن عناصر التقرير، في مكانها قبل المدخل: "ألقاب الملوك - زيارة القصر الملكي - تحيات صاحبي الجلالة - القصر الملكي والعلم"٢. ومن ذلك في الحديث الصحفي. "ساعة مع تاجور"٣. "في وزارة المعارف - عند الوزير"٤. ب- الاهتمام بمدخل التقرير: ويرتبط هذا الاهتمام بالأسلوب الاستقصائي الاستقرائي عند طه حسين، ليلقي به ضوءًا على موضوعه، ويثير اهتمام القارئ، ويحفِّزه على القراءة، ويحافظ على هذا الاهتمام بالموضوع، وإقناع القارئ بأنَّ الموضوع متصل بحياته على نحوٍ من الأنحاء، ولذلك قد يستهلُّ التقرير بتوجيه التحية للقارئ، كما نجد في "من باريس"٥ "تحية طيبة زكية إليك أيها القارئ الكريم من كاتب حُرِمَ التحدث إليك حينًا, وكثيرًا ما نازعته نفسه إلى هذا التحدث فلم يجد إليه سبيلًا"٦ ... إلخ. جـ- تميُّز طه حسين بطريقته في تصوير الوقائع والحقائق والمعلومات: وهي ميزة ترتبط بأسلوبه الاستقرائي، وقدرته على النمذجة التصويرية، والتي ذهبت به إلى التوسل بالقالب الوصفي في استقراء المعلومات والوقائع لينقل القارئ إليه، ويجعله يشاهد ويشارك، كما يبين من تصويره لكنوز الأقصر٧, ويرتبط بهذه الميزة كذلك:

стр. 152

د- العناية باستقراء الشواهد والأمثلة: وهو في هذه العناية يراعي التناسب بين أجزاء التقرير، كصفة مستمَدَّة من أسلوبه الاستقرائي، الأمر الذي يجعله يقلل ما أمكنه ذلك من الآراء التي قد توحي للقارئ بالتحيز الحزبي، ولذلك كثيرًا ما يتوسَّل بالأحاديث يجريها مع المسئولين ليمثِّلَ بها على صحة استقرائه، ومن ذلك في "كنوز الأقصر"١، اعتماده في التعريف بقيمة هذه المستكشفات على إجراء حديث مع "الأستاذ المسيو" لاكو" فأجاب بأنها أساسية في تاريخ مصر القديمة, أساسية في الحياة الفنية لمصر القديمة"٢ ... إلخ. ثم إن الاستقراء الصحفي في تقرير طه حسين ترفده ثقافة عميقة، مستمَدَّة من علم النفس والأخلاق والاجتماع، حيث "راض نفسه على كثير من العناء في قراءة هذه الدراسات حتى استقامت له"٣, وهي الثقافة التي تثري التقرير، وتوضح غرضه الذي كُتِبَ من أجله أولًا، وتحتفظ بالقراء الذين يحرصون على قراءته. هـ- الاهتمام بخاتمة التقرير: ويرتبط هذا الاهتمام بالرؤية الفنية في مقال طه حسين، والتي تشمل الخطة التي يرسمها، وتصورها جملة، ولذلك تتسم خاتمة التقرير بتلخيص الحقائق الأساسية لموضوعه، وخلاصة استقراء هذه الحقائق التي قد تُسْفِرُ عن حلول للمشكلة الأساسية في التقرير. كما نجد في تصوره لعلاج مشكلة كنوز الأقصر٤، وفي تقاريره الأخرى، "من بعيد"٥، تأتي نتيجة الاستقراء التقريري نتيجة منطقية لمقدمات واقعية تقوم على الوقائع والشواهد والحقائق بعد ذلك. ونخلص مما تَقَدَّمَ إلى أن التقرير الصحفي عند طه حسين يتوسَّلُ بأسلوب استقرائي تصويري، في خلق إحساس واقعي ينقله بأمانة وموضوعية موظِّفًا "الصور العقلية" إلى جانب "الصور الحسية" في "قدرة فائقة على

стр. 153

تصوير الحقائق لتبدو كأنها الحقيقة ماثلة"١, ويستطيع قارئ تقاريره أن يرى بين سطوره وكلماته صورًا تكاد تكون ناطقة٢، كما أنه لم يكتف بالوصف والتسجيل، متجاوزًا ذلك إلى التحليل والاستقراء, كما نجد في مقالاته التي يقف فيها على الحدود الفرنسية الألمانية، وأثر الحروب بينهما٣، حيث تبين قدرته على إدراك دقيق للأشياء غاية الدقة، وقوة ذهنية خارقة على تحليل ما يصل إلى الذهن تحليلًا مفصَّلًا، وردَّه إلى أبسط أجزائه وأدقها، وعلى انتزاع صور واقعية، سواء في ذلك ما يصل إلى ذهنه من ثقافته، ومن معاني الأشياء وصور الحوادث والموجودات الواقعية.

стр. 154

٣- المقال الرمزي: يبين مما تَقَدَّمَ أن فنَّ المقال في صحافة طه حسين لم يكن بطيئًا في الاستجابة للتجديد، فتطوَّرَ في ألفاظه وأساليبه ومعانيه وموضوعاته, ونشأت فيه فنون لم تكن من قبل، وطوَّع اللغة العربية لهذه الفنون المقالية الجديدة التي ترتبط بدورها بأنحاءٍ من التصوُّر والتصوير لم تكن مألوفة من قبل. وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن المقال الرمزيَّ يُعَدُّ من هذه الفنون التي يطوِّع اللغة العربية من خلالها لأداء وظائف المقال الصحفي، على أن هذا الفن الرمزي يرتبط في صحافة طه حسين كذلك بفرض الرقابة على الإنتاج العقلي١، والتي لم تمنعه من ابتداع فنون مقالية جديدة تتوسَّلُ بالإيحاء والرمز أثناء الربع الثاني لهذا القرن٢، لقهر "تلك الظروف"٣ التي تَحُولُ بين الأقلام وبين الحرية في الصحف٤، ومن هنا يبين اللجوء إلى "الرمز" عن قصد، بالقياس إلى طه حسين في بعض ما كان يكتب في الصحف, وفي بعض ما كان ينشئ من الكتب٥، ليداور السياسة حتى يغلبها, ويقول للظالمين ما يريد أن يقول٦. فهذا الفن الرمزي في مقال طه حسين، فنٌّ وظيفيٌّ يقوم على أداء وظائف المقال في ظروف يَعِزُّ فيها التعبير الصريح، ولكنه مع ذلك يمتاز بخِفَّةِ الظل وسلاسة الأسلوب، كما يمزج التعبير بالتهكم والسخرية مع الحكم والأمثال المتداولة، والنكات اللاذعة, والاقتباسات الدالة، والنقد البَنَّاء، كما سنجد في مقالات "جنة الشوك" التي تقترب من "الأبيجراما", وفي مقالات "جنة الحيوان" التي يتخذ الرمز فيها قالبًا قصصيًّا، ويتفقان في الوظيفة والغرض. والرمز هنا يعني الإيحاء، والتعبير غير المباشر عن المواقف الاجتماعية والسياسية المستترة التي يَعِزُّ التعبير عنها في اللغة المباشرة بدلالاتها الوضعية، كنتيجة لفرض الرقابة على الإنتاج العقلي، ولكنه يقوم على الصلة بين الذات والأشياء؛ بحيث تتولَّد الآراء والاتجاهات عن طريق الإثارة النفسية، لا عن طريق التسمية والتصريح.

стр. 155

ويقوم المقال الرمزي عند طه حسين على دعامة فلسفية تستند إليها الرمزية الأوربية، إلى جانب الدعامة الواقعية العملية، كما يبين من فلسفة "كانت" التي تفسح مجالًا لعالم الأفكار، وتصرِّحُ بتعذُّر معرفة العالم الخارجي عن غير طريق صوره المنعكسة فينا١. على أن الدعامة الواقعية في المقال الرمزي عند طه حسين تخرج به من نطاق الذاتية في الرمز إلى البحث عن العلل السياسية والاجتماعية المستعصية على الدلالة اللغوية المباشرة، فهو يَحْفَلُ بسواد الشعب والناس، وليس كالأدب الرمزي الذي يتوجَّه إلى الصفوة، ذلك أنه يحفل بإخضاع الواقع الملموس للفكر الفني قصدًا إلى السيطرة عليه عن وعيٍ, والتعبير عن مشكلات المجتمع؛ مستعينًا بثقافته القديمة والحديثة في تفكيره الفني، مستهدفًا خدمة التفكير الحر والديمقراطية، أي: في الدفاع عن الآراء المضادة لتلك التي يعتنقها بعض الحكام في مصر، في أسلوب رغم رمزيته، يتميز بالوضوح والإفهام والموسيقى دائمًا، فهو يتكون من جُمَلٍ قصيرة تحتوي على إشارات موحية إلى جانب معرفته العظيمة بكل صور الفن، وهذا هو السبب في أن المقال الرمزي يبدو كما لو كان اقتباسًا أو محاكاة معقودة لغرض وظيفي، كما سيجيء في "الرسائل الجاحظية". ومن ذلك يبين أن الرمزية في مقال طه حسين ليست تشبيهًا حُذِفَ أحد طرفيه، كما فهم بعض أدبائنا٢, ولكنها تعبيرات وصور جزئية تتعاون في بنية المقال لتَشِفَّ عن صورة مقالية لا يمكن التصريح عنها، تتعاون فيها الوسائل الفنية تعاونًا وظيفيًّا لأداء غرض المقال, وهو الأمر الذي يشير إليه طه حسين، حين يؤدي هذا الأسلوب الرمزي وظيفته الاتصالية بجمهور القراء، الذين يعتقدون أن كل كلمة فيه "ذات معنى ظاهر وباطن، وأن لها معنًى قريبًا يتخذ وسيلة إلى معنًى بعيد، وغاية يسيرة تُخْفِي وراءها غاية يسيرة"٣. ذلك أن هؤلاء القراء كانوا على اتصال وثيق بالظروف التي أدت بالكاتب إلى التوسُّلِ بالرمز الذي يكاد أن يكون "لغة سرية" بين الكاتب وجماهير القراء، لا يفهمهما الرقيب الذي يعينه الساسة والحكام الذين أَدَّتْ سياستهم بالمصريين إلى "كثير من الشك وكثير من الخوف، وكثير من سوء الظن الذي أوشك أن يصبح أصلًا من أصول الحياة، وقاعدة من قواعد التعامل بين الناس"٤. ومن أجل ذلك، تغدو الدعابة والسخرية والفكاهة أدوات وظيفية لاذعة

стр. 156

قد "يضيق بها الكُتَّاب والقرَّاء في تلك الأيام"١، ولكنها تنتهي إلى غايتها حين يتمُّ توصيل الرمز بعد نشر المقالات الأولى منها, إلى أذهان الجماهير التي "تذهب فيه المذاهب، ويلتمس الناس له ألوان التأويل، ويتخذون منه ثوبًا يفصِّلُونه على قدر هذا أو ذاك من الذين ينهضون بالأعمال العامة، أو يشاركون فيها"٢، ثم يمضي في إذاعة مقالاته الرمزية: "ويمضي الناس في التساؤل, ثم لا يقف الأمر عند التساؤل والإلحاح فيه، وإنما يختلف الناس فيما بينهم, ويغلون في الاختلاف، ويريد بعضهم أن يحتكم إليّ، ويجد عندي حلًّا لهذه الرموز، وتوضيحًا لهذه الألغاز, ويتصل بعضهم بي يسألني أن أريحه من هذا كله؛ فيكتب إليّ الرسائل ينبئني فيها بما يعلم من حياة فلان وفلان, ومن خِصَال فلان وفلان، ومما يُظْهِرُ فلان للناس ويُخْفِي عليهم، ويطلب إليَّ أن أصوِّرَ هذا في حديث من هذه الأحاديث التي تنشر في "البلاغ"٣. ثم يلاحظ أن الأمر ليس مقصورًا على مقالاته التي يذيعها، ولكنه يتجاوزه ويتجاوز مقالاته إلى قوم آخرين, ومقالات أخرى تنشر في الصحف اليومية والأسبوعية, وإلى قوم آخرين وأحاديث أخرى تجرى على ألسنتهم حين يلقى بهضهم بعضًا "فقد كتب فلان هذه الأسطر في هذه الصحيفة أو تلك, وهو قد أراد بها إلى هذا الغرض أو ذاك، وأراد بها أن يمسَّ فلانًا من قريبٍ أو بعيدٍ، ولمح بها إلى موقف فلان في السياسة، أو موقف فلان في الإدارة، أو موقف فلان في البيع والشراء, حتى استيقن الناس جميعًا أنهم لا يتبادلون الحديث بينهم إلا رمزًا، وأن الصراحة والوضوح والجلاء كلُّ هذه أمور قد بَعُدَ العهد بها حتى نُسِيَت أو كادت تُنْسَى"٤. على أن هذا اللجوء الاضطراري إلى الرمز، لم ينفصل عن أحوال الناس في حياتهم اليومية العادية، وإنما أصبح وسيلة يتوسَّل بها إلى النقد والتوجيه والإصلاح، في ظروفٍ لم تسمح بالصراحة في التعبير، وفي مقدمتها الأحكام العرفية التي اقتضتها الحرب العالمية الثانية، واستتبعت مراقبة الصحف٥، وألقت في روع الناس جميعًا أن أمورهم لا تجري على ما تعودت أن تجري عليه قبل أن تُعْلَنَ الأحكام العرفية، وقبل أن تُفْرَضَ الرقابة على الألسنة والأقلام٦، ولكن هذه الظروف التي استغلَّها السلطان في مصر، في أثنائها، وبعد انتهائها, وأدت إلى أن يفرض المصريون فيما بينهم وبين أنفسهم أن الرقابة قد

стр. 157

شملت كل شيء١. لم يحل دون المقال الصحفي وبين أداء وظائف النقد والتوجيه والإصلاح حين أراد أن "يمسَّ الأمور العامة"٢. ومن ذلك يبين أن الرمز في مقال طه حسين قد أصبح وسيلة من وسائل "مراوغة الرقيب" إن جاز هذا التبعير، في موافاة القرَّاء بالحقائق الكاملة الصحيحة والصادقة عَمَّا جرى من أحداث. ذلك أن الرقابة على الرغم من أنها "تَحُدُّ من حرية الصحافة"٣ فإن الفضل يرجع إليها في إنشاء هذا الفن الرمزي في المقال الصحفي، كما استحدثت صياغة خبرية رمزية. وكما أدَّى الاضطهاد الديني والسياسي إلى توسُّلِ الأدباء في عصور مختلفة بمذاهب شتَّى في مقاومته على أيِّ شكل من أشكاله، كما نجد في القصص على ألسنة الحيوان، في "كليلة ودمنة" لابن المقفع، وغيرها من صور النقد السياسي التي حفظها لنا التاريخ. ويتوسَّل طه حسين في نقد الحكومة والمجتمع، بالأسلوب الرمزي في "جنة الحيوان" التي يحاسب فيها الحكام والمحكومين على السواء، ويوجِّهُ النقد والتوجيه والإصلاح في هذا الأسلوب، على الرغم من الظروف السياسية التي تَحُولُ دون النقد والتوجيه، مستعينًا بذكائه وأسلحته الفنية في الوصول إلى غرضه الصحفي، ذلك أن من حق الناس جميعًا، كما يقول طه حسين، أن "يضيقوا بالرقابة وبالأحكام العرفية؛ ولا سيما حين يتَّصِلُ الخضوع لها والاكتواء بنارها"٤. ولذلك يواجه إلى ذلك "أشياء أخرى لعلها أن تكون أبعد من ذلك أثرًا في إشاعة القلق والريب"٥، كنتيجة لخضوع المصريين, وما تقتضيه من هذه الأحاديث المتناقضة التي يكذِّبُ بعضها بعضًا, والتي تُذَاع في الراديو كل يوم، وما تقتضيه من هذه الإشارات الغامضة التي تُنْشَر في الصحف والمجلات حتى تَعَوَّدَ الناس أن يسمعوا النبأ فلا يصدقوه، أو أن يسمعوا النبأ فيستنطبوا منه غير ظاهره, وربما استنبطوا منه نقيضه، وحتى تَعَلَّمَ الناس أن يقرأوا بين السطور, وأن يسمعوا بين السطور، إن أمكن أن يسمع الناس بين السطور"٦. ومن أجل ذلك، يذهب المقال الرمزي إلى مواجهة خطوب ثِقَالٍ في حياة المصريين العامة والخاصة٧، كأهوال الحرب، ومصاعب الحياة الاقتصادية، والتغييرات السياسية، والبؤس والحرمان اللذين ينتهيان إلى الجوع والشقاء

стр. 158

في بعض الطبقات "كل ذلك خليق أن يعقد منافع الناس أشد التعقيد، وأن يقوي الأثرة في نفوس الأفراد والجماعات، وأن يضطر كل واحد من أفرادهم, وكل جماعة من جماعاتهم, إلى الاحتياط للنفس، والاستكثار من الخير, والاستعداد للمستقبل، والتَّحَفُّظ من الطوارئ, والتخلص من المشكلات، والنفوذ من الخطوب"١. ويعالج المقال الرمزي ما ينتج عن ذلك من أسباب "تشل الضمير المصري في هذه الأيام وتوشك أن تدفعه إلى خطر عظيم"٢. ويشخص المقال الرمزي في صحافة طه حسين، إلى جانب ما تَقَدَّمَ "ظاهرة خطيرة مؤلمة حقًّا، وهي أن رأي الناس قد ساء في الناس, فلا تكاد تذكر رجلًا حائر الضمير حتى يحسُّ كثير من الناس أنه المعني بهذا الضمير الحائر٣، ومصدر ذلك في مقال طه حسين أنَّ النماذج التي يصورها للضمائر القلقة الحائرة تجد ذلك فيما بينها وبين نفسها في شيء من الحيرة٤. فلا يكاد يعرض في "جنة الحيوان" صورة الرجل الذي يشبه "الثعبان"٥, أو الذي يشبه "الثعلب"٦, أو يشبه "ما شاء الله من هذا الحيوان المقيم في حديقة الحيوان حتى يحسّ كثير من الناس أنه هو المعني بهذه الصورة, المراد بهذا الاسم"٧. فالثعلب -في المقال الرمزي، ثمرة من ثمار الصراع الحزبي، ونشأة "الفرص الكثيرة التي ينتهزها الأذكياء ليستفيدوا من صراع الأحزاب, ونَظَرَ الثعلب ذات يوم فإذا الحياة المصرية كلها تلقي في نفسه أنه قد خُلِقَ للفوز, وأن الفوز قد خُلِقَ له؛ لأن الحياة المصرية لم تكن في وقت من الأوقات ملائمة لخفة الثعالب ورشاقتها وذكائها ونَهَمِهَا منها في هذه الآيام. وما ينبغي لمن يريد الفوز في هذه العواصف العاصفة, وفي هذه المصالح المشتبكة, والخصومات المتصلة, والمنافع المعَقَّدَة, إلا أن يكون فطنًا، وصاحبنا أخف من النسيم، ماكرًا، وصاحبنا أمكر من المرأة صامتًا، وصاحبنا أشد صمتًا من الصخرة الصماء"٨ ... إلخ. ويتوسَّل طه حسين في نمذجة "الثعبان" بالتسمية القديمة له "الشجاع"٩ التي لا تدل "على الرجل الذي يصبر نفسه على المكروه ويجشمها

стр. 159

الهول في سبيل ما يتمُّ مروءته"١، وإنما تدل على "الحيَّة التي تستخفي في جحرها لا تكاد تظهر منها إلا رأسها الدقيق, وتظل على حالها هذه مستخفية مطرقة، حتى إذا مكَّنَتها الفرصة ووجدت مساغًا لنا بينها لم تضيعها, وإنما عَضَّتْ فصمَّمَت كما يقول الشاعر, وبلغت من عضتها وتصميمها ما تريد"٢. ويفصح المقال عن هذا المرز في نهايته حين يقول: ... ولكن عهد مصر بالشجعان الإنسية قريب فيما يظهر، وهو على قربه خصب بعيد الأثر، فقد كثرت شجعان الناس في مصر منذ اضطربت السياسة وتلاحقت الخطوب ومكر بعض الناس ببعض وكَادَ بعضُ النَّاس لبعض، وتوشك مصر أن تُعْرَف بشجعان "الناس" كما عُرِفَت بشجعات الحيَّات٣. ومن ذلك يبين وضوح الرمز في النمذجة المقالية، الأمر الذي يجعل من العسير "إقناع القراء بأن الكاتب إن عرض صورة بعينها فهو لم يُرِدْ شخصًا بعينه، ولعله يكون قد كوَّن صورته هذه من أشخاص كثيرين يأخذ من أخلاق كلِّ واحد منهم طرفًا, ثم يضيف هذه الأطراف بعضها إلى بعض فينشيء منها صورة قد تعجب أو لا تعجب, ولكنها لا تخلو من عبرة وموعظة. ولعلها أن تحمل الناس على أن يصلحوا من أمورها ويخفوا من شرورهم"٤. فالنمذجة الرمزية تقوم على الوظيفية الهادفة والوضوح والتبسيط، فمن "وجد في نفسه شيئًا من أخلاق الثعبان أصلحه وأخفاه؛ فكف شرَّه عن الناس قليلًا أو كثيرًا"٥ وقُلْ مثل ذلك فيمن "يجد في نفسه شيئًا من خصال الثعلب, أو من خصال العقرب, أو من خصال الذباب. والله قد خلق الأشياء كلها لتكون موضعًا للعظة، ومصدرًا للعبرة، ووسيلة إلى اكتشاف الحق والخير والجمال وليدل عليها، وليستكشف الباطل والشر والقبح ويرغب عنها. فليكتب الكُتَّاب، وليقرأ القراء، وليسأل السائلون، وليجب المجيبون، فليس بشيء من هذا كله بأس"٦. وإنما يجب أن يتعاون المصريون جميعًا، في مقال طه حسين، على علاج واستئصال "هذا القلق الذي شمل الضمير المصري، والذي يوشك أن يدفعه إلى أكثر من السؤال والجواب"٧. ونخلص من ذلك إلى أن الرؤيا الوظيفية في مقال طه حسين، هي التي تجعل هذا الأسلوب الرمزي في التحرير، أسلوبًا من أساليب المقال الصحفي، يقوم على الاتصال الوثيق بالقراء ومشكلاتهم وحياتهم الواقعة، في أسلوب

стр. 160

يتوسَّل بالنمذجة الرمزية، نحاول أن نستخلص عناصرها في إيجاز شديد: أ- اعتماد النمذجة الرمزية على الحركة والتفصيل والتنغيم والمقابلة والتضاد، اعتمادًا وظيفيًّا هادفًا، كما نجد في نموذج "الثعلب" قوله: "إن الأحزاب المصرية كلها عنه راضية, وبه معجبة, وإليه محتاجة, ولكنه فَقَدَ من خصال الثعلب خصلة واحدة, هي التي حملتك يا سيدتي على أن تضحي منه حين رأيته يقبل كأنه البرمة الضخمة, وحين رأيته يجلس فينهال كما ينهال الكثيب. ذلك أن الأيام أحبته حبًّا شديدًا، فأخذت لا يمر يوم منها إلا خلع عليه قميصًا من الشحم قد فُصِّلَ على قَدِّه تفصيلًا"٥. ومن ذلك يبين أن هذه الأدوات تخدم الكاريكاتير الوظيفي في السخرية المرة، فالثياب "الشحمية أخذت تتراكم وتتراكب حتى مدته إلى يمين وإلى شمال، وزادته بسطة في الجسم من خلف ومن أمام"١ كما تبين وظيفة التنقيم والحركة والتفصيل في الكاريكاتير في قوله: "أقبل فحيَّا, ثم تَقَدَّمَ يسعى حتى إذا بلغ مكانه جلس وكأنه الكثيب المنهال"٢. على أن النماذج البشرية في "جنة الحيوان" رغم غرابة رموزها، تبدو مألوفة في وقت الاضطراب السياسي والاجتماعي، كما تَقَدَّمَ، لأنها "غلطة من غلطات الطبيعة, وفلتة من فلتات الدهر، ووهمٌ من أوهام الظروف"٣. ب- استخدام الجمل القصيرة السهلة الموقعة استخدامًا وظيفيًّا في النمذجة الرمزية، كما يبين من هذا الحوار الذي استهلَّ به مقال "الغانيات"٤. - "من أين أقبلت يا ابنتي! - من حيث لا تبلغ الظنون.. - ماذا تريدين يا ابنتي؟ - أريد ما لا تقدرون.. - كيف تقولين يا ابنتي. - أقول ما لا تصدقون! -أسرفت في الرمز يا ابنتي. - بل ما لكم كيف تحكمون٥! "

стр. 161

جـ- استخدام القالب القصصي للمقال استخدامًا وظيفيًّا في تصوير النماذج الصحفية، وتحقيق أغراض "النقد في سرعة وخِفَّةٍ ودقة وإيجاز"١. كما يتيح له هذا القالب تبسيط الرمز وتوضيحه، على النحو الذي يبين من المقال المتقدم، حين "ترفع الفتاة كتفيها, وتبتسم عن ثغرٍ جميل وتقول ساخرة: تريد أن تعرف اسمي فاسمي هو "العدالة الاجتماعية"٢ على نحو ما نعرف في "لحظة التنوير" في القالب القصصي القصير. ونخلص مما تَقَدَّمَ إلى أن هذا المقال الرمزي في صحافة طه حسين ثمرة من ثمار صحافته، يتمثَّل عناصر الأصالة والتجديد، تمثلًا وظيفيًّا في النقد والتوجيه، ذلك أن.. الله لم يخلق الأشياء عبثًا, وإنما جعل فيها لنا منافع، ودعانا إلى أن نعتَبِرَ بكل ما خُلِقَ من الحي والميت, وأن نلتمس فيه الموعظة التي تبصِّرُ القلوب, والحكمة التي تهدي العقول"٣ ومن ذلك تبينُ الرؤيا الوظيفية الهادفة وراء المقال الرمزي في صحافة طه حسين، والذى تُشْتَقُ موضعاته من حياة المجتمع، يفسرها ويعلق عليها ويناقشها من خلال النمذجة الرمزية، بحيث يكشف هذا الفن المقالي عند طه حسين عن تقدير للحاجة النفسية والاجتماعية والسياسية عند قرائه وجمهور مجتمعه، تقديرًا يشعرها بضرورة التركيز عليها، من خلال علم ودراية واسعتين بالناس وبالحياة وبالمشاكل التي تعرض لهم في وقت من الأوقات.

стр. 162

٤- الرسائل المقالية: يكشف هذا الفن المقالي في صحافة طه حسين عن عناصر أصيلة ومظاهر تجديدية في آنٍ معًا، فهو يلتقي مع الرسائل -المقالات في تراثنا العربي, كما يلتقي مع رسائل فولتير ومونتسكيو، كما سيجيء، ويلتقي مع فنِّ المقال بمفهومه الحديث, وفي تراثنا العربيِّ وجدنا شكل الرسائل يقترب بها من أن تكون مقالات، توشك أن تكون أحيانًا مقالات مطوَّلة تدرس أفكارًا طارئة أو دافعًا جديدًا، وهي أحيانًا مقالات موجزة توشك أن تكون معالجة آنية لحدث يومي طارئ١، وهي أحيانًا موضوعية, وأحيانًا ذاتية, بعضها يغلب عليه أن تكون الفكرة وحدها هي التي تتحكم فيه، وبعضها تتعاون فيه مقتضيات الفكرة وطرق الأداء لتصرفه على هذا النحو أو ذاك٢. ومن ذلك ما نجده في رسائل الجاحظ التي تقترب أن تكون خطوة واسعة جدًّا على طريق المقال المعاصر، فيها الموضوع الذي يشغل الذهن أو الحادثة التي تملأ القلب، وفيها التفكير في هذا الموضوع, وفيها الخلاص من ذلك إلى التعبير عنه بنوعٍ من الأداء، يجمع بين عمق الفكر وجمال العرض، ويطول ذلك أو يقصر تبعًا لكثير من الظروف والمناسبات. ويتوسَّل طه حسين بهذا الفنِّ الأصيل في تراثنا العربي توسلًا وظيفيًّا هادفًا في أداء الفكرة السياسية أو الاجتماعية، التي تمثّل منطلق الرسالة المقالية وهدفها في صحافته. ذلك أن هذه الرسائل المقالية في صحافة طه حسين تضع الذيوع العريض الذي يتناول الكتلة الكبرى من الناس ويتصل بالجماهير، هدفًا رئيسيًّا لها, ومن هنا تكتسب عناصر الأصالة في مقال طه حسين وظائف صحفية حديثة، تصل بين صحافته وبين الذيوع في الحياة العملية، وتأخذ الرسائل الجاحظية في مقال طه حسين بعض صفات المقال الحديث: الوصول إلى أكثر مَنْ تستطيع أن تصل إليهم مِن الناس. ونرى أن الرسائل الجاحظية من أنسب أساليب المقال في تراثنا لأداء هذه الوظائف الصحفية الحديثة، لما تمتاز به من اليسر والمرونة وسهولة اللفظ والموسيقى، الأمر الذي يظهر لنا في توسّل طه حسين بهذا الشكل المقالي في "مرآة الضمير الحديث" الكتاب الذي ضمَّ مقالاته الجاحظية, وقد صدر أولًا

стр. 163

بعنوان "نفوس البيع"١, عام ١٩٤٩, ثم باسم "مرآة الضمير الحديث" بعد ذلك، في ظروف سياسية اقتضت التوسُّل بالرمز، على النحو المتقدِّم، لترمز إلى "مظاهر كنا نبغضها ولا نستطيع أن نتحدث عنها في صراحة أثناء تلك الأيام السود"٢ التي انقطعت فيها الصلة بين النظام السياسي والشعب٣، وشاع الملق السياسي, وانتشرت الرِّشْوَة في ظلِّ نظام أصاب طه حسين نفسه بالاضطهاد زمنًا طويلًا "لأنه يملأ الصحف حديثًا عن المعذَّبين في الأرض, فإذا أراد الصحفيون أن ينتخبوه نقيبًا تدخل الملك في الأمر، وأرسل إليه الوزير محمد هاشم يقصيه عن هذا المنصب الذي يتم الاختيار فيه بالانتخاب، تحاشيًا لغضبه من جهة، وإرضاء لرجله إدجار جلاد الذي كان يطمع في المنصب من جهة أخرى"٤. ومن ذلك يبين الارتباط بين الرسائل المقالية، والمقال الرمزي من حيث الظرف الاضطراري إلى التوسُّل بالرمز، في التعبير عن المضمون السياسي والاجتماعي من خلال "رسائل تنسب إلى الجاحظ, وأراها محمولة عليه؛ لأن تكلُّف التقليد فيها ظاهر"٥، وهو ليس تقليدًا في ذاته، وإنما يتوسَّل به في أداء وظائف المقال الصحفي الحديث من خلال هذا الشكل في الرمز والتلميح. على الرغم من إيهام "الرقيب" أن هذه الرسائل "للجاحظ وغير الجاحظ من كُتَّاب القرن الثالث والرابع للهجرة, ولم أكد أنظر فيه حتى بهرني وسحرني, وكرهت أن أوثر نفسي بقراءته، فجئت أظهرك عليه وأشكرك في الاستماع به"٦. ويشير أسلوب هذه الرسائل المقالية في صحافة طه حسين إلى الخصائص الجاحظية في الكتابة، والتي يمثِّلُها التحرير المقالي في صحافته، من أهمها: الإسهاب والاستطراد، واتساع العبارة، وجذب القارئ، وسحبه بلطف ومهارة، ثم هي مدرسة تُعْنَى كذلك بالتأليف بين الألفاظ بعضها وبعض من جهة، وبين المعاني بعضها وبعض من جهة ثانية٧. وتظهر هذه الخصائص في الرسائل المقالية عند طه حسين، من خلال استخدام وظيفي في التصوير والتعبير الواقعي البسيط، عن الواقع السياسي والاجتماعي في مصر وصف ملامسة وعيان، فلا تَحْلِيَة ولا تَعْرِية حتى تحاكي

стр. 164

الأصل في كل شيء مع فضل من جمالٍ في الأسلوب والسياق, وهو يبدأ "رسالة الشكر والكفر"١ بالدعاء لمحمد بن عبد الملك الزيات"٢ كما بدأ الجاحظ "رسالة التربيع والتدوير" بالدعاء لأحمد بن عبد الوهاب٣, ثم يمضي في رسالته على النحو الذي يبدو في رسائل الجاحظ من السخرية والتحذير، من النظام السياسي في مصر، ومن ظاهرة "الرضاء السامي"٤ التي ترتبط بالملك السابق، والتي أصاب منها طه حسين شرًّا كثيرًا٥, كما يبين من "الشكر والكفر"، ومن ارتباط أحداث الرسائل ووقائعها التي قد تُعْرَف في الرمز، بسياق الحركة العامة للأحداث في مصر من حوله، ... "قلت لصاحبي: أجاد أنت في إضافة هذا الكلام إلى الجاحظ؟ قال وهو يغرق في الضحك: ما أكثر ما أضاف الجاحظ إلى الناس ما لم يقولوا, فما يمنعني من أن أضيف إليه ما لم يقل..! "٦. ومن الخصائص الجاحظية في رسائل طه حسين المقالية، كذلك ظاهر الاستطراد في أسلوبه، والعناية الظاهرة بجرس اللفظ، وموسيقى العبارة، وتقطيع الكلام قِطَعًا متوازنة، نستطيع أن نقف عند كل واحدة منها، فنحن عندما نقرأ مقالًا لطه حسين, أو نقرأ للجاحظ، لا نحسُّ عسرًا في فهمه بل نجد يسرًا ومرونة٧؛ فالنثر عند طه حسين شأنه شأن نثر الجاحظ، لا يلذّ العقل وحده ولا الشعور وحده، ولكنه يلذُّ العقل والشعور والأذن أيضًا، لأنه قد نُظِّمَ تنظيمًا موسيقيًّا وأُلِّفَ تأليفًا خاصًّا له نسب خاصة، فهذه الجملة لها هذا المقدار من الطول, وهذه الجملة تناسب هذا الموضوع، وإذا قصرت هذه الجملة لاءمتها تلك الجملة، وإذا ضخمت ألفاظ هذه الجملة كانت الجملة التي تليها على حظٍّ من السهولة٨. ومن ذلك ما جاء في "رسالة الأمر والنهي"٩: " ... وخشيت أن يتجاوز الديوان إلى مجالس الأشراف في قصورهم، والقوّاد في جنودهم، والعامة في أنديتهم ومجالسهم, فيتحدث الناس عنك بما لم يتحدثوا بمثله عن الوزراء من قبلك، وتقع في نفوسهم لك مهابة تقوم على الخوف والبغض، ولا تقوم على المحبة والتجلة, وشَرُّ ما يتعرض له أصحاب السلطان أن يهابهم الناس خوفًا ورهبًا, وخير ما يتاح لأصحاب السلطان أن يهابهم الناس

стр. 165

حبًّا وإكبارًا, وطمعًا فيما عندهم من الخير، ورغبة فيما يجدون عندهم من البر والمعروف"١. ومن ذلك يبين ارتباط هذا الشكل الجاحظيّ بأحداث الواقع السياسي والاجتماعي في مصر، وما ألمَّ به من فساد وانتكاس للدستور. "واعلم جُعِلْتُ فداك أن الزمان لا يثبت، وإنما هو مُنْطَلِقٌ دائمًا, وأن الأيام لا تستقر، وإنما هو نهار يتبعه نهار، والأحداث في أثناء ذلك تحدث، والخطوب في أثناء ذلك تلم، والنوائب في أثناء ذلك تنوب، والوزراء يولون ويعزلون، والحكام ينصَّبون ويُصْرَفون، والدنيا تُقْبِلُ وتُدْبِرُ، والحوادث تحلو وتَمُرُّ، والرجل اللبيب من اعتبر بهذا كله فلم يُسْرِفْ على نفسه، ولم يسرف على الناس، ولم يقدم بين يديه من العمل ما يسوءه في الدنيا ويجزيه في الآخرة"٢. وفي "رسالة الأمر والنهي" يتناول بالنقد اللاذع ما تعرضت له الحرية من رقابة صارمة، وقوانين كثيرة "تحمي الملك وتمنع التعرض له أو لحاشيته بأهون السوء"٣. يقول طه حسين: "وأنت بعد ذلك لا تستيطع أن تعقل الألسنة المنطلقة، ولا أن تحطِّم الأقلام المشرعة، ولا أن تمنع القلوب من الشعور, والعقول من التفكير، فدع الناس ومايشاءون أن يقولوا فيك من الخير والشر، ومن الحمد والذم، وانتفع بذلك كله في إصلاح نفسك, وفي تجنب ما يشينك إلى ما يزينك"٤. ونخلص من ذلك إلى أنه طه حسين، قد انتقل بالرسائل الجاحظية إلى متطلبات الذيوع والانتشار، موظفًا إياها لوظائف المقال الصحفي، في أسلوبٍ تحريري أقدر وأوسع للمعاني والمواقف الصحفية يتناولها من جميع وجوهها, دون أن يحول بينه وبين الاتجاه فيما يريد "شرط من الشروط التي كانت تقيد الشعراء. ونجد هذا واضحًا عندما نقرأ الرسائل الكثيرة التي صدرت عن كُتَّابِ القرن الثالث, وبنوع خاصٍّ عند الجاحظ"٥. على أن الرسائل المقالية في صحافة طه حسين، تتمثَّل إلى جانب هذه الخصائص الجاحظية، خصائص أخرى مستفادة من ثقافته الأوربية، كما في "الرسائل الفارسية" لمونتسكيو، و"الرسائل الإنجليزية" لفولتير، وغيرها،

стр. 166

يتوسَّلُ بخصائصها مع الخصائص الجاحظية في النقد والتوجيه من خلال شكل الرسائل. وقد ظهرت الرسائل الفارسية لمونتسكيو، في عصر يشبه عصر رسائل طه حسين في عصر الوصاية, ووسط فورة الأفكار والأهواء الخاصة١, ولذلك اتسمت بنقد النظم السياسية وتشخيص الداء، كما نجد في رسائل طه حسين التي "وقعت له ولم يعرف، على طول البحث، وشدة الاستقصاء كاتبها، ولا من كتب إليه"٢. يتوسَّلُ فيها بالرمز الذي شاع بين الصحف المصرية جميعًا "وكان الملك يثور ويغضب بسببها, ومن حوله لا يدرون ما يصنعون, وأصدر أمره مرَّةً إلى فؤاد سراج الدين أن يصدر قانونًا يمنع نشر أيَّ خبر إلّا بذكر اسمه صراحة"٣. ولذلك يقول طه حسين في رسالة بعنوان: "قلب مغلق"٤. "إنما أنت رجل محصَّن، لا يبلغه العدو ولا يصل إليه الصديق, وأكاد أعتقد أن ليس لك عدو ولا صديق. شُغِلْتَ بنفسك حتى يئس الناس منك، وأعرض الناس عنك، فلم يطمع فيك منهم طامع, ولو قد فعل لما نال منك شيئًا، ولم يعطف عليك منهم عاطف، ولو قد فَعَلَ لما نالك منه شيء, والناس مع ذلك لا يرون شيئًا من هذا الحصن المؤشب الذي حصَّنْتَ فيه نفسك، ولا من هذه الحُجُبِ الصِّفَاق التي قامت بينك وبينهم"٥. ويوظِّفُ هـ حسين رسائله الفنية في النقد الهجائي للنظام الاجتماعي والسياسي في مصر "١٩٤٦-١٩٤٩" كما فعل "مونتسكيو" في نقده الهجائي لفرنسا "١٧١١-١٧٢٠"٦، بما في النظام المصري من إقطاع بغيض يجلس الملك على قمته٧، يمتصُّ دماء أمة الفلاحين وعرقهم؛ يقول طه حسين: "تسرع إليهم حين ينعمون لتشارك في نعيمهم, على أن ذلك حقٌّ لك لا ينبغي لأحد أن يَرُدَّكَ عنه أو يجادلك فيه، ولعلك تأخذ من هذا النعيم -إن أتيح- بحظٍّ أعظم من حظوظهم، ولعلك تنظر إليهم وهم يأخذون بحظوظهم المتواضعة الضئيلة, ساخطًا عليهم ضيقًا بهم مزدريًا لهم"٨.

стр. 167

إلى أن يقول: "صدقني إنَّ من الخير الكثير لك ولغيرك أن تصدع قلبك قبل أن تصدعه الأحداث، وأن تفتح قلبك قبل أن تفتحه الخطوب، وأن تُشْعِرَ من حولك من الناس بأنك تجد بعض ما يجدون، وتعتقد مثل ما يعتقدون. إنك مثلهم قد خُلِقْتَ من تراب وستعود إلى التراب، وإن الذين يستوون قبل أن يدخلوا الحياة, ويستوون بعد أن يخرجوا من الحياة, ليسوا في حاجة إلى أن يتمايز بعضهم من بعض, ويبغي بعضهم على بعض، في هذه الطريق القصيرة التي يسلكونها بين المهود واللحود"١. ومن ذلك يبين أن الرسائل المقالية في صحافة طه حسين ليست موجَّهة لشخص بعينه، بقدر ما هي موجَّهة إلى نماذج بعينها في النظام السياسي والاجتماعي، وهي رسائل قاسية وجريئة، تمامًا كما كانت رسائل مونتسكيو٢، في مهاجمة رجال السياسة والحاشية وهو يهاجم الملك، حين يبين لنا كيف تتدهور الملكية بحيث نتلمس "روح القوانين" تعلن عن نفسها في رسائل طه حسين, ونذكر من هذه الرسائل رسالة بعنوان: "مصر بين النعيم والجحيم"٣، وأخرى بعنوان: "ويل الشجي من الخلي"٤، حيث يتوسَّل بضرب الأمثلة المضادة لتدعيم روح مقاله، وبالسخرية لشحذها, وبالإيقاع المعبر الفني، ومزج هذه الأمور بالنقد الذكي الذي يجعل رسائله المقالية في خطورة "رسائل فولتير"٥ التي "أحرقت واضطر صاحبها إلى الفرار إلى اللورين"٦. ويختص طه حسين: "فولتير" و"ديدور" بالحب والإكبار, ويذكر أنهما أثَّرَا في تفكيره تأثرًا كبيرًا, ومَلَكَا عليه حياته العقلية وقتًا ما٧, ولذلك نجد في رسائله المقالية، كذلك التوسُّل بالقالب القصصي في الرسالة توسلًا وظيفيًّا "فمن الطبيعي أن يكون الأشخاص الذين تجري على أيديهم أحداث هذا القصص رسائل لا غايات"٨. ومن أجل ذلك يغدو الأشخاص في رسائل طه حسين نماذج رمزية يوجه إليها الأغراض التي يسعى إليها، والآراء التي كان يريد أن يثبتها أو أن ينفيها، ومن أجل ذلك أيضًا وجدنا في عناوين رسائله تفسيرًا للنمذجة الرمزية، مثل:

стр. 168

- قلب مغلق١. -صرعى٢. - نفوس للبيع٣. - مصر بين النعيم والجحيم٤. - الحرية أولًا٥. - لا ونعم٦. - صحائح الأنباء٧. وتقوم هذه النمذجة الرمزية -في الرسائل المقالية- على نماذج لأشخاص من الواقع المصري الذي يراه كل إنسان، ويستطيع أن يلاحظه عن قرب, وأن يتناوله بالنقد والتحليل والتعليل، ولعل من الخصال التي يتفق فيها طه حسين مع فولتير٨, هذه البراعة في الأخذ من الحياة الواقعة ما يحتاج إليه, ويضيف إليها ما يحتاج إليه أيضًا، ويرتِّبُ هذا كله كما يريد، ويقدِّمُ لنا منه مزاجًا رائعًا نعجب به أشد الإعجاب لا ننكر منه شيئًا؛ لأن إنكارنا يؤثر في الفكرة الساسية التي أراد أن يعرضها علينا, والتي تعلن عن نفسها في "صحائح الأنباء", ولتشير إلى "روح القوانين" المصرية، وتتنبأ بسقوط الملكية، ذلك أن الشعب المصري ينظر فيرى "الفساد يحيط بمرافقه كلها، ويتغلغل فيها كلها، ويَحُولُ بينه وبين أن تنتج له بعض ما كان ينتظر منها، فضلًا عن أن تخرجه من الضعف إلى القوة، ومن الانحطاط إلى الرقي، ومن الظلمة إلى النور"٩, ولكنَّ هذا الشعب "ما زال مستيقنًا أن من حقه أن يبسط أمله إلى أبعد الآمال والغايات, وأن ينشئ أبناءه على هذه الحياة الواثقة بحاضرها، المطمئنة إلى مستقبلها"١٠, ثم يكشف عن روح رسائله في هذا التحذير: -"وأنا بعد هذا كله، أضنُّ بالوزراء والنوَّاب على أن تدفعهم الأثرة إلى أن يقولوا كما قال قوم من قبلهم، فهلكوا وأهلكوا: لنعش نحن وليأت من بعدنا الطوفان"١١.

стр. 169

ونخلص من ذلك جميعًا إلى أن الرسائل المقالية، شأنها شأن أساليب التحرير في مقاله، ترفدها عناصر أصالة, ومظاهر تجديد في تيار وظيفيٍّ عام، يميز فنَّ المقال في صحافة طه حسين عن صحافة الإنشاء والخطابية, وينبع من رؤيا صحفية عملية تزخر بالأفكار وتحويل المقالات السياسية إلى نوع من التوعية العلمية الاجتماعية, التي تستند إلى الاستقراء والتحليل "لصحائح الأنباء" بتعبير أبي العلاء, مهما تكن الأحداث والخطوب والظروف. ذلك أن طه حسين، شأنه في ذلك شأن فولتير "صحفي عبقري" كما يصفه "لانسون"١ من حيث التأثير في الرأي العام، وتوجيهه إلى جميع النتائج التي تقتضيها الاستراتيجية القومية، متوسلًا بفنون مقالية جديدة يعرض فيها أفكاره، ويصوغها على نحوٍ ييسر الاتصال بالجماهير، تمتاز بالسخرية الهادفة التي تنبع من العقل، على نحو ما نجد في الرسائل المقالية, وفي المقال الرمزي خاصة، ذلك أن إشعار النماذج -كما يقول فولتير٢- بالنقص في التفكير عن طريق السخرية والمسخ يصلح من أنفسها، وهذه الطريقة التي تتبع في تقدير الأشياء بالعقل لا بالعاطفة "طريقة فرنسية إلى أكبر حد"٣، تمثِّلُ مظهرًا من مظاهر التأثُّر في صحافة طه حسين، التي تتمثَّل كذلك وضوح الأسلوب ونقاءه وسلامته ووظيفيته الهادفة في نهاية الأمر.

стр. 170

الفصل الخامس: طه حسين وفن العمود الصحفي مدخل ... الفصل الخامس: طه حسين وفن العمود الصحفي: نتحدث في هذا الفصل عن "فن العمود الصحفي" في مقاله طه حسين، لنتعرَّفَ على فَنٍّ مقالي جديد في صحافته التي يمكن أن نميز فيها اهتمامًا بالغًا بفنون: "المعالم" في التحرير الصحفي، كما تبين من دراسة التقرير الصحفي والحديث الخاص، وكما سيجيء عند دراسة المقالات الصحفية Articles١ والمقالات الرئيسية Leadin Articles٢، ويجيء فن العمود الصحفي في مكانه من الجانب المقالي الذي احتلَّ حيزًا كبيرًا من صحافته, لما يمتاز به من وصف واقعي ورجوع إلى مصادر الأنباء، وأسلوب صحفي اجتماعي بسيط, فضلًا عن تنوع أساليب التحرير في مقاله، على النحو المتقدِّم. وعلى الرغم من أن لفنِّ العمود الصحفي في الجريدة اليوم منزلة الباب الصحفي الثابت في العالم، وعلى الرغم من أن عدد قرائه يزيد كثيرًا على عدد قراء الافتتاحية غير الموقعة، فإن تكامل العمود وشعبيته حديثا عهد نسبيًّا٣. ذلك أن الصحف اهتمَّت في حياتها بالخبر ثم بالمقال، بينما لم يتسع المجال للعمود الصحفي, فلم يظهر إلّا متأخرًا، وإذا جاز أن يختار تاريخ لظهور أهمية العمود الصحفي في الصحف، فإن من المرجَّح أن يكون ذلك التاريخ منحصرًا في أوائل القرن العشرين٤. فالصحف العربية والمصرية خاصة، كانت تعتمد على المقال الافتتاحي، الذي كان طويلًا في البداية، ثم أخذ يقصر شيئًا فشيئًا، كما كانت موضوعات هذا المقال تدور حول موضوعات جادة في أغلب الأحيان, وإن كانت تتناول أحيانًا بعض الموضوعات الطريفة. غير أن الصحف المصرية قد أخذت عن الصحافة الغربية فن العمود الصحفي٥، وقد سبق أن تعرَّفْنَا على اتجاه طه حسين في أوائل العشرينيات إلى العمود المتخصص، أو الثقافي في "حديث الأربعاء"٦. ومن ذلك يبين أن ظهور العمود المتخصص، ابتداء، في مقال طه حسين، يعكس حاجة التجاوب بين الصحافة وطبقات الشعب المصري بعد ثورة ١٩١٩، والتي دفعت الكُتَّاب إلى أنحاءٍ من التصوير والتعبير سعيًا إلى أن تكون "مرآة صافية" صقيلة لحياة الشعب، يرى فيها الشعب نفسه, فيحب منها ما يحب,

стр. 171

ويبغض منها ما يبغض، ويدفعه حبه إلى الْتِمَاسِ الكمال، ويدفعه بضغه إلى التماس الإصلاح"١. فالعمود المتخصص إذن، ثمرة من ثمار الروابط الثقافية والاجتماعية التي ظهرت بظهور الترابط الاجتماعي متعدد الوجوه، وتجاوب الصحافة مع الطبقات الجديدة في المجتمعات المختلفة٢, وهو عند طه حسين يحقق الصلة بين "الشعب وحياته الواقعة العامة"٣، وهذه الحياة الواقعة "شعبية أو تريد أن تكون شعبية لا يستأثر بها فريق من الناس دون فريق"٤. وفي ضوء هذه الرؤيا، تتعدد أذواق قرَّاء الصحف ومشاربهم ومستوياتهم، طبقيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا٥، وفي مواجهة هذه الحياة الواقعية الجديدة ليس للصحافة بُدٌّ من أن تتطور وتغير من أسلوب تحريرها واختيار موضوعاتها؛ فاتجهت المقالات إلى الاهتمام بمصالح الأفراد والجماعات المتعددة المذاهب والاتجاهات والأهداف، ونشأ عن هذا الاتجاه المقال الافتتاحي القصير, ثم فنّ العمود الذي أخذناه عن الصحافة الغربية٦. ويمكننا أن نتبين في هذا المقال العمودي لونين مقاليين يصدران عن رؤيا طه حسين لوظيفته الصحفية، ونعني: فن العمود المتخصص، ثم فن العمود الرمزي.

стр. 172

فن العمود المتخصص: وفي صحافة طه حسين نجد هذا المقال العمودي يتجه صراحة إلى التخصص، في مواجهة التغير الثقافي في المجتمع المصري، ومتطلبات التنوير والتغيير، بحيث ينطبق على هذا اللون المقالي ما يذهب إليه بعض علماء الفن الصحفي١، من أن الأعمدة المتخصصة سوف تحتل أهمية خاصة في المستقبل، تقتضي الدراسة المدققة لها، لأن هذه الأعمدة تعكس اهتمامات القراء التي ترتبط بالحياة الواقعة المحيطة بالفن الصحفي، وهي تتعادل مع كل إبداع أدبي معروف لدى الكُتَّاب، كما أنها تتسم بسماتهم سواء بروح الفكاهة، أو الجدية الصارمة, كما يدور بعضها في فلك الاهتمامات الانسانية٢، ولكنها تتفق جميعًا مهما تنوَّعَت أشكالها التحريرية وموضوعاتها المعبَّر عنها، في أنها تنشر دائمًا تحت عنوان ثابت، وفي مكان ثابت من الصحيفة لا يتغير أبدًا٣، كما أنها تحمل توقيع الكاتب الذي تحمل طابعه في أسلوب التفكير والتعبير٤، وهي أمور تجمع بين أشكال التحرير في العمود الصحفي، كذلك بالقياس إلى طه حسين. ذلك أن أساليب التحرير في مقاله طه حسين، والتي عرضنا لبعضها فيما تَقَدَّمَ، اتخذت في كثير من الأحيان شكل العمود المتخصص، فكانت تنشر في مكان ثابت دائمًا، وفي موعد ثابت "أسبوعي في الغالب", وبعنوان ثابت لا يتغير؛ فمقالاته التنويرية عن "القصص التمثيلية" نشرت في صحيفة "السياسة" في الصفحة الخامسة معظم الأحيان، أيام الآحاد دائمًا, تحت عنوان ثابت أسماه: "أدب الغرب"٥. وكذلك مقالاته ورسائله التي كتبها من باريس ومن أقصى الغرب الفرنسي ومن بلجيكا وفيينا، اتخذت نفس الشكل العمودي، الذي اتخذ عنوانًا ثابتًا بدوره هو "من بعيد", وظل يؤثر هذا العنوان الثابت في مقالاته التي كان يكتبها في صحيفة "الجمهورية"٦،

стр. 173

والتي ذهبت إلى إبراز هذا العنوان في شكل جديد ثابت هو: "طه حسين يكتب" من بعيد١. ولعل شكلًا من أشكال العمود المتخصِّصِ لم يشع مثلما شاع "حديث الأربعاء" الذي احتلَّ مكانة الباب الثابت في صحيفتي "السياسة" و"الجهاد" في العشرينيات والثلاثينيات، وجمع من مقالاته ثلاثة أجزاء، تحدَّثْنَا عن مضمونها الثقافي في التغيير والتدعيم عند الحديث عن "المقال في الاتجاه الثقافي". على أننا هنا يجدر أن نشير إلى "مذكرات السكرتير"٢, "وما تثيره من خطأ وقع فيه البعض حول "حديث الأربعاء" خاصة، والمنهج المقالي عند طه حسين، عامة. ذلك أن هؤلاء يذهبون إلى أن طه حسين قام بالتأريخ للإسلام تأثرًا بالمستشرقين الأجانب، وتأسيسًا على ملاحات شكلية في العلاقة بين "على هامش السيرة" و"على هامش الكتب القديمة" للكاتب الفرنسي جيل لوميتر، وهي أمور أشار إليها إبَّان معركة الشعر الجاهلي -عبد المتعال الصعيدي في الأربعاء"، وقد سبق أن ذهبنا إلى أن طه حسين قد تأثَّر بمناهج المستشرقين، وليس بآرائهم، فهذا كتاب "على هامش السيرة" يصدره بقوله: "ما قصدت إلا إحياء الأدب القديم, وإحياء ذكر العرب والأولين، بعد أن قرأت السيرة فامتلأت بها نفسي, وفاض بها قلبي, وانطلق بها لساني، وقد تعرَّفْنَا على مكان هذا الكتاب من منهج التدعيم للقيم الروحية الإيجابية في المجتمع المصري، وهو لا يعدل بكتب السيرة "كتبًا أخرى مهما تكن"، ويذكر عن هذا الكتاب قوله: "ويوم أن فرغت من الجزء الأول قلت للبعض، وفي وجود فريد"٣، إنني أخذت عنوان "على هامش السيرة" من عنوان لكاتبٍ فرنسيٍّ هو "جيل لوميتر" الذي عاش تقريبًا ما بين ١٨٥٣-١٩١٤، وكتابه الذي أخذت عنواني منه هو "على هامش الكتب القديمة", وفيه كان "جيل لوميتر" يقلد أسلوب الكتب الأجنبية القديمة مثل الإلياذة والأوديسا, ثم يعلِّقُ عليها بعد التقليد، ولعل مصدر تأثري هو في العنوان, ثم في أنني كتبت أشياء ليست هي السيرة في صميمها, ولكن تُعْتَبَرُ على هامشها، وقد قلت هذا أكثر من مرة.. جيل لوميتر يقلد الكتب الأجنبية القديمة، وأما كتبي فهي على هامش السيرة النبوية"٤.

стр. 174

أما "حديث الأربعاء" فقد قرأ الناس فصوله في "السياسة" و"الجهاد", فقد كانت في "الأصل طائفة من مقالات في الصحف ضُمَّ بعضها إلى بعض.. ولأني كنت أكتبها للناس في يوم الأربعاء - لذلك سُمِّيَت بحديث الأربعاء.. كما يفعل الآن أحمد بهاء الدين في الأهرام حين ينشر أسبوعيًّا مقالًا موعده يوم الأحد ويسميه "حديث الأحد". ومن ذلك يبين محور التأثير والتأثُّر في مقال طه حسين، وهو المحور الذي يقوم -كما تَقَدَّمَ- على الأصالة والتجديد، فليست علاقة طه حسين بالثقافة الفرنسية علاقة التابع بالمتبوع، كما يخطئ منازلوه, بلا علاقة المهتدي بنماذج فنية أو فكرية يطبعها بطابعه، ويضفي عليها صبغته القومية. وهذه هي "الأصالة الحق، فليست الأصالة هي اقتصار المرء على حدود إمكانياته، وليست هي إباء التجاوب مع العالم الخارجي، لكي يبقى المرء كما هو دون تغيُّرٍ أو تحرير. ولكن الأصالة الحق هي القدرة على الإفادة من مظانّ الإفادة الخارجة عن نطاق الذات"١. وعلى ذلك تتحدد علاقة طه حسين بجلاء ذهنه بالفكر الفرنسي ومناهجه، وبالأخذ المفيد من الآراء والدعوات، وليس هناك تقليد في "حديث الأربعاء" إذن، لمقالات "سانت بيق" النقدية التي نشرها تحت عنوان "أحاديث الاثنين" في "المجلة الدستورية" Constution el١ من ١٨٥١ إلى ١٨٦٢، ثم "أحاديث الاثنين الجديدة" التي نشرها بانتظام في مجلة "العريف Moniteur, ومجلة "العالمين "Reue de deur Mondes" وفي مجلة باريس٢، ذلك أن طه حسين وسانت بيق، قد ذهب كلاهما إلى عنوان ثابت لمقالات ثقافية تتناول موضوعات مختلفة زمانيًّا ومكانيًّا، ولذلك يذهب طه حسين إلى أن العمود المتخصص في "حديث الأربعاء" مقالات وفصول متفرقة لا تؤلف" سفرًا ولا كتابًا كما أتصور السفر والكتاب. فأنا لم أتصور فصوله جملة, ولم أرسم لها خطة معينة, ولا برنامجًا واضحًا قبل أن أبدأ في كتابتها، وإنما هي مباحث متفرقة كتبت في ظروف مختلفة, وأيام متقاربة حينًا ومتباعدة حينًا آخر، فلست تجد فيها هذه الفكرة القوية الواضحة المتحدة التي يصدر عنها المؤلفون حين يؤلفون كتبهم وأسفارهم"٣. ومن ذلك يبين أن فصول "حديث الأربعاء" جاءت استجابة آنية لظروف كتابتها وتحريرها، على النحو المتَقَدِّمِ، وهي -كما يقول- "فصول كانت

стр. 175

تنشر في صحيفة سيارة ليقرأها الناس جميعًا, فينتفع بقراءتها من ينتفع, ويتفكَّه بقراءتها من يتفكَّه، ولم يكن بُدٌّ لكاتبتها من أن يتجنَّب التعمق في البحث, والإلحاح في التحقيق العلمي، إذ كانت الصحف السيارة لا تصلح لمثل هذا"١, وهو في ذلك يشير إلى مقتضيات العمود الصحفي، رغم اتجاهه نحو التخصص، ذلك أن كاتب العمود يعبِّرُ "عَمَّا يشعر به" دون أن يحاول إعادة تحرير مقاله بأسلوب أدبي أو أسلوب عميق, أو لا يخطئ أبدًا، وهو كثيرًا ما يعترف بضعفه. ومنهجه في التحرير ينحصر في المزج بين الخفيف والقليل، والمضمون الجلد، وقليل من السخرية"٢. ولعل في هذه الرؤيا تفسيرًا لما يذهب إليه طه حسين من أنه لم يكتب فصلًا من هذه الفصول إلا وهو يعلم أنه "شديد النقص، محتاج إلى استئناف العناية به والنظر فيه"٣, يقول: "وأنا أقدِّرُ أنه سيتاح لي من الوقت وفراغ البال ما يُمَكِّنُنِي من استئناف تلك العناية وهذا النظر, حتى إذا فرغت منه ونشرته في "السياسة" أو "الجهاد" عرضت لغيره في مثل هذه الحال العقلية التي عرضت له فيها, معتزمًا أن استأنف العناية به والنظر فيه، مستحييًا أن أقدَّمه إلى الناس على ما فيه من نقص وحاجة إلى الإصلاح. والأيام تمضي والظروف تتعاقب مختلفة متباينة أشدَّ الاختلاف وأعظم التباين, ولكنَّها متفقة في شيء واحد, هو أنها كانت تحول دائمًا بيني وبين ما كنت أريد من تجديد العناية واستئناف النظر"٤. ومن ذلك يبين مكان مقالات "حديث الأربعاء" من الرؤيا المقالية، ذلك أن المقال ليس بحثًا علميًّا أو فصلًا من فصول كتاب أدبي أو علمي, ولا قصة ولا محاضرة منظَّمة، ولا درامية مرتبة منطقيًا، وإنما المقال فكرة يتلقفها الكاتب من البيئة المحيطة به، ويتأثَّر بها٥, وفي هذا الجوِّ الوجداني يُعَبِّرُ الكاتب عن هذه الفكرة بطريقةٍِ ما، حظها من النظام قليل، وحاجتها إلى الترتيب والتمحيص والتدقيق أقل، ذلك أن المقال لا يقصد إلى التعبير بالمنطق الشكلي الجامد، وإنما بالمنطق النفسي الإنساني٦. فالمقال حديث يوشك أن يكون عاديًّا، يعرض الكاتب على قرائه فكرة أو اتجاهًا، كما يعرض لموضوع من الموضوعات التي يتحدَّث فيها مع بعض الجلساء٧. وهو ما يشير إليه طه حسين في العمود المتخصص، حيث لا يفرغ لمقالاته

стр. 176

"كما يفرغ المؤلف للكتاب"١، وهو الذي لم يعن "بهذه الفصول كما يعنى الباحث المحقق ببحث علمي وأدبي قَيِّمٍٍ"٢، ويذهب إلى أن هذه المقالات "ناقصة شديدة الحاجة إلى الإصلاح"٣ قد نَشَرَتْهَا "صحيفة سيارة، فأصبحت حقًّا لكم, فأنا أردُّ إليكم هذا الحق, ولست أسألك إلّا شيئًا واحدًا: وهو ألّا تنظروا إليها نظركم إلى كِتَابٍ في الأدب العربي قد فرغ له صاحبه, وعني بتحقيقه وتمحيصه"٤، وهي مع ذلك مقالات على أفضل نحوٍ تصل إليه في "العمود المتخصص" الذي يُنْشَر في صحيفة سيارة. وعلى ذلك، فإن العمود المتخصص عند طه حسين، يمتاز بالرؤيا المقالية الواضحة لهذا الفنِّ عندما يتخصص كاتبه في موضوع من الموضوعات, ويوليه قدرًا من الدراسة والتفكير٥، فهو يدرك أنه يكتب للكثرة القارئة من جمهور صحيفته، وهو لذلك يوجِّهُ مقالاته إليهم, ولا يكتبها "للعلماء ولا للمؤرخين: لأني لم أرد بها إلى العلم, ولم أقصد بها إلى التاريخ"٦. وإنما هي صور عرضت له أثناء الاتصال الصحفي بالجماهير فأثبتها مسرعًا، ثم لم ير "بنشرها بأسًا, ولعله رأى في نشرها شيئًا من الخير، فهي تَرُدُّ على الناس أطرافًا من الأدب القديم قد أغفلت منهم وامتنعت عليهم، فليس يقرؤها منهم إلّا أولئك الذين أتيحت لهم ثقافة واسعة عميقة في الأدب العربي القديم"٧. وهو لذلك يتوسّل بالعمود المتخصص في تصوير أشكال تحريرية جديدة تلائم "حياتهم التي يحيونها، وعواطفهم التي تثور في قلوبهم، وخواطرهم التي تضطرب في عقولهم"٨، فليس في مقال طه حسين -إذن- تكلُّف ولا تصنُّع "ولا محاولة للإجادة، ولا اجتناب للتقصير, وإنما هو صورة يسيرة طبيعية صادقة لبعض ما يجد من الشعور حين يقرأ هذه الكتب"٩. ولكنه يقوم على أسلوب في "التبسيط والشرح والتفسير واستنباط العبرة والوصول بها إلى قلوب الناس"١٠ وعقولهم، على النحو المتقدم. ولذلك وجدناه يتوسَّل في العمود المتخصص بأسلوب الحوار السقراطي

стр. 177

وما يمتاز به من رعاية وسخرية لذيذة١ كستارٍ لطيف شفَّاف" يَنِمُّ بما دونه من حقٍّ وجد"٢. لإعداد الإنسان العربي لكشف الحقائق و"إزالة الصدأ عن المرآة، حتى إذا أتمَّ صقلها, وتصفية جوهرها, تتجلى فيها الحقائق واضحة بينة٣. كما يتوسّل بمنهج "التوليد السقراطي" على النحو المتقدِّم؛ لأنه كان يذهب إلى أن النفس مشتملة على الحقائق "كما تشتمل الأم على الجنين"٤, وأن عمل هذا المنهج هو "استخراج هذه الحقائق من النفس, كما أن عمل القابلة هو استخراج الجنين من الأم"٥.

стр. 178

فن العمود الصحفي مدخل ... فن العمود الصحفي: ويرتبط هذا الفن المقالي كذلك بما اتصف به النصف الأول من هذا القرن في نهايته من عامل السرعة من جهة، وبالضغوط التي تعرَّضَت لها الصحافة المصرية، كما يبين من التشريعات الخاصة بالنشر منذ الثلث الأخير من القرن الماضي، والتي بلغت ذروتها في الحرب العالمية الثانية، كما تبيَّنَ فيما تَقَدَّمَ؛ بحيث أصبح المقال الموقَّع في الصحف اليومية في مواجهة ضغوطٍ لا تنبع كلها من داخل صناعة الصحف، وإنما تنبع من أعمال الرقابة الإدارية على الصحف, مستغرِقَةً أكثر السنوات التي عاشتها الصحافة الحديثة١. وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن فنَّ العمود الصحفي يرتبط بهذه الظروف التي ذهبت بمقاله إلى التوسُّلِ بالرمز، كما تَقَدَّمَ، فقد أُعْلِنَت الأحكام العرفية في مصر حين أُعْلِنَت الحرب الثانية سنة ١٩٣٩، ثم رُفِعَت بعد ست سنين، ولكنها لم تلبث أن أُعِيدَت حين أُعْلِنَت حرب فلسطين، ثم رُفِعَت بعد ثلاث سنين٢ "فقد استمتعنا إذن -كما يقول طه حسين٣- بالحرية الكاملة ثلاث سنين أثناء ثلاثة عشر عامًا. ومن قبل الأحكام العرفية الأولى كانت انقلابات سياسية لم يكن خطرها على حرية التفكير والتعبير أقل من خطر الأحكام العرفية؛ بحيث نستطيع أن نقول غير مسرفين: إننا حرمنا الحرية الحرة أكثر من خمس عشرة سنة في أقل من ربع قرن، والحرية قوام الحياة الأدبية الخصبة، فإذا ذهبت أجدب الأدب وعقم التفكير ما في ذلك شكّ, وقد قال نابليون ذات يوم: "ليس لدينا أدب جيد، وتبعة ذلك على وزير الداخلية", فقد أحسَّ نابليون إذن أن رقابة وزير الداخلية على الكُتَّاب قد ذهبت برونق الأدب واضطرته إلى العقم والجدب، كان ذلك منذ قرن ونصف قرن٤، ويذهب طه حسين إلى أن حياة الناس من هذه الناحية لم تتغَيَّر رغم اختلاف العصور٥. ذلك أن فنَّ القول في حياتنا الحديثة يعيش على "الإذاعة والنشر لا على إحسان المحسنين وعطف أصحاب الثراء والسلطان على الأدباء؛ فالأديب

стр. 179

يكتب ليقرأة الناس, والناس لا يقرأونه إلّا إذا نُشِرَ كتابه أو مقاله، والكُتَّاب والمقال لا ينشران حين يتحَكَّم في نشرهما الرقيب, والرقيب يحظر على الناس أن ينشروا كتبهم وفصولهم حين تخوض هذه الكتب والفصول فيما لا تُحِبُّ الحكومة أن تخوض فيه"١. وهكذا خضعت الصحافة في مصر لمثل الظروف التي تخضع لها الصحافة في غيرها من الأقطار الأخرى, وأصبحت مضَّطرةً إلى استحداث فنون تحريرية جديدة تواجه المصادرة التي فُرِضَت على الصحف والكتب، حين كانت تريد "أن تبصِّرَ المصريين بحقائق أمورهم وشئونهم، ونظرت مصر التي كانت ترى أنها ملجأ الحرية في الشرق الأدنى، وأنها قائدة الشعوب العربية إلى الكرامة والعزة والاستقلال، وأنها آمنت بغي الدولة التركية القديمة وطغيانها أحرار سوريا ولبنان والعراق"٢، نظرت مصر فإذا كِتَابٌ قد كتبه أحد أبنائها يُحَالُ بينه وبين المواطنين, وإذا به يُنْشَر "المعذبون في الرض" في لبنان، و"يُذاع في أقطار البلاد العربية، ثم يعود إلى مصر فيدخلها خائفًا يترقَّبُ, ويستخفي به قراءه استخفاء، ثم يُعاد طبعه ونَشْرَه في لبنان، والقراء من المصريين يسمعون بذلك فينكرون فيما بينهم وبين أنفسهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجهروا بهذا النكير"٣. كانت مصر إذن -كما يقول طه حسين- قد عادت إلى: "مثل ما كانت عليه فرنسا أثناء القرن السابع عشر, حين كان بعض كُتَّابِهَا يفرون بكتبهم لينشروها في هولنده مخافة البأس والبطش وطغيان الرقيب"٤, ومصدر ذلك عند الحكومة هو "الخوف الذي يورِّطُ في البغي، وهو الذعر الذي يدفع إلى الطغيان، وهو التنكيل بالكاتب من طريق التنكيل بكتابه، وهو الاستجابة للهوى, والانقياد للشهوة, والحكم في الناس بالحب والبغض لا بالحق والعدل, ولست أعرف أشد حمقًا ولا أجهل جهلًا ولا أغبى غباء من الذين يصدرون في حكمهم عن الخوف والذعر، وعن الشهوة والهوى، وعن الحب والبغض، فهم يورِّطُون أنفسهم في ألوان من السُّخْفِ لا تكاد تنقضي، يحسبون أن قدرتهم تبلغ كل شيء، مع أنها قدرة إنسانية محدودة, لها مدى لا تستطيع أن تتجاوزه، فهي تصادر كتابًا في مصر, وتظن أنها حالت بينه وبين المصريين، ثم لا تلبث أن تراه قد نشر في لبنان, وعاد إلى مصر فقرأه الناس فيها، وانتقض عليها كل ما أبرمت، وفسد عليها كل ما دبرت، واستبق الناس إلى هذا الكتاب, وتنافسوا في الظُّفْرِ به, ولو قد خلَّّت الحكومة بينهم وبينه لكان منهم القارئ له والمعرض عنه, ويحسبون أنهم يفهمون كل شيء، وأن عقولهم تنفذ إلى ما لا تنفذ إليه عقول غيرهم من الناس،

стр. 180

وعقولهم، مع ذلك عقول إنسانية تفهم من الأمر قليلًا وتعيا عن فهم الكثير، ولو قد فطنت عقولهم لكل ما كانت الصحف تنشر من الفصول، ولكل ما كانت المطابع تذيع من الكتب، لعطَّلوا الصحف كلها تعطيلًا، ولأغلقوا المطابع كلها إغلاقًا، وأيّ شيء أدلُّ على ذلك من هذا الأدب الجديد الذي أنشأته حكومات الطغيان إنشاء"١. وفي ضوء هذه الرؤيا التي يحددها طه حسين لمواجهة الكُتَّاب المقاليين، وغير المقاليين للظروف السياسية، يمكن القول أنَّ فنَّ العمود الصحفي كان من أهم هذه الفنون الجديدة التي توسَّل بها طه حسين "حين اضطرت حكومات الطغيان الكتاب إلى العدول عن الصراحة إلى فنون من التعريض والتلميح ومن الإشارة والرمز، حتى استقلَّ هذا الأدب بنفسه, وتنافس القراء فيه تنافسًا شديدًا، وجعلوا يقرأون ويؤولون ويناقش بعضهم بعضًا في التأويل والتحليل، واستخراج المعاني الواضحة من الإشارات الغامضة"٢. ومن آثار فن العمود الصحفي في مقال طه حسين، هذا الفن الجديد الذي اتخذ اسم "جنة الشوك"، وكان ينشره على شكل عمود في صحيفة "الأهرام" في الأربعينيات، ثم جمعت مقالاته في كِتَاب نُشِرَ لأول مرة عام ١٩٤٥ ٣. واتخذ من هذا العمود الصحفي، اسمًا لعموده في جريدة "الجمهورية" في الستينيات. وفي هذا العمود الصحفي الذي يتوسَّل بالرمز، نجد ارتباط صحافة طه حسين بالظروف الاجتماعية والسياسية، التي ذهبت به -كما يقول- إلى التعبير عن "مظاهر كنا نبغضها ولا نستطيع أن نتحدث عنها في صراحة أثناء تلك الأيام السود، فكنَّا نؤثر الغموض على الوضوح، والرمز والألغاز على التصريح، والإشارة والتلميح على تسمية الأشياء بأسمائها، وكانت حكومة ذلك العهد ورقابتها تقرأ فلا تفهم، فتخلي بين الكُتَّاب وما يكتبون"٤. وكذلك قهر هذا الفن المقال الجديد "بغي البغاء، وأفلت من رقابة الرقباء. وسجَّل على الظالمين ظلمهم، وعلى المفسدين إفسادهم، وأنشأ بينه وبين القراء لغة جديدة يفهمها الأدباء وقراؤهم، وفنًّا جديدًا يذوقه القراء ويحبونه
следующие страницы →