والثقافة العامة أول الأمر، متَّجِهٌ إلى السياسة والنزال بعد ذلك, وهو يبتدع فنونًا جديدة لمقاله، نجد منها ما يمكن أن نسميه "بالعمود الثقافي" في "حديث الأربعاء"١, والاتجاه نحو قضايا التعليم وشئونه وغاياته٢، وحرية الفكر والرأي٣ وقضية الجديد والقديم٤, وفي "السياسة" يكتب كذلك المقال الرئيسي موقعًا في كثير من الأحيان، وقد يتناول قضية اجتماعية كالتعليم٥, كما قد يتَّجِه اتجاهًا سياسيًّا أو نزاليًّا كما سيجيء, ويكتب "المقال الافتتاحي" للصحيفة: "حديث اليوم" مكان الدكتور هيكل في بعض الأحيان٦، ولكنه يوقعه، ويتخذ له عناوين تميزه، وعن هذه الصحيفة عُرِفَ التهكُم السياسي إن صح التعبير، في مقالات طه حسين٧ الصحفية، ولم يلبث المفهوم الأرسطي "للسياسة" أن وسم مقالاته بسمات "التنوير" و"التثقيف" و"التصوير" و"النقد" في صفحة "الأدب" التي كان يحررها طه حسين، والتي وسمت صحيفة "السياسة الأسبوعية"، بميسها منذ صدورها في مارس ١٩٢٦. ويذكر الأستاذ حافظ محمود٨ أن إدارة جريدة "السياسة" اليومية لاحظ أعضاؤها رواجها يوم الأربعاء الذي تظهر فيه الصفحة الأدبية ولم يكن رواج قراء فقط، ولكنه كان رواج أفكار يرسل بها كُتَّاب وقرّاء هذه الصفحة، ومن هنا نشأت فكرة إصدار "السياسة الأسبوعية".
على أننا نلاحظ كذلك ارتباطًا بين توقيت إصدار "السياسة الأسبوعية" التي صدرت في مارس ١٩٢٦، وبين قضية فكرية كان بطلُها طه حسين ونعني قضية "الشعر الجاهلي" الذي صدر في نفس العام، وانتصر فيها كُتَّاب المقال الصحفي من مدرسة التجديد على اختلاف نزعاتهم الحزبية لحرية الفكر, فكان إنشاء هذه الصحيفة الأسبوعية في تلك الأثناء تأكيدًا لحرية الفكر، وتحريره من قيود السياسة. وهو ما نلاحظه في مقال لطه حسين بالعدد الأول عن "الشعر الجاهلي والشك فيه"٩, الأمر الذي يوجب إطلاق وظيفة التثقيف في الصحافة المصرية من كل القيود والمؤثرات الحزبية.
ونتيجةً لذلك أتاحت "السياسة الأسبوعية" و"البلاغ الأسبوعي" من
стр. 72
بعد، للكُتَّاب قسطًا من الحرية لم يتح لهم في الصحف اليومية ليعالجوا موضوعات تتعلق بالنهضة المنشودة.
ولم يلبث طه حسين أن عُيِّنَ رئيسًا لتحرير جريدة "الاتحاد" لسان حزب الاتحاد، الذي أوعز القصر بإنشائه في سنة ١٩٢٥، ويذكر الدكتور هيكل أن "الصحف أعلنت أن جريدة الاتحاد ستظهر لسانًا لحزب الاتحاد، وأن المسئولين عن هذا الحزب قد اختاروا صديقي وزميلي في تحرير السياسة الدكتور طه حسين، رئيس تحرير لجريدتهم، كما عُيِّنَ يحيى باشا إبراهيم رئيسًا للحزب، وعلي ماهر باشا وكيلًا له. وظهرت الجريدة الجديدة فهاجمها الوفديون, وهاجموا الحزب الذي تنطق باسمه, وردت الجريدة هجومهم، وبدأ محرورها ينهضون بالعبء الملقى على كواهلهم"١, على أن هذه الصحيفة لم تلبث هي وزميلتها "الشعب" من بعد، أن خمل ذكرهما، رغم الأقلام الغنية عن علم وفهم فيهما، إذ كان حرَّرَ فيها إبراهيم المازني وغيره من الكُتَّاب النابهين٢, ولعل مرجع ذلك إلى أن الحزب نفسه لم يلق استجابة من الرأي العام، بل وجد على النقيض من ذلك انصرافًا مرًّا٣, وعن هذا الحزب يقول طه حسين فيما بعد: "إنما هي جماعات تتألف من أفراد لهم مآرب"٤، ويذهب إلى أن حزبي "الاتحاد" و"الشعب": "حزبان شقيقان لأم وأب لم يقع بينهما خلاف, ولن يقع بينهما من ألفة ومودة ومن صلة لن تنقطع وحبٍّ لن يصيبه الصدأ، هو قول الشاعر القديم:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا تتفرق٥
ولعل تجربة طه حسين في صحيفة "الاتحاد" هي التي جعلته يرفض طلب صدقي باستقالته من الجامعة ليصبح رئيسًا لتحرير "الشعب" لسان حزب "الشعب" الذي أنشأه صدقي في ١٩٣٠، كما تَقَدَّمَ.
وفي مارس ١٩٣٣ طلب إليه زعيم الوفد: مصطفى النحاس أن يكتب في "كوكب الشرق" التي كان يصدرها حافظ عوض، فقَبِلَ، وكان ثَمَّتَ ائتلاف بين الوفديين والأحرار الدستوريين ضد صدقي. ويعلل طه حسين انتقاله إلى صحف الوفد بقوله: "لقد جرت العادة أن يتغير الناس كلما تقدمت
стр. 73
بهم السن فينتقلون من الشمال إلى اليمين, وينتقلون من الثورة إلى الاعتدال, أما أنا فقد انتقلت من اليمين إلى الشمال، لقد وجدت الأحرار الدستوريين والسعديين قد ائتلفا, وكنت أفهم أنني أكتب معهما هنا تحولت إلى الوفد"١.
وتحتفي صحيفة "كوكب الشرق" بانضمام طه حسين إليها حفاوة ذهبت إلى اعتباره الزعيم الفكري لحزب الأغلبية، وموجِّه حركة الجماهير في هذه الصحيفة التي أصدرها حافظ عوض وفديةً في ٢١ سبتمبر ١٩٢٤, فآخت "البلاغ" في اتجاهها الحزبي, وأعلن صاحبها بأن شعارها سيكون "العمل المتواصل لتحقيق الأمنية العظمى أَلَا وهي استقلال مصر استقلالًا صحيحًا"٢, وقد لقيت هذه الصحيفة متاعب جَمَّة من السلطات المحلية كلما اعتُدِيَ على الدستور وتوقفت الحياة النيابية٣.
وتحتفي "كوكب الشرق" بانضمام طه حسين إليها في المحنة الدستورية الصدقية، فتنشر في صفحتها الأولى على عددين متتاليين هذا التنويه٤:
"الكوكب في ١٢ صفحة واشتراك الدكتور طه حسين في تحريره".
وتحت هذا العنوان تقول الصحيفة أنها ستظهر في "اثتني عشرة صفحة متنوعة الأبواب والموضوعات"٥ و"قد كان من توفيق الله أن أتاح للكوكب فضلًا من لدنه سبحانه، باشتراك حضرة الأستاذ الكبير الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب السابق في تحريره يوميًّا، ولن تقتصر آثار الدكتور طه حسين على ما تفيض به موهبته من الفصول السياسية الرائعة، بل ستعُمّ أيضًا الصفحات الأدبية والفنية والاجتماعية"٦، و"يظهر الكوكب بثوبه الجديد هذا يوم الخميس المقبل ٩ مارس "١٩٣٣", وسيزدان العدد الأول منه بتصريح تفضل فوعد به حضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا"٧.
وتصدر "كوكب الشرق" في ٩ مارس، متضمنة في الصفحة الأولى "تصريح الرئيس الجليل, تحية دولته للكوكب في ثوبه, وللأستاذ طه حسين بخط يده"٨ ويتضمَّن هذا التصريح: "وإني لمغتبط باشتراك النابغة الكبير الدكتور طه حسين في تحريره على المبدأ الوفدي الذي دلت الحوادث على
стр. 74
أنه مبدأ الحق ودين الأمة١ الذي قامت عليه في نهضتها نحو غايتها السامية في الحرية والاستقلال".
ويعاهد طه حسين قراء "الكوكب" على "الإخلاص في القول والعمل والصدق في الرأي، والمضاء في العزم، والقوة على المقاومة, والاستعداد لاحتمال المكروه في سبيل الواجب والوطن"٢. ويحضر زعيم الوفد محاضرته بالجامعة الأمريكية في الأدب العربي٣, ويقابل طه حسين مقابلة شعبية، وتنوه "الكوكب" بلقاء "الوطنية والأدب", ولا عجب أن يفعل الزعيم وصحبه ذلك حتى تقرَّ عيونهم وتمتلأ نفوسهم غبطة بزعيم التحرير للسان حالهم، وزعيم الثقافة في بلد يجاهدون لتحريره واستقلاله، والثقافة أكبر أساس من أسس الحرية والاستقلال"٤.
ومن الأصداء التي تمثلها رسائل جمهور القراء إلى الصحيفة، الذين "ابتهجوا بظهور الكوكب في ثوبه الجديد, ورحبوا بالأستاذ الكبير الدكتور طه حسين"٥ نتبين أثر طه حسين في جمهور صحيفة حزب الأغلبية، وتأثره بهم في مقالاته الصحفية التالية على أساس من هذا التأثر, وهكذا تكتمل الدورة الاتصالية، كما يقول علماء الاتصال بالجماهير٦, فلم يكد "يصل "الكوكب" إلى قرائه متضمنًا الإعلان عن انضمام طه حسين، حتى "انهالت الرسائل البرقية والبريدية من مختلف الجهات"٧، ومن هذه الرسائل نتبين "نموذج" طه حسين في أذهان جمهور صحيفة الأغلبية الوفدية فهو "زعيم الثقافة الحديثة ورافع لواء التفكير الحر، لا في مصر وحدها بل في الشرق العربي"٨ وطه حسين "رجل سياسي حكيم"٩ و"كاتب كبير"١٠ و"من أمراء البيان"١١ و"خريج كتاب الله"١٢. و"الباحث الناقد"١٣ ... إلخ.
انظر ملحق الصور
стр. 75
ويبين تأثر طه حسين بهذه الأصداء في رسائله الصحفية، من "عهد"١ عاهد فيه القراء في أول مقالٍ له بالصحيفة الوفدية، يقول فيه: ".. وأنا واثق مطمئن إلى أني لم أبلغ ما يأملون في ويرجون مني, فلن أقصِّرَ عن الإخلاص الذي ليس فوقه إخلاص، ولن أفتر عن النصح الذي ليس بعده نصح، ولن أضنَّ بقوة أملكها أو جهد أقدر عليه, وإنما أبذل هذا كله صادق الرأي ماضي العزم، قوي الأمل، كأحسن ما يكون الرجل استعدادًا لاستقبال الخطوب، واحتمال الآلام في خدمة هذا البلد الحزين"٢.
ويمضي مقال طه حسين في "كوكب الشرق" محققًا لهذا "العهد" متوسلًا -كما يقول حافظ عوض٣- "بقلمه الفياض، وإيمانه الفياض، وعقله الفياض، في الصحافة المصرية وفي السياسة المصرية، في الأزمة المصرية الحالية"٤.
على أن الخصومة بين طه حسين وصدقي ليس مصدرها، كما زعمت الصحف الوزارية فصله من الجامعة٥، وموهمةً بأن هذه الخصومة "انتقام لنفسه"٦؛ إذ كان في مقدوره أن يظل "عميدًا لكلية الآداب وإلى أكثر من ذا المنصب لو أراد"٧, ولكنه أراد مصلحة الوطن وعمل على استقلال الجامعة وإبعادها عن أهواء الوزارة وشهوتها الحزبية, في سبيل ذلك ضحَّى راضيًا مغتبطًا بمنصبه الخطير"٨.
ومن ذلك يبين أن طه حسين يتحول بسرعة متعاقبة إلى ارتباط بالوفد وجماهيره وصحافته، فينتقل من التجديد الفكري إلى التنشئة الاجتماعية والاقتراب من مشكلات المجتمع، التي تجسدت في الأزمة الاقتصادية، وما نجم عنها من تهديد للعقائد الثابتة عند الناس من خلال التبشير، وفساد الحكم٩ ويتخذ من هذه المشكلات مواقف عنيفة جريئة، يساق بسببها إلى النيابة والقضاء، مع الدكتور هيكل وعبد حسن الزيات وحفني محمود، ويصدر الحكم عليهم بالغرامة وتعطيل السياسة شهرًا واحدًا١٠.
ثم يشتري طه حسين امتياز جريدة "الوادي" بعد استقالته من "كوكب
стр. 76
الشرق" في أبريل ١٩٣٤، ويشرف على تحريرها حتى ديسمبر ١٩٣٤، إذ أعيد إلى الجامعة في الوزارة النسيمية, وقد أصدر هذه الصحيفة على نفقته في أعقاب الأزمة الاقتصادية، مواصلًا مهمته الصحفية في "كوكب الشرق", وتجديد المجتمع إلى جانب التجديد الفكري والثقافي، وينتقل معه إلى "الوادي" تلاميذه الذين عملوا معه في "كوكب الشرق", وقد خسر طه حسين في "الوادي" ثلاثة آلاف جنيه كانت دينًا عليه لموزع جريدته "المعلم الفهلوي"، وربما لبعض أصدقائه١، ولم ينقذه من هذه الأزمة إلا عودته للجامعة، وبداية الانفراج السياسي.
ومن ذلك يبين أن طه حسين قد تألَّفَ ككاتب مقال صحفي ولم ينجح كصاحب جريدة أو مدير، ولذلك يواصل الكتابة والتحرير في الصحف، قبل عودته للجامعة، وبعد عودته، فيكتب في "الرسالة" التي أصدرها الزيات في ١٥ يناير ١٩٣٣ بالاشتراك مع طه حسين وأعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر, وكانت خطتها "ربط القديم بالحديث, ووصل الشرق بالغرب"٢. ويصور الزيات مولد "الرسالة" واللقاء الذي تَمَّ بينه وبين طه حسين بشأن إصدارها في وقتٍ كانت المجلات الهزلية تطغى على الصحف الثقافية بعد تحوّل السياسة الأسبوعية إلى الاتجاه الحزبي، يقول: "في ذات عشية من عشايا نوفمبر من عام ١٩٣٢ زرت أخي طه حسين في داره بالزمالك, وكنت منذ أربعة أشهر قد رجعت من العراق بعد أن أغلقت دار المعلمين العليا ببغداد, وكان هو قد أنزل عن كرسيه في كلية الآداب من جامعة فؤاد, فقلت له بعد حديث شهي من أحاديث الذكرى والأمل؛ ما رأيك في أن نصدر معًا مجلة أسبوعية للأدب الرفيع؟ فضحك ضحكته التي تبتدئ بابتسامة عريضة، ثم تنتهي بقهقهة طويلة، وقال: وهل تظنك واجدًا لمجلة الأدب الرفيع قراء في مجتمع ثقافة خاصَّتِه أوربية، وعقلية عامته أمية، والمذبذبون بين ذلك لا يقرأون -إذا قرءوا- إلّا المقالة الخفيفة والقصة الخليعة والنكتة المضحكة؟
فقلت له: لعل من بين هؤلاء طبقة وسطى تطلب الجد فلا تجده، وتشتهي النافع فلا تناله.. فقال وهو يهز رأسه ويمط شفتيه: حتى هذه الطبقة، إن كانت، ستقبل على الجد النافع أول الأمر لأنه تغيير وتنويع، فإذا ما ألح عليها، لا تلبث أن تسأمه وتزهد فيه.. والمثل أمامك في السياسة الأسبوعية.
"فقلت له: ربما كان لإقبال القراء على السياسة الأسبوعية، ولإدبارهم
стр. 77
منها سببان "آخران التغيير والسأم.. كان هذه المجلة أول ما صدرت قوية عفية خصبة فأصبحت حاجة، ثم اعتراها ما يعتري الكائن الحي من الوهن والانحلال فصارت فضيلة.
"فقال طه بعد نقاش طويل، أنت وشأنك.. أما شأني فهو المقال الذي أكتبه، والرأي الذي أراه.. وكان يظاهرني على تفاؤلي أصدقائي الأدنون من لجنة التأليف والترجمة والنشر، فكانوا بهذه الظاهرة نقطة الارتكاز ومبعث المدد"١.
وحين عُيِّنَ طه حسين في "كوكب الشرق" خُوطِبَ في شأن الزيات فقبل نيابة عنه، ولكن الزيات هاله الأمر إشفاقًا على المجلة الوليدة التي أحاطت بمولدها الأماني، فيعرض المسألة على أعضاء لجنة التأليف الذين أيدوا الزيات فترك طه حسين الرسالة مغضبًا، واضطلع بها الزيات يعاونه رجال الفكر٢ من أعضاء لجنة التأليف, ثم أخذ طه حسين ينازل توفيق الحكيم في "الوادي" تحت عنوان "أخلاق الأدباء" نزالًا هدَّدَ بقطع الصلة بينهما، ولما كانت "الرسالة" قد شهدت مولد الحكيم الأدبي, ونشرت تقديم طه حسين له، فقد نشر الزيات فيها مقال "أخلاق الأدباء" ليعرف قراء الرسالة النهاية بعد أن عرفوا البداية على صفحاتها, فأحنق ذلك طه حسين وهاجم الزيات أيضًا في "الوادي" تحت نفس العنوان "أخلاق بعض الأدباء", فرَدَّ عليه الزيات تحت عنوان "بين أسلوبين" في سنة ١٩٣٤, وكانت هذه المقالات من المساجلات الأدبية التي كان لها دويّ في ذلك الحين شغلت الرأي الأدبي العام. كما شهدت "الرسالة" المقالات النقدية والقومية لطه حسين بين سنتي ١٩٣٦، ١٩٣٩، وشهدت معركة مع العقاد "لاتينيون وسكسونيون", وفصول "على هامش السيرة" قبل نشرها في كتاب.
على أن احتجاب "الرسالة" من الأمور التي أسف لها طه حسين أسفًا عميقًا، في مقال بعنوان "لا بأس"٣ يقول فيه: "رأيت مصرع صحيفتين
стр. 78
أدبيتين في شهر واحد أو في أقل من شهر, فضاق صدري ومن حَقِّه أن يضيق، ثارت نفسي ومن الواجب عليها أن تثور، ولم أكتب في هذه الصحيفة أو تلك منذ عهد بعيد جدًّا، فلم أغضب لعلمي إن كان لي علم, ولا لفني إن كان لي فنٌّ، إنما غضبت لعقلي، وأحسب أن لي عقلًا، فقد كان يجد في هاتين الصحيفتين عزاء ومتاعًا، وغضبت لعقول فريق من المصريين والشرقيين كانوا يجدون فيهما مثل ما كنت أجد من الغذاء والمتاع"١. إلى أن يقول: "كنت أذكر كيف قهر الأدب في بعض الأوقات السياسية والأحزاب وكيف انتصر عليها، وكيف كان الناس يشترون بعض الصحف سرًّا يختلسون شراءها اختلاسًا, ويدسونها حتى لا يراها الناس؛ لأن الزعماء كانوا قد حذروا من قراءة تلك الصحف. لكن الأدب كان أقوى من الزعماء، فكان الناس يخالسون بشراء الصحف، ويفرغون لقراءتها حين يخلون إلى أنفسهم, وحين يأمنون عيون الرقباء"٢. ويعقِّبُ العقاد على هذا المقال بعنوان: "وأي بأس"٣ يتحدث فيه عن أثر احتجاب المجلتين: الرسالة والثقافة، على الحياة الثقافية التي شارك فيها هذا الجيل من المقاليين.
ذلك أن مجلة "الثقافة" كانت قد توقفت قبل توقف "الرسالة"، بعد ست عشرة سنة من صدروها، فهي من الإنجازات الثقافية في صحافة طه حسين، التي انفردت بها لجنة التأليف بعد انفصالها عن "الرسالة", فصدرت في ٣ يناير ١٩٣٩ لصاحب امتيازها أحمد أمين "تتقدَّمُ للعالم الشرقي مؤمنة بقدرتها بنفسها وبأصدقائها, شاعرة بتبعتها, مقدرة لواجبها وثقتها بقرائها". وكان طه حسين قد أعيد للجامعة وترك العمل في الصحف السياسية اليومية، واستمرَّ في عمادة كلية الآداب حتى مايو ١٩٣٩، فكان اشتراكه في تحرير "الثقافة" هو العمل الصحفي المنتظم بعد تركه العمل في "الوادي" اليومية، ليواصل رسالته مع لجنة التأليف الغنية "بأعضائها وتخصصها، ففيها العالم من كل صنف، وفيها الأديب من كل نوع، وفيها الفنون في كل فن، حصلوا كثيرًا من العلم والأدب, فرأوا من واجبهم أن يشركوا في علمهم وأدبهم أكبر عدد ممكن في مختلف الأقطار"٤.
وفي مجلة "الثقافة" تتحدد الوظيفة النقدية في مقال طه حسين التي تلقي استجابة من الرأي العام الأدبي، كما يبين من الأصداء المتمثلة في رسائل القراء، ومنها نجد رسالة من "علي زكي, وكيل مديرية الغربية"٥ يقول
стр. 79
فيها: "قد يربط الله بين النفوس من غير طريق الرباط بين الأجساد, وقد تتعارف الأرواح وتأتلف دون حاجة إلى ما ألفه الناس من المقابلات والمحادثات"١.
ومن ذلك تَبِينُ العلاقة النفسية بين طه حسين وجمهور قرائه، والتي دفعت به إلى أن يرأس تحرير مجلة "الكاتب المصري" التي صدرت في أكتوبر ١٩٤٥ عن دار الكاتب المصري للطباعة والنشر، والتي استمرَّت لمدة ثلاث سنوات, حدَّدت خلالها مفهوم الصحافة الأدبية عند طه حسين في محورين يستقطبان كل أبحاثها هما: العرض والنقد، عرض الفكرة الجديدة أو الكتاب الجديد أو الأثر القديم، ومن خلال هذا الاحتكاك بين العرض والنقد يرسم طه حسين مفهوم للصحيفة الأدبية أو الفكرية العامة، لإغناء الفكر المصري وتأصيله من خلال التعريف والتصحيح والتقويم في النطاق الفكري أو الخلقي على السواء.
وفي "الكاتب المصري" يبين الأثر الفرنسي في ثقافة طه حسين, والنموذج الذي تمثَّله للصحافة الفرنسية، والذي ظهرت آثاره من قَبْل في صفحات المجلات الفكرية العامة: "المجلة الفرنسية الجديدة"٢ التي كانت تتيح لكُتَّابها معالجة موضوعات أخرى غير الأدب تظهر فيها مقدرتهم التحريرية, وتضمَّنَت فنونًا أخرى من النقد الموسيقي والفني٣، عني بها طه حسين في مجلته، التي كانت على اتصال وثيق كذلك بمجلة "الأزمنة الحديثة"٤ التي يديرها سارتر، والتي ناقش طه حسين دعوتها إلى الالتزام والمذهب الوجودي في الأدب والفكر، من خلال الريبورتاج والوثيقة ومقال التحليل الاجتماعي. وقد نشرت "الكاتب المصري" مقالات لسارتر كان يخصها بها، وكان بعضها ينشر فيها وفي "الأزمنة الحديثة" في وقت واحد٥.
وعني رئيس تحرير "الكاتب المصري" بالشهريات التي تصل القارئ العربي بالعالم مثل: شهرية السياسة الدولية - من وراء البحار - ظهر حديثًا - في مجلات الشرق - شهرية المسرح والسينما - في مجلات الغرب - إلى جانب المقالات النقدية والاجتماعية والسياسية لطه حسين في هذه المجلة.
ومن هذه المجلة يبين العنصر النفسي للكيان الصحفي فيها، من تسميتها
стр. 80
باسم "الكاتب المصري"؛ لأن هذه المجلة -كما يقول طه حسين- تستمد "برنامجها وخطتها وسيرتها من تاريخ مصر القديم والحديث، وعن المهمة التي نهضت بها مصر منذ شاركت في الحضارة الإنسانية العامة"١, ولذلك يتوسَّل طه حسين بهذه المجلة الفكرية في تحقيق "صلة ثقافية بأدق معاني هذه الكلمة وأرفعها بين الشعوب العربية أولًا, وبين هذه الشعوب وأمم الغرب ثانيًا"٢.
فهذه المجلة الفكرية تُحَدِّدُ مفهوم طه حسين للثبات والاستقرار، والنمو والتطور والارتقاء، في تأصيل الشخصية المصرية, وهو المفهوم الذي ذهب بمجلته إلى أن تحرص أشدَّ الحرص على العناية بهذين المقومين للأدب العربي, فتعنى بقديم هذا الأدب وتدرس تاريخه وتكشف أسراره وتحيي آثاره, وتعنى بالأدب الحديث الذي ينتجه الممتازون من كُتَّابِ الشرق العربي تذيعه وتدرسه وتنقده وتشجعه وتجعله غذاء لعقول العرب وقلوبهم وأذواقهم، وتهيئه لعقول غير العرب من أبناء الأمم الأخرى المتحضرة؛ بحيث يمكن أن ينتقل إلى اللغات الأوربية المختلفة٣". ولذلك عُنِيَت "الكاتب المصري" بالآداب الأجنبية تُعَرِّفُها إلى القرَّاء بالدرس والنقد والتحليل، واتفقت مع "طائفةٍ من كبار الكُتَّاب العالميين بأن يوافوها بمقالاتهم ودراساتهم؛ بحيث تُكْتَب خصيصًا لها، وتنشر في اللغة العربية قبل نشرها بأي لغة أخرى"٤. كذلك حاولت "الكاتب المصري" أن "ترفع الأدب عن هذه الخصومات التي تثيرها منافع الحياة العاجلة بين الناس"٥.
ومن ذلك يبين أن طه حسين في بيئة المقال الصحفي في مصر، على الرغم من عمله في الجامعة لم يقتصر على المشاركة الصحفية أثناء فترات الابتعاد عنها, ولكنَّه ظلَّ يسهم في البيئة الصحفية عن قربٍ في أحيان كثيرة، وعن بُعْدٍ في أحيان قليلة، فكتب في "البلاغ" و"الجهاد" و"المصري" في الفترات التي لم يكن يشتغل بالصحافة فيها اشتغالًا منظمًا، وبعد ثورة ١٩٥٢ يكتب في "الأهرام" و"الجمهورية" التي تولَّى رئاسة تحريرها في ١٦ أكتوبر ١٩٥٩, فلم ينقطع عن الكتابة الصحفية إلّا حين أعجزه المرض قبل وفاته بفترة, فهو كما يقول: "لا يعفي نفسه من بعض الالتزام إلّا ليفرض عليها التزامًا آخر, ولا يفرغ من عمل إلّا ليدخل في عمل آخر"٦.
ونخلص مما تَقَدَّمَ إلى أن طه حسين في بيئة المقال الصحفي، كاتب من
стр. 81
أبرز كُتَّاب مصر في عهود متتابعة منذ أسهم في بيئة التكوين إلى أن ختم حياته صحفيًّا يكتب "من بعيد".
فمكان طه حسين ككاتب مقالي في البيئة الصحفية المصرية، يحدِّدُ الجانب الشامل في إنتاجه المتعدد النواحي، والوسائل كذلك، ذلك أن الصُّحف السياسية والثقافية هي وسيلة الاتصال الجماهيرية التي أذاعت مقالاته في الاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية. والمقال الصحفي هو الشكل التحريري الذي نقل هذه الاتجاهات من خلال وسيلة الاتصال الصحفي بالجماهير, وكانت هذه الوسيلة الجماهرية مثيرة النقاش ووعاء الجدل في السياسة والثقافة والفكر.
ويحدِّدُ هذا المكان من بيئة المقال الصحفي في مصر مفهوم هذا المقال على النحو الذي أَدَّتْ إليه المؤثرات الثقافية الغربية في الحياة المصرية، ذلك أن لفظ مقال Essay يدل في الأصل على "المحاولة" أو "الخبرة" أو"التطبيق المبدئي" أو"التجربة الأولية"١, وفي هذا المفهوم مشابهات من حيث البيئة التي بلورته على هذا النحو، والبيئة المصرية التي عُرِفَ فيها المفهوم الصحيح لهذه الكلمة، فالمقال وليد روح التجربة في عصر النهضة, والعناية بالخبرة الإنسانية، والاهتمام برأي الفرد، والإيمان بقدرته٢. وفي الأدب الفرنسي نجد مفهومًا يقترب من هذا المفهوم لكلمة Essai, يذهب إلى أنها عمل نثريٌّ وغير سرديّ يعبر عن أفكار ذات طابع غير تكنيكي؛ فالمقال حديث يوشك أن يكون عاديًّا، يعرض الكاتب فيه على قرَّائه فكرة أو اتجاهًا٣.
وليس مجرد صدفة أن يكون أول من يكتب في هذا الفن اثنان من أئمة عصر النهضة هما: مونتاني وبيكون٤, عندما تظهر الثورة على الفلسفة القديمة, وعلى فلسفة أرسطو, وعلى النظام العقلي، كما تركه اليونان والرومان والعرب، وهي تظهر عند بيكون الذي يستعرض حياة العقل ويستعرض الفلسفة, ويريد أن يحرِّرَ العقل أمام نفسه، كما يقول طه حسين٥، ومن ذلك يبين أن فنَّ المقال مرتبط باتجاهٍ قويٍّ إلى التعقيل، بحيث لا يتأثر العقل بهذه القواعد التقليدية, وإنما يأخذ هذه القواعد واحدة واحدة فينقدها نقدًا حرًّا
стр. 82
صريحًا، ولا يستبقي من هذه القواعد إلّا ما يثبت لهذا النقد, فما يثبت له يجب أن يبقى، وما لم يثبت له يجب العدول عنه في حرية وصراحة وفي غير تحفظ ولا احتياط١.
ويتمثَّل طه حسين هذا المفهوم المقالي في تحرير العقل مما فرضته القواعد التقليدية، بحيث يمكنه أن يفكر "تفكيرًا صحيحًا مستقيمًا منتجًا"٢, ويستتبع ذلك عند طه حسين، أن يتحرَّرَ العقل في التفكير دون أن يتعرَّضَ لخطر ما، ودون أن يتعرَّضَ للرقابة، ودون أن يتعرَّضَ للمحاكمة من حيث أنه قد فكَّرَ وأعلن رأيه٣.
على أن اتفاق طه حسين مع مقاليي عصر النهضة الأوربية، لم يصل به إلى تحديد حريّة العقل أمام العقل فحسب، وإنما ذهب إلى تحديد ماهية المقال أمام وسيلة الاتصال الجديدة بالجماهير، على النحو المستفاد من بيئته الصحفية العامة، فالصحافة هي الوعاء المادي للمقال بفنونه المختلفة، وهي لذلك تنتهي إلى وضع خطوط واضحة تفصل بين فنِّ المقال الأدبي وفنِّ المقال الصحفي، فانشعب المقال في بيئته المصرية كما انشعب في بيئته الأوربية شعبتين٤: شعبة يغلب عليها الطابع الذاتي ويمثِّلُها مونتاني في البيئة الأوروبية, وشعبة أخرى تهتم بالموضوع من نواحيه المختلفة.
ولم تلبث صحافة طه حسين أن انتقلت من طَوْرِ التكوين إلى طَوْرِ المشاركة العامة, فتلَقَّفَ فنَّ المقال الأدبي واستمثره كقالب جديد يصوغ فيه الأفكار، ويتَّخِذُ منه سلاحًا ماضيًا للنقد والتعقيب، وأداة فعَّالة للتوجيه والإرشاد، وقد يقصد بها إلى الإخبار والإعلام كذلك, أما المقال الصحفي فقد تنوعت موضوعاته وأشكاله عند طه حسين، يشتق موضوعاته من الحياة الواقعية، ويشتق لغته كذلك من نفس تلك الحياة الواقعية، التي يتوسَّلُ بها في الاتصال بجمهور القارئتين على اختلاف أذواقهم أو أفهامهم أو بيئاتهم أو ثقافاتهم٥.
ويذهب طه حسين في هذا الصدد إلى أن الخصومات السياسية قد يسَّرَت اللغة، ومنحت العقول حِدَّةً ونفاذًا رائعين، واستطاعت أن تشغل الجماهير وتعلمهم العناية بالأمور العامة, والاهتمام بها والتفكير المتصل فيها٦، كما
стр. 83
يذهب إلى أنَّ الخصومة السياسية قد دفعت صحف الأحزاب المختصمة إلى التنافس "فأفتنَّت فيما جعلت تنشر من الفصول"١ أو المقالات، فاستعرض الكُتَّاب الأدب القديم يحيونه بالنقد والتحليل، كما استعرضوا الآداب الأوربية الحديثة يذيعونها ناقدين ومحللين ومترجمين، وإذا هم بعد هذا كله "يرقون إلى إنشاء الدراسات التي تطول حتى تصبح كتبًا تستَقِلُّ بنفسها، وتَقْصُر حتَّى تصبح "فصولًا" تنشر في الصحف والمجلات، ثم يجمع بعضها إلى بعض"٢, وفي ذلك ما يُبَيِّنُ مفهوم المقال عند طه حسين، وهو مفهومٌ تُسْتَفَاُد من ثقافته الفرنسية التي تنظر إلى المقال على أنه "أدب أفكار"٣ يثير لدى القارئ غير الواعي الحاجة إلى التفسير والتوضيح٤. ولعلَّ في ذلك ما يفسِّر إيثار طه حسين لكلمة "فصل" في الدلالة على مفهوم "المقال", فمن النادر أن نجد كلمة "المقال" في معجم مفرداته، بل إن المقالات الصحفية السياسية في الصحف اليومية، كان يشير في استهلالها إلى أنه يكتب "فصلًا" حول هذا الموضوع أو ذاك. فالصحف اليومية -كما يقول: قد أخذت "تنشر الفصول الأدبية تقلِّدُ في ذلك صحفًا أوروبية، ولكنها تخدع الناس وتستدرجهم إلى قراءة ما تكتب في السياسة، وما هي إلّا أن أصبحت الكتابة في العلم والأدب نظامًا تحرص عليه كل صحيفة تُقَدِّرُ لنفسها كرامة صحفية، وتريد أن يحفل بها الجمهور, وأصبح الجمهور نفسه لا يُقَدِّرُ الصحف إلّا إذا قدَّمت له مع الفصول السياسية فصولًا في العلم والفلسفة والأدب والفن"٥.
وتأسيسًا على هذا الفهم, فإن "الفصول الصحفية" أو المقالات الصحفية فنٌّ حضاريٌّ يقوم على وظيفة اجتماعية عملية، ويتوسَّل بلغةٍ صحفية عملية تقترب من لغة الأدب, وتمتاز بالسلاسة والواقعية والتبسيط، فالمقال الصحفيّ عند طه حسين يمثِّلُ التَّقَارُب المنشود بين مستويات اللغة: العلمي والأدبي والعملي، وهذا التقارب في نهاية الأمر دليلٌ على "تجانس المجتمع، وتوازن طبقاته، وحيوية ثقافته، ومن ثَمَّ إلى تكامله وسلامته العقلية، فمِنْ الثابت أن العصور التي يسود فيها نوع من التآلف بين هذه المستويات، هي غالبًا أزهى العصور وأرقاها"٦.
стр. 84
وتمتاز بيئة المقال الصحفي في مصر -عند طه حسين- بأنَّ ولاء الكاتب فيها يرتبط "بالبيئة المتحضرة التي يعيش فيها الكاتب للجمهور وبالجمهور"١. وتبين هذه الميزة في بيئة المقال الصحفي في مصر إذا نظرنا إلى المنفلوطي والرافعي من جهة, والمازني وهيكل والعقاد وطه حسين من جهة أخرى, فقد كان المنفلوطي لا يعيش لأدبه وإنما يعيش بأدبه٢, ولا بد له من "مسين" كما يقول الأوربيون، يحميه ويعطيه ويحوطه بالرعاية والعناية, ويدفع عنه العاديات والخطوب. أما الأربعة الآخرون فثائرون على هذا النوع من الحياة والأدب, يكبرون أنفسهم أن يحميهم هذا العظيم أو ذاك, يعيشون أولاً ويعيشون أحرارًا, وهم يأبون أن يؤدوا عن إنتاجهم حسابًا لهذا العظيم أو ذاك٣, وقد فتحت هذه الحرية أمام مقال طه حسين وزملائه من المقاليين التجديديين أبوابًا "لم تكن تُفْتَحُ لهم حين كان الأدب خاضعًا للسادة والعظماء"٤ فهم "يؤثرون أنفسهم ويؤثرون الفن ويؤثرون الشعب بما ينتجون"٥, وكذلك عكف طه حسين في بيئة المقال الصحفي على "الشعب، فجعل يدرسه ويتعمَّق درسه, ويعرض نتائج هذا الدرس على الشعب نفسه فيما ينتج له من الآثار"٦ المقالية، ومن ثمار هذه الدراسة جاءت بلاغة المقال الصحفي الجديدة لتجعل من لغته لغة "المغزى والمعنى والأهمية؛ لأنها تقوم على الوظيفية الهادفة، والوضوح والإشراق، بحيث تكاد تكون فنًّا تطبيقيًّا قائمًا بذاته. فالفنُّ الصحفي تعبير اجتماعي شامل، ولغته ظاهرة مركبة خاضعة لكل مظاهر النشاط الثقافي من علمٍ وفنٍّ وموسيقى وفنٍّ تشكيلي ... إلخ إلى جانب السياسة والتجارة والاقتصاد والموضوعات العامة٧.
وعلى ذلك, فإن التمييز بين أنواع المقال إلى علمي وأدبي وصحفي، على النحو المألوف، لم يَعُدْ مجديًا أمام ضرورة الوسيلة الجماهيرية في بيئة المقال الصحفي في مصر، وذلك أن المقال الصحفي عند طه حسين يدور في اتجاهات ثقافية واجتماعية وسياسية، ويصوغها في قالب صحفي تتوفر له الحالية والحيوية والاستجابة لاهتمامات الجمهور، واللغة الوظيفية العملية القريبة من قرائه.
ونخلص من ذلك إلى أن المقال الصحفي في أدب طه حسين يلائم بيئة هذا الفن الصحفي في مصر سياسيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، ملاءمته لفن المقال نفسه.
стр. 85
الفصل الثالث: طه حسين وبلاغة الاتصال بالجماهير
مدخل
...
الفصل الثالث: طه حسين وبلاغة الاتصال بالجماهير
نتحدث في هذا الفصل عن "عناصر الأصالة ومظاهر التجديد في مقال طه حسين" تأسيسًا على أن وسائل التعبير الفنِّي لا يمكن أن تنفصل بحالٍ عن المضمون، ولقد تعرَّفْنَا على مضمون المقال الصحفي عند طه حسين في كتابنا المتقدم١، وانتهينا إلى أنه يدور حول محورين أساسيين في استراتيجيته القومية، هما: محور التغيير ومحور التدعيم، وهما كذلك أهم صفات الشخصية المصرية؛ حيث تقترن صفة البقاء والاستمرار التي عرفها المؤرخون عن تطوّر التاريخ في مصر، بعملية "التغيير والتجديد" من خلال وحدة الشعور التي تنتظم الأصالة والتجديد، لتربط حاضر الثقافة المصرية بماضيها، وهذه الظاهرة من وحدة الشعور لدى المصريين هي التي قوَّمت شخصية المصريين التاريخية، وصبغت مقال طه حسين بصبغتها شكلاً ومضمونًا، ذلك أن أي عمل إبداعيٍّ إنما يأتي على أساس عملية تحضيرٍ وإعدادٍ طويلةٍ تشترك فيها كل الخبرة السابقة للفن، والفنان نفسه، وعلاقاته المتبادلة مع مَنْ حَوْلَه وما حَوْلَه من الناس، ومع العالم بأسره، وبالمثل فإن عملية إدراك العمل الفني لا تحدث كظاهرة منفصلة عن التاريخ, أو كواقعة معزولة خاصة بصاحبها فقط.
فمحور التأثُّر في فنِّ القول أو الإفادة من فنون القول الأخرى هو الأصالة؛ أصالة الأفراد، وأصالة القومية٢، وبهذا المحور -في فنِّ المقال- خاصة، تتحقق المحاكاة الرشيدة المثمرة التي تفيد من مظانِّ الإفادة الخارجة عن نطاق الذات حتى يتسنَّى الارتقاء بالذات عن طريق تنمية إمكانياتها "ولا يستطيع امرؤ أن يصقل نفسه، ولا أن يبلغ أقصى ما يتيسر له من كمالٍ إلّا بجلاء ذهنه بأفكار الآخرين، وبالأخذ المفيد من آرائهم ودعواتهم"٣.
وتأسيسًا على هذا الفهم, فإنَّ فنَّ المقال في أدب طه حسين، قديم جدًّا وحديث جدًّا, قد اتصل قديمه بحديثه اتصالاً مستقيمًا لا انقطاع فيه ولا التواء؛ ففيه خصائص الآداب القديمة، وفيه خصائص الفن الصحفي الحديث، وفيه ما يُمَكِّنُنَا من استخلاص حديثه من قديمه، وما يغنينا عن كثير من الفروض٤.
وأخصُّ ما نلاحظه في مقال طه حسين، أنه يأتلف من عنصرين لا يحتاج استكشافهما إلى جهد أو عناء: أحدهما داخلي يأتيه من نفسه ومن طبيعة الأمة
стр. 86
المصرية التي ينتمي إليها, والآخر: خارجيٌّ يأتيه من الشعوب والثقافات التي اتصل بها، ونعني بهذين العنصرين: الأصالة، والتجديد.
ونبدأ فنتعرف على لغة الاتصال بالجماهير في مقاله الصحفيّ، ومميزات أسلوبه ومهاراته في الاتصال، ثم نتعرَّف على مقاله بين التقليد والتجديد تمهيدًا للتعرُّفِ على رؤياه الإبداعية في فنِّ المقال الصحفي في تشكيلاته النهائية التي ظهر بها واضحًا في شخصيته وفَنِّه. تأسيسًا على أن الفنَّ الصحفيّ "طريقة تفكير ورؤية خاصة متميزة للحياة"١ والمقال الصحفي في ضوء هذه الرؤية يغدو عملاً نقديًّا في الوقت ذاته، أكثر مما كان في أيِّ وقت مضى، ذلك أن عملية الإبداع الفنيِّ تتضمَّن اختيارًا للشكل وللغة، ولعدد لا يخضع للحصر من التفاصيل الصغيرة التي تشكِّلُ فنَّ المقال وتحدده، وكل كاتبٍ هو بهذا المعنى ناقدٌ بالضرورة. فأكبر الكُتَّاب هم أصحاب أعمق وأشمل قدرة على النقد٢، وهي القدرة التي تميِّزُ الرؤيا الإبداعية في مقال طه حسين نتيجة إلحاحه في الوعي بالذات، وغلبة التأمُّل العقلي على عالم التعبير الفني في أدبه على العموم، ومقاله على الخصوص. وقد يرجع ذلك إلى اهتمامه واهتمام جيله بقاضاياه وفلسفته وتفسيراته، والتزامه لهذه القضايا في كثير من الأحيان، ونظرته إلى الفن كضرورة من ضرورات الحياة، فيجد في فنِّ المقال وسيلةً لمبادلة الجمهور اهتمامًا باهتمام، ومناسبة لتوضيح ما في فنِّه من مغزى، الأمر الذي يجعلنا ننظر إلى عناصر الأصالة والتجديد في مقال طه حسين، على أنها عملية إبداعية تنتظم العمل الإبداعي والعمل النقدي عن قصد، من أجل إيجاد الاتصال والفهم المشترك.
وليست محاولة التعرُّفِ على الرؤيا الداخلية في مقال طه حسين تتعلَّقُ باللغة والأسلوب فحسب، بل هي بالأحرى محاولة للتعرُّفِ على الرؤيا الفنية المتكاملة التي تُمَيِّزُ وتحدِّدُ إبداعه في فن المقال الصحفي، الإبداع الذي لا ينفصلُ فيه عن إنتاجه.
стр. 87
عناصر الأصالة والتجديد:
على أنَّ هذا الفهم يقود إلى مناقشة عناصر الأصالة والتجديد على النَّحْوِ الذي يتيح التعرُّفِ على أبعاد الرؤيا الفنية في مقال طه حسين، نتيجةً للرجوع إلى "الأدب القديم، وإحيائه بالنشر والإذاعة أولًا، ثم بالتقليد والمحاكاة ثانيًا، وما كان من تعَلُّمِ بعض اللغات الأجنبية وقراءة ما ينتج فيها من الآثار، وترجمة بعض هذه الآثار إلى اللغة العربية في غير نظامٍ ولا اطراد، وما كان آخر الأمر من الإعراض عن الحضارة المادية القديمة, والإقبال على الحضارة المادية الحديثة, واستعارة النُّظُم السياسية والاقتصادية والإدارية والعسكرية والقضائية من أوروبا، ثمَّ العدول عن العلم الموروث ومناهج تعليمه إلى العلم الحديث الحي ومناهج تعليمه الحية المستحدثة"١. فقد أدى ذلك جميعًا إلى تغيير كثيرٍ من خصائص النفس المصرية -كما يبين من مصادر ثقافة طه حسين- على النحو المتقدِّم، فاضطرها إلى أنحاءٍ من التصوُّرِ والتصوير لم تكن مألوفة من قبل، وأخذ عنصر التطوّر يعمل من جديدة، ولكنه كان -كما يقول طه حسين- تطورًا رائعًا حقًّا. ذلك أن هذا التطور كان يسعى في طريقين متعاكستين أشد التعاكس وأقواه, وليس أدلَّ من هذا التطور على "قوة الأدب العربي وقدرته على المقاومة، واستعداده للتَّغَلُّبِ على المصاعب والنفوذ من الخطوب. فقد كان إحياء الأدب القديم وما زال يدفع العقل العربي الحديث إلى وراءٍ ويقوي فيه عنصر الثبات والاستقرار، كما كان الاتصال بالأدب الأوروبيِّ الحديث يدفع الأدب العربي إلى أمام، ويقوي فيه عنصر التطور والانتقال"٢. على أن ثبات العقل العربي الحديث لهذا التعاكُس العنيف كان يُخْشَى في أواسط القرن الماضي وفي أول هذا القرن أن يتمَّ التقاطُع بين هذين الاتجاهين، فيذهب فريق من المتأدبين والكُتَّاب إلى وراءٍ من غير رجعة، ويذهب فريق منهم إلى أمامٍ في غير أناة، ويضيع الأدب الصحفي الناشئ بين هاتين الطريقتين المتعاكستين، ولكنه ثبت لهذه المحنة واستفاد منها. وليس من شك في أن "هذا التعاكُس قد كان له صرعى، فجَمُدَ بعض الكُتَّاب، وأسرفوا في الجمود، ولكنهم قضوا ولم يعدوا بجمودهم أحدًا"٣, وغلا بعض المجددين ولكنَّ غلوَّهم لم يلبث أن رُدَّ إلى "الاعتدال والقصد"٤. والشيء المهم أن الأدب الصحفي في مصر قد استقامت له طريقة تحقق فيها التوازن الصحيح بين القديم والجديد على نحو ما تحقَّقَ في مقال طه حسين.
ذلك أن فنَّ المقال العربي يحتفظ بأصوله التقليدية الأساسية ولم يستعص على التطور، وإنما قَبِلَ من "الثقافات الأجنبية مثل ما قَبِلَ من الثقافات الأجنبية أيام العباسيين"٥، واستحدث من الفنون ما يلائم العصر الحديث, ووسيلة الاتصال الصحفي بالجماهير، كما استحدث "من الفنون ما كان يلائم عصر العباسيين"٦.
стр. 88
وأوَّل مظاهر ذلك أنَّ المقال الصحفي الحديث، قد اتخذ اللغة العربية له لسانًا، وعرض كثيرًا من فروع الحضارة الحديثة نفسها في لغةٍ عربيةٍ واضحةٍ كما يُعْرَضُ في اللغات الأجنبية المختلفة١, ثم استقرَّ في الصحافة المصرية باللغة العربية، يحمل سمات الحضارة الحديثة كما تعرضها الصحف الأوربية، وهنا يظهر الفرق الخطير بين الاتصال العربي القديم بالثقافات الأجنبية القديمة، والاتصال العربي الحديث بالثقافات الأجنبية الحديثة؛ فقد كان "الاتصال القديم ضيقًا أشدَّ الضيق، محدودًا لا يكاد ينهض به "إلّا أفراد يمكن إحصاؤهم"٢، أما في العصر الحديث فليس من سبيلٍ إلى "إحصاء الذين يتعلمون اللغات الأجنبية ويعلمونها، وينقلون منها بالشفاه حينًا, وبالترجمة المكتوبة حينًا آخر"٣. فالاتصال الحديث "مباشرٌ قَلَّمَا يَتِمُّ بالواسطة, فالذين يترجمون عن الإنجليزية والفرنسية يحسنون هاتين اللغتين, ويحسنون اللغة العربية أيضًا, فينقلون عن فهمٍ وبصيرةٍ في كثير من الدقة والإتقان"٤.
كما أنَّ وسيلة الاتصال الصحفيّ وغيرها من وسائل الاتصال بالجماهير أتاحت هذا الاتصال المباشر بثقافاتٍ لا تكاد تُحْصَى"٥ ولم يعد هذا الاتصال الثقافي من طريق "المكان وحده، ولكن من طريق الزمان أيضًا, فقد استكشف الكثير من تاريخ الأمم، وعرض علينا في اللغات المختلفة، فنحن نعرف من تاريخ المصريين القدماء أكثر مما كان المصريون القدماء أنفسهم يعرفون من تاريخهم"٦، كما هو الحال بالقياس إلى تاريخ اليونان والرومان والفرس والهند وغيرها من الأقطار المختصرة٧.
فلا غرابة إذن -كما يقول طه حسين٨، في أنَّ هذه الأبواب التي فُتِحَت لنا على مصاريعها، ونفذت إلينا منها الثقافات الأجنبية المختلفة، باعد بيننا وبين ما عرف العرب القدماء من حياة الأمم الأخرى.
ومهما يكن من شيءٍ, فإن الفروق التي يشير إليها طه حسين بين الاتصال القديم والاتصال الحديث، خليقة أن تنشئ فروقًا بين الأدبين القديم والحديث في نفسيهما, وإذا كانت هذه الفروق لم تظهر واضحة جلية أثناء القرن الماضي، فإنها أخذت تظهر شيئًا فشيئًا أثناء هذا القرن العشرين، حيث تمثِّلُ الأدب الحديث الوسيلة الجماهيرية الحديثة، وخلقت لونًا جديدًا ينفصل عن هذا الأدب له مقوماته الخاصة، ونعني بهذا اللون العملي القائم على الوظيفية الهادفة
стр. 89
والوضوح والإشراق، المتوسِّلُ بالاتصال الصحفي١.
على أن هذا الأدب الصحفي يرتبط بالمعركة الفاصلة بين القديم والجديد في اللغة والأدب وأدوات التعبير، وتنقل المحاربين في هذه المعركة في "ميادين مختلفة"٢. ذلك أن هذه المعركة تناولت أساليب التحرير والألفاظ العلمية وغير العلمية، كما مسَّت في رفقٍ صوَرَ الأدب وفنون التحرير الجديدة في الصحف وما يَصِحُّ أن تكون عليه, وإلى يومئذ كانت الغلبة لأنصار تقليد الأدب القديم، وكان السجع والإغراب في اختيار الألفاظ بعض ما يمتاز به كُتَّاب العصر"٣. ولكن الكثيرين من جيل طه حسين من الذين أتموا دراستهم في أوربا فُتِنُوا بالأدب الغربي والأساليب الصحفية الغربية، وما بلغت من تَقَدُّمٍ في الاتصال بالجماهير، واتَّجَهَتْ عقولهم اتجاهًا جديدًا يعتمد على "الطرائق العلمية الحديثة"٤. وعادوا فدخلوا الميدان بقوة ونشاط لم تر مصر مثلها من زمنٍ غير قليل، إلّا من "أفراد قلائل موهوبين كان لهم أثرهم في توجيه التفكير المصري, وفي مقدمتهم المرحومان الشيخ محمد عبده وقاسم أمين"٥.
وقد أثمرت هذه المعركة بين القديم والجديد، نثرًا عربيًّا خالصًا لم يفن في الغرب الأوربي, ولم يفن في أدب الجاهلين والإسلاميين والعباسيين, وإنما صوَّرَ شخصية مصرية ممتازة من هذين التيارين, ثم أذاع هذه الشخصية فيما وراء حدود مصر من أقطار العالم العربي, وكان قوام هذه الشخصية الثورة على الفناء في القديم من جهة الشباب, والإغراق في المحافظة على هذا القديم من جهة الشيوخ. وكان المقاليون التجديديون في الصحافة المصرية يقومون مقامًا "وسطًا بين الغُلُوِّ في التجديد, وبين الغُلُوِّ في المحافظة؛ يستمسكون باللغة العربية الفصحى لا ينحرفون عنها ولا يكتفون بها, ولكنهم يرون هذه اللغة ملكًا لهم, ولا يرون أنفسهم ملكًا لها, يطوّعونها لما يريدون من أغراض الحياة التي يحياها الناس, والتي لم يعرفها القدماء, ولكنهم لا يُفْسِدُون أصولها ولا يخرجون على قواعدها، يستبيحون لأنفسهم أن يثوروا على المعجمات القديمة التي وقفت باللغة العربية عند القرن الثاني للهجرة, ويبتكرون ما يحتاجون إليه من الألفاظ، لا يجدون بذلك بأسًا, ولا يتحَرَّجون من أن هذه الألفاظ ليست مسجَلّةً في هذا المعجم القديم أو ذاك, فمن حقهم أن يُسَخِّرُوا اللغة لأغراضهم لا أن يسخروا أنفسهم للغة, ومن الحقِّ عليهم إذن أن يغنوها ويضيفوا إليها من جديد الألفاظ ما لم يكن فيها"٦.
ثم يثورون كذلك على أساليب القدماء في التعبير النثري الذي يَمَسُّ المقال
стр. 90
بالدرجة الأولى، لا يأخذون أنفسهم بأن يكتبوا "كما كان يكتب ابن المقفع والجاحظ وغيرهما من الكُتَّاب القدماء"١, وإنَّما يصطنعون من الأساليب ما يُلائم قلوبهم وأذواقهم وعقولهم الحديثة من جهة, وما يلائم حاجاتهم وما تثير هذه الحاجات في نفوسهم من العواطف والخواطر والآراء"٢. وعلى الرغم من ثورتهم هذه لم يُفَرِّطُوا في القديم, وإنما "يحفظونه ويمضون في إحيائه، يَرَوْنَه من كنوزهم النفيسة التي لا ينبغي التقصير في رعايتها وحمايتها وصيانتها من الضياع والفساد جميعًا"٣. يصلون بين القديم والجديد ويلائمون بين "ما كان وما هو كائن، ويحاولون أن يلائِمُوا بين هذا كله, وبين ما سيكون في مستقبل الأيام"٤، ذلك أن أبناء هذا الجيل كانوا يدركون أن "الحضارة الإنسانية ثورة متصلة مظهرها الأدب والفن"٥، وأن "الأمَّة العربية الحديثة لم تنشأ من غير شيءٍ, وإنما نشأت من أمة قديمة"٦، وأن "الأمة الحية هي التي تساير الزمن وتتأثر بالأحداث تأثُّر من ينتفع بها ولا يفنى فيها, وأن تتطوَّرَ حسب ما تُمْلِيه الظروف"٧, ولكنهم -كما يقول طه حسين- كانوا يرون أن "قدماء العرب قد أخطأتهم فنونٌ من الأدب لم ينشئوها؛ لأنهم لم يعرفوها, وأنَّ على المحدثين بعد أن عَرِفُوا هذه الفنون أن يوطِّنُوها في أدبهم بأن يؤصلوها في لغتهم, وأن يشاركوا فيها, ويسهموا في تنميتها وتطويرها كما يفعل أصحابها من الغربيين"٨.
ومن هذه الفنون الجديدة: فنّ المقال الصحفي، الذي يرتبط بوسيلةٍ جماهيرية حديثة لم تعرفها العصور القديمة، فكان على أبناء هذه المدرسة التجديدية أن يرسوا دعائمه في لغتهم، بحيث يتميِّزُ عن فنِّ المقال الأدبي الذي عَرِفَت اللغة العربية أصولًا له، من حيث الوظيفة والموضوع واللغة والأسلوب جميعًا, ذلك أن المقال الصحفي يهدِفُ أساسًا إلى التعبير عن "أمور اجتماعية وأفكار عملية"٩، ويقوم على "وظيفة اجتماعيةٍ خالصةٍ تتقَدَّم أية ناحية أخرى كالمتعة الفنية على سبيل المثال"١٠.
وقد تمثَّل طه حسين، هذه الحقيقة، فوضع المقال الصحفي في مكانه من فنون القول، يخضع لنواميسه العامة والخاصة، وينفرد دونها بالوسيلة التي يصطيعها، وهي الكلام المدوَّن في الاتصال بالجماهير. ويبدأ فنُّ المقال الصحفي من الوقوف عند الشكل، والكَلَفِ بالتجزئة، واقتضى هذا بطبيعة الحال "إلغاء بلاغة العَجَمِ القديمة المتحَجِّرَة, والعود إلى بلاغة العرب المعتمدَة على الحسِّ اللغوي الصادق والذوق الفني السليم"١١.
وقبل أن نتحدث عن البلاغة الجديدة في الاتصال بالجماهير، نرى من الأوفق أن نعرض لامتداد التيار القديم في النهضة الصحفية، في مقالات طه حسين الأولى، بين التقليد والتجديد.
стр. 91
بين التقليد والتجديد:
تَعَرَّفْنَا في بيئة التكوين الصحفي للدكتور طه حسين، على مرحلة الانتقال من التقليد إلى التجديد، من الأزهر إلى الجامعة، ثائرًا على الاتجاه التقليدي، مترسِّمًا مثلًَا أعلى في المناهج الجديدة، مُتَمَثِّلًا اتجاهاتها في "الجريدة" والجامعة, وفي ضوء هذه الصورة العامة تَتَلَمَّسُ الخط البياني في تكوين مقال طه حسين، منذ بدأ يقلد طريقة المتأدبين التقليديين، فيتحرَّى السجع في الكتابة، ويحشد لمقاله طائفة من الألفاظ الغربية، والتشبيهات التي ربما لا يستريح الذوق الحديث إلى الكثير منها، ذلك أن الميل الأدبي قد ظهر عند طه حسين في فترة مبكرة، وهو في أحضان البيئة الأزهرية، حيث أخذ ينظم القائد من حين إلى حين، وكان الشيخ المرصفي ينمِّي لديه هذا الاتجاه, ويكلفه مع زملائه بالكتابة في موضوعٍ من الموضوعات شعرًا ونثرًا١. ومن ذلك ما يذكره الأستاذ الزيات٢ من أن طه حسين قد غدا "على الشيخ بقصيدة حماسية الموضوع، جاهلية الأسلوب، تمثِّلُ ما انطبع في خاطره من صور الشعر القديم"٣.
ولذلك اتَّسَم مقال طه حسين في بدايته، بطول النَّفَس في العبارة, محاولته تقليد أسلوب الكُتَّاب المفتونين بالسجع في القرن الرابع الهجري, مما يكشف عن استعداد مبكر للكتابة، إلى أن معانيه في المقالات الأولى تصوِّرُ حيرته بين الأزهر والجامعة، كما في مقاله: "وَيْحِي من غَدٍ"٤، حيث نجد كذلك هذا الاتجاه إلى السجع المتكلف والتراكيب القديمة, يقول:
"تغرب شمس اليوم وإن عيونًا كثيرة لتلحظها لحظ المشفق الأَسِفِ، أو الشيق الكَلِفِ:
هذا يقول لها اعجلي لا تبطئ ... ويقول ذاك لها اذهبي لا ترجعي"٥
стр. 92
إلى أن يقول: ".. غير أن الفلك برغم ذلك آخذٌ مداره لا أليًا١ ولا حثيثًا٢ والكواكب على الكره منه آخذة مجراها كما هي الآن"٣.. إلخ.
على أنَّ هذا الأسلوب المتأثِّر بالمدرسة القديمة في الترَسُّلِ الصحفي الذي يمتاز بالزينة والزخرف٤ ما يلبث أن يتأثَّر بالأدب النثري الذي انتهى إليه المنفلوطي، غاية في ذاته، أي: أدب إنشائيٌّ لا يهدف إلى تعليمٍ لغويٍّ أو سياسي٥، مع ميلٍ إلى الأسلوب المرسَلِ الخالي من تكلُّفِ السجع ونقل الصيغ والقوالب القديمة، وهي ميزة يعزوها العقاد٦ إلى أيام المنفلوطي لا إلى جرأته وحسن اختياره.
ويذكر طه حسين أنه في بداية المرحلة الأولى في بيئة التكوين، كان من أَشَدِّ المعجبين بالمنفلوطي, يقرأ له النظرات فتقع من قلبه موقعًا حسنًا٧، ولذلك نجد في مقالاته المبكرة ميلًا شديدًا إلى تقليد المنفلوطي والتأثُّرِ به، فيكتب بعنوان: "بين العبرات والزفرات"٨ مقالات يسلك فيها مسلك المنفلوطي في مخاطبة الوجدان ومحاولة إثارة العواطف, ومن "عبرات وزفرات" طه حسين قوله:
"يقضي ساعات الليل ومعظم النهار بين قلبٍ يجفُّ٩ ودمع يكفُّ١٠ وجسم يرتجف, شهيق وحريق، زفير وسعير، وجيب ولهيب، عين ساهرة، وهموم ثائرة، ونفس حائرة بين ماضٍ مؤلم، ومستقبل مظلم"١١، ثم قوله: رحماك اللهم بهذا الشاب، ماذا جنى؟ وما عسى أن يكون ذنبه؟ "١٢ إلخ. مما يكشف عن تأثُّر هذه العبرات بأسلوب المنفلوطي في الإنشاء، مثل "أواه.. ويلاه.. ليتني"١٣ و"رحماك اللهم! أيذوي هذا الغصن اللدن"١٤.. إلخ.
ومن النماذج الأولى في مرحلة التقليد، يبين كذلك، تمثُّل أسلوب المقامة العربية في شكلها المعروف في الأد اء، في مقال طه حسين، إلى جانب تأثُّرِه بالمنفلوطي في أسلوب الإنشاء، حين يحتذيه في تصوير حيرة الشباب. ذلك
стр. 93
أن المنفلوطي كان "يمثِّلُ اتجاهات عصره غير الواضحة المعالم بل والمتناقضة"١. ولذلك اتَّسَمَ أسلوب المنفلوطي الذي تأثر به طه حسين في مرحلة التقليد بغلبة "الغنائية الفردية على صياغته وصوره، وبرنَّةِ الحزن التي كانت تغلب على الرومانسيين في كثيرٍ من الأحيان، والتي تجيء ثمرةً لاصطدام الفرد بسلطان المجتمع، وعدم قدرته على التكيُّفِ، فيجنح إلى التسليم، ويكتفي من المقاومة بالحزن وما يشبه البكاء"٢. وحين نسترجع صورة سخط طه حسين على بيئته الأزهرية وتبرُّمه بها، وعدم قدرته على التكيُّف مع الاتجاه التقليدي المحافظ، نجد التفسير المقبول لاتجاهه في اتجاه المنفلوطي في تلك الفترة.
على أنَّنَا نلاحظ تشابهًا في تطوّر الأسلوب الكتابي عند طه حسين مع تطوُّر أسلوب الأستاذ الإمام منذ كان الأخير يكتب وهو طالب في الأزهر "حتى لكأنه شاعر في غرزمته يطمح إلى مجدٍ أدبي لم يتح له بعد"٣ إلى أن كتب في الوقائع المصرية، وما أحدثته الثورة العرابية من تحوُّلٍ في الاتجاهين الاجتماعي، والسياسي٤، حيث عدل عدولًا ظاهرًا في هذه المرحلة عن السجع إلى ما يسميه النقاد "بازدواج" أو الترادف الصوتي. ونفس الشيء تقريبًا في الخطِّ البياني لتطوُّرِ أسلوب طه حسين، حين انتقل من الأزهر إلى الجامعة، واتَّصَل بالجريدة ومديرها الذي كان يمثِّلُ القمة٥ التي سمت إليها المدرسة الحديثة في التَّرَسُّلِ الصحفي الذي يمتاز بالبساطة والوضوح وحرية التعبير القائم على التعقيل الصحيح.
ومعنى ذلك أن المقال الصحفيِّ على النمط الحديث بلغ ذروته تقريبًا على يد لطفي السيد، ووصل قرب نهايته عنده٦.
ولعلَّ في هذا التطوُّرِ ما يفسِّرُ اتجاه طه حسين مع أبناء مدرسة التجديد الذين قضوا فترة التكوين في "الجريدة" إلى رفض أسلوب المنفلوطي ومذهبه, على الرغم من إعجاب مدير الجريدة به, واعتباره إياه من "أشياخ البيان", وأنه "يمتاز بالمساواة" و"استعمال ألفاظ الخصوص, فلا يُلْبِسُ معنى الألفاظ الذي لا يكاد يشاركه فيه معنًى آخر"، وهي السمات التي كان لطفي السيد يدعو إلى تحقيقها في الأسلوب الكتابي، لتكون العبارة اللفظية مساوية للغرض الفكري الذي تؤديه، وأن يكون اللفظ على قدر معناه. ولذلك تمثل تلاميذ الجريدة من التجديديين أسلوب أستاذهم حين ذهبوا إلى انتقاد المنفلوطي
стр. 94
الذي يُجَرِّدُه العقاد من القدرة على فهم النفس البشرية١, الأمر الذي يتنافى مع اتجاه "التعقيل".
ولعلَّ في ذلك ما يضيف إلى أسباب نقد طه حسين للمنفلوطي في بيئة التكوين سببًا عامًّا يشترك فيه مع العقاد والمازني؛ لأنه يرتبط بعناصر التطوّر الفكري والأسلوبي، وينزع إلى التجديد الذي يتلاءم مع البيئة الجديدة، وبالقياس إلى طه حسين, فإنه يروض قلمه على التعبير حتى مرن هذا القلم, وأكسبه هذا المران خصائص جديدة تختلف عن تلك الخصائص التقليدية التي تَعَرَّفْنَا على شيء منها في محاولاته الأولى، فما يلبث أن يعدل عن السجع, وتتسع فكرة الموضوع في مقاله، الأمر الذي يؤثِّرُ على أسلوبه في التعبير، فيتجه إلى السهولة والبساطة بعد أن كان يغرق في الغريب من اللفظ. فثم نجد موضوعًا لمقاله, وفكرة يصدر عنها, وثمَّ نجد أسلوبًا يتفرّد به هذا المقال، يتَّسِمُ بطابعٍ جديد بعد اتساع ثقافته، على أن هذا الطابع الجديد يجيء ثمرةً للبيئة الصحفية التي أتمَّ فيها طَوْرَ التَّكْوين، وهو في هذا الطَّوْرِ معنيٌّ بإبراز شخصيته، يسعى على تجلية موضوعه، الأمر الذي يجعل وضع حدود فارقة بين المقال الذاتي والمقال الموضوعي في هذه المرحلة ليس من السهولة بمكان، ولكنهما أخيرًا ينبعان من مَنْبَعٍ واحد، وهو رغبته الملحَّة في التعبير عن أفكاره وتأمُّلاته وموضوعاته. على أنَّ اتصال طه حسين بالثقافة الأجنبية عن قُرْبٍ، أتاح لعناصر الأصالة وعوامل التجديد أن تحدد هذه الحدود الفارقة بين المقال الذاتي والمقال الموضوعي، وتنوُّعِ فنون المقال الموضوعي في صحافته بعد انتقال السياسة المصرية والحياة المصرية إلى طورٍ جديد بعد ثورة ١٩١٩، ويتمثَّل لنا المقال الصحفي فنًّا أصيلًا في مزاج جيله، له في أدبنا تقاليد مكينة، كما يبين من دراسة مصادره في القديم والحديث، كما يتمثَّل فنًّا جديدًا يقوم بمقتضيات الوسيلة الجماهيرية الحديثة، وما تلبث عناصر الأصالة أن تتوازن مع عناصر التجديد، فيتحوَّل مقاله من "النثر الفني" إلى الملاءمة بين العصر والبيئة, فتطوّر فن المقال في ألفاظه وأساليبه وفي معانيه وموضوعاته, ونشأت فيه فنون لم تكن من قبل، في مواجهة الوظيفة الاجتماعية العملية للفنِّ الصحفي الحديث, وانتقل طه حسين بمقاله من التقليد إلى التجديد، ليعالج المقال الافتتاحي أو الرئيسي، والعمود الصحفي، واليوميات الصحفية، وليبتدع فنونًا جديدة يؤصِّلُها في لغتنا العربية، كما سيجيء. يعالج من خلالها "السياسة والحياة اليومية ويتعرَّض لبعض شئون الاجتماع، وقليل منها يُفَرَّغُ للأدب الخالص"١.
стр. 95
ومن هنا تطرح المدرسة المقالية التي ينتمي إليها طه حسين، افتراضًا يذهب إلى أنها وضعت المقال الصحفي على بداية مرحلة جديدة من لقاء الأصالة والمعاصرة، تتمثَّلُ التيارين القديم برافديه الفرعوني والعربي، والحديث الوافد من الغرب، ولعل صفة البقاء والاستمرار التي قرنها "توينبي" بعملية "التغيير والتجديد" كما تَقَدَّمَ، هي في الحقيقة أكثر اقترانًا بعناصر الأصالة وعناصر التجديد من خلال وحدة الشعور التي وسمت البيئة المصرية. وفي ذلك ما يشير إلى عمق العوامل النفسية التي وجَّهَت مقال طه حسين، حيث برهنت مصر طوال تاريخها على قدرةٍ فذةٍ على الاستجابة، وهذا هو السر في بقائها واستمرارها وتجددها، إلّا أنَّها في استجابتها شأنها في ذلك شأن الأمم العريقة لا تخلو من حوافز المقاومة المرنة، وهي ما تضفي على الاستجابة تلك الحيوية التي تتمثَّل فيها الجديد وتصهره في قديمها ليكون النتاج قوةً جديدةً تدفع بها إلى الأمام.
стр. 96
بلاغة المقال الصحفي:
نخلص مما تَقَدَّمَ إلى أن المقال الصحفي فنٌّ حضاريٌّ يقوم على وظيفة اجتماعية عملية، ويتَّصل بهذا المجال الثقافي الحي الفعَّال بالعروة الوثقى، ذلك أنه يتوسَّل بأقوى المنظمات في الحياة الاجتماعية، وهي اللغة.
وما دامت اللغة هي الرابطة الكبرى بين المقال الصحفي والمجتمع، فإن النظر العلمي إلى اللغة يقتضي ألا ننظر إليها على أنها مجموعة القواعد التي نُحَصِّلُهَا ونسمِّيَها بالنحو المتواضَعِ عليه، وهي لا يمكن أن تكون وسيلة "إفادة" فحسب، بل لا يمكن أن تخضع لقواعد المنطق الصوري أو المنطق الأرسططاليسي الذي قسَّمَ الكلام إلى مخارج محدودة جعلها أسماء وأفعالاً وأدوات. فاللغة ليست هذا كله، ذلك لأنها بمفهومها الاجتماعي سلوك فردي وجماعي, وهو المفهوم الذي يقرب الشُّقَّةَ بين اللغة والفن الصحفي، من حيث أن الصحافة مرآةٌ تنعكس عليها مشاعر الجماعة وآراؤها وخواطرها، أو هي -كما يقول أوتوجروت- تجسيد لروح الأمة١.
وتأسيسًا على هذا الفهم, فإن بلاغة المقال الصحفي تختلف عن البلاغة الجمالية لفنِّ المقال الأدبي التي تجعل من الأخير فنًّا جماليًّا، في حين ترتبط البلاغة الجديدة للمقال الصحفي بكونه فنًّا تطبيقيًّا، يدخل في اعتباره أمورًا عملية فنية اجتماعية. فالمقال الصحفي يجب أن يراعي في بلاغته: مستوى القرَّاء وثقافتهم, وسياسة الصحيفة، وقوانين المطبوعات والرقابة، والتعبير
стр. 97
المبسَّط عن الأفكار المعقَّدة لتلائم السواد الأعظم من الجماهير المتَّصل بها١. فالفرق إذن بين الأديب والكاتب الصحفي في فن المقال هو في نزوع أحدهما إلى أعماق النفس البشرية نزوعًا جماليًّا لذاته، ونزوع الثاني منزع الناقد الاجتماعي الذي يُعْنَى بالواقع والتفاصيل٢.
واقتضى هذا الفهم الجديد لبلاغة الاتصال بالجماهير تطويعَ اللغة لتتسع للكثير في نطاق الفكر النظري والتطبيقات العملية، طواعيةً ليست في المفردات فحسب، بل في التراكيب وصور الأداء. وقد أدت هذه البلاغة الجديدة المرتبطة بالفنِّ الصحفي نشأةً وبيئةً إلى تحرُّرِ أسلوب التحرير العربي من "تلك الأغلال والقيود التي كان يَرْسُفُ فيها النثر القديم"٣, والتي كان بتكلُّفِهَا في آواخر القرن الماضي "بحكم العادة، ولم يكن بُدٌّ في ذلك الوقت الذي أحسَّ فيه العقل الشرقي حريته وشخصيته من أن تشبَّ الحرب ضروسًا بين المذهبين المختصمين دائمًا في النثر: مذهب أصحاب القديم, ومذهب أصحاب الجديد، وقد شبَّت بالفعل هذه الحرب"٤.
على أن البلاغة الجديدة لا ترتبط بالسوريين في مصر "لأنهم أقرب إلى النشاط في الأدب منهم إلى النشاط في غيره"٥ كما يقول طه حسين، ولكنها ترتبط أوثق الارتباط بتطور التحرير الصحفي عند كُتَّابِ المقال من المصريين على نحو ما نعرف عند الأستاذ الإمام، الذي انتقل من الفصول التي لا تخلو من آثار القديم، إلى كتابة فصول مختلفةٍ كلَّ الاختلاف عَمَّا كان يكتب في أوائل القرن الماضي وفي منتصفه أيضًا، فيها حرية لفظية ومعنوية ظاهرة، وفيها اجتهاد في اختيار الحرِّ من اللفظ, واجتناب المبْتَذَلِ، وفيها طموحٌ إلى الجديد لم يكن يألفه الكُتَّاب المصريون من قبل٦. ذلك أن البلاغة الجديدة في نهاية الأمر لا تنفصل عن وسيلة الاتصال الصحفي بالجماهير، ذلك أن الصحفي -عند طه حسين٧- "مضطر بحكم صناعته, وما تستتبعه من العجلة والتحدُّث إلى الجمهور, إلى أن يتحلَّلَ من هذه القيود البديعية، ويتخلَّص من هذه الأغلال الفنية"٨..
ولم يكد ينتهي القرن الماضي حتى أسفر الجهاد بين القديم والجديد عن تحديد معالم البلاغة الجديدة للفن الصحفي, فأصبح "أنصار القديم لا يتمسَّكون بركاكة الجبرتي، ولا يحرصون على بديع ابن حجة، وإنما يتمسَّكون بقديم بغداد وغيرها من أمصار البلاد العربية في العصر العباسي، ويتمسَّكون بصحة
стр. 98
اللفظ من الوجهة اللغوية وبراءته من العامية والابتذال, وأصبح أنصار الجديد لا ينفرون من البديع والبيان، فقد استراحوا من البديع والبيان، وإنما ينفرون من الإغراق في هذا الأدب العربي القديم، ويطمحون إلى تقليد الأدب الغربي الحديث, واصطناع الألفاظ الأوربية الأعجمية. اشتد هذا الجهاد بين أنصار القديم والجديد في العقد الأوّل من هذا القرن، وكان السوريون بنوع خاصٍّ من أشد الناس نصرًا للجديد، وكان شيوخ مصر هؤلاء الذين توسَّطوا بين الأزهر والمدارس المدنية؛ لأنهم تخرجوا في دار العلوم من أشد أنصار القديم، وكان العلم يزداد انتشارًا, والشباب يزداد إمعانًا في الاتصال بأوربا والتغذي بما فيها من علمٍ وأدبٍ١، ثم كانت حركة وطنية في مصر قوية غُذَّت بها الصحف, واندفعت فيها اندفاعًا شديدًا, وكان الشبان قوة هذه الحركة, ومَن الذي يستطيع أن يأخذ الصحف المندفعة في حركتها السياسية بملاحظة القديم وانتقاء الألفاظ؟ ومَنْ الذي يستطيع أن يأخذ الشباب الثائر أن يتقيد بالقاموس أو لسان العرب؟ ولأمرٍ ما تجاوزت هذه الحركة السياسية مصر, وكانت الثورة في قسطنطينية, وأُعْلِنَ الدستور العثماني، ورُدَّتْ الحرية إلى الأقطار العربية العثمانية, فكان لهذا كله أثر قومي في النثر العربي، وكان هذا كله صدمة عنيفة لأنصار القديم من الكُتَّاب والشعراء، ذلك لأن الحركات السياسية نقلت الكتابة من بيئتها القديمة إلى بيئات جديدة ما كانت لتُكْتَبَ لولا هذه الحركات، فقد كانت الكتابة -كما كان العلم- حظًّا مقصورًا على بيئة خاصة من الناس, ثم أصبحت الكتابة كما أصبح العلم حظًّا شائعًا في الناس جميعًا. ومن ذا الذي يستطيع أن يأخذ الناس جميعًا بالتحرُّج فيما يكتبون, والتقيُّد بمعاجم اللغة وأساليب القدماء؟ "٢.
وكان الحرب الأولى، فاشتد الاتصال والمخالطة بين الشرق والغرب، وانتهيا إلى حدٍّ لم يُعْرَفْ من قبل، ثم انتهت هذه الحرب ونتج عنها ما نتج من هذه الثورة السياسية العامة في الشرق العربي كله، وأثَّرَ هذا في حياة الناس على اختلاف فروعها، فلم يكن بُدٌّ من أن يتوسَّل هذا التأثير بالفن الصحفي، ومن أن يؤثِّر في لغته بنوعٍ خاصٍّ, ذلك أن هذه الثورة -كما يقول طه حسين٣ شغلت "الناس عن الحياة الأدبية والعلمية حينًا, وقصرت جهودهم على السياسة، ولكن هذه السياسة نفسها قد تركت في النثر العربي آثارًا لن تُمْحَى قبل عصر طويل، جعلته حادًّا عنيفًا، واستحدثت فيه فنونًا مختلفة, وأساليب متباينة من الطعن والخصومة لم يعرفها النثر العربي من قبل, ثم لم تَلْبَثْ السياسة
стр. 99
نفسها أن استحدثت حياةً جديدة في النثر ظهرت منذ حينٍ وآتت ثمرًا طيبًا, ولكنها لم تصل إلى غايتها"١.
ويذهب طه حسين إلى أن مصر قد اختُصَّتْ بهذه الحركة، ولكل "شيء خيره وشره، وقد كان للخصومة الحزبية في مصر شرورها وآثامها، ولكن لها في الوقت نفسه حسناتها ومنافعها"٢. ومن هذه المنافع ما يتعلق بالتحرير الصحفي، حيث اضطرها التنافس في اكتساب الجمهور إلى نشر الفصول والمقالات في الأدب والسياسة٣, وتحقيقًا لهذا الارتباط بين فنِّ المقال والجمهور القارئ اتجهت البلاغة الجديدة نحو اليسر والبساطة، وشق المستوى العملي في أرض اللغة العربية، يفيد من خصائصها التعبيرية والاشتقاقية, وما تحتويه من عناصر الأصالة، ويربط الجمهور المصري والعربي بالحياة المعاصرة واتجاهات التجديد فيها.
стр. 100
بلاغة الاتصال بالجماهير في مقال طه حسين
مدخل
...
بلاغة الاتصال بالجماهير في مقال طه حسين:
وتأسيسًا على ما تَقَدَّمَ، فإنَّ البلاغة الجديدة في مقال طه حسين، هي بلاغة الاتصال بالجماهير، التي تمثل عناصر الأصالة ومظاهر التجديد أصدق تمثيل، فهي -كما يقول العقاد: ثمرة "اطلاعه على الأدب العربي القديم، وعلى نفائس الأدب الإغريقي واللاتيني، والأوربي ولا سيما الفرنسي"١، وهو اطلاعٌ خليقٌ أن يحبب إليه الصحة والمتانة والقوة, ويبغِّضُ إليه الزَّيْفَ والسخف والركاكة، فهو يختار ما يعلو على مقاييس المقلدين المصطنعين, وينبذ ما يستطيعه المحدودون من أصحاب الاطلاع القليل، أو أصحاب الذوق السقيم، وله في ذلك قواعد صحيحة ومراجع وثيقة، واعتماد على فكر لا يتقيد إلا بما يرضاه"٢
فعناصر الأصالة إذن، لا تنفصل عن مقومات شخصيته، شأنها في ذلك شأن مظاهر التجديد، ذلك أن أسلوب طه حسين الكتابي قد تغيَّر بعد "دراسته للأساليب الأوربية، فاتخذ له نمطًا يوافق علمه بالعربية الفصيحة، وعلمه بتقسيم المقاطع والفواصل في الكلام الأوربي، كما يمثِّلُه مَنْ يجمع بين الحديث والكتابة في وقت واحد، فهو يتحدث ولا ينسى أنه يؤلف, ويكتب ولا ينسى
стр. 101
أنه يتحدَّث، وأسلوبه الذي اختاره أوفق الأساليب لذلك جميعًا, وأولها من نوعه في اللغة العربية، وليس فيه محاكاة لأسلوبٍ آخر في اللغة الأوربية, ولو كانت كتابته حديثًا محضًا لاسترسلت بلا توكيد ولا تكرار، ولو كانت تقريرًا محضًا أو درسًا محضًا لما انحرفت عن أسلوب الكتابة الذي لا يتحدث به القائل، ولو كانت تقريرًا أو درسًا على الطريقة الشرقية لما ظهرت فيها المقاطع والفواصل الأوربية, ولجرت على سياقٍ قريب من سياق الدروس الأزهرية، ولكن كتابته حديث فيه محاضرة ومراجعة وتنظيم, فلا يوافقها إلا ذلك الأسلوب الذي استقلّ بابتداعه طه حسين ولو غضب المنكرون، وقد يكون غضب المنكرين من أسباب ذلك الابتداع، ولأجل هذا الابتداع يغتفر ما في كتابة الدكتور من إسهاب وتكرار"١ كما يقول العقاد٢، ذلك أن طه حسين قد أفاد بأسلوبه هذا عمل من لم يفدهم الرأي ولم تقنعهم المناقشة، فرأوا أن العربية قد تكتب صحيحة فصيحة على أسلوب غير أسلوب الجاحظ وعبد الحميد وبديع الزمان وابن المقفع، ورأوا كاتبًا كبيرًا يكتبها كما يشاء هو لا كما يشاء القدماء, "فتنكتب" وتلذ وتفيد, فاستعدوا لاستحسان الفصاحة في غير قيودها القديمة, وألفوا تعديد من الأساليب وطرائق التعبير إلى غير انتهاء. وذلك وحده فتح قدير"٣.
ومن ذلك يتبيَّنُ أن البلاغة الجديدة تقتضي بحث اللغة من خلال المتلاغين, ذلك أن اللغة في نهاية الأمر تكون هي المتلاغين أنفسهم٤، وتكون لغة الكاتب هي قوامه الإنساني، والمؤثِّر الأكبر على سلوكه، وهي التي تبرز قسماته النفسية، كما يبرز وجهه قسماته البدنية المميزة, وليس معنى ذلك أن نعزل الكائن الإنساني بقسماته اللغوية عن محيطه الثقافي واللغوي٥، فإن هذه الشخصية تنتمي إلى جماعة لغوية بذاتها، وهذه الجماعة اللغوية بالقياس إلى طه حسين هي التي تغذي لغته بعناصر الأصالة والتجديد، ولكن هذه العناصر تتحدَّدُ من خلال الاتصال بالجماهير تحديدًا يجعل بلاغته تقوم على الارتباط بين الكاتب والجمهور، فلم يعد المقال رسالة للخاصة بحكم التطوّر الاجتماعي والفكري، ولكنه أضحى كلامًا يوجَّه إلى جماهير الناس، من خلال وسيلة جماهيرية تجعل الكُتَّاب "يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور منذ تقدَّمَت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة"٦.
стр. 102
إنَّ لغة الاتصال بالجماهير -في البلاغة الجديدة- إذن هي اللغة العملية الاجتماعية، لغة الفن الصحفي التي تمتاز بالشمول وكونها لغة طبيعية، في حين أنَّ لغة العلم ولغة الفنِّ من اللغات المصطنعة التي لا يمكن اكتسابها إلّا بعد سنواتٍ من المران والتدريب١.
ومن أجل ذلك يذهب طه حسين إلى أن ارتباط النثر العربي بوسيلة الاتصال الصحفي أدَّى إلى تطوره بسرعة أكثر من تطوّر الشعر، ذلك أن الناس "لا يصطنعون الشعر للإعراب عَمَّا يضطرب في أنفسهم من شئون الحياة اليومية, وهم لا يحررون الصحف شعرًا, ولا يكتبون فيما يريدون أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا، وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور منذ تقدَّمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة"٢.
وتذهب هذه الرؤيا العملية لبلاغة الاتصال بالجماهير عند طه حسين، إلى ارتباط بالناس وتطوير الذوق العام، وعدم اعتزال الحياة الشعبية، والاقتراب من آلام الناس وآمالهم، ذلك أن كُتَّابَ المقال من جيل طه حسين "كانوا يعيشون مع الشعب, بل يعيشون بالشعب وللشعب. يعيشون لأنهم كانوا يعربون عن ذات نفسه, يصورون له آماله ليحرص عليها, ويجد في تحقيقها, ويفتحون له آفاقًا من الأمل ليسرع إليها ويمعن فيها, ويصورون آلامه ليبرأ منها ويضع عن نفسه أثقالها.. وأيسر القراءة فيما كانوا يكتبون تبيّن ذلك في غير لبسٍ ولا غموض, فهم الذين صوَّروا له الاستقلال وزينوه في قلبه, وهم الذين كرَّهوا إليه الاستبداد وأطمعوه في الحرية وأغروه بالإلحاح في طلبها, وهم الذين أعدوه للثورة وأسخطوه على حياة سيئة كان يحياها, وهيأوا ضميره ليسرع إلى الخير حين يدعى إليه, وينصرف عن الشر حين يُرَدُّ عنه, ويتقبَّل الإصلاح حين يعرض عليه. وهم قاوموا الاستبداد ولقوا في مقاومته ضروبًا من الأذى وفنونًا من النكر، وهم قوَّموا المعوَّجين من الحكام, وجدوا في صرف الشعب عنهم وتزهيده فيهم. فعلوا كل هذا وتقبَّل الشعب منهم ما فعلوا, واستجاب الشعب لهم حين دعوه واستمع لهم حين تحدثوا إليه. وآية ذلك أنه كان يقرأ لهم حين يكتبون, ويسمع لهم حين يخطبون ويتحدثون٣. ذلك أن ولاء هذه المدرسة -كما يقول طه حسين- يرتبط "بالبيئة المتحضِّرة التي يعش فيها الكاتب للجمهور وبالجمهور"٤ في نهاية الأمر.
стр. 103
ومن ثمار هذا الفهم الجديد، اتجاه هذه المدرسة المقالية إلى درس الشعب وتعمُّق درسه، وعرض هذا الدرس، وإظهار الشعب على نفسه فيما تنتج له من الآثار١، الأمر الذي يجعل من لغة الاتصال بالشعب في المقال الصحفي لغة "المغزى والمعنى والأهمية؛ لأنها تقوم على الوظيفة الهادفة والوضوح والإشراق، بحيث تكاد تكون فنًّا تطبيقيًّا قائمًا بذاته. فالفن الصحفي تعبير اجتماعي شامل، ولغته ظاهرة مركبة خاضعة لكل مظاهر النشاط الثقافي إلى جانب السياسة والتجارة والاقتصاد والموضوعات العامة"٢. وهذه اللغة في مقال طه حسين هي لغة الفنّ الصحفي التي تقترب من لغة الأدب, وتمتاز بالسلاسة والواقعية والتبسيط، بحيث تحقق التقارب بين مستويات اللغة: العلمي والأدبي والعملي، على النحو الذي يدُلُّ على تجانس المجتمع، وتوازن طبقاته, وحيوية ثقافته، ومن ثَمَّ إلى تكامله وسلامته العقلية، فمن الثابت -كما يقول الدكتور إمام٣: إن العصور التي يسود فيها نوعٌ من التآلف بين هذه المستويات هي غالبًا أزهى العصور وأرقاها, ولقد حرصت البلاغة الجديدة في مقال طه حسين على تحقيق أمرين لا يرضى بدونهما٤:
الأول: أن يقوم المقال على نثرٍ فصيحٍ مستقيم اللفظ نقيِّ الأسلوب بريء من الابتذال، متحرر من أغلال البيان والبديع.
الثاني: أن يكون النثر، على كلِّ ما قدَّمْنَاه ملائمًا لذوق "الكثرة المطلقة من الذين يقرءون الصحف والكتب"٥, وأن يكون كذلك قيِّمًا في معناه كما هو قيّمٌ في لفظه أيضًا، ومعنى هذا أن الكثرة المطلقة من القراء عند طه حسين٦ تحرص في حياتها كلها على أمرين: تحرص على قديمها؛ لأنها لا تريد أن تمحو شخصيتها، وتحرص على الجديد؛ لأنها لا تريد أن تكون أقلَّ من الغرب علمًا ولا أدبًا ولا حضارة, وهذا النثر هو وحده -عند طه حسين- الملائم لهذا الذوق الجديد, وهذه الآمال الجديدة٧.
ولعلَّ في ذلك ما يضع البلاغة الجديدة التي ارتبطت بالمقال الصحفي عند طه حسين في إطارها الصحيح، ذلك أن كثيرين من المتأدبين لا يزالون يسيئون الظنَّ بالأسلوب الصحفي، وقد يزعمون أنه الأسلوب القريب من
стр. 104
العامية لأنه كثيرًا ما يأخذ منها١، وقد يزعمون أنه الأسلوب الذي لا يخضع كثيرًا لقواعد اللغة والنحو٢, وقد يزعمون أنه الأسلوب الذي لا يتقَيَّد بالأذواق الأصيلة للغة الفصحى٣. وواقع الأمر أن الأسلوب الصحفي بريء من كل هذه الصفات، ذلك أنه الأسلوب الذي يستَمِدُّ بلاغته الحقيقية من الارتباط بالواقع, ومن الحياة العامة، ومن مخاطبته ألوف الألوف من القراء الذين لا بُدَّ لهم من فهمه جيدًا٤. فالواقعية إذن فضلًَا عن كونها من صفات الأسلوب الصحفي، مصدرٌ من مصادر القوة والبلاغة في هذا الأسلوب, ذلك أن براعة الكاتب الصحفي هي في أن يجعل القارئ شاهدًا من شهود العيان، وشريكًا له في الحكم على القضية السياسية أو الاجتماعية التي يعرضها في صحيفته٥. لهذه الأسباب وأمثالها يمكن النظر إلى الأسلوب الصحفي على أنه من الأساليب البليغة بالمفهوم القديم للبلاغة على أقل تقدير من أنها "مطابقة الكلام لمقتضى الحال".
وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن بلاغة الاتصال بالجماهير، هي التي تذهب بطه حسين إلى تصحيح مفهوم اللغة وتحريرها من أغلالها القديمة "لتصبح منطلقة إلى غاياتها بلا أثقال، معبَّرة عن المعاني في يسر وسهولة, منتشرة بين أوسع رقعة من الناس، دون أن تحبس نفسها في دائرة ضيقة لا يفهمها إلا عدد من خاصة الخاصة"٦. ذلك أن طه حسين يريد للغة العربية أن تستجيب لحاجات العصر "وكل ما نريده لهذه اللغة هو أن تسلك سبيلها في الحياة والاستحالة"٧, ذلك أن اللغة -كذلك- ظاهرة "من ظواهر الاجتماع الإنساني، لم يصنعها فردٌ بعينه ولا جماعةٌ بعينها, وإنما اشتركت في وضعها الأمة التي تتكلمها"٨, وعلى ذلك يذهب طه حسين إلى ملاءمة اللغة "لنفسية الأمة وحاجاتها, والظروف التي تحيط بها"٩, فاللغة في حقيقة الأمر ليست إلّا "أثرًا لهذه النفسية والحاجات والظروف"١٠.
ومن أجل ذلك يذهب طه حسين إلى تحقيق التقارب بين المستويات اللغوية، تأسيسًا على أن "الذوق الأدبي العام لا يتغيَّر بتغيُّر مَنْ تتحدث إليه, وقد تختلف الرسائل عسرًا ويسرًا, وتختلف لينًا وشدة باختلاف مَنْ تتحدث إليه، فللصحف لغة وأساليب ليست للكتب التي يؤلفها العلماء للعلماء،
стр. 105
والأدباء للأدباء, ولكن ذلك شيء واختلاف الذوق شيء آخر, وهؤلاء كتاب أوربا وأدباؤها يتحدث بعضهم إلى بعض, ويتحدثون إلى جمهور الناس في الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية، فلا يختلف الذوق الأدبي فيما يكتبون باختلاف القرَّاء، وإنما يؤثرون الوضوح والجلاء حينًا؛ فيطنبون ويسهبون ويصطنعون ألفاظًا ألفها الناس, ويؤثرون القصد والإيماء حينًا؛ فيوجزون ويتخيَّرون ألفاظًا منتقاة, والذوق هو الذوق، والكتابة هي الكتابة، وروح العصر الذي يعيشون فيه هو فيما يكتبون لنظرائهم, وفيما يكتبون لعامَّة الناس"١.
فالبلاغة الجديدة -إذن- في الاتصال بالجماهير عند طه حسين لا تتناول الألفاظ وحدها, وإنما تتناول الألفاظ والأساليب والمعاني و"فنون القول على اختلافهما. علينا أن نحتفظ بقواعد اللغة ونظمها العامة فلا نفسدها, ولكن علينا أن نخضع هذه اللغة لما نشعر ولما نجد، وأن نمنحها من المرونة ما يمكنها من أن تكون أداة صالحة لوصف ما نشعر وما نجد"٢.
وتأسيسًا على هذا الفهم، فإننا نحاول فيما يلي إيجاز الخصائص والسمات العامة لهذه البلاغة الجديدة في مقال طه حسين:
стр. 106
التبسيط والنمذجة الصحفية:
والتبسيط سمة من أهم سمات الفنِّ الصحفيِّ الذي يعرض الأحداث والأفكار عرضًا يرتبط بظروف المرسل والمستقبل جميعًا١، ولذلك تسعى البلاغة الجديدة إلى النمذجة والتبسيط؛ لأن العقلية الجماهيرية تركن إلى الاستعانة بالرموز والأنماط والنماذج والتبسيط لتقوم مقام التجربة الفردية أو الجماعية٢، ذلك أن قيود الاتصال الصحفي -كما يقول طه حسين- تقتضي "السرعة والنظام الدقيق, وتحتاج بعد هذا كله إلى أن تملأ الصحف الأنهار التي أخذت نفسها بأن تقدمها إلى قرَّائها في كل يوم أو في كل أسبوع"٣, فإذا كان "الأديب يكتب للذين يسيغون الأدب ويقولونه ويجدون في قراءته لذَّةً ومتاعًا"٤ فإن "الصحفي يكتب لكل قارئ, أو قل: يكتب لكل إنسان, فما أكثر ما يجلس الأميُّون إلى هذا القارئ أو ذاك ويستمعون لما يُتْلَى عليهم.
стр. 107
وليس بُدٌّ للصحفي -كما يقول طه حسين أيضًا- أن يكتب لهؤلاء جميعًا كلامًا يفهمونه حين يقرأونه أو يسمعونه"١.
فالتبسيط والوضح إذن من مقومات الاتصال الصحفي الناجح بالجماهير عند طه حسين -ذلك أن الأصل في الكلام- أنه وسيلة "تتوسل بها إلى الإعراب عَمَّا تريد أن يفهمه غيرك فهمًا واضحًا جليًّا لا لبس فيه ولا غموض, والكلام كله يشترك في هذا الأصل سواء منه ما كان شعرًا وما كان نثرًا، ٠وسواء منه ما تحدَّث إلى العقل وما تحدَّث إلى القلب والشعور, فإذا خرج الكلام عن أصل البيان والتبيين هذا, فكان فيه غموض أو التواء، فمصدر ذلك قصور في المتكَلِّم أو الكاتب أو قصور في السامع أو القارئ: قَصَّر ذاك فلم يحسن الإعراب عَمَّا يريد، أو عجز هذا فلم يحسن الفهم عما أُلقِيَ إليه, وقد يكون الغموض مقصودًا ويُتَعَمَّد الالتواء, ولكن هذا الكلام الغامض الملتوي واجد على كل حال من يقرؤه أو يسمعه فيفهمه فهمًا صحيحًا مستقيمًا"٢.
على أنَّ التبسيط والنمذجة الصحفية في مقال طه حسين، ترتبط بالفهم الوظيفي النابع من الاستراتيجية القومية لديه كذلك في التدعيم والتغيير. ذلك أن "لغة الصحف"٣ في نموذجه الاتصالي -كما تَقَدَّمَ- لغة وظيفية "موجهة للشعب ومعلِّمَةٌ له في وقت واحد, فمنَ الحقِّ عليها أن تغري هذا الشعب بقراءة ما يرفعه شيئًا عن حياته اليومية, وعن أحاديثه التي يديرها أبناؤه بهذه اللغة العامية التي إن امتازت بشيء فهي لا تمتاز بالصفاء والنقاء"٤، ذلك أن لغة الصحف -في إطارٍ من التعليم والتوجيه الوظيفي- عند طه حسين تقتضي مذهبًا في "الكتابة يلائم العصر الذي نعيش فيه، ويلائم الصحف بنوع خاص"٥, ولذلك يذهب إلى أن "تُكْتَبَ الصحف بلغة هذا العصر الحديث, على أن تكون هذه اللغة صافية نقية مبرَّأة من هذا الابتذال الشائع الذي يفسد الذوق ويفسد رأي الشباب في لغتهم العربية"٦, ذلك أن "الشباب يقرأون الصحف ويمعنون في قراءتها, ويتأثرون بما يقرأون فيها من ناحية اللغة ومن ناحية التفكير أيضًا, ويفسد عليهم ذلك تفكيرهم وتعبيرهم جميعًا"٧.
стр. 108
وفي ضوء هذا الفهم الوظيفي، يذهب طه حسين إلى تيسير الكتابة والنحو تيسيرًا يفيد في الاستخدام العملي الوظيفي للغة العربية وألفاظها وتركيب جملها، وتأليف الكلام "على نحوٍ عمليٍّ منتجٍ"١، هو ألزم ما يكون في الاتصال الصحفي بالجماهير, الذي "يحقِّقُ لهم الصلة اليومية بينهم وبين الذين يشاركونهم في الوطن والمصالح, أو بينهم وبين الذين يشاركونهم في الحياة الإنسانية بوجه عام"٢.
ومن ذلك يبين دور اللغة في التبسيط والنمذجة الصحفية في فنِّ المقال الصحفي، الدور الذي يقتضي توافر: الوضوح لقصد الإفهام, والقوة لقصد التأثير, والجمال لقصد الإمتاع في أسلوبه العام، فالتبسيط والوضوح ضمان من حيث الإفهام، وإفادة القراء ورفع مستواهم الثقافي. ولذلك يذهب طه حسين إلى مطابقة الأسلوب الصحفي لمقتضيات الاتصال بالجماهير مطابقة تقوم على الفهم عند القراءة أو السماع٣, ولذلك يسخط على الكُتَّابِ المتكلفين -كما تَبَيَّنَ من معركته مع الرافعي- سخطًا شديدًا لما يتسمون به من غموضٍ مصدره الجهل أو الغفلة٤، ذلك أن طه حسين في تحريرمقاله، كما يقول دائمًا "باحث يحاول أن يفهم، ويحاول أن يدعو غيره إلى الفهم والاستقصاء"٥.
ولتحقيق هذه الوظيفة، يتوسَّلُ طه حسين بالتبسيط والنمذجة الصحفية كما تَقَدَّمَ، وتقوم هذه النمذجة على انتزاع بعض الصفات وتحريرها من سباقها العام، ثم إبرازاها وإلقاء الضوء عليها٦ من خلال الحركة والتفصيل والتنغيم والمقابلة والتضاد، وتلاحظ في هذا الصدد أن طه حسين يبدأ مقاله في معظم الأحيان بتعريف الموضوع في بيئته وزمانه، ثم يعرُج على تخطيط كامل لملابساته, ولا يلبث أن يعرض لكل احتمالات الصعوبة في تحديد بعض النماذج, ثم يتلوها ببيان كامل لكافَّة الجزئيات المنتزعة، والمناسبات التي لا يحسن إغفالها, وكأنما يتصوَّر النماذج في تجسيمها المساحي دفعة واحدة, وسنجد هذه السمات تصل إلى درجة التصوير الكاريكاتيري، كما سيجيء عند الحديث عن المقال الكاريكاتيري، حين يتوسَّلُ بالمبالغة والسخرية والأطراف في النمذجة الكاريكاتيرية، كما في "نموذج" "سيدنا" في "الأيام"، ونموذج المندوب السامي البريطاني الذي اختارته بريطانيا ليخلف "السير برسي لورين"
стр. 109
فهو: "طويل القامة، يرتفع في الجو مترين، ثقيل الحجم، يزن قنطارين، صلب العظام، قوي العضل. مهيء بهذا كله فيما تقول بعض الصحف الإنجليزية للقاء المعضلات، واجتياز العقبات، وتذليل المصاعب والخروج من الخطوب"١, ثم يقابل بين هذه الصورة "التي لا تخلو من قوة وطرافة، وبين ما تنتظر أو ما تريد أن يأتيه المندوب السامي الجديد من العمل السياسي في مصر"٢.
ويخلص من هذه المقابلة إلى نمذجة المقاومة المصرية في الشعب المصري الذي "جرَّبَ الطوال والقصار، والخفاف والثقال من المندوبين الساميين"٣, ولكن "عنف العنيف لم يخف هذا الشعب، ولم يصرفه عن حقه, ولين اللين لم يخدع هذا الشعب، ولم يلهه عن حقِّه، وإنما ثبت الشعب للرجلين جميعًا؛ أو للرجال جميعًا, ومضى الشعب يطالب باستقلاله لا يضعف عن المطالبة"٤.
كما يصوِّرُ نموذجًا نضاليًّا لمصر "الكلمة في حياة الأمم والأجيال منذ عشرات القرون قبل أن يعرف غيرها من الشعوب معنى كلمة الأمم والأجيال، بل قبل أن يعرف التاريخ غيرها من الشعوب بزمن طويل"٥, وأهل"مصر الآن كما كانوا من قبل يعرفون معنى الحرية والاستقلال, ويقدِّرون قيمة العزة والكرامة، ويحرصون أشدَّ الحرص على أن يكونوا أحرارًا مستقلين, ويجدّون أشد الجدِّ في أن يكونوا أعزة كرامًا"٦.
ويتوسَّلُ طه حسين في نمذجته الصحفية بما يسميه المرحوم سيد قطب "الاستعراض التصويري"٧، حيث يستخدم الكلمات والجمل في تصوير المناظر والحوادث والمعاني، والخطرات النفسية والآراء السياسية والالتفاتات الذهنية على السواء, وتلك ميزته "الكبرى كصاحب شخصية أدبية وصاحب مذهب فني كذلك"٨. على أن هذه الميزة في المقال الصحفي تُسْتَخْدَمُ استخدامًا وظيفيًّا في النمذجة الصحفية لأسباب خارجية أهمها التبسيط للجماهير٩, ولذلك يتوسَّل في هذه النمذجة بالإحساس الفني وليس بالخيال، كما في النمذجة الأدبية، كما نجد في نمذجته لمقاومة الشعب المصري للمحنة الدستورية والسياسية في إطارٍ من سياق حركة الأحداث١٠, ومن ذلك قوله عن سخرية المصريين١١:
стр. 110
"ما أكثر ما عني الشعراء وأصحاب الفن بابتسامات الأفراد هذه، فأبدعوا وأجادوا وأظهروا للناس آيات فنية خالدة، وما أخلقهم أن ينظروا إلى ابتسامات أخرى ساخرة, هي أروع من تلك الابتسامات وأجمل، وهي أشد منها وقعًا في القلوب وأبعد منها أثرًا في النفوس؛ لأنها ابتسامات تترجم عن سخرية الشعوب من قوة الأقوياء وازدراء الأمم لسلطان المتجبرين, في هذه الابتسامات الشعبية جمال الصبر والجلد، وجمال العزة والشمم، وجمال الثقة والأمل، ومنها فوق هذا كله وبعد هذا كله جمال التضامن الصادق١.
فهذه الصورة التي يتوسَّل في تصويرها بإحساسه الفني لا تنفصل عن الواقع الملموس لحركة الأحداث: "ما أجمل هذه الابتسامات وقد ارتسمت على ثغر مصر منذ نهض رئيس الوزراء بأعباء الحكم, فما زالت مرتسمة على هذا الثغر لم تفارقه ولم تتحوَّل عنه, ولم يشبها عبوس، ولم يغيِّر من صفائها وجمالها تقطب ولا شحوب. لقد نظرت مصر إلى صدقي باشا حين ألَّفَ وزارته ففهمت ما كان يريد، فابتسمت له مشفقة عليه تعظه وتحذره، ولكنه أخطأ فهم هذه الابتسامة.. إلخ"٢.
ويتوسَّلُ طه حسين بالنمذجة الصحفية في مقاله كذلك لترجمة المصطلحات الجامدة المجردة المعقدة إلى مصطلحات الواقع العملي النابض بالحياة، شأنه في ذلك شأن الكُتَّابِ الذين عالجوا الكثير من المدارس الفنية والفلسفية والعلمية الحديثة رغم صعوبتها بمصطلحات الفنِّ الصحفي فأمكن نشرها بين الجماهير٣. ذلك أن طه حسين يتوسَّلُ بالنمذجة من أجل التبسيط، لتوصيل هذه المعلومات إلى الجمهور بطريقة مفهومة مستساغة، كما نجد في تبسيطة لفلسفة ديكارت٤ وأدب فاليري٥ وفولتير٦ والأدب الفرنسي الحديث٧ والفلسفة الوضعية٨, وكما نجد في نموذجه للعدل الاجتماعي ومكانه بين الاشتراكية والرأسمالية٩، والالتزام عند سارتر١٠، و"الأدب المظلم"١١.. إلخ. ولعلَّنَا نستطيع أن نذهب تأسيسًا على هذا الفهم