"كما يفرغ المؤلف للكتاب"١، وهو الذي لم يعن "بهذه الفصول كما يعنى الباحث المحقق ببحث علمي وأدبي قَيِّمٍٍ"٢، ويذهب إلى أن هذه المقالات "ناقصة شديدة الحاجة إلى الإصلاح"٣ قد نَشَرَتْهَا "صحيفة سيارة، فأصبحت حقًّا لكم, فأنا أردُّ إليكم هذا الحق, ولست أسألك إلّا شيئًا واحدًا: وهو ألّا تنظروا إليها نظركم إلى كِتَابٍ في الأدب العربي قد فرغ له صاحبه, وعني بتحقيقه وتمحيصه"٤، وهي مع ذلك مقالات على أفضل نحوٍ تصل إليه في "العمود المتخصص" الذي يُنْشَر في صحيفة سيارة.
وعلى ذلك، فإن العمود المتخصص عند طه حسين، يمتاز بالرؤيا المقالية الواضحة لهذا الفنِّ عندما يتخصص كاتبه في موضوع من الموضوعات, ويوليه قدرًا من الدراسة والتفكير٥، فهو يدرك أنه يكتب للكثرة القارئة من جمهور صحيفته، وهو لذلك يوجِّهُ مقالاته إليهم, ولا يكتبها "للعلماء ولا للمؤرخين: لأني لم أرد بها إلى العلم, ولم أقصد بها إلى التاريخ"٦. وإنما هي صور عرضت له أثناء الاتصال الصحفي بالجماهير فأثبتها مسرعًا، ثم لم ير "بنشرها بأسًا, ولعله رأى في نشرها شيئًا من الخير، فهي تَرُدُّ على الناس أطرافًا من الأدب القديم قد أغفلت منهم وامتنعت عليهم، فليس يقرؤها منهم إلّا أولئك الذين أتيحت لهم ثقافة واسعة عميقة في الأدب العربي القديم"٧.
وهو لذلك يتوسّل بالعمود المتخصص في تصوير أشكال تحريرية جديدة تلائم "حياتهم التي يحيونها، وعواطفهم التي تثور في قلوبهم، وخواطرهم التي تضطرب في عقولهم"٨، فليس في مقال طه حسين -إذن- تكلُّف ولا تصنُّع "ولا محاولة للإجادة، ولا اجتناب للتقصير, وإنما هو صورة يسيرة طبيعية صادقة لبعض ما يجد من الشعور حين يقرأ هذه الكتب"٩. ولكنه يقوم على أسلوب في "التبسيط والشرح والتفسير واستنباط العبرة والوصول بها إلى قلوب الناس"١٠ وعقولهم، على النحو المتقدم.
ولذلك وجدناه يتوسَّل في العمود المتخصص بأسلوب الحوار السقراطي
стр. 177
وما يمتاز به من رعاية وسخرية لذيذة١ كستارٍ لطيف شفَّاف" يَنِمُّ بما دونه من حقٍّ وجد"٢. لإعداد الإنسان العربي لكشف الحقائق و"إزالة الصدأ عن المرآة، حتى إذا أتمَّ صقلها, وتصفية جوهرها, تتجلى فيها الحقائق واضحة بينة٣. كما يتوسّل بمنهج "التوليد السقراطي" على النحو المتقدِّم؛ لأنه كان يذهب إلى أن النفس مشتملة على الحقائق "كما تشتمل الأم على الجنين"٤, وأن عمل هذا المنهج هو "استخراج هذه الحقائق من النفس, كما أن عمل القابلة هو استخراج الجنين من الأم"٥.
стр. 178
فن العمود الصحفي
مدخل
...
فن العمود الصحفي:
ويرتبط هذا الفن المقالي كذلك بما اتصف به النصف الأول من هذا القرن في نهايته من عامل السرعة من جهة، وبالضغوط التي تعرَّضَت لها الصحافة المصرية، كما يبين من التشريعات الخاصة بالنشر منذ الثلث الأخير من القرن الماضي، والتي بلغت ذروتها في الحرب العالمية الثانية، كما تبيَّنَ فيما تَقَدَّمَ؛ بحيث أصبح المقال الموقَّع في الصحف اليومية في مواجهة ضغوطٍ لا تنبع كلها من داخل صناعة الصحف، وإنما تنبع من أعمال الرقابة الإدارية على الصحف, مستغرِقَةً أكثر السنوات التي عاشتها الصحافة الحديثة١.
وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن فنَّ العمود الصحفي يرتبط بهذه الظروف التي ذهبت بمقاله إلى التوسُّلِ بالرمز، كما تَقَدَّمَ، فقد أُعْلِنَت الأحكام العرفية في مصر حين أُعْلِنَت الحرب الثانية سنة ١٩٣٩، ثم رُفِعَت بعد ست سنين، ولكنها لم تلبث أن أُعِيدَت حين أُعْلِنَت حرب فلسطين، ثم رُفِعَت بعد ثلاث سنين٢ "فقد استمتعنا إذن -كما يقول طه حسين٣- بالحرية الكاملة ثلاث سنين أثناء ثلاثة عشر عامًا. ومن قبل الأحكام العرفية الأولى كانت انقلابات سياسية لم يكن خطرها على حرية التفكير والتعبير أقل من خطر الأحكام العرفية؛ بحيث نستطيع أن نقول غير مسرفين: إننا حرمنا الحرية الحرة أكثر من خمس عشرة سنة في أقل من ربع قرن، والحرية قوام الحياة الأدبية الخصبة، فإذا ذهبت أجدب الأدب وعقم التفكير ما في ذلك شكّ, وقد قال نابليون ذات يوم: "ليس لدينا أدب جيد، وتبعة ذلك على وزير الداخلية", فقد أحسَّ نابليون إذن أن رقابة وزير الداخلية على الكُتَّاب قد ذهبت برونق الأدب واضطرته إلى العقم والجدب، كان ذلك منذ قرن ونصف قرن٤، ويذهب طه حسين إلى أن حياة الناس من هذه الناحية لم تتغَيَّر رغم اختلاف العصور٥.
ذلك أن فنَّ القول في حياتنا الحديثة يعيش على "الإذاعة والنشر لا على إحسان المحسنين وعطف أصحاب الثراء والسلطان على الأدباء؛ فالأديب
стр. 179
يكتب ليقرأة الناس, والناس لا يقرأونه إلّا إذا نُشِرَ كتابه أو مقاله، والكُتَّاب والمقال لا ينشران حين يتحَكَّم في نشرهما الرقيب, والرقيب يحظر على الناس أن ينشروا كتبهم وفصولهم حين تخوض هذه الكتب والفصول فيما لا تُحِبُّ الحكومة أن تخوض فيه"١.
وهكذا خضعت الصحافة في مصر لمثل الظروف التي تخضع لها الصحافة في غيرها من الأقطار الأخرى, وأصبحت مضَّطرةً إلى استحداث فنون تحريرية جديدة تواجه المصادرة التي فُرِضَت على الصحف والكتب، حين كانت تريد "أن تبصِّرَ المصريين بحقائق أمورهم وشئونهم، ونظرت مصر التي كانت ترى أنها ملجأ الحرية في الشرق الأدنى، وأنها قائدة الشعوب العربية إلى الكرامة والعزة والاستقلال، وأنها آمنت بغي الدولة التركية القديمة وطغيانها أحرار سوريا ولبنان والعراق"٢، نظرت مصر فإذا كِتَابٌ قد كتبه أحد أبنائها يُحَالُ بينه وبين المواطنين, وإذا به يُنْشَر "المعذبون في الرض" في لبنان، و"يُذاع في أقطار البلاد العربية، ثم يعود إلى مصر فيدخلها خائفًا يترقَّبُ, ويستخفي به قراءه استخفاء، ثم يُعاد طبعه ونَشْرَه في لبنان، والقراء من المصريين يسمعون بذلك فينكرون فيما بينهم وبين أنفسهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجهروا بهذا النكير"٣. كانت مصر إذن -كما يقول طه حسين- قد عادت إلى: "مثل ما كانت عليه فرنسا أثناء القرن السابع عشر, حين كان بعض كُتَّابِهَا يفرون بكتبهم لينشروها في هولنده مخافة البأس والبطش وطغيان الرقيب"٤, ومصدر ذلك عند الحكومة هو "الخوف الذي يورِّطُ في البغي، وهو الذعر الذي يدفع إلى الطغيان، وهو التنكيل بالكاتب من طريق التنكيل بكتابه، وهو الاستجابة للهوى, والانقياد للشهوة, والحكم في الناس بالحب والبغض لا بالحق والعدل, ولست أعرف أشد حمقًا ولا أجهل جهلًا ولا أغبى غباء من الذين يصدرون في حكمهم عن الخوف والذعر، وعن الشهوة والهوى، وعن الحب والبغض، فهم يورِّطُون أنفسهم في ألوان من السُّخْفِ لا تكاد تنقضي، يحسبون أن قدرتهم تبلغ كل شيء، مع أنها قدرة إنسانية محدودة, لها مدى لا تستطيع أن تتجاوزه، فهي تصادر كتابًا في مصر, وتظن أنها حالت بينه وبين المصريين، ثم لا تلبث أن تراه قد نشر في لبنان, وعاد إلى مصر فقرأه الناس فيها، وانتقض عليها كل ما أبرمت، وفسد عليها كل ما دبرت، واستبق الناس إلى هذا الكتاب, وتنافسوا في الظُّفْرِ به, ولو قد خلَّّت الحكومة بينهم وبينه لكان منهم القارئ له والمعرض عنه, ويحسبون أنهم يفهمون كل شيء، وأن عقولهم تنفذ إلى ما لا تنفذ إليه عقول غيرهم من الناس،
стр. 180
وعقولهم، مع ذلك عقول إنسانية تفهم من الأمر قليلًا وتعيا عن فهم الكثير، ولو قد فطنت عقولهم لكل ما كانت الصحف تنشر من الفصول، ولكل ما كانت المطابع تذيع من الكتب، لعطَّلوا الصحف كلها تعطيلًا، ولأغلقوا المطابع كلها إغلاقًا، وأيّ شيء أدلُّ على ذلك من هذا الأدب الجديد الذي أنشأته حكومات الطغيان إنشاء"١.
وفي ضوء هذه الرؤيا التي يحددها طه حسين لمواجهة الكُتَّاب المقاليين، وغير المقاليين للظروف السياسية، يمكن القول أنَّ فنَّ العمود الصحفي كان من أهم هذه الفنون الجديدة التي توسَّل بها طه حسين "حين اضطرت حكومات الطغيان الكتاب إلى العدول عن الصراحة إلى فنون من التعريض والتلميح ومن الإشارة والرمز، حتى استقلَّ هذا الأدب بنفسه, وتنافس القراء فيه تنافسًا شديدًا، وجعلوا يقرأون ويؤولون ويناقش بعضهم بعضًا في التأويل والتحليل، واستخراج المعاني الواضحة من الإشارات الغامضة"٢.
ومن آثار فن العمود الصحفي في مقال طه حسين، هذا الفن الجديد الذي اتخذ اسم "جنة الشوك"، وكان ينشره على شكل عمود في صحيفة "الأهرام" في الأربعينيات، ثم جمعت مقالاته في كِتَاب نُشِرَ لأول مرة عام ١٩٤٥ ٣.
واتخذ من هذا العمود الصحفي، اسمًا لعموده في جريدة "الجمهورية" في الستينيات.
وفي هذا العمود الصحفي الذي يتوسَّل بالرمز، نجد ارتباط صحافة طه حسين بالظروف الاجتماعية والسياسية، التي ذهبت به -كما يقول- إلى التعبير عن "مظاهر كنا نبغضها ولا نستطيع أن نتحدث عنها في صراحة أثناء تلك الأيام السود، فكنَّا نؤثر الغموض على الوضوح، والرمز والألغاز على التصريح، والإشارة والتلميح على تسمية الأشياء بأسمائها، وكانت حكومة ذلك العهد ورقابتها تقرأ فلا تفهم، فتخلي بين الكُتَّاب وما يكتبون"٤. وكذلك قهر هذا الفن المقال الجديد "بغي البغاء، وأفلت من رقابة الرقباء.
وسجَّل على الظالمين ظلمهم، وعلى المفسدين إفسادهم، وأنشأ بينه وبين القراء لغة جديدة يفهمها الأدباء وقراؤهم، وفنًّا جديدًا يذوقه القراء ويحبونه
стр. 181
ويؤثرونه على فنون التصريح والوضوح. والأدب أشبه شيء بالنهر العظيم القوي الذي يندفع من ينابيعه فيشق مجراه حتى يصل إلى البحر، قاهرًا ما يلقاه من المصاعب, مقتحمًا ما يعترضه من العقاب، محتالًا في شق طريقه ألوانًا من الحيل تنتهي به كلها إلى غايته، فظلم الظالمين وبطش أصحاب الطغيان وتحكُّم الرقباء كل أولئك أضعف من أن يقوم في سبيل الأدب والفن, أو يحول بينها وبين القراء"١.
ومن ذلك يبين أن السبب الذي أدَّى إلى ظهور فن العمود الصحفي في مقال طه حسين، هو نفسه السبب الذي جعله يرسل أنفاسًا "حارَّة محرقةً كأنها شُعَلٌ من نار تضيء لقرائنا الطريق, وتهديهم إلى قصد السبيل"٢. ولعل في ذلك ما يجعلنا نذهب مع الباحثين في الصحافة إلى أن العمود الصحفي الإنساني هو الذي يمكن توزيعه على أكبر عدد ممكن من صحف العالم٣ من جهة، وهو الذي يمكن أن تجمع فصوله في كتبٍ كما في "جنة الشوك" و"جنة الحيوان" من جهة أخرى. فإذا كانت الصحافة عملًا اجتماعيًّا محلي النزعة، فإن العمود الصحفي بطابعه الإنساني يستطيع أن يصل بالصحافة إلى مرتبة الأدب؛ لأنه يتجه دائمًا إلى النفس البشرية، وإلى الاهتمامات العامة٤. وعن هذه الرؤيا كان يصدر طه حسين حين ذهب إلى أن فن العمود الصحفي في مقاله إنما هو "أدب جديد"٥ جاء نتيجة لما "صُدِمَت به مصر من ألوان الكوارث في حياتها السياسية التي حَدَّتْ من حرية الرأي والقول بين حين وحين٤، ذلك أن هذه الكوارث "زادت العقل المصري قوة وأيدًا؛ لأنها عامته العكوف على نفسه، وفتقت له ألوانًا من الحيل للتعبير عَمَّا كان يريد أن يعبر عنه"٦، ولا ندري كما يتساءل طه حسين، "أكان من النافع أم غير النافع لمصر أن تتعثَّر في حياتها السياسية, ولكنَّ الشيء الذي لا شكَّ فيه هو أن هذه الأزمات السياسية التي وقفت الإنتاج الأدبي شيئًا ما، قد أنضجت هذا الأدب العربي ومنحته صلابة ومرونة في وقت واحد، علَّمته كيف يثبت للخطوب, وكيف ينفذ من المشكلات"٧.
فالظروف السياسية التي مرَّت بها مصر إذن هي السبب الحقيقي في ظهور العمود الصحفي في أدب طه حسين، على أن هذا السبب يرتبط كذلك بما اتصف به القرن العشرون من عامل السرعة، أو كما يصفه طه حسين, فأننا نعيش في "عصر السهولة والسرعة، في عصر الراديو والسينما والصحف
стр. 182
اليومية والمجلات اليسيرة والجمهور القارئ الضخم والمواصلات السريعة، وكل هذا سيعرض الأدب والأدباء -وقد أخذ يعرِّضُهم بالفعل- لمحنة قاسية، فسيلتجئ الراديو والصحف والمجلات إلى الأدباء، وسيتعجلهم في الإنتاج، وسيضطرهم إلى السرعة، وسيحول بينهم وبين الآناة التي تمكنهم من التجويد"١.
وتأسيسًا على هذا الفهم وجدنا فنَّ العمود الصحفي في مقال طه حسين يلائم بين هذا كله، فيؤثر الفن بالإنتاج الهادئ البطيء الذي يحتفل به ويفرغ لتجويده ويذيعه في الناس متى أراد، ويقدِّم إلى الجمهور من طريق الصحف فن العمود الذي مهما يكن من "يسره, فلن يكون من الرخص والابتذال بحيث يصبح خطرًا على الجمهور٢ "لأنه يقوم على أداء وظائف اجتماعية، كانت هي الأصل في ابتداعه كما تَقَدَّمَ. ذلك أن المقال الصحفي في أدب طه حسين على إطلاقه يسعى إلى أن يكون "مرآة صافية رائعة لحياة الشعب، يرى فيها الشعب نفسه, فيحب منها ما يحب, ويبغض منها ما يبغض، ويدفعه حبه إلى التماس الكمال، ويدفعه بغضه إلى التماس الإصلاح"٣.
стр. 183
خصائص العمود الصحفي:
ومقال العمود حديث شخصي يومي أو أسبوعي "كما في حديث الأربعاء", لكاتب معين يوقعه باسمه وتحت عنوان ثابت١ مثل: "حديث الأربعاء" في العمود الأسبوعي المتخصص، و"جنة الشوك" عند طه حسين، والعمود الصحفي عبارة عن فكرة أو رأي أو خاطر من الخواطر يَرِدُ على ذهن الكاتب، وكثيرًا ما كان هذا الرأي أو الخاطر يدور حول واقعة أو ظاهرة وقع عليها نظر المحرر في المحيط الذي يعيش فيه. ومعنى ذلك أن العمود الصحفي في بداية الأمر كاد لا يتعدَّى المحيط الاجتماعي٢, على أننا نجد أن العمود الصحفي عند طه حسين يتجاوز المحيط الاجتماعي إلى المحيطين السياسي والثقافي كذلك، ذلك أن الغاية الأساسية من هذا الفن المقالي هي ربط القارئ بالكاتب وبالصحافة؛ لإرشاده وتسليته وتثقيفه بمادة خفيفة الظل، ويُعْتَبَرُ العمود رأيًا شخصيًّا وكتابته ذاتية. ولذلك نرى كاتب العمود يختلف أحيانًا في وجهة نظره عن سياسة الصحيفة في موضوع معين، ولا غبار عليه في إنتاج هذه الخطة.
غير أن بعض علماء الصحافة مثل "ليبلنج A. J. Liebling" يذهب إلى أن
стр. 184
كاتب العمود لا يختلف عن كاتب المقال الافتتاحي؛ لأنه يعرض وجهة نظر الصحيفة لا وجهة نظره هو، على أن معظم الصحف ومنها صحف كبرى في العالم تؤثر إعطاء الكاتب حرية كافية للتعبير عن رأيه الشخصي في العمود الصحفي. ولكي يكون العمود الصحفي ناجحًا ومقروءًا، ينبغي ألا يهمل عاملًا هامًّا وهو اتصال الموضوع بالقارئ، من قرب أو بعد، فإن القارئ يشعر مباشرًا أو غير مباشر١.
وتأسيسًا على هذا الفهم يمكن أن نذهب إلى أن طه حسين من أوائل الكُتَّاب الصحفيين في مصر الذين تمثَّلوا هذه الخصائص العمودية في المقال، ذلك أن العمود الصحفي -كما يقول "لونٌ من ألوان القول لم يطرقه أدباؤنا المعاصرون؛ لأنهم لم يلتفتوا إليه، أو لأنهم لم يحفَلُوا به، مع أنه من أشد فنون القول ملاءمة لهذا العصر الذي نعيش فيه, فنحن نعيش في عصر انتقال كما يقال لنا منذ أخذنا نعرف الحياة, وعصور الانتقال تمتاز بما يكثر فيها من اضطراب الرأي واختلاط الأمر وانحراف السيرة الفردية والاجتماعية عن المألوف من مناهج الحياة. وهذا كله يدفع إلى النقد، ويحمل على العناية بإصلاح الفاسد وتقويم المعوج, والدلالة على الخير ليقصد إليه، وعلى الشر ليتنكب سبيله، وإظهار ما لا يحسن في صور قوية أخاذة، عميقة الأثر في النفوس، شديد الاستهواء للذوق، عظيمة الحظ من ملاءمة الطبع"٢.
ومن ذلك يبين أن المقال العمودي عند طه حسين قد نشأ في الأصل من حاجة الاتصال بالواقع والتعبير عنه، فهو لم يرد إلى شيء إلّا إلى النقد الذي بالموضوع الذي يتصل به أكثر من الموضوع العام الذي لا يتصل بحياته اتصالًا, يسمونه بريقًا في هذه الأيام، والنقد الذي يوجَّه إلى ألوان من الحياة لا إلى أفراد بأعينهم من الناس. ومن المحقق أني لم أخترع هذا الكلام من لا شيء، ولم أشتق هذه الصور من الهواء، ولم ألتمسها في الصين ولا في اليابان ولا في بلاد الهند والسند، وإنما أنا أعيش في مصر، وأشارك المصريين في الحياة التي يحيونها، وآخذ بحظي مما في هذه الحياة مما يرضي وما يُسْخِطُ، وأنا بعد ذلك أعرف أقطارًا من الأرض سافرت إليها, أقمت فيها أو قرأت عنها في الكتب والأسفار, وأنا بعد هذا وذلك أعرف أجيالًا من الناس عشت بينهم, أو قرأت أخبارهم وعرفت آثارهم, فيما استطعت أن أظهر عليه من آثار الناس في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب. ولست أزعم كأبي العلاء أني أعرف الناس جميعًا، وأني قد بلوت أجيال الناس جميعًا، فقد كان أبو العلاء غاليًا حين قال:
стр. 185
ما مر في هذه الدنيا بنو زمن ... إلا وعندي من أنبائهم طرف
"وأنا واثق كلَّ الثقة بأن كثيرًا من أبناء الزمان قد مروا في هذه الدنيا وليس عندي من أنبائهم طرف طويل أو قصير، ولكني واثق بأني عرفت الناس، وبلوت أخبارهم وآثارهم إلى حَدٍّ ما، وتأثرت بما بلوت من ذلك، فسخطت حينًا ورضيت أحيانًا، وأظهرت ما وجدت من السُّخْطِ والرضا في صراحة تغنيني عن التلميح الغامض"١.
ولعل في هذه الرؤيا العملية للواقع عند طه حسين ما يجعلنا نذهب مع كُتَّاب العمود الصحفي٢، إلى أن الصحيفة ليست انعكاسًا للواقع الاجتماعي فحسب, أو تسجيلًا لهذا الواقع، ولكنها كذلك جزء من تاريخ المجتمع، تقوم بدور القيادة في القضايا المهمة، وتعرض الأخطاء وتكشفها, سواء الأخطاء التي ارتكبها الحزب السياسي الذي تؤيده الصحيفة، أو الأخطاء التي ترتكبها السلطة السياسية أو الحكومية. ذلك أن المواطنين ينشدون من صحيفتهم أن تكون جريئة في نضالها من أجل الحق٣. وتَتَحَدَّدُ وظيفة المقال العمودي في ضوء هذه الرؤيا الصحفية للقضايا الاجتماعية المختلفة، حين تذهب هذه الوظيفة بالعمود الصحفي إلى اتخاذ موقف محدد من هذه القضايا، يقوم على تفسير الكاتب وتحليله لها، ورأيه الذاتي أيضًا، كما يقوم على تقويمه للواقع وحكمه الخاصٍّ الذي يتميز بالصواب في التفسير، والاستقلال في التقويم. وإذا كُنَّا نفضل المقال الموقع على غير الموقع لافتقار الأخير إلى الطابع الذاتي، فإن القراء المعاصرين يرحبون بعودة الطابع الذاتي" إلى المقال العمودي٤. والطريف أن المقال العمودي لم يقترن بهذا الطابع الشخصي الباتِّ إلّا بعد فترة متأخرة من تاريخه، وبطريق الصدفة تقريبًا؛ فقد استحدثه "فرانكلين ب". أدامس, عندما أدخل في عموده "برج القيادة" مذكرات من "مفكرة بيبي" إذ أخذ يوقع العمود بالأحرف "ف. ب أ"٥. ومن الطبيعي جدًّا أن تعكس المفكرة الطابع الشخصي؛ لأنها تعالج ما يراه كاتبها, وما يفعله ويحس به ويفكر فيه٦.
ومن ذلك يتضح أن المقال العمودي يتناول من حيث المضمون موادًّا
стр. 186
مختلفة، تجعل تصنيفها أمرًا من الصعوبة بمكان١. على أننا يمكن أن نميِّزَ في بعض المقالات العمودية لهجة فكاهية ساخرة, كما سيجيء في "جنة الشوك"، وبعضها يتَّسِم بلهجة جادة، والبعض الآخر يصور ضعف وقوة الانفعالات الإنسانية، كما سيبجيء في "جنة الحيوان"، ويغلب التعليق والتقويم في بعضها, والطرائف والأخبار في البعض الآخر.
وإذا كانت معرفة الكاتب لقرائه وبيئته، تتيح له أن يتكلَّم بلغة الشعب من حوله في مقاله العمودي، الأمر الذي يجعل من الطبيعي في المستقبل أن يتَّجِه المؤرخون إلى دراسة الشعوب من خلال المقالات العمودية وكُتَّابها, دراسة دقيقة٧ تعطي مؤشرات هامة لدراسة حركة التاريخ الاجتماعي في مكان وزمان معينين، فإن طه حسين يصدر في عموده الصحفي عن رؤيا اجتماعية واضحة تجعله يؤكد أن "ما يقال في نقد الناس وحمدهم إنما هو أشبه بالمزايا، يرى الناس فيها أنفسهم، لأننا لا ننقد عفاريت الجن، ولا نحمد الملائكة الأبرار، وإنما ننقد ونحمد ما نرى وما نعلم من أعمال الناس وآثارهم"٢.
على أن هذه الرؤيا الصحفية لمضمون المقال العمودي، هي التي تحدِّدُ بناءه وشكله التحريري، ذلك أن معظم المقالات العمودية إنما تصدر في تحريرها عن نموذج, أو عدة نمماذج تحددها الرؤيا الصحفية للكاتب, والتي تسهم في تكوينها مقوماته الخاصة ومصادر ثقافته المتنوعة٣. وتأسيسًا على هذا الفهم فإن دراسة تحرير المقال العمودي عند طه حسين تشير إلى أنماط تحريرية جديدة في العمود الصحفي تصدر عن رؤياه الصحفية، ومقومات شخصيته، ومصادر ثقافته التي أسهمت في تكوين هذه الرؤيا، بحيث يمكن القول في نهاية الأمر أن العمود الصحفي في مقال طه حسين ثمرة من ثمار رؤياه الصحفية، وما تمتاز به من عناصر أصيلة، ومظاهر تجديدية، ولم ينشأ تقليدًا لفن مقالي حديث.
فإذا كان قد استقرَّ عندنا أن المقال الصحفي يقوم على محورين أساسيين: المضمون الصحفي من نحو، والشكل التحريري من نحوٍ آخر، فإن التطور الذي حكم محوري الأصالة والتجديد في مقال طه حسين، واتجه بهما إلى هنا وهناك، يرتبط بوسيلة الاتصال الصحفي بالجماهير، من خلال توازن ذكي، إلى أبعد الحدود آفاقًا وتجديدًا، فجاء المقال عنده ثمرة التعادلية بين عناصر الأصالة والتجديد جميعًا.
стр. 187
مضمون العمود الصحفي:
وهذا المضمون في العمود الصحفي ليس شطرًا منضافًا إليه، وإنما يشكِّلُ صلبه، ومنطلقه إننا "نقول بعد أن نفكر, ونكتب بلغتنا هذه بعد أن نكتب مرات هذه الكتابة الداخلية فيما بيننا وبين أنفسنا، نكتب للناس بعد أن نكون استمعنا إلى هذا الذي نكتبه، هديرًا داخليًّا متصلًا, ونسمعه قبل نسمعه للناس, أو أن نحمله حملًا على آذانهم"١. ولأمرٍ ما قال قدماؤنا: "إن الشعر الجاهلي ديوان العرب، لأنهم لم يكادوا يعرفون شيئًا من أمر هؤلاء الجاهليين إلّا من طريق هذا الشعر٢؛ فالأدب -كما يقول طه حسين٣- يصور "حياة النفوس والقلوب والأذواق على نحوٍ لا يستطيع التاريخ أن يصوره، ولا أن يسجله, ولا أن ينقله إلينا نقلًا صحيحًا دقيقًا"٤.
فمضمون المال عند طه حسين -إذن- يستمد من هذه الرؤيا اتجاهه إلى بيئته ومجتمعه "يهبط إليهم فيشتق منهم مادته, ويجني منهم حلوهم ومرهم، ويستخلص منهم صفوهم وكدرهم ... ثم يخلو إلى نفسه, فيخلو إليها ويستخرج نتيجة هذا كله رائقة صفوًا يعرضها على الناس في الصورة التي يحبها هو، لا في الصورة التي يحبونها هم؛ فهو يعاشرهم ويخالطهم ويمازج حياتهم ممازجة دقيقة كل الدقة، خفية كل الخفاء، عيمقة كل العمق، ثم ينفصل عنهم فيعود إلى قمته تلك التي يحبها, ولا يستطيع أن يسوغ نفسه إلا فيها ... ثم يعود إليهم بعد ذلك صورة رائقة شائقة يذوقها منهم من هُيِّأَ لذوقها، ويسيغها منهم من أعد نفسه لإساغتها"٥ ونتيجة ذلك عند طه حسين أن مقاله الصحفي بأشكاله التحريرية المختلفة "متصل بالناس أشد الاتصال، يشتق نفسه من أنفسهم اشتقاقًا، ثم يعود إليهم بعد تكوينه خلقًا جديدًا, يجب أن يتهيأوا لقوله, ويعدوا أنفسهم للرضى عنه أو السخط عليه٦, ويقوم هذا المضمون المقالي في عمود طه حسين على الوضوح من جهة، والاتجاه نحو المضمون نفسه من جهة أخرى.
فأما عنصر الوضوح في المضمون، فهو الذي يضمن الاتصال الصحفي الفعَّال بالجماهير، ذلك أن الكاتب -كما يقول: طه حسين- مطالبٌ بألا يكون "ممعنًا في الغرابة متعمدًا للغموض، وألا يؤدي -مضمونه- في ألفاظ وأساليب لا تعيش في هذه الأيام، وإنما كانت تعيش في العصور القديمة البعيدة العهد, فلا ينبغي لمن يكتب الآن أن يتكلَّف مذهب ابن المقفع، أو
стр. 188
طريق الجاحظ, أو أسلوب الحريري والبديع الهمذاني، ولا ينبغي له أن يرهق الناس من أمرهم عسرًا؛ فيفرض عليهم الرجوع إلى المعاجم في كل سطر"١.
وإذا كان العمود الصحفي بطابعه الإنساني يستطيع أن يصل بالصحافة إلى مرتبة الأدب٢؛ لأنه يتجه دائمًا إلى النفس البشرية وإلى الاهتمامات العامة٣. فإن جمال الأداء فيه -عند طه حسين- لا يكون في "غرابة اللفظ وخشونته, ولا في خفاء المعنى وغموضه، ولا في التواء الأسلوب وتعقده، وإنما الجمال شيء آخر يناقض هذه الخصال كل المناقضة ويخالفها أشد الخلاف"٤، ولذلك يؤدي العمود الصحفي في "هذه اللغة اليسيرة في غير ابتذال، السهلة في غير إسفاف، الرصينة في غير إغراب"٥. ذلك أن الكاتب أو الأديب "إنما ينتج لأن طبيعته تقضتيه الإنتاج، ولأن البيئة من حوله تقتضيه الإنتاج أيضًا، ولأن الله قد خلق الجماعة الإنسانية وفيها طائفة من الظواهر الاجتماعية، ومن هذه الظواهر أن ينتج الكُتَّاب والأدباء, ويسمع الناس أن يقرأوا"٦.
وليست هناك بيئة إنسانية، بادية أو متحضرة، متقدمة في الحضارة أو مقصرة فيها, إلا ولها لون من القول يلائم طاقة كُتَّابها للإنتاج "وطاقة أعضائها الآخرين للقراءة أو الاستماع. ومن أجل ذلك رأينا أهل البادية من العرب قبل أن يمسهم جناح من الحضارة يحفلون بما أتيح لهم في حياتهم تلك من الأدب. ويقول شاعر القبيلة، ويسمع لهم سائرها، ويحفظ كثير منهم عنه بعض ما يقول أو كل ما يقول, وقد يشيعونه من حولهم في حياتهم تلك المتنقلة, فيتجاوز شعر الشاعر قبيلته إلى قبائل أخرى, ويتفاوت شعر الشعراء في شيوع شعرهم وانتشاره، وما ينشأ عن ذلك لأصحابه من الشهرة وبُعْدِ الصَّوْتِ. وقد تغيَّرت أطوار تلك الأمة البادية، فتحضَّرت قليلًا أو كثيرًا، ولكنها لم تنس شعرها القديم من جهة، ولم تكتف به من جهة أخرى، وإنما حفظته، وأضافت إليه, وأنشأت شعرًا متحضرًا يشبه أو لا يشبه ما حفظت من شعرها القديم, ثم أغرقت في الحضارة وفرضت لغتها ودينها وأدبها على أمم أخرى، وأنشأت لونًا من الحضارة لم تألفه في عهودها الأولى, ولم تعرفه الأمم الأخرى قبل أن تخضع للسلطان الجديد. وهي في هذا الطور من حياتها لم تنس أدبها، ولم تُعْرِضْ عنه، ولم تكتف به، وإنما حفظته وأضافت إليه أيضًا"٧.
стр. 189
ولعل في ذلك ما يكشف عن مصدر الأصالة في مقال طه حسين، واتجاهه إلى أن يضيف إلى فن القول العربي، ويحتفظ بأصوله، ويقوم فنه المقالي الجديد على أساس من الارتباط بالحياة الواقعة، الأمر الذي يبين من اتجاهه نحو مضمون مقاله، وهو الاتجاه الذي يشترك في تحديده: سياسة الصحيفة واهتمام القراء وصياغة المقال، ولكن هذا الاتجاه في العمود الصحفي يعبر عن وجهة نظر الكاتب في سطور قليلة تتيح له حرية واسعة فيما يكتب ما دام يتحمَّل مسئولية الكتابة، وما دام يذيّل العمود بتوقيعه١. الأمر الذي يميِّزُ العمود الصحفي عن غيره من فنون المقال الصحفي، بحرية التعبير عن اتجاه الكاتب نحو مضمون مقاله إلى الدرجة التي تذهب بالعمود إلى أن يكون رأيًا شخصيًّا, وتحريره ذاتيًّا, كما نجد في اختلاف رأي العمود مع سياسة الصحيفة حول موضوع معين، ولا غبار عليه في انتهاج هذه الخطة٢.
والعمود الصحفي من هذه الوجهة يمتاز بما يذهب إليه "أصحاب الأصالة في الأدب"٣ من أنهم كانوا "ينشئون الأدب فيما كانت طبيعة حياتهم تقتضيه من فنون القول, كانوا يتغنون الرضى إذا رضوا، ويتغنون السخط إذا سخطوا, يتغنون الحزن إن أصابهم الحزن، والسرور إن أتيح لهم السرور. كانوا يصورون ما كانوا يجدون من ألوان الحسِّ والعواطف والشعور"٤. على أن كاتب العمود الصحفي في ضوء هذا الفهم -عند طه حسين- لا ينشئ مقاله "لفرد من الناس، ولا لجماعة محدودة منهم، وإنما ينشئه لبيئته التي يعيش فيها ولهذه البيئة كلها، وهو واثق بأن فنه سيُفْهَم ويُذَاق"٥؛ لأنه صورة من حياة الناس تشتق منها وتعود إليها٦.
على أن اتجاه الكاتب نحو مضمون مقاله، بهذا الفهم، في العمود الصحفي، يقتضي حرية يأمن معها الغوائل, ولا يتعرَّض معها لشر أو كيد أو هوان. فالكاتب الحق -عند طه حسين- حرٌّ بطبعه "لا ينتظر أن تُهْدَى إليه الحرية من أحد غيره، وإنما تولد معه حريته يوم يولد، وتنمو معه حين ينمو، وتصحبه منذ يدخل الحياة إلى أن يخرج منها. وهو لا يؤثر في الدنيا شيئًا كما يؤثر الأدب الحر, وهو يزدري أدبه أشد الازدراء, ويضيق به أعظم الضيق, إن فَقَدَ حريته في يوم من الأيام"٧.
فالعمود الصحفي -إذن- عند طه حسين، موجَّه بطبعة في سبيل الحياة "بأقوم معانيها وأبقاها وأرقاها.. حياة العقول والقلوب التي لا تموت
стр. 190
ولا يدركها البلى، لا حياة الأجسام التي تُخْلَق من تراب وتصير إلى تراب"١ وهذه الحياة -عند طه حسين- هي حياة الجماعات الإنسانية من حيث أنها جماعات طامحة بطبعها إلى الرقي, والسمو إلى الكمال بقدر الطاقة في جميع فروع النشاط الذي تبذل فيه جهودنا على اختلافها٢. أو هي -الحياة- التي تتمثَّل في اهتمامات القارئ، والتي تشكل مادة العمود الصحفي ومضمونه٣، حين يخوض في مشكلات الحياة المصرية في شجاعة وجرأة وإقدام٤، وحين يقاوم "ما رأى أنه الباطل أشد المقاومة وأقساها، ويدافع عَمَّا رأى أنه الحق أعنف الدفاع وأقواه، ويعالج من المشكلات الاجتماعية والإنسانية ما أتاح له علمه ودرايته وطبعه وتجاربه أن يعالجه"٥.
стр. 191
تحرير العمود الصحفي:
وتحرير العمود الصحفي لا يفصل بين الشكل والمضمون، ذلك أن شكل العمود ينبع من مضمونه ومن خلاله، وإذا كان بعض الدارسين للصحافة لا يجد بأسًا من أن يستخدم كاتب العمود أحيانًا الأسلوب الأدبي في تحريره، وأن يتميز هذا الأسلوب بالجمال عن طريق اختيار الألفاظ الجذابة والعبارات الرقيقة التي تعبِّر عن الفكرة تعبيرًا جميلًا١. فإن هذا العنصر التحريري يتمثَّل الأصالة في التراث العربي، ويضيف إليها، من خلال جلائها بروافد الثقافة الأوربية القديمة والحديثة, ويتناول في مقاله أغلب الفنون التي تناولها الشعراء، ويتفوَّق عليهم، كما فعل الجاحظ في النثر العربي من قبل٢، وأتى بما لم يوفق الشعراء إلى أن يؤدوه.
ذلك أن من عناصر الأصالة في تراثنا العربي: عمود الشعر، الذي لم "يستطع القدماء تحديده, ولكنهم حرصوا عليه أشد الحرص، وهذا الذي لم يستطع أحد من شعرائنا أن ينحرف عنه في حقيقة الأمر مهما يقل في مسلم ودعبل وأبي تمام والمتنبي وغيرهم من أصحاب التكلُّف والتصنُّع والبديع, فهؤلاء وأمثالهم قد همَّوا أن يجددوا, وجدَّدوا بالفعل في كثير من الأشياء, ولكنهم احتفظوا دائمًا بفصاحة اللغة وجزالتها، وبرونق الأسلوب ورصانته، كما احتفظوا بالأوزان القديمة، فلما جدَّدُوا لم يبتكروا إلّا أوزانًا يمكن أن تُرَدَّ إلى الأوزان القديمة على نحوٍ من الأنحاء"٣.
стр. 192
ويمثِّلُ المقال العمودي هذا العنصر الأصيل، وغيره من عناصر الأصالة التي استطاعت أن تغلب الحوادث والخطوب وألوان التطور التي لا تسيطر على شعر المعاصرين في الأقطار العربية فحسب، ولكنها تسيطر على النثر العربي أيضًا, الذي اتخذ لنفسه أصولًا تقليدية تقارب أصول الشعر، فحرص على اللغة العربية، وعلى الفصاحة والجزالة، وعلى الرونق والرصانة، واستبقى مسحة بدوية تشيع في أثنائه, فتسبغ عليها "جمالًا ساذجًا لا يخلو من روعة وجلال"١.
وعلى الرغم من تمثُّل طه حسين للثقافة الأوربية القديمة والحديثة, فقد حرص في مقاله على الأصول التقليدية حرصًا شديدًا, "واستمد أكثر هذه الأصول من الشعر الذي اتخذه لنفسه إمامًا أول الأمر, ثم نافسه وغالبه بعد ذلك"٢. وإذا كنا نتجاوز الشبه الشكلي بين "عمود الشعر" و"العمود الصحفي", فإننا لا نستطيع تجاوز أصوله التقليدية التي تتمثل في: صحة الأداء، وجمال الأسلوب. ذلك أن "العمود الصحفي أشبه بالمقال الأدبي من حيث العناية باختبار الألفاظ، والاحتفاظ بحلاوة الأساليب, وفيه مجال كبير لبيان النبوغ الأدبي، أو القدرة البيانية التي يمتاز بها المحور الصحفي"٣.
فالأصل في تحرير العمود الصحفي بصفة خاصة، وفن المقال في أدب طه حسين بصفة عامة، إذن، كالأصل "في العمود الشعري تخيَّر اللفظ الصحيح الرصين الجزل للمعنى الصحيح المصيب، والملاءمة بين اللفظ, واللفظ وبين المعنى, والمعنى في كل ما يكوّن هذا الانسجام الخاصِّ الذي يستقيم له الشعر والنثر في لغتنا الفصحى"٤. أما جمال الأداء على أية صورة من صوره, أو "مرتبة من مراتبه -فليس شرطًا في لغة العمود, ولكنه جائز في هذه المادة الصحفية أكثر من جوازه في بقية المواد الأخرى"٥. وهذا الجمال في الأداء تقتضيه طبيعة طه حسين نفسه٦، وأن فنَّ القول عنده -يأتلف من الألفاظ والمعاني والأساليب, وما يعرض من صور, وما يثير من عواطف, وما يبعث من شعور٧، بحيث يمكن القول أن جمال الأداء في مقاله شيء شائع لا ينحصر في اللفظ أو في المعنى أو في الأسلوب٨. ذلك أن الرؤيا الإبداعية في مقال طه حسين لا تفصل بين صورته ومادته، بين لغته ومعانيه، بين شكله ومضمونه، فنحن "لا نعرف المعاني المجردة التي تتخذ ثيابها من الألفاظ.
стр. 193
ولا نعرف الألفاظ الفارغة التي تنتظر المعاني لتلبسها, وإنما نعرف الألفاظ والمعاني ممتزجة متحدة لا تستطيع أن تنفصل ولا أن تفترق، وما نعلم أننا نستطيع أن نتبادل المعاني مجردة دون ما يدل عليها من لفظ أو صورة أو رمز, وما نعلم أننا نستطيع أن نتبادل الألفاظ الجوف التي لا تدل على شيء، فليس ذلك من شأن العقلاء, وإنما هو شأن قد يعرض للمحمومين والمجانين"١.
وإذن، فتحرير المقال الصحفي عند طه حسين لا يفصل بين صورته ومادته ويعتبرهما شيئًا واحدًا، ويضيف إليهما عنصرًا ثالثًا "إن صحَّ أن يستعمل العدد في مثل هذا الموضع.. وهذا العنصر يلزمهما لزومًا لا فكاك منه, وهو عنصر الجمال، فالناس يتحدثون بالألفاظ التي تدل على المعاني، وهم يتبادلون ما يدور في رءوسهم من الخواطر, ويحققون بهذه الألفاظ ذوات المعاني ما يحتاجون إليه من الأغراض والآداب"٢. إن الجمال في العمود الصحفي -عند طه حسين- إذن، ليس عنصرًا إضافيًّا ولا لصيقًا بالمادة وصورتها وأدائها، ولكنه جزء من ذلك كله، يتخلل العرض والتصوير والأداء، كما يبين من الابتكار والإبداع والكشف والنفاذ إلى الحقيقة أو الواقع، هذا إلى غير ذلك من العناصر الكثيرة التي تؤلِّفُ الجمال في العمود الصحفي.
стр. 194
فن العمود الرمزي:
ويبين مما تَقَدَّمَ أن هذا الفن المقالي -عند طه حسين- فن جديد قديم، على النحو الذي يبين من "العمود الرمزي"، والذي يجعل هذه العبارة "صادقة كل الصدق, ملائمة كل الملاءمة لحقائق التاريخ الأدبي العام من جهة، ولحقائق التاريخ الأدبي العربي من جهة أخرى"١.
ذلك أن هذا الفن -كما يقول طه حسين- كغيره من فنون القول قد نشأ منظومًا لا منثورًا٤، فهو من نشأته الأولى في الأدب اليوناني مذهبٌ من مذاهب الشعر ولونٌ من ألوانه، نشأ يسيرًا ضئيلًا، ثم أخذ أمره يعظُم شيئًا فشيئًا, حتى سيطر أو كاد يسيطر على الأدب اليوناني في الإسكندرية, وغيرها من الحواضر اليونانية, في العصر الذي تلا فتوح الإسكندرية. وقد نشأ كذلك في الأدب اللاتيني ضئيلًا يسيرًا، حتى إذا اتصل اللاتينيون بالأدب اليوناني عامَّةً وبالأدب الإسكندري خاصة، ترجموا ثم قلدوا ثم برعوا، حتى أصبح هذا الفن من فنون الشعر اللاتيني ممتازًا أشدَّ الامتياز وأعظمه في القرنين الأول والثاني للمسيح، أي: في العصر المجيد من عصور الإمبراطورية الرومانية٤.
ويتوسَّلُ طه حسين بهذا الفن في عموده الرمزي النثري "جنة الشوك", وهو الفن الذي سماه اليونانيون واللاتينيون "أبيجراما" أي: نقشًا، واشتقوا هذا الاسم اشتقاقًا يسيرًا قريبًا من أن هذا الفن قد نشأ منقوشًا على الأحجار، فقد كان القدماء ينقشون على قبور الموتى وفي معابد الآلهة وعلى التماثيل والآنية والأداة، البيت أو الأبيات من الشعر، يؤدون فيها غرضًا قريبًا أول الأمر، ثم أخذ هذا الفن يعظم ويتعقَّد أمره، حتى نأى عن الأحجار، واستطاع أن يعيش في الذاكرة, وعلى أطراف الألسنة، ثم استطاع أن يعيش على أسلات الأقلام وفي بطون الكتب والدواوين. وقد أطلق اليونانيون واللاتينيون كلمة "أبيجراما" أول الأمر على هذا الشعر القصير الذي كان يُنْقَشُ على الأحجار، ثم على كل شعر قصير، ثم على الشعر القصير الذي كانت تصوّر فيه عاطفة من عواطف الحب, أو نزعة من نزعات الموج، أو نزعة من نزعات الهجاء, ثم
стр. 195
غلب الهجاء على هذا الفن، ولا سيما عند الإسكندريين وشعراء روما, وإن لم يخلص من الغزل والمدح. فلما كان العصر الحديث لم يعد الشعراء الأوربيون يطلقون هذا الاسم على الشعر القصير الذي يُقْصَدُ به إلى النقد والهجاء١.
ذلك هو الأصل الأوربي القديم في مقال طه حسين، أما الأصل العربي القديم، فلم يكد يعرفه الأدب الجاهلي، أو نحن لا نعرف من الأدب الجاهلي ما يمكِّنُنَا من أن نقطع بأن الشعراء الجاهليين قد حاولوه أو قصدوا إليه٢. ولم يعرفه الأدب الإسلامي "وقد يُرْوَى شيء منه بين الفرزدق وعبد الله بن الزبير مثلًا"٣، وأكبر الظن أن الشعراء الإسلاميين لم يعرفوه؛ لأنهم لم يرثوه عن الفحول الجاهليين، ولأنهم لم يشهدوا حياة متحضرة مترفة كالتي عرفها شعراء الإسكندرية وشعراء روما، وإنما عرفوا حياة قد اتصلت بالحضارة, ولكنها لم تبرأ من البداوة، وقد حفظت تراثًا قديمًا ضخمًا, ومَذْهَبًا في الشعر في أناة ومهل لا تمتاز بالقصر ولا بالاختصار٤. فلما كان العصر الثاني من عصور الحضارة الإسلامية أزهر في العراق هذا الأدب العباسي الجديد، وظهر هذا الفن في الأدب العربي قويًّا خصبًا مختلفًا ألوانه في البصرة والكوفة وبغداد٥. ولكن حياته لم تطل، وإنما اقتضت ظروف السياسة والأدب أن يعدل الشعراء والفحول عنه عدولًا يوشك أن يكون تامًّا, وأن يستخفي به بعض الشعراء وبعض الكتاب، بل بعض الذين لا تعرف لهم سابقة في الشعر ولا في النثر٦.
ثم كانت عصور الضعف الأدبي، فذهب هذا الفن من فنون القول فيما ذهب، واستوقفت في عصرنا الحديث حياة تقليدية عُنِيَ فيها أدباؤنا بعمود الشعر، ولم يخالفوا عن سنة الفحول من الجاهليين والإسلاميين والمحدثين، فلم يحفلوا بهذا الفن الذي لم يزدهر في تاريخ الشعر العربي إلّا وقتًا قصيرًا. فقُلِّدَ الشعراء الأوربيون في هذا الفن كما قُلِّدُوا في غيره من الفنون، ثم ابتكروا فيه كما ابتكروا في غيره من الفنون، حتى أغنوا آدابهم منه بألوان رائعة. ولكن النهضة الشعرية التي دُفِعَ الأوربيون إليها منذ آواخر القرن الثامن عشر صرفتهم عنه إلى مذاهب أخر من الشعر صرفًا يكاد يكون تامًّا٧.
ومن ذلك يبين أن العمود الرمزي في مقاله طه حسين يقوم على هذه
стр. 196
الأصول، في تعبير نثريٍّ قصير، يتفق ومقتضيات الفن الصحفي الحديث؛ فالقصر إذن خصلة مقومة لهذا الفن المقالي، على النحو الذي تقوم عليه "الأبيجراما" في شكلها الشعري، وهذا الخصلة عند طه حسين -كذلك- من عناصر الأصالة في الحياة العربية، ذلك أن "الإيجاز هو الذي غلب في بداية الحركة الإسلامية جانب العمل على جانب القول"١. وهذا الإيجاز بالقياس إلى الفن الصحفي الحديث أمر جوهري، ذلك أن العمود الصحفي لا يتَّسِعُ لأكثر من الكلام عن فكرة واحدة، أو خاطر واحد، بحكم ظروف العصر من جهة، وظروف الصحيفة من جهة أخرى, التي لا تُخَصِّصُ إلّا حيزًا صغيرًا للعمود٢، الأمر الذي يقتضي الإيجاز في التعبير، وعدم الجنوح إلى الإسهاب بحالٍ ما٣.
ومن أجل ذلك وجدنا العمود الصحفي في "جنة الشوك" لا يتجاوز خمسة عشر سطرًا بحدٍّ أقصى، على نحو ما تمتاز به"الأبيجراما", إلى جانب التركيز على فكرة واحدة. ومن ذلك مقال بعنوان: "حرية"٤.
"قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: "ألم تر إلى فلان وُلِدَ حرًّا وشبَّ حرًّا، وشاخ حرًّا، فلما دنا من الهرم آثر الرقَّ فيما بقي له من الأيام على الحرية التي صحبها في أكثر العمر؟!.
"قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أضعفته السن فلم يستطع أن يحتمل الشيخوخة والحرية معًا، وأنت تعلم أن الحرية تحمل الأحرار أعباء ثقالًا"٥.
ومن ذلك يبين الإيجاز البليغ المطابق لمقتضى الحال، وتكثيف الرأي السياسي في ألفاظ قليلة، في مواجهة النظام السياسي الذي يحظر التعبير المقالي المباشر الصريح، الأمر الذي ذهب بمقاله الرمزي إلى وضع المعاني الكثيرة في ألفاظ أقلّ منها، على نحو ما يسميه البلاغيون "إيجاز القصر"٦ أو الإيجاز البلاغي الذي لا يُقَدَّرُ فيه محذوف، لأن الأقدار تتفاوت فيه، ليسهل إفلات العمود الصحفي من قلم الرقيب في فترات المحَنِ السياسية التي مرت بها مصر.
ويوظِّفُ طه حسين هذه الأغراض البلاغية في عموده الرمزي الذي
стр. 197
يمتاز بخفَّةِ الظل وسلاسة الأسلوب، كما يمزج التعبير بالتهكُّم والسخرية مع الحكم والأمثال المتداولة، والنكات اللاذعة والاقتباسات الدالة والنقد البنَّاء, ومن ذلك١:
"قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: إني أقرأ في شعر "كاتول" اللاتيني: "ألا تعمل خيرًا، ولا تنتظر شكرًا. فقد عمَّ الجحود وأصبح الإحسان هباء, ماذا أقول! بل أصبح ثقلًا ومصدرًا للضغينة. لقد بلوت هذه التجربة المرة حين رأيت أشد الناس حقدًا عليّ وبغضًا لي مَنْ كان يراني منذ حين مصدر نعمته وحاميه الوحيد".
"قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لم تتغير أخلاق الناس منذ قال شاعرك اللاتيني هذا الشعر، ولكنه صاحب عاجلة لم يكن ينتظر من الآجلة شيئًا, أما نحن فقد أدبنا الله أدبًا آخر، واقرأ إن شئت قوله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ .
ثم يمتاز هذا الإيجاز في العمود الصحفي عند طه حسين بما يمتاز به. "الأبيجراما" من التأنُّقِ في اختيار الألفاظ بحيث ترتفع عن الألفاظ المبتذلة, دون أن تبلغ رصانة اللفظ الذي يَقْصِدُ إليه الشعراء الفحول في القصائد الكبرى، وإنما هو شيء بين ذلك لا يبتذل حتى يفهمه الناس جميعًا فتزهد فيه الخاصة، ولا يرتفع حتى لا يفهمه إلّا المثقفون الممتازون والذين يألفون لغة الفحول من الشعراء٢.
على أن هذه السمة في العمود الصحفي عند طه حسين لا تصدُر عن نفس المصدر الذي صدرت عنه "الأبيجراما" التي نشأت في حياة ناعمة مترفة في القصور٣. ذلك أنها ترتبط عند طه حسين برؤياه اللغوية في الاتصال بالجماهير من جهة، وبالظروف السياسية التي تحجب التعبير المباشر من جهة أخرى، وكان عليه أن يتَّخِذَ مواقف محددة من هذه الظروف التي أحاطت بالمجتمع المصري، فتوسَّلَ بالرمز كما تَقَدَّمَ.
كما أن العمود الصحفي عند طه حسين يمتاز بخصلة ثالثة تتصل بالمعنى، وهي أن يكون المعنى أثرًا من آثار العقل والإرادة والقلب جميعًا٤، وهو يتَّفِقُ في هذه الخصلة كذلك مع "الأبيجراما" من حيث أنها ليست شعرًا عاطفيًّا يصدر عن القلب, أو يفيض به الطبع, وليس هو شعرًا يصنعه العقل وحده، وإنما هو مزاج من ذلك يسيطر الذوق عليه قبل كل شيء٥. آثر العقل فيه -كما يذهب إلى ذلك طه حسين٦- أنه نَقْدٌ لاذعٌ أو هجاءٌ ممض،
стр. 198
أو تصوير دقيق لشيء يُكْرَه أو يُحَبُّ. وهذا كله يحتاج إلى بحث وتفكر وإلى رؤية وتأمُّل، ولا يأتي مستجيبًا لعاطفة من العواطف أو هوى من الأهواء. وأثر الإرادة فيه أنه لا يأتي عفو الخاطر ولا فيض القريحة١، وإنما يقصد الكاتب العمودي إلى عمله وإنشائه، ويستعد لتجويده والتأنق فيه٢. وأثر القلب فيه -كما يقول طه حسين كذلك- أنه يفيض عليه شيئًا من حرارته وحياته، ويجري فيه روحًا من قوته التي يجدها عندما يُقْبِلُ على الخير, أو عندما يَنْفِرُ من الشرِّ، عندما يرضى، وعندما يسخط٣.
فالمعنى في العمود الصحفي -عند طه حسين- يتعاون القلب والإرادة والعقل والذوق على إنشائه، ونماذج هذا التعاون الصحيح في "جنة الشوك" عديدة، نذكر منها مقالًا بعنوان "ذاكرة"٤.
"قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما أرى ذاكرة الشعوب إلّا كهذه اللوحات السود التي توضع للطلاب والتلاميذ في غرفات الدرس وحجراته, يثبت عليها هذا الأستاذ ما يمحوه ذاك، وهي قابلة للمحو والإثبات، لا تستبقي شيئًا ولا تمتنع على شيء.
"قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هذا حق، ولكن وراء هذه اللوحات السود في ضمائر الشعوب، لوحات أخرى ناصعة تحفظ ما يسجِّل التاريخ من أعمال الناس, ومن وراء هذه وتلك كتابٌ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ثم يُسْأَلُ أصحابها عنها يوم لا تنفع خُلَّةٌ ولا شفاعة, فأضعف الناس عقلًا, وأوهنهم عزمًا, وأكلُّهم حدًّا, هو الذي لا يحفل إلّا بلوحاتك السود. والرجل الماهر الأثر ذو القلب الذكي والبصيرة النافذة، هو الذي يَحْفَلُ بما وراءها من هذه اللوحات الناصعة التي يكتب فيها التاريخ. والرجل كل الرجل هو الذي يمتاز بالضمير الحي والقلب النقي، والنفس الزكية، فلا يحفل بهذه ولا تلك، وإنما يحفل بهذا الكتاب الذي تحصي الحفظة فيه على الناس أعمالهم، لتعرض عليهم بين يدي الله في يوم مقداره خمسون ألف سنة مما يقدرون"٥.
ثم يمتاز العمود الصحفي عند طه حسين بخصلةٍ أخرى يصوِّرها٢ على أن المقطوعة منه أشبه شيء بالنصل المرهف الرقيق ذي الطرف الضئيل الحادِّ, قد رُكِّبَ في سهمٍ رشيق خفيف لا يكاد ينزع عن القوس حتى يبلغ الرمية, ثم ينفذ منها في خِفَّةٍ وسرعة ورشاقة لا تكاد تُحَسُّ.
ومن هنا امتاز هذا الفن المقالي بالسطر الأخير أو السطرين الأخيرين من
стр. 199
العمود، فهما يقومان منه مقام الطرف الضئيل النحيل الرشيق من نصل السهم. فإذا كان المقال مثلوم الحدِّ كليلًا لا يقطَعُ إلا بعد جَهْدٍ, ولا ينْفُذُ إلا بعد مشقة، فليس من هذا الفن في شيء١. وفي أدبنا العربي صور شعرية تحقق هذه الخصال في شعر بشَّار وحمَّاد ومطيع وأصحابهم في البصرة والكوفة وبغداد٢. وفي عمود طه حسين صور مقالية تحقِّقُ هذه الخصال، منها٣:
"قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم تر إلى فلان يطالب بالجلاء السريع -متى وضعت الحرب أوزارها- إلى أوربا!
"قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إلى أن يلي الحكم أو يشارك فيه"٤.
ونماذج هذه الخصال المرهفة الرقيقة في عمود طه حسين عديدة تزدحم بها مقالات "جنة الشوك", متميزة بالخِفَّةِ والحِدَّةِ، نذكر منها أيضًا٥:
"قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ما بال فلان يرى آراء المسرفين من أهل الشمال، ويسير مسيرة المسرفين من أهل اليمين؟
"قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: لأنه له عقل الحر وأخلاق العبيد"٦.
ومن ذلك تبين السخرية الوظيفية التي تخضع للعقل والإرادة والذوق جميعًا، في عمود طه حسين، متميزة بالقصر والخِفَّةِ والحِدَّةِ، ليكون العمود الصحفي سريع الانتقال, يسير الفهم, كثير الدوران على ألسنة الناس, يسير الاستجابة إذا دعاه المتحدِّثُ في بعض الحديث, أو الكاتب في بعض ما يكتب, أو المحاضر في بعض ما يحاضر، ثم ليكون مجتذبًا للقارئين بما فيه من عناصر الخِفَّةِ والحِدَّةِ والمفاجأة، ثم ليكون بالغ الأثر آخر الأمر في نفوس الأفراد والجماعات، يدفعهم إلى ما يريد أن يدفعهم إليه من الخير، ويردَّهم عَمَّا يريد أن يردهم عنه من الشر "في غير مشقة ظاهرة أو جهد عنيف"٧.
على أن هذه الخصائص في عمود طه حسين، تجعل من المقال الصحفي فنًّا تطبيقيًّا وليس فنًّا تجريديًّا، لأنه لا يُقْصَدُ لذاته، وإنما يهدِفُ إلى تحقيق غايات معينة، ويؤدي وظائف محددة٨. ومن أجل ذلك تتعاون فيه الإرادة والعقل والذوق والقلب تعاونًا صحيحًا٩، لأداء وظائف التوجيه والنقد
стр. 200
والإرشاد والتقويم والإقناع، ولنقل الإيمان بأفكار الكاتب، وهذا الإيمان لا يمكن أن ينتقل بمجرد حرارة العاطفة، ولكنه يؤثر ويدوم إذا ما تعلق بحرارة الفكر١.
ومن أجل ذلك وجدنا طه حسين يتوسَّلُ بفنٍّ من فنون النقد اللاذع والهجاء المرِّ الذي يُشَبِّهُهُ "بالسهام التي لا تنزع عن القوس إلّا أصمت وأردت من تصيب"٢. ولكن هذا النقد اللاذع لا يقصد لذاته كما تذهب إلى ذلك "الأبيجراما", ولكنه نقد وظيفي يوجَّه إلى "ألوان من الحياة لا إلى أفراد بأعينهم من الناس"٣, فقد انقضى عصر الهجاء منذ زمن طويل٤, ولكنه يرتبط بالواقع المصري الذي يشتق منه صور المقال ويشارك المصريين في هذا الواقع، ويأخذ بحظه مما في حياتهم "مما يُرْضِي وما يُسْخِطُ"٥.
وفي ضوء هذه الرؤية الوظيفية، فإن النقد اللاذع في عمود طه حسين ليس فيه أية مسحة من التسامح مع النماذج الركيكة؛ لأن هذا النقد يُرْجِعُ الفعل الإنساني إلى العقل، وعندما ترتكب هذه النماذج حماقة أو ظلمًا, بل جريمة, فذلك لأنها تفكر تفكيرًا خاطئًا على نحو ما يذهب إليه فولتير٦. ولذلك يذهب النقد اللاذع في العمود الصحفي عند طه حسين إلى إشعار نماذجه بالنقص في التفكير عن طريق السخرية والمسخ, حتى تُصْلِحَ من نفسها, وتُقَوِّمَ اعوجاجها من نفسها، وهي سخرية تقوم على الإرادة والعقل، ولذلك فإننا حين نحاول تحليل هذه السخرية الوظيفية الهادفة في عمود طه حسين نلاحظ أنها ذات طابع رياضي صارم، متفقًا في ذلك مع فولتير, فهي تنحصر بصفة خاصة في عمليتين:
أولًا: إرجاع المجهول إلى المعلوم.
ثانيًا: البرهنة بطريقة التفنيد.
ومن "جنة الشوك"، نجد هذا المقال بعنوان "فيض"٧، تتمثَّل فيه الخصائص الوظيفية العقلية في سخرية طه حسين.
"قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فَسِّرْ لي قول القائل: فاض الإناء".
стр. 201
"قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: هذا مجازٌ يا بُنَيَّ في كل أمر تَجَاوَزَ حدَّه حتى أصبح لا يُطاق, ألم تسمع قول الشاعر:
شكوت وما الشكوى لمثلي عادة ... ولكن كفيض النفس عند امتناعها
قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: فإني أعرف أوعية لا تمتلئ, وآنية لا تفيض.
قال الأستاذ الشيخ مبتسمًا: وما ذاك؟
قال الطالب الفتى: خزائن الأغنياء التي مهما يُصَبُّ فيها من المال فهي ناقصة، وجَهَنَّمُ التي يُقَالُ لها: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ وعقول العلماء التي لا تبلغ حظًّا من المعرفة إلّا طمِعَت في أكثر منه.
"قال الأستاذ الشيخ ضاحكًا: لقد أصبحت حكيمًا منذ اليوم, ولكن تعلَّم أن إناء واحدًا قد يفيض، فيصبح مضربًا للأمثال، ومصدرًا للعِبَرِ، وبعد الأثر في حياة الأجيال, ألا تذكر سيل العرم!! "١.
ولكن في حين أن الرياضي يحوِّلُ صيغة الرياضة أمام عيوننا، ويقودنا إلى النتيجة التي يريدها بسلسلة متتابعة من القضايا التي تظل بديهية على الدوام، نجد طه حسين يحذف القضايا المتوسطة، ويستعيض عن القضية التي لم يقم البرهان على صدقها بالحقيقة التي تتضمنها "صحائح الأنباء", وعن القضية التي لم يبرهن على فسادها بالتناقض المنطقيّ الذي كانت تخفيه: غير أن هذه الاستعاضات الفورية للمعاني, وهذه الطريقة غير المتوقَّعة في إرجاع القضايا إلى حقائق بديهية، وإلى ضروب من التناقض تثير عقل القارئ الذي يذهب إلى أن الآراء العسيرة قد أصبحت حقائق بديهية يسيرة. وهذا مصدر الوظيفية الهادفة في مقال طه حسين، فقد استطاع أن يتجاوز الرمز في تحقيق وظائف المقال بصفات الوضوح، والسرعة التي يتميز بها أسلوبه في النقد اللاذع، فكل قصة أو حدث أو نادرة أو نبأ أو استشهاد بالشعر يشبه أن يكون تجربة حضرت تحضيرًا جيدًا، تؤدي إلى مضمون المقال, أو الخطأ الذي يكْمُن في أحد الآراء المجردة، ويؤلِّفُ العمود الصحفي عند طه حسين بين الحوادث الصغيرة الدالة بحيث تبرز منها الفكرة العامة بوضوح تام, ولعل مصدر ذلك أن العمود الصحفي في مقاله مؤلف بدقة رياضية من حيث الخطة والأسلوب, تتعاون فيه الإرادة والعقل والذوق والقلب جميعًا، في تصوير: "مرايا يمكن أن يرى الناس فيها أنفسهم, وليس عليهم ولا عليّ من ذلك بأس, فما أكثر ما نرى
стр. 202
أنفسنا في كثير من آداب القدماء والمحدثين مهما تكن اللغات والعصور والظروف والبيئات التي تنشأ فيها هذه الآداب"١.
ومن ذلك يبين أن الناحية الفنية في العمود الصحفي ناحية تطبيقية، وليست جماليةً تُقْصَدُ لذاتها بحالٍ من الأحوال، ذلك أن العمود الصحفي قد نشأ عند طه حسين -كما تَقَدَّمَ- ليواجه الضغوط التي تعرَّضت لها الصحافة المصرية نتيجةً لظروفها السياسية والداخلية، التي اضطرت الكُتَّابَ إلى العدول عن الصراحة إلى فنونٍ من التعريض والتلميح٢، يتوسَّلُ بها في أداء وظائف المقال الصحفي الذي لم يَعُدْ قادرًا على النفاذ بها من سلطان الرقيب.
ذلك أن العمود الصحفي عند طه حسين، إنما نشأ ليصوِّرَ نوعًا من أنواع حياة مجتمعه"٣، وهو لذلك لا يتجه إلى الطوائف المثقفة وحدها، ولكنه يرتبط بسيادة الشعب المصري وحقَّه في أن يأخذ أفراده على اختلافهم بما يُتَاحُ لهم من حَظِّ المعرفة والثقافة٤. وهو لذلك يصوِّرُ حقائق الحياة الواقعية، ويوجهها إلى ما ينبغي أن تتجه إليه, "ويبصِّرَ الناس بما يضرهم ليجتنبوه, وبما ينقصهم ليسعوا إليه"٥. وبذلك يتخذ هذا الفن المقالي مكانه من أدب طه حسين في تحقيق الثورة العقلية التي تسبق ثورة السياسة، ودفع الناس إليها٦.
وعلى ذلك فإن التوسُّلَ بالرمز كضرورة صحفية في العمود الصحفيّ إنما يداور السلطان ويحتاط من شره, ويستخفي بكثير من آراء الكاتب في التلميح والإشارة واصطناع المجاز٧، ليؤدي الوظائف الصحفية الهادفة في مقاومة "النظام الملكي المستأثر بالأمر من دون الشعب٨، والساسة المحترفين كذلك، ومقاومة تعقيد آخر "كان يؤثر في حياتنا العقلية حتى أثناء مقاومتنا له تأثيرًا بعيد المدى, وهو تقعيد الاحتلال الأجنبي الذي كان يتغلغل في أعماق حياتنا المادية والسياسية, ويتدخَّلُ في كثير من مواقفنا, ويؤثر بذلك في مصالح الأفراد والجماعات, ويحالف النظام الملكي حينًا فيثقل علينا الهول، ويخالفه حينًا آخر فيأخذنا الشرُّ من جميع أقطارنا, ونضطر إلى كثير من المصانعة والموادعة، ونلاين حينًا ونخاشن حينًا آخر, ويشقى بتفرُّقِ الأهواء واختلاف
стр. 203
الميول والنزعات من حولنا. ونجد العناء كلَّ العناء في التماس ما نلتمس لأنفسنا من طريق التفكير والتعبير"١.
فالتوسُّل بالشكل "الأبيجرامي" في العمود الصحفي -عند طه حسين- ليس غاية في ذاته، ولكنه توسُّلٌ وظيفي في مقاومة السلطان والاحتلال و"النظام الاقتصادي البغيض الذي شقيت به الأجيال"٢ المصرية، والتي قسَّمَت "الشعب إلى الأغنياء المترفين الذين ينفقون بغير حساب فيما لا يغني عنهم ولا عن غيرهم شيئًا, والفقراء المعدَمِين الذين يشقون بغير حساب؛ لأنهم لا يجدون ما يقيم الأود أو يرضي حاجة الإنسان الذي يستطيع أن يكون إنسانًا"٣. وعلى ذلك فإن النقد اللاذع والهجاء والسخرية في هذا العمود الصحفي أدوات وظيفية لترشيد الحياة المصرية٤، وإلى هذه الوظيفية الهادفة يشير مقال بعنوان: "وصول"٥:
"لم يكن شيئًا ثم ارتقى حتى أصبح شيئًا مذكورًا, وقد سلك في تصعيده من الحضيض إلى القمَّة طريقًا وَعِرَةً ملتوية، يغمرها ضوء الشمس المشرقة المحرقة أحيانًا، وتنظر إليها الشمس من وراء نقاب من السحاب أحيانًا أخرى، ويحجبها ظلام قاتم فاحم في كثير من أجزائها. فلما ارتقى إلى القمة واطمأنَّ إلى مكانه منها، نسي ماضيه كلَّه، وأعرض عن المستقبل كلِّه، وعاش ليومه الذي هو فيه. نسي الماضي فلم يتعظ، وأعرض عن المستقبل فلم يتحفظ، ومضى مع هواه طاغيًا باغيًا، حتى أخاف الناس من نفسه، وأخاف نفسه من الحب لقوم يبغضهم أشد البغض، وإذا الناس من حوله مضطرون إلى أن يظهروا له حبًّا ملهكًا, ويضمروا له بغضًا مهلكًا، وإذا الأسباب بينه وبين الناس ترث، حتى أن أيسر الأمر لينتهي بها إلى الانقطاع.
"قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: لقد سمعت منك ولكني لم أفهم عنك، وإنك لتحدثني بالألغاز منذ حين، فماذا تعني؟ وإلام تريد! ".
"قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: إن حبَّ الاستطلاع إن نفعَ في بعض الوقت فقد يَضُرُّ في بعضه الآخر, وما عليك أن تفهم شيئًا وتغيب عنك أشياء! إنما هي مرايا تنصب للناس، فلينظر فيها من يشاء وليعرض عنها من يشاء, وربما كان الإعراض عنها خيرًا من النظر فيها، فقد ينظر فيها من
стр. 204
يحب الاستطلاع مثلك فيسوءه ما يرى؛ لأنه يرى نفسه"١.
فهذا الفن المقالي الجديد في صحافتنا العربية، إذن، مظهر من مظاهر الحياة الواقعة في مصر وما ألَمَّ بها من خطوبٍ يقتضيها "الاتصال بالسلطان والاشتراك في الحياة العامة"٢، كما أنه مظهر من مظاهر الاتصال الوثيق بين فنون القول وحياة الشعب الذي أصبح في عصرنا "كل شيء، فعني به الأدباء والكُتَّابُ، ولم يحتج إلى أدبٍ شعبيٍّ خاصٍّ"٣. وهو لذلك "ينطق بلسانه ويصوِّرُ آلامه وآماله"٤, ولم يعد الكاتب في برج عاجيٍّ يعتزل الشعب، وإنما يصبح سيفًا في يده يسلِّطُه على رقاب الخارجين عليه.
قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: وثب فلان أمس من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال.
قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: يئس من رضا الحكام فابتغى رضا الشعب.
قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: ألم يكن لا معنى لليأس مع الحياة, ولا معنى للحياة مع اليأس!
قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: فإن مدت له أسباب الحياة, ودعاه الأمل إلى يمين، فوثبة أخرى ترده من رضا الحكام إلى ما يريد, ما دام الإنسان قادرًا على أن يذهب ويجيء, فلا جناح عليه في أن يذهب ويجيء.
قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ: والمبدأ؟
قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: المبدأ وسيلة لا غاية"٥!
على أن هذا الفن الجديد في مقال طه حسين، يمتاز كذلك بطواعية اللغة العربية لا في المفردات فحسب، وإنما في التراكيب وصوَر الأداء جميعًا.
ذلك أن التوسُّل بشكل "الأبيجراما"، لا ينقل هذا الشكل الشعري نقلًا، وإنما يتمثَّلُ خصائصه في استحداث فن مقالي نثري جديد يختلف أداء ومضمونًا، كما يمتاز يوظيفيته الهادفة، ومن حيث الشكل فقد عَرِفْنَا المقالة منذ أواخر القرن الماضي، وعرفنا أنواعها المختلفة, وفنونها المتباينة, ومحاولاتها الناجحة لتصوير ما نحتاج إلى أن يصوَّر لنا من ضروب الحياة التي نحياها،
стр. 205
ناقدة مرة ومقرظة مرة أخرى، معلِّمَة مرةً معنيةً بالإمتاع الفني مرةً أخرى، متناولة للسياسة على اختلاف ألوانها, وللحياة الاجتماعية على تباين أشكالها، وللحياة العقلية على تنوُّعِ فروعها١. ولكن توسُّلِ طه حسين بفنون الشعر وتمثُّلِها في فنون النثر وإعادة خلقها خلقًا مقاليًّا جديدًا، يشير إلى تطويع اللغة العربية لفنون القول القديمة والحديثة، ذلك أن هذه اللغة ملك له "يطوعها لما يريد من أغراض الحياة الحديثة التي يحياها الناس"٢.
ولعلَّ في منافسته للشعراء وابتداع فنون جديدة من خلال النثر المقالي، ما يشير إلى أن تخليه عن قرض الشعر بعد مرحلة التكوين, إنما جاء أمرًا مقصودًا ليجدِّدَ عمود الشعر العربي المحافظ، كما تقدَّم، وليحقق ثورته على أساليب القدماء في التعبير الشعري والنثري، لا يُلْزِمُ نفسه أن ينظم الشعر كما كان ينظمه الجاهليون والإسلاميون والمحدَثُون من شعراء العصر العباسي أو من شعراء الأندلس, ولا يأخذ نفسه بأن يكتب كما كان يكتب ابن المقفع والجاحظ وغيرهما من الكُتَّابِ القدماء, وإنما يصطنع من الأساليب ما يلائم ذوقه وعقله الحديث من جهةٍ, وما يلائم حاجات عصره وما تثير هذه الحاجات في نفسه من العواطف والخواطر والآراء٣. وجاء مقاله الصحفي بفنونه التحريرية المختلفة محققًا للصلة بين القديم والجديد, ملائمًا بين ما كان وما هو كائن٤، محاولًا "أن يلائم بين هذا كله, وبين ما سيكون في مستقبل الأيام٥". ذلك أن "الأمة الحية هي التي تساير الزمن وتتأثر الأحداث تأثُّر مَنْ ينتفع بها, ولا يفنى فيها, وأن تتطوَّر حسب ما تمليه الظروف٦.
وتأسيسًا على هذا الفهم، جاء فن العمود الصحفي في مقال طه حسين توطينًا لفنٍّ قوليٍّ في اللغة العربية، وتأصيلًا له فيها، وإسهامًا في تنميتها وتطويرها، ذلك أن الرؤيا الإبداعية في مقال طه حسين تقوم على شيئين اثنين، أحدهما ما يُرْسَى من رأي, أو يَجِدُّ من عاطفة وشعور٧. والآخر امتحان قدرة اللغة العربية على أن تقبل فنونًا من القول لم يطرقها القدماء, وامتحان قدرته هو على أن يكون الصلة بين اللغة العربية وبين هذه الفنون والآداب٨.
وعن هذه الرؤيا الإبداعية يصدر العمود الصحفي في امتحان طه حسين
стр. 206
للغته ونفسه وذوق قرائه١، والذي أذاع مقطوعات منه في"الأهرام", فرضي الناس "وسخطوا وأثنوا وعابوا"٢، ولكنه يمضي في تجربته المقالية الجديدة التي أثمرت مائة ونصف مائة من هذه المقطوعات نشرت في "جنة الشوك" في الأربعينيات, أضاف إليها ما يقارب هذا القدر بعد توليه رئاسة تحرير جريدة "الجمهورية" في "الستينيات", ولعل في ذلك ما يجلعنا نذهب إلى أن العمود الصحفي قد نجح في تصوير شخصية طه حسين وأفكاره وتأمُّلاته, تأسيسًا على أن كاتب العمود يعتبر القراء بمثابة أصدقاء حين يفضي إليهم بكلِّ ما يخطر على باله, أو يجيش في صدره من أفكار دون تكلُّف, على النحو الذي تصوِّره صلة الصداقة الرمزية بين "الطالب الفتى" و"أستاذه الشيخ".
стр. 207
الفصل السادس: فن اليوميات الصحفية في أدب طه حسين
مدخل
...
الفصل السادس: فن اليوميات الصحفية في أدب طه حسين
يقترب فنّ "اليوميات الصحفية" من روح فنّ "العمود الصحفي" من حيث التعبير الشخصي الذي يَنِمُّ عن تفكير صاحبه، وروح المذهب الذي يعتنقه، ونظرته إلى الحياة، سواء كانت روحه ساخرة أو متواضعة أو مغرورة أو متبكرة. وقد تتناول اليوميات نقدًا سياسيًّا أو جتماعيًّا، والكاتب هنا يعبِّرُ عن وجهة نظره هو لا وجهة نظر الصحيفة.
ويذهب بعض علماء الصحافة١ إلى أن المحرِّرَ الصحفيَّ ينبغي عليه أن يترك آراءه الخاصة عند باب غرفة التحرير، غير أن هذا الرأي لا يمكن أن ينطبق على كاتب اليوميات بصفة خاصة، ذلك لأن "اليوميات" أشبه بالمقال الأدبي من حيث العناية باختيار الألفاظ والاحتفاظ بطلاوة الأسلوب، بل لعلها أقرب إلى مقالات الاعترافات بصفة خاصة، فهي تقدِّمُ صورًا نابضة بالحياة زاخرة بالمعاني. وهي تتطلَّب سيطرة تامَّة على اللغة والتعبير بالأسلوب السهل الممتع، ولا شكَّ أن طواعية اللغة لا تتيسر إلّا للعارفين بها, والقادرين عليها, على النحو الذي يبين في مقال طه حسين، فكرًا وتسجيلًا، عرضًا وأداء، موقفًا وتعبيرًا، فإن اليوميات الصحفية يمكن أن تتلخَّص بأنها تتناول الفكرة والأداء، في وصل جماهير الناس بالحضارة ومعطيات العصر: آرائه وأفكاره وأدواته وآلاته وتشوقه وتطلعاته، عن طريق تطويع اللغة من جهة, والاستفادة من خصائصها التعبيرية والاشتقاقية وروحها الغني وأصالتها، فلم تعد "اليوميات" رسالة للخاصَّة بحكم التطور الاجتماعي والنزعات الحرة، ولم تعد أدبًا اعتزاليًّا في برج عاجي، ولكنها أضحت كلامًا يوجَّه إلى جماهير الناس في الجريدة اليومية, والمجلة الأسبوعية أو الشهرية، ولذلك تتسم باليسر والتبسط في الأسلوب وغياب الزخارف.
وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن هذا الفصل يحاول التعرُّف على فنٍّ مقالي جديد في صحافة طه حسين، هو "فن اليوميات الصحفية", ولذلك نبدأ بالتعرُّف على مقاله في بيئة التكوين بين الذاتية والموضوعية, ثم فن المقال الاعترافي، ونتحدَّث عن خصائص اليوميات في مقاله بعد ذلك.
стр. 208
بين الذاتية والموضوعية:
وغنيٌّ عن البيان أن لطه حسين أسلوبًا بيانيًّا مميزًا وفريدًا في الصحافة المصرية الحديثة، والمجال هنا لا يتسع لتحليل عناصر هذا الأسلوب وتحديده وتقييمه، فقد سبق أن حاولنا شيئًا من ذلك بالقدر اللازم لدراسة فنِّ المقال الصحفي في أدبه، على أن هذا الأسلوب في فنِّ اليوميات خاصة، جاء ثمرةً للتطور في مقاله من الذاتية إلى الموضوعية، وذلك أمرٌ طبيعيٌّ؛ لأن المقال الصحفي فن حضريّ خالص، يأتي متأخرًا في الحضارة، بعكس الشعر, فإنه أول الفنون الأدبية ظهورًا في العالم١، وذلك أمر طبيعي بالقياس إلى طه حسين نفسه كذلك، فقد بدأ في التعبير الأدبي بقول الشعر، وكان هذا الشعر أوَّل ما نُشِرَ في الصحف٢، وهي -كما يبين بدايةً ذاتيةً نتيجة الاتجاه الأدبي المبكر، وفي ذلك ما يفسِّرُ نزوعه إلى النثر الفني في محاولاته الأولى، واتِّسام هذه المحاولات بالطابع الذاتي الذي يتَّخِذُ من موضوع المقال نقطة قفز إلى التعبير الذاتي, كما نجد في مقالي "الذوق والجمهور"٣ و"الحب"٤, وغيرهما من المقالات الأولى.
ذلك أن المقالات الأولى في بيئة التكوين جاءت تعبيرًا عن إحساسه بالحياة وتجربته الناشئة فيها، وهي في هذا تقابل نزوعه المبكِّر إلى الشعر الغنائي؛ "لأن كليهما -المقال الأدبي والشعر الغنائي- يغوص بالقارئ إلى أعمق أعماق نفس الكاتب أو الشاعر، ويتغلغل في ثنايا روحه حتى يعثر على ضميره المكنون. فكل الفرق بين المقالة والقصيدة الغنائية هو فرقٌ في درجة الحرارة، تعلو وتتناغم فتكونُ قصيدةً, أو تهبط وتتناثر فتكون مقالة أدبية"٥.
وعلى ذلك فإن الكثير من قصائده الشعرية، يمكن مقابلتها بصور مقالية في بيئة التكوين، تعلو وتتناغم فتكون قصيدة:
"يا شفى الله من الفسـ ... ـق نفوس العاشقين
أنا المعذال في العشـ ... ـق إذا شاءوا فداء
стр. 209
إنما العشق رسول الفسـ ... ـق يدعو الجاهلين
سيقولون بذيء ... ليس في الحق بذاء"١
وتهبط وتتناثر فتكون مقالة أدبية:
"لا أخفي على الناس أن في طبيعتنا شغفًا بالجمال, وميلًا إلى الحسن، لكن إذا غلت نفوسنا في هذا الميل وذلك الشغف، لم يكن غلوُّها إلّا مرضًا يجب أن نداويه ونطب له. والحق أقول أنَّا قد بلغنا من الغلوِّ في ذلك مبلغًا لا يسعنا الصبر عليه, فقد أصبح حب الجمال سبيلًا إلى الغيّ، وداعية إلى الفسوق"! ٢.
ومن ذلك يبين الاستشعار المبكِّر بالذات عند طه حسين، بحيث يصبح الخيط جدَّ رفيع بين قصيدته الغنائية ومقالته الذاتية، على النحو الذي يبين من تمثُّلِهِ للمقالة الرومانسية عند المنفلوطي في المرحلة الأولى من التكوين، كما يبين من مقالة بعنوان "من أيهم أنا"٣, وغيرها من المقالات التي تشف عن الغنائية الفردية التي وسمت كُتَّاب مصر في مطلع هذا القرن وفي مقدمتهم المنفلوطي٤, كنتيجة لاصطدامه بسلطان المجتمع.
على أن هذا الاتجاه الذاتي في مقال طه حسين ما يلبث أن تعمقه الثقافة الغربية، وتمثِّلُ الاتجاهات الجديدة، فيتنوع بتنوع تجاربه، ويتسم بطابع شخصيته المتفردة بين الكُتَّاب، كما سيبين عند دراسة المقال الاعترافي، حيث يقترب مقال طه حسين من فنِّ "مونتاني" الذي يُعَدُّ تعبيرًا صادقًا عن فن المقال الأوروبي. معمِّقًا هذا الاتجاه الذاتي في الحديث عن نفسه، وعن ذكريات صباه وشبابه، وعن الأحداث الطريفة المعجبة التي مَرَّ بها في طور الرجولة والاكتهال. وكان طه حسين شأنه في ذلك شأن "مونتاني" لا يتورَّع عن كشف عيوبه للناس.
стр. 210
فن المقال الاعترافي:
على أن أثر عناصر التجديد والتقليد في تعميق هذا الاتجاه انتقل بالمقالة الذاتية إلى فنٍّ مقاليٍّ جديد يخدم أغراض الاتصال الصحفي بالجماهير، ونعني فن اليوميات الصحفية، وفن المقال الاعترافي، الذي يجعل من مقالات "الأيام" وفصول "أديب" أساسًا لفنِّ اليوميات في الصحافة المصرية.
ويتميز المقال الاعترافي عند طه حسين بأنه جاء صورة نابضة بالحياة، زاخرة بالمعاني "رسمها كاتب قدير عرف بغزارة العاطفة وجمال التصوير وعذوبة العبارة"١, ذلك أن مقالات الأيام "فضلًا عن كونها صورة رائعة أيضًا لكِفَاح شابٍّ فقد البصر منذ الصغر، وناضل في حياته حتى أصبح ملء السمع وملء البصر٢، صورة معبِّرَة عن المجتمع التقليدي في مصر بما فيه ومن عليه، في نهاية القرن الماضي وأوائل هذا القرن. من أجل هذا أقبل المصريون وقراء العربية إقبالًا منقطع النظير على قراءة هذه المقالات منذ نشرت تباعًا في مجلة الهلال عام ١٩٢٦, ثم جمعت فيما بعد في كتاب، ثم تُرْجِمَ هذا الكتاب إلى عدد من اللغات الأجنبية, ولعل في ذلك ما يُفَسِّرُ ارتباط المقال الاعترافي الذي يصوِّرُ المجتمع التقليدي المصري، بتلك القضية الفكرية التي شغلت الصحافة المصرية، والتي كانت تهدف أساسًا إلى زوال المجتمع التقليدي, ونعني قضية "الشعر الجاهلي".
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تُنْشَرَ فصول "الأيام" متتابعة في "الهلال" عام ١٩٢٦, وكأنها استجابة نفسية شرطية للمحنة التي مَرَّ بها مؤلفها بسبب رأيه في انتحال الشعر الجاهلي٣، وكأنها استجابة فكرية شرطية, كذلك تذهب إلى تصوير المجتمع الذي سبق كتابه في الشعر الجاهلي "إلى الدعوة لزواله، نفس الأمر الذي يفسِّرُ اقتران "أُدِيب" بمحنته الثانية, وفصله من الجامعة في فترة انتكاسة الدستور وحكم صدقي.
ويوضِّحُ هذا الاقتران بين "الأيام" و"أُدِيب"، الطريق بين المواجهة الصريحة للذات، وبين ما يفرضه الإطار الاجتماعي على التعبير من رمز أو ما يشبه الرمز٤. كما يسجِّل لهذه المقالات الاعترافية وظيفتين أساسيتين:
أولاهما: أنها تعبير عن الذات في مرحلة التكوين وهي أهم مراحل العمر٥.
وثانيهما: أنها تعبير عن موقف نفسي خاص٦, وعن موقف فكري عامٍّ يرتبط بزوال المجتمع التقليدي، استتبعا بالضرورة تداعي صور الطفولة
стр. 211
وبواكير الصبا وصور البيئة الريفية، فانتزعها من أعماق الذاكرة، وصوَّرَها بما يناسب الموقف النفسي والفكري، وهو الإكبار من شأن الفكر الإنساني, والإلحاح على حريته, والاستخفاف -بل الاستعلاء- على المحافظة والتقليدية والجمود.
ويذكر الدكتور عبد الحميد يونس١ في هذا الاقتران بين المقال الاعترافي ومحنة الشعر الجاهلي، حين طلب إلى الدكتور طه حسين أن يكتب بنفسه مقدِّمة خاصة للطبعة البارزة من الأيام، أنه وجده يسجِّل هذه الحقيقة، وهي أنه كان استجابة "للهموم الثقال" التي كان يحسُّ بها وقتذاك, إبَّان الاضطهاد الذي وقع عليه من أجل تحرير الفكر باصطناع الشك في الروايات القديمة التي جعلها المحافظون في مكان المسلمات والمقدَّسات والبديهيات.
على أن هذه الاستجابة "للهموم الثِّقَال" ترتبط باستجابة أساسية في استراتيجية القومية، ونعني: نشر المعرفة، ونشر الضوء في مصر الحديثة، وهذه الاستجابة هي التي تَكْمُنُ وراء المقالات الاعترافية عند طه حسين، لتعرية ذاته, وإظهار نفسه وبيئته في ما لها وما عليها، وذلك لإشراك الآخرين في التجارب النفسية والفكرية التي عاناها، ومحاولة تجنيب أبناء مجتمعه الآلام التي عاناها بسبب الأوضاع الاجتماعية التقليدية الجامدة٢. وهي أيضًا التي تَكْمُن وراء واقعية التصوير في مقالات الأيام، ذلك أنَّ طه حسين حين يذهب إلى تصوير هذا المجتمع التقليدي، كان عليه أن يصفَ المجتمع الريفي أصدق الوصف، وأدق ما يكون التصوير، حتَّى يمكن تشخيص علل الجمود في هذا المجتمع, فلم يتكلَّف في تزويق الحديث، ولم يجنح إلى اختراع الحوادث، ولم يرغب في إخفاء الحقائق عن عين القارئ.
ولذلك يذهب إلى التوسُّلِ بأسلوب اعترافيٍّ جديد يتيح له تقديم الشخصية, أو النموذج عندما يظهر على مسرح الأحداث لأول مرة٣ كما تُقَدِّمُ الشخصية المسرحية نفسها بمنظرها الخارجي وأبرز سماته، ثم يتجاوزها إلى تفصيل دورها, أو رواية الحادثة التي تتطلَّب روايتها وجوده٤. وهو أسلوب يتمتع بنوع من الحرية, أو قد يستساغ من التفكك في الحديث العام أو في الشخصيات الرئيسية، كما يذكر ويتذكر ما يشاء دون مراعاة ترتيب زمني أو معمار هندسي, كما يفعل الروائي حتى في أكثر أنواع الرواية
стр. 212
الحديثة، ثورة على الشكل والقواعد١، ذلك أن الاعتراف يتطلَّب حرية في عدد شخصياته وطريقة نمذجتهم، وفي تصوير الحالة النفسية والفكرية وقت كتابة المقال.
وبهذا الأسلوب صوَّر صاحب الأيام رحلة طويلة ومجاهدة عنيفة وبذلًا وتضيحات في سبيل أن ينقل الحياة الفكرية في وطنه من حالة الجمود والتقليد إلى الحياة النابضة النشطة, التي تبشِّرُ بمجتمع حديث, وكانت حياته كلها صيحات متلاحقة في سبيل أن تنطلق من الحدود ومن جمود المجتمع التقليدي إلى هذا الفضاء الرحب. ومنذ أول سطور الأيام نَحُسُّ هذه الرغبة العارمة في نفس الصبي وهو يبدأ حديثه عن "السياج" الذي كان يسدُّ عليه الأفق. كم ذا يرمز السياج -على حَدِّ تعبير الدكتورة سهير القلماوي٢- إلى شعوره بالقيد والسجن، وكم ذا يثير صوت المنشد على الشاطئ الآخر من القناة من أحلام الانطلاق والحرية. أو القناة محاطة من يمين وشمال بما هو أكثر من السياج بحدودٍ معنوية أو إنسانية أو حيوانية "العدويين" وكلابهم, وسعيد وشرَّه وزوجه "كوابس" ذات الحزام أو الحلقة من ذهب في أنفها التي تؤذي الصبي وهي تقبله إذا زارت منزله٣.
وشعوره بظرفه البصري الخاصِّ مبثوث في الأجزاء الثلاثة من الأيام, شعور صاحَبَه ما صاحبته النفس, فلقد نشر "الأيام" في كتاب: الجزء الأول سنة ١٩٢٩, والجزء الثاني سنة ١٩٤٠, والجزء الثالث قبيل وفاته سنة ١٩٧٢، وعلى مدى الأجزاء الثلاثة، يشعرنا بمعاناته لهذا الظرف البصري وما يستتبعه من ألم وشعور بالشيئية على اختلافٍ واضح في تعبيره عنه في كل فترة من فترات حياته٤. فما يلبث أن يخف هذا الشعور بالشيئية في الجزء الثالث, فهو يتحدَّث عن شابٍّ وصل إلى فرنسا في بعثة دراسية بَدَّلَت حاله تبدلًا كبيرًا, وعرف طريقه إلى الحياة٥. الأمر الذي يجعلنا نذهب إلى أن إحساسه بظَرْفِه البصري لم يعد بنفس الحِدَّةِ التي كان عليها حين صوَّر المجتمع التقليدي الذي تسبَّبَ في هذا الظَّرف، ذلك أن مقالات الجزء الثالث تصوّرُ انتصار الإنسان المصري على جمود المجتمع التقليدي، وتجاوز قيوده بالعلم والمعرفة.
ولقد فرض عليه هذا الظَّرف الخاصّ أن يرصد فنيًّا إيحاءات الصوت بالنسبة إليه، فلقد كان الصوت وسيلته إلى معرفة الشخص وحكمه عليه.
стр. 213
"لا يكاد يمتدح أستاذًا إلّا امتدح صوته, ولا يكاد يذمُّ معلِّمًا إلّا ذمَّ صوته١, وعندما نتقدم في الأيام نرى إلى أي حَدٍّ اعتماده على الصوت في تلقي العالم الخارجي، يلوّن وصفه للناس وللأشياء وللحياة٢. وفي أول سطور الأيام نراه يذكر كيف كان يشحذ حاسة السمع هذه, فهو "يمدُّ سمعه حتى يكاد يخترق الحائط"٣ ليسمع المنشد بعد أن أُرْغِمَ على أن يكون شيئًا ملقى في البيت، وعندما كان ينصِتُ لأول مرة لشيخ أخيه وهو يلقي درسه يقول: "اجتمعت شخصية الصبي كلها حينئذ في أذنيه"٤.
ومن أهم آثار هذا الظَّرْف البصري، ما يتعلق بتصحيح مفهوم اللغة تصحيحًا يخلِّصُها من ذلك التصور الخاطئ الذي يراها صورًا ورموزًا تقرأ بالعين فحسب، كنتيجةٍ لاعتماده على حاسَّةِ السمع٥، كما تَقَدَّمَ, وهو الأثر الذي يجعل لغة الأيام لغة فصيحة موسيقية، رغم واقعية التصوير، ذلك أن هذه اللغة التي يجربها على ألسنة نماذجه لا يجد القارئ فيها شيئًا من الغضاضة أو التكلُّف الذي يقلل تقليلًا واضحًا من صفة الواقعية٦، وهو الأمر الذي يرتبط بقدرته الفَذَّةِ على تطويع اللغة لمقتضيات الفن المقالي.
ويتوسَّلُ طه حسين باللغة الطَّيِّعة، والأسلوب الاعترافي الجديد, وواقعية التصوير توسُّلًا وظيفيًّا في مقاله، من خلال النمذجة الصحفية، التي تمتاز كذلك بالاهتمام البالغ بتصوير النفس الإنسانية في كل موقف من المواقف التي تعرض لنماذجه, ثم هو أبرع كاتب ييهئ الجو من الناحية النفسية لكي يتمكَّن قارؤه من أن يتابع القراءة, وهو يعتمد في كل ذلك على ما وهبه خالقه من عمق المشاعر، واتساع العواطف، ورحابة النفس، والقدرة على النمذجة الصحفية, كما يعتمد أخيرًا على قدرته على ما يُسَمَّى "بالتأمل الباطني", حتى لكأنَّ نفسه الباطنة دنيا كبيرة، أو مسرح ضخم يستطيع أن يكون فيه مخرجًا لشتى الروايات التمثيلية الإنسانية الخالدة.
وذلك إلى جانب النمذجة الكاريكاتيرية الساخرة للمجتمع التقليدي البغيض إلى فكره، وما هي "إلّا أيام حتى سَئِمَ لَقْبَ الشيخ, وكره أن يدعى به، وأحسَّ أن الحياة مملوءة بالظلم والكذب, أو أن الإنسان يظلمه حتى أبوه، وأن الأُبوَّةَ والأمومة لا تعصم الأب والأم من الكذب والعبث والخداع"٧. والأخ الأزهري الأكبر منصرف عن الفتى إلى أصحابه وكتبه، لا يحسُّ آلامه حتى يدفعه دفعًا إلى أن يجهش بالبكاء، والآخر يكذب ويتنَكَّر ويستولي على
стр. 214
ما كان الأب يرسله للفتى -أثناء بعثته- من مال قليل، وطلاب الأزهر وشيوخه جميعًا قد أصابتهم الآفات في نفوسهم أو عقولهم أو خلقهم. ولا يتعاطف طه حسين إلّا مع نوعَيْن من الشخصيات التي يرى فيها ثورة على المجتمع التقليدي، وهؤلاء هم الذين قُدِّرَ لهم أن يلعبوا أهم الأدوار في حياته العقلية والعامة، وأهمهم: الشيخ سيد المرصفي, ولطفي السيد, كما تَقَدَّمَ، أحدهما يذكِّرُه بأئمة البصرة والكوفة، والآخر يذكِّرُه بفلاسفة اليونان"١.
أما النوع الآخر فيتمثَّل في ضحايا المجتمع التقليدي الجامد المتخلِّف الذي أفقده بصره، فَقَدَ هو عينيه، وبسببه أيضًا "فقدت أخته الصغرى حياتها"٢. كانت "خفيفة الروح, طلقة الوجه, فصيحة اللسان, عذبة الحديث, قوية الخيال". مرضت عِدَّةَ أيام دون أن يعنى بها أحد, "فيستطيع الشيخ أن يتلو القرآن، وتستطيع هذه الأم أن تتضرَّع، ومن غريب الأمر أن أحدًا من هؤلاء لم يفكِّرْ في الطبيب"٣, وكأنما كان موت الأخ الشاب بعدها هو عقاب هذه الأسرة التي تنمذج لمجتمع التقليدي في "علمه الآثم", وبموته الفاجع تغيَّرَت نفسية الفتى تغيرًا تامًّا، عرف الله حقًّا, وحرص على التقرُّب إليه، كما أظهر تعاطفه مع هذا الأخ وهذه الأخت احتجاجًا على هذا المجتمع الجامد الفقير الجاهل من الناحية الأخرى.
ويقوم بناء المقال الاعترافي عند طه حسين على الحرية في المزج بين الرواية والسيرة الذاتية والاستبطانية، ويبدو جانب الرواية، بمعنى تتابع الفصول حسب منطقٍ فنيٍّ لا يلتزم سرد الأحداث في تتابعها الزمني أو المكاني, بل حسب تتابعها في وعي الفتى كما تصل إليه، يبدو هذا الجانب واضحًا في فصول الجزء الأول، وتبدو حركة الجماعة وراءه راكدة ساكنة، وفي الجزء الثاني يزداد نصيب صفحات السيرة، وتخضع لنوع من التتابع الزمني, ويتضح هذا أكثر في الجزء الثالث حين تعنف الحركة ويسرع الإيقاع، ولا يعود الفتى -وقد أصبح شابًّا- يخلوا إلى نفسه كثيرًا، إنما عليه أن يلاحق مشكلات حياته هذه الجديدة. من الأزهر إلى الجامعة، ومن القاهرة إلى فرنسا, مرة بعد مرة، وعليه أن يحقِّقَ أن ما كان امتيازًا ممنوحًا له بحكم عاهته، يجب أن يتحوَّل إلى امتياز وتفوق٤.
على أن هذا البناء الاعترافي الجديد، يتيح له، كما أتاح لروسُّو
стр. 215
"تبيان" ماهية الرجل الطبيعي للمجتمع الفاسد"١، على النحو الذي تصوره فصول "أُدِيب", إلى جانب فصول "الأيام"، حيث يخلق كثيرًا من المبرِّرَات ليتسلَّلَ من وراء صاحبه في تبيان المجتمع التقليدي، بالخيال المنطق حينًا, وبالوسائل حينًا آخر، يقول طه حسين: "والغريب أنه كان يتحدث فيثير في نفسي مثل ما يثير في نفسه من الذكرى، ثم يتحدَّث عنِّي وعَمَّا أحبُّ, فكأنما أتحدث عن نفسي"٢. ويبين تصوير طه حسين لموقفه من المجتمع التقليدي في نموذج "الأديب" الذي يكشف عن الصراع بين التقليد والتجديد في المجتمع المصري، ابن عمدة ميسور, أتمَّ تعليمه الثانوي, وعمل كاتبًا في إحدى الوزارات, ينفق نهاره في عمله, وليله في قراءة ما كان متاحًا من ألوان الثقافة آنذاك، ثم هو زوج سعيد بزوجته، مستقِرٌّ في بيته, ذلك على رابية فوق المدينة، لكنه "مضطرب ملتو، شديد الاضطراب والالتواء"٣. يقول الأديب في رسالة إلى صاحبه:
"أشعر بأن نشأتي في مصر هي التي دفعتني إلى هذا كله دفعًا, وفرضت عليَّ هذا كله فرضًا، لأني لم أنشأ نشأة منظَّمة، ولم تسيطر على تربيتي وتعليمي أصول مستقيمة مقررة، وإنما كانت حياتي كلها مضطربة أشد الاضطراب، تدفعني إلى يمين وتدفعني إلى شمال, وتقف بي أحيانًا بين ذلك"٤.
ومن ذلك يبين اضطراب النموذج بين مجتمعين: الأول تقليدي جامد, والآخر منطلق متحرر، يؤمن بالنظام والاضطراد، والعلم والفن والإنسانية. يقول "أديب" لصاحبه في إحدى رسائله:
"اذهب إلى الأهرام، فما أظن أنك ذهبت إليها قط، وانفذ إلى أعماق الهرم الكبير، فستضيق فيه بالحياة, وستضيق بك الحياة, وستحسُّ اختناقًا, وسيتصبب جسمك عرقًا، وسيخَيَّلُ إليك أنك تحمل ثقل هذا البناء العظيم، وأنه يكاد يهلكك، ثم اخرج من أعماق هذا الهرم واستقبل الهواء الطلق الخفيف، واعلم بعد ذلك أن الحياة في مصر هي الحياة في أعماق الهرم، وأن الحياة في باريس هي الحياة بعد أن تخرج من هذه الأعماق"٥.
ونخلص من ذلك إلى أن المقال الاعترافي جاء ثمرةً من ثمار ارتباط الكاتب بالحياة الواقعة في مصر، وصدامه مع الاتجاه التقليدي الجامد، بحيث يمكن القول أن هذا الفن المقالي مراقبة ذاتية عبر المجتمع المصري، فليس المقال الاعترافي حكمًا تعليمية، ولكنَّه من الوجهة الصحفية تهيئة لفنٍّ مقالي جديد هو "فن اليوميات الصحفية" التي تهدف أساسًا إلى نقد القيم على صعيدين رئيسيين؛ الصعيد الاجتماعي، والصعيد الثقافي، من خلال أسلوبٍ يتَّسِمُ بالصدق أولًا، والنمذجة الصحفية والتصوير النفسي بعد ذلك.