وبواكير الصبا وصور البيئة الريفية، فانتزعها من أعماق الذاكرة، وصوَّرَها بما يناسب الموقف النفسي والفكري، وهو الإكبار من شأن الفكر الإنساني, والإلحاح على حريته, والاستخفاف -بل الاستعلاء- على المحافظة والتقليدية والجمود.
ويذكر الدكتور عبد الحميد يونس١ في هذا الاقتران بين المقال الاعترافي ومحنة الشعر الجاهلي، حين طلب إلى الدكتور طه حسين أن يكتب بنفسه مقدِّمة خاصة للطبعة البارزة من الأيام، أنه وجده يسجِّل هذه الحقيقة، وهي أنه كان استجابة "للهموم الثقال" التي كان يحسُّ بها وقتذاك, إبَّان الاضطهاد الذي وقع عليه من أجل تحرير الفكر باصطناع الشك في الروايات القديمة التي جعلها المحافظون في مكان المسلمات والمقدَّسات والبديهيات.
على أن هذه الاستجابة "للهموم الثِّقَال" ترتبط باستجابة أساسية في استراتيجية القومية، ونعني: نشر المعرفة، ونشر الضوء في مصر الحديثة، وهذه الاستجابة هي التي تَكْمُنُ وراء المقالات الاعترافية عند طه حسين، لتعرية ذاته, وإظهار نفسه وبيئته في ما لها وما عليها، وذلك لإشراك الآخرين في التجارب النفسية والفكرية التي عاناها، ومحاولة تجنيب أبناء مجتمعه الآلام التي عاناها بسبب الأوضاع الاجتماعية التقليدية الجامدة٢. وهي أيضًا التي تَكْمُن وراء واقعية التصوير في مقالات الأيام، ذلك أنَّ طه حسين حين يذهب إلى تصوير هذا المجتمع التقليدي، كان عليه أن يصفَ المجتمع الريفي أصدق الوصف، وأدق ما يكون التصوير، حتَّى يمكن تشخيص علل الجمود في هذا المجتمع, فلم يتكلَّف في تزويق الحديث، ولم يجنح إلى اختراع الحوادث، ولم يرغب في إخفاء الحقائق عن عين القارئ.
ولذلك يذهب إلى التوسُّلِ بأسلوب اعترافيٍّ جديد يتيح له تقديم الشخصية, أو النموذج عندما يظهر على مسرح الأحداث لأول مرة٣ كما تُقَدِّمُ الشخصية المسرحية نفسها بمنظرها الخارجي وأبرز سماته، ثم يتجاوزها إلى تفصيل دورها, أو رواية الحادثة التي تتطلَّب روايتها وجوده٤. وهو أسلوب يتمتع بنوع من الحرية, أو قد يستساغ من التفكك في الحديث العام أو في الشخصيات الرئيسية، كما يذكر ويتذكر ما يشاء دون مراعاة ترتيب زمني أو معمار هندسي, كما يفعل الروائي حتى في أكثر أنواع الرواية
стр. 212
الحديثة، ثورة على الشكل والقواعد١، ذلك أن الاعتراف يتطلَّب حرية في عدد شخصياته وطريقة نمذجتهم، وفي تصوير الحالة النفسية والفكرية وقت كتابة المقال.
وبهذا الأسلوب صوَّر صاحب الأيام رحلة طويلة ومجاهدة عنيفة وبذلًا وتضيحات في سبيل أن ينقل الحياة الفكرية في وطنه من حالة الجمود والتقليد إلى الحياة النابضة النشطة, التي تبشِّرُ بمجتمع حديث, وكانت حياته كلها صيحات متلاحقة في سبيل أن تنطلق من الحدود ومن جمود المجتمع التقليدي إلى هذا الفضاء الرحب. ومنذ أول سطور الأيام نَحُسُّ هذه الرغبة العارمة في نفس الصبي وهو يبدأ حديثه عن "السياج" الذي كان يسدُّ عليه الأفق. كم ذا يرمز السياج -على حَدِّ تعبير الدكتورة سهير القلماوي٢- إلى شعوره بالقيد والسجن، وكم ذا يثير صوت المنشد على الشاطئ الآخر من القناة من أحلام الانطلاق والحرية. أو القناة محاطة من يمين وشمال بما هو أكثر من السياج بحدودٍ معنوية أو إنسانية أو حيوانية "العدويين" وكلابهم, وسعيد وشرَّه وزوجه "كوابس" ذات الحزام أو الحلقة من ذهب في أنفها التي تؤذي الصبي وهي تقبله إذا زارت منزله٣.
وشعوره بظرفه البصري الخاصِّ مبثوث في الأجزاء الثلاثة من الأيام, شعور صاحَبَه ما صاحبته النفس, فلقد نشر "الأيام" في كتاب: الجزء الأول سنة ١٩٢٩, والجزء الثاني سنة ١٩٤٠, والجزء الثالث قبيل وفاته سنة ١٩٧٢، وعلى مدى الأجزاء الثلاثة، يشعرنا بمعاناته لهذا الظرف البصري وما يستتبعه من ألم وشعور بالشيئية على اختلافٍ واضح في تعبيره عنه في كل فترة من فترات حياته٤. فما يلبث أن يخف هذا الشعور بالشيئية في الجزء الثالث, فهو يتحدَّث عن شابٍّ وصل إلى فرنسا في بعثة دراسية بَدَّلَت حاله تبدلًا كبيرًا, وعرف طريقه إلى الحياة٥. الأمر الذي يجعلنا نذهب إلى أن إحساسه بظَرْفِه البصري لم يعد بنفس الحِدَّةِ التي كان عليها حين صوَّر المجتمع التقليدي الذي تسبَّبَ في هذا الظَّرف، ذلك أن مقالات الجزء الثالث تصوّرُ انتصار الإنسان المصري على جمود المجتمع التقليدي، وتجاوز قيوده بالعلم والمعرفة.
ولقد فرض عليه هذا الظَّرف الخاصّ أن يرصد فنيًّا إيحاءات الصوت بالنسبة إليه، فلقد كان الصوت وسيلته إلى معرفة الشخص وحكمه عليه.
стр. 213
"لا يكاد يمتدح أستاذًا إلّا امتدح صوته, ولا يكاد يذمُّ معلِّمًا إلّا ذمَّ صوته١, وعندما نتقدم في الأيام نرى إلى أي حَدٍّ اعتماده على الصوت في تلقي العالم الخارجي، يلوّن وصفه للناس وللأشياء وللحياة٢. وفي أول سطور الأيام نراه يذكر كيف كان يشحذ حاسة السمع هذه, فهو "يمدُّ سمعه حتى يكاد يخترق الحائط"٣ ليسمع المنشد بعد أن أُرْغِمَ على أن يكون شيئًا ملقى في البيت، وعندما كان ينصِتُ لأول مرة لشيخ أخيه وهو يلقي درسه يقول: "اجتمعت شخصية الصبي كلها حينئذ في أذنيه"٤.
ومن أهم آثار هذا الظَّرْف البصري، ما يتعلق بتصحيح مفهوم اللغة تصحيحًا يخلِّصُها من ذلك التصور الخاطئ الذي يراها صورًا ورموزًا تقرأ بالعين فحسب، كنتيجةٍ لاعتماده على حاسَّةِ السمع٥، كما تَقَدَّمَ, وهو الأثر الذي يجعل لغة الأيام لغة فصيحة موسيقية، رغم واقعية التصوير، ذلك أن هذه اللغة التي يجربها على ألسنة نماذجه لا يجد القارئ فيها شيئًا من الغضاضة أو التكلُّف الذي يقلل تقليلًا واضحًا من صفة الواقعية٦، وهو الأمر الذي يرتبط بقدرته الفَذَّةِ على تطويع اللغة لمقتضيات الفن المقالي.
ويتوسَّلُ طه حسين باللغة الطَّيِّعة، والأسلوب الاعترافي الجديد, وواقعية التصوير توسُّلًا وظيفيًّا في مقاله، من خلال النمذجة الصحفية، التي تمتاز كذلك بالاهتمام البالغ بتصوير النفس الإنسانية في كل موقف من المواقف التي تعرض لنماذجه, ثم هو أبرع كاتب ييهئ الجو من الناحية النفسية لكي يتمكَّن قارؤه من أن يتابع القراءة, وهو يعتمد في كل ذلك على ما وهبه خالقه من عمق المشاعر، واتساع العواطف، ورحابة النفس، والقدرة على النمذجة الصحفية, كما يعتمد أخيرًا على قدرته على ما يُسَمَّى "بالتأمل الباطني", حتى لكأنَّ نفسه الباطنة دنيا كبيرة، أو مسرح ضخم يستطيع أن يكون فيه مخرجًا لشتى الروايات التمثيلية الإنسانية الخالدة.
وذلك إلى جانب النمذجة الكاريكاتيرية الساخرة للمجتمع التقليدي البغيض إلى فكره، وما هي "إلّا أيام حتى سَئِمَ لَقْبَ الشيخ, وكره أن يدعى به، وأحسَّ أن الحياة مملوءة بالظلم والكذب, أو أن الإنسان يظلمه حتى أبوه، وأن الأُبوَّةَ والأمومة لا تعصم الأب والأم من الكذب والعبث والخداع"٧. والأخ الأزهري الأكبر منصرف عن الفتى إلى أصحابه وكتبه، لا يحسُّ آلامه حتى يدفعه دفعًا إلى أن يجهش بالبكاء، والآخر يكذب ويتنَكَّر ويستولي على
стр. 214
ما كان الأب يرسله للفتى -أثناء بعثته- من مال قليل، وطلاب الأزهر وشيوخه جميعًا قد أصابتهم الآفات في نفوسهم أو عقولهم أو خلقهم. ولا يتعاطف طه حسين إلّا مع نوعَيْن من الشخصيات التي يرى فيها ثورة على المجتمع التقليدي، وهؤلاء هم الذين قُدِّرَ لهم أن يلعبوا أهم الأدوار في حياته العقلية والعامة، وأهمهم: الشيخ سيد المرصفي, ولطفي السيد, كما تَقَدَّمَ، أحدهما يذكِّرُه بأئمة البصرة والكوفة، والآخر يذكِّرُه بفلاسفة اليونان"١.
أما النوع الآخر فيتمثَّل في ضحايا المجتمع التقليدي الجامد المتخلِّف الذي أفقده بصره، فَقَدَ هو عينيه، وبسببه أيضًا "فقدت أخته الصغرى حياتها"٢. كانت "خفيفة الروح, طلقة الوجه, فصيحة اللسان, عذبة الحديث, قوية الخيال". مرضت عِدَّةَ أيام دون أن يعنى بها أحد, "فيستطيع الشيخ أن يتلو القرآن، وتستطيع هذه الأم أن تتضرَّع، ومن غريب الأمر أن أحدًا من هؤلاء لم يفكِّرْ في الطبيب"٣, وكأنما كان موت الأخ الشاب بعدها هو عقاب هذه الأسرة التي تنمذج لمجتمع التقليدي في "علمه الآثم", وبموته الفاجع تغيَّرَت نفسية الفتى تغيرًا تامًّا، عرف الله حقًّا, وحرص على التقرُّب إليه، كما أظهر تعاطفه مع هذا الأخ وهذه الأخت احتجاجًا على هذا المجتمع الجامد الفقير الجاهل من الناحية الأخرى.
ويقوم بناء المقال الاعترافي عند طه حسين على الحرية في المزج بين الرواية والسيرة الذاتية والاستبطانية، ويبدو جانب الرواية، بمعنى تتابع الفصول حسب منطقٍ فنيٍّ لا يلتزم سرد الأحداث في تتابعها الزمني أو المكاني, بل حسب تتابعها في وعي الفتى كما تصل إليه، يبدو هذا الجانب واضحًا في فصول الجزء الأول، وتبدو حركة الجماعة وراءه راكدة ساكنة، وفي الجزء الثاني يزداد نصيب صفحات السيرة، وتخضع لنوع من التتابع الزمني, ويتضح هذا أكثر في الجزء الثالث حين تعنف الحركة ويسرع الإيقاع، ولا يعود الفتى -وقد أصبح شابًّا- يخلوا إلى نفسه كثيرًا، إنما عليه أن يلاحق مشكلات حياته هذه الجديدة. من الأزهر إلى الجامعة، ومن القاهرة إلى فرنسا, مرة بعد مرة، وعليه أن يحقِّقَ أن ما كان امتيازًا ممنوحًا له بحكم عاهته، يجب أن يتحوَّل إلى امتياز وتفوق٤.
على أن هذا البناء الاعترافي الجديد، يتيح له، كما أتاح لروسُّو
стр. 215
"تبيان" ماهية الرجل الطبيعي للمجتمع الفاسد"١، على النحو الذي تصوره فصول "أُدِيب", إلى جانب فصول "الأيام"، حيث يخلق كثيرًا من المبرِّرَات ليتسلَّلَ من وراء صاحبه في تبيان المجتمع التقليدي، بالخيال المنطق حينًا, وبالوسائل حينًا آخر، يقول طه حسين: "والغريب أنه كان يتحدث فيثير في نفسي مثل ما يثير في نفسه من الذكرى، ثم يتحدَّث عنِّي وعَمَّا أحبُّ, فكأنما أتحدث عن نفسي"٢. ويبين تصوير طه حسين لموقفه من المجتمع التقليدي في نموذج "الأديب" الذي يكشف عن الصراع بين التقليد والتجديد في المجتمع المصري، ابن عمدة ميسور, أتمَّ تعليمه الثانوي, وعمل كاتبًا في إحدى الوزارات, ينفق نهاره في عمله, وليله في قراءة ما كان متاحًا من ألوان الثقافة آنذاك، ثم هو زوج سعيد بزوجته، مستقِرٌّ في بيته, ذلك على رابية فوق المدينة، لكنه "مضطرب ملتو، شديد الاضطراب والالتواء"٣. يقول الأديب في رسالة إلى صاحبه:
"أشعر بأن نشأتي في مصر هي التي دفعتني إلى هذا كله دفعًا, وفرضت عليَّ هذا كله فرضًا، لأني لم أنشأ نشأة منظَّمة، ولم تسيطر على تربيتي وتعليمي أصول مستقيمة مقررة، وإنما كانت حياتي كلها مضطربة أشد الاضطراب، تدفعني إلى يمين وتدفعني إلى شمال, وتقف بي أحيانًا بين ذلك"٤.
ومن ذلك يبين اضطراب النموذج بين مجتمعين: الأول تقليدي جامد, والآخر منطلق متحرر، يؤمن بالنظام والاضطراد، والعلم والفن والإنسانية. يقول "أديب" لصاحبه في إحدى رسائله:
"اذهب إلى الأهرام، فما أظن أنك ذهبت إليها قط، وانفذ إلى أعماق الهرم الكبير، فستضيق فيه بالحياة, وستضيق بك الحياة, وستحسُّ اختناقًا, وسيتصبب جسمك عرقًا، وسيخَيَّلُ إليك أنك تحمل ثقل هذا البناء العظيم، وأنه يكاد يهلكك، ثم اخرج من أعماق هذا الهرم واستقبل الهواء الطلق الخفيف، واعلم بعد ذلك أن الحياة في مصر هي الحياة في أعماق الهرم، وأن الحياة في باريس هي الحياة بعد أن تخرج من هذه الأعماق"٥.
ونخلص من ذلك إلى أن المقال الاعترافي جاء ثمرةً من ثمار ارتباط الكاتب بالحياة الواقعة في مصر، وصدامه مع الاتجاه التقليدي الجامد، بحيث يمكن القول أن هذا الفن المقالي مراقبة ذاتية عبر المجتمع المصري، فليس المقال الاعترافي حكمًا تعليمية، ولكنَّه من الوجهة الصحفية تهيئة لفنٍّ مقالي جديد هو "فن اليوميات الصحفية" التي تهدف أساسًا إلى نقد القيم على صعيدين رئيسيين؛ الصعيد الاجتماعي، والصعيد الثقافي، من خلال أسلوبٍ يتَّسِمُ بالصدق أولًا، والنمذجة الصحفية والتصوير النفسي بعد ذلك.
стр. 216
٠ فن اليوميات الصحفية:
تقول "باترسون" في مقدمة كتابها عن فن المقال الصحفي: إن قراءة المذكرات واليوميات مفضلة؛ لأنها تدور حول قصص وأحداث تُعْتَبرُ أقرب إلى الواقع منها إلى أيِّ شيء آخر. وقد يعترف الكاتب بأخطائه وبإخفاقه في بعض مراحل حياته، ولكنه يعلل لهذا الإخفاق، فيكون الضعف البشري موضوعًا للمعالجة الفنية. وقد تتعرَّض اليوميات لبعض فئات المجتمع ولحالاتٍ غريبة من حالاته, أو بعض الأوضاع الشاذَّة, ولا شك أن ذلك يعود بالفائدة على القارئ، ويساعده في حياته الخاصة، وسلوكه مع الأفراد والجماعات؛ لأنه يقتدي غالبًا بكاتب هذا النوع من المقال في طريقة تغلُّبِه على الصعاب١.
ومن ثَمَّ كان المقال الاعترافي من أكثر المقالات الذاتية ملاءمة للصحافة, ذلك أن كاتب هذا النوع من المقال كثيرًا ما يكون شخصًا غير عاديٍّ في نظر القارئ، ولذلك يحقِّقُ هذا المقال وظائف كثيرة من وظائف الصحافة؛ منها: الإعلام، والترفيه والإمتاع، والتوجيه بطريقة غير مباشرة.
وفي هذه الأسباب ما يجعل المقال الاعترافي الذي شقَّ أرضه طه حسين من أهم مواد الصحافة الحديثة، التي تجذب إليها نظر القارئ؛ بحيث يمكن القول: إن طه حسين قد انتقل بالمقال الاعترافي من حَيِّزِ الأدب إلى حَيِّزِ الصحافة، متخذًا شكل "اليوميات" التي أصبحت مادةً لا غنى عنها في هذه الصحافة. والحق أن طه حسين، قد وضع بذور "اليوميات" في بيئة التكوين الصحفي, في المقالات التي نشرها في "السفور" في الفترة التي ساءت فيها حالة الجامعة ماليًّا وأعادته مع زملائه من أعضاء البعثة في أواخر عام ١٩١٥، ومكث في مصر ثلاثة أشهر, ظهر فيها ألمه لانقطاعه عن دراسته الجديدة، وانعكس ذلك في يومياته التي تضمَّنَت "حديث نفسه المر"٢، وهي اليوميات التي تمثِّلُ نضوج اتجاهه الذاتي بعد تمرُّسِه على الكتابة في "الجريدة", وحصوله على
стр. 217
الدكتوراه في مصر، واحتكاكه بالحياة الفرنسية مباشرة لفترة وجيزة، فاتسمت هذه اليوميات بتفكيره في تلك الفترة، ونظرته إلى الحياة، ومن هذه اليوميات التي نُشِرَت في "السفور" نقدِّم النماذج التالية:
"٥ نوفمبر ١٩١٥"
"تريدونني على أن أكتب أيها الأصدقاء, ولقد علمتم ما لي بالكتابة من طوق, ولا إلى الإجادة من سبيل، ماذا تريدون من رجل لم يكدْ يأنس إلى حياة النور والهدى حتى ردَّته الأقدار إلى حيث الظلمة الداجية والضلال المبين، ماذا عسى أن تصنع بذكائنا في بلد قانع كمصر، قد رضي أهله بالقليل في كل شيء, فحسبهم من العلم والأدب ومن الفلسفة والحكمة، ألفاظ يلوكونها وجُمَل يرددونها بين الشفاة.
"يا عجبًا كل العجب، يعود الناس إلى بلادهم بعد الغربة فرحين، ولقد عدت إلى مصر أسفًا محزونًا، ولقد أستحي أن أقول الحق فأعلن أني استقبلتها باكيًا..".
"١٤ نوفمبر ١٩١٥"
"ليس لي ماضٍ أنعم بذكره، ولا مستقبلٍ ألهو بالتفكير فيه، ولكن لي حاضرًا يهيج في قلبي ألوانًا من الحزن، ويغري بنفسي فنونًا من الأسى، ذلك الحاضر هو هذه الساعة, أذكر في هذه الساعة ثلاثة أيام، يوم ولدت، ويوم سافرت إلى أوروبا، وهذا اليوم"..
"في مثل هذا اليوم ولدت منذ ست وعشرين سنة، وفي مثل هذا اليوم سافرت إلى أوربا منذ سنة واحدة، وأنا الليلة في القاهرة, أرجو ألا يصبح عليّ الغد إلّا وقد رحلت إلى حيث لا يرجع طاعن ولا يرجى لمرتحل إياب. لا تصبح أيها الليل عن هذا الغد. تلك الأشهر التي أمضيتها في فرنسا هي التي جعلت ليوم ميلادي في نفسي قيمة ما، فقد رأيت قومًا ليس فيهم من لا يتخذ هذا اليوم لنفسه عيدًا.
"لم يجب الله دعائي فقد أشرقت عليَّ شمس يوم الأحد، ولو قد أشرقت عليَّ هذه الشمس في غير هذا البلد لكنت حريًا أن ألقى من أنواع البشر وألوان الابتهاج ما يَسُرُّ هذه النفس الحزينة, ويسلي عن هذا القلب الكئيب، ولكنها قد أشرقت عليَّ في مصر, فأقسم ما لقيت طول اليوم شيئًا يسر، ولقد لقيت كثيرًا مما يسوء، حيَّا الله وفاء فرنسا وبرها في هذين الشخصين يذكرانني من وراء
стр. 218
البحر، فلولا أني قرأت كتابيهما آخر هذا اليوم لأشفقت على نفسي أن أقضي صريع الأسى"١.
"١٤ نوفمبر ١٩١٥"
"في مثل هذا اليوم منذ سنة كاملة وصلت إلى مونبيلييه، بلد لم أعهده، ولم أكن أقدر أن أراه؛ على أني لم أكد أمضي فيها ساعات حتى احتجت إلى كتابٍ فذهبت إلى المكتبة، وأخذت ما أردت، ودفعت إلى البائعة نقدًا كان عليها أن ترد علي فضله، ولم يكن لديها هذا الفضل, فردَّت إليَّ ما دفعت إليها وهي تقول: ستؤدي إليَّ ذلك متى شئت, قلت: ولكنك لا تعرفينني يا سيدتي، ولم تريني قبل اليوم, فإني بمدينتك حديث العهد، قالت مستضحكة: لا عليك.
"ما أكثر ما زار الناس أوروبا، وما أكثر ما سعدوا بزيارتها وشَقُوا بفراقها، ولكن ما أسرع ما تَسَلَّوْا عنها وعادوا من حياتهم القديمة إلى ما كانوا فيه غير ضجرين، ولا والهين، ولكني أقسم ما تطاولت الأيام علي أوبتي إلّا أذكى تطاولها في نفسي اللوعة والحسرة، وضاعف في قلبي الهم والأسى.."إلخ.
وفي هذه اليوميات وغيرها نجد أن طه حسين يستخدم ضمير المتكلم الذي يتحول عنه في المقال الاعترافي في "الأيام" إلى ضمير الغائب؛ لأنه في المقال الاعترافي كان يواجه التقليديين بسبب الشعر الجاهلي، وكان من المنطقي أن تكون يومياته الأولى بداية لاستخدام ضمير المتكلم, ولكنه اضطر إلى استعمال ضمير الغائب للأسباب التي ترتبط بظروف كتابة مقالاته الاعترافية، كما تَقَدَّمَ, وهي الظروف التي توضح الطريق بين المواجهة الصحيحة للذات، وبين ما يفرضه الإطار الاجتماعي على التعبير من رمز أو ما يشبه الرمز.
على أن المواجهة الصريحة للذات في "اليوميات" الأولى بالسفور تُسْفِرُ عن سمة من سمات الأدب المصري في بيئة التكوين التي اتجهت إلى الرومانسية في كثير من الأحيان. ولكنها مع ذلك تنمُّ عن تفكير صاحبها ونظرته إلى بيئته
стр. 219
الأولى، وفي ذلك ما يجعلها نواة "لفن اليوميات الصحفية" التي يُعَبِّرُ فيها الكاتب عن وجهة نظره هو لا وجهة نظر صحيفته, كما تنمُّ عن أسلوب يقترب من أسلوب "مونتاني" الذي يقترب بدوره من أسلوب اليوميات الصحفية، وهكذا نجد أن ثَمَّةَ علاقة وثيقة بين فنون المقال منذ نشأتها الأدبية الأولى حتى تطوراتها الأخيرة في مقالات اليوميات الصحفية.
وإذا كان طه حسين يُسْرِفُ التواضع -بعد ذلك بنصف قرن تقريبًا١- حين يذكر في يومياته بجريدة "الجمهورية" أنه ليس "من كُتَّاب اليوميات"٢ ويقول: "ولو حاولت كتابتها لم أبلغ منها شيئًا, ولكن أكتب الآن شيئًا يشبهها من بعيد٣، فإن ذلك لا ينفي ريادته وصلاحية أسلوبه الاعترافي لهذا الفن المقالي، الذي يتخذ هذا العنوان الثابت "من بعيد" دائمًا، في "السياسة" و"الجمهورية" من بعد، ذلك أن هذه اليوميات تطوَّرت في مقاله، لتتناول "ملاحظات لم أر من إملائها بدًّا"٤، وهذه الملاحظات هي التي تكوّن صلب اليوميات "ومنطلقها، في مناقشة ظواهر سياسية أو اجتماعية أو ثقافية داخل سياق حركة الأحداث، ومن هذه الظواهر في يومياته بجريدة الجمهورية ما "يتصل بالأدب, ليس من الخير إهمالها, بل من الواجب التنبيه إليها؛ لأن في إهمالها شيئًا من التشويه لحقائق الأدب وجماله أيضًا"٧.
ومن ذلك يبين تميُّز "اليوميات" الصحفية، بتنوع موضوعاتها التي تصوِّر الحياة الإنسانية بخيرها وشرها، وتخلب العقل البشري والوجدان الإنساني، إلى جانب أنها قد تعالج السياسة والاقتصاد والشئون الاجتماعية والثقافية٦. وهو لذلك يناقش في يومياته ظاهرة الشعر الحديث, وظاهرة تتعلق بضعف النقد الأدبي، وظاهرة أخرى تتعلق بالقصص الحديث، في مقال واحد، ومن خلال شواهد عملية من واقع الحياة الثقافية. كما يذهب في يومياته الأخرى إلى استقصاء ظواهر اجتماعية أو سياسية ترتبط في سياق واحد في إطار حركة الأحداث في المجتمع, يكتبها في أسلوب موثوق به، يعلِّلُ لهذه الظواهر، ويحللها ويستخلص الحلول والعلاج لها في نهاية اليوميات.
ويقترب فن اليوميات في مقال طه حسين، من هذا الفن عند
стр. 220
"أندرية جيد"١, من حيث ارتسام شخصيته فيها كأوضح ما يمكن أن تكون، ومن حيث تناولها في كثير من الأحيان لجوانب من حياته, كما رأينا في المقال الاعترافي، ومن حيث أن هذه اليوميات تبرأ من تزيين كاتبها لشخصه المعنوي أمام الناس "كما يزينون أشخاصهم المادية حين يلقونهم. يقتصدون في ذلك حينًا، ويسرفون في ذلك أحيانًا، ولكنهم يتكلَّفُون على كل حال، ويظهرون نفوسهم كاسية لا عارية"٢ وهو لذلك يعرض في يومياته عن هذا الصنيع إعراضًا تامًّا، "لا غشَّ فيه ولا محاولة للغش"٣ لا لأنه أراد أن يكون صريحًا صادقًا، بل لأنه لم يستطع إلّا أن يكون صريحًا صادقًا"٤, وخصلة الصراحة والصدق هي المقوِّم الأول في فن اليوميات الصحفية عند طه حسين٥.
على أن هذه الخصلة لم تقيد بشيء إلا بقيود الفن، كنتيجة لإذاعة هذه اليوميات في الناس، وما يقتضيه ذلك من ظروف النظام والعرف بعد ذلك، كما يبين من استخدام ضمير الغائب في فصول الأيام، ولكنها مع ذلك تظهر الكاتب كما هو؛ لأنه توسَّلَ بضمير الغائب في إلغاء هذه القيود نفسها، فأقام من نفسه رقيبًا يلاحظ أدق الملاحظة ما كان يجري به قلمه في هذه اليوميات، وينبهه في سرعة وقوة إلى ما قد يدفعه الفن إليه من التكلُّف أحيانًا، ومن التفكير في الناس وفي أنهم قد يقرأون ما يكتب، فيرده إلى السذاجة والطبع، ويجرده من التكلُّف والزينة, ويضطره إلى ما ينبغي له "حين يخلو إلى نفسه من إرسال المزاج على سجيته"٦ كما فعل صديقه "جيد", الذي تعوَّد مثله -من الناس، سخطهم وإنكارهم، ولذلك سقطت الفروق بين ما كان يكتب لنفسه، وما كان يكتب للناس، فجعل يكتب لتلك كما كان يكتب لأولئك، أو "جعل يكتب لأولئك كما يكتب لتلك. واستقام له طبعه الصادق الصريح في آثاره الخاصة والعامة"٧.
ولم يتحرَّج طه حسين من نشر يومياته ومقالاته الاعترافية في الصحف والمجلات، كما لم يتحرَّج "جيد" من نشر بعض يومياته في "المجلة الفرنسية الجديدة، التي أنشأها مع جماعة من أصدقائه، ثم في أسفار صغار٨، ثم لم يتحرَّج من نشرها كاملة في أجزاء، كما فعل طه حسين كذلك حين نشر فصوله الاعترافية في أجزاء، و"ما يدعوه إلى التحرُّجِ، وقد صارح الناس من أمره بالعظيم! فليصارحهم بما بقي من أمره، فلن يستطيعوا له ضرًّا, ولن يستطيعوا له نفعًا، وقد عوَّدَ نفسه الاستقلال التام؛ فهو لا ينتظر من الناس شيئًا، كما أنه لا يخاف منهم شيئًا"٩.
стр. 221
وشخصية طه حسين في يومياته، كشخصية "جيد"؛ شخصية متمردة بأوسع معاني هذه الكلمة وأدقها، متمردة على العرف الأدبي وعلى القوانين التقليدية، وعلى النظام الاجتماعي, وعلى النظام السياسي"١ كما تَبَيَّنَ من دراسة مضمون مقاله فيما تَقَدَّمَ، فشخصيته متمردة على كل شيء "حتى على نفسها في أكثر الأحيان" وفي "كل إنسان حر، أو مؤمن بحريته، حظ من التمرُّدِ على هذا النظام أو ذاك، من نظم الحياة الاجتماعية. ولكنه يصانع ويداجي ويحتال ليلائم بين شخصيته وبين البيئة الاجتماعية التي يعش فيها"٢. والناس قد عرفوا ذلك وأقروه وتواضعوا عليه، كما يذهب إلى ذلك طه حسين, ولكنه ينفرد في مواجهة هذا الاصطلاح العرفي بالملائمة بين بين تمرُّدِه الداخلي وسيرته الخارجية إن صحَّ هذا التعبير، يرى الرأي فيعلنه مهما تكن نتيجة ذلك، ويشتهي الشيء فيسعى إليه ويحققه مهما تكن نتيجة ذلك، ويحسُّ هذا الحس أو ذاك، ويشعر هذا الشعور أو ذاك، ويجد القدرة على تصوير حسه وشعوره فلا يتردد في تصوير حسه وشعوره، يقسو في هذا كله على الناس، ويقسو في هذا كله على نفسه، ولا يقبل "في هذه القسوة هوادة ولا موادعة"٣.
ومن أجل هذا قوبلت آراؤه التجديدية في الشعر الجاهلي وحديث الأربعاء وغيرها بالإنكار الشديد، وعابه التقليديون بالحق والباطل ولعلهم "عابوه بالباطل أكثر مما عابوه بالحق"٤، كما تعرَّض "جيد" لمثل ذلك٥، ويذكر طه حسين عن موقفه بإزاء هذا لإنكار٦: "ولقد نشأنا نحاول الكتابة فقال الناس فينا ما نكره, وعابونا بكل ما يمكن أن يُعَابَ به الكاتب في أدبه وخلقه ونفسه, فلم يزدنا ذلك إلّا إقدامًا على العمل وجدًّا في التعلُّم والانتفاع بهجاء الهاجين وثناء المثنين, لم يبطرنا ثناء قط ولم يحزنَّا هجاء قط، وأعترف بل أشهد الله أني كنت أشد إقبالًا على الهجاء منِّي على الثناء"٧.
ذلك أن تمرده صريح صادق، وأن هذا التمرد الصريح الصادق هو الذي يميزه من غيره من الأدباء والكُتَّاب والمفكرين بصفة عامة، ومن كُتَّاب "اليوميات" بصفة خاصة؛ ذلك أنها تصوِّر نشأته ناقدًا لتأثره وتأثيره, مسجلًا لما يأتيه من خارج ولما يصدر عنه، مبينًا ما في هذا وذاك من خير أو شَرٍّ٨. محاولًا إصلاح ما يراه شرًّا, والاستزادة مما يراه خيرًا, محاسبًا نفسه حسابًا شديدًا على ما أخذ
стр. 222
وما أعطى مراقبًا فنه مراقبة شديدة، ولذلك كان أقل الناس حظًّا من رضى النقاد وثنائهم عليه كما يقول، ولكن ذلك لم يغيِّر من سيرته مع نفسه ومع الناس، فمضى في طريقه كما مضى "جيد" قدمًا "حتى أغضب القراء غضبًا، وأكرههم على قراءته إكراهًا، وحملهم على الإعجاب بفنه حملًا، وأظهر للنقاد أن الأديب الممتاز يستطيع أن يفرض نفسه على قرائه, سواء رضي النقاد أم سخطوا"١.
ومن أجل ذلك ينتقل في اليوميات من استعمال ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم مرَّةً أخرى، رغم أن هذه اليوميات تتضمَّن اعترافات بأمور يدرك إنكار "المثقفين" لها، ويعترف بها في صراحة صادقة، ومن ذلك، اليوميات التي يتمثَّل فيها عهد "الصبا" والإلمام به "بين حين وحين"٢؛ لأنها -كما يقول- يتمثَّل فيها "حياة الكثرة المطلقة من المصريين, ويمتزج فيها بهذه الكثرة المطلقة، ويلغي فيها ما بينه وبين هذه الكثرة من الفروق، ويشعر فيها شعورًا قويًّا جدًّا بأنه واحد من هذه الملايين التي لا تحصى من المصريين منذ عرف المصريون أرض مصر وعاشوا"٣. يقول طه حسين مستخدمًا ضمير المتكلم:
"هذا العهد الذي أحبه كلَّ الحب, وأبيح للمثقفين أن يسخروا مني لأني أحبه كل الحب، هو هذا الذي يتمثَّل حين يجتمع فريق من أهل القرى حول شيخ من مشايخ الطرق ليعقدوا مجلسًا من مجالس الذكر, وأنا أعرف ما يقول الذين ينكرون البدع, وأعرف أيضًا ما يقول الأوربيون عن مجالس الذكر, ولكن ماذا تريد؟ إني أحب هذه المجالس وأجد فيها نفسي الضائعة، وأتمثَّل فيها مصريتي القديمة والجديدة والمستقبلة، وأشعر فيها بهذا التضامن الذي أحب أن أجده دائمًا بين المصريين، ولا أكاد أصل إلى تلك الصحراء حتى أطلب إلى صاحبي أن يدعو لي مجلس الذكر، فيجتمع هؤلاء الفلاحون على ذكر الله كما تعودوا أن يذكروا، وعلى غناء المنشد في مدح النبي ﷺ كما تعودوا أن يستمعوا له, وإذا أنا شديد الشوق إلى أن أنضمَّ إلى حلقتهم؛ فآتي ما يأتون من الحركات, وأنطق بما ينطقون به من الألفاظ، وأطرَبَ لما يطربون له من الغناء. قل ما شئت وتصوَّرْنِي كما أحببت، واحكم عليَّ بما تريد أن تحكم به، ولكني أحب حلقات الذكر وأطرب لإنشاد المنشدين وأجد في هذا الجو المصري الخالص لذَّة ومتاعًا وشعورًا بالمصرية الخالصة"٤.
ومن ذلك يبين أن طه حسين -كاتب اليوميات ليس منطويًا على نفسه،
стр. 223
بل يبدو من خلالها مبسط النفس Extorvert غير معقد، يرفع التكلُّف بينه وبين القارئ, ويعرض أفكاره في بساطة ويسر, لذلك يعالج في يومياته ظواهر تتسم بالطرافة، وإثارة اهتمام الناس كما يبين من حديثه عن "المنجمين"١, يقول:
"لا تعجب ولا يأخذك الدهش، فقد فكرت في المنجمين وأطلت التفكير, ألم تزعم لنا الصحف أن السلطان يطارد التنجيم والمنجمين في مصر؟ فما يمنعني أن أفكر في التنجيم والمنجمين وأنا أقرأ في الصحف الأوربية. إن التنجيم ينهض في أوربا بعد كبوته, ويستيقظ بعد نومه الطويل، ويستردُّ مكانته العليا في قصور الملوك ودواوين الوزراء، أستغفر الله، بل في ميادين القتال، بل في الجامعات أيضًا. فهذه صحيفة فرنسية -التوفيل ليترير- تحدِّثُنا بأن صاحب الجلالة جورج الملك الإمبراطور، قد عُنِيَ بالتنجيم وحديث المنجمين، فأبى أن يسافر ابنه إلى استراليا في يوم كان المنجمون يخافون منه الشر "احترقت فيه طيارة فرنسية كانت تحمل حاكم الهند الصينية العام٢.
ثم يختم يومياته في مجلة "الثقافة", والتي اتخذت عنوان: "أحاديث الأسبوع" بقوله الساخر: "ألسنا نرى أن التحدث إلى النفس في التنجيم والمنجمين خيرٌ من التحدُّث إليها في الأدب والأدباء"٣.
وتكشف "أحاديث الأسبوع" عن ارتباط فن اليوميات في مقال طه حسين بقسوته على نفسه في الفن، وقسوته على غيره، كما يبين من الأحكام الصارمة التي يدمغ بها أصدقاءه وأحبَّ الناس إليه؛ في فنهم وأخلاقهم وصورهم وأشكالهم، كما يدمغ بها خصومه وأبغض الناس إليه, ثم لا يتردد في إذاعتها، وأصدقاؤه وخصومه "أحياء، مكا أنه هو حي أيضًا, ومن الممكن، بل من المحقَّقِ أنهم سيقرءونه وسيلقونه, ولكن أيَّ بأس عليه وقد أخذ نفسه بالحرية والاستقلال، وبالصراحة والصدق؟ "٤.
وفي "أحاديث الأسبوع" يتناول أكثر من ظاهرة، على النحو الذي تذهب إليه اليوميات الصحفية؛ ومن ذلك ما تناوله حول اجتماع الأدباء لإحياء "ذكر مختار" "وكان حديث الأدباء عن هذا الاجتماع طريفًا؛ لأنه لم يزد على أن ذكره وألَمَّ به دون يفسِّره أو يطلق عليه, وهل أحاديث غير الأدباء في مصر الآن خير من أحاديث الأدباء؟ فأنت تستطيع أن تلتمس النشاط عند أصحاب المال، أو عند غير أولئك وهؤلاء من طبقات الناس، فإن استطعت أن
стр. 224
تجد صورة من صوره فأنت منصف حين تلوم الأدباء على القصور وتصيبهم بالفتور"١.
أما الظاهرة الثانية في "أحاديث الأسبوع" فهي تتعلق "بحديث صحيفة اضطرها حكم القضاء إلى الصمت"٢ و"تحدَّث الأدباء عن هذا الحدث الأدبي السياسي في السرِّ أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال, وتساءلوا ما باله لم ينطق الأدباء بشيء، فكان الجواب أن مصر الآن نائمة تستريح"٣.
والظاهرة الثالثة في هذه اليوميات -تتعلق بتكريم العقاد٤. وهكذا يتناول طه حسين ظواهر لا تنفصل عن سياق حركة الأحداث والحياة بوجه عام، ويتلمَّس من هذه الظواهر ما يرتبط باهتمامات القراء وقت كتابة اليوميات وإذاعتها في الصحف أو المجلات.
بل إن هذا الفن المقالي عند طه حسين يتناول من ظواهر الحياة المصرية ما يرتبط بحركة الأحداث راكدة أو متحركة، أو "من لَغْوِ الصيف إلى جَدِّ الشتاء"، وفي سخريته الجادة، فالصيف في يومياته "هو الفصل الذي يحسن فيه اللغو، وإن الشتاء هو الفصل الذي لا يحسن فيه إلا الجدُّ، ولا يمكن فيه إلا الجدّ"٥، ويتناول في سخرية مرة "لغو المترفين" في الصيف، ويقابل هذا اللغو بجدٍّ آخر في الشتاء يرتبط برؤياه الاجتماعية: "جدٌّ خصبٌ حقًّا، جَدٌّ نافعٌ حقًّا، جدٌّ نعيش منه، ونلهو به" ولا يجني منه أصحابه إلا حياة كلها خشونه وشظف وحرمان، هو جدُّ هؤلاء الفلاحين الذين يعملون في الأرض، لا يحفلون بالبرد ولا يحفل بهم البرد، وفي الشتاء جدٌّ آخر، جَدٌّ يمزِّقُ القلوب، ويعذِّبُ النفوس، ويبعث اللوعة والأسى في أفئدة الذين يعرفون الرحمة واللين، ويذكرون حين يلهون أن في الأرض ليالي خير منها ظلمة القبور في الشتاء, هذا الجو المظلم القاتم المرهق المحرق الذي يصوره أجمل تصوير وأبلغه, تلك الأغنية المشهور؛ أغنية الإحسان التي ما استطعت أن أستقبل الشتاء منذ عرفها دون أن أسمعها مرة ومرة:
"هذا الشتاء يقبل، ومعه حاشتيه الحزينة، إن الأشقياء ليألمون كثيرًا في الشتاء، إن من الحق علينا أن نحميهم من هذا الشقاء، إن البرد الشديد في دورهم المقفرة! "٦.
стр. 225
وفي هذه اليوميات، لم يعد أمام طه حسين مبَرِّرٌ لاستخدام ضمير الغائب، وهو لذلك يستخدم ضمير المتكلِّم في حديثه عن بعض ذكرياته التي تحدَّث عنها في الأيام من قبل، حين يتحدث عن ذكرياته في الأزهر مع صديقيه الزيات والزناتي في صراحة تامة١:
"هذه مصري التي كان الزيات يريدني على أن أصورها له في الصباح, وأقسم لو فعلت لنفر مني وهزأ بي وازوَرَّ عني ازورارًا, ولكني واثق الآن بأني حين أتحدث إليه عنها أثير في نفسه عواطف يحبها وأحلامًا يرضاها, وأبلغ من استحسانه ما أقصر عنه من غير شكٍّ لو أني صوَّرت له مصر في الصباح هذه التي تبتدئ من داري في الزمالك، وتنتهي عند "الكواكب" في عابدين"٢.
كما نجد استخدام ضمير المتكلم أكثر صارحة وواقعية في يوميات طه حسين، حين يتحدث عن "أحاديث العيد"٣, فهو لا يلتمس موضوعاته "في السماء حينًا، وفي السحاب حينًا، وبعيدًا عن حياته"٤ ولكنه يتحدث إلى "نفسه وإلى أصدقائه في أيام العيد أحاديث مختلفة، منها الباسم ومنها العابس، فيها الجدّ وفيها الهزل"٥ ومن ذلك قوله:
"ولكني كنت أحتفظ لنفسي بأشدّ هذه الأحاديث مرارة ولذعًا؛ لأني أعلم أن الناس يكرهون في أيام العيد وفي غير أيام العيد مرارة الحزن ولذع الألم, وأشهد لقد استقبلت يوم العيد بحزن عميق؛ لأني استعرضت صورًا تعودت أن أستعرضها كلما أقبلت الأعياد، وفكَّرت فيمن أزوره ويزورني، وفيمن أسعى إليه ويسعى إليّ، فإذا كثير من هذه الصور قد محي من صفحة الحياة، ولم يبق له إلا رسم في صفحة القلب، قوي عند قوم، ضعيف ضئيل عند قوم آخرين"٦.
وقوله:
"بهذا وأمثاله كنت أتحدث إلى نفسي أيام العيد، فإذا سألتني عَمَّا كنت أتحدث فيه إلى الناس, وعَمَّا كان الناس يتحدثون فيه إليَّ حين كنا نلتقي، فيا للبؤس! ويا للفقر, ويا للشقاء! ويا لجدب الحياة وإفلاس الأحياء! كنا نتحدث عن الأزمة المالية، وكنا نتحدث عن السياسة، وكنا نتحدث عن غدو المندوب السامي مع الطير يوم العيد, وما يحيط بغدوِّه ذلك من أسرار وأخبار، ومن تأويل وتعليل, ثم كنا نتحدث عن بعض هذه الأشياء الممتازة التي ظفرت
стр. 226
بأحاديث الناس وشغل الصحف وعناية رجال الأمن. كنا نتحدث عن ذلك الخاتم، "الذي اضطرب له رجال الأمن, وعطلت له دار من دار التجارة، واتصل حوله تحقيق طويل دقيق, ولم تبح صحيفة مصرية عربية أو غير عربية لنفسها أن تعرض عنه أو تطوي أخباره عن قرائها، ثم أصبح الناس يوم العيد فإذا الصحف تنبئهم بأن سيدةً التقطته أمام مدرسة من المدارس, فظنته جوهرة من الزجاج ولم تعلم أنه حجر نفيس, وأن مدينة القاهرة مضطربة له أشد الاضطراب، وأن قيمته تربى على ألف من الجنيهات"١.
ثم ينتقل طه حسين إلى الحديث عن "خاتمه" الذي فُقِدَ, وذكرياته معه في التوقيع به على المستندات وغيرها، حديثًا يقرب المسافة بين يومياته، وبين فن المعالم الصحفية Features الذي يتوسَّل به في عرض هذه اليوميات، من حيث الاعتماد على الجانب الإنساني، بحيث لا نجد خطًّا فاصلًا تمامًا بين كلٍّ من فنون الصحافة الحديثة والفن الآخر، لتداخلها في بعضها البض كتداخل الألوان في قوس قزح.
ويبين هذا الأثر من عرض اليوميات في أسلوب قريب من أسلوب التناول القصصي، الذي يتوخَّى التأثير في نفس القارئ، كما يبين من استخدام الأساليب خفيفة الروح بما فيها من تشبيهات لطيفة وعبارات جذابة، وألوان ساخرة، وأساليب تتدفَّق بالحياة والحركة, يقول طه حسين في "أحاديث الأسبوع":
"وكنت أقول لأصدقدائي وهم يبتسمون ويضحكون ويفلسفون: على رسْلِكُم أيها السادة، فلو سألتم ذلك الخاتم أو هذا الدبوس عَمَّا يعرفان من التاريخ, ولو قد أراد الخاتم وأراد الدبوس أن يَقُصَّا عليكم بعض ما يعرفان لما ابتسمتم ولا ضحكتم ولا أغرقتم في الفلسفة هذا الإغراق. فليست قيمة الخاتم والدبوس في هذه الجنيهات التي تربى على الألف أو تبلغ المئات فحسب، ولكن قيمتها فيما يحملان من ذكرى, وما يصوران من حياة, وفي هذه الصلة التي تصل بينهما وبين القلوب والنفوس.
"قال صديق ماكر: فحدِّثْنَا إذن عن خاتمك الذي فقدته؛ فقد يظهر أنك فقدت خاتمًا أيضًا, وأن أمره قد ارتفع إلى الشرطة ثم هبط إلى الصحف ثم ذاع بين الناس.
قلت: وإنك لتتحدث عن هذا الخاتم هازلًا كأنما تغضُّ من أمره وتزدريه، فهل تعلم أني حزنت عليه حزنًا شديدًا؟ وهل تعلم أنه ليس أقل خطرًا ولعله٠
стр. 227
أعظم خطرًا عندي من ذلك الخاتم وهذا الدبوس؟ وهل تعلم أنه يمتاز من ذلك الخاتم وهذا الدبوس بأن له في الحياة المصرية العامة آثارًا باقية، به أصبح قوم دكاترة، وبه أدرك قوم آخرون إجازة الليسانس، وبه صُرِّف كثير من أمور الدولة, وقُضِيَ في مصالح كثير من الأساتذة والطلاب أعوامًا، فحدِّثْنِي أين يقع من هذا كله أثر ذلك الخاتم وهذا الدبوس في حياة المصريين؟ ومع ذلك فلم تبلغ قيمته ألفًا ولا مائة، ولا عشرة من الجنيهات أستغفر الله، بل لم تبلغ قيمته عشرة من القروش، وإنما كانت قيمته قرشًا ونصف قرش ليس غير، اتخذته حين كانت الأشياء رخيصة في ذلك الزمن الذي كنا نستطيع أن نبلغ فيه بالقرش كثيرًا من المآرب والحاجات، اتخذته في باب الخلق وأنا خارج ذات يوم من دار الكتب، وكنت في الرابعة والعشرين من العمر، وكنت أريد أن أسافر إلى أوربا، وأظهر لي هذا السفر أني شخص من الأشخاص، يجب أن أذكر مولدي، وأعرف سني, وأقدِّر ما آتي من الأعمال، في ذلك الوقت بحثت عن شهادة الميلاد وكانت ضائعة, فعرفت سني وكنت أجهلها، وفي ذلك الوقت قيل لي أنَّ من أتى عملًا أو قال قولًا وجب عليه أن يمضيه، فاتخذت هذا الخاتم؛ صنعه لي رجل كان يصنع الخواتم قريبًا من المحافظة، ثم عبر معي البحر، وصحبني في فرنسا طالبًا، وصحبني في الجامعة أستاذًا, عمل معي أعمال الدولة، وأمضى معي عن أمور الدولة، وكان صديقًا أمينًا، لست أدري كيف قبلت فراقه حينًا، وائتمنت عليه صاحبي حتى أقبل ذات يوم ينبئني أنه افتقده فلم يجده، هنالك ضقت به وضقت بالناس، وضقت بالحياة كلها وقتًا غير قصير، ثم زعم لي زاعم أن الأمر يجب أن يرفع إلى الشرطة فرفع إليها، وهبط إلى الصحف، ولكن الشرطة تلقَّت أمره باسمة، ولكن الصحف نشرت أمره مداعبة، ولكن الأصدقاء تحدثوا عنه مازحين، أفرأيت أن قيم الأشياء تختلف لا باختلاف آثارها ومكانتها, ولكن باختلاف أصحابها، فلو كنت رئيس الوزراء لما ابتسم الشرطي, ولما داعبت الصحف لأني فقدت خاتمًا، ولكني لست رئيس الوزراء، فيبتسم الشرطي، ولا يأتي حركة، وتداعب الصحف، وتمزح أنت ويمزح هؤلاء بهذا وأمثاله، كنا نتحدث أيام العيد"١.
ومن ذلك يبين أن مادة الطرائف في اليوميات الصحفية عند طه حسين، تمتاز بقوة تنبع من الرؤيا الصحفية في مقاله، ومن أجل ذلك وجدنا في هذا النموذج، كل كلمة من الكلمات, أو عبارة من العبارات قادرة على المشاركة في موضوع اليوميات، مضيفة إليه أثرًا من الآثار التي تضفي على هذا الفن المقالي مغزى ودلالة. كما نلاحظ من هذا النموذج أن طه حسين لا يقدم كل ما يعرفه عن تفاصيل الموضوع، بل يكتفي بالإشارة عن العبارة، بحيث تبدو اليوميات
стр. 228
في مقاله، ضيافة لَبِقَة، تقدِّمُ إلى ضيوفها ما يشتهون فقط، ذلك أن طه حسين -كما يصف العقاد ثقافته اللاتينية١- يبدو في فن اليوميات متمتعًا بالأناقة الباريسية، وبالمهارة في تقديم معارفه إلى جماعة من جماعات الأندية، ذلك أن الأناقة واللباقة في اليوميات أداتان وظيفيتان تهدفان إلى التعرُّف على ما يحدث وما يقع من وراء الأستار٢، وتجاوز الصور الخلابة التي يعطيها الأدباء لحياتهم فيما ينشئون٣، ذلك أن السمة الفنية الخالصة هي أظهر ما يتصف به فنُّ اليوميات الصحفية المتمثِّل للثقافة الفرنسية عند طه حسين٤.
وتبين هذه السمة الفنية من الاستخدام الوظيفي للأسلوب القصصي وأسلوب الحوار في صياغة اليوميات الصحفية، وتبين كذلك من تقسيم هذه اليوميات إلى فقرات، كما تُقَسَّمُ القصة إلى فصول، بحيث لا تبدو أمام القارئ كأنها كتلة مصبوبة، أو مادة تملأ فراغًا في الصحيفة، ومن أجل ذلك وجدناه يتوسَّل بالطرائف الصحفية توسُّلًا وظيفيًّا، يعتمد الاعتماد كله على الواقع الملموس، شأنه في ذلك شأن الجاحظ الذي حفل أدبه بمادة النوادر والمُلَح. ولكنه يوظِّف هذه الطرائف وتلك النوادر لتزويد القارئ بما يُسَمَّى "الصور الخلفية" للحوادث، التي تُيَسِّرُ شرح الأسباب والنتائج والحقائق وما إلى ذلك.
ويتمثَّل في تحرير يومياته وظيفة الإمتاع والمؤانسة، برواية القريب والطريف والعجيب من القصص الواقعية والخيالية على السواء. وقد ورثت الصحافة هذه المهمة الخطيرة التي يرى "ماكدوجال Mac Dougal" أنها تخفِّفُ العبء عن النفوس والعقول، وتجعل الحياة محتملةً رغم ما فيها من متاعب, وهكذا تصبح هذه الوظيفة ذات أثر نفسي حميد. ذلك أن الإيقاع الإعلامي يسير على أساس فترات من الأخبار تمثِّلُ التوتر، يعقبها فترات من الترفيه تمثِّلُ الهدوء والاسترخاء، ولذلك وجدنا طه حسين يذهب إلى أن المادة المقالية التي تلائم فصل الصيف لا تستقيم مع الأحاديث عن الشعر القديم إلى شيء من الراحة والهدوء، والقدرة على التفكير المطمئن, وهذا الفراغ الفنّي الذي يتيح للذوق أن يستأنس ويتمهَّل ويسبغ الأشياء في غير جهد ولا مشقة, ولا تعرض لهذا العناء السريع الذي نتعرض له حين يسلط الجو علينا هذا الحر الشديد"٥.
стр. 229
وتأسيسًا على هذا الفهم، يذهب طه حسين إلى أن الكُتَّاب إذا لم يكن لهم "بُدٌّ من الكتابة فيجب أن يرفقوا بقرائهم إذا كتبوا، وألا يتحدَّثوا إليهم من الموضوعات فيما يكلفهم جهدًا وشططًا. والكاتب مدين لقرائه بهذا الرفق، أو قُلْ: إن الكاتب مدين لنفسه بأن يرفق بقرائه إن كان حريصًا حقًّا على أن يقرأوه، راغبًا حقًّا في أن يتحدث إلى عقولهم اليقظة المفكِّرة، لا في أن يكون سبيلهم إلى الضجر والسأم أو إلى الفتور والنوم"١، ويذهب إلى أن الكُتَّاب الغربيين يقدرون هذا الطور من حياتهم وحياة قرائهم قدره، فهم "يرفقون بأنفسهم وبالقرَّاء إذا أقبل الصيف، وهم يتخفَّفُون من الموضوعات الضخمة الفخمة والمسائل المشكلة المعضلة التي يعرضون لها في غير الصيف من فصول السنة، وهم لا يعرضون من الأحاديث إلّا للسهل اليسير الذي لا يكلف المتحدث ولا السامع مشقَّة, ولا يكلفه جهد التروية والتفكير، وهم ينتهون بفضل هذا الرفق بأنفسهم وبالقراء إلى إنشاء أدب خاصٍّ يتناول موضوعات قَلَّمَا تُتَنَاول في غير فصل الصيف, ويتناولها في صور قريبة مواتية قَلَّمَا تظهر في الشتاء أو الربيع, وهذا الأدب الخاص الذي تمتلئ به الصحف الغربية في هذا الفصل من فصول السنة, يمكن أن نسميه أدب الصيف أو أدب الأجازة، أو أدب الراحة والاستجمام"٢.
ومن ذلك يبين تمثُّل مقال طه حسين لوظيفة الإمتاع والمؤانسة كما تتمثَّلها الصحافة الأوربية، في تبديد كل آثار الضغط الإعلامي والتوتر العصبي, ولذلك يذهب طه حسين إلى أن هذه الوظيفة خليقة أن تلهم "الكاتب المجيد فصولًا خصبة قيّمة تثير في نفس القارئ كثيرًا من العواطف, وتدفعه إلى كثير من التفكير"٣, وأن الموضوعات التي تثيرها -هذه الوظيفة- لا يمكن أن "يستنفد ما يقال عنها أو يكتب فيها، ودون أن يكرر الكُتَّاب ما يقولون أو يعيدوا ما يكتبون"٤ ذلك أن "كلّ يوم يقبل إنما يحمل إلى الناس ذكريات لما مضى وآثارًا لما انقضى، فيها الرضى وفيها السخط، فيها اللذة وفيها الألم, ويحمل إليهم آمالًا فيما من الدهر كما يحمل إليهم خوفًا وإشفاقًا"٥ ويذكر من ذلك أمر هذه الوظيفة فيما ينتجه الكُتَّاب الفرنسيون من فنونٍ في "تصوير هذا الفصل من الأدب الصيفي تلقاها في صحفهم على اختلافها،
стр. 230
تلقاها في صحفهم الهازلة كما تلقَّاها في صحفهم الجادة"١. ويذهب إلى أن الصحافة المصرية لم تتمثَّل هذه الوظيفة تمثلًا صحيحًا؛ لأن كُتَّابها "لا يرفقون بقرائهم، بل يكتبون في الصيف كما كانوا يكتبون في الشتاء، فإن أخذوا بحظٍّ من هذا الرفق امتنعوا عن الكتابة امتناعًا، وصدوا عنها صدودًا، وأراحوا أنفسهم من الكَدِّ واستمتعوا بفترة قصيرة من الهدوء الذي أُهِّلَ له. ولكن الصحف لا بُدَّ من أن تظهر ولا بُدَّ من أن تظهر ممتلئة الأنهار. وهنا يلقى أصحاب الصحف من صناعتهم الجهد كل الجهد، ويلقى القراء من صحفهم العناء؛ أولئك يريدون أن يملأوا الصحف فلا يجدوا ما يملأونها به، وهؤلاء يريدون أن يقرأوا فلا يجدوا ما يقرأون, وكذلك يصبح الصيف فصل الكساد الأدبي"٢.
ويذهب طه حسين إلى علاج هذا الكساد عن طريق تمثُّلِ وظيفة الإمتاع على النحو الأمثل، عن طريق الاجتهاد في تغيير الأحاديث التي تعين الناس على استقبال الحياة واحتمالها ومعاشرتها "كما يفعل غيرنا من الناس"٣. غير أن وظيفة الإمتاع والمؤانسة لا تتجاوز حدودها "فيصبح ضررها أكبر من نفعها"، ذلك أن وظيفية المقال الصحفي عند طه حسين تتصف بالتوازن والاتزان، فلا تسرف في الجدِّ إلى حَدِّ العبوس، ولا تتطَّرف في الترفيه إلى حَدِّ العبث, وإنما تسد الحاجات الإنسانية بما فيها من جوانب جادة وأخرى ضاحكة, ولذلك وجدنا اليوميات الصحفية تمثل الانتقال دائمًا "من لغو الصيف إلى جد الشتاء".
وفي ضوء هذه الرؤيا الوظيفية لليوميات الصحفية، يذهب طه حسين إلى ابتداع أساليب جديدة في تحقيق الوظائف الجادة والضاحكة, ومن هذه الأساليب التوسُّل باليوميات في النقد والتقويم، من خلال تصوير نموذج من نماذج الحياة السياسية أو الاجتماعية العامة، يسجِّل "يوميات" تصور سلوكه من خلال خواطره وأفعاله، وتكشف عن جوانب الضعف في هذا النموذج، عن طريق الاعتراف الوظيفي الذي لا يأخذ من الخيال الأدبي سوى ابتداع القالب والأسلوب. ويبقى بعد ذلك متَّصِلًا بالواقع مستمدًا منه موضوعه، فينكر ما شاء من الأوضاع الغريبة في المجتمع أو في نظام الحكم، ويفلت في الوقت نفسه من سلطان الرقيب, ونذكر من ذلك ما نشره في "أحاديث الأسبوع":
стр. 231
القرين: من يوميات وزير قديم ١
"٥ مايو سنة....".
"لم أر قط أعجب مما رأيت اليوم، ولن أمضي في تسجيل الأحداث السياسية والإدارية والأعمال اليومية الخاصَّة التي تعوَّدت أن أسجلها في هذا الدفتر قبل أن أقصَّ هذا الحادث الغريب الذي شهدته أو الذي حدث لي في مكتبي صباح اليوم.
"لم أكن نائمًا وما أعرف أن الوزراء تعودوا النوم في مكاتبهم، وما أعرف أني تلقيت النوم, أو أن النوم تلقاني إلّا حين آوي إلى مضجعي بعد أن ينتصف الليل. وقد أشهد مجلس الوزراء متعبًا مكدودًا، وأضيق بما يُقَال فيه أحيانًا من أحاديث لا تغني, وبما يُعْرَض فيه من شئون لا تعني وزارتي ولا تعني السياسة العامة, فأرسل نفسي في ألوانٍ من التفكير ليس بينها وبين مجلس الوزراء صلة. وقد أكون متعبًا فلا أستطيع التفكير, وإنما أظلُّ حاضرًا كالغائب وغائبًا كالحاضر، أسمع وأرى ولا ألقى إلى شيء مما أسمع وأرى بالًا، وأنا على هذا كله يَقِظٌ أشد اليقظة, متنبه أشد التنبيه, أرى بعض الزملاء وقد أخذ رأسه يخفق من النعاس، وأسمع بعض الزملاء وقد أخذ يَغُطُ لأنه أغرق في نوم عميق، وقد أعبث بهذا وألفت الزملاء في شيء من المكر إلى ذلك.. والمهم أني لم أتعلق على نفسي ولم يتعلق عليّ أحد بنومة في مجلس الوزراء"٢ إلخ.
ويستمر المقال في تسجيل اعتراف الوزير القديم، وكشف "القرين" لنقائصه وعيوبه، في أسلوب يشعر القارئ معه أنه يقرأ "يوميات" كتبها الوزير فعلًا نفسه، ولم يزد طه حسين على أن سجلها وأذاعها بين الناس، وتلك قدرة من قدرات طه حسين في أداء وظائف مقاله الصحفي على النحو الذي ينشده من وراء هذا النموذج.
ومن أجل هذا تغدو "اليوميات الصحفية" في مقال طه حسين أقرب بأنواع فنه الصحفي إلى محيط الأدب، من حيث القيم الفنية التي يمتاز بها، مثل عمق التفكير, وغزارة الشعور, وجمال التعبير, والقدرة على التأمُّل في سلوك الأفراد والجماعات, ولكنَّها تمتاز عن المقال الأدبي بأنها تقصد الذيوع والانتشار في الاتصال بالجماهير, ولذلك تتعرَّض لبعض طبقات المجتمع، ولحالات غريبة من حالاته وأوضاع شاذة من أوضاعه قد تعود بالفائدة على القارئ.
стр. 232
وإذا كانت الطريقة الجاحظية في الكتابة بخصائصها المعروفة من حيث الإسهاب والاستطراد واتساع العبارة وجذب القارئ وسحبه بلطف ومهارة، والقدرة على أن تؤدي أضخم المعاني بأيسر الألفاظ, والعناية بالجرس الموسيقي للفظ وموسيقى العبارة، أنسب الخصائص في تحرير "اليوميات الصحفية"١، فإن هذه الطريقة من أهم خصائص الأسلوب التحريري في مقال طه حسين بصفة عامة, وفي فن اليوميات بصفة خاصة، وقد تعرَّفْنَا على نمط مقالي خاصّ يتمثَّل الرسائل الجاحظية في صحافة طه حسين، على أن هذه الخصائص في يومياته ترتبط بنقل الأدب العربي من "أرستقراطيته في العصور الوسطى إلى ديمقراطيته عن طريق الصحافة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة"٢. كما ترتبط بتفهُّم النفس البشرية من حيث هي، وتعكس في الوقت ذاته صورة للمجتمع الذي أحاط بالكاتب الصحفي في فترة من فترات الحياة. الأمر الذي يبين من تنوّع موضوعاتها في تصوير الحياة الإنسانية بخيرها وشرها، ومخاطبة العقل البشري والوجدان الإنساني، إلى جانب الرؤيا الوظيفية الواضحة التي تجعل محور اليوميات الصحفية دائمًا الانتقال "من لغو الصيف إلى جدِّ الشتاء", فتعالج السياسة والاقتصاد والشئون الاجتماعية.
وما أقرب أسلوب اليوميات الصحفية عند طه حسين من أسلوب مقالات مونتاني الذاتية الأولى التي ظهرت مع عصر النهضة الأوربية، لتميزه بالأصالة والتأثُّر بأعمال الكُتَّاب العربي القدامى وخاصة الجاحظ، في موسيقاه الخاصة، واعتماده على الترادف والتكرار وتمسُّكه باستخدام المفعول المطلق وبالحال، إلى جانب سهولة أسلوبه في التعبير والواقعية في التصوير "والإيناس في إجراء الحديث، حتى ليشعر القارئ لمقالات طه حسين أنه إنما يجلس إلى صديق من أصدقائه، ويستمع إلى بعض إخوانه يدور معه حيث يدور، ويدخل معه في شجون من الحديث لا يحبُّ أن يصل إلى نهايتها", وهكذا نجد أن ثمة علاقة وثيقة بين فنون المقال منذ نشأتها الأدبية الأولى حتى تطوراتها الأخيرة في مقالات "اليوميات الصحفية".
стр. 233
الفصل السابع: فن المقال الرئيسي الافتتاحي
مدخل
...
الفصل السابع: فن المقال الرئيسي الافتتاحي
نتحدث في هذا الباب عن أربعة فنون تحريرية جديدة في المقال الصحفي عند طه حسين هي: المقال الرئيسي، والمقال النزالي، والمقال الكاريكاتيري, ثم المقال التحليلي والتقويم الصحفي في ضوء الفهم الوظيفي لفنِّ المقال الصحفي في أدب طه حسين، على النحو المتقدِّم، ذلك أنه يهدف أساسًا إلى التعبير عن أمور اجتماعية وأفكار عملية، بغية نقدها أو تحبيذها؛ فالوظيفة الاجتماعية الفكرية في مقال طه حسين تتقدَّم النواحي الفنية الجمالية، وتوظِّفُها من أجل الارتباط بحركة الأحداث في المجتمع.
وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن طه حسين في الصحافة المصرية يشبه سقراط الذي لو كان حيًّا في زماننا لكان أنسب عمل يشتغل به هو أن يكون كاتب مقال صحفي ينشره في جريدة يومية ويوقعه بإمضائه, كما يشبه الجاحظ الذي يذهب علماء الفن الصحفي إلى أنه جدير بأن يكون أول صحفي ممتاز لو أنه عاش في القرن الذي نعيش فيه. ذلك أن ثلاثتهم رجال شديدوا الانغماس في المجتمع، يلتقطون بعض الأمور التي تشغل الناس وتحرِّك تفكيرهم، ويتوسَّلون بأسلوب الحوار الكاشف الذي يعتمد على تقريب المنطق والفكرة, ولا يتعمَّد الإغراب والتعقيد. وهذا هو اسلوب المقال الصحفي الذي يبدأ من المعايشة، ذلك أن التحرير الصحفي لا يمكن أن ينعزل بحالٍ عن أحداث المجتمع وسياق حركته، لأن الارتباط بالحياة الواقعة فيه هو الذي يمسه بالحيوية والأهمية التي تصبغ عليه الصبغة الصحفية.
وفي ضوء هذه الرؤيا نتناول فنّ المقال الصحفي في أدب طه حسين، ونبدأ بدراسة فن المقال الرئيسي في صحافته.
стр. 234
المقال الرئيسي الافتتاحي
مدخل
...
المقال الرئيسي الافتتاحي:
ويُعْتَبَرُ هذا الفن من أهم فنون المقال الصحفي؛ لاعتماده في الشرح والتفسير والإيضاح على الحجج والبراهين, والإحصاءات والبيانات للوصول في نهاية الأمر إلى إقناع القارئ وكسب تأييده١. ذلك أن هذا المقال في مدلوله الاصطلاحي Leading Article يقود غيره من المقالات ويتقدمها من حيث
تعبيره عن رأي الصحيفة كمؤسسة, ومن حيث تناوله لأهم الموضوعات بالقياس إلى سياستها التحريرية، ومن حيث المساحة الثابتة الممنوحة له, ولذلك فإن المقال الافتتاحي كثيرًا ما يكون غفلًا من التوقيع.
غير أن اتجاه هذا المقال إلى التعبير "اللا شخصي ليس معناه الجفاف في التعبير، أو الجفاء في موقف الكاتب من القارئ، إذ أن خاصية التبسيط في الحديث والإيناس في السرد لا تزال أهم مميزات فن المقال الصحفي٢, وهي المميزات التي يتسم بها مقال طه حسين في الصحافة المصرية، حتى "ليشعر القارئ للمقال من مقالاته أنه إنما يجلس إلى صديق من أصدقائه، ويستمع إلى بعض إخوانه، ويدور معه في شجون من الحديث لا يحب أن يصل إلى نهايتها٣. وهي المميزات التي تجعل من مقاله الصحفي مقالًا يقوم على "روح المشاركة", وهي روح الديمقراطية الحقة التي تفرض المساواة بين الجميع، ومن هنا كان هذا الفن المقالي عند طه حسين يتَّسم بالهدوء والابتعاد عن الاستعلاء أو الخطابة. ذلك أن المقال الافتتاحي يهدف إلى الإقناع لا مجرَّد الاستمالة العاطفية؛ فالشواهد والأدلة والبراهين، سواء بالنصوص أو الإحصاءات أو المقارنات, ضرورة لازمة للتعليق على الأخبار والماجريات. وكثيرًا ما يكون المقال الافتتاحي بمثابة تعليق على الأخبار والأحداث الجارية، مع الاستشهاد بطبيعة الحال -بأمثلة تاريخية وتقارير إخبارية، ولذلك فإن كاتب المقال الافتتاحي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الأرشيف الصحفي، وعلى مذكراته الخاصة، بالإضافة إلى ذاكرته القوية٤. ولذلك نجد كاتب المقال الافتتاحي -في نهاية الأمر، رغم عدم توقيعه باسمه معروفًا لدى جمهور القراء الذين تآلفوا مع أسلوبه, وتعودوا على فتح الصحيفة في صفحة معينة لقراءة ما يكتبه كاتبهم المفصل البسيط الأسلوب, والمقنع في حجته٥.
ومن أجل ذلك وجدنا الصحف العالمية تسجِّل على كل صفحة من صفحاتها، ما عدا واحدة, ما يجري في العالم الواسع من أحداث, وما يدور فيه من أفكار وآراء, وتستبقي صفحة واحدة فقط، وفي بعض الأحيان عمودًا واحدًا فحسب، لتجهر بآرائها هي وأفكارها. فحق الصحيفة في الإعراب عن رأيها في الأنباء التي تنشرها أمر طبيعي جدًّا؛ فالنبأ والرأي رفيقان يظهران جنبًا إلى جنب. ذلك أن
стр. 235
أول سؤال يبدر إلى أذهاننا عندما يأتينا شخص ما بأي معلومات تثير اهتمامنا هو "ما رأيك في هذا الأمر"؟ ١. ولذلك كانت الصحف في أيامها الأولى تنشر الأنباء على حدة والآراء على حدة، فتصدر إحداها في رسائل الأنباء، والأخرى في كراسات. وكان "دانيال ديفو" أول من وحَّدَ هذين التيارين الصحفيين في مطبوع واحد أسماه "ذي ريفيو" أصدره في لندن عام ١٧٠٤ ٢.
وينسب إلى ديفو أولية كتابة ما كان يُسَمَّى بالخطاب الافتتاحي Letter Introductory, وهو أول مقال حول موضوع سياسي أو اجتماعي هامّ تعليقًا على الحوادث الجارية يكتب بأسلوب شائق جذاب, ويظهر عادة في صدر الصحيفة وكأنه خطاب رقيق لطيف من الكاتب إلى القارئ فسمي بالخطاب الافتتاحي, وكان نواة للمقال الافتتاحي الذي نعرفه في الصحافة الحديثة٣.
وقد كان المقال الافتتاحي في القرن الماضي يشغل الصفحة الأولى وبعض أجزاء من الصفحات الأخرى٤, ولم يتزحزح عن مكانه الممتاز في الصفحة الأولى إلّا في وقت قريب -أي منذ انحازت الصحافة الحديثة في الفترة الأخيرة إلى الخبَر، وقلًَّت عنايتها نوعًا ما بالمقال٥, وليس أدلَّ على أهمية المقال الافتتاحي منذ نشأة الصحافة من أن كُتَّاب هذا المقال كانوا ولا يزالون -نوابغ الصحافة في كل أمة من الأمم، في كل فترة من فترات التاريخ٦. ففي الصحافة المصرية اشتُهِرَ من كُتَّاب المقال: محمد عبد، أديب إسحاق، وعبد الله نديم، والزعيم مصطفى كامل، وأحمد لطفي السيد، وعبد القادر حمزة، وأمين الرافعي، وإبراهيم المازني، وحسين هيكل، والعقاد، وطه حسين، وغيرهم من أساطين الفكر والأدب والصحافة٧. وفي الصحافة الإنجليزية لمعت أسماء كُتَّاب المقال من أمثال ديفو وأديسون وستيل، وجونسون، ووييلكيز وديكنز ولامب وبرنارد شو وغيرهم٨. وكذلك كان كُتَّاب المقال من الأمريكيين من ألمع رجال الفكر والسياسة والأدب, ومنهم صمويل آدمز, وجون أدامز, وجوزيف وران, وصمويل كوبر, ورالف أمرسون, ووالتر لبمان, وغيرهم٩.
وقد كان المقال الافتتاحي ينبض بمهمة القيادة والزعامة, وكان وسيلة التوجيه والإرشاد والتنشئة الاجتماعية، كما كان الوسيلة المؤثِّرة لتكوين الرأي العام. ولا يزال المقال الافتتاحي يقوم بدور رئيسي في الصحافة الرفيعة أو صحافة الرأي.
стр. 236
العام المستنير كصحيفة التيمس الإنجليزية والنيويورك تايمز الأمريكية والموند الفرنسية وغيرها١. بل إن مقالات هذه الصحف قد تتجاوز في أهميتها وتأثيرها حدود البلاد التي تنشر فيها الصحيفة إلى بلاد أخرى٢.
ويرتبط المقال الافتتاحي -شأنه شأن فنون المقال- عند طه حسين، بقيادة الفكر التي تتنوع في العصر الحديث بين أمور مختلفة٣؛ لأن ظروف الحياة نفسها قد وزَّعَتها بين هذه الأمور، فلم تستأثر الفلسفة، ولم يستأثر الشعر، ولم تسأثر السياسة، ولم يستأثر الدين بقيادة الفكر في فصل من فصول هذه القصص التي يكونها العصر الحديث, وإنما اشتركت هذه الأمور كلها في قيادة الفكر٤, وأخذ كلٌّ منها بنصيب من توجيه العقل الإنساني والتأثير في الحياة والشعوب: "وآية ذلك أنك تنظر في أيِّ وقت من أوقات هذا العصر الحديث فإذا أنت أمام فلسفة تجاهد لتسيطر على الحياة، وسياسة تجاهد لتصوغ الحياة كما تحب، ودين يناضل ليحتفظ بمكانة سلطانه، وأدب يَجِدُّ ليكون له الفوق والفوز, ولكل واحد من هذه الأشياء زعماؤه وممثلوه والداعون إليه والذائدون عنه. حتى في الأوقات التي يُخَيّل إليك فيها أن أمرًا من الأمور قد ظهر تفوقه واستأثر بالفوز والغلبة, فقد يُخَيِّلُ إليك أن عصر الثورة الفرنسية مثلًا كان عصر سياسة ليس غير، ولكن فكِّر قليلًا وأتقن درس هذا العصر، تجد عصر سياسة وعصر حرب، وعصر علم، وعصر فلسفة، وعصر تشريع، بل عصر دين أيضًا، وتجد كل هذه الأمور تزدحم وتتنافس وتستبق إلى قيادة الفكر تريد أن تستأثر بها وتيسطر عليها"٥.
ولا شكَّ أن توزع قيادة الفكر، وتنوع الموضوعات يؤدي خدمة جليلة للصحافة الحديثة واسعة الانتشار، والتي يختلف قراؤها اختلافًا كبيرًا في الأذواق والأمزجة، فهناك مقالات حول الرياضة وأخرى حول الفن, بالإضافة إلى السياسة والاقتصاد والشئون العامة٦, على أن الصحافة لم تفد فحسب من هذا التوزع في قيادة الفكر, ولكنها كانت سببًا في توزع هذه القيادة، ذلك أن الكاتب أو العالم أو الفيلسوف لم يكن يظفر بانتشار كتبه في العصور الأولى، إلّا إذا ظفر بشيء من الشهرة وبعد الصيت يرغب الناس في آثاره، ولم يكن الظفر بهذه الشهرة سهلًا، ولا يسيرًا٧. أما الآن فقد يسَّرت المطبعة على كل ذي رأي أن يذيع رأيه ويناضل عنه، وعلى كل باحث
стр. 237
أن ينشر ثمرات بحثه بين الناس. ولم تكد تظهر المطبعة، وتأخذ فيما أخذت فيه من النشر والإذاعة، كما يقول طه حسين، حتى "ظهرت آثار ذلك قوية في حياة العصر الجديد، فكثرت الآراء واختلفت، أو قل: ظهرت كثرة الآراء واختلافها، واستطاعت أن تجاهد وتختصر وتتنافى في قوة وسرعة لم يكن للناس بهما عهد من قبل"١. ذلك أن المطبعة استتبعت شيئًا آخر غير الكتب والرسائل، استتبعت الصحف اليومية والدورية، وقد قوي ظهور "الصحف السياسية والعلمية والأدبية توزع قيادة الفكر، وانتهى به إلى حَدًّ غريب، فقد كان العلماء والكُتَّاب والفلاسفة ينشئون كتبهم وينشرونها، فيستغرق ذلك منهم الأشهر والأعوام، ويستتبع ذلك بطئًا فيما يكون بينهم من النزاع والنضال والاستباق إلى قيادة الفكر. أما بعد أن ظهرت الصحف فالنزاع يومي، أو أسبوعي، أو شهري، هو عنيف, وهو سريع، وهو متصل، وهو مؤثر في توزيع قيادة الفكر بمقدار ما يشتد ويسرع ويستمر"٢.
وينعكس أثر توزع قيادة الفكر في العصر الحديث، والذي جاء نتيجة للصحافة، كما تَقَدَّمَ، على ما تكتبه الصحف من تحليلٍ للأخبار وما وراءها, وعَمَّا يحمل كل خبر من مغزى، حتى يتمكَّن الأفراد والجماعات من حلِّ المشاكل التي تعرض في الحياة، سواء كانت مشكلات نفسية أم اقتصادية أم سياسية أم اجتماعية٣. وفي ذلك ما يؤكد مسئولية كاتب المقال الافتتاحي تجاه الرأي العام، فهو يدرك تمام الإدراك أن صياغته للمقال ليست صياغة أدبية، ولا هي صياغة غير ملتزمة، وإنما هي صياغة ترتبط بسياسة الجريدة من ناحية, واهتمام القراء وميولهم من ناحية أخرى. لهذا نجد أن افتتاحيات الصحف الكبرى تعكس توزيع قيادة الفكر فيما تحتوي عليه من تعليق سياسي، وآخر اقتصادي، وثالث اجتماعي، ولا تهمل التعليق الطريف أو الخفيف الذي يقول بالتسلية والنقد والسخرية في وقت معًا٤.
стр. 238
١- خصائص المقال الرئيسي عند طه حسين:
وتأسيسًا على ما تَقَدَّمَ، نحاول أن نتعرَّف على أشكال التعبير في المقال الرئيسي عند طه حسين، فنجد أن هذا المقال الافتتاحي أو الرئيسي في الصحافة المصرية قد مَرَّ بطورين:
أولهما: كانت فيه المقالة الرئيسية تحتلّ الصفحة الأولى, وكانت المقالة الرئيسية في هذا الطور طويلة مسرفة في الطول، حتى لقد بلغت في بعض الأحيان نحوًا من أربعة آلاف كلمة١, وكثيرًا ما كانت تذيَّل بتوقيع الكاتب.
وثانيهما: أصبحت فيه المقالة الرئيسية تحتلُّ مكانًا آخر غير الصفحة الأولى منذ تركت هذه الصفحة للأخبار الخارجية -كما أصبحت لا تحمل توقيع الكاتب, وامتازت من حيث الطول بالقصر، بحيث لا يمكن أن تتجاوز -بشكلٍ ما- ستمائة وخمسين كلمة على الأكثر٢.
وقد ارتبط هذا الطور الأخير بالتطور الذي أصابته الصحافة بعد الحرب العالمية الأولى وما تلاها من أحداث قلبت الحياة المصرية رأسًا على عقب, حتى عودة الحياة الدستورية للبلاد بتصريح فبراير ١٩٢٢, ثم ظهور الأحزاب المصرية المختلفة.
فإذا قلنا أن صحيفة "السياسة" كانت أول صحيفة تظهر في هذا الطور على صورة من النضج الصحفي لم تعهد من قبل، وكان لها أثرها من بعد، فلعلنا نستطيع أن نقول: إنها من أوائل الصحف التي عرفت "المقال الافتتاحي" بصورته الحديثة، على يد "هيكل" في "حديث اليوم", والذي كان يكتبه بدون توقيع٣, والمقال الرئيسي الموقَّع الذي كان يكتبه طه حسين إلى جانب هذا المقال الافتتاحي، الأمر الذي يجعلنا نؤثِرُ تسمية "المقال الرئيسي" عند دراسة فن المقال الصحفي في أدب طه حسين، لأنه مقال موقَّع في معظم الأحيان, في حين أن المقال الافتتاحي الذي عرفناه عند هيكل توفَّر لديه عنصر عدم التوقيع، وحينما تولى د. طه حسين رئاسة تحرير "كوكب الشرق", وأخذ في كتابة مقالها الافتتاحي الرئيسي، جعل عنوانه "حديث المساء"، ولكنه مضى يوقِّع على مقالاته، الأمر الذي يجعلنا نذهب إلى أن نموذج المقال الافتتاحي كان موجودًا بالقياس إلى هيكل وطه حسين، حين اختار الأول "حديث اليوم" لمقاله في "السياسة", وحين اختار الثاني "حديث المساء" لمقاله في "كوكب الشرق". على أننا نلاحظ إيثار طه حسين لكلمة "الحديث" في اختيار عنوان مقاله الثابت، فوجدناه يختار "حديث الأربعاء" لعموده الثقافي، وحين ينتقل إلى "كوكب الشرق" يجد فيها المقال الافتتاحي معنونًا بـ"مسألة اليوم"٤ الذي يكتب فيه بضعة مقالات, إلى أن تظهر الصحيفة في ثوبها الجديد بعد
стр. 239
اشتراكه في تحريرها١. فيكتب بعنوان ثابت هو "حديث المساء"٢، وهو العنوان الذي يشير مع غيره، إلى صفة كاتبه الذي يمتاز "بالإيناس في إجراء الحديث". ويحتلُّ عمودين من الصفحة السادسة في معظم "الأحوال", بعد أن جعل من صفحة الافتتاحيات في الصحيفة نموذجًا واقعيًّا لصحافته، يظهر فيه أثر النموذج الأوربي الذي يضمُّ إلى جانب المقال الرئيسي في هذه الصفحة عدة أعمدة تتألف من تعليقات سياسية واقتصادية واجتماعية، إلى جانب تعليق خفيف يشترك في تحريرها مع صفوة من كُتَّاب صحيفته.
ومن ذلك يبين أن مقال طه حسين في صفحة الافتتاحيات، الذي كان يحتل يمينها بصفة مستمرة، يتسم بسمات خاصة يُعْرَف بها، فهو ينشر تحت عنوان ثابت، وفي مكان ثابت، ولكنه ليس غفلًا من التوقيع، على أن هذا الأمر الأخير، وإن كان يخرجه من دائرة المقال الافتتاحي إلّا أنه يسمه بسمات "المقال الرئيسي" لتكون التسمية أدق. وهو مع ذلك يتميز بخصائص فنية يتميز بها هذا المقال في الصحافة المعاصرة، كما يتميز بها الكاتب نفسه، فهذا المقال الرئيسي الموقَّع -عند طه حسين- يحمل قيمة مزدوجة من حيث الرأي, فهو يطرح رأي كاتبه المؤثر، ومن ناحية ثانية، يطرح رأيًا تسمح به سياسة الصحيفة, بل قد يختلف معها. وفي تاريخ صحافتنا المصرية أمثلة كثيرة لهذا المقال عند طه حسين, فيما كان ينشره الكُتَّاب من المدرسة الحديثة، مثل: العقاد وهيكل وعزمي وعبد القادر حمزة وغيرهم. "وكان المقال الرئيسي يبيع الصحيفة ويسبب رواجها"٣.
فهذا المقال الرئيسي عند طه حسين شأنه عند كُتَّاب المدرسة الحديثة يتميِّز بمقدرة الكاتب على تقصي مجريات الأحداث، وبكونه ثقة أو مرجعًا رفيع المستوى في الميدان الذي يكتب فيه، وتميزه بالخبرة الصحفية التي تبدأ من مرحلة التكوين في مدرسة الجريدة, إلى ما يتمتع به الكاتب من بلاغة في الأسلوب الصحفي، أسلوب الاتصال بالجماهير. وهي أمور تمكِّنُ طه حسين من تميز مقاله الصحفي بين مقالات كُتَّاب المدرسة الصحفية الحديثة، على أن هذه الأمور لا تتعارض مع خصيصة الثبات على سياسة واحدة, ونعني سياسة الصحيفة، التي "لا يصح أن تكون مذبذبة بين سياسات كثيرة"٤، ذلك
стр. 240
أن طه حسين لم يكتب في صحيفة من الصحف الحزبية إلّا وهو على درجة من الوفاق مع سياستها وسياسة حزبها، كما وجدنا في مقالاته في صحيفة "السياسة" اليومية، حين كان على وفاق مع "الأحرار الدستوريين", وكما وجدنا في مقالاته في صحيفة "كوكب الشرق" حين كان على وفاق مع "حزب الوفد"، وهي علاقة مبادئ وآراء وعقائد ومواقف يؤيدها الحزب وتدافع عنها الصحيفة.
ولعل وضوح الرؤيا لمفهوم المقال الرئيسي من ناحية الحذر والاحتياط في إبداء الرأي هو الذي حدا بطه حسين إلى أن يُذَيِّلَ المقال بتوقيعه لتحديد الحدِّ الفاصل بين رأيه ورأي الحزب حين يصطدم الرأيان، لكيلا يعرِّض صحيفته للخطر، وهو بذلك يحسم المسألة التي تثار دائمًا حول "ضمير الكاتب" من خلال التوفيق بين الدوائر الثلاث التي تحكم المقال الرئيسي, ونعني: سياسة الجريدة، وصياغة المقال، واهتمام القراء. ومن أجل ذلك وجدناه يفكِّر عندما يكتب المقال مرتين، الأولى بوصفه كاتب المقال الرئيسي, والأخرى بوصف أنه يعبِّر عن رأي الصحيفة التي يكتب لها وباسمها هذه المادة، ويقول الدكتور طه حسين١ في توضيح ذلك: "كان هيكل لي رئيسًا, أو كان لي زميلًا, فلم يعرف قط للرياسة معنى, وإنما كان صديقًا للذين يعملون معه سواء أكان رئيسًا أم مرءوسًا, كنا نلتقي مساء كل يوم, فنتحدث ويجادل بعضنا بعضًا في تحرير صحيفة الغد, ثم نقتسم ما يكتب في هذه الصحيفة من الفصول, ويخلو كلٌّ منا إلى فصله، حتى إذا أتمه التقينا؛ فقرئ ما كتبه كل واحد منا وأقررناه جميعًا, وربما أصلحنا في هذا الفصل أو ذاك, ثم تصدر جريدة السياسة بعد غد. يرأس تحريرها "هيكل", ويشترك في تحريرها مع أصدقائه وزملائه"٢.
وأغلب الظنّ أنه كان يفعل ذلك في "كوكب الشرق" من خلال صلته بزعماء حزب الوفد، كما سبق القول في ذلك، وهو الأمر الذي يتيح لمقاله الرئيسي أن يوفِّق بين الدوائر الثلاث المشار إليها.
أما الخصيصة الثالثة التي يشترط توافرها في المقال الرئيسي وهي: خصيصة التبسط في الحديث, والإيناس في السرد٣, فهي من لوازم كتابات طه حسين، كما سبق أن تعرَّفْنَا عليها في أسلوبه الصحفي، فهو لا يستعلي على قرائه، وإنما يرتبط القارئ بمقال طه حسين بإحساس الألفة والصداقة, ولذلك يعتمد طه حسين في مقاله على الملاحظة، وضمير المخاطب، ويشعر القارئ
стр. 241
بأنه صديقه الذي يحدِّثُه حديثًا يهم القارئ والكاتب بدرجة متساوية، كما يشعر القارئ بأنه "يستمع إلى بعض إخوانه يدور معه, ويدخل معه في شجون من الحديث لا يحب أن يصل إلى نهايتها", ونجد في هذا الصدد تطبيق طه حسين للروح الديمقراطية التي يؤمن بها فيما يكتب؛ لأنه يجعل من المقال الصحفي محاولة هادئة لجذب القراء إلى صحيفته، سواء كانت صحيفة حزب أقلية مثل "السياسة", أو صحيفة حزب الأغلبية مثل "كوكب الشرق", فهو يشعر قراءه بأنهم شركاء في حلِّ المشكلات العامة، وفي ذلك ما يفسِّر اعتماده على ضمير المخاطب في معظم مقالاته، فهو مثلًا يقول:
"إذا رأيت في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي شرًّا واقتنعت بأن إزالته واجبة، وبأن إقرار الخير مكانه أمر محتوم، كان من حقك أن تدعو لي ما ترى، وكان من الواجب عليك أن تلحَّ في الدعوة لما ترى، وكنت آثمًا في حق نفسك إن كتمت رأيك وأخفيته على الناس، وكنت آثمًا في حق الناس إن لم تدلهم على مواطن الشرِّ في حياتهم، ولم ترشدهم إلى ما فيه المنفعة والخير.
"هذه أوليات يخيّل إلى مَنْ يقولها أنه لا يقول شيئًا جديدًا، ويُخَيَّلُ إلى من يسمعها أنه لا يسمع شيئًا طريفًا؛ لأن ترديدها قد كثر بين الناس في جميع العصور، وفي جميع البيئات, حتى سئمها القائلون والسامعون، ولكنها على ذلك ما زالت غامضة, ولا زال غموضها مصدر الشر الكثير في حياة الأمم والشعوب، ولعل غموضها مصدر ما نحن فيه الآن من فساد واضطراب. فقد نخطئ في الخلط بين الحق والواجب، وقد نغول في تقدير هذا الحق وهذا الواجب، وقد يضطرنا هذا الخطأ وهذا الإسراف إلى أن نريد الإصلاح فنسيء، ونقصد إلى الهداية فنضلَّ، ونتعمَّد الإرشاد فنتورط في الاعتداء، نقتنع بالرأي فيغرنا هذا الاقتناع، ويخيل إلينا أننا نحن وحدنا المصيبون، وأن غيرنا جميعًا مخطئون, ثم لا نلبث أن يملكنا هذا الغرور ويدفعنا إلى إهدار الحرية, وإذا نحن نحاول أن نفرض آراءنا على الناس فرضًا، وأن نكرههم على ما نحب لهم من الخير إكراهًا, وإذا نحن نزعم لأنفسنا العصمة ونبرئها من الخطأ، ونقدِّس آراءنا تقديسًا, ونتخذ الذين لا يشاركوننا فيها ولا يظاهروننا عليها أعداء, ونسير فيهم سيرة الأعداء.
"ولعلك حين تريد أن تفهم الأزمة التي اضطرنا إليها رئيس الوزراء والذين يؤيديونه, لم تجد لها تفسيرًا غير هذا الغرور الذي يتورَّط فيه أصحاب الآراء في السياسة والاقتصاد والاجتماع. ظن رئيس الوزراء وأصحابه أن نظامنا السياسي القديم شرّ؛ لأنه لم يكن يلائم آمالهم وأطماعهم ومثلهم العليا
стр. 242
في الحكم وتصريف الأمر. ورأوا أن في هذا النظام أصولًا يجب أن تزول، وأن تَقَرَّ مكانها أصول أخرى، رأوا أن الانتخاب العام المباشر لا يوصلهم إلى الحكم، ولا يضمن لهم كثرة الشعب، ورأوا أن سلطة البرلمان إذا اتسعت وبعدت حدودها لا تمكنهم من البقاء في الحكم إن أوصلتهم إليه المصادفات, ورفعتهم إليه الظروف، فأرادوا تخصيص الانتخاب وتضييقه, وأرادوا تقييد سلطان البرلمان والقصِّ من جناحه, وحاولوا أن يدعوا إلى ذلك فلم يفلحوا، وألَحُّوا في المحاولة فلم يستجب لهم أحد، ولم يؤمن لهم إنسان"١ إلخ.
وهكذا يتدرَّج مع القارئ في حديث ممتع موجَّه إليه، مع إيناس في السرد، مما يشعر قارئه بأنه إنما يستمع إلى صديق يحدثه, لا إلى كاتب يعيش في برجه العاجيّ يلقي الكلمات إليه في استعلاء. وهذه الخصيصة في مقال طه حسين هي التي تُيَسِّرُ لمقاله الرئيسي أداء مهمة من أخصِّ المهام في هذه المادة الصحفية، ونعني: الإقناع عن طريق الشواهد والأمثلة المشتقة من الأحداث الجارية. وعند طه حسين نجد أن هذه الشواهد تتسع لتشمل الأحداث التي جرت في الماضي, والتجارب الإنسانية التي اختزنها في ذاكرته، إما بطريق الممارسة وإما بطريق الاطلاع. وقد وسمت هذه الوظيفة الإقناعية مقال طه حسين الصحفي، بحيث تثبت له تقوفًا في تحرير هذا المقال؛ لأنها تظهر ثقافته واطلاعه ووقوفه على التاريخ العام والتاريخ الخاص. ومن ذلك ما كتبه في المقال المتقدِّم، يستشهد به على حق الناس في مقاومة الاستبداد الذي يحكم به صدقي مصر، فيقول:
"وربما كانت هذه الأيام التي تبتدئ العام الهجري الجديد، وتذكِّر المسلمين بتاريخهم حافلةً بالعبَر والعظات لمن أنساهم الغرور، فوجب عليهم أن يتذكَّروا. فإن الداعي إلى الإسلام، والمؤسس لهذه الدولة الإسلامية، لم يُهِنْ أحدًا، ولم يفرض على الناس دينه فرضًا، ولم يأخذهم بهذا الدين كرهًا، وإنما دعا الناس إليهم رفيقًا بهم، محبًّا لهم، شفيقًا عليهم, ولقي منهم في سبيل هذا الرفق عنتًا، وفي سبيل هذا الحب بغضًا، وفي سبيل الإشفاق قسوة وعنتًا، وما زال يدعوهم إلى سبيل رقة بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، فيستجيب له خيارهم, ويلقاه شرارهم بالبغي والعدوان، حتى ظهرت كلمة الله, وانتشر نوره وعَزَّ دينه، فآمن له الثائرون به، والمتنكرون له"٢.
ثم يخلص من ذلك المثل الذي يستشهد به في مناسبته إلى قوله:
стр. 243
"سيستقيل صدقي باشا أو سيقال، فينحلّ منْ حوله كل شيء، ويتفرَّق من حوله كل إنسان، وتعود الأمور بعده كما كانت قبله. أما المصلحون حقًّا فقد اعتزلوا الحكم، بل فارقوا الحياة وبقي إصلاحهم! وقوي بعدهم، واتسع سلطانهم؛ لأنهم لم يسلكوا إلى إصلاحهم هذه الطريق التي سلكها رئيس الوزراء, ولم يؤثروا أنفسهم بهذا الخير الذي آثر به رئيس الوزراء نفسه١".. إلى أن يقول في نهاية المقال:
"أفيؤثر الله الرحمة واللين، والدعوة إلى الخير بالتي هي أحسن, ويأبى الناس إلّا أن يكرهوا الأمم والشعوب على ما لا تريد؟ "٢.
ويستشهد طه حسين بحوادث التاريخ الإسلامي في مقاله الصحفي على هذا النحو، فهو يتمثَّل الحديث التاريخي المشابه للحدث الجاري, ويقرن بينهما لتحقيق الإقناع المنشود، كما في مقاله عن "وداع"٣، المديرين الراحلين، حين يذهب إلى أن أمرهم "لا يعدو قصة زيارة كل إقليم يودِّع مديره مستريحًا لهذا الوداع, ويستقبل مديره الجديد خائفًا من هذا الاستقبال"٤. ومن ذلك يبين أنه يستشهد بالحدث التاريخي في مجال تناول الحدث الواقعي الذي يُسْتَشْهَدُ به في المقال، وهو هذا الإجراء الذي اتخذته حكومة صدقي بالنسبة لمديري الأقاليم، ونقلهم من أقاليمهم. أما الحدث التاريخي فهو واقعة زياد "لما ضبط العراق لمعاوية، وأقرَّ فيه النظام الجديد بالقهر والعنف، كتب إلى الخليفة يسأله أن يضمَّ إليه ولاية الحجاز، وهَمَّ الخليفة أن يفعل، وجزع أهل الحجاز حين انتهى إليهم هذا النبأ، فلجأوا إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، يسألونه أن يدعو على زياد فلم يدع عبد الله على أحد، ولكن استقبل القبلة فيما يُقَال، وسأل الله العافية، والسلامة والمغفرة للمسلمين, وكفى الله أهل الحجاز زيادًا, وأراح الله أهل العراق من زياد، لأنه نقل زيادًا إلى دارٍ أخرى، لا ولاية فيها إلّا الله، ولا سلطان فيها إلّا لله، وليس فيها خوف من والٍ، ولا إشفاق من أمير"٥.
وبعد أن يقرِنَ بين الحدثين، يؤكِّدُ للقراء أنه "بعيد كلَّ البعد عن أن يفكِّرَ في أنَّ بين ولاتنا في الأقاليم هؤلاء الذين نسميهم المديرين، وبين زياد شبهًا ما..! فقد كانت في زياد خصال من الشرِّ لم يبلغوها مع الشرور ... ! "٦.
وهكذا نجد في مقال طه حسين الاستشهاد بأحداث الماضي البعيد والقريب, وربطها بأحداث الحاضر لتأكيد فكرة يريدها من وراء مقاله، ومن ذلك في
стр. 244
مقال بعنوان: "نظام"١. قوله: "كره الحكماء في كل وقت، وفي كل مكان، وفي كل جيل, الغلوَّ والإسراف، وأحبوا دائمًا أن يكون القصد والاعتدال قوام ما يأتي الناس من عمل, وما ينهجون من نهج في الحياة, ويُخَيَّلُ إلينا أنَّ علماء الدين هم أحق الناس برعاية القصد, والحرص على الاعتدال, وهم أحق الناس بتجنُّب الإفراط، وتجنُّبِ التفريط معًا. فإذا كان الإسراف عيبًا فالتقصير عيب آخر, وعلماء الدين أجدر الناس أن يتجنبوا كل عيب, وأن يتجنبوا بنوعٍ خاصٍّ عيب الإفراط وعيب التفريط؛ لأنهما مصدر كثير من الرذائل, وسبيل كثير من الآثام. وقد قصَّر علماء الدين في ذات الدين تقصيرًا شديدًا أخذهم به الناس، ولاموهم عليه, فوقفوا صامتين جامدين من أمور ما كان ينبغي لهم منها الصمت ولا الجمود, وتركوا غيرهم من الذين لم يتخذوا حماية الدين صناعة, ولا الذَّوْدَ عن الدين مهنة، ولم يتقاضَوْا على ذلك من الدولة أجرًا, ولم ينالوا في ذلك من الدولة والناس ضروب التشريف والتعظيم، تركوا غيرهم من هؤلاء الناس يعملون ويقولون ويدفعون ويذودون، ومهما يَقُلْ القائلون, فإن بلاء غير الأزهريين في حماية الدين والذود عنه أعظم ألف مرة ومرة في هذه الأعوام الأخيرة من بلاء الأزهريين٢. ثم يستشهد من الحياة الواقعة بموقف الأزهريين من التبشير: "فقد صمت شيوخ الأزهر فأطالوا الصمت, وهدأ شيوخ الأزهر فأطالوا الهدوء، واضطربت نفوس المسلمين والمصريين من حولهم أشد اضطراب ونفوسهم هادئة"٣ و"ألحَّ الناس في كل الصحف المصرية الإسلامية على الشيوخ في أن يغضبوا للإسلام, ويظهروا شيئًا من الاستعداد للذود عنه والقيام عليه، وظل الشيوخ هادئين حتى نهض غيرهم فعمل. ثم أذن الله للشيوخ فاجتمعوا وقرروا، ثم قالوا ومضوا يقولون، وعملوا ومضوا يعملون، ولم نتردَّدْ نحن حين أخذ الشيوخ في القول والعمل في أن نعرف لهم ذلك، ونثني عليه, ونشجيعهم على المضي فيه, وندعو الناس إلى أن يثقوا بهم ويطمئنوا إليهم، ويغتبطوا بأنهم قد أخذوا يقومون بما هيئوا للقيام به"٤ إلخ.
على أنَّ طه حسين في سبيل أداء مهمة الإقناع في مقاله، لا يتوسَّل بربط أحداث الماضي بالحاضر فحسب، ولكنه يشتق أمثلة مقاله في معظمها من الأحداث الجارية في الحاضر، ولهذه الشواهد حيِّزٌ كبير في ماله، وكثيرًا ما يكون هذا المقال بمثابة تعليق على الأخبار والأحداث الجارية، مع الاستشهاد التقارير الإخبارية، وهو لذلك يكشف عن إلمام كاتبه بالموضوع الذي يكتب
стр. 245
فيه، والذي يبين من اطلاعه على ما يكتب في الكتب والصحف المصرية والأجنبية، ليقف على أفكار هذه الصحف والدوريات، شأنه في تحرير المقال الرئيسي شأنه في تحرير المقال النقدي والتنويري والثقافي، حين يقف على أحدث الآراء في النقد، أو أحدث الكتب في المادَّة التي هي موضوع نقده أو تنويره. ومن ذلك في مقال طه حسين أنه لا يتناول موضوعات مجردة، ولكنه يشتق هذه الموضوعات من الواقع الأمر الذي يجعل شواهده المؤيدة لفكرته مستمَدَّة من هذا الواقع أساسًا, فهو حين يكتب عن "الرشوة"١ في "حديث المساء"، لا يتناولها كفكرة مجردة، وإنما يتناولها في إطار جدتها الزمنية، وما تمليه الأحداث والشواهد في الحياة الواقعة، فهو يقول:
"لا تغضب الوزراة، ولا يغضب الوزراء، ولا تغضب النيابة, ولا يغضب البرلمان، فلسنا نحن الذين يذكرون الرشون ويفصِّلون أمرها تفصيلًا، ولسنا نحن الذين يسيئون إلى سمعة مصر، ويغضُّون من قدرها, ويصورنها للناس في هذه الصورة المنكرة التي تمثِّلُ حكومتها قائمة على الرشوة، تشتري ضمائر الناس؛ فيبيعها الناس ضمائرهم بالمال!
"لسنا نحن الذين يقولون شيئًا من هذا، ويأتون شيئًا من هذا, بل نحن نكتب لنصف ما نجد من الألم اللاذع والحزن الممض، حين يقال عن مصر مثل هذا الكلام، وحين تصور مصر للناس في مثل هذه الصورة"٢.
ثم ينتقل بعد هذا "التقديم" المثير لاهتمام القارئ إلى سرد "الشواهد" التي يتخذ منها موضوع مقاله، فيقول:
"صحيفة إنجليزية من الصحف الكبرى، قد عُرِفَت بحبها للوزراة القائمة، وإيثارها إياها، لا نقول بالمودة والعطف، بل نقول بالغلوِّ في النصر والتأييد، لا تتحرَّج من أن تعلن أن رئيس الوزراء أحسَّ ضعف وزارته قبل مرضه, ثم أحسَّ تهالكها في هذا الضعف بعد أن أتاح الله له شيئًا من الشفاء، فأراد أن تسترد وزارته شيئًا من القوة، فاصطنع في سبيل ذلك الرشوة, وتوسَّل إلى ذلك بشراء الضمائر! يشتريها من الموظفين بالعلاوات والترقيات! ويشتريها من الزراع بهذه الأموال التي زعم أنه ينفقها لتخفيف ثقل الأزمة على الفلاحين"٣.
ويستشهد في هذا المقال بأقوال صحيفتين أجنبيتين هما "الديلي تلغراف"٤ و"التيمس"٥ في تأييد الظاهرة التي يناقشها مقاله
стр. 246
والتي تذهب إلى أن "أمر الحكم في مصر قائم على الرشوة وبيع الضمائر! "١, وعلى هذا الاستشهاد الوظيفي يقوم المقال الصحفي عند طه حسين في تأكيد فكرته من وراء المقال.
على أن هذه الخصيصة الإقناعية وما تقتضيه من شواهد وأمثلة مشتقة من الأحداث الجارية في الحاضر، ترتبط بخصيصة خامسة تجعل من مقال طه حسين مقالًا صحفيًّا من الطراز الأول، ونعني خصيصة الجدَّة الزمنية، أو مسايرة المقال للأحداث الجارية. ذلك أن المقال الرئيسي في صحافة طه حسين يعالج موضوعات الساعة و"مسألة اليوم" مهتمًّا بالأفكار التي تشغل أذهان الناس وقت ظهور الصحيفة، كما يبين من العنوان الثابت لمقاله الرئيسي: "حديث المساء". ذلك أن هذه الخصيصة ترتبط بانتظار القراء لرأي الصحيفة في كل حادث يعرض لهم، أو فكرة تُولَد بينهم، أو وضع من الأوضاع السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية يُرَادُ نقله إليهم.
وقد تعرَّفْنَا عند دراسة مضمون المقال الصحفي في أدب طه حسين على مواكبته للأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك شئون حزبه وعلاقته بالأحزاب الأخرى، ولذلك نجد في مقاله الصحفي كثرة "المقدِّمَات الخبرية" والشواهد المشتقة من سياق الأحداث، الأمر الذي يشير إلى عنصر "الجدَّة الزمنية" إشارةً صريحة، فلم يَعُدْ المقال -كما كان في بيئة التكوين- يتناول فكرة مجرَّدة، ولكنه يتناول الحدث الواقعي الذي تبرزه الحياة في صورة خبرية، ليدلي برأيه القائم أساسًا على هذه الشواهد العملية في الحياة الواقعة. فحين يكتب عن العمال ومشكلاتهم، يتَّخِذُ من "أضرابهم" مناسبة لإثارة هذه المشكلات واقتراح ما يتصوَّره لعلاجها، فيكتب في "حديث المساء" بعنوان: "حصار"٢، مقدمًا له بهذه المقدمة الخبرية:
"ما زال الخلاف متصلًا بين العمال وشركة السيارات، وما زالت مصالح الناس معطَّلة في غير عذر واضح ولا سبب مفهوم.. إلخ"٣, ثم يدلف من هذه المقدمة إلى مناقشة المشكلة من جذورها، فهي ليست في مقاله منعزلة عن أحداث الحياة الواقعة، ولذلك يتَّخِذُ عنوان المقال عند طه حسين ألفاظًا زمنية توحي إلى هذه الخصيصة, ومن ذلك مقال بعنوان: " ... والآن"٤, يقول فيه:
стр. 247
".. نعم والآن نحب أن نعرف أين يكون الرضى وأين يكون السخط؟ ونحب أن نعرف أين يكون الأمل وأين يكون اليأس؟ ونحب أن نعرف آخر الأمر لمن تحكم مصر الآن؟
"فأما أين يكون الرضى عن الحياة المصرية الآن، فسؤال تستطيع أن تلقيه متى شئت؟ وحيث شئت؟ وعلى من شئت, وأنت واثق كل الثقة بأنك ستظفر بجواب سلبي واحد مهما تكن الظروف، ومهما تكن البيئات, ومهما يكن المسئولون، وهو أن هذا الرضى الذي تبحث عنه ليس في قلوب المصريين، ولا يمكن أن يكون في قلوب المصريين على اختلاف طبقاتهم وتباين منازلهم، وتفاوت حظوظهم من الثقافة والتعليم. لا نستثني من ذلك إلا الوزراء، وأشباه الوزراء، وأنصار الوزراء, وهم جماعة تستطيع أن تحصيهم, وأن تحقق في إحصائهم، حتى إذا فرغت من التحقيق والإحصاء الدقيق تستطيع أن تضيف إليهم مثلهم أو مثليهم هبة منك وتبرعًا، وأنت بعد هذا كله لن تبلغ الألف، ولن تتجاوز بهم المئات. وهؤلاء قد يخبرونك بأنهم راضون، وقد يقسمون لك جهد آبائهم أنهم راضون، ولكنك مع هذا تستطيع أن تشك وتستطيع أن ترتاب، بل تستطيع أن توقن أنهم ساخطون؛ ساخطون على خصومهم الذين ينكرون الحياة المصرية الحاضرة, ساخطون على مخالفيهم الذين لا يطمئنون إلى أساليب الحكم في هذه الأيام, ساخطون على أقلِّ تقدير على الشعب المصري, إذا لم يكونوا ساخطين على فنون الحكم في مصر"١.
وتبين هذه الخصيصة كذلك من مقال بعنوان: "غدًا.."٢، حيث تشير الألفاظ الزمنية في لغة طه حسين، إلى تمثُّل عنصر الجدَّة الزمنية تمثلًا مستمرًّا في مقاله، فهو لا يستخدم هذه الألفاظ في عنوان المقال فحسب، ولكنه يستخدمها كذلك في صلب المقال، مثل قوله: "إنما هم الوزراء ورئيسهم الذي سافر أمس ليستشفي ويستريح"٣, وقوله: "وقد برئ رئيس الوزراء بعض الشيء من مرضه، وما زالت التيمس تقول: إن وزارته الآن لا رأس لها! "٤, وقوله في مقال بعنوان: "عاصفة"٥ يتناول فيه "موقف القضاة المصريين في المحاكم المختلطة من زملائهم الأجانب, وموقف هؤلاء الزملاء منهم"٦:
"ليست هذه - أي العاصفة- التي ثارت عنيفة يوم الأحد، فأفسدت الجوَّ، وجعلت التنفس فيه شاقًّا عسيرًا, فإن ثورة الريح مهما يبلغ بها العنف
стр. 248
تنتهي إلى الهدوء، كما أن الجوَّ مهما يبلغ من الفساد ينتهي إلى الصلاح"١. وهذه العاصفة قد أثيرت "منذ حين"٢. وقوله في النزال ضد الوزراة النسيمية: "نحن مضطرون إلى أن نقدِّرَ كلام "الليبرتية" قدرًا خاصًّا هذه الأيام؛ لأنا نعلم أن الليبرتية لا تنطق عن الهوى منذ تألَّفت الوزراة الجديدة. نعلم ذلك ولا نشك فيه, وكل شيء يدل على أننا غير مخطئين, ففي يوم الخميس الماضي نشرت الليبرتية مقالًا افتتاحيًّا بقلم كاسترو, أنبأتنا فيه بما يُنْتَظَرُ من الوزارة الجديدة, فلما كان الغد نشرت الليبرتية حديثًا مع رئيس الوزراء مطابقًا كل المطابقة لما كان يُنْتَظَرُ من الوزارة الجديدة. فلما كان بعد غدٍ وهو يوم السبت الماضي, طلب إلى الليبرتية لأمرٍ ما تصحيح شيء من حديثها مع رئيس الوزراء لم يكن يحتمل خطًأ ولا يحتاج إلى تصحيح"٣, ويقول بعد ذلك في نفس المقال: "وقد نشرنا أمس مقالًا لليبرتية قلنا أنه عظيم الشأن. وبين يدينا اليوم مقال آخر لليبرتية ليس أقل خطرًا مما نشرناه أمس. والمقالان متصلان اتصالًا قويًّا ظاهرًا, فلنحاول فهمهما وتفسيرهما, فقد ينتج لنا ذلك ما طلبناه وألححنا فيه من برنامج الوزارة٤" إلخ.
ومن ذلك يبين أن خصيصة الجدَّة الزمنية في مقال طه حسين تجعله مسايرًا للأحداث الجارية، مرتبطًا بها، غير منعزل عنها، وهي لذلك ترتبط بخصيصة الإقناع عن طريق الشواهد والأمثلة المشتقة من الأحداث الجارية في الحاضر.
أما الخصيصة السادسة في مقال طه حسين، فهي لا تنفصل عن الخصائص الأخرى في المقال الرئيسي، ونعني: خصيصة التوجيه والإرشاد, وهي خصيصة تختفي دائمًا وراء أسلوب طه حسين التصويري الاستقرائي, ذلك أن هذه الخصيصة تتميَّزُ عند طه حسين باتجاهه القويِّ نحو القارئ كما تَقَدَّمَ، وهو الاتجاه الذي يتميَّزُ بالإيناس والصلة المتبادلة بين الكاتب والقارئ، ذلك أن القرَّاء -كما يقول طه حسين- هم "كل شيء"٥, وأن "الكُتَّاب دائبوا التفكير في قرَّائهم إذا قرأوا, وإذا فكَّروا حاولوا الإجادة، وإذا وُفِّقُوا أو لم يُوَفَّقُوا إليها"٦. وكنتيجة لهذه الصلة القوية بين طه حسين وقرائه، وجدنا خصيصة التوجيه والإرشاد في مقاله الصحفي تختفي وراء أسلوبه الذي يسعى إلى رفع العامَّة إلى مستواه, في الوقت الذي لا يتعالى فيه على قرَّائه، وتلك مهارة "صحفية
стр. 249
لا تستعصي على كثيرين من الكُتَّاب -متى قصدوا إليها- وكانت سياسة صحفهم ترمي إليها".
وفي مقال طه حسين، نجد القصد واضحًا في مهارته الصحفية التي تصل قراءه به، وتبين خصيصة التوجيه والإرشاد في مقاله من قوله:
"ليس من الأشياء التي تُحَبُّ أو يُشْتَدُّ إليها الميل، أن تلقى دروسًا في الأخلاق على قوم يجب أن يكونوا قدوة في حسن الأخلاق، بل ليس من الأشياء التي تُحْتَمَلُ، أو تبتغي أن تلفت الوزراء السابقين واللاحقين إلى هذه الواجبات اليسيرة التي تفرضها الأخلاق.
"وحسب الكتاب أن يلفتوا الوزراء والمشتغلين بالحياة العامَّة إلى الواجبات السياسية التي تفرضها المصلحة العامة وتحتِّمُها الأخلاق في خدمة الشعوب. والأمر يزداد مشقَّةً وعسرًا حين يتصل العهد بالسابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد، فهم معصومون من الخطأ، مبرؤون من العيب، منزَّهُون عن هذه الخصال التي يمكن أن تشين مثلك ومثلي من عامة الناس"١. ويخلص من سخريته بالوزارة القائمة إلى تأكيد خصيصة التوجيه التي لا يقبلها خصوم طه حسين. يقول:
"وإذا كانت هذه حالهم فنحن جماعة الكُتَّاب نَتَجَنَّى عليهم, ونتجاوز الحدود في أمرهم حين نزعم أنهم قصَّروا في السياسة, أو أخطأوا في سبيل المنفعة العامَّة، أو أهملوا حقًّا من حقوق الناس وهُمْ كرام إلى أقصى حدود الكرم، حلماء إلى أبعد آماد الحلم، يقبلون منا التجني, ويعفون لنا عن النقد, ولا يخاصموننا في ذلك إلّا قليلًا، وقد يقرينا كرمهم فنغلو في النقد، ويطمعنا حلمهم فنغرق في التجني، وهم مع ذلك لا يغضبون ولا يعبسون، وإنما يمضون في العفو ويلحُّون في العطف، ويريحون النيابة من التحقيق، ويريحون المحاكم من القضاء، ويريحون الشرطة من أخذ الناس، ويريحون الناس من عنف الشرطة، ويعصمون أجسامهم من وقع السياط. فكيف بنا إذا تجاوزنا السياسة وشئونها, ونقدنا الوزراء السابقين واللاحقين فيما يتصل بأعمالهم وأقوالهم مما يتَّصل بالأخلاق. ولكن صناعة الكتابة، والكتابة في الصحف بنوع خاصٍّ؛ تدعو إلى شيء من التطفُّل؛ وتدفع أصحابها إلى أن يدخلوا فيما لا يعنيهم؛ ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، ويقولوا فيما لا ينبغي أن يقولوا فيه. وأكبر الظن أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد سيعفون للكُتَّاب عن هذا التطفُّل كما يعفون لهم عن ذلك التجني
стр. 250
وسيصفحون عن نقدهم فيما يمسُّ الأخلاق، كما يصفحون عن نقدهم فيما يمسُّ السياسة. فإن العفو فضيلة من هذه الفضائل الواسعة التي لا تحصر ولا تقصر ولا تتناول شيئًا دون شيء، ولا تتجاوز إثمًا دون إثم، وإنما هي ميَّالة بطبعها إلى التجاوز عن السيئات جميعًا"١.
وتتصل مهمة الإقناع بهذه الخصيصة التوجيهية في مقال طه حسين الذي يحرص على نقل الإيمان بأفكاره، ولذلك احتلَّ مقاله دورًا قياديًّا في توجيه الرأي العام المصري، فهو لا يكتفي بنقل الأفكار وتفسيرها، ولا ينقل إيمانه بأفكاره بمجرَّدَ حرارة العاطفة، ولكنه يؤثر ويدون لتعلقه "بحرارة الفكر". ذلك أن المقال الصحفي عند طه حسين لم يَعُدْ مجرَّد توجيه بلاغي كما كان في طور التكوين الصحفي، بل إنه على العكس من ذلك ينهج منهجًا خاصًّا في التحرير يقوم على الدليل والبرهان، ويعتمد على الحقائق والأرقام والبيانات والإحصاءات الدقيقة، وهذه هي وسائل الإقناع والتوجيه والإرشاد، وهي تعطيه من القوَّة والتأثير مالًا يمكن أن تحققه الألفاظ الضخمة الجوفاء.