← Адаб

Адаб · id 10003

فن المقال الصحفي في أدب طه حسين

عبد العزيز شرف

Полный текст (424 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والتي تذهب إلى أن "أمر الحكم في مصر قائم على الرشوة وبيع الضمائر! "١, وعلى هذا الاستشهاد الوظيفي يقوم المقال الصحفي عند طه حسين في تأكيد فكرته من وراء المقال. على أن هذه الخصيصة الإقناعية وما تقتضيه من شواهد وأمثلة مشتقة من الأحداث الجارية في الحاضر، ترتبط بخصيصة خامسة تجعل من مقال طه حسين مقالًا صحفيًّا من الطراز الأول، ونعني خصيصة الجدَّة الزمنية، أو مسايرة المقال للأحداث الجارية. ذلك أن المقال الرئيسي في صحافة طه حسين يعالج موضوعات الساعة و"مسألة اليوم" مهتمًّا بالأفكار التي تشغل أذهان الناس وقت ظهور الصحيفة، كما يبين من العنوان الثابت لمقاله الرئيسي: "حديث المساء". ذلك أن هذه الخصيصة ترتبط بانتظار القراء لرأي الصحيفة في كل حادث يعرض لهم، أو فكرة تُولَد بينهم، أو وضع من الأوضاع السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية يُرَادُ نقله إليهم. وقد تعرَّفْنَا عند دراسة مضمون المقال الصحفي في أدب طه حسين على مواكبته للأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك شئون حزبه وعلاقته بالأحزاب الأخرى، ولذلك نجد في مقاله الصحفي كثرة "المقدِّمَات الخبرية" والشواهد المشتقة من سياق الأحداث، الأمر الذي يشير إلى عنصر "الجدَّة الزمنية" إشارةً صريحة، فلم يَعُدْ المقال -كما كان في بيئة التكوين- يتناول فكرة مجرَّدة، ولكنه يتناول الحدث الواقعي الذي تبرزه الحياة في صورة خبرية، ليدلي برأيه القائم أساسًا على هذه الشواهد العملية في الحياة الواقعة. فحين يكتب عن العمال ومشكلاتهم، يتَّخِذُ من "أضرابهم" مناسبة لإثارة هذه المشكلات واقتراح ما يتصوَّره لعلاجها، فيكتب في "حديث المساء" بعنوان: "حصار"٢، مقدمًا له بهذه المقدمة الخبرية: "ما زال الخلاف متصلًا بين العمال وشركة السيارات، وما زالت مصالح الناس معطَّلة في غير عذر واضح ولا سبب مفهوم.. إلخ"٣, ثم يدلف من هذه المقدمة إلى مناقشة المشكلة من جذورها، فهي ليست في مقاله منعزلة عن أحداث الحياة الواقعة، ولذلك يتَّخِذُ عنوان المقال عند طه حسين ألفاظًا زمنية توحي إلى هذه الخصيصة, ومن ذلك مقال بعنوان: " ... والآن"٤, يقول فيه:

стр. 247

".. نعم والآن نحب أن نعرف أين يكون الرضى وأين يكون السخط؟ ونحب أن نعرف أين يكون الأمل وأين يكون اليأس؟ ونحب أن نعرف آخر الأمر لمن تحكم مصر الآن؟ "فأما أين يكون الرضى عن الحياة المصرية الآن، فسؤال تستطيع أن تلقيه متى شئت؟ وحيث شئت؟ وعلى من شئت, وأنت واثق كل الثقة بأنك ستظفر بجواب سلبي واحد مهما تكن الظروف، ومهما تكن البيئات, ومهما يكن المسئولون، وهو أن هذا الرضى الذي تبحث عنه ليس في قلوب المصريين، ولا يمكن أن يكون في قلوب المصريين على اختلاف طبقاتهم وتباين منازلهم، وتفاوت حظوظهم من الثقافة والتعليم. لا نستثني من ذلك إلا الوزراء، وأشباه الوزراء، وأنصار الوزراء, وهم جماعة تستطيع أن تحصيهم, وأن تحقق في إحصائهم، حتى إذا فرغت من التحقيق والإحصاء الدقيق تستطيع أن تضيف إليهم مثلهم أو مثليهم هبة منك وتبرعًا، وأنت بعد هذا كله لن تبلغ الألف، ولن تتجاوز بهم المئات. وهؤلاء قد يخبرونك بأنهم راضون، وقد يقسمون لك جهد آبائهم أنهم راضون، ولكنك مع هذا تستطيع أن تشك وتستطيع أن ترتاب، بل تستطيع أن توقن أنهم ساخطون؛ ساخطون على خصومهم الذين ينكرون الحياة المصرية الحاضرة, ساخطون على مخالفيهم الذين لا يطمئنون إلى أساليب الحكم في هذه الأيام, ساخطون على أقلِّ تقدير على الشعب المصري, إذا لم يكونوا ساخطين على فنون الحكم في مصر"١. وتبين هذه الخصيصة كذلك من مقال بعنوان: "غدًا.."٢، حيث تشير الألفاظ الزمنية في لغة طه حسين، إلى تمثُّل عنصر الجدَّة الزمنية تمثلًا مستمرًّا في مقاله، فهو لا يستخدم هذه الألفاظ في عنوان المقال فحسب، ولكنه يستخدمها كذلك في صلب المقال، مثل قوله: "إنما هم الوزراء ورئيسهم الذي سافر أمس ليستشفي ويستريح"٣, وقوله: "وقد برئ رئيس الوزراء بعض الشيء من مرضه، وما زالت التيمس تقول: إن وزارته الآن لا رأس لها! "٤, وقوله في مقال بعنوان: "عاصفة"٥ يتناول فيه "موقف القضاة المصريين في المحاكم المختلطة من زملائهم الأجانب, وموقف هؤلاء الزملاء منهم"٦: "ليست هذه - أي العاصفة- التي ثارت عنيفة يوم الأحد، فأفسدت الجوَّ، وجعلت التنفس فيه شاقًّا عسيرًا, فإن ثورة الريح مهما يبلغ بها العنف

стр. 248

تنتهي إلى الهدوء، كما أن الجوَّ مهما يبلغ من الفساد ينتهي إلى الصلاح"١. وهذه العاصفة قد أثيرت "منذ حين"٢. وقوله في النزال ضد الوزراة النسيمية: "نحن مضطرون إلى أن نقدِّرَ كلام "الليبرتية" قدرًا خاصًّا هذه الأيام؛ لأنا نعلم أن الليبرتية لا تنطق عن الهوى منذ تألَّفت الوزراة الجديدة. نعلم ذلك ولا نشك فيه, وكل شيء يدل على أننا غير مخطئين, ففي يوم الخميس الماضي نشرت الليبرتية مقالًا افتتاحيًّا بقلم كاسترو, أنبأتنا فيه بما يُنْتَظَرُ من الوزارة الجديدة, فلما كان الغد نشرت الليبرتية حديثًا مع رئيس الوزراء مطابقًا كل المطابقة لما كان يُنْتَظَرُ من الوزارة الجديدة. فلما كان بعد غدٍ وهو يوم السبت الماضي, طلب إلى الليبرتية لأمرٍ ما تصحيح شيء من حديثها مع رئيس الوزراء لم يكن يحتمل خطًأ ولا يحتاج إلى تصحيح"٣, ويقول بعد ذلك في نفس المقال: "وقد نشرنا أمس مقالًا لليبرتية قلنا أنه عظيم الشأن. وبين يدينا اليوم مقال آخر لليبرتية ليس أقل خطرًا مما نشرناه أمس. والمقالان متصلان اتصالًا قويًّا ظاهرًا, فلنحاول فهمهما وتفسيرهما, فقد ينتج لنا ذلك ما طلبناه وألححنا فيه من برنامج الوزارة٤" إلخ. ومن ذلك يبين أن خصيصة الجدَّة الزمنية في مقال طه حسين تجعله مسايرًا للأحداث الجارية، مرتبطًا بها، غير منعزل عنها، وهي لذلك ترتبط بخصيصة الإقناع عن طريق الشواهد والأمثلة المشتقة من الأحداث الجارية في الحاضر. أما الخصيصة السادسة في مقال طه حسين، فهي لا تنفصل عن الخصائص الأخرى في المقال الرئيسي، ونعني: خصيصة التوجيه والإرشاد, وهي خصيصة تختفي دائمًا وراء أسلوب طه حسين التصويري الاستقرائي, ذلك أن هذه الخصيصة تتميَّزُ عند طه حسين باتجاهه القويِّ نحو القارئ كما تَقَدَّمَ، وهو الاتجاه الذي يتميَّزُ بالإيناس والصلة المتبادلة بين الكاتب والقارئ، ذلك أن القرَّاء -كما يقول طه حسين- هم "كل شيء"٥, وأن "الكُتَّاب دائبوا التفكير في قرَّائهم إذا قرأوا, وإذا فكَّروا حاولوا الإجادة، وإذا وُفِّقُوا أو لم يُوَفَّقُوا إليها"٦. وكنتيجة لهذه الصلة القوية بين طه حسين وقرائه، وجدنا خصيصة التوجيه والإرشاد في مقاله الصحفي تختفي وراء أسلوبه الذي يسعى إلى رفع العامَّة إلى مستواه, في الوقت الذي لا يتعالى فيه على قرَّائه، وتلك مهارة "صحفية

стр. 249

لا تستعصي على كثيرين من الكُتَّاب -متى قصدوا إليها- وكانت سياسة صحفهم ترمي إليها". وفي مقال طه حسين، نجد القصد واضحًا في مهارته الصحفية التي تصل قراءه به، وتبين خصيصة التوجيه والإرشاد في مقاله من قوله: "ليس من الأشياء التي تُحَبُّ أو يُشْتَدُّ إليها الميل، أن تلقى دروسًا في الأخلاق على قوم يجب أن يكونوا قدوة في حسن الأخلاق، بل ليس من الأشياء التي تُحْتَمَلُ، أو تبتغي أن تلفت الوزراء السابقين واللاحقين إلى هذه الواجبات اليسيرة التي تفرضها الأخلاق. "وحسب الكتاب أن يلفتوا الوزراء والمشتغلين بالحياة العامَّة إلى الواجبات السياسية التي تفرضها المصلحة العامة وتحتِّمُها الأخلاق في خدمة الشعوب. والأمر يزداد مشقَّةً وعسرًا حين يتصل العهد بالسابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد، فهم معصومون من الخطأ، مبرؤون من العيب، منزَّهُون عن هذه الخصال التي يمكن أن تشين مثلك ومثلي من عامة الناس"١. ويخلص من سخريته بالوزارة القائمة إلى تأكيد خصيصة التوجيه التي لا يقبلها خصوم طه حسين. يقول: "وإذا كانت هذه حالهم فنحن جماعة الكُتَّاب نَتَجَنَّى عليهم, ونتجاوز الحدود في أمرهم حين نزعم أنهم قصَّروا في السياسة, أو أخطأوا في سبيل المنفعة العامَّة، أو أهملوا حقًّا من حقوق الناس وهُمْ كرام إلى أقصى حدود الكرم، حلماء إلى أبعد آماد الحلم، يقبلون منا التجني, ويعفون لنا عن النقد, ولا يخاصموننا في ذلك إلّا قليلًا، وقد يقرينا كرمهم فنغلو في النقد، ويطمعنا حلمهم فنغرق في التجني، وهم مع ذلك لا يغضبون ولا يعبسون، وإنما يمضون في العفو ويلحُّون في العطف، ويريحون النيابة من التحقيق، ويريحون المحاكم من القضاء، ويريحون الشرطة من أخذ الناس، ويريحون الناس من عنف الشرطة، ويعصمون أجسامهم من وقع السياط. فكيف بنا إذا تجاوزنا السياسة وشئونها, ونقدنا الوزراء السابقين واللاحقين فيما يتصل بأعمالهم وأقوالهم مما يتَّصل بالأخلاق. ولكن صناعة الكتابة، والكتابة في الصحف بنوع خاصٍّ؛ تدعو إلى شيء من التطفُّل؛ وتدفع أصحابها إلى أن يدخلوا فيما لا يعنيهم؛ ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، ويقولوا فيما لا ينبغي أن يقولوا فيه. وأكبر الظن أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد سيعفون للكُتَّاب عن هذا التطفُّل كما يعفون لهم عن ذلك التجني

стр. 250

وسيصفحون عن نقدهم فيما يمسُّ الأخلاق، كما يصفحون عن نقدهم فيما يمسُّ السياسة. فإن العفو فضيلة من هذه الفضائل الواسعة التي لا تحصر ولا تقصر ولا تتناول شيئًا دون شيء، ولا تتجاوز إثمًا دون إثم، وإنما هي ميَّالة بطبعها إلى التجاوز عن السيئات جميعًا"١. وتتصل مهمة الإقناع بهذه الخصيصة التوجيهية في مقال طه حسين الذي يحرص على نقل الإيمان بأفكاره، ولذلك احتلَّ مقاله دورًا قياديًّا في توجيه الرأي العام المصري، فهو لا يكتفي بنقل الأفكار وتفسيرها، ولا ينقل إيمانه بأفكاره بمجرَّدَ حرارة العاطفة، ولكنه يؤثر ويدون لتعلقه "بحرارة الفكر". ذلك أن المقال الصحفي عند طه حسين لم يَعُدْ مجرَّد توجيه بلاغي كما كان في طور التكوين الصحفي، بل إنه على العكس من ذلك ينهج منهجًا خاصًّا في التحرير يقوم على الدليل والبرهان، ويعتمد على الحقائق والأرقام والبيانات والإحصاءات الدقيقة، وهذه هي وسائل الإقناع والتوجيه والإرشاد، وهي تعطيه من القوَّة والتأثير مالًا يمكن أن تحققه الألفاظ الضخمة الجوفاء.

стр. 251

٢- الوحدة العضوية في بنية المقال الرئيسي: ونخلُص مما تَقَدَّمَ إلى أن بنية المقال في صحافة طه حسين "وحدة" مستقلة, فلم يكن مجرَّدَ سردٍ للحقائق، أو إتيان بالشواهد، أو إيرادٍ للأمثلة, ولكنه وسيلة للتعبير عن رأي من آراء طه حسين، أو مذهب من المذاهب التي يروّج لها في الاجتماع أو السياسة أو الفكر، ولذلك نجد طه حسين يبسط هذه الآراء والمذاهب, ويبسط الحقائق التي يوردها لقرائه، بحيث تدعم فكرة المقال وموضوعه وغايته التي تنصبُّ دائمًا حول غرض واحد. وأغلب الظنِّ أن هذه "الوحدة" التي تربط بين أعضاء المقال الصحفي عند طه حسين، إنما ترتبط بما ذهب إليه من الدعوة للوحدة العضوية في تجديد الأدب، فلاحظنا فيما سقناه من نماذج, وما أطَّلَعْنَا عليه من التراث الصحفي لطه حسين، أنه يراعي النسب بين الأفكار والشواهد, وبين الشكل الخارجي للمقال أو البناء الفني، بحيث يخرج المقال الصحفي متكامل الأجزاء متناسق الشكل والمضمون. وفي هذا الإطار الفني استطاع طه حسين أن يحقِّقَ شكلًا جديدًا للمقال الرئيسي في الصحافة المصرية، يقول من خلاله أفكارًا جديدة في السياسة

стр. 252

والاجتماع. فتوافر لمقاله التجديد والتحرُّر البياني، كما رأينا عند الحديث عن الأسلوب، على أن طه حسين قد استطاع كذلك أن يوفِّقَ بين الدوائر الثلاث المعروفة في المقال الرئيسي؛ سياسة الجريدة، وصياغة المقال، واهتمام القراء, فلم يعبِّرْ عن آرائه الذاتية كما عبَّر عنها في الأدب، بل إنه كان على وفاقٍ مع رأي الصحيفة والحزب الذي تمثِّلُه، بحيث يصعب الفصل بين رأي الصحيفة ورأي طه حسين؛ لأنه لم يكتب في صحيفة إلّا إذا كان على وفاقٍ معها، فكتب في "السياسة" حين كان على وفاق مع الأحرار الدستوريين, وكتب في "كوكب الشرق" حين اتفق مع حزب الوفد في مقاومة الحكومة الصدقية. وتأسيسًا على هذا الفهم يمكن أن نتبين في "بنية" المقال الرئيسي عند طه حسين هذه العناصر: أولًا: عنصر التقديم أو الفكرة المثيرة لاهتمام القارئ ومن ذلك تقديمه لمقال بعنوان: "لعب"١ يقول: "لعب مضحك لولا أن موضوعه التعليم! ولعب مسلي لولا أن موضوعه الشباب! لعب على كل حالٍ هذا التغيير الذي يصيب كليتين من كليات الجامعة، هما كلية الآداب والحقوق, بعد أن أصاب قانون الجامعة ولوائحها العامة. لعب على كل حال هذا النحو من التغيير والتبديل في برامج الدراسة ومناهجها, وفي نظم الدراسة وآمادها, دون أن يُتَاح لمنهجٍ أو برنامج أو نظام أمدٌ من المهلة ما يمكِّنُ من تجربته والحكم الصحيح عليه. ولكن ما الذي يمنع أن تُمَسَّ البرامج والمناهج والنظم والآماد، وقد غُيِّرَ القانون نفسه، وصدرت اللوائح العامة تصويرًا يلائم هذه المثل العليا، التي وضعتها الوزارة القائمة أمامها واتخذتها أصولًا للحكم! "٢. ويرتبط هذا العنصر ارتباطًا "عضويًّا" بعنوان المقال، الأمر الذي يؤكِّد ما ذهبنا إليه فيما يتعلق بالوحدة التي تربط بين أجزاء المقال، فالتقديم لا يمكن أن ينفصل عن عنوان المقال عند طه حسين بحالٍ من الأحوال، بل إن كليهما متمِّمٌ للآخر، ولعلَّ في ذلك ما يفسِّر إيثاره لاختيار كلمة واحدة يعنون بها المقال، وهي كلمة مشعَّة موحية بمضمونه، لا تنفصل عن مقدمته أو صلبه

стр. 253

أو خاتمته، ومن ذلك مقال بعنوان "شجاعة"١ "شجاعة" بارعة رائعة"، شجاعة فائقة رائعة، شجاعة سامقة ماحقة, هذه التي يُظْهِرُهَا بعض النواب من حين إلى حين! شجاعة لا أدري كيف يحتملها أصحابها، وكيف يثبتون لأثقالها الثقيلة، وأهوالها الهائلة، مع أنها مخيفة حقًّا، مروعة حقًّا؛ ومزعجة حقًّا للآمنين والخائفين على السواء! "شجاعة نادرة باهرة هذه التي يتخذها بعض النواب إذا تحدَّثوا عن خصومهم أفرادًا وجماعات تحت قبة البرلمان، فهم يطلقون ألسنتهم في هؤلاء الخصوم بالحق والباطل، وبالخطأ والصواب، وبالجدِّ والهزل, لا يُقَدِّرون شيئًا، ولا يحسبون حسابًا؛ وإنما ينطلقون وكأنما خُلِّيَ بينهم وبين الحركة، فليس إلى تسكيتهم ولا تهدئتهم من سبيل"٢ إلخ. ويرتبط العنصر الثاني من عناصر تحرير المقال الرئيسي، ونعني: عنصر الحقائق والشواهد المؤيدة للفكرة، بعنصر التقديم ارتباطًا عضويًّا وثيقًا، ولكن هذه الوحدة "العضوية" في مقال طه حسين، لا تقوم على الترتيب الاحتمالي، بقدر ما تقوم على ترتيب المنهج الديكارتي في الاستقراء, والذي سبق أن تَبَيَّنَّاه في مقال طه حسين. ويقصد بالوحدة العضوية في مقال طه حسين، وحدة الموضوع، ووحدة الأفكار والآراء التي يثيرها الموضوع، وما يستلزم ذلك من ترتيب الشواهد المؤيدة لهذه الأفكار والآراء ترتيبًا استقرائيًّا به يَتَقَدَّمُ المقال شيئًا فشيئًا, حتى ينتهي إلى "خلاصة" تمثِّلُ العنصر الأخير من عناصر التحرير في مقال طه حسين، يستلزمها هذا الترتيب الاستقرائي للأفكار والشواهد والصور، بحيث تبدو عناصر المقال كالبنية الحيَّة، لكل جزء وظيفته فيها، ويؤدي بعضها إلى بعض عن طريق التسلسل في التفكير والمشاعر. وتقوم هذه الوحدة في مقاله طه حسين على التفكير الإبداعي النابع من رؤياه الإبداعية في منهج المقال، وفي الأثر الإقناعي الذي يريد أن يُحْدثه في قرائه، وفي الأجزاء التي تندرج في أحداث هذا الأثر الوظيفي بصفة عامة، بحيث تتمشَّى مع بنية المقال بوصفها وحدة حية، ثم في الأفكار والآراء والشواهد التي يشتمل عليها كل جزء، بحيث يتحرَّك به المقال إلى الأمام لإحداث الأثر الوظيفي المقصود منها، عن طريق التتابع الاستقرائي، وتسلسل الشواهد أو الأفكار، ووحدة الطابع, والوقوف على المنهج على هذا النحو -الذي تَعَرَّفْنَا عليه عند الحديث عن الرؤيا الإبداعية في مقال طه حسين- يساعد على ابتكار الأفكار الجزئية والشواهد التي تساعد على توكيد الأثر الوظيفي المراد في

стр. 254

المقال، ذلك أن أبعاد الرؤيا الإبداعية في مقال طه حسين، تظهر لنا أنه يدرك منهجه جملة وفي وضوح قبل الشروع في الكتابة والتحرير، وهو المنهج الذي يشبه ما قاله ابن طباطبا في وصف عملية الشعر على الطريقة العربية، إذ يقول: "فإذا أراد الشاعر بناء قصيدته مَحَّضَ المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرًا، وأعدَّ له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه. فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعْمَلَ فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني، على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه، بل يلعق كل بيت يتفق له نظمه، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله، فإذا أكملت له المعاني، وكثرت الأبيات, وفَّقَ بينها بأبيات تكون نظامًا لها، وسلكًا جامعًا لما تشتَّتَ منها.. ويسلك الشاعر منهاج أصحاب الرسائل في بلاغاتهم، وتصرفهم في مكاتباتهم، فإن للشعر فصولًا كفصول الرسائل"١، وإذا صحَّ هذا المنهج في الشعر فإنه من باب أولى يصدق على منهج تحرير المقال، وهو الأمر الذي يضمن للمقال وحدة محكمة بين عناصره، صادرة عن ناحية وحدة الموضوع ووحدة الفكرة، ووحدة الشواهد التي يتضمنها، ذلك أن المقال الصحفي ليس مجرَّدَ سرد للحقائق, ولكنه وسيلة وظيفية للتعبير عن الرأي أو المذهب، أي: أن الوحدة في المقال الصحفي تقضي بها طبيعة الموضوع ووحدة الأثر الوظيفي الناتج عنه، الأمر الذي يفرض معالجة تحريرية يظهر بها المقال كأن له وحدة مستقلة بذاتها، وتقتضي هذه الوحدة استيفاء كل شاهد من شواهد المقال, وكل فكرة من أفكاره في موضعها المحدَّد لها من بنيته، قبل الانتقال إلى الشاهد التالي أو الفكرة التالية؛ وهو الأمر الذي يتوفَّر في مقال طه حسين، لتمثُّله الترتيب الاستقرائي في بنية المقال، كما تَقَدَّمَ. ويتفق هذا الترتيب الاستقرائي لعناصر المقال الصحفي عند طه حسين، مع الترتيب الذي استقرأه الباحثون في الصحافة، كما يبين من النموذج التالي:

стр. 255

مخطَّط يسحب اسكنر. وتقوم هذه العناصر التي يتألَّفُ منها المقال الصحفي في أدب طه حسين على ما يسميه "ديكارت"١ بنظام الأسباب "الملائم، والذي يعني السير بالأفكار والشواهد بنظام، فيبدأ المقال بأبسط الموضوعات أو الشواهد, ويرتقي بالتدرُّج إلى معرفة أكثر الموضوعات تركيبًا، ولكنه يفرض "نظام الأسباب" الديكارتي حتى بين الموضوعات أو الشواهد التي لا تتتالى بالطبع، وهذا النظام هو الذي يحدِّدُ إطار الوحدة العضوية في المقال لتشمل البداية والتمهيد والصلب والخاتمة. وللوحدة أثر في الشواهد والحقائق المؤيدة للفكرة، إذ تصبح كالبنية الحيَّة في تحرير المقال، وإذكاء الإقناع فيه. فهي تتعاون جميعًا لرسم الصورة العامة للمقال، وتقدمها فيه على حسب المنهج الاستقرائي عند طه حسين في الإقناع. ولنضرب مثلًا هنا بمقالٍ رئيسيٍّ في "حديث المساء" وعنوانه: "صراع ... "٢ وفيه يصوّر الصراع بين القومية المصرية والتسلُّط الأجنبي"٣ في الثلاثينيات، فيبدأ مقدمة المقال بهذه الفقرة التي لا تنفصل عن العنوان: بدأ منذ أسابيع -"أي الصراع"- ولسنا نعرف متى ينتهي ولا كيف

стр. 256

ينتهي، وإن كُنَّا نعرف حقَّ المعرفة كيف نريد، وكيف ينبغي أن ينتهي. وهو هذا الصراع بين القومية المصرية، والتسلُّط الأجنبي. إن هذا الصراع قائم منذ أمد بعيد، ولكنه لم يأخذ شكله الحادَّ العنيف إلا في هذه الأيام، كما أنه لم يختر لنفسه ميدانًا معينًا مرسوم الحدود إلّا في هذه الأيام أيضًا"١. ثم ينتقل إلى صلب المقال، فيصل بين التقديم وبين الشواهد: "ففي هذه الأيام ظهر الصراع بين القومية المصرية والتسلُّط الأجنبي حادًّا عنيفًا في المحاكم المختلطة, وهو قد اختار لنفسه إلى الآن ميدانين واضحين كل الوضوح، محددين كل التحديد؛ فأما أولهما: فرياسة الدوائر، وأما ثانيهما: فاصطناع اللغة العربية في كتابة الأحكام"٢. ومن ذلك يبين المنهج الاستقرائي في بنية المقال، فهو يقسِّم المشلكة إلى ميدانين واضحين، ويبدأ من "الكلي" إلى "الجزئي"، فالكلي في تقديم المقال هنا هو: الصراع بين القومية المصرية والتسلُّط الأجنبي، والجزئي: هو ما يتفرَّع عن تقسيم المشكلة من شواهد، يقوم فيها بإحصاءات شاملة وفقًا للمنهج الديكارتي، سواء في الفحص عن الحدود الوسطى, أو في استعراض عناصر المسألة؛ بحيث يتحقق أنه لم يغفل شيئًا. فالمنهج التحريري في مقال طه حسين إذن استنباطي استقرائي يضع المبادئ البسيطة الواضحة, ويتدرج منها إلى النتائج. وفي المقال المتقدِّم، يتدرج في استقصاء شواهده، ثم يتدرج في تصوير الصراع بين القومية المصرية والتسلُّط الأجنبي، من خلال الشواهد والحقائق التي تؤيد فكرته الكلية التي طرحها في مقدمة المقال، يقول طه حسين في صلب المقال: "أما في الميدان الأول: فكان من حق القومية المصرية أن تنتهي إلى ما تريد في غير جدال ولا حوار، وفي غير أخذٍ ولا رَدٍّ طويلين, فليس هناك موانع من نصِّ القانون تحول بين القضاة المصريين وبين رئاسة الدوائر حين تتاح لهم هذه الرياسة، ولكن القومية المصرية مع ذلك لم تظفر بشيء إلى الآن, والله يعلم متى تظفر بما ينبغي لها من الفوز. والغريب أن امتناع الفوز عليها لم يأت من ضعف القضاة المصريين في الاستمساك بها, ولا من ظهور هؤلاء القضاة, ولكن ذلك جاء من أن الوزارة التي كان يجب أن تحمي ظهر هؤلاء القضاة قد انكشفت وأسلمت، ولم تستطع أن تَثْبُتَ في موقفها، ولا أن تحتفظ بحقها، بل لم

стр. 257

تستطيع أن تنظم انكشافها تنظيمًا ملائمًا للحق والكرامة, فقد كان وزير الحقانية يؤيد القضاة كل التأييد، يعلن ذلك في مجلس النواب, ويؤكد ذلك في مجلس الوزراء، ويكتب في ذلك إلى رئيس محكمة الاستئناف, فما هي إلّا أن يردَّ عليه الرئيس ردَّه القاسي المعروف حتى يكشف عنه زملاؤه، ثم ينكشف هو عن القضاة، وإذا الناس يشيعون هم بالاستقالة، وإذا رئيس الوزراء يكذب هذه الإشاعة، وإذا هو يهيئ رده على رئيس الاستئناف، ثم ينتظر بهذا الرد أيامًا، ثم يقال: إن هذا الردَّ مُحِّصَ تمحيصًا، ونُقِّحَ تنقيحًا، وإذا قضية المعاشات تؤجَّل أشهرًا طوالًا, وتنقل إلى دائرة أخرى، ثم يرسل الوزير رده بعد الأناة والانتظار، ثم تَتَقَدَّمُ الوزارة إلى مجلس الشيوخ, فيعلن رئيس الوزراء أن المسألة ستحل بالمفاوضات, أي: كما رأت الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة.. إلخ"١. ويخلص من استعراض هذه الشواهد وفق "نظام الأسباب"، بالنسبة للميدان الأول من ميادين الصراع بين القومية المصرية والتسلط الأجنبي، إلى نتيجة طبيعية لتسلسل الشواهد التي ساقها المقال، يقول: "لم تظفر القومية المصرية إذن بشيء في هذا الميدان، لا لأن القضاة قصَّروا، ولا لأنَّ الأمة قصرت، ولا لأن الصحف قصَّرت، بل لأن الوزارة آثرت أن تتراجع، وأن تختار أيسر الأمرين، وأقلهما كلفة, وأبعدهما من الجهد والعناء، وأضمنهما للراحة والسلام وطول البقاء"٢. ثم ينتقل من هذه الخلاصة، إلى القسم الثاني من "المشكلة", مرتقيًا بمقاله تدريجيًّا إلى معرفة أكثر الموضوعات تركيبًا، من خلال نظام الأسباب الذي يصل بين أجزاء المقال: "وأما في الميدان الثاني فمن حق القومية المصرية أيضًا أن تنتهي إلى ما تريد من غير حوار ولا جدال, ومن غير أخذ ولا رَدٍّ, وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى ما تريد، لا لأن الوزارة ستثبت في الذَّوْد عنها أكثر مما ثبتت في الميدان الأول، بل لأنها ليست في حاجة إلى أن تؤيدها الوزارة، وإنما هي في حاجة إلى أن يؤيدها القضاة المصريون، ولم يعرف أحد عن القضاة المصريين إلى الآن أنهم بخلوا على قوميتهم بالنصر والتأييد مهما تكن الظروف. ذلك أن القوانين صريحة في أن لغة القومية المصرية إحدى اللغات الرسمية للمحاكم المختلطة، وقد أراد أحد المستشارين المصريين الأستاذ عبد السلام ذهني بك أن ينفِّذَ نص القانون، فكتب أحكامًا باللغة العربية، وليست هناك قوة تستطيع أن تحوِّلَ الأستاذ المستشار وزملاءه عن رأيهم إلّا أن تكون هناك قوة تستطيع أن تلقي القانون أو أن تغيِّرَه، أو أن تحمل القضاة على ألّا ينفذوه كاملًا.

стр. 258

"وإذن القومية المصرية ظافرة من غير شك في هذا الميدان إلّا أن تتكشَّف الأيام والحوادث عن بعض وأن تتكشَّف عنه في هذه الظروف البديعة من الأعاجيب ... إلخ". وينتهي من تسلسل هذه الشواهد إلى سَوْقِ رأيه في هذه المسألة: "على أننا نعتقد أن الصِّرَاع بين اللغة العربية واللغات الأجنبية في المحاكم المختلطة لا ينبغي أن ينتهي عند هذا الحدّ، بل ينبغي أن يتَّسِعَ ميدانه، ويخيل إلينا أن المستشارين ليسوا إلا قادة في هذا الصراع, ولا بُدَّ من أن يتبعهم غيرهم، أن تكون اللغة العربية أداة عملية لا لكتابة الأحكام فحسب، بل المرافعات أيضًا يجب أن يخاصم المحامون المصريون والشرقيون باللغة العربية, ويجب أن تخاصم النيابة باللغة العربية أيضًا. ثم لا ينبغي أن يكون هذا مقصورًا على محكمة الاستئناف، بل يتجاوزها إلى المحاكم الابتدائية, فيجب أن تُكْتَب أحكام, وأن تكون مرافعات باللغة العربية فيها. وما دام القانون الذي لا سبيل إلى الخروج عليه يقرُّ اللغة العربية على ما يُرَاد لها من الحقِّ, فنحن واثقون بأن رجال القضاء والنيابة والمحاماة من المصريين والشرقيين لن يبلخوا على لغتهم بهذا الحق, ولن يقصروا في الذود عنه حتى تفرض هذه اللغة على المحاكم المختلطة فرضًا"١. هذا، وقد يستهل المقال بعنصر "الشواهد" المشتقة من الواقع والمعتمدة على الأخبار والماجريات، والتقارير الإخبارية، وفي هذا النَّمَط من أنماط التحرير في مقال طه حسين، نجد توجيهًا للمقال الافتتاحي في الصحافة المصرية الحديثة، إلى أن يصبح إخباريًّا في جوهره، بمعنى أنَّ ما فيه من رأي ومن توجيه ومن ترفيه يعتمد على الأخبار وتفسيرها واستغلالها في تأييد رأي سياسي أو آخر". على أن هذا النمط الإخباري في تحرير المقال الصحفي عند طه حسين يرتبط ارتباطًا وثيقًا كذلك بقواعد المنهج الديكارتي، الذي يعتمد على تقسيم المشكلة ما وسعه التقسيم طلبًا للوضوح، ولذلك يضع المبادئ البسيطة الواضحة التي يشتقها من التقارير الإخبارية، ويتدرَّج منها إلى النتائج. ويبين هذا النمط الإخباري في مقال طه حسين، من مقال في "حديث المساء" بعنوان: "فضائح"٢، حيث تتخذ المقدمة النمط الخبري التالي: ١- مقاول أنشأ لبلدية الإسكندرية جزءًا من شارع الكورنيش.

стр. 259

٢- جماعة من المصريين في أبي جرج يظلمون، وتفرض عليهم ضرائب إضافية. ٣- مهازل الدقهلية وعبث الإدارة برجال التعليم الأولى، يريدون الطربوش ولهم في ذلك الحق كل الحق وتريدهم هي على العمامة، جورًا وبغيًا"١. ثم ينتقل من هذه المقدمة الإخبارية لمقاله، إلى مناقشة كل عنصر من عناصرها، من خلال إحصاءات شاملة لكل مسألة من هذه المسائل الثلاث، بحيث يتحقَّق القارئ أنه لم يغفل شيئًا، ويتدرَّج منها إلى "خلاصة المقال" التي تستطيع أن تحقِّقَ في هذه الفضائح التي تذاع، والتي لا بُدَّ من توضيح الحقيقة فيها، ليعلم المصريون إلى أين يذهبون، وليعلم الأجانب مع من يعيشون. أفتظن أن هذه الوزارة ستضطر إلى أن تترك مناصبها، لتخلفها وزارة أخرى أقدر منها على حماية مصالح الشعب، وصيانة كرامة البلاد، وإقناع العالم المتحضِّر بأن مصر ليست بلد الشر, ولا مستقَرَّ الفساد، وإنما هي بلد متحضر راقٍ كغيره من البلاد المتحضِّرَة الراقية، قد يأثم فيه الناس, ولكنهم لا يلبثون أن يلقوا الجزاء على ما اقترفوا من الآثام"٢. وبهذا المنهج في تحرير المقال الصحفي، تمكَّن طه حسين من تحقيق الوحدة بين دوائر المقال, الأمر الذي يسَّر لهذا المقال أن ينقُدَ ويوجِّه ويعارِض ويؤيد، ولذلك ازدهر هذا المقال الصحفي عند طه حسين في الاتجاه السياسي، الأمر الذي كان له أثره في تنمية الثقافة السياسية العامة للأمة بفضل وسيلة الاتصال الصحفي.

стр. 260

٣- طه حسين كاتب المقال الرئيسي: على أن طه حسين قد تمتَّع بجملة من الصفات أهَّلته لِأَنْ يستخدم هذا المنهج التحريري في المقال الرئيسي في الصحافة المصرية، منها: أولًا: أن طه حسين -كما رأينا- قد تمتَّع بحاسَّة صحفية دقيقة يتذوَّقُ بها الأحداث الجارية في محيطه، والأحداث الجارية في خارج هذا المحيط, وقد غذَّت هذه الحاسة الصحفية مصادر ثقافته الواسعة التي تنوعت في ينابيعها، وتكوينه الصحفي في مدرسة الجريدة، واطِّلاعه الناقد على الصحف الفرنسية أو المعبِّرة بالفرنسية، ومتابعته للصحف المصرية والعربية, كما سبق

стр. 261

أن رأينا في شواهد مقاله، التي تشير إلى إلمامه الدقيق باتجاهات كل صحيفة يستشهد بما جاء فيها، بل إن الكثير من مقالات طه حسين، قد حرص على تفسير هذه الاتجاهات السياسية، ومن ذلك وصفه لـ"كاسترو" رئيس تحرير "الليبرتية" الموالية للوزارة النسيمية، بأنه "ذو الوطنية الزجاجية, ذو المصرية المتهمة. كاسترو المصري دون أن يتكلَّم لغة المصريين"١, ويضرب به المثل للصحفيين "الغرباء" الذين يستأجرهم "المصريون ليهينوا المصريين"٢. ويصف هذه الصحيفة بأنها "يوحى إليها"٣ من الوزارة الإدارية التي تنفق عليها لتنال "من الأحرار الدستوريين"٤ وغيرهم, كما يكشف اتجاهات الصحف الوزارية الأخرى مثل صحيفة "الأفكار"٥, التي يهبط إليها "الوحي من إحدى السماوات السياسية في مصر وهي كثيرة, بأن هناك خطة سياسية جديدة"٦. ويصف صحيفة "الأفريكان ورلد"٧ بضآلة القدر وصغر الشأن٨، ويسخر مما كتبته "الأفريكان ورلد"٩, ويتحدث عن رأيها في الوزارة الائتلافية على أنه حلمٌ من أحلام رئيس الوزراء، وأمنية من هذه الأماني التي تعبث برأس الرجل الضعيف، ولا سيما حين يستريح في ظل "الأهرام"؟! حيث تكثر الصور والأشباح التي تؤرِّق قومًا, وترسل الأحلام إلى آخرين! ولكن "السياسة" و"الأهرام" لم تسخرا مما كتبته "الأفريكان! "١٠. و"أما" السياسية " فالظاهر أنها خرصت على أن تعيد للناس ما لم يشك أحد فيه من الأحرار الدستوريين" يحرصون على أن "تجتمع كلمة المصريين على مقاومة الوزارة القائمة والذين يؤيدونها من الإنجليز"١١. وتبين هذه الحاسة الصحفية الدقيقة من استخدامه الاستقرائي للعناصر الإخبارية في شواهد مقاله الصحفي، ومن ذلك مقال في "حديث المساء" بعنوان: "موقعه"١٢، يشير فيه إلى ما نشرته الأهرام من أن "الحكومة دفعت إلى السودان ثلاثة أرباع المليون تعويضًا لمن سيصيبهم الضرر من إقامة الخزان قبل أن تصدر الميزانية، بل قبل أن يقرَّها البرلمان, ودون استئذان للبرلمان في دفع هذا المقدار الضخم من المال لحكومة السودان, فإن يكن هذا حقًّا فلا تفسير له إلّا إحدى اثنتين, فإما أن يكون البرلمان مستعدًا أحسن الاستعداد للنزول عن حقوقه الدستورية للحكومة اعترافًا بجميلها عنده وفضلها عليه.

стр. 262

وأنا أنكر هذا وأراه بعيدًا، لأن البرلمان حفيظ على الدستور لا ينزل عنه كله أو بعضه لإنسان كائنًا من كان, ومهما يكن له عليه من فضل أو جميل, وإما لأنَّ مرض رئيس الوزراء قد أعدى البرلمان بعض الشيء فأصابه هذا الفتور الشامل الذي يصيب المرضى والمعقدين، فتقصر ذاكرتهم ويقل حظهم من الملاحظة والمراقبة لما يجري حولهم من الحوادث, وما يثور بين أيديهم من المشكلات.. وأكبر الظن إن صحَّ هذا الخبر أن البرلمان لم يتعمَّد الإعراض عن هذا العمل الغريب من أعمال الحكومة, وإنما اضطره النسيان والضعف إلى هذا الإعراض والتقصير، فلعله ذاكر ما نسي، ومقبل على ما أعرض عنه، ومعنيٌّ بما فرض فيه، ومن المحقق الذي لا شك فيه أن مجلس النواب قد أقرَّ أمس قانونًا ينظِّمُ تعيين الأساتذة والمدرسين في الجامعة وتأديبهم, وأُقِرَّ هذا القانون في جلسة واحدة"١. ومن ذلك يبين أن صلب المقال يقوم على شواهد إخبارية، تُستَخْدَم استخدامًا استقرائيًّا من خلال حاسَّة صحفية دقيقة تتيح للكاتب أن ينفذ إلى مغزى الأخبار, وما يحمله الخبر من المعاني والتنبؤات, وتقوم هذه الحاسة الصحفية عند طه حسين، كما ذهب إلى ذلك في وصف الدكتور محمود عزمي٢، على أن يكون الصحفي "من أعلم الناس بمصر، وبما يحدث فيها من الحوادث، ومن يضطرب فيها من الناس، وهو كذلك عالم حق العلم بطبيعة الحياة والأحياء في هذا البلد"٣, فالصحفي لا يتصور "الأشياء من بعد، ولا ينتظر من الناس أكثر مما كان ينتظر منهم"٤، وذلك أنه يجب أن يكون مقيمًا في قومه "يراهم كل يوم"، ويتحدث إليهم كل يوم، ويرى وقع الحوادث في نفوسهم، ويسمع تعبير ألسنتهم عن وقع هذه الحوادث، واضطراب أصواتهم بما تجد نفوسهم من لذَّةٍ وألم, ومن نعيم وبؤس, ومن سرور وحزن، ويحسُّ في أثناء هذا كله ما تخفيه الضمائر الخفية من رضى وسخط, ومن رجاء ويأس"٥. والواقع أن هذه المكونات للحاسَّة الصحفية إنما تنبع من ذات طه حسين وصحافته، التي تقوم على هذه المقومات، وعلى هذه الحاسة الصحفية التي وصف بها صديقه, وهي الحاسة التي تكمن وراء نجاح المقال الرئيسي في صحافة طه حسين, وخاصة في المجال السياسي. ثانيًا: أن طه حسين قد تمتَّع بحاسَّة تاريخية كذلك، استطاع عن طريقها ربط الماضي بالحاضر، والتكهن بالمستقبل، على أن هذه الحاسة تدعمها أيضًا ثقافة طه حسين التاريخية، التي تشكِّل عنصرًا هامًّا من عناصر ثقافته الصحفية، وإذا كانت معاهد الصحافة في العالم قد لاحظت أهمية هذا العنصر في ثقافة

стр. 263

الصحفي١، فإن التاريخ عند طه حسين أصبح "ينكر فلسفة التاريخ ويقنع بشيء واحد متواضع، ولكنه جليل الخطر, وهو الوصول إلى استكشاف الحقائق التي وقعت في الماضي استكشافًا علميًّا صحيحًا معتمدًا على البحث لا على الفلسفة, فهو كالكيمياء لا يزعم لنفسه القدرة على تحويل المعادن وإيجاد الذهب, وإنما يزعم لنفسه البحث عن الحقائق من حيث هي حقائق لا أكثر ولا أقل"٢. وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن هذه الحاسَّة التاريخية عند طه حسين تتيح لنا "التنبؤ بما سيكون, ما دمنا قد استطعنا أن نعرف ما كان"٣ ويذهب طه حسين من ذلك إلى أن "التاريخ فنٌّ يعين على استكشاف المستقبل بفضل ما يعلم من حقائق الماضي"٤, ولكنه يذهب إلى أننا قد علمنا أشياء كثيرة، ولكن ليس من شكٍّ في أننا لم نؤت من العلم إلا قليلًا، وفي أن ما نجهله أكثر جدًّا مما نعلمه، وليس من شك كذلك في أننا قد حقَّقْنَا من الرقي شيئًا كثيرًا في حياتنا العاملة والعاقلة"٥. ومن ذلك يبنن أن الحاسَّة التاريخية في مقال طه حسين هي التي تمكِّنُه من ربط الماضي بالحاضر والتكهن بالمستقبل، أو كما يقول في مقال رئيسي بعنوان: "نذير"٦. "قليل من الناس يستطيع أن ينصرف عن حديث اليوم إلى حديث أمس, وقليل جدًّا من الناس يستطيع أن ينظر إلى أحداث اليوم, ويتبين منها أحداث غد. ذلك لأن الحوادث الحاضرة التي تحيط بنا تشغلنا عن الماضي، والمستقبل جميعًا، وتحدُّ أعمالنا وتفكيرنا، فإذا نحن مثلها موفقون في كل ما نأتي وما نقول. ولو قد أتيح لكثير من الناس أن يفكروا في أمس، لاعتبروا بما كان فيه، ولجنبوا أنفسهم شرًّا كثيرًا, ولو قد أتيح لكثير من الناس أن يتبينوا ما ستشكف عنه غدًا أحداث اليوم، لأعرضوا عن كثير من الأعمال ولجنَّبُوا أنفسهم آلامًا كثيرًا، وضروبًا من الخطأ"٦ إلخ. وقد ظهرت آثار هذه الحاسَّة التاريخية فيما كُتِبَ من مقالات صحفية, فهو يقول في المقال المتقدم: "والظاهر أن الوزراء ورجال الحكم هم أشد الناس إعراضًا عن أمس،

стр. 264

ونفورًا من غد! وهم لذلك أشد الناس تعرضًا للخطأ، وتورطًا في الشر والإثم! وكأن الوزارة كما صورتها جريدة الشعب منذ أيام في تشبيه بديع, خمر معتَّقة لا يكاد يذوقها شاربها حتى ينسى كل شيء! فتمحو من نفسه أمس وتلقي بينه وبين غد حجاجًا صفيقًا! "١. ثم يذهب بعد ذلك إلى ربط ماضي مصر القريب بحاضرها، ليذكِّرَ الناس بالديمقراطية والدستور اللذين سلبهما صدقي ووزارته. وقد تعرَّفْنَا فيما تَقَدَّمَ على استخدام التاريخ في مقال طه حسين استخدامًا وظيفيًّا، فهو لا يقف موقف الحكم على صحة القضايا التاريخية أو بطلانها، وإنما يتوسَّلُ بأحداث التاريخ ونتائجه في التوجيه الوظيفي للمقال، فهو يحب الديمقراطية ويؤيدها، وليس المهم عنده صورة الحكم، أو نظام السلطة, وإنما المهم أن يكون هناك تساوٍ وديمقراطية، يضرب لها مثلًا بما شاهده في مؤتمر بلجيكا من ديمقراطية ملكها وحب الشعب له: "لا رقي للشعوب ولا استقرار للعروش إلّا إذا كانت الديمقراطية الصحيحة الواسعة أساس الصلة بين الشعوب والعروش"٢. ولعل طه حسين يتفق في ذلك مع "تين"؛ فكلاهما يبحث عن حلٍّ للقضايا الاجتماعية من خلال نظرته للتاريخ ومراجعته للماضي، وكلاهما يريد تقدُّمَ وطنه وأمته، ويستمِدُّ من التاريخ توجيهًا للسمتقبل٣. كما أنهما يتفقان في أن كلًا منهما يجمع من الأعمال قانونًا عامًّا, ويستخدم المنطق ولكن بأسلوبه وصوره٤، ونجد آثار ذلك فيما كتبه طه حسين "من بعيد" في صحيفة "السياسة" اليومية، بعنوان: "مؤتمر العلوم التاريخية" يقدِّمُ فيه خلاصة ما دار في هذا المؤتمر, وكان قد قدَّمَ فيه "نصَّ معاهدة دفاعية هجومية" عقدت سنة ٦٩٢هـ سنة ١٢٩٢م بين الملك الأشرف خليل بن قلاوون وابن جايم الثاني ملك أراجون وأخويه وصهريه، وكلهم ملوك أسبانيا المسيحية، حاول في موضوعه أن يقوم بمهمتين؛ الأولى: تصحيح هذا النص وتقويم ما فيه من الاضطراب والتحريف, الثانية: إثبات أن هذا النص صحيح من الوجهة التاريخية, وأن هناك معاهدة عقدت حقًّا بين مصر وأسبانيا المسيحية في ذلك العصر٥. ويتضح الاستخدام الوظيفي للتاريخ في مقال طه حسين، من مقال بعنوان:

стр. 265

"دائرة"١ يشير فيه إلى "الشعوب التي فتحت مصر وأخضعتها لسلطانها, وسلطت عليها شيئًا غير قليل من الظلم والجور, فلم تمح شخصيتها, ولم تلهها عن حقها واستقلالها "وقد ذكر" العرب بين هذه الشعوب"٢ ولم يذكر الفتح العربي: "وأنا واثق بأن الفتح الإسلامي قد حمل إلى مصر خيرًا عظيمًا؛ لأنه حمل إليها الإسلام، ولكني واثق أيضًا بأن الحكم العربي في مصر لم يكن كله عدلًا وبرًّا, وإنما كثر فيه الجور والبغي على مصر, كما كَثُرَ على غيرها من البلاد الإسلامية بعد أن استحالت خلافة الخلفاء الراشدين إلى ملك قوامه البطش والقوة. وتاريخنا المصري حافل بظلم العُمَّال وبغي الولاة وارتفاع شكاة مصر إلى قصور الخلفاء من بني أمية وبني العباس؛ حيث كانت تهمل كثيرًا وتظفر بإنصاف الخلفاء أو محاولتهم للإنصاف أحيانًا. ولست أكتب هذه الكلمة لأفصِّل تاريخ الحكم العربي في مصر, إنما أريد أن أبيِّنَ لكم ولإخواننا العرب أني حين أشرت إلى العرب في ذلك المقال -"دائرة"- لم أرد غضًّا من أحد, ولا إساءة إلى أحد, وإنما أردت تقرير الحق في نفسه, والدفاع عن حق مصر الحديثة في الحرية والاستقلال"٣. ومن ذلك الرد الذي كتبه طه حسين على ما نُشِرَ في جريدة "فتى العرب"٤ الدمشقية حول مقال "دائرة" يبين أن طه حسين يستخدم التاريخ استخدامًا وظيفيًّا، يتضح في هذا المقال من "الدفاع عن حق مصر الحديثة في الحرية والاستقلال". وليس الأمر كما صوَّره السوريون أمرًا "شعوبيًّا"، يهدف إلى الغضِّ من "القومية العربية"، فذهبوا تأسيسًا على تصورهم إلى "النذير بمقاطعة كتب طه حسين وتحريقها٥، ذلك أن طه حسين يؤكد لهؤلاء ولغيرهم أنه ليس شعوبيًّا ولم يكن "في يوم من الأيام شعوبيًّا، وإنما أنا رجل عربي الهوى؛ إذا سألت عواطفي وميولي ومثلي العليا في الأدب، فإذا ذهبت مذهب العلم في البحث والدرس فأنا رجل حريص على الإنصاف الخالص أجدُّ فيه ما وجدت إلى الجَدِّ فيه سبيلًا, ولا أوثر أمة على أمة, ولا شعبًا على شعب؛ لأن العلم لا يبيح لأهله مثل هذا الإيثار. وإذا ذهبت مذهب المتحدثين في السياسة المصرية, فأنا مصريٌّ قبل كل شيء وبعد كل شيء, لا أعدل بمصر بلدًا, ولا أوثر على الشعب المصري شعبًا آخر مهما يكن"٦. وقد سبق أن تعرَّفْنَا على الاستخدام الوظيفي للتاريخ في شواهد المقال الصحفي عند طه حسين، ونكتفي في هذا الصدد بأن نشير إلى نماذج من مقالاته

стр. 266

الصحفية التي يستخدم فيها التاريخ القريب والبعيد استخدامًا وظيفيًّا يقوم على حاسَّته التاريخية العلمية. ومن ذلك مقال بعنوان: "خاتمة"١, يتحدث فيه عن "عيد" من الأعياد التي مَرَّت بالمصريين أثناء فترة النكبة الدستورية فيذكر "عيدًا شُغِلَ فيه المصريون عن لذَّةِ الحياة وعن التحية والتهنئة.."؟ "كان ذلك قبل الحرب الكبرى حين شبَّت نار الحرب بين تركيا ودول البلقان، وحين دنت جيوش البلقانيين من قسطنطينية، وعرَّضت دار الخلافة للخطر، هناك شُغِلَ المصريون عن العيد، واتصلت نفوسهم بعاصمة الخلافة، يشفقون عليها، ويتمنَّون لها النجاة، وقد استجاب الله يومئذ لهذه النفوس، فلم تقتحم جيوش العدو خطوط المسلمين, وذاق المسلمون لذَّة الحياة فيما بقي من أيام العيد..! "أما عيدنا هذا الذي نحن فيه فقد شُغِلَ المصريون عنه شغلًا متصلًا, ومع أن الصحف لم تنقطع بل أخذت تنقل إليهم الأنباء، وتذيع فيهم الأخبار، فقد ظلوا قلقين مضطربين، تترجع نفوسهم في السماء بين اليأس والرجاء، أيّ الخصمين ينتصر في هذه الحرب الضروس التي تشب نارها، ويتلظَّى أوارها حول سمنود..! أهو الجيش الظافر! أم هو الرئيس الزائر....؟ "٢. وفي مقال آخر يلجأ إلى التاريخ القريب يستدعيه في موضوعه، ليقرن بين أمرين متشابهين كما يبين من مقال بعنوان: "استجواب"٣ حيث يبدؤ بقوله: "أظنه الاستجواب الثاني في تاريخ مجلس النواب القائم, فأما الأول فكان حول الجامعة, وكان المجلس حريصًا كل الحرص على أن يتعجَّل اليوم الذي يعرض فيه؛ لأن حياة الدولة يومئذ كانت تتعرض لخطر شديد, وقد عرض هذا الاستجواب وخرجت منه الحكومة ظافرة, وخرج منها المجلس منتصرًا، وخرجت منه الدولة آمنة في حياتها مطمئنة على مستقبلها"٤. "أما الاستجواب الثاني: فهو هذا الذي تحدَّث المجلس أمس في تحديد موعده، وهو استجواب أقلَّ ما يوصف به أنه ضئيل الخطر, يدل على فراغ البال والعناية بصغائر الأمور، فهو يدور حول جبل الأولياء وأي شيء يكون جبل الأولياء"٥.

стр. 267

ويخلص من هذين الاستجوابين: الماضي والحاضر، إلى أن "الأمور مرهونة بأوقاتها, وأن سقوط الوزارة قد يكون, ولكن في الوقت الموقوت، وهذا الوقت الموقوت قد يكون في يونيو, وقد يكون في يوليو, وقد يكون قبل ذلك, وقد يكون بعد ذلك، ولكنه لن يحين إلّا بعد أن يتمَّ التدبير والتقدير لإقامة الخزان. فليؤجل الاستجواب شهرًا، وليؤجل الاستجواب شهرين، ولينظر الاستجواب قبل الشهر أو قبل الشهرين، فلن تفيد مصر من تأجيله أو تعجيله شيئًا"١. ثالثًا: أن طه حسين نتيجة لثقافته العريضة، والمتعمقة في بعض المجالات؛ كالأدب العربي والأدب الفرنسي والتاريخ والعلوم السياسية وغيرها، تمكن من الوقوف على المعلومات التي تمكِّنُه من الحكم الصائب والنظر الصادق، والتوجيه السليم. ولعل في ذلك ما يفسِّرُ رؤياه للجامعة كبيئة لا يتكوّن فيها العالم وحده والعامل وحده، وإنما يتكون فيها الرجل المثقَّف المتحضِّر الذي لا يكفيه أن يكون مثقفًا, بل يعنيه أن يكون مصدرًا للثقافة، ولا يكفيه أن يكون متحضرًا, بل يعنيه يكون مصدرًا للحضارة٢. وفي ضوء هذه الرؤيا يذهب إلى أن تقوم الجامعة بتهيئة فريق من الشباب وتثقيفهم في فروع من العلم على وجه يمكِّنُهم بعد الظفر بالدرجات الجامعية من أن ينهضوا ببعض التبعات في أنحاء مختلفة من الحياة "نهوض الرجل المستنير المهذب الذي يحسن فهم الأمور وتقديرها, ويحسن التعبير عَمَّا فهم, والتصوير لما قدر, ويتصرف بعد هذا كله فيما يعرض له من الأمر تصرُّف الرجل ناضج العقل, نافذ البصيرة, العالِمِ بما يأتي وما يدع. وأنحاء الحياة هذه التي يهيأ لها هذا الفريق من الشباب كثيرة مختلفة؛ فمنها ما يكون في دواوين الحكومة ومصالحها, ومنها ما يكون في الصحف السيارة على اختلاف أغراضها ومذاهبها٣. وتأسيسًا على هذا الفهم يذهب طه حسين إلى أن "حاجة الشباب الصحفي إلى الخلق المتين والثقافة العميقة الراقية أظهر من أن تحتاج إلى دليل"٤، ولذلك يدعو في "مستقبل الثقافة" إلى إنشاء "مدرسة عملية للترجمة والتحرير والصحافة, يختلفون إليها متى بلغوا السنة الثالثة في كلية الآداب, ويدرسون فيها سنتين؛ بحيث إذا ظفروا بإجازتها مع الليسانس كانوا أهلًا للنهوض بأعمال الترجمة والتحرير والمشاركة في أعمال الصحافة"٥, ويقترح طه حسين لهذه المدرسة تنظيمًا يسمح "للطلاب بأن يختلفوا إليها دون أن يجدوا

стр. 268

في ذلك مشقَّةً تصرفهم عن الدرس العلمي"١، ويقضي هذا التنظيم بأن تتألف من ثلاثة أقسام٢: "القسم الأول: يتمرن الطلاب فيه على التحرير العربي, الذي يحتاج إليه في المصالح والدواوين, وفيه يدرسون اللغة العربية درسًا عمليًّا, ويدرسون اللغتين الإنجليزية والفرنسية درسًا عمليًّا أيضًا, يمكنهم من التخاطب والقراءة والإنشاء, ويدرسون ما لا بُدَّ من درسه من نظم الإدارة وإجراءاتها المختلفة, ثم يتثقَّفون ثقافة حسنة في تاريخ النظم الإدارية والدستورية, وفي تاريخ العلاقات السياسية الخارجية. "والقسم الثاني: يتمرَّن الطلاب فيه على الترجمة من الإنجليزية والفرنسية إلى العربية, ومن العربية إلى هاتين اللغتين, ويتثقَّفُون فيه الثقافة التي أشار إليها في القسم الأول. "وأما القسم الثالث: فيتمرَّن الطلاب فيه على أعمال الصحافة المختلفة؛ من تحرير وإدارة واستخبار وتوزيع, وذلك إلى تثقُّفِهم في المواد المشار إليها آنفًا, وتمرنهم على اللغتين الأجنبيتين إحداهما أو كلتيهما"٣. ويشير طه حسين في هذا الاتجاه، إلى أن فرنسا قد أخذت بمثل هذا الجمع بين الثقافة والتمرين بالقياس إلى مدرسة العلوم السياسية٤. ويؤيد هذا الاتجاه بالنسبة للتأهيل الصحفي، تأسيسًا على فهمه لثقافة المشتغلين بالصحافة، وما يجب أن تكون عليه. على أن الدعوة إلى التأهيل الصحفي في مصر ترجع إلى ما نشره الدكتور محمود عزمي في "السياسة" سنة ١٩٢٣, يدعو فيها هذه الدعوة، ولكنَّ هذه الدعوة بقيت سرًّا مكتومًا إلى أن كانت سنة ١٩٣٢, وكان عميد كلية الآداب هو الدكتور طه حسين, وتداول مع زملائه ومنهم الدكتور هيكل، بالفكرة التي نادى بها محمود عزمي سنة ١٩٢٣, واتفق الرجلان. وكان أن كتب هيكل في اليوم الثاني مقالًا طويلًا يدعو فيه إلى وجوب إنشاء مثل هذا المعهد لتهيئة بيئة صحفية صالحة للمستقبل٥, وأخذت جريدة السياسة في تأييد هذه الدعوة، والمطالبة بتحقيقها، وهي الدعوة التي لم تبدأ خطواتها التنفيذية إلّا في سنة ١٩٣٩ ٦. ومن ذلك يبين أن ثقافة طه حسين لم تنعكس على مقاله الصحفي فحسب،

стр. 269

ولكنها تجاوزت ذلك إلى تأهيل أجيال من الصحفيين يكون في مقدورها القيام بأعمال هذه الوسيلة الجماهيرية، التي يعتبرها أداة "لتثقيف الشعب وتهذيبه وتصفية ذوقه وتنقية طبعه، وتحقيق الصلة بين طبقاته, وتحقيق الصلة بينه وبين غيره من الشعوب"١. ونكتفي في هذا الصدد بأن نشير إلى نماذج من المقال الصحفي في أدب طه حسين، تكشف عن أثر ثقافته في توجيه مقاله توجيهًا وظيفيًّا. ومن هذه النماذج مقال بعنوان: "إذلال"٢ يتحدث فيه عن "محنة العقل في الجامعة، هذه التي تريد أن تقصي عن مجالس الكليات كما أقصت عن مجلس الجامعة طائفة من الأساتذة المساعدين، هم الذين قامت عليهم الجامعة، سيصبحون منذ اليوم، وليس لهم إلّا إلقاء الدروس، وسيقضي فيهم الأجانب وكبار الموظفين وهم صاغرون! "٣. ويستخدم في هذا الموضوع، الذي تدور فكرته حول محنة العقل٤، شواهد تثبت أن "السياسة مصدر هذه المحنة"٥ مستقاة من ثقافته، ومن هذه الشواهد قوله: "ومن قبل ذلك أُذِلَّ العقل في روسيا، فشُرِّدَ العلماء والكُتَّاب، وأُذيقوا ألوان الذل والعذاب، ولم تزل بهم سياسة البلاشفة حتى أخضعتهم لسلطانها، واضطرتهم إلى أن يكونوا لها أعوانًا وأبواقًا"٦, ثم يقول بعد تفصيل ذلك في روسيا وألمانيا وإيطاليا٧: "ولا بُدَّ لمصر من أن يمتحن فيها العقل كما يمتحن في هذه البلاد الأوربية الراقية، ولا بُدَّ للسياسة من أن تذل العقل في مصر، كما أذلَّت العقل في ألمانيا، وكما أذلَّته في روسيا، وكما أذلَّته في إيطاليا، لأن مصدر طغيان السياسة واحد في هذه البلاد كلها, مهما تختلف صوره وأشكاله، هو سخط على الديمقراطية، وإنكار لها، وتَبَرُّمٌ بها, ومحاولة لتطهير الشعوب منها. قوم يريدون أن يبسطوا سلطان العمال على غيرهم من الطبقات، فيحقِّقُون طغيان العمال، وقوم يريدون أن يحاربوا الشيوعية ويمكنوا الطبقات الوسطى من القضاء عليها, فيحققون طغيان هذه الطبقات, وقوم لا يجدون أمامهم شيئًا, لا يطمعون في التسلط, ولا يجدون أمامهم طبقات وسطى تحتاج إلى أن تقاوم وتدافع عن نفسها، ولكنهم يجدون أنفسهم وأطماعهم وأهواءهم وشهواتهم وإيمانهم لأنفسهم بالعصمة، فيريدون أن يخضعوا لأنفسهم أمة كاملة، وشعبًا بأسره، وأولئك

стр. 270

وهؤلاء يخشون العقل فيحاربونه! ويحتاجون إلى العقل فيتملقونه! وأولئك وهؤلاء يتخذون وسائل القوة المادية العنيفة بإذلال العقل وإخضاعه لما يريدون! "١. وينتقل من تصويره لمحنة العقل في أوربا ليتحدث عن موضوعه الأساسي في مصر: "يجب أن يكون لمصر حظّها من فتنة العقل واضطهاده، فمصر جزء من أوربا، ويجب أن تأخذ بحظٍّ من كل ما يقع في أوربا!. "ظهرت الثورة الديمقراطية في أوربا، فثار بها بعضنا في مصر, ظهرت بدعة الدكتاتورية في أوربا فشغف بها بعضنا في مصر! ظهر إذلال العقل في أوربا، فجدت فيه حكومتنا في مصر! وهل يقع في الجامعة المصرية الآن إلّا هذا, إنما حياة الحكومة والجامعة حرب متصلة بين السياسة والعقل، قد انتصرت فيها السياسة على العقل انتصارًا مؤزَّرًا لا يعزى الناس عنه إلّا أنه موقوت يزول بزوال مصدره، وهو الوزارة القائمة"٢ إلخ. وهكذا يبين أثر ثقافة طه حسين في التوجيه الوظيفي للثقافة في المقال الصحفي، الأمر الذي يتيح له الحكم الصائب، والنظر الصادق والتوجيه السليم. ومن هذه النماذج أيضًا، مقال بعنوان: "البرنامج المرن - لوزان"٣ يستشهد فيه بفيلسوف من فلاسفة اليونان "ولعله أرخميدس- وكان يبحث عن نظرية من نظريات العلم. لا أذكر ما هي, وقد طال بحثه واشتد جهده, وتكلَّف عناءً كثيرًا, وإنه لفي الحمام ذات يوم أو ذات ليلة, ذات صباح أو ذات مساء, لا ينبؤنا بذلك التاريخ, إذ أُلْهِمَ الحلّ أو ظفر به, فأخذ يصيح "وجدت! وجدت! " "Evoraka! Evoraka! " هل فهمت الآن؟ " وهو يتمثَّل بهذا المثل تمثلًا وظيفيًّا في المقال، حيث يقابل بين هذا المثل بسياسة الوزارة التي "ما زالت تبحث عن حل لمشكلة لوزان"٤. وقد يستدعي من ثقافته الأدبية بيتًا من الشعر الفرنسي أو العربي يستخدمه في المقال كذلك استخدامًا وظيفيًّا، كما فعل في مقاله له عن عيد الجهاد الوطني، وارتداد بعض رجال ثورة ١٩١٩ عن ثوريتهم: "وما رأيك في وزير من أبناء الثورة يشترك في إعلان الحرب على يوم الثورة٥، في فترة الانتكاسة الدستورية، فيستدعي لهذا الوزير بيتًا "لشاعر فرنسيٍّ حديث يسأل نفسه هذا السؤال:

стр. 271

- "ماذا صنعت، قل لي ماذا صنعت، بأيام الشباب"١. ومثل ذلك الاستشهاد الوظيفي، استشهاده ببيتين من الشعر العربي القديم، يتمثَّل بهما في تصوير "موقف الحكومة بإزاء المفاوضة مع الإنجليز"٢ و"موقف الحكومة بإزاء مسألة الدين"٣ وغيرها من المسائل التي "يخوض فيها الناس من المصريين والأجانب, فتثير في نفوسهم شكوكًا وريبًا, وتخلق جوًّا رديئًا قوامه سوء الظن وفساد الرأي وضعف التعاون, الذي يجب أن يكون بين الذين يعيشون على ضفاف النيل من المصريين والأجانب جميعًا، وكلٌّ يرتاب لصاحبه, وكلٌّ يخاف من صاحبه، وكلٌّ يصدق فيه قول الشاعر القديم: فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثي عن سميني وإلا فاضطرحني واتخذني ... عدوًّا أجتويك وتجتويني٤ ومن ذلك يبين أن طه حسين من بين قادة الفكر ورجال القلم, قد أفاد من ثقافته العريضة والعميقة في بعض مواضعها على نحو ما نعلم عن ثقافته في مقاله الصحفي، وهو الأمر الذي جعلنا نذهب عند الحديث عن أسلوبه إلى أنه أسلوب ثقافي. رابعًا: وهو خلاصة ما تَقَدَّم من الصفات، أن طه حسين كاتب المقال الصحفي، نتيجة لمقومات شخصيته التي حاولنا التعرُّف عليها في القسم الأول؛ قد تمتَّع بحاسَّة اجتماعية مرهفة، وقدرة على الانغماس في المجتمع والاتصال بالجماهير، وموهبة في الحديث والإيناس، ونحو ذلك من الخصال التي تمكِّنُه من الوقوف على حقيقة الرأي العام، ذلك أن طه حسين -كما يقول خليل ثابت صاحب "المقطم"٥ قد طابقت براعة الكاتب فيه براعة المحدث، وكان أسلوب طه حسين الكتابي أسلوب الحديث، ومن خصائص هذا الأسلوب أن يمضي فيه صاحبه عفو الخاطر الدافق، سهلًا لين المراس مسرعًا مستهلًّا، مستوقفًا مستفهمًا حازمًا، ساخرًا جادًّا قافزًا مستطردًا مرددًا معيدًا، همه الأول أن يظل ظافرًا بانتباه القارئ, فلا يدع إذنه تفرغ من نبرة الصوت وتسكاب الكلام"٦. وعند طه حسين نجد أن هذه الحاسة قد نمت وتطوَّرت معه منذ اتصاله بالصحف، في الجريدة واللواء، والسفور، بل إنه تولى في مرحلة التكوين

стр. 272

الصحفي سكرتارية تحرير مجلة "الهداية" مع الشيخ عبد العزيز جاويش، وقد أشار إلى ما أفاده من معرفة أدوار الصحيفة، كما تَقَدَّمَ، وتظهر هذه الإفادة فيما بعد حين يتولَّى رئاسة تحرير صحيفة كبيرة مثل "كوكب الشرق" اليومية، وحين يتولَّى كتابة المقال الرئيسي في صحيفة "السياسة" اليومية, إلى جانب عمله كمحرر "أدبي" للصحيفة؛ بحيث يمكن تشبيه خلاصة هذه الحواس الصحفية عند طه حسين بقوله عن الصحافة أنها "نار مضطرمة لا يَقْدِرُ على أن يُصْلَى بها إلّا الذين يهيئون لها أنفسهم ويسلكون إليها سبيلها, ويعرفون كيف يصلونها دون أن تحرقهم أو تحيلهم رمادًا, لا يغنون عن أنفسهم ولا عن غيرهم شيئًا. فليست الصحافة من اليسر بحيث يظن الشباب الطامحون إليها المتهافتون عليها، وإنما هي فن من أعسر الفنون الذي ينبغي أن يتهيأ له الآخذون فيه كأحسن ما يكون التهيؤ. والشباب الذي يريد أن يكون صحفيًّا لن يكفيه أن يقرأ الصحف, ويحاول تقليد ما ينشر فيها, ولن يكفيه أن يسمع ما يلقى من الدروس الكثيرة القيمة في معهد الصحافة أو في قسم الصحافة كما يقال الآن, بل يجب أن يتعلم هذا الفن في موطنه, ويبدأ من حيث يجب الابتداء, فيختلف إلى دار صحيفة من الصحف بالضبط كما يختلف إلى معهد الصحافة أو قسمها, ويقضي في هذه الدار بياض يومه أو سواد ليله أو كليهما أحيانًا, لا ليسمع فحسب, ولا ليكتب, ولكن ليرى آخر الأمر هذا الجهد الطويل والعناء الثقيل والصبر على المكاره التي لا يطيق أكثرها إلا الأقوياء المصممون"١. فالصحافة عند طه حسين "علم وعمل، وهي علم بالحياة أولًا وبحقائقها ودقائقها وأسرارها ومشكلاتها, وتهيؤ لاستقبال الأحداث وتعمقها وفق أسبابها ونتائجها"٢. وقد تعرَّفنا فيما تقدَّم على فهم طه حسين للجمهور, ولطبيعة الاتصال الصحفي, وعلى مهارته الاتصالية، وهي أمور تكفل له في النهاية هذا التفوق في تحرير المقال الصحفي. كما تعرَّفْنَا على مكانه من الهيئة الاجتماعي والثقافية، وهو المكان الذي أسهم في هذا التفوق في التحرير الصحفي، نتيجة تأثيرها على سلوكه الاتصالي، وأسلوبه في الاتصال بالجماهير. ومن مظاهر ذلك التأثير في مقاله طه حسين، قوله: إن "للظروف السياسية ذوقًا كثيرًا جدًّا، دقيقًا جدًّا، شديد الحسِّ، شديد التأثر، شديد التفكير في غده, شديد الملاحظة لما قد يقال"٣. ولكن هذا الذوق السياسي "دقيق حسَّاس فيما يمسّ الوزارة ورئيسها, وفيما يمسّ البرلمان وأعضاءه، ولكن أحدًا لا يشعر بدقته ولا يحسّه فيما يتصل بحياة هذا الشعب نفسه، فلم يسأل أحد عن

стр. 273

آلام هذا الشعب متى تنتهي"١. ومن ذلك يبين أثر مكان طه حسين من الهيئة الاجتماعية، وهو المكان الذي ذهب به إلى الوقوف في صفوف الجماهير العريضة، على نحو ما فصلناه فيما تَقَدَّمَ. وتبين قدرة طه حسين على الانغماس في المجتمع من استقصائه لمظاهر سخط الناس في مصر على الحياة السياسية أثناء المحنة الدستورية, وهو يستقصي هذه المظاهر عند كل القاطنين مصر "مهما تكن الظروف، ومهما تكن البيئات، ومهما يكن المسئولون"٢، كما يستقصيها عند المصريين "على اختلاف طبقاتهم وتباين منازلهم، وتفاوت حظوظهم من الثقافة والتعليم"٣. ثم يستقصي هذه المظاهر عند الأجانب: "ستسمع منهم جوابًا يشبه جواب المصريين، فهم غير راضين، وهم غير مطمئنين، ومع ذلك فقد كانوا يعلنون الرضى منذ حين"٤, ولكنهم "برغم هذا ليسوا راضين الآن، ولا مطمئنين، وإنما هم ساخطون أشد السخط, قلقون أعظم القلق، لماذا؟ لأن المصريين أنفسهم ساخطون قلقون، لأن الحياة كلها في مصر ساخطة قلقة مضطربة، ولأن الأجنبيّ لا يستطيع أن يرضى ولا أن يطمئن إلّا إذا رضي من حوله واطمأنَّّ الناس الذين يعيش معهم، ويعاملهم في كل يوم، ولأن سوء الظن بالأجنبي قد وجد السبل إلى نفوس المصريين لما ظهر من إسراف الرجال الرسميين في هذا العهد في إرضائهم ومحاباتهم وإيثارهم بالخير والبر دون أبناء الوطن. وإذا وصل سوء الظن بالأجانب في قلوب المواطنين فلا بُدَّ من أن يصل إلى قلوب الأجانب أنفسهم، ولا بُدَّ أن تقوم الصلات بين الوطنيين والأجانب على الشك والريبة، وعلى الحذر والاحتياط، وعلى الخوف وانتظار المكروه، وليس هذا كله مما يُقِرُّ الرضى في القلوب ويذود السخط عن النفوس"٥ إلخ. ومن هذا الأسلوب الاستقصائي يبين أنه أسلوب في استقراء الرأي العام، يقوم على حاسة اجتماعية مرهفة، وقدرة على الانغماس في المجتمع بالغة، وموهبة في الاتصال بالجماهير. وهي أمور تجعل من فن "المقال الرئيسي" عند طه حسين مقالًا صحفيًّا في مكان الريادة من تاريخ الصحافة المصرية الحديثة.

стр. 274

الفصل الثامن: فن المقال النزالي يرتبط المقال النزالي بسياسة المقال الرئيسي ارتباطًا وظيفيًّا، ذلك أنه يتوسَّل به في مواجهة أو مهاجمة سياسة مناوئة للمذاهب والمبادئ والميول والاتجاهات التي يتفق فيها مع الحزب الذي يمثله في صحافته، وعندما نتحدث عن هذا الفن المقالي, فإن علينا أن نكون على بينة مسبَّقة من أنه فنٌّ خاصٌّ يُكتَبُ لأهداف معينة، في مقدمتها التأثير على القراء من جهة، ومناوئة لاتجاهات مضادة من جهة أخرى١. وفي ضوء هذا الفهم تتضح العلاقة الوظيفية بين فنِّ النزال وأغراض المقال الرئيسي أو الافتتاحي من حيث أنه يعبِّرُ عن الصحيفة ورأيها كمؤسسة، ولذلك يعفيه الباحثون في الصحافة من التخفُّفِ من الانحياز المسبَّق لرأي ما، ويذهبون إلى أنه ينطلق من آراء مسبَّقة، يؤيد كاتب المقال أن يحمل القارئ على اعتناقها، مستخدمًا الأسلوب النزالي الذي يحتمل شجب الآراء المخالفة وتسفيهها٢. واكتسب هذا الفن المقالي في النزال خصائصه منذ كانت الصحافة النزالية في إنجلترا في القرن الثامن عشر، نوعًا من المصارعة الحرَّة، وسيلة المصارع فيها أن يصرع ولو بالكيد، وغايته منها أن يغلب بأية وسيلة٣. لذلك كانت الخصومات الأدبية والسياسية تقوم بين الحين والحين, يخوض فيها الأدباء والصحفيون والساسة، على أن هذه الخصومات كانت في أغلبها حزبية شخصية، ليس فيها الشمول في المعاني، ولا تتعلق بمبادئ عامة، أو فلسفات جامعة، فارتبط المقال السياسي بالمسائل الحزبية والتصرفات الشخصية أكثر من ارتباطه بالموضوعات المذهبية العامة، التي بدأ الاهتمام بها قبيل الثورة الفرنسية٤. ومع ذلك فقد كانت المقالات النزالية ذات أثر بارز في إرساء معاني الحرية٥، شأنها في ذلك شأن المقالات النزالية في الصحافة المصرية التي اتجهت في اتجاهين؛ الأول: اتجاه الأدب، والثاني: اتجاه السياسة. ففي الأدب ظهرت معركة حامية الوطيس بين القديم والجديد، وهي المعركة التي بدأت على صفحات "الجريدة", وتناظر فيها: الرافعي عن القديم وطه حسين عن الجديد، ثم ما لبثت هذه المعركة أن انتقلت إلى صحيفة "السياسة" اليومية لمحررها هيكل، وما زال لهذه المعركة آثار في صحافتنا المصرية إلى اليوم. وفي الاتجاه الثاني من اتجاهات النزال السياسي كثرت المعارك بين الأحزاب

стр. 275

المصرية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى، وأخذت تتزايد شيئًا فشيئًا فيما بعد. وقد انزلقت هذه المعارك السياسية أو الحزبية إلى مستوى الخوض في الأشخاص والأعراض. على أن الصحافة المصرية قديمة عهد بالنزال العنيف، فقد كانت بين المويلحي وعلي يوسف ملاحاة ومهاترات لا ندري لها سببًا غير المنافسة الصحفية بينهما١. ولكن هذا النزال العنيف "تحضَّر وتمدْيَن على يد صحيفة "السياسة", فصار أبلغ في الإيذاء. والعنفت السوقي القديم كان يقابل في الماضي من ضحاياه بالازدراء أو التأديب الجسماني، ولكن العنف المتحضِّر يحز ويؤلم ويرهق. فكانت إذ ذاك حرب الأعصاب قبل أن تخلق الكلمة, وكان من تلك الأيام أن أولعنا نحن المصريين بحب الصحافة المهاجمة وخصوصًا إذا تناولت الأشخاص. والناس يعرفون أن الصحف يتسع انتشارها حينما تكون معارضة، بل إن مؤيدي الحزب الحاكم يفضلون قراءتها على قراءة جرائد حزبهم، إذ هي ترضي في المعارضين والمؤيدين جميعًا ذلك الولع بتعقُّب الرجال الذي اكتسبناه أجمعين٢. وعند الدكتور طه حسين، نجد هذا الفن النزالي والاتجاه القوى إليه منذ بيئة التكوين الصحفي، فهو حريص على النزال ليتابع "القراء ما يكتب"، وهي الرغبة التي أفصح عنها في مقالاته الأولى حينما طلب في مقال "من أيهم أنا"٣ أن "يسمع كلمة لناقد", ٤ أو "يرى مقالًا لعائب"٥, بعد أن دعا "القراء إلى أن ينازعوه أطراف القول فيما يكتب أو يقول"٦, وفي ذلك ما يشير إلى استجابته لمذهب "الغُلُوّ والإسراف" في التحرير الصحفي عند عند أستاذه الشيخ عبد العزيز جاويش٧، وما يستتبعه من عنف في النقد والنزال، على النحو الذي تكشف عنه مقالاته الأولى في نقد المنفلوطي من عرضٍ كاريكاتيري, وسخرية مُرَّة لاذعة، فهو يسمي كتاب المنفلوطي "طاعون اللغة"٨, ويخطابه ساخرًا على النمط البياني: ".. فلا أقسم بالزور وأحاديث الغرور، ما رزء الآباء في الأبناء, والأمهات بالبنات بأعظم ما رزء العلم بمثلك, وإني عليك من هذا لمن المشفقين"٩ هي سخرية أقرب منها إلى الهجاء النثري، تدفعه

стр. 276

حين يسمع بأن ما ينشر تحت عنوان "اللزوميات" في "المؤيد" هو للمنفلوطي، ولما يتبين حقيقة الأمر بعد، إلى أن ينقد ما نشر تحت هذا العنوان على أنه صادر من صاحب "النظرات" فيقول: "ومهما أكثر أبو فصاده من أقيسته، وأطال أبو العلاء في لزومياته، ومهما أغرق كلاهما في الإخفاء وانتحال الأسماء، ومهما نصبت لأحدهما الشباك، واختلفت في ثانيهما الآراء، فإن كثيرًا من الناس يعرفون من هما، ولا ينظرون إلى أقوالهما ... إلخ"١. على أن فن النزال في مقال طه حسين لم يلبث أن تطور ليغدو فنًّا قائمًا بذاته، يدور حول فكرة شاملة، ويسعى إلى الغلب والفوز والإقحام والتوجيه والتقويم، متوسِّلًا بالسخرية والتهكم في أحيان كثيرة، وقد يلجأ إلى الاستفهام الإنكاري، وهي أمور أكسبت مقاله النزالي بعد اتساع ثقافته ونضوجها سمات جدلية تتوسَّل بالمنطق والتفكير العقلي، على نحو ما تشير إليه المقالات الواعدة في "السفور"، حيث لم يعد يكتب حبًّا في الكتابة ورغبةً فيها فحسب، وإنما يترسَّم وظيفة اجتماعية للنزال لكي ينجاب عن المجتمع العربي "هذا الفتور، ويذاد هذا النوم٢، ولعله من أجل ذلك "صنع" مساجلة "الحرب والحضارة" مع صديقه الدكتور محمد حسين هيكل الذي يقول: أذكر أن صديقي طه حسين كتب بعد أشهر من صدور السفور وبتوقيع "تأسيت" مقالًا قيمًا بعنوان: "الحرب والحضارة", أيد فيه النظرية القائلة بأن الحروب هي التي دفعت الإنسانية إلى الأمام، وهي التي قدَّمت العلم، وهي التي أنشأت الحضارة المختلفة وأقرتها بين بني الإنسان, وتلوت المقال كما كنت أتلو كل ما يُكْتَب في السفور، ولما ذهبت إلى القاهرة والتقيت وطه, سألني إن كنت قرأت مقاله.. فأبديت له إعجابي به ودهشتي للفكرة التي أملته في وقت تدوي فيه الميادين كلها بأهوال القتل والقتال والتخريب وإحراق المدن. فأجاب: "إنما كتبت هذا المقال لترد أنت عليه حتى نتجادل، ولتؤيد النظرية المضادة التي تذهب إلى أن الحروب طالما دمرت وخربت، وإن حماقة الإنسانية هي التي تدفعها للحروب". وراقتنا الفكرة جميعًا؛ لأنها "تدعو شبابنا للتفكير، وتدعو قراءنا لمتابعة ما نكتب". فالناس لا يحبون شيئًا حبهم الخلاف والجدل، وإن بلغا من العنف مبلغ النضال والحرب"٣. وفي هذه المساجلة اتخذ "دكاترة السفور" على حدِّ تعبير الشيخ مصطفى عبد الرازق٤ حديث الحرب فلسفة, وقاموا "بين صيحات التواكل وأنين

стр. 277

الجرحى يتنازعون بينهم أمر الحضارة وعلاقتها بالحروب، يأبى الدكتور طه حسين إلّا أن يثبت نفع التقاتل للجمعيات البشرية, وعنده أن كلَّ مدنية في الأرض إنما تنبت تحت ظلال السيوف. ولكن الدكتور هيكل يفزع من سيلان الدماء الإنسانية, ولا يرى خيرًا في الحرب التي هي في نظره بقية مما تركت الوحشية في صدور الناس، فلسفة الأزهري القديم فلسفة مسلَّحة، وفلسفة الأستاذ المحامي دعة وسلام"١. وفي الفلسفة المسلَّحة عند طه حسين، نجد فكرة متكاملة لموضوع النزال؛ لأن طبيعة هذه المساجلة أشبه بالمناظرة الفكرية حول موضوعٍ يمسُّ البيئة العامة عن قرب, وهو موضوع الحرب الدائرة في العالم أثناء كتابتها، فهي أقرب إلى أن تكون موقفًا من المتناظرين إزاء المناخ العام، لا سيما وأن "السفور" قد نشأت في ظل الأحكام العرفية بعد "موت" الجريدة، ولم تكن لتصدر إلّا إذا أعلنت أن "لا شأن لها بالسياسة"٢, ولذلك تنتقل هذه" الفلسفة المسلَّحة" إلى طورٍ جديد بعد ثورة ١٩١٩, وصدور صحيفة "السياسة" التي اتجهت في اتجاه المعارضة، وعرفت "كيف تشغل المفكرين المصريين" بمناهجها الجديدة٣، فقد كان محرورها -كما يقول هيكل٤- قد شعروا بأن ما أصاب الصحافة من هزال الحرب بسبب المراقبة جعلها بعيدة عن الغاية السامية التي وضعت لها, وذلك كله تجب مداواته ليتسع أمام النظر الحياة, وليشعر الناس بأن حريتهم في هذا المدى الواسع غير محدودة, وليقدروا ما كسبوه بسبب هذه الحرية من قوة في الحياة, ومن سلطان وسعادة للوصول إلى هذه الغاية.. جاهدنا، لتدخل الصحافة ما يقتضي الحال إدخاله من التجديد٥. وتقوم الفلسفة المسلحة عند الأزهري القديم في هذا التجديد المقالي، الذي أدخلته "السياسة" في الصحافة المصرية من بعد، على الاتجاه نحو الهجوم دائمًا، بحيث يبقى خصمه "مدافعًا أبدًا"٦، ونجد هذه القاعدة في فن النزال عند طه حسين، لا تشذُّ إلا حين يصدر كتابًا من كتبه فيتناوله بالبحث، كما نجد في نشأته ومقوماته الشخصية ومصادر ثقافته، من تقويم هذا النزال وتوجيهه.

стр. 278

ومن ذلك أن البيئة الأزهرية كانت تحفل بفنون الجدل، حين نشأ فيها طه حسين، ذلك أن الأجيال التي سبقته مثل: "محمد باشا صالح, وسعد باشا زغلول"١ كانت تحرص على هذا الجدل وتتفنن فيه، فكان سعد زغلول ينادي صاحبه ليتجادلا، ويترك له اختيار الجانب الذي يدافع عنه، ليتولى سعد الدفاع عن الجانب الآخر. و"حدث يومًا أن كان الشيخ محمد صالح غير متهيئ للجدل, فلما قال الشيخ سعد الله: هلمَّ نتجادل، قال الشيخ محمد: فليكن موضوعنا إذن "فائدة الجدل", واختار هو الدفاع عن أن للجدل فائدة, ودافع الشيخ سعد الله عن أن الجدل لا فائدة منه ولا غناء فيه"٢. وفي ذلك ما يشير إلى أثر البيئة التي تمثلها الأزهري القديم في فلسفته المسلَّحة، إلى جانب الثقافة العربية القديمة، وما تشير إليه من توجيه في فنون الجدل عند طه حسين، فالجدل -كما يقول ابن خلدون٣ هو: معرفة أدب المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم, فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعًا, وكل واحد من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج، ومنه ما يكون صوابًا, ومنه ما يكون خطأ, فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابًا وأحكامًا يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول٤. وسُمِّيَتْ هذه الآداب "آداب البحث والمناظرة"٥ على أن الخلاف والجدل في عرف العلماء العرب يختلفان عن البحث والمناظرة من حيث أن الغرض منهما الإلزام، والغرض من المناظرة إظهار الصواب٦، فهي تعنى بخدمة الحقيقة والصواب، لا يعنيها الناس كما يعنيها إثبات الحق وبيان وجه الصواب. ويظهر أثر هذه الثقافة العربية القديمة، في تأثُّرِه بالفقه الذي درسه في الأزهر، فيذهب طه حسين إلى إيثار كلمة "الفقه" على كلمة "القانون" في مناظرته مع هيكل، ذلك أن الفقه عند طه حسين" ييسر" للكاتب دراسة نفوس الأفراد والجماعات ومعرفة خصائصهم، وما يعرض لهم في حياتهم الداخلية والخارجية من الأحداث والخطوب، وهو محتاج إلى هذا لأنه مضطر بحكم صناعته, سواء أكانت أدبًا أم فقهًا إلى أن يتحدث إلى الناس فيما يكتب وما يقول. وهو من هاتين الجهتين محتاج إلى العلم بشئون الناس, والتأثير في نفوسهم إذا تحدَّث إليهم في فصاحة وبلاغة وحسن أداء٧. ويذهب تأسيسًا على هذا إلى أن الكاتب البارع أو المحامي الماهر لا تأتيهما البراعة من إتقان علوم الفقه بقدر ما تأتيهما من القدرة "على إقناع القضاة وقهر الخصوم"٨.

стр. 279

ومن ذلك يبين أثر البيئة الأزهرية وأثر "الفقه" وما يَضُمُّه من مسائل جدلية في تنمية الاتجاه الفطري إلى "النزال" عند طه حسين، وتوسّل هذا النزال بفنون الجدل المستقاة من ثقافته العربية القديمة، في إقناع القراء وقهر الخصوم. ذلك أن الثقافة العربية القديمة أيضًا قد زوَّدته بأسس جدلية توسَّلت بها الفرق الإسلامية، وأصحاب المقالات الفلسفية في الحوار وتقرير الآراء، والتي بدأت شفوية في الحديث والخطابة، ثم صارت كتابية تسجل في كتب ورسائل، كما نجد في مناظرة الهمذاني والخوارزمي في نيسابور١، ومناظرة "صاحب الديك" التي كتبها الجاحظ في "الحيوان" لبيان رأيين مختلفين، وغيرهما كثير. والباحث في أصول النمط النزالي في مقال طه حسين يجد امتداد التيار القديم في التحرير المقالي، والذي جعلناه في معطيات هذا البحث مؤثرًا من المؤثرات التي أنتجت فن المقال الصحفي في الصحافة العربية والمصرية، ومن أصول هذا التيار ما نجده عند العلماء العرب من تناول المتن والسند والدليل والتقسيم وغيرها من المسائل الموضوعية والمعنوية، وما نجده كذلك من ازدهار النزال في التيار القديم لارتباط نشأة النثر العربي بنشأة الأحزاب السياسية بعد تفوض نظام الخلافة وإقامة الملك٢, ثم نشأة المناظرات العلمية والفلسفية والدينية بعد ذلك٣. وذلك كله بالإضافة إلى فنِّ "الهجاء" الذي عرفته الثقافة العربية القديمة وتفننت فيه، وإلى هذا التيار القديم يُرْجِعُ طه حسين ازدهار "النمط النزالي" في المقال الصحفي بين الحربين، ذلك أن الخصومات السياسية قد يسَّرت اللغة تيسيرًا غريبًا، ومنحت العقول حِدَّة رائعة ونفاذًا بديعًا، واستطاعت أن تشغل الجماهير وتعلمهم العناية بالأمور العامة، والاهتمام لها, والتفكير المتصل فيها. وأحدثت أو قل: أحيت في النثر العربي فن الهجاء الذي أتقنه الجاحظ وقصر فيه من جاء بعده من الكُتَّاب. فقد أصبح هذا الهجاء السياسي من أهم الألوان لأدبنا العربي الحديث، فيه الحدة والعنف, وفيه المتعة واللذة، وفيه التنوع والاختلاف بتنوع الأمزجة واختلافها، وفيه الإيجاز والإطناب، وفيه التصريح والإشارة"٤. وإلى جانب هذا الأثر القديم في ثقافة طه حسين نجد للثقافة الفرنسية الحديثة أثرها في توجيه مقاله النزالي، نكتفي من ذلك بإشارته إلى القصص التمثيلية التي تثير ألوانًا من النقد "لها خطرها، بعضها يتصل بالسياسة

стр. 280

فيختصم فيه الناس كما يختصمون في السياسة، وبعضها يتصل بالأدب, فيختصم فيه الأدباء دون غيرهم من الناس، وبعضها يتصل بالأدب والسياسة جميعًا"١, وكان للبيئة الفرنسية صداها في نزال طه حسين، فالناس في هذه البيئة" "يختصمون دائمًا، تفرض منافعهم عليهم هذا الاختصام، ولكنه اختصام لا يفسد الحياة، ولا ينغِّصُ العيش, ولا يدفع إلى المكر، ولا يغري بالكيد، ولا يغيِّر صداقة الأصدقاء، ولا يجعل بعض المواطنين لبعض عدوًا. وما أكثر ما يختصم المختصمون في مثل هذه البيئة أشد الاختصام وأعنفه في الصحف أو في البرلمان أو في غير الصحف والبرلمان من وجوه النشاط! ولكنهم على ذلك يلتقون وقد ألقوا عن أنفسهم ثقل الخصومة حين ألقوا عن أنفسهم ثقل العمل، وخلصت قلوبهم وضمائرهم لما يكون بين المثقفين حين يستقبلون مشهدًا من مشاهد الفن, أو موضوعًا من موضوعات الأدب أو خاطرًا من خواطر الفلسفة"٢. ويتمثل هذه البيئة الفرنسية في نزالياته، حين يريد أن يختصم المصريون كما يختصم الفرنسيون وغيرهم من الشعوب المتحضرة الراقية، ذلك أن المصريين "يختصمون كما كان الناس يختصمون في بعض البيئات القديمة, لا يرعون في خصومتهم رفقًا ولا أناة ولا ذوقًا ولا وقارًا، وإنما هو العنف والإمعان في العنف حتى يصلوا إلى أبعد غاياته مهما تكن النتائج، يخلطون أنفسهم بأعمالهم وأعبائهم، ويسرفون في الإيمان بأنفسهم حتى يقدروا أنهم إذا نهضوا بالسياسة وأعبائها فإنما ينهضون بأمورهم الخاصة لا بأمور غيرهم من الناس. ولست أعرف أشد غرورًا ولا أعظم إمعانًا في الحمق من رجل يعيش في العصر الحديث ويمارس الأعمال العامة على النحو الحديث, ثم لا يفرق بين شخصه وبين أعماله العامة، ولا يقدر أنه حين ينهض بالمنصب أو يمارس السياسة ليس إلّا وكيلًا للشعب ينوب عنه في تدبير بعض أمره نيابة موقوته قد تقصر وقد تطول, ولكنها موقوته على كل حال"٣. ومن ذلك يبين أثر البيئة الفرنسية في توجيه المقال النزالي عند طه حسين، توجيهًا يقوم على أن "الشعب في البلاد الحُرَّة يرى أن الحياة العامة ملك له هو لا للسياسة ولا للقادة٤، ولذلك فإن واجب المقال النزالي يقضي عليه أن يوجه إلى احتمال "جد الحياة العامة, ويشقى بهذا الجد أحيانًا في نفسه وماله، فإن الحق الوطني المدني له أن ينعم بما في حياته العامة من خير, ويلهو بما في هذه الحياة العامة من فكاهة أو دعابة أو مزاح. والمهم هو أن حياة

стр. 281

الشعب ملك للشعب، يبتئس بها حين تفرض عليه الابتئاس، ويبتهج بها حين تثير في نفسه الضحك. وليس للناهضين بأعباء هذه الحياة أن ينكروا ذلك أو يضيقوا به، فهم حين يقبلون النهوض بأعبائهم لا يشترطون على الشعب ألا يضحك منهم حين تدعو سيرتهم للضحك، وألا يتنَدَّر بهم حين تدعو سيرتهم للتندر, وكما أن الكاتب والشاعر والفيلسوف والعالم لا يشترطون على قرائهم قبل أن يقدموا إليهم آثارهم أن يعفوهم من النقد، فالساسة والقادة والموظفون لا يشترطون على الناس قبل النهوض بأعمالهم أن يعفوهم من النقد, سواء كان هذا النقد مرًّا أم حلوًا وجدًّا أم مزاحًا١". ومن ذلك يبين أيضًا أن طه حسين قد وجد في الصحافة الفرنسية نموذجًا للنزال الصحفي، كما وجد في "خصومتها السياسة لذة، لأن فيها ذكاء حادًّا, وفيها رقة في اللفظ, وفيها إصابة في الجدال، وفيها على هذا كله براءة من السب والشتم ولغو الكلام وهراء الحديث٢". فإذا أضفنا إلى ذلك تمثله للأسلوب الديكارتي في مقاله الصحفي بصفة عامة، وفي مقاله النزالي خاصة، فسيتضح لنا الأثر الفرنسي في مقال طه حسين، وهو الأثر الذي ينمي الأثر العربي ويقوّمه، كما أثَّر التيار الصحفي في طور التكوين في توجيه مقاله النزالي، ذلك أن هذه البيئة الصحفية -كما تَقَدَّم- قد شهدت معارك قلمية ترتبط بنشأة الأحزاب السياسية في مصر، كما ترتبط بالحياة الأدبية في القرن الماضي وأوائل هذا القرن، على نحو ما نجد في معارك: عام الكف، وعام الكفء، وعام الكفر٣. وقد تعَرَّفنا على أثر هذه البيئة من خلال تشجيع الشيخ جاويش للأسلوب النزالي في مقال طه حسين، ذلك أن مذهب الشيخ جاويش هو "مذهب الغُلُوِّ والإسراف٤، فكان يحبب العنف إليه ويرغبه فيه، ويحرضه عليه تحريضًا٥. على أن هذه المؤثرات الخارجية قد تضافرت جميعًا مع مقومات شخصية طه حسين ومصادر ثقافته على تطوير الأسلوب النزالي, الذي استجاب له طه حسين نتيجة لاتجاهه الشبيه بالفطري؛ فقد وجدنا من حادثة "اللقمة الشهيرة" أثر البيئة الأولى في اكتسابه صفة الجلد، التي جعلته يُحَرِّمُ على نفسه ضروبًا من اللعب وألوان الطعام والشراب١، وإلى هذه الصفة، ذهبنا إلى إرجاع جلده

стр. 282

في النزال العنيف، متى أتيحت له الوسائل, وملك أن يفصح عن حقيقته ومشاعره وآرائه في صبره على النزال وجرأته في مواجهة الخصوم، يرتبط بهذه الخصائص الشبيهة بالفطرية، ميل طه حسين الشديد إلى أن يكون في صفوف "المعارضة" أكثر مما يميل إلى صفوف "الإجماع", نجد ذلك الميل لديه منذ سافر إلى القرية أول مرة وهو طالب بسيط في الأزهر، فاستخفَّت به القرية وهي تحتفي بأخيه كلما شقَّ دروبها, بل تحتفي به غائبًا فترفع الصوت في السؤال عنه والاطمئنان عليه. فآذى نفسه ذلك فمضى ينقد كل شيء: دلائل الخيرات التي كان يعتز والده بقراءتها، ومجالس الشيوخ، وامتدَّ نقده إلى المحكمة الشرعية نفسها، فانتقم لنفسه صبيًّا وخرج من عزلته؛ وشغل الناس في القرية والمدينة بالحديث عنه والتفكير فيه. وتغيَّر مكانه من الأسرة، مكانه المعنوي إن صحَّ هذا التعبير، ولم تعرض عنه أمه وأخواته، ولم تقم الصلة بينهم وبينه على الرحمة والإشفاق، بل على شيء أكثر وآثر عند الصبي من الرحمة والإشفاق، وانقطع ذلك النذير الذي سمعه الصبي في أول الإجازة بأنه يبقى في القرية، ينقطع عن الأزهر, ويصبح فقيهًا يقرأ القرآن في المآتم والبيوت١. فاتجاه طه حسين إلى صحافة المعارضة منذ عودته إلى وطنه بعد ثورة ١٩١٩، سواء في صحافة الأحرار الدستوريين، أو في صحافة الوفد حين كان الوفد في معارضة صدقي، اتجاه أصيل في نفس طه حسين، منذ كان يجادل شيوخه في الأزهر حتى خرج منه عقب جدال. حتى السلطان نفسه عارضه فكان إذا غضب على شيخ انتصر له وأعلن انتصاره له في الصحف, وسعى إلى داره, ولزم درسه فيها, لا حبًّا في علمه" ولا تهالكًا على شيخه، ولكن تحديًا لذلك السلطان الذي كنا نراه جائرًا متحكمًا, ولا نريد أن نذعن لجوره ولا لتحكمه"٢ وقد تعرفنا على آثار هذا الاتجاه في النزاليات الأولى لطه حسين، حين هاجم المنفلوطي الذي كان الناس "يجمعون" على الإعجاب به، إن جاز هذا التعبير، وكما تبيَّنَ من مساجلة "الحرب والحضارة" في السفور؛ وهي مساجلة "صنعها" طه حسين، على نحو ما تقدَّم تفصيل ذلك، يتوسَّل بها إلى القراء ليثير فيهم "الجدل والتفكير", ولم تلبث هذه النزاليات "أن تمثَّلت عناصر الثقافة القديمة والحديثة، والمقومات الشخصية, لتؤصل بعد عودته إلى وطنه فن المقال النزالي الصحفي في مزاج جيله, وتقيمه على تقاليد مكينة، كما تبيَّن من دراستنا لمصادرها في القديم والحديث، وهو فن يتوسَّل به رغم حزبيته إلى التعبير عن أفكار تتعلق بالمبادئ العامة، وتدور حول اتجاهات جديدة في إطار من "التعقيل" و"التنوير", ذلك أن قالب "النزال" في نهاية

стр. 283

الأمر وسيلة لدعوة القراء إلى "التفكير", و"متابعة" ما يكتب الكُتَّاب؛ ليؤدي المقال وظائفه "التوجيهية" و"التقويمية" و"الإقناعية" على أفضل نحو ممكن. ولعل في كلمة "أندريه جيد" تليخصًا لمحور النزال في مقال طه حسين، ونعني قوله: "لتكن حياتك ثائرة مثيرة، لا تجعلها هامدة ساكنة"، فالقالب النزالي في مقال طه حسين وسيلة ثورية يتوسّل بها إلى هدم الهدم، والتقليد والمحاكاة، وهو لذلك ينتقل من الاعتماد على المنطق الأرسطي في طور التكوين، والذي كان يتخذ منه سلاحًا ذا حدَّيْن في مقاله النزالي، من حيث تنظيم التفكير والتسلُّح بعدته في النزال، إلى منطق جديد يتوسَّل بالأسلوب الديكارتي الوظيفي، حيث لم يعد يكتب "حبًّا في الكتابة ورغبة فيها"١ كما كان يفعل في طور التكوين الصحفي، ولكنه أصبح يكتب من خلال رؤيا وظيفية للمقال، تتغَيَّا التبسيط والتوجيه والتقويم والتثقيف، وما إلى ذلك من الوظائف التي تسهم في تكوين الرأي العام المصري، الذي يريده طه حسين على أن يكون "أشد أنواع الإصلاح سطوة وأعظمهم بطشًا"٢. ذلك أن دوافع الكتابة والتحرير عند طه حسين، تأتي من أن "موضوعًا من الموضوعات مشكوك فيه, فلا بُدَّ من أن يثيبت, أو غامض فلا بُدَّ أن ينجلي، فلا بد من أن يعرف, أو ضعيف فلا بد من أن يقوى, أو قوي فلا بد من أن يضعف"٣. فهذه الدوافع للكتابة والتحرير عند طه حسين تقتضي التوسُّل بوسائل جديدة "لهداية الذهن", كما ذهب إلى ذلك "ديكارت" في معارضة المنطق الأسططاليسي، ذلك أن هذه الوسائل تتيح للمقال الصحفي، وللقالب النزالي منه خاصة، السير على هدى؛ وخطة مرسومة، ومنهج محدد، ذلك أن ديكارت يذهب إلى أن أوَّل ما يلزم للمعرفة، وللإنسان الواعي، هو الشعور بضرورة المنهج، ثم إيجاده، وتطبيقه في مجالي النظر والعمل جميعًا, ويتحدد هذا المنهج في "قواعد مؤكدة تعصم الذهن الباحث من الوقوع في الخطأ، وتمكنه من بلوغ اليقين في جميع ما يستطيع معرفته، دون أن يستنفد قواه في جهود ضائعة"٤، وهذه القواعد عند طه حسين هي التي تحدد منهجه المقالي في المعرفة ليبدد آثار ما تبقَّى من "عصور الظلمة المظلمة, والجمهور القبيح"٤.

стр. 284

وقد استطاع طه حسين بقواعد المنهج الديكارتي أن يثير لدى القراء الرغبة في "التفكير؛ لأن الإنسان الذي يشك لا بُدَّ أن يفكر، والشك هو دليل الفكرة, كما أن الفكر دليل الوجود، وتأسيسًا على هذا الفهم تصبح الكتابة أمرًا محتَّمًا -عند طه حسين؛ إذ لا بُدَّ من وجود "قوم يكتبون وكثرة من الناس لا بد من أن تقرأ"١. وهذه القراءة ليست "لقطع الوقت"٢, ولكنها غذاء "العقل والذوق والقلب"٣. ومن أجل هذه الغاية يصبح النزال في قاموس الكلمات الكاشفة، إن صحَّ هذا التعبير، يقابل "الخصام" في قاموس طه حسين٤، ذلك أن الصحف في سبيل إثارة "التفكير" كانت تشترك "في درس موضوع واحد أثاره كاتب من الكُتَّاب, فأنكر عليه كاتب آخر بعض ما قال, أو كل ما قال، وأسرع إلى هذا الكاتب وذاك أنصارهما فاختصموا وأطالوا الاختصام، وانتفع القراء والكُتَّاب جميعًا بهذه الخصومات"٥. بل إن هذه الخصومات أو النزاليات هي التي بنت لجيل طه حسين "مجدًا, وجعلتها من قادة الرأي"٦. ذلك أن من طبيعة الكاتب نفسه أن "يكتب, ومن طبيعة نفسه أن يتصل بالناس، ليقرأوه ويشاركوه في الحس والذوق والشعور"٧. والكاتب لذلك -عند طه حسين- ليس محتاجًا إلى أن "يرضي الناس عنه فحسب، ولكنه محتاج إلى أن يرضوا عنه ويسخطوا عليه"٨, بل إنه يذهب إلى أن "الخصومة قوام الحياة, ولأمر ما قال الناس منذ أقدم العصور: إن الحياة صراع، وإن الحياة صراع، وإن الحياة جهاد"٩. وفي ضوء الرؤية الوظيفية للنزال عند طه حسين، نحاول أن ننظر في عجالة سريعة، في خصائص المقال النزالي في صحافته, والتي تميز بها في أداء الوظائف الصحفية للمقال: أولًا: إن طه حسين يتوسّل بالنزال توسُّلًا وظيفيًّا في مقاله, فقد أراد إلى أن "يستيقظ النائم ويتنبه الغافل ويخرج الهادئ من هدوئه, ويزعج المطمئن الراضي عن اطمئنانه، ورضاه"١٠, وهو لم يرد إلى ذلك في النزال السياسي فحسب، ولكنه ذهب إلى ذلك في النزال الأدبي والثقافي أيضًا، ذلك أنه كان يذهب إلى أن لا شيء "أضرَّ بالحياة وأدفع لها إلى البلادة والجدب من هذا الذي يتورَّط فيه المثقفون من الخمود والركود، والرضى بما كان" والاطمئنان

стр. 285

إلى ما هو كائن، والاستخفاف بما يمكن أن يكون١". ويصرح طه حسين أنه كان يؤثر دائمًا "سخط العقول على رضاها، وأن أحب لها القلق وأكره لها ما يمكن أن تضطر إليه من هذا الأمن المخيف الذي ينتهي بها إلى الفتور وإيثار الدعة, والاطمئنان الذي يحبب إليها الراحة, ويغريها بالكسل, ويزين لها الاستسلام والتسليم أيضًا٢". وفي ضوء هذا الفهم الوظيفي للنزال، فإن طه حسين في كثير من الأحيان هو الذي يطلق "السهام" الأولى، ويتخذ مكان "الهجوم" قبل أن يكون في "الدفاع"، ذلك أن النزال عند طه حسين إنما يكون "في سبيل الرأي أو في سبيل كلمة تقال, وليس من قالها٣" ويتمثَّل في ذلك بقول الشاعر القديم: يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل٤ وعثرة اللسان هذه -عند طه حسين, إنما يكون مصدرها "حب الحق والحرص على النصح للناس وإن كرهوا النصح والناصحين٥، وهي لذلك في المقال النزالي تُعَرِّضُ الكُتَّاب والمصلحين للمحن "لأنهم يقولون ما لا يرضى الناس٦"؛ ولأنهم يحاولون "أن يلقوا في روع الناس ما لم يألفوا, وما لم يحبوا ويريدون أن يحملوهم على منهج جديد من مناهج الحياة, مخالف للمناهج التي آثروها بالحب ووصلوا بها قلوبهم وعقولهم وصلًا, وكرهوا أن يزعجهم الناس عنها بعد أن طال اطمئنانهم إليها٧". تلك هي الرؤيا الوظيفية للنزال في مقال طه حسين، حين يتجه في الاتجاه الثقافي والسياسي أو الاجتماعي، وهي الرؤية التي تجعله كما يقول الدكتور هيكل عنه "مهاجمًا" أبدًا، وكما ظهر أثر تلك الرؤية النزالية في مساجلاته الأولى حول "الحرب والسلام", ومع الرافعي وجورجي زيدان والمنفلوطي, وكما ظهر أثر الرؤيا في مقاله السياسي أو الاجتماعي من بعد، ذلك أنه كما يقول -يستطيع أن يحمل نفسه "على الصمت؛ لأنها تأبى إلا الكلام حين يوجد موضع الكلام"٨؛ ولأنه إن "أكرهها على ما لا تحب" واضطرها اضطرارًا إلى الصمت, وحملها على الإغراق فيه, جاءه الراضون عنه والساخطون عليه: "فاستكرهني على القول وأخرجوني من العزلة", وخلطوني بأنفسهم, وأشركوني في خصوماتهم ومشكلاتهم التي لا تنقضي"٩.
следующие страницы →